الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 17 أكتوبر، 2017

عن مرسيل التي هزمت الموت


قد أتوشّح بالصمت أمام الموت، قد أنزف كلمات، قد أذرف دموعًا، قد أخشع متأمّلة في معاني الرحيل... لكنّي في صبيحة هذا اليوم، حين رأيت عمّي التسعينيّ يحضن ابنته الستينيّة وهو يعلم يقينًا أنّ الدفء المخادع الباقي في جسدها النحيل ليس سوى محاولة أخيرة منها كي تدفئ شيخوخته... في صبيحة هذا اليوم، وحين رأيت ذلك بعين القلب، تصالحت مع الموت.
بدت لي ابنة عمّي نائمة في أمانِ من ارتاح من أوجاعٍ ما فارقتها يومًا، في سكينةٍ هي من طبيعة تكوينها، في هناءة كانت من أبرز صفاتها، وهي التي سمّاها بعضنا ملاكًا، وبعضنا اعتبرها قديسة الصمت والوجع، لكنّنا كلّنا أجمعنا على أنّها لم تؤذ أحدًا، لم تفعل سوى الخدمة، لم تغتب أحدًا ولم تثرثر ولم تعبس ولم تغضب... في صبيحة هذا اليوم، بدا لي أنّ مرسيل تعود إلى حيث كان عليها أن تكون، حيث لا بكاء ولا ألم ولا حقد.
هذه الفتاة التي لم تكبر يومًا ولو تخطّت منتصف عمرها كيف استطاعت أن تبقى صغيرتنا؟ كيف حافظت على نقاء روحها في زمن لوّثت الأمراض أجسادنا؟ كيف احتمل جسمها النحيل كلّ هذه المحبّة فوقفت إلى جانب والدها حين فقد زوجته وولده يوسف، وإلى جانب شقيقتها دعد حين فقدت زوجها أسعد، وحين ساعدت شقيقتيها عايدة ونوال وشقيقها شربل بصلواتها وخدمتها وصمتها وابتسامتها؟ ومن علّمها ألّا تنتظر من أحد أيّ شيء كأنّها تؤمن بأنّها حصلت على كلّ شيء وهي التي لم تملك شيئًا؟
الموت الذي عانق مرسيل صبيحة هذا اليوم صار أجمل وأنقى، وبدل أن يفرض عليها قسوته، كسرت هي شوكته، وبدل أن يغلبها ببرودته انتصرت عليه بدفء قلبها. وأنا التي كنت أتهرّب من مواكبة الراحلين في لحظاتهم الأخيرة كي لا أشهد على عجزهم وعجزي، وجدتني اليوم، وأنا أمسك بيد مرسيل النحيلة المسترخية أشعر بلقاء عالمين مسكونين بالرهافة واللطف والفرح، عالم تحمل مرسيل الكثير الكثير من ملامحه كأنّها مذ ولدت واحدة من أهل السماء، وعالم صار الراحلون من أهل الريحانيّة يعيشون في رحابه.
مرسيل الستينيّة النائمة في حضن والدها التسعينيّ طمأنتني اليوم إلى أنّها لن تغيب عن موسم الزيتون، ولن تترك الريحانيّة بلا بركة صلواتها وفيض بسمتها، ولن تعتب على جان وموريس وبيار وجوزف ومارون وريبكا إن لم يعودوا من غربة أيّامهم ليشاركوا في مأتمها لأنّها تقيم في حنايا قلوبهم حيث لن تموت، ولن ترضى بأن تبكي مريام العروس أو يحزن هنري وإيلين ونور وسحر ولمى وبشارة ومابيل وجوليان... لقد كان الموت عندها دائمًا أهون من أن تسبّب الألم لأحد، وها هي تصيّر الموت إغفاءة بين أمّ تنتظرها هناك وأب يودّعها هنا.

وغدًا، حين أجلس في الكنيسة إلى جانب نعشك يا مرسيل سأعرف أنّك تضحكين كما كنت تفعلين حين أزورك، وسأبكي لأنّي أمام رحيلك لا أجد الكثير من الكلمات.

