الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 31 مايو، 2015

في غياب أهل الحكمة (2009)




(تشرين الثاني 2011)
كانت الشعوب القديمة تفتخر بحكمائها وعقلائها وشعرائها وأطبّائها، إذ كان في كلام هؤلاء وأفعالهم ما يرشد الآخرين إلى ما فيه بقاء مجموعهم وحفظ تراثهم وخلاص نفوسهم وأجسادهم. ولم تكن أمور الجماعة لتستقيم لولا لجوء القبيلة أو القرية إلى أهل الحكمة والعقل للاسترشاد بآرائهم والتعلّم من خبراتهم. ويقال إنّ قبائل الهنود الحمر كانت توكل إلى من تقدّم في السنّ من أبنائها أن ينصرف إلى إعداد أواني الطعام من قدور وصحون وجرار، على اعتبار أنّ هؤلاء العجزة قد توصّلوا إلى نوع من السكينة والسلام الداخليّ، ما يجعلهم يبثّون طاقة إيجابيّة في مصنوعاتهم الحرفيّة، تنتقل عند تناول الطعام إلى سائر أفراد القبيلة.

ومعروف المثل اللبنانيّ الذي يقول "اللي ما عندو كبير يشتري كبير" في دعوة جازمة إلى التمسّك بكبار العمر الحكماء (طبعًا)، واستشارتهم في شؤون الحياة وشجونها، ولو كان الكبار صاروا في صورة لا تشبه قطعًا ما كانت عليه صورة أجدادنا، وهذا من طبيعة الحياة والتطوّر. وفي هذا الإطار يمكن وضع حكايات الجدّات التي يميل أكثرها إلى تعليم درس أخلاقيّ أو عبرة تصلح لمواجهة آتي الأّيّام. ولكن ما آلت إليه أمور كبارنا اليوم تدعونا إلى التأمّل في مصير مجتمع كامل استقال فيه كلّ الناس من مسؤوليّاتهم: فلا الآباء آباء، ولا الأمّهات أمّهات ولا الأجداد أجداد.

تساوت الأعمار والخبرات وصار الجميع كأسنان المشط أمام شاشة واحدة (تلفزيون، سينما، كومبيوتر)، فشاخ الأطفال من هول العنف الذي يرونه و"شبشبَ" الشيوخ أمام أجساد ووجوه لم تستطع مخيّلتهم الوصول إليها في عزّ المراهقة.
فمن أين يأتي الحكماء إذًا، والحكمة في أيدي أغبياء لا في أفواه مجانين؟
عاملة آسيويّة تهتمّ بطفل لبنانيّ في وسط بيروت
***
لم يعد الكبار يجدون الوقت للتفكير في أمور الحياة بعدما جرفتهم رغباتهم الآنيّة العابرة: لا يقرأون، لا يحلّلون، لا يناقشون، لا يتذكّرون ويستخلصون العبر. كبارنا اليوم إن لم يكونوا مرضى وفي دور العجزة، مسمّرون أمام شاشات التلفزيون ليستمعوا إلى مناوشات سياسيّة معيبة أو برامج دينيّة تثير الأعصاب لسذاجتها وسطحيّتها، أو هم "يؤركلون" في المطاعم، أو يبحثون عن مغامرات قد تعيد إليهم وهْم الشباب، في غياب ضمانات اجتماعيّة للفقراء منهم، وإهمال تامّ من المؤسّسات الرسميّة لتأمين أماكن ترفيه وتواصل اجتماعيّ حيّ ومباشر لا عبر صداقات افتراضيّة وهميّة.
لقد أكل الذئب الجدّة، وأخذ مكانها ولكنّه لن يصطاد "ذات القبعة الحمراء" التي صارت محتالة عفريتة بعدما فقدت ضحكتها باكرًا حين انتهى عقد العمل لمربّيتها الآسيويّة.
وهي اليوم تلاعب الذئاب وتتلاعب بها. 

الجمعة، 29 مايو، 2015

لا ترمي يا نفسي حجارتك في برك الضفادع


عودي يا ذاتي إلى ذاتك. أدخلي إلى سكوتك وسكينتك وأمان وحدتك. فهناك خلاصك الوحيد. لا تنتظري، لا تعتبي، لا تأملي، احملي صليب أشواقك وامشي صوب نفسك ولا تلتفتي إلى الخلف. هناك، في داخلك تجدين وطنًا وأرضًا وبيتًا وعائلة وحبيبًا وصديقًا.

في ذاتكِ يا ذاتي لن يغدر بك من أكل من طعامك ثمّ رماك بالصحن، ولن يخذلك من أردت البكاء على صدره فأدار لك ظهره، ولن يتخلّى عنك من أخليت ذاتَك من ذاتها كي تتركي له المكان. 

