من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 23 فبراير، 2017

صلاة من عتمة الملل (2004)


يا ربّ، أعرف أنّي لا أصلّي كثيرًا، لكنّي سأفترض أنّك تحبّ أن تسمع صوتي بين حين وآخر، وسأفترض أيضًا أنّك تحبّ أن تسمع صلاة مختلفة عمّا اعتدت سماعه.
يا ربّ! أبعد عنّي الأصدقاء والمحبّين الذين يتذكّرونني مرّة أو مرّتين، فأنا لست فيروز ولا أحبّ أن أزار مرّة واحدة كلّ سنة. وأقسم، مع أنّك لا توافق على مبدأ القسم، بأنّني لن أعتب على من ينساني أو يهمل الاتّصال بي. وإذا كان الآخرون يطلبون إليك ألاّ يبقوا وحيدين فأنا أجيّر بواسطتك لهؤلاء جميع الذين يتشدّقون ليل نهار بالصداقة والمحبّة والاهتمام، وعند الحاجة لا تجدهم. في أيّ حال أنت عرفت ذلك في بستان الزيتون وشعرت كإنسان بسيف الألم يجوز صدرك ولكنّك غفرت، إلهًا، وسامحت، أمّا أنا فأنا.
يا ربّ! خلّصني من القبلات الدبقة ذات الطعم والرائحة التي تلتصق على وجنتي مرّة في العام ثمّ أحاول طوال العام محوها وإزالة آثارها.
يا ربّ! أنقذني من المهنّئين في ساعات الفرح ومن المعزّين أمام رهبة الموت ومن العائدين عند المرض ومن المهلّلين عند النجاح، هؤلاء الذين لا أراهم إلاّ في المناسبات ثمّ يختفون.
يا ربّ! تعبت من الابتسام لحظة كان البكاء يقف على ضفّتي عيني منتظرًا تحطّم سدود "العيب". وضجرت من "التطنيش" مع أنّ الغضب كان يهدر في صدري وكلمات الرفض والتأنيب تقف على حدود شفتيّ تنتظر أن أفتح لها الباب لتتدفّق. وسئمت من "الحرام" و"لا يجوز" و"طوّلي بالك" و"عامليهم على قدّ عقلاتن" و"هالقدّ الله عاطيهن". لماذا يا ربّ لا يحترمون هم ما أعطيتهم ويتصرّفون على أساسه؟
يا ربّ! أنت تعرف أني لا أحبّ أن أكون وحيدة، ولكنّك تعرف أيضًا أني لا أحبّ أن أكون محاطة برجال لا يشكّ كلّ منهم ولو للحظة في أنّه أكثر الرجال وسامة ورجولة وكرمًا وذكاء وثقافة، وبنساء تظنّ كلّ واحدة منهنّ أنّها ضحيّة كلّ الرجال مع أنّها لم تعرف رجلاً. وأنت تعلم بلا أدنى شكّ أني قاسية القلب وسليطة اللسان، مع أنّي أحاول، ولو بغير جهد حقيقيّ، أن أتغيّر، لذا لجأت إليك لتقوم عنّي بمهمّة إبعادهم بوسائلك المحبّة اللائقة.
يا ربّ! أنا مستعدّة للعمل طوال ساعات الليل والنهار، وهذا ما أفعله كما تعلم، وللمتاجرة بالوزنات التي أعطيتنيها، ولمساعدة المحتاجين على قدر طاقتي وقدرتي، على مثال الأرملة ذات الفلس، غير أنّي أسألك في المقابل، وأنا أعترف بضعفي البشريّ وبخطاياي الكثيرة وبكبريائي وأنانيّتي وجهلي، أن تحميني من الثقيلي الدم المقتنعين بأنّهم خفيفو الظلّ، ومن الأغبياء الذين يعتقدون أنّهم أذكياء، ومن الذين يقتحمون حياتي في مناسبات متباعدة وهم مقتنعون بأنّهم أصدقائي المخلصون وبأنّ صمتي أمامهم خجل، وأنّ ابتعادي عنهم تواضع ولياقة، وأنّ نظرات الغضب في عينيّ إشارات استغاثة.
يا ربّ! إنّي آسفة، ولكنّي ضجرت فعلاً من "العجقة" و"الازدحام" و"الثرثرة"، وصار من الواجب أن يفعل أحدنا شيئًا.
وبما أنّك تعرفني جيّدًا،ستفضّل حتمًا أن تتصرّف أنت. فلك الشكر سلفًا بالنيابة عنّي...وعنهم.
* النهار – الاثنين 12 كانون الثاني 2004

