من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 6 مايو، 2016

الريحانيّة: حسم الصراع بين الديك والكلب

من بيتنا كنّا نرى السماء والبحر

من بيتنا صرنا نرى غابة الباطون

 (نشر هذا النصّ على مدوّنة الريحانيّة السبت 27 كانون الأوّل 2014)

    كنّا نستيقظ عند الفجر على صوت الديكة، فصرنا ننام آخر الليل على نباح الكلاب المرفّهة من على شرفات الشقق الفخمة... هذا ما كانت عليه الريحانيّة وهذا ما صارت إليه... ولكن لا تحسبوا أنّ قاطني هذه الشقق الأثرياء ارتفعوا مقدار سنتيمرات عن مزبلة ديكتنا... فحين تصدح من شققهم، بين نباح كلب وجواب آخر عليه، أغنيات فارس كرم ومحمد اسكندر ومن يشبههما في مستوى الشعر في أغنياتهما، نعرف أنّ ارتفاع أسعار الشقق حولنا إلى ما يقارب المليون دولار لا يعني أنّنا صرنا في بلاد الحضارة...
     كانت الجغرافية عندنا تتوزّع بين هذه الأمكنة:
جَلّ العودة، وجلّ الصرصور، وجلّ الخندق، وجلّ البيدر، وجلّ الطريق، وجلّ الحنّوش، ...
دوّيرة الحدّاد، دوّيرة العرايش، دوّيرة التين، دوّيرة المقصبيّة، دوّيرة ليمون البردقان،...
نقبة وديع، نقبة الخلّة، نقبة تامر، نقية المِئسَيْس، نقب الشمالي، نقبة الدكلة، نقب الجديد،...
خندق فندي، خندق المصريّ، ...
حرج رفقا، كرم الشيخ، زيتونة الأوتيل، نبعة بو رشيد، ...
     أمّا اليوم فأسماء المباني أجنبيّة، كأسماء الكلاب التي تنزّهها العاملات الأجنبيّات، يتسوّل المقيمون فيها شجرة عندنا، عندنا نحن أبناء البلدة الأصيلين، ليلعب في فيئها أولادهم...
     تقيم بلدتي في الغربة، وكلّما ارتفع بناء جديد فيها قصُر النهار، وصارت الشمس تغيب عن بيتنا خلف الطبقات العليا التي سرقت منّا الضوء وأغرقتنا في عتمة مبكرة...
     كان لكلّ بيت في بلدتي ديك يصدح فتولد الشمس من حنجرته، فصار في كلّ منها كلبٌ يخاف من الليل، فينبح ليستأنس بصوته...
     كان في كلّ بيت امرأة ترى أنّ أوراق الأشجار اليابسة طعام الأرض، فصار فيها سيّدات يأمرن بقطع الأشجار حفاظًا على النظافة...
     كان في كلّ بيت رجلٌ يقرأ في السماء علامات المطر وفي الأرض مواعيد العطاء، فصار فيها وجوه تقيم في إطار الغياب...

    كان في بلدتي دروب، وحين شقّت صدرها طريق الإسفلت العريضة، اسودّت عيشتنا وصدورنا وقلوبنا وأفكارنا... وصارت البلدة مدينة غرباء لا نعرف وجوههم ولا أسماءهم... نعرف فقط أنّهم أثرياء ويربّون كلابًا...

خاتم بلا قلب

اللوحة للفنّانة آن كلود أوليفاري وهي تحمل اسم: حزينة حتّى الموت

أنتظر عبورك بالصبر الفارغ إلاّ من الخوف

يحتفل الناس عادة بالبدايات
وما يظنّونه احتفالات نهائيّة
ليس إلاّ الصخب الذي يغلّف صمت الرحيل


بسبب الأزمة الاقتصاديّة
قرّرت النساء
أنّ الخروج في فستان واحد مع رجل مختلف كلّ يوم
أرخص من الخروج مع رجل واحد في فساتين مختلفة
أنت تشبه خاتمًا ثمينًا
يحمل قلبًا اسمه
"حجر ثمين"

أمدّ يدي وألمس وجه الطفلة التي كنتها
تبتسم لي بحنان وتسامحني مع أنّني خيّبت أملها.
إنّها أكثر حكمة منّي.