عزلتك يا نفسي ليست هربًا، ونسكك ليس جبنًا، وابتعادك ليس بعدًا... فأنتِ مقيمة في ضحكات الأطفال،  وتجاعيد الوجوه التعبة، وفي رقصة الريح عند خصور الشجر.
صمتك يا أناي الصاخبة يضج بالكلام، والناس لا يريدون الإصغاء. ترين ما لا يراه الآخرون وما لا يريدون أن يعرفوا بوجوده، فلماذا ترمين الحجارة في مستنقعات لن يخرج منها سوى البعوض؟ 
خذي حجارتك واحفري في الصخر واكتبي حكاية عبورك، حكّيها واشعلي نارًا واحرقي الأخضر واليابس، ارصفيها أو ارفعيها أو فتّتيها لكن لا ترمي حجرًا في بُرك الضفادع... ألم تتعبي من الأمل؟ ألم تضجري من النضال؟ ألم تكبري على أحلام التغيير؟ متى تيأسين من الناس والكتابة واحتمال وجود أبطال؟
عبرتِ في وادي ظلال الموت مرّة بعد مرّة، نجوتِ من طوفان الغباء، وقعتِ تحت صليب خوفهم منك فاستندت إلى ظلّك وقمتِ، أحببتهم فسألوك ماذا تريدين، علّمتهم فقالوا صرنا نعرف أكثر منها، فلماذا تحاولين أكثر؟ 
لماذا لا تؤمنين بأنّ وراء كلّ عاهرةٍ قوّادًا، وخلف كلّ ضحيّة قاتلًا، ولكلّ نتيجة سيّئة تاريخًا من الإهمال والجهل وقصر النظر؟
وتذكّري، تذكّري يا صورتي الباحثة عن وجهي لترتديه، أنّك لم تندمي في حياتك إلّا على ثلاثة أمور: أنّك تكلّمتِ ولو قليلًا، وأنّك لم تكتبي أكثر، وأنّك حاولتِ أن تقنعي نفسك بأنّ الناس يتغيّرون.
  

الأربعاء، 27 مايو، 2015

عن رحيل الناس وموت الأوطان



(إلى أكثر من شخص طالبني بالكتابة عن الأحياء لا الموتى)

     الكتابة عن الراحلين رِحلة في عوالم داخليّة لا نطالها إن أردنا الكتابة عن الأحياء!
    الراحلون، صورُ الله وأمثلتُه الكثيرة، يصيرونه متى صاروا عنده. يفهمون، ويعرفون، ويغفرون، ويحبّون، ويقرأون الأسطر وما بينها. ونصير نحن الذين نكتب عنهم أقلامًا في أيديهم، ننقاد خلف نورٍ انبثق من موتهم ليقودنا إلى حياة لا مكان فيها للعتب والزعل والمساءلة.
     نحن لا نتعالى عن سيّئات موتانا كرَمًا منّا وفعلَ خير، ولا خبثًا أو مسايرة، ولا لأنّنا أنقياء أبرياء، بل لأنّ الموت طهّرنا عنوة، ورفعنا بالرغم منّا فوق اهتماماتنا اليوميّة العابرة. وموتًا بعد آخر، نُجبَر على النمو بالحكمة والمحبّة. أمّا القدّيسون المختارون فأولئك الذين يختصرون الدرب، ومن الموت الأوّل يفقهون ويتّعظون. وطوبى لمن كان منهم!
    أمّا الكتابة عن الأحياء فطريق محفوف بأشواك الشكّ، ومزروع بألغام التوقّعات، ومرصوف بحجارة مسنونة من الاتّهامات، لا يمكن أن يعبرها إلّا من حصّن نفسه كما يجب ضدّ سوء الفهم والتأويل والتحليل... وفي أكثر الأحيان لا يرى الكاتب الحقيقيّ أنّه راغب في خوض معارك من هذا النوع، لا تقدّم ولا تؤخّر في تغيير علاقته بنفسه وبالعالم، فينصرف عنها إلى عالمه الخاص الصامت.
***

    رحيل الناس في زمن موت الأوطان له شأن آخر... طقوسه مختصرة، إيقاعه سريع، حزنه ممزوج بالخوف. كأنّ المطلوب منّا أن ندفن موتانا على عجل، لأنّنا لا نعرف ماذا ينتظرنا، أو لأنّا نعرف أنّ الذي ينتظرنا غامض وخطير ومخيف إلى حدّ أنّه يجعلنا نحسد الراحلين على رحيلهم محاطين بالأهل والزهر والصلاة... 

***

    تكثر الأسئلة في زمن الرحيل، قد تبدو أسئلة عن الموت والغموض الذي يحيط به، لكنّنا على الأرجح نسأل عن الحياة نفسها، عمّا إذا كنّا عشنا وأَحببنا وأُحببنا وحقّقنا أحلامنا. غير أنّ خوفنا من الأجوبة التي نعرفها ونخشى مواجهتها، يحوّل الموت متَّهمًا أوّل مسؤولًا عن إخفاقاتنا وفشلنا. 

***

     المآتم مناسبات يجبر الناس أنفسهم على التواجد فيها، مهما بعدت المسافات وكثرت ضغوط الحياة. كأنّهم يبحثون في احتفاليّة الموت عن نفحة حياة، تعيد الأمل باللقاء. أو كأنّ الموت حجّة وحيدة نقدّمها لأنفسنا كي نترك كلّ شيء ونتبع الراحل على درب رحيله، ونحن نفكّر في الحزن والفراق والشوق والغياب والنسيان. أو كأنّنا نواجه الموت متعانقين لنقول له إنّنا متّحدون ضدّه. 

