الاثنين، 23 مارس 2020

إنسان الاتصال لا التواصل (3 نيسان 2011)

وسائل الاتصال: تقريب البعيد وإبعاد القريب
أنت الآن قارئي العزيز/ أو قارئتي العزيزة/ وفي هذه اللحظة بالذات، على تواصل مع شخص غريب (من حيث المبدأ)، لكنّك تعرف عنه (على الأرجح) أكثر ممّا تعرفه عن شخص آخر يقيم معك في البيت نفسه، أو الحيّ نفسه. فما رأيك في ذلك؟ ألا تشعر مرّات بأنّك تحبّ هذا التواصل لأنّه مريح بشكل أو آخر؟ فأنت فيه حرّ وغير مسؤول. حرّ لأنّك لحظة تريد تقدم عليه، وعندما تضجر أو تتعب، تقطعه. وغير مسؤول لأنّ الآخر مهما اقترب منك فكريًّا أو عاطفيًّا يبقى خارج حيّز مسؤوليّتك المباشرة. في حين أنّ القريبين منك (أيًّا تكن صفتهم) يفرضون عليك وجودهم ويطالبونك بالتواجد معهم والاهتمام بهم ومراعاة مشاعرهم ولو في غير الوقت الذي يلائمك، كأن تكون تعبًا أو مشغولًا أو غير راغب إلّا في أن يتركوك وحدك.
في هذه اللحظة بالذات مثلًا هناك سيّدة لا تملك أدنى فكرة عمّا يفعله ابنها في غرفته، في حين تعرف تمامًا تفاصيل المشهد الذي يدور أمامها على الشاشة الصغيرة، وإن كان هذا المشهد بالذات بعيدًا عنها في الجغرافيا والتاريخ.
وهناك رجل يتابع أخبار الشباب الثائرين في ساحات الدول العربيّة، يشجّعهم ويشدّ على أياديهم، ولا علم له بالثورة التي تغلي في صدر ولده الفقير أو العاشق أو المريض أو العاجز عن فهم دروسه.
وهناك مراهقة تلاحق أخبار نجمها المفضّل، تتلّوى مع أغنياته، وتردّد كلماته، وتعيش معه قصّة وهميّة، ولا تشعر بأنّ شخصًا يقيم في البيت معها يتلّوى من الألم وينتظر من يلتفت إليه.
هل نحن في وضع من يهرب إلى الأمام؟ نغادر عالم الواقع لنركب قطار الوهم حيث لا أحد يعرف أحدًا معرفة حقيقيّة؟ هل صيّرتنا وسائل الاتّصال كائنات تتّصل ولا تصل؟ نبقى في أماكننا ونأتي بالعالم إلينا، وحين نتعب من كسلنا نطفئ كلّ شيء وننطفئ؟ نجلس في مقاعدنا، نتحوّل عيونًا وآذانًا تلتقط ما يمرّ أمامها، أصابع تضغط على أزرار تلتقط مشاعرنا وأفكارنا التي لا يعرفها من يقيم معنا في المسكن نفسه. قريبًا تختفي أعضاؤنا الأخرى، تلك التي لا نستعملها، تتقوّس ظهورنا، نعود بشرًا أوّلين مقيمين في مغاور، نرسم على الحيطان، وننتظر أن نعود قرودًا تحلم في أن تنتصب ظهورها وتقف وتمشي وتصير بشرًا يتواصلون.

الأحد، 15 مارس 2020

كيف يجد الناس أوقات فراغ؟ (2009)





     يحلو للناس أن يتحدّثوا في مرارة عن أوقات فراغهم واصفين إيّاها بأنّها مضجرة وطويلة وعقيمة.
     أوقات الفراغ – إن وجدت – ليست كذلك. هي فرصة للراحة والراحة ليست عيبًا أو مضيعة للوقت أو كسلاً غير منتج، هي استراحة محارب صارع لوقت ما الناس والطبيعة والعمل وقبل ذلك كلّه صارع نفسه، فاستحقّ وقتًا يستعيد فيه نشاطه واندفاعه قبل أن يعود إلى ساحة الصراع.
    ومع ذلك، وعلى الرغم من أهميّة أوقات الراحة وضرورة البحث عنها، أجدني أسأل نفسي كيف يجد الناس أوقاتًا لما يتّفقون على اعتباره مخصّصًا "للفراغ"؟
    المطالعة (كتب، مجلاّت، صحف، إنترنت، وفي أكثر من لغة)، الرياضة، الموسيقى، التأمّل، الصلاة، الخدمات الاجتماعيّة، المشي في الطبيعة، اللقاءات العائليّة والصداقات، التسوّق، الاهتمام بجمال الجسد ونظافته وأناقته، زيارة المتاحف، مشاهدة الأفلام والمسرحيّات، متابعة النشاطات الثقافيّة والفنيّة، الأعمال المنزليّة، الأشغال اليدويّة، الرسم، العمل في الحديقة، الكتابة، السفر، وغيرها وغيرها من الاهتمامات والنشاطات والهوايات ألا تكفي كي يمتلئ هذا الفراغ الهائل في أوقاتنا وعقولنا؟
     كيف يضجر بعض الناس في حين أنّ البعض الآخر لا تكفيه ساعات الليل والنهار لكثرة أعماله وهواياته ونشاطاته؟ كيف يجدون دقيقة فراغ واحدة، إن لم تكن للراحة التي أعود وأؤكّد أنّها ليست وقت فراغ بل امتلاء من عطايا الكون والحياة والبشريّة يتابع بعدها الإنسان عطاءاته في سبيل الكون والحياة والبشريّة؟
     كم يثير غضبي أولئك الذين يصمّون آذاننا طوال الوقت بالتذمّر من الضجر والملل والفراغ! كم هم طفيليّون مزعجون فارغون هامشيّون! وكم يحلو للحياة أن تستغني عنهم!
     ولكنْ،
    هل يستطيع الناس وعلى اختلاف طبقاتهم الاجتماعيّة والثقافيّة أن يؤمّنوا بأنفسهم ولأنفسهم ما يملأ فراغ أوقاتهم فلا يتحوّل "قتل الوقت" الهواية المجانيّة الوحيدة المتاحة لهم؟ أم على الحكومات أن تسعى لتأمين ما يملأ فراغ الناس بما يلذّ ويفيد ويريح؟ وفي غياب أيّ تخطيط حكوميّ في أيّة دولة عربيّة لمحاربة الفراغ الهدّام، على الإنسان العربيّ أن يكون خلاّقًا فـ"يخترع" ما يملأ أوقات فراغه بغير الإدمان على الكحول والمخدّرات والجنس، وبغير التلفزيون والرسائل القصيرة السخيفة إلى محطّات الأغنيات والفيديو كليب، وبغير الثرثرة على الإنترنت، وبغير التنزّه بين الصحون والطناجر في المجمّعات التجاريّة الضخمة.
    حكوماتنا سعيدة بحالة الخمول الذهنيّ التي نغرق فيها، ودولنا تتباهى بأنّنا شعب يحبّ الحياة (أيّ الغناء والرقص والسهر) ولذلك لا بدّ أن يستجيب القدر ويقبل المطرب الصاعد بالصعود على أكتافنا ليصل إلى قمّة النجاح. وكي لا نقع في التعميم المضلّل لا بدّ من التنويه ببعض الزعماء الذين ملأوا الفراغ في أوقات شعوبهم بخطب سياسيّة طويلة تذكّر (وهل هناك مجال للنسيان؟) بإنجازاتهم في سبيل الخير العامّ (عوضًا عن دُور الأوبرا)، وبصور نسائهم وبناتهم الأنيقات في الحفلات الخيريّة للفقراء (عوضًا عن معارض الفنون التشكيليّة)، وبنقل حيّ لمآتم الشهداء ونقاشات مجالس النوّاب (عوضًا عن المهرجانات الموسيقيّة العالميّة).
     في المدارس علّمونا أن نملأ الفراغ في جملة ما بالكلمة المناسبة، ولكنّهم مع الأسف لم يعلّمونا كيف نملأ أوقاتنا بالأنشطة المناسبة وكيف نضع برنامجًا للعطلة كما نضع برنامجًا للدراسة والعمل.