(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)

الخميس، 5 مايو، 2016

في وداع ريحانيّة الجبل


بين أشجار السرو والريحان والأكي دنيا

       لا أعرف إن كانت البلدة التي ولدت فيها لا تزال موجودة، لا أعرف إن وُجدت أصلاً. فالأمكنة ابنة الحكايات، ولعلّ حكاية قديمة أنجبت بلدتي التي أنجبتني. اسمها الريحانيّة، ولم يعد فيها من الريحان إلاّ شجرة يتيمة أمام باب بيتنا، تحيي العابرين على الطريق وتغريهم فيمدّون أيديهم ليقطفوا بعض الحبّات الصفراء الممتلئة فتتساقط الأخريات الكثيرات زخّات من العطر وكرات شمس تتدحرج على التراب القليل الباقي في بلدة تجتاحها الأبنية التي تنبت على جنبات الطرق حيث كان التين والزيتون والعنّاب.
       يوم امتدّت الطريق السوداء فوق دروب التراب وتلوّت كالأفعى بين البيوت القليلة تهدّد أطفالها اللاعبين بأمان، هرب الأمان ورحلت العصافير واختفت أشجار الريحان وهاجر الذين كانوا أطفالاً، وصارت الريحانية مجرّد أرض مرتفعة الثمن تصلح للتجارة وتقضم أطرافَها الخضراء البلداتُ المحيطة بها: فتأخذ الفياضيّة من الشرق مستشفى السان شارل، وتأخذ الحازمية بساتينها الشماليّة، وتستعمر برازيليا التي أنشأها مغترب لبناني عاد من البرازيل جانبَها الغربيّ، وتكتسح اليرزة بطبقاتها الاجتماعيّة الراقية حقولَ زيتونها الغنيّة، ولا أعود أعرف أين أقيم. وحين قال لي سائق التاكسي الذي أقلّني ذات عشيّة: إذا كنت ذاهبة إلى بعبدا لا إلى الحازميّة زادت التسعيرة ألفي ليرة، فكّرت في أن أبيع بلدتي بألفين من الليرات، لولا أنّه تابع وقال لي: ضيعان هالضيعة أكلها العمار.
       لو عاد الذين ماتوا منذ سنين لما اهتدوا إلى القرية الصغيرة التي كانت مصيفًا لأهل الحدث وارتفع فيها في العامين الأخيرين عشرون بناء من الحجم الهائل لن يعرف المقيمون فيها من الخليجيّين الأثرياء والمغتربين العابرين أيّ شيء عن تاريخها. إم عزيز المنتصبة القامة رغم أعوامها التسعين تمشي ويداها على خاصرتيها، الستّ شفيقة تبلّل كفّيها بالمياه وتربّت على أطراف شتلات الحبق الكبيرة لتنمو مستديرة كأنّها مرسومة رسمًا، العمّ إسكندر يتأبّط ذراع زوجته الستّ هيلين ويعودان معًا مريضًا ليرفّها عنه بأخبارهما الطريفة الذكيّة، الستّ نيني ممرّضة القرية تنقل وصفاتها عن زوجها الذي كان يعمل في الطبيّة ويسمع أحاديث الأطبّاء ويتعلّم منها، العمّ جريس بشرواله العربيّ وزوجته الستّ رشيدة يجلسان أمام بيتهما الذي اختفى ويستعدّان لاستقبال زائري العصر لشرب القهوة، إم كلود التي أتت من الشمال وصارت ابنة الحيّ، العمّ طانيوس الذي حضن السنديانة مودّعًا باكيًّا حين هاجر وهو يناهز الثمانين من عمره إلى أوستراليا حيث أولاده، وغيرهم وغيرهم من الوجوه التي لم تعرف غير الابتسامات تتحدّى بها الفقر لا العوز، وتستقبل بها الضيوف بلا خبث أو رياء، وتروي الأرض حنانًا ودفئًا.
      اليوم، غارت عين الريحانيّة تحت هدير الحفر والبناء، وباع الأحفاد البيوت القديمة لتجّار الإعمار، وصارت أشجار الزيتون والتين والعنّاب وقودًا في مدفأة الذاكرة. كلّ ذلك لأنّ الريحانيّة ليس فيها مكان للموتى، ليس فيها مدافن. فأهل الريحانيّة الذين يعتبرون أنفسهم أبناء بعبدا لم ينقلوا مدافنهم الخاصّة إلى جانب الكنيسة التي بنوها منذ خمسين سنة، كأنّهم أرادوا أن يبقوا على انتمائهم إلى البلدة الكبيرة خصوصاً عند الغياب وفي مناسبات الحزن حين يحتاج الإنسان إلى من يحتضن خوفه أمام العبور والفناء. ولأن لا مدافن عندنا زالت هالة القدسيّة عن أرضنا التي لم تجد من يحمي تربتها وأشجارها وذكرياتها، فالموتى مدفونون بعيداً، وليس غير الموتى من يقدر على المواجهة لأنّهم لا يخافون.
       هذا الصيف ستمتلئ الأبنية التي شيدت حديثًا بالغرباء الذين لا يعرفون أين يقيمون: هل هم في بعبدا أم الحازميّة أم برازيليا أم الفياضيّة، ولن يبقى من الريحانيّة إلاّ بضع كلمات تحاول أن تصف عطرًا يفوح من شجرة الريحان الوحيدة الباقية أمام بيتنا، ووجوهًا تبتسم للكاميرا في ألبومات عتيقة منسية في زوايا الخزانات، وعقد خرز أزرق تتباهى به مراهقة اكتشفته بين أغراض عتيقة لجدّتها ولم يجرؤ أحد على إخبارها بأنّه كان لـ"عيّوقة" البقرة التي غذّت أهل الحيّ بحليبها الصافي وحين ماتت بكاها الجميع كأنّها فرد من العائلة.