الأحد، 8 أكتوبر، 2017

صلاة يوم الأحد




صلاة يوم الأحد:اعترضتُ يا ربُّ على رغبتك لي في أن أكونَ الحجرَ الذي يسند الخابيّة
إلى أن اكتشفتُ أنّ في الخابيّة الخمرة الجيّدة التي من دونها لا عرسَ ولا خلاص!واعترضت يا ربُّ على مشيئتك في أن أكون الحجر الذي رذله البنّاؤون
إلى أن وجدتُ نفسي حجر الزاوية الذي عليه قام البناء!وها أنا أعترف بعجزي عن أن أفهم لماذا اخترت لي أحيانًا أن أكون حجر عثرة
فهل تريد حكمتُك الإلهيّة للسائر في استسلام كلّيّ يشبه الغيبوبة أن يتعثّر بي، فيعثرَ على الحجر الكريم الذي يعيدُ التوهّج إلى حياته؟

الجمعة، 29 سبتمبر، 2017

بيتي الزغير بكندا (2012)

إضغط على الرابط للاستماع إلى الأغنية

تنسف في هذه الأغنية التي كتبت كلماتها ريما الرحبانيّ صورة الوطن اللبنانيّ كما وصفه لنا الأخوان رحباني، وتكاد هذه الأغنية تكون النشيد الوطني الجديد لكثير من اللبنانيين الذين لو أعطتهم الدول الأجنبيّة تأشيرات دخول لما نزل منهم أحد إلى ساحة الحريّة.

لولا كلمة "كندا" لظننا أنّ الأغنية تصف لبنان بقرميده وعصافيره وقمره وثلجه، ولكن الرحباني تريد أن تقول لنا أن لبنان ليس فريدًا من نوعه، وبالتالي الوطن هو حيث الحبّ والأمان والسعادة.

تقول الأغنية أوّلاً أنّ الطبيعة الجميلة ليست حكرًا على لبنان ففي الخارج أيضًا بيوت بقرميد وعصافير وقمر وثلج وبيت دافئ فيقول " قرميد مغطّى بالتلج وكلّ المرج، شجر وعصافير كثير بتغطّ ترتاح وبتطير". لا بل هي تذهب أبعد من ذلك حين توحي إلينا من دون أن تصرّح بأنّ طبيعة لبنان شوّهها الإهمال واكتسحتها الكسّارات وقضى على جمالها البناء العشوائيّ. وإذا أردنا أن نبحث عن صورة لبنان كما كنّا نعرفها فعلينا أن نخرج من لبنان إلى أي مكان يحترم الطبيعة ويحافظ على البيئة. وكندا هي مثال على ذلك. كنّا "نحن والقمر جيران" أمّا اليوم فالتلوّث يحجب صورة القمر عنّا، كما أن القمر ليس جارنا وحدنا بل نستطيع أن نراه في أي مكان آخر، وربّما أشدّ قربًا ونقاء فتقول "القمر سهران". وكان عندنا عصافير فقتلها الصيد العشوائيّ، وكان عندنا شجر فقطعتها موجة العمران التي اكتسحت كلّ شبر أخضر.

الموضوع الثاني الذي تنسفه الأغنية العلاقات الاجتماعيّة. ففي حين نتغنّى بحسن الضيافة وفي وقت تخبرنا الأغنيات الرحبانيّة عن الأبواب المفتوحة واستقبال الجيران تقول هذه الأغنية "لا في صحاب ولا جيران" و "ما بدّي يزورو حدا". فاللبنانيّ شبع من العلاقات الاجتماعيّة القائمة على الخبث والتكاذب وادّعاء الأخوّة والصداقة وحسن الجوار و"الجار قبل الدار" وإذا بالجار يحتلّ الدار ويسرقها ويعتدي على حرمتها.