الاثنين، 25 مايو، 2015

حين يكون المأتم أكثر من مأتم! (عن مأتم جورج القصيفي)

في الصورة العليا جورج وشقيقته أولغا
في الثانية المرحومة والدته وشقيقته ناديه

جورج وعمّتنا جنفياف  

    الآن، في هدأة هذه الساعة، وبعد انصراف آخر المعزّين، بدأ مأتمك.
   الآن، بعدما أقفلوا المدفن عليك، تاركينك بين والديك وقرب جدّتك وابنتيك وخالتك وابن عمّك، وبعدما انطفأت آخر شمعة في حِنية الكنيسة، انفجر نبع الدمع الذي حبسته إرادة جبّارة عن تحطيم حواجز "العيب" و"مين بعد بيبكي وبيصرّخ وبيندب"، و"نحنا مؤمنين بالقيامة يعني ممنوع الحزن"... الآن عادت حارسة الهيكل، عمّتنا "جنفياف" إلى صومعتها لتندبك في صمت، واندسّت حاملة الطيب "ناديه" تحت لحافها لتشهق بالبكاء من دون أن يسمعها أحد، وانزوت "أولغا" ماسحةَ وجهِك بالمنديل على درب الألم، تحت خيمة الياسمين لتغسل الورود والنباتات اليانعة بدموعٍ خنقتها طوال يوم المأتم الحاشد.
    لولاهنّ، يا ابن عمّي، لقلت إنّ المآتم بلا أمّهات وآباء ليست مآتم... ولقلت إنّ الحزن لا يليق إلّا بالوالدين، ولقلت إنّ الحزن اختراع مخصّص للأهل... لكنّ "جنفيفاف" العمّة، و"ناديه" و"أولغا" الشقيقتين، هم أهلك وأولادك وأصدقاؤك ومستشاروك ورفاقك على درب جلجلتك. وكنّ اليوم صوت أمّك وأبيك، صوتًا يبكيك بمثل بكاء "فريد" و"إيفيت" على "مارون" ابن خالتك، وكمثل بكاء "بشارة" و"جولييت" على "يوسف" ابن عمّك، وكمثل بكاء حماتك "سعاد" على وحيدها "الياس".
     هل يعني هذا أنّ إخوتك وأخواتك الآخرين مقصّرون أو جاحدون؟ أو أن زوجتك وبناتك وأعمامك وعمّاتك وخالاتك لا يرون فيك زوجًا وأبًا وقريبًا ونسيبًا يسحق موته القلوب؟
     بالطبع ليس هذا هو المقصود... لكن لكلٍّ من الآخرين، إلى جانب وجودك، عالمه الخاص: العمل أو الأبناء أو الأزواج والزوجات والأصدقاء... 
    ووحدك كنت العالم الخاص للعذارى الحكيمات اللواتي نذرن حياتهنّ لك وللعائلة كلّها. وفي غياب والديك صرن أهلك، أهلك الذين جعلوا مأتمك مأتمًا لأكثر من عمر منذور ومهدور ومقهور... 
    هل على العائلات أن تكرّس فتياتٍ للعمل والصلاة والحزن، فتيات يصرن، حزنًا بعد آخر، وصلاة بعد صلاة، ومهمّة تلو مهمّة، حارسات الهيكل وخادمات المذبح؟ 
    "جنفياف" التي مات والدها بعد أربعين يومًا من ولادتها، صغيرة العائلة التي ودّعت أمّها وأختها ماري وشقيقها والدك، وورثت هموم شقيقاتها وأشقائها وعائلاتهم، ندبتك اليوم وهي تشعر بيتم جديد يصفع شيخوختها... كانت أمّك وكانت ابنتك...لم تفارقك لحظة اليوم على الرغم من محاولات الجميع إبعادها عن نعشك...
    "ناديه" التي، بعد زواج شقيقتها البكر "جوزفين" ثمّ وفاة أمّها، صارت كبيرة العائلة، والأمّ والأخت والخالة الساهرة على شؤون الجميع، ولا أحد يعرف بأوجاعها التي تجيد إخفاءها... كانت أمّك وكانت ابنتك... لم نسمع صوتها اليوم مع أنّها كانت تصرخ ألمًا!
    "أولغا"، مديرة شؤون العائلة الكبيرة ومدبّرة أمورها، صديقتك في السرّاء والضرّاء، عرفت اليوم ما معنى أن ينكسر غصنٌ عربشت عليه يوميّات حياتها، وها هي تواجه رياح الأيّام الآتية مضطربة قلقة... كانت أمّك وكانت ابنتك... حرصت طوال أيّام الدفن والتعازي على تنظيم الأمور على طريقتك أنت وبحسب ما تعرف أنّك تريده...
    النساء الثلاث الآن، يحاولن إقناع أنفسهنّ بأنّك لم تعد هنا، بأنّك رحلت إلى غير عودة، وبأنّ كلمات التعزية كلّها ليست سوى تأكيد على هذا الرحيل. فيبكين، وينتحبن، ويختنقن وهنّ يحاولن أن يكتمن حزنهنّ عن سائر أفراد العائلة الذين سيعودون يومًا بعد آخر إلى رتابة حياتهم المعتادة أو فورة مشاريعهم وأسفارهم ومواعيدهم.
    وتبقى حارسة الهيكل "جنفياف"، تحيط بها "ناديه" حاملة الطيب، و"أولغا" ماسحة الدمع والدم بمنديل الصبر والصمت... يبقين شاهداتٍ على أعراس وولادات ومعموديّات وأمراض ووفيّات، كأنّهنّ تاريخ سلالةٍ شهدت في مرحلة قصيرة من العمر تغيّرات جذريّة، نقلتها من تقاليد إلى تقاليد، ومن جيرة الأرض إلى رحاب الغربة، ومن براءة الحياة اليوميّة إلى تعقيدات المجتمع ومتطلّباته...
    والآن، في مثل هذا الساعة، ومن دون أن أرى بأمّ العين، أؤمن بأنّ النساء الثلاث، العذارى الحكيمات، ساهرات: يتذكّرن ويبكين، ويفكّرن في تسيير شؤون العائلة الكبيرة ليوم الغد، وفي تنظيم أمور الكنيسة والرعيّة، ويتساءلن إن كنّ سيجدن القدرة على الاستمرار... لكنّ الحبّ الذي فيهنّ سيحوّل الدمع زيتًا لقناديل السهر في انتظار اللقاء مع أحبّة كثر صاروا هناك... وحتّى ذلك الحين ستكون ركوة القهوة على النار، عند العاشرة والنصف من صباح كلّ يوم، تنتظر الأقرباء والأصدقاء يلتقون ليؤكّدوا على حضورك بينهم... لعلّ الريحانيّة التي عشقتها تستمدّ من هذه اللقاءات عمرًا آخر، نتمنّى أن يكون أطول من عمرك...