السبت، 14 مارس 2020

بيوتنا الفنادق ومحطّات الانتظار (2015)



     صارت البيوت أماكن للنوم القليل، القلِق، ولو لم يكن النوم فيها قليلاً وقلقًا لكانت البيوت أشبه بالقبور حيث النوم الطويل والهادئ.
     بيوتنا اليوم محطّات يلتقي فيها أفراد يحاولون أن يؤسّسوا لجماعة تتقاطع مواعيدها على عجل: العائد من المدرسة والعائد من الجامعة والعائد من العمل والعائد من السهرة والعائد من السفر. يصل كلّ منهم، فيأكل، ويستحمّ، ثمّ يغيّر ملابسه قبل أن يغادروا جميعًا إلى حيث يتابع الواحد منهم حياته كفرد منفصل عن الجماعة.
      كانت البيوت مأوانا، ثمّ صار العيش في المأوى أكثر حياة وحيويّة.
     وكانت البيوت قليلة الأثاث والآلات، يملأ فراغَها ضجيجُ الأولاد وثرثرة النساء ومشاريع الرجال، ومع الوقت أضحت شبيهة بالمحال التجاريّة أو معارض المفروشات أو المتاحف حيث الكلام قليل أو ممنوع أو يسيء إلى حرمة المكان.
     في تلك البيوت، تسابقت ربّات الحياة إلى شراء أكبر عدد من الأواني المنزليّة، وكن يفتخرن بامتلاك دزينات من الصحون والطناجر والأكواب، وينتظرن مناسبات الأفراح والأحزان ليخرجنها من الخزائن ويعرضنها أمام الضيوف. أمّا اليوم فالمطاعم هي الحلّ العمليّ والأنيق والسريع لمختلف المناسبات، ما أدّى إلى تحويل الأواني أدوات زينة تعرض ولا تستعمل. وبعدما كان الإنسان لا يرضى باستقبال الضيوف إلاّ في بيته، وكلّ ما سوى ذلك إهانة للمضيف والضيف، بدأ يتباهى بأنّه دعاهم إلى أفخم مطاعم البلد، وهو يعرف أن لا أحد سيعتب عليه.
     طربت بيوتنا لزغردات الفرح، ورقصت على أنغامها، وامتلأت زواياها سعادة عربشت على الجدران والسقف وأزهرت في أصص الورد وإلى جانب الفلّ والزنبق والمنتور. لكنّ صالات الأفراح في الفنادق والمطاعم أو تلك المقامة حديثًا إلى جانب دور العبادة أضحت البديلة الفاقدة خصوصيّتها وهويّتها. فالمكان العام ملك الجميع، ولن يحفظ صورهم أو دموعهم أو ضحكاتهم، وحين شُرّدت ذكريات الفرح والشوق من البيوت أمسى من السهل أن تخرب البيوت وتغلق أبوابها. ولذلك عجزت إحدى الأمّهات عن تذكّر الصالات التي شهدت حفلات زفاف أولادها إذ تمّت كلّ واحدة في مكان مختلف. أمّا البيت فلم يكن له إلاّ دموعها عندما كانت تذرفها في كلّ مرّة تعود إليه من عرس فتجده حزينًا ومتروكًا ومطعونًا.
     كانت بيوتنا تبكي على موتانا، وتتمسّك بهم تحت جوانحها حتّى اللحظات الأخيرة، وتبقي في حناياها وجوه المعزّين الصادقين. أمّا اليوم فيذهب الجميع إلى الصالة المبرّدة والباردة والواسعة والفارغة إلاّ من مجموعات المقاعد المتشابهة، المملّة، الباهتة، الممتصّة انفعالات آلاف الرجال وآلاف النساء. وهناك في الصالة المحايدة المتفرّجة سيمرّ الراحلون مرور العابرين في المطارات الغريبة، ثمّ يمضي كلّ إلى وجهته الأخيرة. فالناس يولدون في المستشفيات ويموتون في المستشفيات، أمّا البيوت فلصورهم المحكومة بالابتسامة والصمت.
     بيوتنا اليوم أماكن لبكاء اليأس وغضب الإحباط وتفريغ التعب. غرفها تشتاق إلى أحاديث تزعج الجيران وتثير غيرتهم وفضولهم، شرفاتها تحلم بسهرات لا تحمل ساعة يد، وأبوابها تنتظر من يقرعها وينتظر متلهّفًا كي يُفتح له، ومن الواضح أنّ اشتياقها لن ينطفئ، وحلمها لن يتحقّق، وانتظارها لن يثمر.
     لم تبق للبيوت ذاكرة. فلا أحد يقول اليوم: هذا كرسيّ جدّي المفضّل، وهناك كانت تغفو جدّتي، وعلى تلك الكنبة جلس زائر عزيز، وإلى تلك النافذة اتكأت أمّي يوم انتظرت عودة أخي من السفر، وتلك الخزانة إرث من عمّتي، وغطاء المائدة الملوّن يعيد إلى المخيّلة ولائم واحتفالات. فتغيير الديكور أمر يوميّ وعادي، والتخلّي عن الأغراض العتيقة بحجّة التخلّص من "الكراكيب" حاجة مفهومة وضروريّة. والطريف أنّ المقعد العتيق الذي كان يحبّه الجدّ العجوز رمي مرذولاً، وعندما اقتضت الموضة أن يشتري الناس أثاثًا عتيقًا من أسواق "البرغوت" التي تشتريه من الفقراء وتبيعه من الأغنياء، عاد المقعد إلى صدر المنزل في فخر وإباء. وغطاء السرير الأبيض المطرّز الذي جعل الشابات اليافعات يسخرن من جدّتهنّ المتمسّكة به وألححن على أمهنّ كي تتخلّص منه، عاد من "الأرتيزانا" معزّزًا مكرّمًا ذا قيمة ونسب.
     ذاكرة البيوت موزّعة اليوم سلعًا في الأسواق: صور للبيع، حقائب للبيع، مقاعد للبيع، أكواب شاي وفناجين قهوة وكؤوس عرق للبيع، حكايات للبيع، تاريخ للبيع. ولعلّ الحرب التي شرّدت الناس من بيوتهم ساهمت إلى حدّ بعيد في التخلّي الطوعيّ عن كلّ شيء بدلاً من أن يُنهب كلّ شيء ويُحرق كلّ شيء. هذا فضلاً عن أنّنا أحفاد تجّار لم نرث منهم إلاّ حبّ البيع والشراء مع أنّهم كانوا يملكون أمورًا أخرى مهمّة أيضًا. فالحرب التي أحرقت الصور والأثاث علّمتنا أن ننسى كي نستطيع أن نعيش، والتخلّص من الذكريات بداية النسيان. لكنّ عمليّة التنظيف هذه، تنظيف الذاكرة من الألم والحزن، أسكنتنا القلق والخوف. فلا ثوابت نتمسّك بها، ولا شيء أكيدًا ونهائيًّا، ولا سلام شاملاً وعادلاً، ولا مستقبل واضحًا، ولا حياة أكيدة، ولا منزل ذا هويّة، فلمَ إذًا لا نرمي القديم، ولمَ لا نتخلّص من التاريخ، الخاصّ منه والعامّ، ما دام التغنّي به لم يورثنا إلاّ الخسارة والحسرة؟
     كانت البيوت أرحامًا نتكوّن فيها ونولد أبناء حياة، وأعشاشًا نغرق في دفء الرعاية فيها ثمّ نخرج منها لنحلّق في سماوات الوجود، ومعابد نقيم فيها مع الله تحت سقف واحد، وحين أردنا سلخ جلودنا، تحوّلت البيوت فنادق للهاربين من أنفسهم والناس، ومطاعم للوجبات السريعة، وبيوت خلاء نقضي فيها حاجتنا ثمّ نمضي.

الجمعة، 13 مارس 2020

من شفقة الأرض إلى محبّة السماء (2010)


