الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

عن سيمون أسمر وطلال حيدر واجتياح القمم


القرنة السوداء - لبنان

   في خلال الحرب اللبنانيّة (الأهليّة أو حروب الآخرين...) ارتبط اسم سعيد عقل بحرّاس الأرز، وعند وفاته، حصرت مقالاتٌ كثيرة الحديث عنه بمواقفه السياسيّة من الفلسطينيّين وإسرائيل، ونزعت عنه صفة الشعر.
    فهل سعيد عقل شاعر أم خائن؟
   في ذكرى أربعين الرئيس حافظ الأسد عام 2000 ألقى الشاعر جوزف حرب قصيدة عُرفت باسم النشيد الدمشقي ومطلعها: بالأسود اتّشحتْ من بعدك المقل/ وما الكلام؟ عصت أقلامَها الجُمَلُ
إلى أن يقول: قلّ الرجالُ إلى حدّ لغيرك ما/ أشرتُ يومًا إذا ناديتُ يا رجلُ!
فهل كان جوزف حرب عميلًا للسورييّين؟
    وفي عام 2010، نال الشاعر شوقي بزيع جائزة قدرها ثمانون ألف دولار، وبُردة من الحرير والذهب، وذلك في مهرجان سوق عكاظ الشعريّ في السعودية، عن قصيدته "مرثيّة الغبار". وأوضح مصمّم البردة يحيى البشري أنّها خيطت من قماش الحرير والكريب، كما طرزت بنحو 3 كيلوغرامات من القصب الذهبي، وزيّنت بزخارف لكلمات متناثرة رسمت عليها عبارة سوق عكاظ، إضافة إلى مزيج مما قدمه الشاعر، حيث تم رسمها بالخط العربي الحر، بينما كانت الزخرفة العامة للبردة عربية مستوحاة من منطقة الحجاز، وبلغ مجموع ما استخدم من الأقمشة 8 مترات.
فهل ميّز شوقي بزيع بين راعي المهرجان الأمير الشاعر خالد الفيصل والنظام السعوديّ الوهّابي؟
    وفي العام 2019، ألقى الشاعر طلال حيدر قصيدة مدح فيها العاهل السعوديّ ووليّ عهده، في مناسبة العيد الوطنيّ للمملكة العربيّة السعوديّة، الذي احتُفل به في المتحف الوطنيّ اللبنانيّ. فعاد كثر إلى ينابيع شعره ورموا فيها حجارة التشكيك.
فهل طلال حيدر شاعر أم لا؟
   وهناك الياس خوري وحركة فتح، وزياد الرحباني والحزب الشيوعيّ، وحبيب يونس والتيّار الوطنيّ الحرّ، وجوليا بطرس والمقاومة، وماجدة الرومي و14 آذار، وموريس عوّاد واليمين اللبنانيّ، وكثر لا مجال لحصرهم من الذين ارتبط شعرهم بمواقف سياسية، بعضها صادق واضح، وأكثرها هادف مقصود...
    هذا في العلن...
    أمّا في السرّ،
   فثمّة شاعر "مقاوم" (ومترجم وناقد وصحافيّ) يستدين مبلغ خمسة ملايين ليرة لبنانيّة ليخرج والدته من المستشفى، لأنّ شقيقه المحامي الثريّ يرفض المساعدة، والصحيفة لا تدفع له راتبه... ثمّ يتبيّن أنّ الوالدة في البيت، وأنّ الشاعر سافر إلى قبرص ليرتبط مدنيًّا بصديقته الإعلاميّة.
    وثمّة كاتب "ثائر" يحتال على الناس بحجّة مرض السرطان وضعف عضلة القلب واضطهاد الإخوة، فيجمع المال من هنا وهناك، ثمّ يكتب عن رجال الدين المحتالين النصّابين.
   وثمّة شاعر "وطنيّ" يحصّل لقمة عيشه من تحبير الخطب لسياسيّين من أحزاب متناحرة، وحين يكتب شعرًا تكون الحريّة حوريّته والسيادة أميرةَ أحلامه والاستقلال حلمَه المنشود.
وهناك شاعر يخشى زوجته ويكتب عن الشجاعة، وشاعرة تريد تحرير الوطن في حين يوجعها أنّ الشيب طال شعر عانتها، وصحافيّ يقبض من إيران ويهاجم أذناب الخليج، وشاعر يهاجم شاعرًا لأنّ هذا الشاعر يهاجم شاعرًا آخر هو صديق الشاعر الأوّل...
   أين النقد من كلّ ذلك؟ ومن يحسم في مسألة الحريّة والوطنيّة والإبداع؟ وكيف نفصل كلّ ذلك عن انتماءات الطائفة والسياسة والحاجة الماديّة والرغبة في الظهور؟ وكيف ننظر إلى جوائز عربيّة يمنحها سلاطين وملوك وأمراء عرب يتغاضون عمّا يجري في اليمن؟
   فلنأخذ مثلًا ما كُتب عن سيمون أسمر غداة رحيله. فبمعزل عن التقديس والتدنيس، غاب عن كثر من الناقدين والمنتقدين أنّ تجربة الأسمر تزامنت مع الحرب اللبنانيّة التي اختلط فيها حابل الإبداع بنابل التجارة، وبيعت في خلالها الدماء البريئة والقضايا المصيريّة، وبالتالي لا يمكن عزلها عن تأثيرات الانحدار الذي سحب كلّ ما في البلد نحو مصير قاتم. كما غاب عنهم أنّ اتّهام الاسمر بإفساد الذوق الفنيّ العام هو اتّهام تصل نصاله إلى زكي ناصيف وروميو وبابو لحّود ووليد غلميه وناهدة فضلي الدجّاني وصونيا بيروتي ونضال الأشقر وغيرهم وغيرهم من الذين كانوا في عداد لجان التحكيم. فضلًا عن أنّ اتّهامه بأنّه أبعد عددًا من الموهوبين ما أدّى إلى انطفاء نجم بروزهم دليل على أنّ هؤلاء "المغيّبين" فشلوا في إثبات وجودهم من دون راع ومدير أعمال. من دون أن ننسى أنّ مدراء الأعمال حاجة صارت تفرضها الحاجة إلى صناعة النجوم وتسويقها في عالم يفرز يوميًّا آلاف الوجوه والأسماء والأجسام (عارضات الأزياء مثلًا)، وهذا ما تقوم عليه صناعة السينما والأغنية إليه في دول الغرب.
    أمام سلسلة المقالات والتغريدات والبوستات التي اجتاحت فضاء "حريّتنا"، عند وفاة سيمون أسمر وإعلان "وفاة" طلال حيدر الشعريّة، بدا اجتياح القرنة السوداء، وجرف الأشجار والغابات أمام سدّ بسري، وارتفاع جبال النفايات، مشاهد طبيعيّة تمرّ عابرة، كأنّ هذا الوطن المنتحر يكتب ورقة نعيه بيد غير راجفة أو متردّدة.
   ما أبرعنا في الرجم وما أسرعنا في النسيان، حتّى أنّنا نتغنّى بحريّة الصحافة ونتناسى أموال العراق وليبيا وسوريا وأميركا والمنظّمات الفلسطينيّة والسعوديّة والخليج وإيران، أموال حين أُقفلت منابعها أو شحّت احتجبت صحف وأقفلت دور نشر وجاع شعراء. ونحتفل بأعراس أولاد الزعماء ونتعامى عن أدوار أهليهم في السياسة، وننبهر بنجمات هوليود يرتدين فساتين بتواقيع مصمّمين لبنانيّين ونجهل أنّ وزارة التصميم التي أنشئت عام 1954، عهد الرئيس كميل شمعون، ألغيت عام 1977 لصالح مجلس الإنماء والإعمار!!!

الخميس، 19 سبتمبر 2019

قراءة الأستاذ يوسف طراد لكتبي السبعة - أيلول 2019



أدبٌ بين ورودِ الحبر ومآسي الارتحال
يوسف طراد
سبعة أناشيد أهي أناشيد للأدب أم من الأدب؟ إنها مؤلفات الأديبة ماري القصيفي، مؤلفات تحضر على طاولتك فترتل ملائكة الأرض والسماء أجمل صلاة دون اعتمار (طابيات).
كاتبة انتحارية، نقلت الحقائق ونشرتها بحكمة راهب مؤمن في خضم كرنفال الغباء. قراؤها لا يبتهلون أمام "سيليكون عابر" ولا يخضعون أمام "بوتوكس شامخ"، لأنها عبرت شقوق الذاكرة من دون تجميل الواقع على جدران الأزمنة الغاصبة، وما زالت الأمكنة قلوبًا يسكنها الخواء طالما تنبض بأحبة هجروا إلى المقلب الثاني للوطن بمواعيد عودة مؤجلة. تطوف حول مؤلفاتها آلام في قلب عاصفة تراقص الأماني الضالة من انتداب ورحيل مشتت فكان (كلّ الحقّ عَ فرنسا). سيدة كاتبة توثق أنين انكسارات دون حدود، وتمضي في سبيلها متأبطةً عنادها الأنيق نحو حلم الفرح والخير في ديوانين (لأنك أحيانًا لا تكون) و(أحببتك فصرت الرسولة).
أصبحت ابنة القصيفي نسمةً لا تنكسر الأ أمام شهداء ووطنية حقَّة بانتظار عناق مستحيل بين أقسام الوطن و الطائفة الواحدة. كلماتها رثاء دائم بعنوان ومجد مرتجل كالسنبلة التي رممت حنطتها بعد زمهرير الشتاء لكن الوطن هدم حلم الحصاد في جبل لديه (خمسة فصول) وفعلة قليلون.
هل زارت وطننا إمرأةٌ غجرية في المنام ومسَّته بلعنة عاشق طائشٍ يهوى الهزائم؟، أين أنت يا ماري لا تفككي الطلاسم المبهمة؟ لماذا لا تلتزمين الحيطة فتبوحين بكاءً وألمًا من الظلم المنشور في فضاء الأثير الإلكتروني؟ دائمًا ودومًا تمطر سطورك ابتسامات تنثر التهكم الهادف لتسقي لامبالاة الحكام ورجال الدين. نحتاج الكثير من جنونك وعقلانيتك لكننا نستحق القليل من جرأتك لندرك فسحة الحياة في متاهات وطن غادرته الوطنية وذرفت رموزه دموعًا من تهكمٍ لم تلتقطها مناديل ندمٍ أو حسابٍ أو اعتذارٍ صادق.
إنبلج الوقت وهربت الطرقات، وحده صمت الشمس المتوارية خلف كلماتك المسحورة تعطي الأرجوان لشفق ساحل الفينيق عبر (رسائل العبور) إلى (نساء بلا أسماء). تعَلَّمنا الإصغاء بدهشةٍ لكل كلام عبر قلمك، علِمنا علم اليقين أنك لا تتقنين قواعد (الإتيكات)، فدفعتي ثمن مقالاتك المنشورة في كتاب (الموارنة مروا من هنا) لأن أَحدٌ لم يقرأ بمحبة ولم تلامس كلماتك قلبه البعيد عن الحقائق الثابتة، كان ذلك قبل إتفاقية تخصيب الحبر التي لم تتم بين دول الطوائف الحائرة وبقيت حرية التعبير تحلم بحبر سليم اللوزي وسمير قصير.
ماري القصيفي أفكارٌ مقدسة على مذبح الفضاء الأدبي الشاسع، أسطورة مزركشة وَصَفَت التهجير، المآسي، رحيل سفن الوطنية من موانىء غير شرعية، العشق وغرام القمصان الزرقاء.
يوسف طراد. موقع mon liban.
الثلاثاء 16 تموز 2019
نعم هذا هو أدب Marie Kossaifi.