النهار - الثلاثاء 11 أيّار 2010

الأربعاء، 4 مايو، 2016

تبّولة بلديّه

أكبر صحن تبّولة في لبنان


ت تعمل تبّوله بلديّه
ما بيكفّي تختار راس من روس البندورة الكبيرة المستويه
بدّك تنتبه ما تكون مضروبة ومهتريه...
ولا بيكفي تجمع كم باقة بقدونس من المساكب العائليّة
وتزيد عليا شويّة نعنع مسقيه بالميّه الطبقيّه
وتحطّ زيت معصور ع حماوة الطائفيّة وعم ينباع بدكاكين المذهبيّة
ولا بيكفّي تجيب برغل من مطحنة التوافقات الحزبيّه
وحامض من جنينات الإقطاعيّة
وبصله بيضا شهيّه من شي ضيعة جرديّه
وترشّ كمشة بهارات من المصالح الفرديّة


يا جماعة! الخَلطة شغله أساسيّه
والنَفَس الطيّب مش قصّة ثانويّه
والملح، الملح أكيد ما لازم يكون فاسد ولا من شطوط مجويّه
والإضافة النسويّة مش للزينة والعضويّه النفعيّه
التبّوله بدّا إيدين نضيفة خضرا طريّه
وإلّا رح تطلع هالتبّوله مش بلديّه
وبلا نكهة وبلا مازيّه...