أين تقف الإنسانيّة اليوم من كلمات مثل الشفقة والرحمة والتعاطف والتآخي والمساعدة والحنان، وغيرها من المفردات التي تحاول أن تشرح علاقة الإنسان بالإنسان أوّلاً ثمّ بسائر كائنات الطبيعة ومخلوقاتها وعناصرها؟
لا شكّ في أنّ اللغات الممتلئة معاجمها بالكثير من هذه المفردات والمرادفات تحاول أن تستعيض بالكلمات عن الأفعال، وتحاول أن تجد لكلّ نوع من أنواع هذه المشاعر، أو لكلّ درجة منها، اسمًا أو صفة، لعلّ الإنسان - وفيه ذلك الجانب المظلم الشرّير- يجد في إحداها متعته الروحيّة واكتمال توازنه العاطفيّ ونموّه الفكريّ وأمانه الجسديّ. وعلى رغم أنّ الكلمات كثيرة في معجم العطف البشريّ لا يزال الإنسان بعيدًا عن فردوسه المفقود، تائقًا إليه، غريبًا في ليل هذا العالم، تائهًا عن إيجاد الدرب إلى سعادة تنبع من داخله وتصبّ في داخلخ بعد أن تغسل الكون من أحزانه ومآسيه.
يقول الفيلسوف الألمانيّ شوبنهاور إنّ الشفقة هي أساس الأخلاق. وهو في ذلك يؤكّد أن لا مجال لقيام مجتمع أخلاقيّ ملتزم إلّا إذا كانت الشفقة هي الرابط الذي يشدّ الناس بعضهم إلى بعض. ولعلّ السؤال الحقيقيّ هنا هو: هل يشفق الناس على بعضهم أم على أنفسهم؟ الديانة اليهوديّة، على غرار ما دعت إليه الشعوب القديمة (قانون حمورابي مثلاً)، تؤكّد على التعامل بالعدل، أمّا المسيحيّة فتدعو إلى المحبّة: أحبب وافعل ما تشاء. لذلك يميل كثير من المفكّرين المسيحيّين واللاهوتيّين إلى استبعاد كلمة الشفقة باعتبار أنّها تقلّل من قيمة المحبّة التي تصل إلى حدّ بذل الذات والفداء، وهذا ما لا يمكن أن تصل إليه الشفقة. في المقابل تركّز الديانة الإسلاميّة على الرحمة: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، لذلك لا ترد صفة "الشفوق" بين أسماء الله الحسنى. أمّا المجتمعات المدنيّة العلمانيّة فارتكزت على مفهومَي الحقوق والواجبات.
ولكن في اللاوعي الجماعيّ، يرفض المحتاجون الشفقة باعتبار أنّ فيها فوقيّةً وسلطة يمارسهما القويّ القادر على الضعيف العاجز، وهي تكاد تساوي بين الناس والحيوانات، إذ يمكن أن يشفق الناس في سهولة على حيوان جريح أو طائر مكسور الجناح أو وردة ذابلة، كما يشفقون على إنسان فقير أو مريض أو عاجز أو معوّق، وكما يشفق النهار على الليل فيكون الشَفق. أمّا الرحمة فأعلى مستوى إذ تشيع حولها جوًّا من المصالحة بين العلى والأرض (يا ابن داود ارحمني، صرخ أعمى العهد الجديد، فأبصر) أو بين الداخل والخارج إذ تنطلق من الرحم لتمدّ حبل خلاص لمن يحتاج الرحمة. ولكنّ للمحبّة شأنًا آخر إذ تكون بين متساويين يتبادلان العطاء ولا فضل لأحدهما على الآخر.
قد يكون العالم في حاجة إلى الشفقة حين يعجز عن الوصول إلى المحبّة السامية. فهي في البداية شفقة الإنسان على الجزء العاجز الضعيف المريض منه، لتصل بعد ذلك إلى الآخر. ومن الممكن أن تكون ممارسات الشفقة التي وصلت إلينا عبر تاريخ البشريّة نوعًا من حبّ البقاء أو ضرورة اجتماعيّة اكتشف الإنسان أهميّتها خلال مسيرته من عزلة الكهف إلى دفء الجماعة إذ فهم أنّه إن لم يشفق اليوم فلن يجد من يشفق عليه غدًا. ولهذا ربّما كان الكرم العربيّ مع ما ارتبط به من ضيافة وحسن استقبال حاجة ماسّة فرضتها ظروف الصحراء حيث لا مأوى ولا دولة ولا حماية. فكان على القبيلة أن تستقبل التائهين المسافرين وتشفق على المحتاجين لأنّ المستقرّ اليوم هو طريد الغدّ، والآمن اليوم هو الضائع غدًا.
لا شكّ في أنّ الأرض تحتاج إلى شفقتنا على ناسها وحيواناتها وسائر الكائنات فيها وإلّا فلن تكون الأرض أرضنا، أمّا إذا رغبنا في تحويل الأرض سماء فليس أمامنا إلّا المحبّة التي فيها فرح وتفاؤل لا الشفقة المرتبطة بالعوز والعجز. فمن منّا لا يشعر بالإهانة حين يسمع أحدهم يقول له: أنا أشفق عليك؟ ومن منّا لا يصير في السماء السابعة حين يقول الآخر: أنا أحبّك.
النهار - كانون الثاني 2010

الثلاثاء، 10 مارس 2020

في أسبوع الآلام، فلنشكر مخفّفي الآلام (18 نيسان 2018)



    لمَ لا يكون أسبوع الآلام مناسبة لتحيّة معالِجي الآلام، وتحديدًا الممرّضات والممرّضين؟ لمَ لا نحوّل أناشيد الوجع صرخة تقدير لعطاءات هؤلاء الذين نبحث عنهم في حياة المسيح، فنجدهم في الذين ساعدوه سرًّا، فمسحوا وجهه، وبكوا معه، وحاولوا أن يسعفوه برشفة ماء؟
    يقال الكثير عن دور المعلّم في بناء المجتمع، عن الطبيب صاحب الرسالة الإنسانيّة، وعن رجل الدين حامل الرسالة السماويّة، وعن سواهم من المشاركين في بناء المجتمع، لكن حين يقع كلّ هؤلاء أسرى المرض، يقرعون الجرس طالبين من يعطيهم جرعة دواء مسكّن، أو يمدّهم بأوكسجين ينقذهم من الاختناق، أو يمسح أنوفهم وينظّف مؤخّراتهم.
   هي مهنة لا تنال حقّها من التقدير. ليس لها عيد وطنيّ، ولا مهرجانات خطابيّة أو حفلات تكريم، ولم تعط حقّها في المسلسلات والأفلام والمسرحيّات والروايات (مرّات كثيرة أسيء إليها عرضًا وتصويرًا)، ولا ينال العاملون فيها رواتب تكافئ عطاءاتهم وتعبهم.
    أتحدّث عن الذين اختاروها طوعًا، لا عن الفتيات اللواتي اخترنها وسيلة للزواج من طبيب، ولا عن الشبّان الذين فشلوا في كلّ مجال فلجأوا إليها.
   أتحدّث فقط عن الذين انتسبوا إليها وهم يعرفون أنّ عليهم أن يحترفوا الابتسامة الصادقة، وأن يُخفوا تعبهم ومرضهم وحزنهم وفقرهم، وأن يقاوموا النعاس، وأن ينتقلوا من غرفة إلى غرفة وهم يبجثون لكلّ مريض ومريضة عن كلمة مواساة مناسبة، وعبارة تشجيع جديدة، وضحكة رنّانة تريد أن تطرد شبح الموت عن أسرّة كثيرة.
   فلنتحدّث فقط عن الذين لم تعتد أعينهم تكرار المشاهد نفسها، فلم تقسُ قلوبهم، عن الذين لم تتخدّر آذانهم من الأنين والبكاء، فلم تتحجّر ضمائرهم، عن الذين يهنّئون مريضًا لأنّ أمعاءه قامت بواجبها، عن الذين يبتسمون، عن الذين يلقون النكات والطرائف، عن الذين يرندحون أغنية أو يرنّمون ترتيلة، عن الذين يخجلون حين تدسّ في جيبهم إكراميّة تعرف أنّها لا تليق بتعبهم، لكنّها طريقتك الوحيدة لتشكرهم بثمن فنجان قهوة.
     عن هؤلاء نتحدّث، ولهم نطالب بأن يكون راتبهم أعلى قيمة من أيّ راتب آخر، لعلّ مجموعات كبيرة من الشبّان والشابات تقدم على اختيار التمريض مهنة ورسالة، يعيشون منها بكرامة ويخدمون بواسطتها بمحبّة.
    في أسبوع الآلام، فلنشكر مخفّفي الآلام، أولئك الذين يسهرون على المرضى، أولئك الذين يخدمون الأطفال والعجزة والمعوّقين، أولئك الذين يرون الإنسان في أصعب حالاته: حين يكون ضعيفًا، متروكًا، وحيدًا، يائسًا، متّسخًا، غاضبًا، ممدّدًا على سرير الانتظار، معلّقًا على صليب المعاناة، بين معاملات التأمين ووزارة الصحّة وصندوق المحاسبة، ومع ذلك يسعون كي لا يروا فيه سوى إنسان قائم من الموت، ومنتصر على المرض.
    في أسبوع الآلام، تحيّة لهؤلاء القدّيسين الصامتين، حافظي الكرامات، محتملي الأمزجة العكرة، ومتلقّي الملامة حين يخطئ الطبيب!

الاثنين، 2 مارس 2020

البداية كانت مع الثورة على اللغة (2011)


حرف O  بلغة الجسد

لم تبدأ ثورة الشباب في البلدان العربيّة فجأة. لم تنطلق شرارتها مع بو عزيزي التونسيّ الذي أشعل نفسه فاشتعلت المنطقة. بدأ الأمر حين ثار الشباب على اللغة واخترعوا لغتهم الخاصّة بمكوّناتها المأخوذة من الحرف العربيّ والأجنبيّ والرياضيّات ورموز قرّروا أنّها تعني كذا فصارت كذا. فمن يستطيع أن يشير إلى أوّل من اعتبر رقم (2) همزة لأنّه يشبهها في الكتابة إن أدرنا وجهه للجهة المقابلة، ورقم (3) هو العين، ورقم (5) هو الخاء ورقم (7) هو الحاء، ورقم (8) هو الغين؟ وهكذا سائر الرموز التي تقرّر أنّها رسومات سهلة التعلّم والكتابة.

حين انتشرت هذه اللغة ذات اللفظ العربيّ والشكل الهجين بدأت الثورة بين الشباب. فحين يمتلك الإنسان وسيلة تعبيره الخاصّة تبدأ حريّته بالتكوّن لتعبّر عن شخصيّته الجديدة. والتاريخ شاهد على أنّ المجتمعات ارتقت حضاريًّا وفكريًّا حين تطوّرت وسائل تعبيرها وسهلت لتصير في متناول العامّة.

وهذا ما غفل عنه علماء الاجتماع وعلماء الألسنيّة فلم يحدسوا بالتغيّرات التي تصيب المجتمع العربيّ، وها هم اليوم يحاولون تحليل ما يجري بدل أن يستبقوا الأمور عبر قراءة المتغيّرات السريعة. فاللغة الجديدة ساوت بين الجامعيّ وصاحب المهنة، وتداولها المتمكّنون لغويًّا من العربيّة أو الفرنسيّة أو الإنكليزيّة. ولعلّ أهم ما فيها أن لا قواعد لها، حتّى الآن على الأقلّ. فالشباب لا يعلمون أنّ قواعد اللغة تأتي بعد اللغة ولا تسبقها.