الأحد، 24 مايو، 2015

الأستاذ جورج القصّيفي يحمل قلبه التعب ويرحل





يراقص ابنته ميريام 


مع زوجته جاندارك وابنته سارة


مع ابنته ريبيكّا 

مات كثيرًا قبل موته الأخير اليوم.
مات على دفعات، حين ماتت طفلته الأولى، ثمّ حين ماتت الثانية، وحين مات والده، وحين ماتت جدّتاه وأمّه، وحين مات يوسف ابن عمه، ومارون ابن خالته، والياس ابن حميه، وأسعد زوج ابنة عمّه، وحين مات كثر من أبناء الريحانيّة وسكّانها الذين صاروا أهلها وأهله: الستّ شفيقة، والستّ ليلى، والست نيني، والعمّان اسكندر وكميل، والجارة سيدة، وميشال وأنطوان وبو يوسف، وآخرون كثر رحلوا تاركين شمس الريحانيّة تنطفئ خلف أبنية حديثة لا علاقة لنا بها ولا بالمقيمين فيها.
    مات كثيرًا، وقام من موته كثيرًا: حين ولدت بناته، حين نجحن في الدراسة والعمل، حين انطلقن في الحياة، حين بتن يحقّقن أحلامهنّ، حين اطمأنّ إلى أنّه قام بواجبه على أكمل وجه.
    قلت له مرة: انتبه ع صحتك كرمال الصبايا. أجابني بفخر ممزوج بالتعب: بالي مرتاح علين، شاطرين. 


    أيّة صدفة تلك التي جعلتني اليوم أنشر على صفحة الفيسبوك الفيديو الذي صوّرته صباحًا عن ساحة الريحانيّة؟ هل كنت أعلم أنّ المياه التي أغرقت شارعنا الوحيد تنبئ بالفراق، كما يقولون؟ هل كان ابن عمّي جريس يغرق في حزنه وهو يرى بلدته تتغيّر إلى ما لا يشبهها؟ هل يتماهى بعض الناس ببلداتهم، فيولدون معها ويموتون معها؟
جريس، الأستاذ جورج، زوج جاندارك التي لم يجفّ دمعها بعد على الياس شقيقها الوحيد، والد مريام وسارة وريبيكا، شقيق جوزفين وناديه وعبده وأولغا والياس وجان وليلي وبيار وسيمون... جريس، ابن عمّي عزيز وزوجته سعاد، شرب قهوته بعد الغداء ورحل إلى حيث صار لنا هناك أهل وجيران يبنون الريحانيّة الجديدة، ويجلسون على مقاعدهم المفضّلة في كنيسة السماء، ويصلّون لنا.
***
    قبل غياب ابن عمّي كانت عبارة "متمّمًا واجباته الدينيّة" التي نكتبها على أوراق النعي، ترسم على وجهي ابتسامة سخرية، فكيف يُعقل أنّ يتمّم كلّ الناس واجباتهم الدينيّة؟ هل يعرفون كلّهم متى يأتي السارق، ومتى تكون النهاية؟ 
    لكنّ "جريس" مات متمّمًا واجباته الدينيّة بلا أدنى شكّ. اليوم بالذات نسّق الأزهار استعدادًا لقدّاس الأحد، انفعل لأنّ آلات التبريد في الكنيسة معطلة، هيّأ صوته كالمعتاد لخدمة الذبيحة المقدّسة، طلب من قلبه أن يسعفه أيضًا وأيضًا، وانتظر على أحرّ من الجمر أن يأتي الأحد، أحد العنصرة، ليخدم القدّاس كما اعتاد أن يفعل منذ ستّين عامًا، أي مذ كان طفلًا، لم يغب خلالها إلّا حين كان طبيب القلب يجبره على ذلك، فارضًا عليه راحة لم يعرف ابن عمّي مرّة كيف يتصالح معها. فبين التعليم وخدمة الكنيسة، كان هناك دائمًا ما يُعمل.
    الرجل المسكون بهاجس الأناقة، الرجل الذي يغنّي في كلّ مناسبة أغنية كارم محمود "سمرا يا سمرا"، الرجل الذي يحبّه تلامذته، الرجل الذي يرنّم ولا يثرثر، يرتّل ولا يتكلّم، ينتبه لأدقّ التفاصيل ويقوم بالواجب، الرجل الذي خرج، مرّة بعد مرّة، من سرير المرض رافضًا الموت... تعب! تعب واشتاقت روحه إلى الذين صاروا هناك وكانوا يدلّلونه ويفتخرون به.. تعب من الموت الكثير، تعب من توديع الراحلين، تعب من المسؤوليات، تعب من الأدوية لقلبِه المثقل بالهموم، قلبِه الذي لولا خدمة الكنيسة كان انفجر من زمان... تعب وراح يبحث عن الراحة...
     والريحانيّة، التي تودّع وجهًا بعد آخر، وصوتًا بعد آخر، وقلبًا بعد آخر، لن يعرف مذبح كنيستها التزامًا كالتزامه، ولن تعرف السهرات والرحلات والأعراس فيها صوتًا كصوته، ولن يعرف الجيل الجديد من الأبناء والأحفاد، بغيابه، ما معنى أن يرتبط إنسان ببلدته حدّ الانصهار، فيرحل قبل أن يشهد تغيّرات لا تطيقها روحه ولا يرضاها قلبه.  