السبت، 18 فبراير، 2017

لغتنا المائيّة ( النصّ التاسع عشر من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)



يعود كلّ الذين رحلوا حين ألتقي بك/ يأتون من أماكنهم الباردة/ يتركون زواياهم المعتمة ويجتمعون حولنا/ يعودون إلى الحياة لحظة تلتقي شفاهنا/ ويتعانق جسدانا/ وتمتزج رغباتنا/ فتتلوّن أرواحهم التي كانت باهتة بألف لون ولون/ ويشرق مجدهم من جديد.
يتوقّف العابرون عن العبور حين نلتقي/ يجمدون في أماكنهم ويرغبون في التشبّث بمكان أو أحد أو شيء/ ينظرون إلينا ونحن متعانقان/ ويفكّرون في أنّ العبور إن استمرّ عبورًا/ ضياع وشتات وامّحاء في أصقاع الأرض.
يأتيني صوتك من مكان بعيد/ ليقول لي أنّ ما كتبته حتّى الآن لم يكن لرجل متخيَّل/ وأنّ ما حلمت به في لياليّ القلقة كان رسائل منك/ وأنّ ما سأكتبه بعد اليوم سيكون أجمل بما لا يقاس ممّا كتبه الشعراء في تاريخ البشريّة.
وحين يلتقي صوتانا بعد لهفة وشوق تسكت الأصوات كلّها/ وتهدأ الحركة في الأرض/ ويصغي الكون إلينا/ ويتعلّم الجميع لغتنا التي اخترعناها.
هي ليست من حروف وكلمات/ لغتنا/ ولا من إشارات ورموز/ ولا من آهات وتنهّدات/ بل من مياه/ لغة مائيّة لم تخطر على بال أحد قبلنا/ ولم ينطق بها لسان قبل لسانينا/ ولم تدوَّن بها قبل قصّتنا أيّ قصّة حبّ.
يصغي الكون إلى لغتنا ولا يفهم منها شيئًا/ لكنّه يقع تحت سحرها/ ويرقص على إيقاعها/ ثمّ يغفو كطفل تعب من اللعب.
يعود الراحلون حين نلتقي/ يرجع الأزواج إلى منازلهم ليرتاحوا/ يحضن الآباء أولادهم ليستمدّوا قوّة الاستمرار/ ينام العاشق في حضن حبيبته/ وهو يحلم بغدٍ وعائلة وحياة لا موت فيها.
يعود الغائبون حين نلتقي/ يعودون من غيابهم إلى حضورنا/ يرجع الشبّان الذين ماتوا/ تضحك العجائز في منازل خالية إلّا من البرد/ تبرأ الجراح في الأجساد المتألّمة/ تستيقظ ذكريات كانت نائمة بين الكتب والأعمار/ وأخاديدِ السنين المحفورة على اليدين والوجه.
يعود التائهون حين نلتقي/ يعودون من عهود التيه إلى لحظة لقائنا/ تجمد اليد التي تمتدّ لتصفع/ يهدأ الغضب في النفوس القلقة/ يشعر الأسرى بنسمة حريّة/ ويتحوّل بكاء الأطفال ضحكًا تفهمه كلّ الشعوب.

يعود الذين رحلوا حين نلتقي/ ينظرون إلينا ونحن متعانقان/ ويطمئنّون إلى أنّ الحياة لا تزال تسري/ في عروق الأرض والأشجار والأنهار/ وحين يعودون إلى غيابهم الذي لا بدّ منه/ يحملون معهم زادًا من الحبّ/ يجعل أيّامهم حيث هي تفيض لبنًا وعسلًا/ وابتساماتٍ تجرح القلب لشدّة عذوبتها.

الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

أكتب إليكم لأنّكم غرباء (2010)



أتعرفون لماذا أكتب إليكم؟ لأنّكم غرباء. غرباء لا أعرف أسماءكم ولا أرى وجوهكم ولا أسمع أصواتكم، ولست مضطرة إلى النظر في عيونكم ولا معرفة آرائكم وردود فعلكم.
أكتب إليكم كلّ شيء، ولا أخبّئ أمرًا، بلا خجل ولا وجل، كمن يفرغ نفسه من نفسه، كمن ينظّف بيتًا كان مهملاً لأعوام، كمن يطرد الغبار عن رفوف ذاكرته. أكتب لا كمن يخاطب صديقًا، ولا كمن يبوح أمام طبيب نفسيّ، ولا كمن تفيض بئر نفسه في لحظة غضب.
أكتب لأصبح أخفّ وزنًا، أكتب لأنّ الأصدقاء تعبوا من الاستماع، ولأنّ الأطباء النفسيين يأخذون أجرًا عاليًا.
أكتب لأنّ كلّ شيء يستحقّ الكتابة: حركة النملة على الأرض، رقص الشجرة عند الغروب، صباحات الأحد الساكنة والهادئة، رائحة الشواء عند الظهيرة، أنين المرضى في المستشفيات، نوبات الغضب والجنون، المطالبون بالحريّة والحقيقة وهم يخافون منهما، ألم المعدة عندما يعصرنا عصرًا، الرغبة في أن يمسك أحدهم بيدك ليقول لك إنّ كلّ شيء سيسير نحو الأفضل، الخوف من الحرب في بلد لا هاجس لأبنائه سوى السهر والحرب، الأفكار التي تدور في الرأس بدءًا من العمل مرورًا بمشاهد سخيفة من الأفلام وصولًا إلى مأتم شاب.
كلّ شيء يستحقّ الكتابة. ليس بالضرورة لأنّه مهم، بل لأنّه عابر وهشّ ولا يمكن الإمساك به. ولذلك أكتب إليكم عنه، أنتم الغرباء الذين لا أريد أن ألتقي بكم لأنّي لا أعرف ماذا أقول لكم. لا أعرف كيف أدافع عن كلماتي أو كيف أشرحها أو أعلّق عليها. ومع ذلك فأنا لا أملك شيئًا آخر كأنّي فارغة إلّا من الكلمات التي تهدر كشلالات جبالنا، شلّالات تذهب هدرًا إلى البحر ولا تجذب إلّا المتفرّجين ولا يستفيد منها إلاّ بعض المزارعين.
أكتب إليكم لأنّكم غرباء لا تعرفون الناس الذين أكتب عنهم، ولا تعرفونني فلا تعنيكم إذًا المشاعر التي تنتابني والهواجس التي تتآكلني، فلن تبحثوا عن وسيلة كي تخففوا عنّي. وأنا أيضاً لا أريد أن أعرف شيئاً عنكم، فالمعرفة التزام، وأنا أتعبتني الالتزامات التي أعطيتها صحّتي وعاطفتي.
فلتمتدّ المسافات بيننا، ولتصل كلماتي التي تحكي عنّي وعن الذين أعرفهم عبر الرمال والهواء ووسائل الاتصال الحديثة. وليبق الأمر هكذا.
لا أريد وجوهًا جديدة تنظر إلى حزني، ولا أريد أصواتًا جديدة تسدي إليّ النصائح، وتصف لي مباهج الحياة. ولا أريد علاقات جديدة فيها انتظار وتوقّع وخيبات.
أحبّكم لأنّكم غرباء عابرون لا تعنيكم آلامي إلّا بمقدار الوقت الذي تستغرقه القراءة. أحبّكم لأنّكم لا تتظاهرون بالاهتمام ولا تسعون إلى مدّ يد المساعدة. أحبّكم لأنّكم بعيدون فلا أنتظر منكم إلّا وقتاً قليلاً للقراءة ولو من باب الفضول، لا تتعاطفون خلاله ولا تشفقون بعده ولا تتساءلون عمّا بعده.