كتبت عن هذا الموضوع منذ أعوام حين وصفتُ تلميذة طلبت منها أن تكتب على اللوح عبارة باللغة العربيّة، فوقفت من جهة اليسار أي من حيث تبدأ الكتابة باللغة الأجنبيّة وبدأت الكتابة بشكل عفويّ واضح، ولم ينتبه أحد من التلاميذ إلى أنّ ما يجري غريب ومفاجئ.

منذ أعوام إذًا والعقل في رؤوس الشباب يتأقلم مع تغيّرات سريعة طاولت الملابس والعادات ووسائل التعبير وهي كلّها تحتاج لغة جديدة. وكلّ ما نفعله نحن الذين لم نستوعب ما جرى بعد هو الاستهجان حين نرى مسابقة تلميذ مكتوبة بمزيج من لغات لا رابط بينها إلّا ميثاق وضعه الشباب بينهم ووحدهم يفهمونه. ومن هذه اللغة بدأ التغيير. وهذا ما عجز سعيد عقل عن تحقيقه، لأنّه كتب اللغة العربيّة بالحرف اللاتيني حين لم يكن المجتمع العربيّ مستعدًّا لذلك ولأنّه اعتبر الأمر مقضيًّا فأصدره بقرار في حين أنّ اللغة هي إنتاج عقليّ ينبع من الحاجة ويتغيّر تبعًا لمتغيّرات تطرأ على هذه الحاجة. وما عجز "عقل" سعيد عقل عن تحقيقه أنجزه على الأرجح شبّان جاهلون لا يجيدون أيّة لغة من اللغات الحيّة إجادة تامّة فاخترعوا واحدة لهم انتشرت كالنار في الهشيم.

وكان علينا أن ننتبه إلى أنّ من يقوم بثورة لغويّة لن يعجزه شيء آخر، لأنّ تركيبة العقل العربيّ الشابّ لم تعد هي نفسها.  

الخميس، 27 فبراير 2020

أنا ومي شدياق والإعاقة و"الرأي العام البغل" أيضًا وأيضًا...(2015)



     مي شدياق ليست صديقة واقعيّة ولا افتراضيّة، وأكاد أجزم أن لولا مقالة لي سابقة عن الرأي العام البغل نفسه، والتي نشرتَها شدياق على صفحتها، ما كان اسمي ليعني  لها شيئًا. وعدا عن أنّ إحدانا لا تعرف الأخرى إلّا من خلال ما نكتبه، فثمّة أمور كثيرة تفرّقنا، فأنا لست قوّاتيّة، ولست من مناصري جعجع، ولست من جماعة 14 آذار (ولا 8 آذار) ولا علاقة لي لا من قريب أو بعيد بالسياسة السعوديّة أو آل الحريري... فضلًا عن أنّ تركيبة شخصيّتي ومجموع عناصر تكويني الاجتماعيّ والنفسيّ والعائليّ والتربويّ والتعليميّ لا تمتّ بأدنى صلة لما هي عليه مي شدياق... لا بل كان لي مآخذ على أدائها الإعلاميّ، كتبت عنه في مقالة "الإعلام حين يبتعد عن الاحتراف والمهنيّة". وكان لي دعاء عبّرت عنه في مقالة ثانية بعنوان "إلى مي شدياق، مرّة جديدة".
     
    وما كنت لأكتب عن الهجوم الشرس التي تتعرّض له اليوم لو بقي موضوع الاعتراض على كلامها محصورًا برأيها السياسيّ أو موقفها ممّا جرى في القنيطرة السوريّة. لكن أن تصل الأمور إلى التعرّض لوضعها الصحيّ و"إعاقتها"، فأمر يدعو إلى التأمّل والتحليل، لا من باب الدفاع، ومي لا تحتاج إليّ في هذا الأمر، ولا من باب التضامن بين "معوّقتين" بحسب المقاييس التي بنى على أسسها مهاجموها الأشاوس حملتهم عليها، بل لمحاولة فهمِ كيف يجبرك التطرّف على مواجهة ما لم تكن تعرف أنّه فيك... خوف لدرجة العزلة فالانعزال...
    حين قرأت على صفحات التواصل الاجتماعيّ ما قيل لها وعنها، تساءلت عمّا قالته مي أو صرّحت به حتّى انحدر كلام المدافعين عن الشهداء إلى هذا الدرك. فبحثت عن كلمتها وقرأت ما يلي:

لقد أصابتني حالة من الإنقباض وأنا أتنقلّ بين الشاشات اللبنانية التي تتسابق لنقل وقائع تشييع جهاد عماد مغنية في روضة الشهيدين…
“الموت لاسرائيل، الموت لأمريكا”… تبجيلٌ بالمقاومة، أعلام “حزب الله” وسط جموع غفيرة وصراخ “لبيك يا نصرالله لبيك حزب الله”، “لبيك خميني” الخ الخ الخ…
اكيد نحن لسنا في لبنان… فلا إشارة واحدة تدلّ على أنّ الموقع في لبنان.
ما المقصود عندما تنقل كل شاشات لبنان باستثناء واحدة التشييع مباشرة على الهواء؟
هل شرّع لبنان دولةً ومكونات سياسية وشعبية مشاركة “حزب الله” في المعارك في سوريا؟
هل أعلنّا الحرب على اميركا؟ هل أعلنّا الحرب على التحالف الغربي المناهض للنظام السوري؟ هل أعلنّا الحرب على دول الخليج؟
ما خلفية هذا المشهد، هل هو لهث وراء زيادة نسبة مشاهدين هم أصلاً غير مكترثين بهم ولديهم شاشاتهم التعبوية ليل نهار؟!
اسرائيل عدو: نعم
القتيل لبناني: نعم
القنيطرة سورية: نعم
العملية نذير شؤم على لبنان: نعم
على ماذا تهلّلون إذاً؟
لبنان ضائع في مهبّ الريح، ولم يعد لدى الذين يُفترض بهم أن يكونوا أكثر إدراكاً الوعي الكافي للتمييز بين السبق الصحافي الآني والخطوة الناقصة غير المحقّقة للمكاسب على المدى الطويل.
ماذا كان يفعل “الشهيد” في القنيطرة السورية مع قائد الحرس الثوري الايراني؟ هذه المنطقة وبحسب الصحف اليوم ، منطقة سورية “واقعة ضمن مثلث الحدود المعقدة والملتهبة بين لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا”.
عال… هي منطقة سورية صرف إذاً… هل النقل المباشر استسلام واقرار بدخول لبنان بكلّ فئاته طرفاً في الحرب الدائرة في سوريا الى جانب محور النظام السوري البعثي وايران و”حزب الله”؟ هل دفنّا سياسة النأي بالنفس الى غير رجعة؟
هل علينا أنْ نقرّ أنّ “حزب الله” نجح في استدراج السلطات والإعلام في لبنان الى الخانة التي يريد زجّه بها؟
هل في هذا الاطار علينا فهم دخول القوى الأمنية الى معظم البؤر الأمنية في لبنان باستثناء تلك التابعة لـ”حزب الله”؟
هل علينا أنْ نفهم أنّ تعديّ المحامين السوريين على المحامين اللبنانيين في مصر كان مشروعاً لأنّ اللبنانيين تجرّأوا وتطاولوا على جيش بشار الأسد وكانوا بحاجة الى تأديب؟
الله يستر… إذا لم ننتفض على ما يحصل وبسرعة، سيتمّ جرّنا جميعاً الى وحول حرب، كثيرون على حدّ علمي، يعتبرون أنّه يجب أن نكون فيها على المقلب الأخر…
متى تأتي ساعة الصحوة؟
كثر يعتبرون أنّ ما حصل في القنيطرة الاحد سيكون بالتأكيد نقطة تحول في الصراع المفتوح بين “حزب الله” وإسرائيل.
يقولون: هي مواجهة مباشرة غير مسبوقة على الأرض السورية، بين المقاومة وما تمثله، والعدو الاسرائيلي وما يمثله… من دون وسطاء أو وكلاء.
فهل علينا بدورنا أن نسأل: هل ستبقى هذه المواجهة المباشرة في سوريا أم تنطلق شرارتها من لبنان ويكون على الشعب الليناني بأسره دفع ثمن لا يريده؟!
الله يسترنا… متى ساعة الصحوة؟!
***********************
في المقابل، نشرت شدياق الردود التي توالت على تعليق للصحافيّة غدي فرنسيس، وكانت على الشكل التالي:
غدي فرنسيس
January 19 at 9:29pm ·
مي شدياق، صباطو لجهاد مغنية
بيساوي كل قنوات لبنانك يا واطية