الاثنين، 11 مايو، 2015

وداعًا أيّها الكتاب! (3)

Zhang Da Zhong


السير لا الوصول

    الكتاب رحلة فيها محطّات استراحة ولكنّ الوصول غير متاح. فما من كتاب أخير.
    وهذا السير المتواصل المثير الممتع ليس آمنًا أو مطمئنًا، هو السير في الهواء أو على صفحة المياه، وأسهل ما فيه أن يكون كالسير على حبل لا شبكة حماية تحته. إذ كيف يمكن أن نقرأ كتابًا ولا نضع احتمالاً ولو ضئيلاً أنّنا لن نكون بعده كما كنّا قبله. وهذه مغامرة بل مخاطرة لا يقدم عليها أيٌّ كان.
    لذلك أنظر بدهشة لا تفارقني إلى الذين يفتخرون بأنّهم مدمنو مطالعة ومع ذلك لا أجد ولو تغيّرًا بسيطًا يطرأ على شخصيّاتهم لا سلبًا ولا إيجابًا. أيُعقل ألّا يثير كتاب ما مللهم، أو إعجابهم، أو اشمئزازهم، أو رغبتهم، أو يحثّهم آخر على التفكير والتأمل وربّما يدفعهم إلى اليأس أو الرجاء؟
    كثير من الذين يفتخرون بمئات القصائد التي يحفظونها عن ظهر قلب، ويتباهون بمكتباتهم التي تضمّ آلاف الكتب يشبهون هذا اللابتوب الذي أكتب عليه، خزّان معلومات لا ينضب، لكنّه آلة لن تتحوّل إنسانًا ينفعل ويتفاعل ويفعل، أو يعلّق ويعقل ويتعقّل.
فكيف يمكن أن يبقى جبانًا أو حاقدًا أو محايدًا أو سطحيًّا أو باهتًا أو فاترًا أو مغرورًا أو نمّامًا أو أنانيًّا من يدّعي أنّه قرأ مئات الكتب القيّمة؟
    وكيف يستطيع ألّا يهتمّ بالموسيقى والرسم والنحت والهندسة والفلك والسينما والمسرح والطبّ والطبخ من يذكّرك في كلّ مناسبة بأنّه زبون دائم في مكتبة معروفة؟
    وكيف نصدّق أن هذا الذي يهوى المطالعة عديم الذوق، قذر الهيئة، غير أنيق، محاط بالبشاعة ويرتاح إلى الفوضى ولا يحسن ترتيب حياته أو تنظيم شؤونه؟
    وهل من المنطقيّ أن تجتمع في شخص واحد هواية المطالعة مع "هوايات" صارت سائدة كتشويه الطبيعة وتلويث الهواء وهدر المياه وإزعاج الجيران وتدخين الأركيلة؟
      فخلال رحلة السير الطويلة مع الكتاب، وهي لا هدف لها إلّا السير والاستكشاف، وإن لم يتغيّر شيء فيك صفحة بعد صفحة، وإن لم تكن اليوم إنسانًا أفضل من الذي كنته يوم أمس، فهذا يعني أنّك لست مؤهّلاً للمشاركة في مسيرة الحجّ المقدّسة للتبرّك بتجارب الآخرين. فلا تتعب نفسك بل لا تعتدِ على الكتاب وتدنّس حرمته واتركه للغبار كفنًا يحفظه في انتظار قيامة العقل.


الجمعة، 8 مايو، 2015

وداعًا أيّها الكتاب! (2)


لماذا لا نقدّم الكتاب هديّة؟

    الخطوة الأولى هي الصعبة، لكن من دونها لن تسهل الخطوات التالية. فأن نعوّد الناس على أن نهديهم كتبًا أمرٌ قد لا ينال رضاهم، غير أنّنا إن أحسنّا اختيار الكتاب المناسب للشخص المناسب وتبعًا للحدث الذي استدعى التفكير في هديّة ما، فسوف يلاقي الكتاب/ الهديّة استقبالًا لائقًا. ومرّة بعد مرّة يتحوّل الأمر تقليدًا يصلح إرثًا قيّمًا للأجيال الجديدة.
    والكتبُ أجناسٌ وألوان ولغات واتّجاهات، تصلح لكلّ مناسبة وتلائم كلّ ظرف:
   فللعروسين كتب في خفايا العلاقات الزوجيّة وأسرار الحياة المشتركة، أو كتبٌ في ترتيب المنزل وتنظيم الحياة العائليّة.
   وللمرأة التي وضعت طفلًا كتبٌ في العناية بالأطفال وفي الاهتمام بجسمها بعد الوضْع وكتبٌ لتحضير المأكولات.
   وللمريض طريح الفراش كتبٌ للترفيه والتسلية تخفّف عنه وطأة الألم ورتابة الوقت.
   وللحزين المفجوع كتبٌ في الفلسفة والتأمّل والدين.... والترفيه!
  هذا طبعًا عدا كتب الشعر والرواية والتاريخ والطرائف والعلوم والمعلومات العامّة والفنون وسائر الأنواع التي تحفل بها المكتبات وتنوء تحت ثقلها الرفوف. فالمعرفة لا تنحصر في عمر أو مرحلة، ومن المنطقيّ أن تغيب عنّا أشياء كثيرة مهما ظننا أنّنا نعرف الكثير، بحسب أبي نوّاس. وإذا كان نابوليون قد أكّد بأن لا جديد تحت الشمس فقد فاته أن يوضح بأنّ الأمر نسبيّ وأنّ ما هو جديد بالنسبة إليّ قديم يعرفه سواي، وما هو سخيف وعاديّ في عينيّ مدهش وغريب في عينيّ الآخر الذي لا يرى العالم من حيث أنا.