ولكن ع الأكيد من بعد هالخبريّه
رح تكرهني الأكتريه
وتبلّش التساؤلات عن ميولي الانتخابيّه
وبالنتيجة رح بتضلّ القصّه هيي هيي
وما حدا رح يشدّ فيي
لمّا بتروح عليي
بدار البلديه


الأربعاء، 27 أبريل، 2016

للتخرّج من المدرسة أم لتخريبها؟




تمثّل المدرسةُ السلطةَ "القامعة" التي يرغب المراهقون في تخطّيها ومخالفة أوامرها وصولاً إلى تحطيم صورتها عبر إثارة أعمال شغب فيها والتسبّب بأضرار ماديّة فادحة، وهي، أي المدرسة، تبدو في هذه الحال كأنّها تختصر جميع أنواع السلطات الأخرى التي يعجز المراهق غالبًا عن محاربتها وهي: سلطة الأهل والدين والدولة.
والتلاميذ حين يلصقون بالمدرسة صفة القمع فلأنّهم كانوا ينتظرون منها أن تكون صورة مختلفة عن السلطات الأخرى التي لا تستمع إليهم ولا تحاورهم ولا تترك لهم مجالاً للتعبير، ولأنّ الآمال المعقودة على المدرسة كانت كبيرة جاءت الخيبة قاسية ما أدّى ويؤدّي كلّ يوم إلى ردود فعل عنيفة. وتزداد تصرّفات التلاميذ حدّة مع اقتراب نهاية العام الدراسيّ، وخصوصًا عند تلاميذ الصفوف النهائيّة المغادرين مقاعدهم إلى رحاب أكثر وسعًا وحريّة، حسب رأيهم طبعًا.
لذلك تشكّل نهاية العام الدراسيّ كابوسًا للقيّمين على المدارس إذ صارت الاحتفالات بالتخرّج مناسبة للانتقام من سجن قضوا فيه طفولتهم ومراهقتهم، ولإهانة سجّانين مارسوا مختلف أنواع التعذيب في حقّ المعتقلين عندهم. ومراقبة تصرّفات التلاميذ المتخرّجين في القسم الأخير من السنة الدراسيّة تبيّن بوضوح كيف أنّ أعمال الشغب تنتشر بين الجميع من دون استثناء، جارفة في طريقها كلّ من تعترضه حتّى ولو كان من أصحاب السلوك الحسن أو من المجتهدين المتفوّقين. ومعلوم أنّ ثمّة ميثاقًا غير مكتوب بين التلاميذ يدفعهم إلى التضامن حتّى ولو أنّ الأمر يكون أحيانًا أقرب إلى التواطوء. غير أنّهم في مواجهة سلطة الإدارة والمعلّمين يصيرون صفًّا واحدًا متراصًا من الصعب اختراقه.
شاهدت خلال عملي التربويّ تلاميذ يضرمون النار في صفوفهم، وآخرين يرمون البيض والبندورة على المبنى، وغيرهم يرشّ المياه على المعلّمين، أو يثقب إطارات السيّارات التي تخصّ المسؤولين، أو يرمون المفرقعات بين أقدام زملائهم لإثارة حال من الهلع والفوضى. وكانت لغة العقل تتعطّل كليًّا في هذه الأيّام الوداعيّة، لتحلّ محلّها نظرات مستهزئة وكلمات ساخرة وأفعال وقحة. وفي اليوم التالي، وبعدما فجّر التلاميذ هذه الانفعالات دفعة واحدة، يعود كلّ منهم إلى رشده، ويرتدي وجهه الآخر المعروف ويحضر إلى المدرسة كي يأخذ دفتر علاماته كأنّ شيئًا لم يكن، وإن أعطي ملاحظة أو طرح عليه سؤال عن أسباب ما فعله يستغرب الملاحظة والسؤال معتبرًا أنّ ما جرى طبيعيّ، ويحدث في كلّ المدارس، ولا داعي لتكبير القصّة، فما قام به ورفاقه مجرّد "فشّة خلق" بعد كلّ هذه السنوات التي فرض فيها عليهم قوانين وأنظمة وامتحانات لا تعجبهم.
يجب التوقّف عند مجموعة أمور/ أسئلة قبل تحوّل هذه الظاهرة تقليدًا راسخًا لا مهرب منه: لماذا يعتبر التلاميذ المدرسة سجنًا؟ وكيف نعلّمهم أنّ الاحتفال بالتخرّج لا يجوز أن يشبه حفلة يقيمها أولاد الشارع في مناسبة خروج زعيمهم من السجن؟ وكيف نسيطر على موجة العنف التي تجتاح المدارس؟ وكيف نعلّم التلاميذ الفكر السياسيّ النقديّ من دون أن نخشى الوقوع في مساءلات دينيّة وحزبيّة وعائليّة؟ وهل يملك المعلّمون المؤهّلات التربويّة (لا التعليميّة وحسب) التي تخوّلهم الدخول في حوار مع تلاميذهم حول علاقتهم بالمدرسة؟
من السهل أن نطبّق القوانين على التلاميذ المشاغبين، ولكن هل هذه هي التربية السليمة والهادفة؟ وهل قمنا بالخطوات الاستباقيّة التي كانت بلا أدنى شكّ ساعدت على تحويل المدرسة مكانًا يخاف عليه التلاميذ ولا يخافون منه، مكانًا يهرعون إليه ولا يهربون منه، مكانًا للتفكير والتحليل لا للحفظ الببغائيّ؟ 
لعلّنا نحن المهتمّين بالشأن التربويّ مدعوون إلى محاكمة أنفسنا قبل محاكمة تلاميذنا.