وتنسف الأغنية كذلك صورة الأمان في لبنان. فإذا كان مفهوم الوطن مرتبطًا بالأمان فلبنان لم يعد وطنًا إذًا ولم يعد قادرًا على تأمين الحماية لبنيه. قبل الحرب اللبنانيّة، أطلق رئيس الجمهوريّة الأسبق سليمان فرنجيه مقولة "ناموا واتركوا بوابكن مفتوحة" وهو يقصد الدعوة إلى الاطمئنان لأنّ عهده سيكون عهد أمان وسلام. ومن سخرية القدر أن تبدأ الحرب اللبنانيّة في عهده فتخلع الأبواب وتهدم البيوت وتزهق الأرواح، وتعمّ الفوضى وينتشر الخوف والرعب. وريما الرحباني في هذه الأغنية تصف البيت الصغير في كندا وتقول" بابو ما إلو مفتاح/ بالي مرتاح" وبالتالي هناك في كندا سنجد الأمان والاطمئنان ولن نشعر بالخوف من اعتداء ولن نقلق على مصير. وتتابع الأغنية قائلة: "لشو فتّش بهالكون/ وبعرف السعادة هون" أليس هذا هو الوطن، حيث الأمن والسعادة؟

وتستعير ريما من أغنية رحبانيّة قديمة فكرة مطلعها الذي يقول: "بيت وأوضة منسيه وسلّم داير من دار/ دارت فينا العليه وطارت بالسهرة الدار" لتصف هذا البيت الصغير في كندا "أوضه ودار وعليّه"، فهو ليس قصرًا وليس فخمًا، وهو قد يشبه أي بيت لبناني قديم وببسيط، إلاّ أنّ ما يميّزه هو وجوده في أرض آمنة ومستقرّة صارت حلم كلّ لبنانيّ. وهذا البيت هو ملجأ الحبيبين اللذين وجدا في كندا سعادتهما وأمانهما. لقد وصف الرحابنة في أكثر من أغنية بيوتًا تصلح للحب ومنها أغنية "يا ريت إنت وأنا بالبيت، بشي بيت أبعد بيت"، غير أن الرحبانيّة الصغيرة جاءت لتقول وهل هناك أبعد من بيت في كندا؟ على الأقلّ هناك لن تقتحم شرطة الآداب المنزل لتمنع لقاء حبيبين ولن تضطر الحبيبة إلى التسلّل خفية عن الأنظار بل تشعل النار في الموقد وتقف على الباب في انتظار الرجل الذي تحبّ غير آبهة بنظرات المحيطين بها إذ "لا في صحاب ولا جيران".

منذ بداية عمله الفنيّ ، كان من الواضح أن زياد الرحباني ينظر إلى لبنان الذي بناه الرحابنة في وجدان الناس نظرة شكّ ويدعو إلى النظر بواقعيّة إلى ما يجري في هذا الوطن "الزغيّر ووسع الدني" كما تغنّي فيروز. ولكن أغنية شقيقته ريما :"بيتي الزغير بكندا" تذهب بعيدًا في واقعيّتها وقسوتها على الرغم من تعابيرها الجميلة وعالمها الرحب الوسيع والآمن. ولكن لا نستطيع إلاّ أن نوافق على أنّ هذا ما يحلم به اللبنانيّون على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم بعدما فقدوا أو يكادون، وبسبب أخطائهم المتلاحقة، فردوسهم الأرضيّ.
ولعلّ المفارقة القاسية أنّ صوت فيروز نفسه، وفي عقود قليلة لا تحتسب من عمر الأوطان، هو الذي نقل إلى العالم صورة لبنان الحلم الذي لم يبن بعد كما يقول منصور الرحباني، وصورة المصير اللبنانيّ كما يتوقّعه زياد وريمّا الرحباني أو لعلّهما يحذّران من الوصول إليه! فهل قُدّر لهذا الصوت السماوي أن يبشّر بولادة وطن وينذر بزواله؟
***
 اللحن لأغنية فرنسيّة معروفة 
Ma cabane au Canada وهذا الرابط يسمح بالاستماع إليها. 