Like · Share
4,995 people like this.
364 shares
Abed Fawaz wen tale3 sawta 3a aya mazbale ?
January 19 at 9:29pm · Like · 14
Ezdi Safi
هي الشهيده الحيه بسبع رؤوس
January 19 at 9:31pm · Like · 35
ماهر الدنا
وين عم تحكي القمورة؟
January 19 at 9:31pm · Like · 4
Jad Souria
شو قالت هالشاضومه؟
January 19 at 9:33pm · Like · 7
Mahdi Sal
كلبة ما بينعملا قيمة
January 19 at 9:33pm · Like · 9
Hassan Dughman
لاتهذي بدنك بهيك زباله
January 19 at 9:34pm · Like · 12
Hanna Nicolas Helou maza natawaka3 min 3ahera
January 19 at 9:36pm · Like · 10
Ebaa Karfoul
هلأ كنت عم فكر بهالعاهرة
January 19 at 9:41pm · Like · 16
Jehad Shehab
عيب يا جماعه العاهرات بيخجلوا ينسبوها الهن
January 19 at 9:58pm · Like · 15
Leo Nakad c est une pute qui ne vaut pas le sou
January 19 at 10:01pm · Like · 7
Raed Anwar Hamadeh
حرام ليس عليها عتب..لقد تعرضت لحادث اليم أصاب دماغها بضرر كبير..شفاها الله
January 19 at 10:05pm · Like · 21
Wes Assaf
معاقه من قبل الحادث.
January 19 at 10:14pm · Like · 15
Saeed Jaber
صباطو ،، لا لا كتير هيك
قصدي صباطو كتير فيها

January 19 at 10:27pm · Like · 15
Fida Assaf
حيوانة كل عمرها رخيصة .هيدي قال دكتورة وبتعطي دروس بالجامعات.بزيادة عليا كم كلب متلا ينهشوا فيا .ما رح قول تفههه لان حتى البزقة ضيعانة فيا
January 19 at 10:38pm · Like · 17
نشوان جديد
واطيي وحيطا واطي ولك هي شماعة القرف
January 19 at 10:39pm · Like · 11
Hussein Mahmoud
مي شدياق مش صباط الشهيد بيسوى راسك ولك أرخص صباط بمحل خي حسين مونس بيسواكي كلك قصدي اللي باقي منك وكل مين شد على مشدك يا معاقة
Hussein Mahmoud's photo.
52 mins · Edited · Like · 130
Seleno Abou Radi
مالها المعاقة العاهرة بالمشبرحة
January 19 at 10:52pm · Like · 9
Georges Nehme
الحية الشهيدة. Menopause intellectuel
23 hrs · Like · 11
Tabet Bazzi
شريرةٌ وما في حدا يربكي
انت لستِ ب عاره او مومس
بل أنتِ تتمنين ذالك ولن يحصل.
..See More
22 hrs · Like · 14
Jessy Sassine Noun
العهر بيخجل قدامك يا معفنة عهر ... يلعنك الشيطان ما بكرهو قدك يا جاهلة ومدعية ومصدقة كذبتك ... انت وشهاداتك وكل مين بشد عمشدك كتير عليكن تنكبو بالزبالة ... تفه
19 hrs · Like · 30
Rima Jamous
ما في داعي نعلق عالموضوع طوني فرنجيه عطاها الجواب لي بتستاهلوا مدام بلاستيك
15 hrs · Like · 44
Lina Zammar
يا حقيرة يا سافلة ليس لك مكان سوى في المرحاض ....اللهم دون شماتة قليل يلي صابك يا عاهرة
14 hrs · Like · 30
Najib S Maddah
وبعد...
11 hrs · Like · 4
Mohamad Sadi
حبيت
4 hrs · Like · 3

*******
1- لا أعرف ما هي مناسبة الحديث عن الإعاقة هنا. فمواقف مي شدياق كانت هكذا قبل محاولة اغتيالها، وهي لم تخجل بها ولم تتراجع عنها. وهذا شيء يسجّل لها لا عليها. ولم أكن أعرف أنّ لحزب الله أو للحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ أو للتيار العونيّ مواقف من المعوّقين، تقضي بمنعهم من التعاطي في الشؤون العامّة، أو إبداء الرأي أو ممارسة حقوقهم في السياسة والاجتماع...علمًا أنّ أحدًا لم يهاجم تلفزيون المستقبل الذي لم ينقل وقائع تشييع الشهداء.
2- ولم أكن أعرف قبل أن أقرأ هذه الردود وسواها أنّ الشهداء يموتون كي تبقى هذه الشريحة من الشتّامين الذين لم يجيبوا على شدياق في السياسة والحرب ووضع البلد بل في أمرين يعودان بنا إلى العصر الجاهليّ: أي جنس المرأة (عاهرة، مومس، ...) والإعاقة الجسديّة... وبسبب هذين الأمرين كان وأد البنات الذي حرّمه القرآن.
3- ولكن ما صرت أعرفه أنّ عليّ أن أعيد قراءة كتب أنطون سعادة، فلا شكّ في أنّني فهمتها على غير معانيها الأخلاقيّة. وأن أعيد النظر في قائمة "الأصدقاء" على صفحات التواصل الاجتماعيّ عندي كي لا أفاجأ بأنّ من يضع لي "لايك" على جملة شعريّة عن الحبّ، قد يغضب منّي يومًا بسبب رأي سياسيّ لا يعجبه فينهال عليّ بالصفات والنعوت...
4- وما صرت أعرفه على الأكيد أنّني - وأنا المصابة بشلل الأطفال - سأواجَه يومًا بأنّ اعتراضي على الأداء المسيحيّ (المارونيّ تحديدًا) الفكريّ والروحيّ والسياسيّ والاجتماعيّ سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء...وأنّ النقد الذي أمارسه في الأدب والشعر حين لا ينال رضا أصحاب العلاقة سيكون سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ آرائي التربويّة التي قد لا تعجب كثيرين سببها أنّني امرأة (ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ رفضي لسياسة حزب الله والمستقبل والحزب الاشتراكيّ والكتائب والقوّات والعونيّين والمردة ومن لفّ لفهم سببها أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ كلامي على الجهل العربيّ والتعصّب الدينيّ وقصر النظر السياسيّ سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء...
5- فيا أيّها الرأي العام البغل - بحسب تعبير السوريّ القوميّ الاجتماعيّ الأمين الأديب سعيد تقي الدين - غباءُ العلمانيّين أوصلنا إلى بغاء الطائفيّين، واعتبارُ "الصبّاط" قيمةً لا يجوز المسّ بها جعل عقولنا في مستوى الأرض، وتركُ المجال للناس، كلّ الناس، للتعبير (بحجّة الحريّة) وإبداء الرأي (ع أساس الكلّ بيفهم ومثقّف وبيعرف يقرا ويكتب) أوصلنا إلى ديمقراطيّة الجهل...
6- فحين يحصل ستاتوس غدي فرنسيس عن مي شدياق على نحو ستة آلاف لايك، ويتشاركها نحو أربعمئة شخص... ولا يقرأ سوى عدد قليل ما يكتبه المفكّر علي حرب عن نهج حزب الله فذلك يعني أنّ الشلل ليس في رجلي ولا الإعاقة في جسد مي شدياق بل في كل هذه التركيبة اللبنانيّة التي تُحتضَر ولكن من دون أن يكون ثمّة أمل في أن تحيا سوريا. 

     

الأربعاء، 26 فبراير 2020

من الريف اللبنانيّ الساحليّ: تجربة رائدة انطلقت حرّة واللغة جواز سفر (3 آب 2001)







نماذج من الحياة الثقافيّة في الريف اللبنانيّ الساحليّ
تجربة رائدة انطلقت حرّة واللغة جواز سفر
بين البحر والجبل ثمّ مكان تشرف منه على الأزرق الواسع من دون أن تطالك رطوبة الهواء أو تعلق بشفتيك ملوحة دبقة. أعلى من مستوى البحر، وقبل أن تصل إلى قمم الجبال، ثمّ مكان انطلق منه روّاد حملوا في أفكارهم وكلامهم سعة البحر وعمقه وامتداده، وسعوا عبر الكلمة للوصول إلى قمم تعوّض عن تواضع مناطق سكنهم. من هذا الريف الساحليّ انطلقت تجربة رائدة لم يتّفق أصحابها على إطلاقها ولم يخطّطوا لها بل ظهرت كما تظهر زهور الربيع، في كثرة وهدوء.
لا شكّ في أنّ رصد هذه الظاهرة، وملاحقة أسبابها، وتسجيل نتائجها، عمل جدّيّ دقيق. لكنّ الإشارة إليها هنا تهدف إلى لفت الانتباه إلى لغة شعريّة شعبيّة ظهرت في الزجل والشعر العاميّ، وصولاً إلى الأغنية اللبنانيّة، وهي اللغة التي نقلت أحاسيس الناس ورؤاهم وصوّرت الطبيعة والتقاليد والأعياد.
يتميّز الريف الساحليّ بطبيعة خضراء تغذّيه مياه جوفيّة وأنهار غزيرة تسقي الأشجار والمزروعات في طريقها إلى البحر. وبما أنّها منطقة زراعيّة، كان على سكّانها أن يضبطوا إيقاع أيّامهم بتغيّرات الطقس وانتظار مواسم الزرع والريّ والقطاف والحصاد، علمًا أنّ تنوّع المواسم الزراعيّة وغناها ما كانا كافيين ليستسلم ساكنو هذه البقعة الجغرافيّة لمتعة الاكتفاء والبحبوحة، فالأرض نفسها علّمتهم الحذر والتنبّه، إنّما من غير تشاؤم أو قلق. لذا كان عليهم أن يجدوا بعض الحرف أو الوظائف البسيطة يؤمّنون بواسطتها حاجاتهم الضروريّة إن رغبت الأرض في حرمانهم من بعض خيراتها. هذا النظام الحياتيّ أتاح لأبناء المنطقة الاحتكاك بالأرض والاستمتاع بفصول الطبيعة (وكانت آنذاك معتدلة في توزيع بردها وحرّها بلا تطرّف أو خداع، فالربيع كان ربيعًا والشتاء شتاء)، والتزوّد من ناحية ثانية ما تقدّمه المدينة من علم وانفتاح، خاصّة أنّ أهمّ المدارس الوطنيّة والإرساليّات الأجنبيّة توزّعت على طول هذا الريف الساحليّ الأخضر المستسلم لزرقتين: زرقة السماء وزرقة البحر.
وهكذا، كان هناك وقت للاحتفالات ومآدب الطعام والنزهات في البقاع الخضراء والسهرات تحت الدوالي والعرائش أو حول مواقد النار، وكانت الحكايات والأغنيات الشعبيّة أو النوادر والطرائف، أو الأحجيات والحزازير، وأخبار المهجر والغياب، كلّها فاكهة حلال يأكل منها الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال. وها هم الفنّانون أنفسهم حين يتحدّثون عن طفولتهم في هذه البلدات يشعروننا بأنّ عالمهم ذاك كان في إطاره الطبيعيّ أشبه بالجنّة المفقودة تحنو عليه الجدّات اللواتي يحسنّ سرد القصص. بيد أنّّه كان من الناحية الاجتماعيّة على النقيض تمامًا.