الأحد، 24 أبريل، 2016

بابوج الأرمنيّ ولا طربوش التركيّ


الصور عن صفحة الصديق
https://www.facebook.com/garabet.tahmajian





   * البابوج، كلمة فارسيّة تعني الخفّ أو الحذاء الذي يُنتعل في البيت، والطربوش كلمة تركيّة تعني غطاء الرأس... 
***
     معيبٌ أن نحافظ في لبنان على ألقاب وهبها العثمانيّون الأتراك لرجال قدّموا خدمات، لن نعرف الكثير عن نوعها وأهدافها وخفاياها في ظلّ التعتيم التأريخيّ الذي تفرضه توازنات البلد الطائفيّة والمذهبيّة.
    فأن يفتخر بعض اللبنانيّين بأنّهم من الأمراء أو البكاوات أو الباشوات، أو أن يصرّ أصحاب الوظائف الكبرى في البلد على تصدير أسمائهم بألقاب مثل "فخامة" و"سعادة" و"عطوفة" و"معالي"، أمران يشيران، في ما يشيران، إلى ما فعله الحكم العثمانيّ بالشخصيّة اللبنانيّة وهويّتها، قبل أن يكمل الانتداب الفرنسيّ والعولمة الأميركيّة على ما تبقّى.
     في فرنسا نفسها تمّ التعامل مع عملاء ألمانيا، بعد الحرب الثانية، كخونة يجب تجريدهم من حقّ المواطنيّة، بينما نحن في لبنان، ابن فرنسا الحنون بالنسبة إلى كثيرين، نجد للخيانة تبريرات ونبحث لها عن تفسيرات. ومن شاهد حلقة "تحقيق" التي عرضتها قناة الـMTV عن مجاعة الحرب العالميّة الأولى عرف كيف أنّ الذين ساهموا في تجويع الناس هم بعض تجّار البلد عهدذاك، وهم الذين يملك أحفادهم اليوم ثروات غنموها من حاجة الناس إلى الطعام. ولو كنّا شعبًا يحسن المحاسبة لكنّا طالبنا بمحكمة دوليّة لمعرفة من جوّع شعبنا وتتكتّم الوثائق على نشر هويّته (هويّاتهم).
    *****
    الأرمن فعلوا ما لم يفعله اللبنانيّون وسواهم من ضحايا الإبادة التركيّة، ولا ما فعله الفلسطينيّون حين أجبروا على ترك بلدهم.
    الأرمن لم يتناسوا كما فعل اللبنانيّون، ولم يحملوا السلاح كما فعل الفلسطينيّون... الأرمن عملوا بصمت مدوٍّ، وها هو العالم اليوم يعترف بالإبادة ويعلن معهم الحداد على مليون ونصف شهيد أرمنيّ... مليون ونصف قدّيس أرمنيّ... بينما فلسطين لا تزال معلّقةً على صليب اليهود، واللبنانيّون ضائعين في صراعات المنطقة التي لن تنتهي.
    في ذاكرتنا، عمل الأرمن في صناعة الأحذية والذهب وفي التصوير الفوتوغرافيّ ... كأنّهم منذ أجبروا على ترك أرضهم حفاة عراة، قرّروا أن يصنعوا لأقدامهم ما يساعدها على العودة، ولجيوبهم ما يملأها مالًا يقيهم شرّ العوز والحاجة، ولعيونهم أن تسجّل وجوه الناس وتاريخ الأرض في صورٍ تقضّ مضجع الذاكرة. تقوقعوا على أنفسهم خشية وريبة، وحين خرجوا إلى المجتمع الواسع اكتشف اللبنانيّون