اقرأوا وامضوا كما أقول كلمتي وأمضي. اقرأوا وتابعوا أعمالكم اليوميّة المعتادة، واضحكوا، وتمسّكوا بالحياة بأسنانكم ومارسوا هواياتكم فأنا لا أريد أن تغيّر الكتابة فيكم شيئًا ولا أن تضيف إلى ما عندكم. فكلّكم أكثر ثقافة منّي وأكثر علمًا منّي وأكثر بلاغة منّي وأكثر عمقًا منّي. أنا أريد من الكتابة أن تشفيني أنا، أن تسمح لي بالجلوس على قارعة الطريق في بلاد غريبة لأتحدّث عن نفسي كالمجانين أمام من لا يعرف لغتي ولا يعنيه أمر تشرّدي ولا يكترث لدموعي وابتساماتي.
أكتب لأشفى. لا لأعالج مسائل فلسفيّة أو لغويّة أو اجتماعيّة أو قوميّة أو وطنيّة. وكيف أفعل ذلك وأنا مشغولة حتى النفس الأخير بما تركه كلّ ذلك عليّ. فلم يعبر شيء إلى جانبي إلاّ وترك أثره عليّ. ولم أقرأ كلمة إلاّ وحفرت أحرفها في مكان ما من نفسي. ولم أسمع شيئًا إلاّ واستعدته ولو بعد زمن.
كلّ شيء عابر، ولكنّ كل هذه الأشياء تبدو كأنّها تلتصق بي وحدي، كأنّ في جسمي مغناطيسًا يجذب كلّ ما يعبر أمامه، أو كأنّ في عقلي لاقطًا يتمسّك بأبسط الذبذبات. ولا أخلص منها كلّها إلاّ بالكتابة.
أيّة معاناة هذه؟ أن تكون الكتابة ملجأي وصليبي. أختبئ فيها ممّا أظنّ أنّني أهرب منه فإذا أنا مسمّرة عليه. وإكليل الشوك يدمي رأسي ويملأ عينيّ بالدم.
لأنّكم غرباء أخبركم بذلك. أفكاري مجرّد رسالة في قنينة ضائعة في محيط، مجرّد كلمات على حائط في مدينة تقاوم بالشعارات. مجرّد خربشات في دفاتر المراهَقة التي لا تريد أن تنتهي. مجرّد صرخات في واد لا يقيم فيه إلاّ الصدى.
لا أريد أن أنقذ العالم، لا أطمح إلى البطولة، لا أريد أن أموت شهيدة ولا أن تتقطّع أوصالي. لا أريد أن يكتب التاريخ اسمي، ولا أريد أن أنال جوائز، ولا أريد أن يعرفني أحد. أريد أن أشفى.
لا أريد أن أمحو الأميّة، فقد علّمت أعداداً لا تحصى من التلاميذ ولا ثقة عندي بأنّهم صاروا أناسًا أفضل.
لا أريد أن أستمع إلى مآسي الآخرين لأنّ الذين استمعت إليهم تركوا لي مآسيهم وعبروا.
لا أريد أن أحرّر الوطن لأنّي أنا نفسي اعتدت العبوديّة والكآبة وأدمنت الأنين.
أكتب إليكم لأنّ مشاكلي لا تعنيكم ولن تؤرق مضاجعكم ولن تسدّ قابليّتكم عن الأكل. فأنتم غرباء والأمور الأكثر أهميّة لم تحرّك فيكم عصبًا فهل سيعنيكم أنّ ثمّة امرأة تجترّ آلامها وأحزانها وكلماتها وتكتب عتها لترتاح.
ولأنّكم غرباء لا أخجل من نقاط ضعفي ولا أبحث عن الكلمات في المعاجم لأبهركم ببلاغتي. ولا أخطّط ولا أرسم أهدافًا ولا أفكّر في قارئ معيّن.
أكتب لأنّي وبكلّ بساطة لا أعرف أن أفعل شيئًا آخر.