حين اللغة جواز مرور
كتب على أبناء هذه المنطقة أن يكونوا على قاب قوسين من كلّ ما حولهم من غير أن ينغمسوا في ما حولهم. صحيح أنّ المدارس كانت قائمة بينهم تلقي بظلال قبابها وأسوارها على بيوتهم وأراضيهم، إنّما لم يكن متوقّعًا أن يدخل أولاد صغار المزارعين والحرفيّين، إلاّ في ما ندر، إلى تلك المؤسّسات التربويّة التي خرّجت الأطباء والمهندسين والمحامين والقضاة وبعض السياسيّين من أبناء الطبقة الأريستوقراطيّة. لذا بقيت الدراسة مؤمّنة لأولاد الطبقة الوسطى في مدارس صغيرة ومتواضعة، في حين بقي طموحهم مشرئبًّا يسعى للدخول إلى حرم المدارس الكبيرة، فما دخلوها إلاّ متأخّرين وذلك عبر قصائدهم وأغنياتهم ومؤلّفاتهم التي صارت واجبًا مدرسيًّا مفروضًا على أبناء النخبة الماليّة والاجتماعيّة.
صحيح أنّ البحر كان يمتدّ تحت أنظارهم، يحلمون بالسفر عبره إلى أنحاء العالم بحثًا عن الثروة والجاه على عادة اللبنانيّين الطموحين، ولكنّ اللغة التي بدأوا يتذوّقون مجدها وغناها وجمالها أعطتهم الانطلاق وأمّنت لهم أجنحة سافروا بواسطتها إلى أكثر من قارة وحلّقوا فوق أكثر من محيط.
والصوت الذي لم يجد مكانه في عالم المدرسة البعيد المنال، انطلق من الأماكن الدينيّة (الكنيسة غالبًا) ليطلّ بعد ذلك من فوق المسارح والمنابر حاملاً الكلمات التي ضاقت بها الصدور. فكانت أصوات المغنّين والمغنّيات المنطلقة من قرى الريف الساحليّ وبلداته تجمع في نبراتها وأوتارها عنفوان الجبل الذي تستظلّه وامتداد البحر الذي تشرف عليه وحيويّة الاخضرار الذي تسبح في تموّجاته.
كانت الكلمة، في الدرجة الأولى إذًا، بطاقة خروج من عالم ضيّق يطلّ على الدنيا كمتفرّج متلقٍّ لا يفعل بل يخزّن انفعالاته منتظرًا الوقت الملائم لإطلاقها، فكانت حصّة هذا الريف الساحليّ الحصّة الكبرى من مبدعي هذا البلد كلمةً ولحنًا وفكرًا. والكلمة نفسها هي التي وصفت الطبيعة وعبّرت عن الواقع السياسيّ و"هوبرت" أمام المواكب الانتخابيّة وناحت في المآتم وزغردت في الأعراس. ولن يغيب عن البال أنّ هذه المنطقة شهدت في كثير من بلداتها معارك عسكريّة وانتخابيّة على مرّ أعوام طويلة قبل الاستقلال وبعده، بل من فترة ما قبل الانتداب، وسجلّت فيها مواقف وطنيّة لا تزال ذاكرة التاريخ اللبنانيّ تستعيدها في المناسبات: فبعبدا مثلاً كانت مركز المتصرفيّة قبل أن تكون مقرًّا لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة، وإنطلياس كانت مهدًا للعاميّات قبل أن تكون بلدة العائلة الرحبانيّة، وفي بشامون جرت "معركة" الاستقلال، بعدما انطلقت من الشيّاح مع الصحافيّ ( والنائب والوزير) ميشال زكّور مؤسّس جريدة "المعرض". ولم يكن ممكنًا أن تمرّ تلك الأزمات الوطنيّة من دون أن تترك أثرها في اللغة التي تمظهرت آنذاك في الزجل والأغنية والمقالة الصحافيّة، قبل ظهور وسائل الإعلام المرئيّة. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ الزجل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحريّة، معلنًا إصراره على التفلّت من قيود اللغة العربيّة الفصيحة وشروط موسيقاها وقواعدها، إلى كونه وسيلة التعبير العفويّة عن الرغبة في التميّز في الهويّة الحضاريّة.