أنّ ثمّة شعبًا يخاف ولا يخيف. يخاف على لغته وتاريخه وشهدائه، ولا يخيف إلّا من لا يفهم خوفهم. كرهوا اللغة العربيّة بداية لأنّها، كما أوضح لي أحد الأصدقاء، تعني بالنسبة إلى الجيل الأوّل المسلمين، والمسلم يعني التركيّ، والتركيّ يعني من أراد إبادتهم. مع الوقت، بدأت الأجيال اللاحقة تتعرّف على المسيحيّين العرب، وعلى العرب المسلمين غير العنصريّين، وقرّرت أن تشرح القضيّة الأرمنيّة للعالم باللغات كلّها، والعربيّة من ضمنها.
    *****
    في طفولتنا، كانت المخيّمات الفلسطينيّة مخيفة (حواجز مسلّحة، وجوه واجمة، ملابس عسكريّة...) لم يخطر لنا أن نرى فيهم ضحايا... وبرج حمّود، معقل الأرمن، كان مجموعة متاجر يجلس على أبوابها عجائز يشبهون جدّاتنا وأجدادنا، وفتيات جميلات يبعن الحليّ والملابس والأحذية... لم يخطر لنا أن نسأل عمّا خلف الواجهة...في المخيّمات الفلسطينيّة لغة عربيّة تخيفنا لأنّنا نفهمها، وفي الكانتون الأرمنيّ لغة لا نفهمها لكنّها لم تكن تخيفنا وإن كنّا نجهل سبب التكلّم بها أمامنا.
    المخيّمات الفلسطينيّة كانت فقيرة معدمة بائسة صاخبة، بينما المساعدات تصبّ في مصارف العالم وأرصدة القادة. برج حمّود كان نظيفًا ومرتّبًا ولم يشر أحد أمامنا إلى مساعدات تُطلب أو إعانات تصل، أو حكومات عربيّة وعالميّة وجنوب أميركيّة ويساريّة تساعد... كان الأرمن وحدهم في مواجهة العالم.
    أقليّات أخرى هجّرها الأتراك (سريان، أشوريّون، كلدان)، الأرمن وحدهم من بينها فرضوا أنفسهم على الساحة الدوليّة وأجبرونا على تعلّم دروس الهويّة والانتماء والعزيمة والإصرار.
     لعلّنا اليوم، وفي وقت تقضّ ضمائرنا مشاهد العنف في لبنان وفلسطين وسوريا واليمن وليبيا، لا نحتاج إلى مزيد من صور الضحايا، فالجائع حين يصير جلدًا وعظامًا يشبه جائعي الأرض، والميت حين تتناشه الذئاب يشبه الموتى في كلّ مكان، والطفل الباحث عن يد أبيه واحدٌ مهما كانت لغته أو أرضه، والمرأة المغتصبة امرأة واحدة لا تزال الذكورة المريضة تعتدي عليها منذ أوّل حرب.
     لا نحتاج إلى صور أخرى عن بشاعة الإنسان وما قد يفعله الإنسان بنفسه وبالآخر وبالكائنات والطبيعة والجوّ والسماء والأرض...، بل نحتاج إلى مرايا، مرايا كثيرة، ننظر إلى وجوهنا فيها، فقد نرى، في ومضة ألوهة، أنّ سماءنا تبدأ هنا، وجحيمنا أيضًا... فإمّا أن ننتعل بابوج الأرمنيّ (بما يحمله المعنى من دلالات أبعد من الحَرف) ونمشي نحو الحريّة، أو نعتمر طربوش التركيّ (بما يحمله المعنى من دلالات أبعد من الحَرف) وفي رقابنا حبل المشنقة...  
     

السبت، 23 أبريل، 2016

أين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟


قطعُ الأشجار في وادي قنّوبين... اقتلاع تاريخ




* صحيفة النهار - الثلاثاء 4 أيّار 2010

     بعيداً عمّا إذا كانت المقارنة تصحّ بين الموارنة والأرمن باعتبار الاختلاف بين أن تكون المارونيّة مذهبًا لا قوميّة، وبين ما إذا كانت مسيرة الأرمن التاريخيّة محكومة بكونهم أبناء مذهب مسيحيّ أو بكونهم شعبًا لوطن له اسم وكيان وتاريخ. بعيدًا عن كلّ هذا، يمكننا أن ننظر إلى الشعبين كأقلّيتين مسيحيّتين تعرّضتا للاضطهاد أو المجازر، فتعاملت كلّ منهما مع الأمر بأساليب مختلفة، وكانت النتيجة أنّ الأرمن يحقّقون رغبتهم في الحصول على اعتراف بقضيّتهم وبالمجازر التي تعرّضوا لها ونجحوا في فرض وجودهم في دولة خاصّة بهم أو في مناصب رسميّة واجتماعيّة في الدول التي حلّوا فيها، في حين يتعرّض الموارنة لخيبة تلو أخرى. فأين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟

     1 - العامل الأوّل الذي جعل الأرمن ينجحون هو تكتّلهم في وحدة متراصة متضامنة. فعدا عن تجمّعهم في أماكن خاصّة بهم، شبه مغلقة من غير أن تكون منغلقة، حياديّة من غير أن تكون منعزلة، بقيت صلاتهم بعضهم ببعض قويّة مهما بعدت المسافات بين النازحين والمقيمين، وبين المهاجرين إلى الغرب والمتشبّثين بأرض الشرق. لذلك نراهم يتعاضدون ويتبادلون الخدمات مهما اختلفت آراؤهم في معالجة قضيّتهم الجوهريّة. وهذا ما لم يستطع الموارنة تحقيقه، فلا قضية واحدة تجمعهم، ولا تضامن بينهم، ولا صلات وصل قويّة وفاعلة بين المقيمين منهم في لبنان وبين المستقرّين في بلاد الانتشار. وفي حين يجذب الأرمنيّ سائر الأرمن الذين يعرفهم إلى حيث يعمل أو يقيم، نرى المارونيّ يهرب من الموارنة بذريعة الانفتاح ورفضًا لتهمة الانعزال، فكان الزواج من الأجانب وعدم السعي الى حمل الجنسيّة اللبنانيّة وبيع الأراضي.

     2 - العامل الثاني هو اللغة. فلقد اعتبر الشعب الأرمنيّ أنّ اللغة هي الرابط بين تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وهي الجسر الآمن بينهم مهما تفرّق شملهم. وهذه اللغة تحمل حكاياتهم وأحلامهم وحضارتهم، ومن دونها لا بقاء لهم. في المقابل لا يملك المارونيّ لغة خاصّة به: فمن الآراميّة إلى السريانيّة إلى العربيّة إلى الفرنسيّة ثمّ الإنكليزيّة، تنقّل اللسان المارونيّ غير قادر على حسم أمر انتمائه. لذلك، يبدو من الطبيعيّ أن تطالب فئة من الموارنة بإعادة تدريس السريانيّة في المدارس المارونيّة لحفظ لغة الأسلاف، ويبدو من الطبيعي كذلك أن تنظر فئة مارونيّة أخرى إلى هذا الطلب متسائلة عن جدواه في وقت تكاد اللغة العربيّة نفسها تنقرض أمام هجمات اللغات الأجنبيّة أكانت غربيّة أم آتية من أقصى الشرق. ويرتبط باللغة حكمًا كلّ ما له علاقة بالتاريخ والتراث والفنون، ما يجعل الأرمني في ذلك قادرًا على استحضار ماضيه بكلّ ما فيه من خيبات وإنجازات، ويعجز المارونيّ عن تحديد هويّته الحضاريّة.

     3 - العامل الثالث هو العمل: فلقد فهم الأرمنيّ مذ طاولته يد الإجرام أن عليه أن يعلّم أولاده الناجين حبّ البقاء، في انتظار العودة إلى أرمينيا. لذلك، كان العمل هدفًا أساسًا لم يأنف الأرمني من السعي إليه مهما تدنّى مستواه أو ضؤل أجره. فعمل الشعب الأرمنيّ في كلّ المجالات، ولا يذكر أحد أنّه يعرف متسوّلاً أرمنيًّا. وهذا الإصرار على العمل بنشاط جعل الأرمن ينجحون في مجالات لا يمكن حصرها، حتى بات بعض الحرف والمهن حكرًا عليهم، وصولاً إلى مراتب عالية في الوظائف والإدارات. وهذا ما لم يفعله الموارنة الذين خرجوا من الوظائف الحكوميّة والإداريّة وتعالَوا عن الانضمام إلى الجيش وتخلّوا عن العمل في الأرض والحِرف، واكتفوا عمومًا بقطاع الخدمات حيث ينصاع الإنسان لأوامر من يدفع له أكثر، مما انعكس سلبًا على نفسيّاتهم التي صارت أسيرة مقيّدة بعدما كانت حرّة طليقة.

     فَهِم الأرمن بعد المجازر الرهيبة أنّهم ضحايا مؤامرات دوليّة وأنّهم أقليّة تعرّضت للإبادة أمام صمت العالم كلّه، ولذلك عليهم الاتّكال على قدراتهم والرهان على الوقت. أمّا الموارنة فآمنوا بأنّهم محور الأرض وأنّ سياسات الدول تبنى على قياس رغباتهم وأنّ السماء لن تتخلّى عنهم وأنّهم حاصلون على خبزهم لأكثر من يومهم ولو لم يعملوا أيّ شيء. وبنتيجة هذين الاقتناعين، تقترب المسألة الأرمنيّة من فرض نفسها في كلّ مكان وعلى كلّ الناس حتّى في تركيا نفسها وعلى المثقّفين الأتراك في الدرجة الأولى، بينما يفقد المثقّفون الموارنة الثقة يومًا بعد يوم بأهليّة زعمائهم وقادتهم الزمنيّين والروحيّين، ويجدون أنفسهم في دفاع سخيف عن قضيّة لا يعرفون ما هي في الحقيقة ولا كيف يقنعون غيرهم بها. وإن لم تكن هذه الحال نهاية الموارنة فثمّة خوف مشروع في أن تكون النهاية أقرب بكثير مما يظنّ المتعامون عن الحقائق والأرقام، والمتجاهلون واقع المجتمع.