الأحد، 12 فبراير، 2017

أحببتك فصرت الرسولة (النصّ السابع من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)



اللوحة للفنّان الأرمنيّ اللبنانيّ زوهراب
Zohrab Keshishian

أصعب ما واجهني في حبّك هو أن أعرف أنّني أحبُّك
ثمّ أن أعترف بهذا الحبّ 
فالمعرفة مسؤوليّة
والاعتراف حملُ المسؤوليّة
وأنا حين اكتشفت أنّني أحبّك اكتشفت سبب وجودي
وصرت الرسولةَ حاملةَ الطيب
وصار حبّك التزامي الذي لا يُلزمني بشيء
بل يَلزمني كي أصير أجمل
ويلازمني كي أتذكّر الفرق بين أن أعيش وأن أحيا
***
حين أحببتك صرت أعرف أكثر
وأبحث أكثر
وأواجه أكثر
وصرت أنطلق من حضنك نسيمًا
ومن عقلك عاصفةً
ومن خيالك حلمًا
وحين كنت أبحث عن طريق العودة إليك لم أكن أخشى أن أضيع
فمعرفةُ أنّك ستجدني أينما كنت كانت تطمئنني
وتسمح لي باللهو أكثر
والمغامرةِ أكثر
كطفلة لا تريد التوقّف عن العبَث في أغراض الكون
وهي مطمئنّة اطمئنانَ الجاهل لجهله إلى أنّ الكون كلَّه يبارك لهوَها
***
أتقدّم في العمر على درب لقائنا ولا أخشى العتمة
أفرح بتجعيدة جديدة في عنقي
لأنّني أعرف أنّ شفتيك ستلاحقان تعرّجاتها
وتزرعان عند منحنيات دربها قبلاتٍ دافئة
تنمو وتمتدّ جذورها في شراييني
وتعربش أغصانها الطريّة نحو شمس
تشرق من عينيّ اللتين لا تغيبان
إلّا عند بحر عينيك
***
أغرق أصابعي في ليل شعري
وأنا غارقة في التفكير فيك
فتتصل أصابعي بيدك وتتحرّك طوعًا لك
وتأتمر بأمر رغبتك وعشقك واشتياقك
وأشعر بأنفاسك الحارّة تتلاحق فوق أفكاري المحمومة المنصهرة في فكرة واحدة هي أنت
آه يا أنت!

يا فكرتي التي أنجبَها رأسي
وهدهدتها أحشائي الراقصة فرحًا بك
يا عالمي الجميل الأنيق الهادئ الآمن الواثق
يا أيقونتي العتيقة المختزلة فنونَ العالم والمختزنةَ أسرارَ الخلود
يا حنانًا يعرف
ومعرفةً تحبّ
ومحبّةً تحمي
وحمايةً لا تأسر أو تقيّد أو تكبّل
***
عندما أتخيّلنا معًا
أراك ساهرًا تراقب نومي
تنحني فوق وجهي
ترفع خصلةً عن جبيني
وتطبع قبلة ناعمة
وأجد نفسي منسابةً في حضنك
وأنا في عزّ نومي
وسكينة لا كلمات تصفها تحيط بي
***
ومرّات أتخيّلك منكبًّا على عملك
منصرفًا إلى البحث والكتابة
أتظاهر بأننّي مأخوذة بقراءة كتاب
في وقت أراقبك فيه
وأخطّط كيف سأتسلّل خلفك
لأطوّق عنقك بساعديّ
وأضع شفتيّ عند ملتقى رغبات جسمك ومشاريع رأسك
قبل أن تحيطني بذراعيك
وتجلسني في حضنك
وتتركني أتأمّل عينيك الباسمتين
***
لماذا أنت من أكتب إليه هذا الكلام؟
لماذا أنت البعيد أشعر بك قريبًا؟
وكيف أجرؤ على الاعتراف أمامك بما يدور في رأسي
وبما يتحرّك في جسمي بلا خجل ولا وجل؟
هل هكذا يفعل عاشقان في مثل عمرنا؟
هل يعودان مراهقين
يحلمان ويخطّطان ويتشيطنان
وهما يسرقان كلّ لحظة لتبادل قبلة توصلهما إلى أقرب مكان
يمارسان فيه حبًّا ينتظر في أقبية الشوق منذ أعمار وأعمار؟
***
تدمع عيناك في هذه اللحظة
فيسبح وجهي في فيض عاطفتك
تضطرب روحك القلقة وترغب في احتضاني لحمايتي من كلّ أذى
ترتعش يدك الممتدّة نحوي كأنّها تخشى ألّا تلاقيَها يدي
أنا فيك، ألا تثق بذلك؟ ألا تؤمن به؟
ألا تشعر بي جزءًا منك كُوّن لحظة كوّنت ورافقك من حياة إلى حياة
ولن يفنى ما دام يحيا فيك ويتجدّد بك؟
***
خبّرني وأنت العارف العالم الشاعر
كيف يمكن حبًّا أن يكون صليبًا وخلاصًا
أن يكون موتًا وقيامة
أن يكون ماء ونارًا؟
أخبرني حكايتنا
ودعني أغفو في هدأة الليل على مخدّة كلماتك عنّا
لأنْ لا أحد سواك يعرف كيف يحكي
وكيف يعشق
وكيف يسكّن عواصفَ الأيّام
فلا تصمت يا من احتفظت لي بكلّ الكلمات التي لم تقلْها بعد