الثلاثاء، 26 سبتمبر، 2017

أَيتها الطيور المهاجرَة متى يَنتهي أيلول (1990- جريدة الديار بتوقيع مستعار هو مي م الريحاني)



(أوّل نصّ نُشر لي في الصحف)
ما يكون شعورك عندما تدخل إلى بيتك وترى أولادك قد تركوك بغتة، دون إنذار... دون كلمة... دون نصيحة ودون رجاء بالعودة؟...
هكذا يحصل معي... في كل يوم خبر عن تلميذ سافر دون أن يلتفت إلى الوراء، ومع كلّ صباح، يصلني "إنذار" بأنّ طالبًا حجز على متن أوّل طائرة أو باخرة، وسيغادر قريبًا بعد أن طلب دفتر علاماته من إدارة المدرسة.
       أنظر اليهم في الصفّ ولا أصدّق أنّي قد لا أراهم مرّة أخرى. أراقبهم خلسة علّني أحفر ملامحهم الطفلة في قلبي، ولا أقول شيئًا.
وماذا يمكن أن أقول؟ هل أدعوهم للمقاومة والبقاء، وبأيّ منطق أقنعهم، وبأيّ أسلوب أستطيع إغراءهم بالوطن، هذا الوطن الذي ما توقّفت يومًا عن تعريفه إليهم أرضًا غير مجتزأة، وتاريخًا غير مشّوه، وأدباء غير مغبونين، وعظماء غير معترف بأنّهم ملك لأمة ما عرفت غير العظمة.
أسمعهم يكلّمونني عن حماسهم للسفر، ويأتون المدرسة مودّعين ويسألونني: "هل تريدين إرسال الرسائل إلى أحد في الخارج؟"
طبعًا أريد... وهل بقي أحد هنا؟ لا بل سألتهم أن كانوا يتنقّلون بين "الشرقيّتين" لأحمّلهم الرسائل...
أنظر وأسمع وأحتار... جريمة أن أوافقهم على السفر، وجريمة أن أحاول إقناعهم بالبقاء وبماذا أجيب إن سألوني: "ولمَ البقاء؟ هل تريدين لنا الموت والفشل وضياع المستقبل؟"
       وهناك، في الخارج ستتفتح هذه "البراعم" بعيدًا عن حنان الأهل ودفء الوطن-الحلم... إن نجحوا فستلاحقهم عيون أعدائهم، وسيغرونهم بالبقاء والعمل لمصالح مختلفة إلّا مصلحة وطنهم الأمّ، وسيتعرّضون للخطر. ألم نخسر عشرات الشبّان المتفوّقين في حوادث سير مفتعلة وبظروف غامضة لأنّهم رفضوا العمل لغير مصلحة أمّتهم وخيرها؟ 
وإن ساروا في طريق الخيانة كانوا وصمة عار على جبين الوطن، وخنجرًا مسمومًا في صدر الأمّة.
وإن فشل هؤلاء التلاميذ في تأمين مستقبلهم هناك، في المقلب الآخر من الدنيا، فماذا يفعلون؟ أيعودون؟ ومن يرضى بالعودة خاسرًا؟ أم يبقون هناك عرضة لخطر الانحراف وإغراءات المدنيّات الفاسدة التي تدّعي الحضارة والتقدّم.
الويل لنا! ماذا فعلنا بكم، يا من دعوناكم أبناء وفلذات أكباد وأمل المستقبل؟
بمَ أوصيكم بعد أن نويتم على السفر تاركين في الصفّ مقاعد فارغة من "العفرتة" و"الشيطنة"، ومن نكات أردتموها لاذعة، وأسئلة جعلتموها محرجة؟