الشعر يزنّر بيروت
قد يبدو صعبًا تحديد هويّات بلدات الريف الساحليّ الذي نتحدّث عنه. فالارتفاع عن سطح البحر مؤشّر لافت، ولكنّنا نقع أحيانًا على منطقة ساحليّة جغرافيًّا إنّما تشبه في طبيعتها ومسارها التاريخيّ قرى أكثر منها ارتفاعًا، كبلدة برج البراجنة، ومنها على سبيل المثال الصحافيّ رياض حنين وأحمد السبع صاحب جريدة "الهدى". ويمكننا كذلك الحديث عن منطقة تعلو إلى ما فوق خمسمئة متر وتبقى كذلك صالحة لاعتبارها معنيّة بالبحث، كبلدة شملان التي ترتفع عن البحر سبعمئة متر، وهي مسقط رأس المؤرّخ فيليب حتّي. وكذلك يمكن حصر الحديث ببلدات قريبة من بيروت، لكن ذلك لا يعني أنّ بلدات أخرى بعيدة عن العاصمة لم تعرف حركة فكريّة أو ثقافيّة كالتي نتحدّث عنها. فبطرّام مثلاً ( ترتفع عن سطح البحر مئتين وخمسين مترًا) هي قرية المفكّر شارل مالك والدكتور إيلي سالم، والدكتور فيليب سالم، و"البربارة" (مائتا متر) بلدة الشاعر القرويّ رشيد سليم الخوري، وبلدة "عمشيت" (مئة وعشرون مترًا) ومنها على سبيل المثال أدباء كأديب لحّود وعفيفة كرم وإلهام كلاّب البساط وفنّانون كروميو لحّود ومارسيل خليفة، و"بصاليم" (ثلاثمئة متر) بلدة الشاعر موريس عوّاد، وكذلك "جون" (ثلاثمئة وخمسون مترًا) وهي بلدة الفنّانَين نصري شمس الدين وحسن علاء الدين (شوشو) أو الدبيّة (خمسمئة متر) بلدة آل البستاني ومنهم المعلّم بطرس واضع المعاجم ومنشئ المجلاّت، وسليمان معرّب ألياذة هوميروس، وعبدالله صاحب "قاموس البستان" وسواهم من الأدباء والصحافيّين، وهي البلدة التي اعتادت فيروز، حين كانت لا تزال نهاد، أن تمضي الصيف فيها لدى جدّتها من آل البستاني. لكنّ كثافة الإنتاج الفنّي والأدبيّ وكثرة المبدعين الذين انطلقوا من المنطقة المشرفة على بيروت تجعلنا أكثر اطمئنانًا إلى حصر صفة الريف الساحليّ المبدع في منطقة تمتدّ من بلدات تحيط ببعبدا وصولاً إلى كفرشيما امتدادًا إلى إنطلياس. ومعروف أنّ ما نقصده بالإبداع هنا ينحصر في الناحيتين الفنيّة والشعريّة اللتين أطلقتا تيّارًا إبداعيًّا لبنانيًّا ذا نكهة خاصّة لم يسبقه ما يماثله. ولا تزعم هذه المقالة بالطبع الإحاطة بكلّ الأسماء التي لمعت في سماء الكلمة واللحن والصوت، فكيف يمكنها الإحاطة بالمبدعين في ميادين الفكر والعلم والسياسة واللاهوت والاقتصاد وهم أكثر من أن يحصيهم قلم، خاصّة بعدما أتيح العلم للجميع وكثرت المدارس وقامت الجامعة اللبنانيّة التي تفرّعت لاحقًا لتفيد منها الفئة الكبرى من المجتمع اللبنانيّ.
قد يثير هذا الكلام حفيظة البعض من الذين يجدون فيه إجحافًا في حقّ كثر من مبدعي البلد، إلاّ أنّ الإضاءة على منطقة معيّنة وتيّار شعريّ فنيّ مميّز لا تعني أبدًا التعتيم على مناطق أخرى ذات تجارب مختلفة ولغة مميّزة. ولكن لا يسع أحدًا أن ينفي دور البلدات المشار إلى بعضها، والتي كانت تستحقّ التفاتة ولو سريعة.
إنّ المركزيّة السياسيّة والإداريّة التي كانت لبيروت ساهمت في إقامة أحزمة لم تصل إلى مرحلة البؤس عهدذاك، ولكنّها كانت تعيش في تواضع اقتصاديّ يوفّر الضروريّات الحياتيّة، أمّا مؤونتها فذاكرة تغذّيها صور الحياة التي تشعّ في غير مكان وأمام سواهم من الناس. لذا كان على أبناء هذه الأحزمة أن يجدوا مخرجًا لهذه الصور المتراكمة، فكانت اللغة التي نقلوا بواسطتها عالمهم أمام الطبقة الثريّة في الدرجة الأولى، والتي كانت تطرب لسماع هؤلاء يتحدّثون عن معاناتهم وقصص حبّهم وتفاصيل حياتهم اليوميّة. ومن المثير أن نستعيد الآن عناصر اللوحة الاجتماعيّة وهي تتكامل حين يصفّق أرباب الطبقة الثريّة لمجموعة من شعراء الزجل تتراشق بالكلام، أو لمطربة فقيرة الأصول تصدح بصوت فيه كلّ الحزن والعتب، أو لشاعر باللغة اللبنانيّة ينقل تعابير أهل القرى وأسماء الحيوانات وأدوات الزراعة. بل من اللافت كيف أنّ اللبنانيّين في المغتربات كانوا يستدعون الشعراء والمطربين والمطربات ليستمعوا منهم إلى وصف عالم يتعايش فيه الفقر والشرف، البدائيّة والبراءة، الأميّة والطموح، والمفارقة أنّ ذلك العالم كان هو نفسه الذي هرب منه هؤلاء المغتربون للبحث عمّا لا يشبهه.
المهرجانات وجوقات الزجل
انطلقت الحركة الفنيّة اللبنانيّة مع أبناء الريف الساحليّ وتغذّت المهرجانات من مشاعرهم وأفكارهم، فكان منهم الشعراء والملحّنون والمطربون والمطربات والممثّلون والممثّلات، الذين كانوا الروّاد ويعود إليهم الفضل في تأسيس المعاهد الفنيّة والجامعات المتخصّصة وإن لم يدرسوا هم أنفسهم في مدرسة أو جامعة، ما يدلّ على انفتاحهم ورغبتهم في إتاحة الفرصة لمن يأتي بعدهم للإفادة من العلم والدراسة إلى جانب الموهبة الفطريّة. ومع ذلك فإنّ المهرجانات الفنيّة التي أعطت لبنان سمعة طيّبة وجذبت إليه أنظار العالم المتمدّن إنّما تدين لهؤلاء الروّاد بانطلاقتها (الأخوان رحباني، صباح، عصام رجّي، فيلمون وهبي، روميو لحّود، وديع الصافي، نصري شمس الدين...) كما أن حفلات الزجل، خاصّة زمن الفرق الكبيرة، كانت تستقطب حضورًا كثيفًا وما برح الناس إلى اليوم يردّدون أبياتًا قالها شحرور الوادي أو طانيوس عبده القصيفي أو علي الحاج وسواهم.
ذكر منير وهيبة الخازن في كتابه "الزجل" مجموعة كبيرة من الشعراء المعروفين والمغمورين وكثر منهم ولدوا وعاشوا في هذا الريف الساحليّ، وحول ذلك يقول في مقدّمة القسم السادس المخصّص لشعراء عصر الانبعاث (1800- 1900): " ما أن أطلّ القرن التاسع عشر حتّى انتشرت المدارس في القرى اللبنانيّة انتشارًا عظيمًا تحمل النور إلى أقصى البلاد، فاتّسع مع النور ميدان الزجل وظهر شعراء نفضوا عن الفنّ غبار السنين، وعملوا بنشاط على توطيد دعائمه ورفع لوائه عاليًا". وكان لبلدات وادي شحرور وبدادون وبعبدا والشويفات وكفرشيما وسوق الغرب والكحّالة وبتاتر حصّة ذات ثقل بالنسبة إلى باقي البلدات والقرى اللبنانيّة. ولكن عصر النهضة (1900- 1950) يتابع الخازن أعطى الزجل اندفاعًا جديدًا بعدما "قام أصحابه يؤلّفون الجمعيّات الزجليّة والفرق المسرحيّة وينشئون الجرائد والمجلاّت" (ص 220). ونلاحظ أنّ أكثر الصحف والمجلاّت التي تعنى بالزجل اتّخذت بيروت عاصمة لها ما عدا مجلّة السبعلي لصاحبها أسعد السبعلي إذ صدرت من طرابلس. ومن الجوقات أشار الخازن إلى جوقة شحرور الوادي وجوقة زغلول الدامور وجوقة الرابطة العامليّة وجوقة الأرز وجوقة شمال لبنان وجوقة حسّون الزجل وجوقة كبار الزجل. كما أحصى الخازن في النصف الأوّل من القرن العشرين 131 شاعرًا زجليًّا من الذين عرف إنتاجهم الشعري، وكان من بين هؤلاء نحو ثلاثين شاعرًا ينتمون إلى الخطّ الريفيّ المطلّ على الساحل البحريّ.
والطريف في الأمر أنّ الشعراء الزجليّين، ولو كانوا من خارج هذا الريف الساحليّ، علموا عصرذاك أنّ انطلاقتهم الحقيقيّة إنّما من هذه المنطقة ولا يتمّ الاعتراف بهم إلاّ إذا دخلوا في جوقاتها أو تباروا معها أو غنّوا من على منابرها. كانت ذائقة الناس النقديّة في المنطقة مؤهّلة للحكم على ما يقال وينشد ويغنّى، كانوا كلّهم في نسب متفاوتة شعراء زجل. ومن لا يجيد "القول" منهم كان ناقدًا مخيفًا يلتقط الخلل ويعيب الصورة التي سبق واستعملت، ويسخر من الكلمة الركيكة الأثر، ويتأذّى سمعه من الصوت المتعب العاجز. ولا يزال الأبناء في هذه المناطق يستمعون إلى آبائهم وأجدادهم يردّدون في ساعات الصفاء أبياتًا قيلت في حفل الغداء الذي تلا عمادة فلان، أو في عرسِ آخر، أو في استقبال زعيم الحزب أو نائب المنطقة، أو في مأتم شابّ غدر به الموت، أو في صبحيّة أحد الشعانين... وكلّ تلك الأبيات لشعراء لم يسمع بهم أحد ولم تسجّل أسماءهم كتب التاريخ والمراجع.

الريف الساحليّ في خبر كان
عندما تكون هذه البقعة من الريف الساحليّ خضراء بطبيعتها، غنيّة بمواردها، قريبة من المدينة وأعلى منها في الوقت عينه، تجذب السيّاح والمصطافين، مسوّرة بتقاليدها من ناحية ومنفتحة على الآخرين من ناحية ثانية، تتفاعل مع الأوضاع السياسيّة من دون أن تنغمس في ألاعيبها، عفيفة إلى حدّ النسك، وراغبة في المتعة حتّى الاستسلام لأيّ عابر طريق، فذاك يعني أنّنا أمام منطقة واعدة، خصبة المواهب، جريئة الفكر والمشاعر، تذهب إلى أقصى حدود التطرّف في القول والعمل. وكيف لا يظهر كلّ ذلك في لغة خاصّة مميّزة ما فتئنا حتّى اليوم نبني على أساساتها ونتغذّى من جذورها؟
أمّا المستقبل فعلى صورة الحركة الثقافيّة في لبنان الذي نعرفه جميعًا. احتلّت الأبنية الشاهقة المساحات الخضراء، واحتلّ الأبنية من لا وقت لديه لرؤية البحر أو الجبل، واحتلّت سطوح الأبنية الصحون اللاقطة الجاذبة كلّ ما يجري في العالم إلى صحن الدار. وكان على الريف أن ينسحب متراجعًا أمام المدينة الهاجمة سريعة وعنيفة، يرافقها زوال الطبقة الوسطى التي كانت صمّام الأمان اقتصاديًّا واجتماعيًّا والتي غذّت الحركة الفكرية الثقافيّة في لبنان. وبعدما كان الريف الساحليّ يطلّ على العالم من غير أن يكون من هذا العالم، صار العالم ملك يديه وصارت الكلمة تاريخًا نستعيد أمجاده في المقالات الصحافيّة التي تطمح إلى من يقرأها.