السبت، 11 فبراير، 2017

لا أجد الكلمات ( النص الثالث والعشرون من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)


الكلمات ليست عاجزة، لكنّه اشتياقي الذي تخطّاها. هو الشوق الذي يفوق وجع الجسد، هي الرغبة التي يحكمها الانتظار، هو الحبّ الذي قادني إليك من دون أن يقيّدني. الكلمات ليست عاجزة. أنا العاجزة عن إيجادها في غمرة حاجتي إلى الاستسلام إلى أمان ما نحن فيه، وفي خضمّ ترتيب عواطفي التي شتّتها التطلّع لرؤيتك واصلًا ما بين غيابك والحضور. والجسد ليس عاجزًا، لكنّه الحبّ الذي يفوق قدرة الجسد، أيّ جسد، على الاحتمال. لعلّ القدّيسين والنسّاك فهموا ذلك أكثر من المنغمسين في الشهوات والرغبات، فحوّلوا عشقهم إلى حيث يجدون من يساعدهم على احتماله، وإلّا راح العاشق والمعشوق ضحيّتَي ما يشعران به.
الحبّ شأن إلهيّ، لا يحتمل كثافته ورقّته سوى إله لا يُعجزه جسد أو يسربله زمن. نحن ندّعي الحبّ، نمثّل أدوار العشق. فما من إنسان قادر على حمل صليب الحبّ، أو احتمال توقه إلى الحبيب، إلّا متى توقّف كلاهما عن الحلم بالمستحيل، وهو أن يصير الواحد منهما هو الآخر وأن يبقى هو.
***
لماذا أكتب هذا الكلام، وأنا حين أرى إلى غصن من غصون الياسمينة يلتفّ حول جذع شجرة الرمّان أرى ذاتي ملتفّة حول ذاتك؟ لماذا أفقد ثقتي فجأة في ما نملكه، وفي ما نحن فيه، كأنّني أدرك من دون تخطيط مسبق أنّ حبًّا متكاملًا كهذا الذي نختبره لا يحتمله كائنان هشّان مثلنا، يعرفان أنّ العبور لا بدّ منه، وأنّ البشريّة تنوء بآلام لا علاج لها، وأنّ الزمن ليس زمنهما.
غيابك المفروض يعيد عقارب الوقت إلى أوكارها، لتلسع نفسها انتقامًا من انتظار لم تختره. غيابك المفروض يهدّدني باحتمال تفتّتٍ، كنتُ فيه قبل أن تجمع أجزائي التي تشظّت من الخيبة. فنحن، يا صديقي المعجون بمياه العمر وخميرة الخيبة، محكومان بهموم سوانا، ومشغولان بآلام غيرنا، ومنهمكان في البحث عن عشبة الحياة، يشرب خلاصَتها كلُّ الآخرين، إلّانا. ومع ذلك، مع كلّ هذا الحبّ الموجع، نعرف أنّ ما نحن فيه ليس لعنة أنزلها بنا إله غاضب أو حاسد، بل جريمة اقترفناها، عن سابق تصوّر وتصميم، في حقّ الوحدة والعمر والمسافة، ونعرف عقوبتها.
***
لا أجد الكلمات. عيناي اللتان تبحثان عن وجهك أضاعتا رغبتهما في معانقة الصفحات، والتمدّد فوق الأسطر، والتمرّغ في الأحرف. صار التوق إليك لغتي الجديدة التي لا ترجمة لها سوى اللقاء، اللقاء الذي لا يكتفي ولا يشبع ولا يرتوي إلّا ليكتشف متعة الطلب والجوع والعطش، من جديد، كلّ مرة من جديد، كلّ مرّة المرّةُ الأولى، كلّ مرّة اللهفةُ الأولى، والشهقةُ الأولى، والدمعة الأولى يذرفها الجسد ولا يخجل.
***
لا أجد الكلمات. عيناي اللتان تنتظران عينيك أرهقهما التطلّع إليك آتيًا بلا موعد، سحابةً فوق صحراء، زهرة ربيع في تشرين، هديّة بلا مناسبة أو عيد. عيناي هاتان ما عادتا تريدان البحث عنك في الكتب والمعاجم، والكتابة إليك عنك، ولا أن تفتّشا عنك في البحر والسماء والغيوم والنجوم، هما تريدانك رجلًا من وجع وشوق ورغبة وغضب وضحك وبكاء، تريدان شفتيك تطبعان قبلة فوق الجفنين التعبين، ولن يكون فراق، لأنّك هو، لأنّك أنت، لأنّنا انتظرنا، لأنّنا حين ننظر نرى، وحين نسمع نصغي، ولأنّنا لا نملك سوى أسئلة، نعرف أن لا أجوبة عليها، ومع ذلك فهي ثروتنا التي لا يعرف مقدارها أحد، ولا يعرف قيمتها أحد.
***