    هناك دائمًا جديدٌ ينتظر أن نسعى لكي نكتشفه ونستمتع باكتشافنا له بقدر استمتاعه بـ"الانكشاف" لنا. وعبر الكتب، أكانت ورقيّة أم إلكترونيّة، يمكننا أن نستكشف أنفسنا وما يحيط بنا، وسنكون أنانيّين إن لم ندعُ الآخرين للانضمام إلينا في هذه الرحلة المثيرة والممتعة.

الأربعاء، 6 مايو، 2015

وداعًا أيّها الكتاب! (1)

David Stoupakis

أزمة المطالعة في لبنان:

أعذار واهية تفضح الخلل في تكوين شخصيّة الإنسان وبنية المجتمع

     ثمّة مقولة سائدة في لبنان تستعاد مع بداية الصيف: "نحن مقبلون على موسم ميْت للكتاب، ففي هذا الفصل لا أحد يقرأ". وتحليل هذه الظاهرة الغريبة والتي على الأرجح لا يحدث ما يشبهها عند سائر الشعوب يضعنا أمام جملة معطيات تصبّ كلّها في نتيجة واحدة هي الكسل الفكريّ المنعكس في مختلف مظاهر حياتنا، ففي الشتاء عمل ودراسة وفي الصيف استراحة. فالناس المقبلون على العطلة يتزوّدون عادة كتبًا تبعدهم عن أجواء العمل وتمدّهم بنسغ جديد يساعدهم على تجديد أنفسهم، أمّا اللبنانيّون فيرون في الكتاب عقابًا أو قصاصًا يهربون منه كما يتهرّبون من الواجبات الاجتماعيّة المرهقة. 

     وحصر الكلام باللبنانيّين لا يعني في طبيعة الحال إعفاء العرب عمومًا من هذه الآفة التي غرّبتهم عن أزمنة حضاريّة صالوا فيها وجالوا في عالم الكتاب، ثمّ انكفأوا يجترّون أمجاد الماضي، من دون أن يبدو في الأفق أمل ولو ضئيلاً في أنّ الوضع مقبل على "ثورة" فكريّة ثقافيّة تعيد الكتاب إلى سابق مجده. وما مقاربة الحال اللبنانيّة تحديدًا إلّا محاولة لرصد الأسباب التي أبعدت وطن الأبجديّة عن القراءة، وأقصته عن مركزه الرياديّ كسوق نشطة للكتب، وجعلت أبناءه يجيدون عددًا كبيرًا من اللغات من دون أن يكون لديهم مادة دسمة للحديث أو الكتابة.

      اعتاد اللبنانيّون التذرّع بالحرب كلّما أرادوا التهرّب من مواجهة مشاكلهم. وإذا كانت الحرب حجّة مقنعة في بلد لا ينجو من أزمة إلاّ ليقع في سواها، فكيف نفهم إحجام الناس عن الكتاب الذي يستطيعون بواسطته الهرب من أجواء الحرب والويلات التي ترافقها وتنتج عنها، في وقت تكون وسائل الاتّصالات والمواصلات شبه مقطوعة؟ ليس سهلاً أن نجيب على هذا السؤال، لأنّ تعامل الناس مع الحرب يختلف بين إنسان وآخر، وأولئك الذين قبعوا في الملاجئ أيامًا وليالي يتذكّرون كيف انهارت أعصاب كثيرين كما تنهار الأبنية جرّاء القصف، وكيف أشرقت إنسانيّةُ من كان لا يعترف بأنّه متعاطف مع الآخرين، وكيف سقطت في المقابل أقنعة الجيرة والأخوّة عن وجوه الذين أعطتهم الحرب سلطة الخطف والقتل. ومع ذلك، فثمّة من استغلّ الحرب ليقرأ ما تطاله يده من كتب وصحف ومجلاّت. هؤلاء "الجبناء" الذين "هربوا" من واقع لا قدرة لهم على تغييره أو التأقلم معه أو الابتعاد عنه، وجدوا أنّ التقوقع في زاوية آمنة برفقة كتاب هو خلاصهم العقليّ قبل أن يكون طوق نجاتهم الجسديّ. ولكنّهم قلّة. الآخرون، كلّ الآخرين، اختاروا وسائل ترفيهيّة أكثر "متعة" ولا تتطلّب تفكيرًا وتحليلاً.

     ولكنّ اختيار الهواية التي يلجأ إليها الإنسان في الأزمات ليس وليد ساعته، واللبنانيّون، قبل الحرب، لم يعتادوا حمل كتاب للمطالعة في الأماكن العامّة، وكانت حياتهم الاجتماعيّة صاخبة ومليئة بالمناسبات العائليّة لدرجة أنّ من يرغب في صحبة الكتاب كان يعجز عن إيجاد المكان والزمان المناسبين لممارسة هوايته. فضلاً عن أنّ الناس كانوا ينظرون بريبة إلى من ينعزل ليقرأ ويعتبرونه واحدًا من ثلاثة: قليل التهذيب لا يحترم الناس أو مجنونًا لا يحبّ صحبتهم أو متعاليًا عنهم. وفي الحالات كلّها هو منبوذ مضطهد. ولم يساهم النظام التربويّ في جعل المطالعة "عادة" طبيعيّة فتصرّفت المؤسّسات التربويّة مع الكتاب على أنّه كتاب مدرسيّ حتّى ولو لم يكن كذلك. فكلّ كتاب يحمله التلميذ هو إمّا مادة للاستظهار غيبًا أو للفروض المنزليّة والامتحان أو للقصاص. فما من قراءة للقراءة، وممنوع أيّ كتاب لا يهدف إلى "تعليم" شيء ما بدءًا من قواعد اللغة والبلاغة وصولاً إلى قواعد السلوك والأخلاق.

     هذه الرقابة المفروضة على اختيار كتاب المطالعة، وتحويل مكتبة المدرسة منفى يُبعد إليه المشاغبون المطرودون من الصفوف كانا كافيين لإبعاد التلامذة عن القراءة، فكيف إذا أضيف إليهما امتحان التلميذ في الكتاب الذي فُرض عليه أن يقرأه في وقت قصير، ومن ثمّ تحميله مجموعة من الكتب ليقرأها رغمًا عنه خلال عطلة الصيف ليعود ويُمتحن فيها مع مطلع العام الجديد؟ ويشكو المعلّمون في المدارس بعد ذلك كلّه من أنّ التلاميذ يكرهون المطالعة.

     وبما أنّ المطالعة لم تتحوّل عادة حميدة عند تلامذة المدارس كان من المتوّقع منهم أن يتذرّعوا متى صاروا طلاّبًا في الجامعات بأنّهم غير قادرين على دفع ثمن الكتب وذلك ليخفوا عجزهم عن تحمّل "وطأة" المطالعة. ومعروف أنّ سعر "نَفَس أركيلة" في أيّ مقهى أغلى من ثمن كتاب قيّم، مع التذكير بأنّ طلّاب الجامعات زبائن دائمون في مقاهي الوطن. والمفارقة الكبرى أنّ المعلّمين والمعلّمات هم أسوأ مثال، فعلى عكس ما قد يظنّ كثيرون لا يصدّق أفرادُ هذا القطاع أنّ الكتاب خير جليس وإن نادوا بذلك أمام تلاميذهم. وحجّة المعلّمين أن لا وقت لديهم بسبب تصحيح الفروض وتحضير الدروس، بالإضافة طبعًا إلى غلاء الكتب.

     إن كان المعلّمون والتلامذة لا يقرأون، فهل نعتب على سواهم؟

الاثنين، 4 مايو، 2015

بيوتنا الفنادق ومحطّات الانتظار



     صارت البيوت أماكن للنوم القليل، القلِق، ولو لم يكن النوم فيها قليلاً وقلقًا لكانت البيوت أشبه بالقبور حيث النوم الطويل والهادئ.

     بيوتنا اليوم محطّات يلتقي فيها أفراد يحاولون أن يؤسّسوا لجماعة تتقاطع مواعيدها على عجل: العائد من المدرسة والعائد من الجامعة والعائد من العمل والعائد من السهرة والعائد من السفر. يصل كلّ منهم، فيأكل، ويستحمّ، ثمّ يغيّر ملابسه قبل أن يغادروا جميعًا إلى حيث يتابع الواحد منهم حياته كفرد منفصل عن الجماعة.


      كانت البيوت مأوانا، ثمّ صار العيش في المأوى أكثر حياة وحيويّة.


     وكانت البيوت قليلة الأثاث والآلات، يملأ فراغَها ضجيجُ الأولاد وثرثرة النساء ومشاريع الرجال، ومع الوقت أضحت شبيهة بالمحال التجاريّة أو معارض المفروشات أو المتاحف حيث الكلام قليل أو ممنوع أو يسيء إلى حرمة المكان.


     في تلك البيوت، تسابقت ربّات الحياة إلى شراء أكبر عدد من الأواني المنزليّة، وكن يفتخرن بامتلاك دزينات من الصحون والطناجر والأكواب، وينتظرن مناسبات الأفراح والأحزان ليخرجنها من الخزائن ويعرضنها أمام الضيوف. أمّا اليوم فالمطاعم هي الحلّ العمليّ والأنيق والسريع لمختلف المناسبات، ما أدّى إلى تحويل الأواني أدوات زينة تعرض ولا تستعمل. وبعدما كان الإنسان لا يرضى باستقبال الضيوف إلاّ في بيته، وكلّ ما سوى ذلك إهانة للمضيف والضيف، بدأ يتباهى بأنّه دعاهم إلى أفخم مطاعم البلد، وهو يعرف أن لا أحد سيعتب عليه.