بعض من أثرى الحركة الثقافيّة في بلدات الريف الساحليّ
من بعبدا: من آل الملاّط الشعراء شبلي (شاعر الأرز) ونصري وفريد وتامر. وفي الشعر الزجليّ جرجي عبده ناضر وطانيوس عبده القصيفي وإميل رزق الله (اللويزة)، وفي الصحافة يوسف صالح الحلو وأسعد خالد الحلو...
من الحدث: طنّوس وفارس وأسعد الشدياق، يعقوب صرّوف (أحد مؤسّسي مجلّة المقتطف في مصر)، المؤرّخان ابرهيم فارس يزبك ويوسف ابرهيم يزبك، الشاعران جرجس خوري كرم وجورج يزبك، المدبّر في الرهبانيّة الأنطونيّة يوسف الشدياق منشئ مجلّة "كوكب البرية"، كما صدرت في البلدة جريدة "البيرق" لمؤسّسها سعيد فاضل عقل وجريدة "النصير" لصاحبها عبدو بك أبي راشد، وأقيمت فيها المطبعة الشرقيّة عهد المتصرّف مظفّر باشا (1902- 1917)...
من الشيّاح: الصحافيّ والنائب والوزير ميشال زكّور والحقوقيّ إدمون نعيم...
من كفرشيما: ناصيف وابرهيم اليازجي، شبلي الشمّيل، إدوار حنين، جورج الرجّي صاحب جريدة "الراصد". ومن الفنّانين: فيلمون وهبي ووليم حسواني وعصام رجّي وملحم بركات وحليم وماجدة الرومي وماري سليمان...
من وادي شحرور: سليمة أبي راشد (أوّل أديبة من الشرق في المهجر) وعبّود وفارس أبي راشد ونخله أسعد الحلو وكميل خليفة (كروان الوادي) وجوزف الفغالي (بلبل الوادي) والمسرحيّان أنطوان ولطيفة ملتقى والشاعران أنيس روحانا الفغالي ورفيق الفغالي...
من بدادون: أسعد الخوري الفغالي (شحرور الوادي) والفنّانة صباح...
من القماطيّة: الشاعر الزجليّ علي الحاج...
من الشويفات: الأديبة نجلا صعب...
من أنطلياس: الرحابنة...
نشر هذا النصّ في جريدة النهار – الجمعة 3 آب 2001

الزجل اللبنانيّ والمازة (2009)



فلنتفّق أوّلاً على أنّ الزجل اللبنانيّ يختلف عن الشعر العاميّ اللبنانيّ الذي ولد من رحم الزجل غير أنّه استقلّ في بيته الخاصّ. ولنتّفق ثانيًا على أنّ ما أريد قوله عن الزجل اللبنانيّ يصحّ على كثير من وجوه التراث والفولكلور في لبنان وفي أيّ بلد آخر.
الزجل اللبنانيّ في ذاكرة الناس طاولة يجلس خلفها شاعران أو أربعة شعراء يتبارون في ارتجال شعر له نكهة خاصّة ومميزة، ومهما علت النبرة واشتدّت اللهجة وقست المفردات تنتهي المبارزة الشعريّة بتوافق الجميع وخلاصة ترضي الضمير والجمهور. وكانت الطاولة عبارة عن مائدة ملأى بالمازات اللبنانيّة وكؤوس العَرق، قبل أن يمتنع بعض الشعراء عن وضع الكحول احترامًا لمشاعر كثيرين. كانت المائدة لوحة لا يكتمل المشهد الزجليّ من دونها، وغالبًا ما كنّا، صغارًا، نراقب كيف يتطاول الشاعر ليرتفع رأسه فوق رأس البندورة في صحن الخضار الكبير الذي يزيّن وسط المائدة. وما نخشاه أن يزول الزجل وتبقى المائدة والمازة اللبنانيّة على عادتنا في التمسّك بشكل التقاليد من دون النظر إلى أبعد من صورتها البرّاقة.
مناسبة هذا الكلام، دعوة وزير الداخليّة زياد بارود إلى إدخال الزجل في المناهج التعليميّة. وجاء هذا الكلام خلال حفلة في رعاية الوزير وحضوره لمناسبة توقيع ديوان "غلال العشرين" للشاعر الزجليّ جورج ضوّ . صحيح أنّ هذه الدعوة نالت حصّتها من تعليقات البرامج الفكاهيّة على اعتبار أنّنا نداوي أمراضنا بالسخرية ونحلّ مشاكلنا بالنكات، غير أنّنا، ولو كان عندنا هموم أكثر خطورة، لا نستطيع إلاّ أن نوافق الوزير على وجوب إدخال الزجل والشعر العاميّ في المناهج الرسميّة على اعتبار أنّهما وجهان من وجوه ثقافتنا، ووسيلتان تعبيريّتان حضاريّتان جميلتان وغنيّتان في أزمنة الشتائم والقبح والقحط الفكريّ.
في الزجل كما في سواه من الفنون ما يستحقّ التخليد والتدريس بقدر ما فيه من الحشو والتكرار والمبالغات الصبيانيّة والركاكة. وحين نوافق معالي الوزير على طرحه نأمل عند الفرز أن يطرح الزؤان ويحتفظ بالقمح، خصوصًا أنّه قال في كلمته: "قلبي على الزجل اللبنانيّ في شكل خاصّ، وأضمّ صوتي إلى صوتكم في ضرورة جمع هذا التراث العريق، وتعليمه في المدارس. فشعر الجاهليّة جميل حفظه، ولكن حذار من جاهليّة لا شعر يحفظ فيها ولا تراث ولا شعراء يكرّمون".
ونضيف إلى تحذير الوزير: حذار من أغنيات لا شعر فيها، وحذار من شعر لا فكر فيه ولا جمال، وحذار من سياسة لا أخلاق فيها، وحذار من قشور لا نفع لها وقروش لا هويّة لها، وحذار من طوائف لا دين لها، وحذار من شعارات وطنيّة ترتفع فوق أنقاض الوطن.

الجمعة، 14 فبراير 2020

عولمة الأمراض (2003)



عولمة الأمراض
صحيفة النهار – الاثنين 5 أيّار 2003
       ها العولمة تحاول الانتشار بين البلدان كالأمراض المميتة، وها القرية الكونيّة تخضع للحَجر الصحيّ، ويقبع فيها المرضى منتظرين الموت أو الشفاء العجائبيّ.
       أرادوا إزالة الحواجز بين الأمم، فاجتاحتِ الأممَ موجاتٌ من الأمراض الخبيثة؛ وأرادوا هدم الحدود بين الحضارات وتذويبها في حضارة كونيّة أحّاديّة الرؤية واللغة، فانطلقت الأوبئة المميتة من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، وساهمت وسائل الاتّصال الحديثة، العاجزة عن التواصل، في تنقّلها بين مختلف قارات الأرض.
       من المستحيل اليوم أن يُحصر الوباء، أيّ وباء، في منطقة معزولة، لأنّ السرعة التي افتخر الإنسان بالوصول إلى عصرها، هي نفسها التي تنقل مرضًا فتّاكًا من مكان إلى آخر، من دون رادع أو ضابط، ولأنّ السهولة التي ينتقل فيها الإنسان من مكان إلى آخر تتيح للميكروبات والفيروسات إمكان التجوّل من بيت إلى بيت، ومن قارّة إلى قارّة، ومن الأرض إلى الكواكب والنجوم.
       تعرّضت الإنسانيّة في مختلف العصور لأنواع من الأمراض والأوبئة، راح ضحيّتها ملايين البشر. وكان الإنسان يرغب خلالها في الوصول إلى زمنٍ يقضي فيه العِلم على المرض، ويضع حدًّا لانتشاره. لكنّ النظام العالميّ الجديد الذي نخضع لشروطه يفضّل أن يخترع الداء لا الدواء، وأن يصدّر الوباء لا اللقاح، وأن ينشر الجيوش لا الأطبّاء، وأن تكون موازنات وزارات الدفاع أكبر بكثير من تلك المخصّصة للاستشفاء والتربية.
       إزالة الحدود هي التي جعلت الصغار يشاهدون عبر وسائل الإعلام ما يراه الكبار،
وجعلت المراهقين عجزة سئموا "تكاليف الحياة" ولمّا يصلوا إلى مرحلة الشباب،
وجعلت الإعلاميّين يفهمون في كلّ الأمور أكثر من الخبراء المتخصّصين،
والكلاب والهررة تقيم في غرف لا يستطيع كثير من الأطفال الحصول على بعض رفاهها وأناقتها ودفئها،
والرجال بنعومة النساء، والنساء بخشونة الرجال،
والتلاميذ زبائن مقتنعون بأنّهم على حقّ مهما فعلوا،
والمربّون من أصحاب العصمة،
والمجرمون في مراكز القرار،
والأبرياء في غياهب السجون،
وحاملو الشهادات المزوّرة من أرباب الثقافة...
في عصر العولمة وضياع الهويّات وسرعة الحركة، صار كلٌّ منّا كلَّ شيء وكلَّ أحد إلّا نفسه.


مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.