إبتسم أرجوك، واترك لعينيّ اللتين أتعبهما التفتيش عن الكلمات أن تغفوا في حضن ابتسامتك، وتحلما بلغة جديدة لا ترجمة لها سوى اللقاء.

الخميس، 9 فبراير، 2017

عبور الجسد – 1 (الجزء الأوّل من النصّ التاسع والأربعين من كتابي رسائل العبور - 2005)





لو نظرت إلى جسدي كجسر آمن فوق نهر هادر لأمكنك أن تصل عبره إلى حدائقي الغنّاء.
لو نظرت إلى جسدي كمعبر سحريّ غامض لاستطعت، وأنت تستمتع بعبورك من خلاله، أن تصل إلى أرضي المعطاء.
لكنّك انتظرت من جسدي أن يكون آلتك الجهنميّة، وخلاصة أوهامك الجنسيّة وأحلامك الشبقة.
فخسرتني وخسرته!
في عجقة الأجساد المحيطة بك، لم يجد جسدي مكانًا له، فكرهته لأنّه بدا لي عاجزًا، وحقدت عليه لأنّه ظهر لي بشعًا.
كانت الأثداء والأفخاذ والبطون تحاصرك وتومئ إليك بعهر وتصرخ معلنة جوعها وعطشها، مقدمة نفسها لتسدّ جوعك وتروي عطشك.
وعند استسلامك لفحيح أصواتها غاب صوتي، وفي انجرافك وراء تدافع أعضائها وعناصرها أوقعتني أرضًا.
كنت تسعى إلى الجنس وكنت أسعى إلى الحبّ.
أردتُ أن تمسك بيدي لأشعر بوجودك، غير أنّك اقتدت يدي إلى جسدك لتشعر بوجودك.
أردتُ من شفتيك أن تطبعا قبلة على شفتيّ لا نميّز فيها بين أحدنا والآخر، فإذا بهما تحفران فوق جسدي بقعًا مختلفة الألوان وتعلنان مرورك البطوليّ.
أردتُ أن تدخل فيّ بقوّة العشق وهدوء الحنان، فإذا بك تقتحمني كمن تأخّر على موعد، وتغادرني كمن يتهرّب من ضيف ثقيل.
انتظرتَ منّي الكلمات التي تثير الشهوة، وتحرّك الغريزة، وتضعك على أهبة الفعل ... بلا خيال ولا حلم.
وانتظرتُ منك الكلمات الطالعة من عمق ذاكرتك، والممزوجة بدفق شهوتك والمملوءة بسحر اللحظة.
اكتفيتَ بلقاء جسدين، وكنت أريد، أريد فعلًا، أن يلتقي جسدانا ليلتقي كلّ ما فينا من ماضٍ وحاضر ومستقبل، ليلتقي عبرنا المكان بالزمان، الرجل بالمرأة، الأرض بالسماء، الواقع بالحلم.
كنت تأكل جسدي في سرعةِ من يتناول طعامًا خفيفًا بين اجتماعَي عمل، وكنت أريد أن ترى في جسدي وليمتك الاحتفاليّة التي جرى لها الإعداد لها بكياسة وذوق وترف.
حاولتُ أن أفهمك أنّ الجنس بلا خيال وعشق دعارة، فأخذت تحدّثني عن مشاكلي النفسيّة وعقد الطفولة.
سألتك لماذا تتشابه لقاءاتنا كما تتشابه نقاط المطر فوق رأس متسوّل لم يترك له الجوع وقتًا للشعر، فأدرت ظهرك لي ونمت.
أعلنت أمامك أنّني متشوّقة إلى الذهاب معك بعيدًا في احتفال الجسد وطقوسه وألعابه وخفاياه وسحره ورموزه، شرط أن تذهب معي بعيدًا في احتفال الروح وطقوسها وألعابها وخفاياها وسحرها ورموزها. غير أنّك كنت مصابًا بعجز روحيّ مزمن لا ترضى بالاعتراف به.
أيّها الرجل الباحث عن امرأة جريئة تمارس معها الجنس، ما أسهل خلع الملابس عن الجسد أمام من لا يجرؤ على الحديث عن مكنونات النفس!

