الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 22 أغسطس، 2009

وظلم ذوي القربى



الغريب لا يؤلمك غدره. العابر لا يؤذيك إلاّ متى تعلّقت فيه آمالك والرغبات. ولذلك يبدو الانكسار عنيفًا حين تأتيك الصفعة ممّن أعطيته خدّك ليطبع قبلة السلام والإخاء. أنت لا تبكي إلاّ متى خانك الودّ الذي اتّكأتَ عليه واثقًا مطمئنًّا إلى أنّك في الحضن الآمن حيث لا تحتاج إلى سلاح أو درع.
كان شابًا لمّا يبلغ الثلاثين من عمره، حين أطلق ذلك الشاعر الجاهليّ الذي ولد في البحرين صرخته المدويّة التي لا يزال صداها يتردّد حتّى اليوم، وتختصر حكمة الأعمار كلّها:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّد
فأيّ جرح ذلك الذي أصاب طرفة بن العبد؟ ولماذا يكون الإرث الماديّ الزائل هو دائمًا ما تُغتال من أجله الصداقات وتُحلّ بسببه روابط الدم؟ أعمام طرفة الذين طمعوا بإرث أخيهم وخافوا على ثروته من ثورة ابنه الشابّ وفورة الطيش فيه وجاروا على أمّ طرفة "وردة" أخت الشاعر المتلمس، كانوا على يقين من أنّهم يفعلون الصواب ويحمون الفتى من جنوح أهوائه وانصرافه إلى اللهو والخمر والنساء، ولكن من يستطيع أن يعلم أيّ كلام قيل وأيّ لغة استعملت وأيّ حوار دار ما جعل الشاعر يكتشف أنّ ظلم الأقربين الذين هم أولى بالمعروف أكثر قسوة وإيلامًا من أيّ جرح جسديّ قد يصاب به الإنسان؟ وإذا كان ذنب طرفة هو طيش الشباب فبأيّ ذنب يؤخذ سواه؟ أوليس قول هذا الشاعر هو ما خطر على بال الأديبة مي زيادة حين قادها ابن عمّها إلى مصحّة الأمراض العقليّة ليضع يده على إرثها؟ أليس في كلّ بيت حكاية من هذا النوع؟
لعلّنا نحن في هذا الشرق العربيّ نعرف أكثر من سوانا طعم الألم متى تسبّب فيه شقيق أو جار أو قريب. ربّما لأنّنا نعلّق أكثر من سوانا آمالاً على روابط الأخوة وحرمة الجيرة ومحبّة القريب، إن على الصعيد الشخصيّ أو على الصعيد الوطنيّ. ولا أعتقد أنّ ثمّة شعوبًا أخرى تتغنّى، كما نفعل في كلّ مناسبة، بالعلاقات الوديّة وباحترام الحدود وبعدم التدخّل في شؤون الآخرين. يعترف غيرنا بالمصالح ويتصرّفون على أساسها، ولا يملأون خطبهم وبياناتهم الرسميّة بمشاعر الودّ وحرارة العواطف، واستذكار الماضي الجميل والاستشهاد بكلام الكتب المقدّسة. نحن نفعل كلّ ذلك، ثمّ نفاجأ بأنّ ذلك الصديق خاننا وتلك الجارة اعتدت على أرضنا وتلك الدولة تحلم بضمّنا إلى ممتلكاتها. وكم تتشابه الحالة العامّة مع الحالات الخاصّة في كلّ بيت وعائلة!
حين سئل السيّد المسيح: من هو قريبي؟ أعطى مثلاً عن رجل وقع ضحيّة اللصوص الذين انهالوا عليه ضربًا، وتركوه بين الحياة والموت. فمرّ به رجل دين من طائفته ولم يلتفت إليه، ثمّ مرّ رجل يساعد رجل الدين في الهيكل وتابع طريقه، غير أنّ رجلاً غريبًا عن ملّته وقومه دنا منه وضمّد جراحه ونقله إلى مكان آمن. فمن يكون القريب في تلك الحالة؟ سأل يسوع تلاميذه.
القريب هو من اقترب منك وانحدر إليك في هاوية يأسك ليرفعك بعدما ظننت أنّك لن تقوم من عثرتك. والأهمّ من ذلك أنّه لم يطلب أجرًا ولا وسامًا ولا مكافأة، ولم يبق ليصمّ أذنيك ليل نهار بأنّك لولاه لكنت الآن في حفرة آلامك تلعق جراحك. ربّما كان ذلك أفضل لك من أن يرفعك على صليب عطائه ويتوّج رأسك بإكليل فضله، ويطعنك في جنبك في كلّ لحظة ليتأكّد من أنّك ما زلت على قيد الحياة.

ليست هناك تعليقات: