الثلاثاء، 14 أكتوبر، 2014

عيد الاستقلال بين تعليم اللغة العربيّة والحركات الأصوليّة

المارينز في بيروت (15 تمّوز 1958)

     تبدأ المدارس اللبنانيّة، مع نهاية شهر تشرين الأوّل، في إعداد تلامذتها للاحتفال بعيد الاستقلال. وفي انتظار ما ستكون عليه الأمور يوم 22 تشرين الثاني من العام 2014، يبدو غريبًا أن يحتفل لبنان، كما يبدو حتّى الآن، بعيد بلا رئيس، وبعسكريّين مخطوفين، لا إلى قلعة راشيّا وتحت حراسة البنادق الفرنسيّة، بل في عرسال وتحت ظلال السيوف الإسلاميّة.
     المضحك المبكي في مؤسّساتنا التربويّة أنّ عيد الاستقلال يُلَزَّم لقسم اللغة العربيّة، على اعتبار أنّ النشيد الوطنيّ باللغة العربيّة، وحكاية الاستقلال لا يمكن أن تروى بلغة المنتدِب الفرنسيّ أو أيّة لغة أجنبيّة أخرى... من هنا، من على مقاعد الدراسة، ومن أصغر الصفوف، يبدأ التشرذم والتقسيم والتفتيت... قسم اللغة العربيّة يعدّ الاحتفال (بمساعدة متواضعة من قسم التاريخ والجغرافية والتربية المدنيّة)، والأقسام الأخرى تقف موقف المتفرّج والمصفّق... وغالبًا المنتقِد... وهكذا تصير الوطنيّة حكرًا على فئة دون أخرى.
     ولكن من جهة أخرى، اللغة العربيّة الفصحية ليست اللغة اليوميّة التي يستخدمها المتعلّمون، ما يعني أنّها هي كذلك لغة أجنبيّة بالنسبة إليهم... أي نحن أمام شرخ آخر يتبدّى في اللغة، يصير النشيد الوطنيّ بلغته (وإن سهلة وبسيطة وغير معقّدة) بسببه عبئًا تربويًّا آخر، يُفرض قصيدة تُشرح وتدرس وتُحفظ... فقط ليوم العيد... وبعد ذلك إلى غياهب النسيان. وكلّ عيد نستعيد الدرس... والوطن ليس بخير. فحين تبدأ المدارس يومها بالدين لا بالوطن، نفهم لماذا هنا بيئة حاضنة، وهناك خلايا نائمة، وهنالك انعزال... باسم الآب والابن والروح في مدرسة، وباسم الله الرحمن الرحيم في مدرسة أخرى... ويصير النشيد أناشيد والعَلم أعلامًا...
     اللغة العربيّة، المرتبطة قواعدُها بلغة القرآن، هي اليوم، في أذهان المتعلّمين، لغة الجهاد والنكاح والذبح وقطع الرؤوس...لا لغة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وطه حسين وعبدالله العلايلي وسعيد تقي الدين... فكيف نقنع تلميذًا بحفظ نشيد بلاده، وبلادُه على كفّ عفريت؟ وكيف نطلب أن يحبّ اللغة العربيّة وهو مهاجر إلى حيث ينال تأشيرة دخول؟ وكيف نقنعه بأنّ الله خير وحقّ وجمال، وأفلام اليوتيوب تؤكّد له لحظة بلحظة أنّ الله بشاعةٌ ودمٌ وذبح حلال؟
      يومًا بعد يوم، يتأكّد لنا بأنّنا بلا هويّة وبلا انتماء! ولم تفعل المناهج التربويّة التي استوردناها سوى تغريبنا عن تاريخنا وجغرافيتنا وتراثنا وتقاليدنا (لأنّنا نسخنا ما فيها بلا تمحيص أو تدقيق)... وجعلِ تلامذتنا جرذانًا في مختبرات التجارب: مرّة من فرنسا، ومرّة من أميركا، ومرّة من كندا، ومرّة من السويد... فيأتي الاستقلال مزحة سمجة، لا يتربط الاحتفال به بما قبله أو بما بعده...

     وما بين عروبة أثبتت خواءها الفكريّ والروحيّ والعلميّ، وفَرْنَجَةٍ لا شكّ في أهدافها الاستعماريّة (بكلّ الوسائل والأساليب وفي المجالات كلّها)، وفي غياب الحسّ النقديّ المتجلّي في منع التلامذة من الكلام في الفكر السياسيّ، وعدم وجود حصص مدرسيّة للحضارة والثقافة، ومنابر للحوار، وندوات للنقاش... سيمضي المعلّمون شهرًا يحاولون فيه أن يجدوا أجوبة مقنعة لهم قبل غيرهم عن أسئلة من نوع:
     لشو بدنا نتعلّم عربي؟ لشو بدنا نحتفل بعيد الاستقلال؟ ضروري نحفظ النشيد الوطنيّ؟؟

الأحد، 5 أكتوبر، 2014

الإعلاميّة كابي لطيف تستضيفني عبر أثير مونت كارلو


رابط المقابلة عبر مونت كارلو

http://mc-d.co/1xsINP6

غياب المعلّمين عن الصفوف: حاجة أم ترف؟


     لا نستطيع أن نفصل التربية عن المجتمع، وليس من المنطقيّ أن نطلب الشيء وعكسه من الناس، وخصوصًا حيث يتمّ تعليم المنطق، أي المدرسة.
     ففي مجتمعنا اللبنانيّ مثلًا، وهو نموذج عن المجتمعات العربيّة، ولو مع بعض الاختلافات، يُطلب منّا، خصوصًا في المدارس الملتزمة دينيًّا، أن نعلّم احترام العائلة، ومواساة المحزون، وعيادة المريض، وإنجاب الأولاد ورعايتهم. لكن إن حدث وتغيّب معلّم أو معلّمة عن الصفّ لأحد هذه الأسباب، تقوم القيامة وينسى الجميع تعاليم الإنجيل والقرآن، ويصير ضبط الصفّ هو الهدف الأسمى ( لا التعليم ولا التربية، بل ضبط الصفّ بأيّ ثمن).
     لا يغيب عن بالي وأنا أكتب هذه الأسطر أنّ هناك من يدّعي المرض، ومن يميت أقرباءه، أي من يستغلّ ذلك للتهرّب من العمل. لكن، كم يمكن أن يدوم ذلك ويتكرّر مع الشخص نفسه، وبالتالي من السهل كشف الكذب والخداع، خصوصًا أنّ مجتمعنا ضيّق ولا تخفى شاردة ولا واردة.
     
     تبقى مسألة مرض المعلّمين، وهي ذات وجهين: التوعّك الفجائيّ، والمرض الطويل الأمد.

في الحالة الأولى، يجب أن تحسن المدرسة تحضير برنامج طوارئ مفيد وناجع ولا يربك سير الأمور. وهنا يمكن الاستفادة من أنشطة في المكتبة والمسرح والملعب لا ترتبط بمحور أو درس أو لغة، بل تتناول كلّ ما له طابع الثقافة المتنوّعة، كالسينما والتلفزيون والموسيقى والأغنيات والمباريات، بل ما الذي يمنع من تخصيص غرفة للرقص، نعم للرقص الحرّ، فليرقص التلامذة المتخشّبون وليحرّكوا أجسادهم ولينفّثوا عمّا في داخلهم، مهما كان نوعه. وهذا يتطلّب إعداد القيّمين على المسرح والمكتبة والنظّار، ليحسنوا ضبط الأمور وإدارة الصفّ، فلا يحدث التلامذة ضوضاء تزعج الصفوف الأخرى، وفي الوقت نفسه، يستفاد من غياب المعلّم أو المعلّمة، لتعويض نقص ثقافيّ، فضلًا عن إمكان تمرير دروس شفويّة في التهذيب واللياقة وحسن التصرّف... المهمّ ألّا تكون وظيفة الناظر بوليسيّة تقضي بالمراقبة والتأنيب ورفع التقارير وإنزال العقوبات... فالتربية شأن جماعيّ يبدأ من مدخل المدرسة إلى كلّ زاوية من حرمها.
في الحالة الثانية، أي عند الغياب الناتج عن مرض قد يتطلّب التعافي منه وقتًا طويلاً،  لا بدّ من اتّخاذ إجراء آخر طبعًا، يقضي بتعيين بديل فوريّ. وهناك قوانين تضبط هذا الأمر تختلف بين مدرسة وأخرى وبلد وآخر، وهذا ليس موضوعي الآن.
خبرتي في المدارس جعلتني شاهدة على مواقف سخيفة، تبدو فيها الإدارة عاجزة أمام غياب شخص واحد، وليوم واحد، عن جعل حصص التعليم ذات فائدة... فتضطرّب الأمور، ويختلط الحابل بالنابل، ويعلو الصراخ، وتتوالى الاتصالات الهاتفيّة: يا إلهي! فلانة غائبة! ماذا نفعل؟ كيف نتصرّف؟ ماذا سيقول الأهل؟ ماذا نفعل بالأولاد؟ ماذا نعلّمهم؟
     ماذا نعلّمهم؟ ماذا نعلّمهم؟
    يا جماعة التربية! هؤلاء الأولاد يحتاجون إلى كثير من المعارف والمعلومات وطرائق التفكير والتحليل، والتعليم لا ينتهي. فكيف لا يجد شخص بالغ، مربٍّ، ما يقوله لأطفال أو مراهقين، خلال خمسين دقيقة أو مئة دقيقة؟ أو حتّى ما يفعله معهم؟ 
     تنظيف الصفّ وترتيبه...
     تزيين الألواح الجداريّة...
    المجتهدون يساعدون الأقلّ مستوى منهم...
    الرسم....
    عرض مواهبهم الغنائيّة والتمثيليّة...
    زيارة الحديقة...

    غياب المعلّمين حاجة تفرضها ظروف المرض (مرضهم أو مرض أي فرد من أفراد العائلة)، أو الموت وتقبّل التعازي... وإن لم نسمح للمعلّم بأن يكون إلى جانب عائلته وأهله فلن يكون إلى جانب أولاد الآخرين...
     هل يكثر أحدهم من الغياب من دون عذر؟ فتّشوا عن علاقته بالإدارة، أو افرضوا غرامة ماليّة على كل يوم غياب غير مبرّر... لكن حرام أن نظلم الجميع، وعيب أن يبدو غياب معلّمة أو معلّم كارثة تربويّة لا أحد يعرف كيف يواجهها.
     على فكرة، لا شيء يمنع المدراء والمسؤولين والموظّفين ورؤساء الأقسام من المساعدة، وذلك قبل أن تُطلب المساعدة من الأهالي المتطوّعين، وهي فكرة لها محاذيرها في مجتمعنا، حيث أنّ بعض الأهل يحتاجون هم أنفسهم إلى تربية...

السبت، 4 أكتوبر، 2014

الدروس الخصوصيّة بين استقالة الأهل ومصلحة المعلّم


1- يُقال: إنّ التلميذ لا يصغي في الصفّ ويحتاج إلى دروس إضافيّة بعد الظهر!
     أمّا أنا فأقول: التلميذ أذكى من أن يعاقب نفسه بمدرسة قبل الظهر وبالدرس مع معلّمين بعد الظهر، فيخسر بذلك يومه كلّه، ولا يجد الوقت ليرتاح أو يلعب أو يمارس هواياته مع أصدقائه.
     وهو يلهو في الصفّ لأنّ الدرس أضجره أو أتعبه أو لم يجد فيه ما يعنيه أو أنّه يعاني من صعوبات تعلّمية لا تُحلّ بدروس إضافيّة. وما دامت الإدارة لا تحاسب والأهل لا يسألون، فلماذا لا يكون التعليم الخصوصيّ وسيلة رزق شريفة ومشروعة ولا يعاقب عليها القانون؟

2- يُقال: إنّ الأهل لا يجيدون تدريس هذه المادة أو تلك، لذلك يجب الاستعانة بمدرّس خصوصي!
     أمّا أنا فأقول: حين كانت الأميّة منتشرة بين الأهل، كانت الحكمة والمحبّة تجتمعان لتعوّضا على الأولاد ما نَقُص عند أهلهم. وكم سمعنا عن أمّهات أميّات جلسن قرب أولادهنّ، عند المذاكرة، وتظاهرن بأنّهن يعرفن الدروس واللغات، وكان الأولاد يصدّقون ادّعاءات الأمّهات ويدرسون...
     لكنّ أمّهات اليوم (طبعًا الآباء مشغولون)، وفي غياب المحبّة الذكيّة بالفطرة، والحكمة التي ترذل الأنانيّة، يُجدن لغات كثيرة إلّا لغة التربية، ويحملن شهادات كثيرة خلا شهادة الأمومة (لا الولادة)... فلماذا لا يطلبن مساعدة معلّم (قد) تسقط منه سهوًا أجوبة الامتحانات أثناء المراجعة؟

3- يُقال: إنّ الدروس والفروض المنزليّة واجبات لا غنى عنها!
     أمّا أنا فأقول: إنّ التلميذ لا يمكن أن يحتمل أكثر من حصص المدرسة، ومتّى علّمناه طريقة التفكير، انتفت الحاجة إلى دروس بيتيّة... يكفي أن نثير حشريّة التلميذ للمعرفة، وأن نقدّم له مادّة يعرف أهميّتها في حياته ودورها في مستقبله، وأن نجعل التعليم متعة وفائدة، وأن نعوّده على البحث والمطالعة، حتّى تكون المدرسة قد أدّت دورها. أمّا بعد الظهر فللعائلة واللعب والرياضة والفنون والراحة... سبع حصص تكفي وتزيد... ولا داعي لحمل حقيبة تقطع الظهر من البيت وإليه...

4- يُقال: إنّ التلميذ يعاني من صعوبات تعلّمية ويجب تحويله إلى قسم خاصّ!
     أمّا أنا فأقول: كلّ تلميذ حالة خاصّة، أكان مقصّرًا في دروسه أو متفوّقًا فيها... فالمجتهد أيضًا يتعب ويضجر... وليراقب المعلّمون أنفسهم حين يكونون في ورش العمل كيف يضجرون ويتعبون ويتثاءبون وينعسون وينامون... فكيف يكون حال تلامذة في مرحلة نموّهم الجسديّ وهم يجلسون لسبع حصص على الأقلّ على مقاعد خشبيّة تُيبّس أجسادهم الطريّة وتجمّد عقولهم الطفلة؟
     فهل يُعقل أن يكون نصف الصفّ من ذوي الحالات الخاصّة (مشكلات عائليّة وعقد نفسيّة...) والنصف الثاني من ذوي الحالات الخاصّة الأخرى (أولاد معلّمين ومسؤولين وأهل نافذين...)؟

5- يُقال: إنّ التعليم رسالة والمعلّم رسول عليه أن يضّحي بوقته وصحّته ويصبر على المتعلّمين!
     أمّا أنا فأقول: التعليم رسالة ورُسُلُها معلّمون وإداريّون وأهل... فلماذا على المعلّم وحده أن يضّحي؟؟؟ الأهل مستقيلون في أغلب الأوقات، ويتركون مسؤولية أولادهم على المدرسة قبل الظهر وعلى "الخادمات" ومعلّمي الدروس الخصوصيّة بعد الظهر... وإدارات المدارس، خلا بعض الاستثناءات، لا تُسلَّم لمربّين بل لمؤتمَنين ماليّين، عليهم تحقيق الأرباح الماديّة، لذلك يعاملون الأهل وأولادهم كزبائن. فلماذا يرفض المعلّم عروضًا مغرية للتعليم، علمًا أنّ الأهالي يهرعون إلى من يطلب السعر الأعلى والأغلى على اعتبار أنّه لا بدّ أكثر براعة من سواه؟

     في النتيجة، بين مصلحة المعلّم واستقالة الأهل وغياب المراقبة الإداريّة الخبيرة والصارمة... صار الطالب اللبنانيّ طالب قُرب الوزير وواسطة المدير، وخود يا بلد ع تعتير...
لفت انتباه:
       قبل أن أستلم مهمّة تنسيق الدورس، وحين كنت معلّمة، طلبت منّي والدة أحد التلامذة أن أساعده في دروسه، وتدفع لي ما أريد. استدعيت ابنها، وفي حضورها، اتفقت معه على أن يدرس وحده بعد الظهر المدّة التي يجب أن أكون في رفقته، على أن يأخذ هو قيمة الأجر الذي عرضته عليّ الوالدة، ويقدّم لي في اليوم التالي في الصفّ دفتر أعمال البيت وكيف درس... وافق التلميذ على أن يحاول أمام ذهول أمِّه من الخطّة التي وافقت عليها مرغمة. 
     نجحت الخطّة، درس التلميذ وحده، قبض المبلغ من أمّه، ونجح في آخر السنة.
     في السنة التالية، درس وحده، ولم يكن ثمّة أجر، لأنّه اعتاد الدرس ولم يعد يخشاه... صار يعرف كيف يدرس...
    

الخميس، 2 أكتوبر، 2014

لارا أبو شقرا قشّوع: تلميذتي التي علّمتني




      حين أكتب عن نجاحات تلامذتي السابقين، ثمّ عن أفراحهم بالزواج والأولاد، أهتف: يا إلهي! هل مرّ الوقت بهذه السرعة! لكنّي  حين أكتب عن رحيل أحدهم أشعر بالتقدّم بالعمر والعجز ... وأكاد، أكاد أشعر بما يشعر به أبوان يفقدان أولادهما واحدًا بعد الآخر...
      خلال أكثر من عشرين عامًا من العمل التربويّ تحت أصوات القذائف ورماد الحرائق، وبين رصاصة وأخرى، فقدت عددًا من التلامذة، بسبب المرض أو حوادث السير أو الإصابة في الحرب أو الانتحار... ودائمًا شعرت بالتقصير كأنْ كان في إمكاني أن أقول كلمة تغيّر مجرى حيوات كثيرة شهدت على يناعة عمرها وهشاشة صمودها...
     واليوم وأنا أكتب عن رحيل لارا، الدكتورة لارا، الهادئة اللطيفة، وحيدة والديها، والدة طفليها، أكتب عن رحيل عمر وزمن ومرحلة وابتسامة...
     كانت لارا مع أترابها الزملاء من أوائل التلامذة الذين نسجت معهم، بسبب عمريَ الفتيّ، عهدذاك، علاقة فيها الكثير من جديّة التعليم ولكن فيها الكثير من الأحلام والمشاريع والمخطّطات والرحلات... لذلك بقي كثيرون منهم أصدقاء حتّى اليوم، وإن أبعدتهم ظروف البلد إلى خارج البلد...
     كانت الحرب قائمة، حين اصطحبت لارا وزملائها إلى مهرجان الكتاب في إنطلياس، وكان ذلك يوم عيد المعلّم... وكانت المفاجأة أنّ تلامذتي أهدوني مجموعة أنسي الحاج التي صدرت عامذاك "كلمات كلمات كمات"، لأنّهم يعرفون أنّني أحبّ أدبه، ولأنّني كنت أضع نصوصه بين أيديهم ليعملوا فيها دراسة وتحليلًا...
     وكلمات أنسي الحاج التي تزيّن مكتبتي حتّى الآن بالإهداء اللطيف والجميل، تعيد تذكيري بما كنت أردّده لتلامذتي دومًا: نقرأ لنحيا، ونكتب لنبقى...
     ولارا التي انضمّت البارحة إلى عالم أنسي الحاج، باقية مع كلماته في بالي وقلبي... وكنت، مذ عرفت بصراعها مع المرض، تابعت أخبارها من بعيد، بواسطة أصدقائها، عازفة عن محاولة سؤالها أو سؤال والدتها "جاين" التي كانت زميلتي في التعليم، عن تلك المعركة الرهيبة التي تخوضها الطبيبة اللامعة مع سرطان تعرف خبثه ولؤمه وكيف يجد وسائل ينتشر عبرها في الجسم.
     ولكن بقدر حزني على لارا ، أحزن لأنّ طفليها لن يتذكّرا كم كانت أمّهما هادئة ودائمة الابتسامة وذكيّة وشفّافة ومثقّفة، وأجزم بأنّ المرض لم يهزم شخصيّتها القويّة ولا روحها الأنيقة... وحزينة أكثر على ثكل والدة نذرت عمرها لوحيدتها، وعلى مرارة والد كان يتمنّى لو افتداها بعمره...
    اليوم شعرت بالعمر الذي مضى، شعرت بالموت يقترب تفجيرًا بالأطفال، وسرطانًا يقتات من خلايا الجسد، وقهرًا حين نكتشف هشاشة ما نحن فيه وعليه...
  ركض ركض ركض...  كلمات، كلمات، كلمات... نركض لنصير كلمة في قاموس المعنى، وننسى أن نعيش...
     لكنّ لارا عاشت وهذا ما أراه في ابتسامتها وهي تواجه المرض مسلّحة بالحبّ... وهذا ما تعلّمته منها بعدما صيّرتها الشجاعة على مواجهة الألم معلّمتي، بعدما كانت تلميذتي...



الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

أيلول بالدمع مبلول - من مجموعة أشبهكَ كدمعتين (2014)



1 أيلول 2014
ممتلئة نعمةَ وجودك، فكيف تجد الكلمات مكانًا؟

***

2 أيلول 2014
دعنا نغرقُ في الضحك
قبل أن يجرفَنا سيلُ الدموع

***

3 أيلول 2014
أطالبك بسحب "لايكاتك" عن صفحتي على الفيسبوك
فأنا أرغب في قطع العلاقة مع غيابك

***
4 أيلول 2014
كيف أغفو وأنا لا أعرف بعدُ عددَ الأزرار في قميصك الأزرق الجديد؟

***

5 أيلول 2014
ياقة قميصك تنقصها اللياقة
كيف لا تحيد عن درب لهفتي؟

***

6 أيلول 2014
أراقب الخطّ الذي تلتقي عنده شفتاك الغافيتان،
وأسخر من العلماء الذين يؤكدون أنّ الأرض تدور حول خطّ وهميّ.

***

7 أيلول 2014
لا لرائحة البارود
لا للدم المتخثّر
لا لعفن الملاجئ
نعم لزهرة حديقتنا
نعم لرشفة القهوة من شفتيك
نعم... أقبل

***

8 أيلول 2014
عشرون عامًا من الوجع
أربعون عامًا من الحرب
ثلاثون عامًا من الخيبة
خمسون عامًا من الانتظار
مئة عام من الهزائم
وقُبلةٌ
قبلة أولى منك
بدأ الله يعتذر بها منّي 

***

9 أيلول 2014
"
الآن الآن وليس غدًا"
باطن يدي اليسرى يضرع كي يصير حضنًا لقبلتك

***

10 أيلول 2014
حدث ذات أحد أن أضاء رجل شمعة في محراب العشق، فذابت المرأة وهي تهمس له:
أنا امرأة لا إلهة، أنا امرأتك أنت!

***

11 أيلول 2014
مرّات بيهرب النوم مش ت يروح بسهر ويرقص وينبسط
مرّات بيهرب من عيون كلّا دمع، وبيقول ما بدّي إغرق فين
ومرّات بيهرب من تخت واسع وفاضي ولا مرّة عرف شو يعني عجقة الحبّ
ومرّات بيهرب من حالو، وبيقول: أحلامي كوابيس ما بدّي بقا شوفا
ومرّات بيهرب من الليل يللي ما عاد للعشّاق والشعرا والنسّاك 
ولكن كلّ مرّة بيوصل ع الباب بيسأل حالو: لوين بدّي أهرب؟ خلّيني إرجع بلكي بلاقي شي إمّ بعدها بتعرف تغنّي لطفلها ت يحبّ النوم.

                                                         ***

12 أيلول 2014
قالت لي الفراشة التي تفضّل أن تحترق على أن تقول السرّ:
كوني قصيدته لا ملهمته!

***

13 أيلول 2014
أن تكون وحيدًا يعني، ومن دون أدنى شكّ، أنّ ثمّة شخصًا آخر، وحيدًا مثلك، ينتظر، مثلك تمامًا، أن تلتقيا... 
لا أعرف إن كان الأمر سيعزّي نفسك أم سيعرّيك أمامها؟ 

***

14 أيلول 2014
مجموعة كلمات أنا
ولكن لا يكفي أن تعرف كيف "تفكّ الحرف"
كي تركّب منّي جملة مفيدة

***

15 أيلول 2014
للشجرة جذور كثيرة
وأغصان كثيرة
وطيور كثيرة
وسُحب كثيرة
لكنّها تستند إلى جذع واحد...
أنت

***

16 أيلول 2014
بيضلّ يحكيني بالقلق الوجودي
ومش حاسس بوجودي
بيحكي بفلسفة الموت وأنا رح موت ع بوسة 
بيحكي عن مفهوم الله والله عم يضحك علينا
بيحكي عن الحياة والوطن والناس والطبيعة والحزن...
أف شو بيحكي...
بس آخ.. شو بيحكي حلو 

***

17 أيلول 2014
لا أعرف إن كنت أحبّك
أو إن كنت أحبّ أن أحبّك
أو إن كنت أحبّ أن تحبّني
لكنّي واثقة من أنّني أحبّ أن أمضي ما تبقى من عمري وأنا أحاول أن أعرف الجواب...

***

18 أيلول 2014
باردٌ هذا الصباح
كقلبِ أمّ دفنتِ البارحةَ بعضَ قلبها

***

19 أيلول 2014
أحبّكَ 
إلى آخر "نعم" تقولُها عروس

***

20 أيلول 2014
حسنًا، أعترف
أعترف وأنا في كامل عشقي 
بأنّ القصيدة التي لم تكتبها بعد
هي التي تشدّني إليك!

***

21 أيلول 2014
قميصك الأزرق
حين يكون سماءً أصير غيمةً
غيمةً تتحرّش بالريح 
وحين يكون بحرًا أصير لؤلؤةً
لؤلؤةً تداعب حلم صيّاد

***

22 أيلول 2014
أصابعك
أصابعك التي قد تنزعُ الشوكٓ عن الوردة... ولا تتألّم
تصرخ وجعٓها متى لامسها شوقُك إليّ! 

***

23 أيلول 2014
في غيابك 
أشاكس صبيان الحيّ...
أوقظ الناس من قيلولة الصيف... 
أسخر من صغيرات الجارة البخيلة...
أكتب على زجاج السيّارات: أرجوك اغسلني...
أمدّ لساني لكاهن البلدة...
أكسر وردات أمّي...
أرسم على الحيطان بأقلام التلوين...

***

24 أيلول 2014
سأصمت الآن
ستصير كلماتي، كلماتي كلّها، في أناملي
الآن، حين تلقي رأسك في حضني!

***

25 أيلول 2014
يمكن تكون المشكلة كلّها إنّي ولا مرّة وقعت بالحبّ...
كنت دايمًا طير من الحبّ، طير وحلّق، 
بس بالآخر كنت أوقع، أوقع منيح، أوقع بالخيبة... 

***

26 أيلول 2014
قالت لي المرآة: أنا هنا إن أردتِ الكلام..

***

27 أيلول 2014
أنا كتير بحبّ إمّك، أكتر ما إنت بتحبّها يمكن، ع الأكيد أكتر، ومش مهمّ هيي تحبّني أو لأ
بحبّها كتير لأنّها بيوم من الإيّام طلبتلك وقالتلك: الله يبعتلك بنت تعذّبك متل ما عم تعذّبني 

***

28 أيلول 2014
الآلهةُ اختراعُ نسوةٍ ذهبَ رجالُهنّ إلى الحرب

***

29 أيلول 2014
في هذه اللحظة بالذات
في هذا المكان الافتراضيّ الذي يشبه مرّات الجنّة ومرّات الجحيم
واسمه شبكة التواصل الاجتماعيّ
نسيت أين أنا
وكدت أكتب على صفحتك حالتي الآن:
حبّنا جميلٌ، جميلٌ جدًّا، كطفل لن ننجبه

***

30 أيلول 2014
أن يرتدي مريضان زيًّا موحّدًا لا يعني أنّ وجعهما واحد!