عبور الجسد -2 (الجزء الثاني من النصّ التاسع والأربعين من كتابي رسائل العبور - 2005)


William Claxton

تحدّثني عن الجنس وأنت تقصد المضاجعة أو المجامعة.
لأنّ الجنس لقاء لا تعرفه لأنّك لا تعرف الآخر.
المضاجعة تمرين، رياضة، إفراغ لاحتقان، تخلّص من قلق، أمّا الجنس الذي لا تعرفه فمغامرة واكتشاف وامتلاء وخيال وتبادل أدوار.
في المضاجعة مُطالِب ومطالَب، وفي الجنس تُعطى قبل أن تطلب، وتعطي قبل أن تسأل.
في المضاجعة مقايضة، وفي الجنس مشاركة.
لا تحتاج المضاجعة إلى سحر ولا إلى غموض ولا إلى كلام، ولا إلى همس، ولا إلى تحدٍّ. أمّا الجنس، وجه الحبّ الآخر، فلا يكون إلّا حيث يكون إبداع وشعر وحريّة.
ولا تحتاج المضاجعة إلى حواسك مجتمعة في لحظة واحدة ولا تتطلّب ولا تعترض، أمّا الجنس، مغامرة الإنسان اللامحدودة، فانتقائيّ، مرفّه، صاحب ذوق ومزاج، لا يتنازل عن كبريائه، ولا يقبل بالمتاح الموجود، ولا يساوم على مستواه.
المضاجعة لا تفرض عليك إلّا جهدًا جسديًّا عابرًا وآنيًّا لا يدوم إلّا دقائق. أمّا الجنس/ مرآة العشق ومحيطه الهادر، فيهزّ كيانك كلّه، منذ لحظة التفكير فيه، إلى الاستعداد له، إلى الانصراف إليه، إلى الاستسلام لأهوائه ورغباته، إلى الوصول إلى عوالمه الداخليّة، ولن أقول الانتهاء منه، لأنّه يسكنك ولا يغادرك.
المضاجعة تسيطر عليك وتفرض مواعيدها وقوانينها، في حين يحرّر الجنس روحك من قيودها ويسير معك في دروب الحياة غير المطروقة، ويرافقك إلى قمم الاكتشاف التي لم يصل إليها أحد قبلك، ويطلق جناحيك لتحلّق فوق الرغبات الصغيرة العابرة.
في المضاجعة أنتَ مع امرأة، وفي الجنس أنتَ مع المرأة.
في المضاجعة غربة ومسافة وحدود، وفي الجنس صداقة وعِشرة وانفتاح.
في المضاجعة الشخص الآخر محطّة أو وسيلة سفر، وفي الجنس الشخص الآخر غاية وصولك ورفيق الطريق.
في المضاجعة رائحة، وفي الجنس عطر.
في المضاجعة نظر، وفي الجنس رؤيا.
في المضاجعة أنت كائن والآخر كائن، وفي الجنس أنت ملاك وشيطان، والآخر ملاك وشيطان.
تحدّثني يا صديقي عن الجنس وأنت تقصد المضاجعة، وأحدّثك عن الجنس وأنا أقصد الحبّ.
وكم تبدو الكلمات عاجزة، وكم نبدو على طرفَي نقيض، "نتعايش" في علاقة لا اسم لها، ولا غد، ولا لغة.