     طربت بيوتنا لزغردات الفرح، ورقصت على أنغامها، وامتلأت زواياها سعادة عربشت على الجدران والسقف وأزهرت في أصص الورد وإلى جانب الفلّ والزنبق والمنتور. لكنّ صالات الأفراح في الفنادق والمطاعم أو تلك المقامة حديثًا إلى جانب دور العبادة أضحت البديلة الفاقدة خصوصيّتها وهويّتها. فالمكان العام ملك الجميع، ولن يحفظ صورهم أو دموعهم أو ضحكاتهم، وحين شُرّدت ذكريات الفرح والشوق من البيوت أمسى من السهل أن تخرب البيوت وتغلق أبوابها. ولذلك عجزت إحدى الأمّهات عن تذكّر الصالات التي شهدت حفلات زفاف أولادها إذ تمّت كلّ واحدة في مكان مختلف. أمّا البيت فلم يكن له إلاّ دموعها عندما كانت تذرفها في كلّ مرّة تعود إليه من عرس فتجده حزينًا ومتروكًا ومطعونًا.


     كانت بيوتنا تبكي على موتانا، وتتمسّك بهم تحت جوانحها حتّى اللحظات الأخيرة، وتبقي في حناياها وجوه المعزّين الصادقين. أمّا اليوم فيذهب الجميع إلى الصالة المبرّدة والباردة والواسعة والفارغة إلاّ من مجموعات المقاعد المتشابهة، المملّة، الباهتة، الممتصّة انفعالات آلاف الرجال وآلاف النساء. وهناك في الصالة المحايدة المتفرّجة سيمرّ الراحلون مرور العابرين في المطارات الغريبة، ثمّ يمضي كلّ إلى وجهته الأخيرة. فالناس يولدون في المستشفيات ويموتون في المستشفيات، أمّا البيوت فلصورهم المحكومة بالابتسامة والصمت.


     بيوتنا اليوم أماكن لبكاء اليأس وغضب الإحباط وتفريغ التعب. غرفها تشتاق إلى أحاديث تزعج الجيران وتثير غيرتهم وفضولهم، شرفاتها تحلم بسهرات لا تحمل ساعة يد، وأبوابها تنتظر من يقرعها وينتظر متلهّفًا كي يُفتح له، ومن الواضح أنّ اشتياقها لن ينطفئ، وحلمها لن يتحقّق، وانتظارها لن يثمر.


     لم تبق للبيوت ذاكرة. فلا أحد يقول اليوم: هذا كرسيّ جدّي المفضّل، وهناك كانت تغفو جدّتي، وعلى تلك الكنبة جلس زائر عزيز، وإلى تلك النافذة اتكأت أمّي يوم انتظرت عودة أخي من السفر، وتلك الخزانة إرث من عمّتي، وغطاء المائدة الملوّن يعيد إلى المخيّلة ولائم واحتفالات. فتغيير الديكور أمر يوميّ وعادي، والتخلّي عن الأغراض العتيقة بحجّة التخلّص من "الكراكيب" حاجة مفهومة وضروريّة. والطريف أنّ المقعد العتيق الذي كان يحبّه الجدّ العجوز رمي مرذولاً، وعندما اقتضت الموضة أن يشتري الناس أثاثًا عتيقًا من أسواق "البرغوت" التي تشتريه من الفقراء وتبيعه من الأغنياء، عاد المقعد إلى صدر المنزل في فخر وإباء. وغطاء السرير الأبيض المطرّز الذي جعل الشابات اليافعات يسخرن من جدّتهنّ المتمسّكة به وألححن على أمهنّ كي تتخلّص منه، عاد من "الأرتيزانا" معزّزًا مكرّمًا ذا قيمة ونسب.


     ذاكرة البيوت موزّعة اليوم سلعًا في الأسواق: صور للبيع، حقائب للبيع، مقاعد للبيع، أكواب شاي وفناجين قهوة وكؤوس عرق للبيع، حكايات للبيع، تاريخ للبيع. ولعلّ الحرب التي شرّدت الناس من بيوتهم ساهمت إلى حدّ بعيد في التخلّي الطوعيّ عن كلّ شيء بدلاً من أن يُنهب كلّ شيء ويُحرق كلّ شيء. هذا فضلاً عن أنّنا أحفاد تجّار لم نرث منهم إلاّ حبّ البيع والشراء مع أنّهم كانوا يملكون أمورًا أخرى مهمّة أيضًا. فالحرب التي أحرقت الصور والأثاث علّمتنا أن ننسى كي نستطيع أن نعيش، والتخلّص من الذكريات بداية النسيان. لكنّ عمليّة التنظيف هذه، تنظيف الذاكرة من الألم والحزن، أسكنتنا القلق والخوف. فلا ثوابت نتمسّك بها، ولا شيء أكيدًا ونهائيًّا، ولا سلام شاملاً وعادلاً، ولا مستقبل واضحًا، ولا حياة أكيدة، ولا منزل ذا هويّة، فلمَ إذًا لا نرمي القديم، ولمَ لا نتخلّص من التاريخ، الخاصّ منه والعامّ، ما دام التغنّي به لم يورثنا إلاّ الخسارة والحسرة؟


     كانت البيوت أرحامًا نتكوّن فيها ونولد أبناء حياة، وأعشاشًا نغرق في دفء الرعاية فيها ثمّ نخرج منها لنحلّق في سماوات الوجود، ومعابد نقيم فيها مع الله تحت سقف واحد، وحين أردنا سلخ جلودنا، تحوّلت البيوت فنادق للهاربين من أنفسهم والناس، ومطاعم للوجبات السريعة، وبيوت خلاء نقضي فيها حاجتنا ثمّ نمضي.