ماذا أحمّلكم وقد قرّرتم الرحيل تاركين أسماءكم في دفتري وعلى الطاولات والحيطان؟
أتذكرون كم مرّة قرأنا وحلّلنا معًا نصّ فؤاد سليمان (على المقلب الثاني) وفيه يقول:... على البحار السبعة... في كلّ مطرح من الأرض ...من بلادي واحد... ما غصّت أمّ مثلما غصّت أمّهات بلادي، ترمي شبابها واحدًا بعد واحد على كفّ العقاريت، على الموج خلف الشمس وحيث لا تصل عين؟
وكم ناقشنا معًا كتب الهجرة كما روتها أقلام الأدباء. "وأقلعنا عكس الزمن" مع رضوان ابو يوسف بطل رواية إميلي نصرالله. واستغربتم يومها كيف عاد هذا الرجل العجوز مفضّلّا الموت في حروب لبنان على الذبول في صقيع كندا.
وما زلت أذكر يوم أعطيتكم نصًّا لرشدي المعلوف من مجموعته "مختصر مفيد" تحت عنوان: لماذا لا نشتري بواخر؟ يومها ناقشتم وجادلتم عندما توقّفنا عند قوله: شعوب الأرض المتيّقظة تجد ألف منفعة للبحر، أمّا نحن فنستعمله إمّا للهجرة أو للانتحار...
ففي حين أكّدت أن الهجرة هي انتحار جماعيّ، ثرتم واعترضتم محاولين اظهار فؤائد الهجرة للبلد، وكأنّي لا أعرفها...
ما كنت أحسب يومها أنّي سأشهد انتحار مناطقنا بشبابها وخيرة أبنائها، لا بل كنت مغرورة إلى حدّ جعلني آمل بتغيير مجرى أفكاركم فتكرهون الهجرة وتتشبثون بالوطن!
فيا كارولين الموجودة في كندا، ويا نقولا المقيم في باريس، ويا وجيه المنهمك بحزم حقائبه، كم سأفتقد وجوهكم!
سأنتظر رجوعكم كما ينتظر قرميد لبنان عودة الطيور مع الدفء والربيع، وسأترقّب اخبار نجاحكم بلهفة وثقة، وسأفخر بكم وأقول: ما خاب الظنّ بهم!
وطلبان أسألكما، واحد باسم هذا البلد المهجور: كونوا كالآلهة الذين أخبركم عنهم صلاح لبكي في "أعماق الجبل" فينبئكم أرزه "الرصد" بما فيه فتسارعون إلى نجدته "كلّما هدّته المخاطر" وأحدقت به الرزايا". هلّا كنتم الآلهة؟
وطلب آخر شخصيّ... عندما قرأتُ قصة "معلّمتي" لسعيد تقي الدين منذ سنوات، انطبعت في ذاكرتي صورة غريبة للمعلّمة العجوز التي زارها تلميذها العائد بعد ثمان وأربعين سنة من الغربة، فإذا بها مقعدة وفقيرة معدمة، لكنّها قالت له بفرح: "أنا فخورة بك. لقد رفعت رأسنا".
عودوا ولا تطيلوا الغيبة... هذا هو طلبي
تذكروا القوّة التي فيكم، وسنفرح بكم...
لا تتوانوا عن طلب المعرفة، ففيها قوّتكم، ومن قوّتكم سيستمدّ مجتمعنا بقاءه واستمراره.
"أنا فخورة بكم، لقد رفعتم رأسنا"
كم أتمنى أن أقول لكم قريبًا... فأيلول لا يمكن أن يستمر طويلاً، وسيتبعه ربيع العودة...

                                                       مي. م. الريحاني

الجمعة، 8 سبتمبر، 2017

فلنبكِ اليوم كثيرًا...


فلنبكِ اليوم طويلًا وكثيرًا
فلنبكِ بسبب خيباتنا، وخنوعنا، وغبائنا، وكبريائنا
فلنبكِ لعلّ البكاء ينظّف وجوهنا من وسائل الزينة، وطرقاتنا من تلال النفايات
فلنبكِ لعلّ التراب يزهر من جديد
فلنبكِ على كلّ شهيد وجريح ومعوّق ويتيم وثكلى ومهجّر ومخطوف ومهاجر
فلنبكِ حتّى تنتفخ أجفاننا وتحرق عيوننا دموع القهر والشوق والغضب
فلنصمت اليوم قليلًا ولنبكِ كثيرًا
فلنبك أمام شاشات التلفزيون، ولننحنِ أمام الموت والحزن خجلًا وندمًا واعتذارًا
فلنخجل اليوم من تخاذلنا في كلّ ما نقوم به في حياتنا الخاصّة وفي عملنا... فذلك ما تسبّب بموت من مات
فلنندم لأنّنا حيث كان يجب أن نصرخ في وجه الظلم سكتنا وصفّقنا، وحين كان يجب أن ننتفض على الشرّ تواطأنا معه، وحين كان يجب أن ننادي بالحريّة والعدالة والجمال سرنا في مواكب التبعيّة وزحفنا خلف الزعماء واحتفلنا بالبشاعة
ولنعتذر من كلّ الذين ماتوا تعذيبًا في السجون ومعاناة في الأسر وإهمالًا في المستشفيات ودهسًا على الطرقات ووحدة في دور العجزة، لأنّنا تركناهم يموتون حين نسيناهم
لنبكِ اليوم لأنّ القبح غزا فنوننا، وغياب الضمير يعلّم في مدارسنا، والفساد يعشّش في نفوسنا، والفقر يقيم في بيوتنا،
لنبك، ليس على العسكريّين الشهداء الذين يمشون اليوم بفخر صوب تراب قراهم فحسب، بل علينا نحن مشاريع الموتى، أصدقاء اليأس، أبناء الوطن المقهور، ضحايا العهر السياسيّ والمال الملوّث والدين المشوّه.

لنبكِ اليوم طويلًا وكثيرًا... لعلّ الدمع يغسل نفوسنا فنرى من بين خيوط الدمع عجوزًا تحمل سبحتها وتقصد الكنيسة في يوم ميلاد العذراء مريم لتصلّي من أجل أهالي الشهداء، فنطمئنّ إلى أنّ بعضنا لا يزال بنقاء الطبيعة قبل أن نقطع أشجارها ونسمّم مياهها ونلوّث هواءها... ونتمنّى أن ينتهي هذا الليل الطويل

الاثنين، 7 أغسطس، 2017

رسالة متأخّرة إلى محمود درويش



هي رسالة تحمل بعض أسئلة وخزني شوكها وأنا أشاهد سلسلة البرامج والمقابلات، أو وأنا أقرأ سيل التعليقات والشهادات، وكلّها مستوحاة من موتك/الحدث.
السؤال الأوّل: من أين لك يا رجل، يا شاعر، كلّ هؤلاء الأصدقاء؟ كلّ من أجرى معك حديثًا صديق. وكلّ من وقّعت له ديوانًا صديق، وكلّ من جلس قربك في الندوة صديق، وكلّ من ألقى التحيّة عليك صديق، وكلّ من توسّل إليك كي تظهر معه في صورة واحدة صديق، وكلّ من لحّن أغنية من شعرك صديق. أمّا طلال سلمان، وأنا أصدّقه فيقول: إنّ أصدقاءك لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. مساكين نحن بعدك، لأنّنا مجبرون على متابعة شعائر موتك الأدبيّة والشعريّة بقصائد ومقالات من كلماتك. أجل من كلماتك أنت، حتّى طلع على بالي أن أصرخ يا جماعة يا فارغين، اكتبوا عنه بغير شعره وغير رثائه وغير ألفاظه وغير عناوين دواوينه. الويل لكم! ألم يثر فيكم موته الرغبة في اختراع أحرف وكلمات جديدة؟ ألم تتعلّموا منه الإبداع لا النسخ، والشعر لا النظم، والصدق لا الخبث؟
السؤال الثاني: كيف عليّ أن أصدّق وجودك جثّة في هذا المكان الذي لا يتلاءم مع أناقتك ونظافتك ورهافة ذوقك؟ ثمّة ما لا يصدّق في المشهد كلّه، ثمّة خطأ ما. فطلال سلمان نفسه يقول كم أنفت نفسك من الغبار والأوساخ في مصر وسوريا حين زرتهما بعد خروجك من فلسطين وكنت تنتظر أن تراهما كما قرأت عنهما في القصائد والروايات. وفلسطين؟ ألم تخذلك مرّة بعد مرّة بعد مرّة؟ قم يا رجل من هذا القبر المعدّ على عجل، والبعيد كلّ البعد عمّا في الذاكرة الفلسطينيّة والتراث الفلسطينيّ من جمال وشعر وذوق مرهف في التنسيق والترتيب.
السؤال الثالث: ماذا فعلت أنت وكلّ من سبقك وعلى حساب صحّتكم وحريّتكم من أجل تقدّم هذه الأمّة فترًا نحو الأمام؟ ماذا فعلتم أيّها الشعراء والفنّانون والمبدعون لتجعلوا عالمنا العربيّ أفضل ممّا كان عليه يوم ولدتم؟ الشعر، الفنّ، الإبداع في مختلف وجوهه؟ كلّ ذلك لم يغيّر شيئًا في هذا المجتمع القبيح، الغبيّ، الفارغ! يستمع العربيّ إلى صوت فيروز ثم يبصق أمامك في الشارع من احتقان التبغ في رئتيه والجهل في رأسه، يتأوّه مع شعر أحمد رامي بصوت أمّ كلثوم ثمّ يشتم السائق الذي توقّف عند إشارة السير احترامًا للقانون، يدندن أغنيات عبد الحليم الحالمة ثمّ يصفع زوجته لأنّها تأخّرت في إحضار حذائه، ينشد قصائدك مع صوت مارسيل خليفة ثمّ يخرج ليطفئ إحباطه في أقرب ملهى ليليّ، يدعو إلى الثورة في كتبه ثمّ يستلم جائزة من حاكم يقمع المثقّفين ويصادر الصحف، يشاهد أفلام يوسف شاهين ثمّ يضع للحريّة شروطًا وقيودًا ليحميها من نفسها على حدّ قوله. ماذا فعلتم لنا أيّها المبدعون؟ وماذا فعلنا بكم؟
تموتون الواحد تلو الآخر، فنزداد قبحًا وبشاعة وغباء.
ترحلون الواحد بعد الآخر، فنتبارى في الرثاء.
تنطفئون في فقركم وغربتكم ويأسكم وأمراضكم، فتشعّ وجوه نجوم البرامج الحواريّة الذين يوظّفون من يقرأ لهم كتبكم ويشاهد أفلامكم ويستمع إلى أغنياتكم ويشرح لهم معاني لوحاتكم التي تزيّن جدران منازلهم الفخمة.
موتوا أيّها المبدعون، وسنترككم تشبعون موتًا لأنّ الأيّام ستشغلنا عنكم بما يشبع بطوننا وعيوننا وجيوبنا. موتوا، فنحن شعب لم يكن يستحقكم منذ ولدتكم أمّهاتكم، ولا تعتبوا على من يصرخ فوق قبوركم ويناديكم أن عودوا فهو وجد الفرصة المناسبة ليتفجّع على نفسه من دون أن يتّهم بالجنون. موتوا ولا تؤاخذونا لأنّنا ما زلنا على قيد الحياة.
***
(كتبت هذه المقالة ونشرت عقب وفاة الشاعر محمود درويش، أستعيدها مع بدء عرض المسلسل الذي يروي سيرته ويثير ردود فعل بين الرفض والقبول)

حين يحكي الغلاف جانبًا من التاريخ: سبعة أعداد للكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا أسّست لمرحلة جديدة


الكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا - 2000/ 2001

الكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا - 2001/ 2002

الكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا - 2002/ 2003

الكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا - 2003/ 2004

الكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا - 2004/ 2005

الكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا - 2005/ 2006

الكتاب السنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا - 2006/ 2007

  في مناسبة مرور عشرة أعوام على صدور آخر كتاب سنويّ لمدرسة الحكمة برازيليا شاركت في إعداده وأشرفت على تصميم غلافه، أنشر أغلفة الأعداد السبعة التي تؤرّخ لجانب من عملي في المدرسة، ولجوانب من تاريخ المرحلة وأثرها على التربية.