الأحد، 8 سبتمبر 2019

عن العرب والفرس والأتراك - 2011


ليلى: فتاة عربيّة بريشة أحد المستشرقين


إليزابيت تايلور في كاميرا مصوّرة إيرانيّة
الأرض بتتكلّم عربي والشعب بيحكي إنكليزي والصراع تركي فارسي

تناقلت وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي هذا الخبر:
"تجرّأ شاعر إيراني على الله في قصيدة يشتم فيها العرب سمّاها "إله العرب" في احتجاح على ما أورده برنامج تلفزيونيّ قال فيه أحد المشاركين إنّ اللغة العربية هي لغة أهل الجنّة، فقال الشاعر مصطفى بادكوبه وسط تصفيق مشاركين في أثناء إلقائه قصيدة في مؤسسة حكوميّة مخاطباً الله، "خذني إلى أسفل السافلين أيّها الإله العربي شرط أن لا أجد عربيّاً هناك".

مواقع إيرانيّة تناقلت الثلاثاء الماضي فيديو للشاعر الإيراني بادكوبه وهو يلقي قصيدة باللغة الفارسيّة تحت عنوان "إله العرب" يحتجّ فيها على برنامج تلفزيونيّ حكوميّ قال فيه أحد المشاركين إنّ العربيّة هي لغة أهل الجنّة، ثم نعت الشاعر الإيرانيّ العرب بأسوأ التعابير والألفاظ في وقت أكّد أنّه لا يفرّق بين قوميّة وأخرى.
ولئلاّ يثير غضب العرب الإيرانيّين أو الأهوازيّين في جنوب غرب إيران، قال إنّ هؤلاء "خوزيّون تعلّموا اللغة العربيّة وهم يعرفون أنّهم إيرانيّون وليسوا عرباً".
ويستخفّ بادكوبه بالجنّة قائلاً: "أنا لست بحاجة إلى جنّة الفردوس لأنّني وليد الحبّ فجنّة الحور العين والغلمان هديّة للعرب".
واعتبر الشاعر الإيرانيّ أنّ ظلم السلالة الساسانيّة هو الذي دفع الفرس إلى قبول الإسلام، وامتدح شعراء ايرانيين مثل حافظ وجلال الدين الرومي معتبراً كلامه ناضجاً مقارنة بـ"القصص العربيّة" في إشارة مبطّنة إلى الطعن بالقصص المذكورة في القرآن، مفضّلاً رباعيّات الخيام على "الحدائق العربيّة"، يريد الجنّة.
ولم يقف الشاعر الذي كان يلقي قصيدته من على منبر ثقافيّ حكوميّ إيرانيّ عند هذا الحدّ، بل قال إنّ "كلام غاندي وأشعار هوغو أشرف من المزاعم العربية".
وقال بادكوبه وسط تصفيق وتشجيع حضور وصفه أحدهم بأسد الأدب الإيراني "أسألك يا إلهي يا ربّ الحبّ أن تنقذ بلادي من البلاء العربي".
يُذكر أن مواقع إيرانيّة عديدة تناقلت فيديو القصيدة المذكورة وأشهرها موقع "بالاترين" الذي يتصفحه الملايين من الإيرانيين شهرياً".

********
وكنت في 4 شباط نشرت على مدوّنتي هذه المقالة تحت عنوان:
الفرس والأتراك وانتقام التاريخ
قبل الإسلام، كانت شبه الجزيرة العربيّة على خطوط تماس مع دولتين عظميين هما الأمبراطوريّة الفارسيّة الزرادشتيّة، والأمبراطوريّة البيزنطيّة المسيحيّة. ولو قال أحدهم عهد ذاك أنّ العرب الصاعدين من تلك الأرض القاحلة الجدباء سينتصرون على هاتين الأمبراطوريّتين لسخر منه الناس واتّهموه بالجنون، لكنّنا لا نستطيع في هذه العجالة التذكير بأسباب كثيرة كانت وراء هذا الانتصار في معركتي القادسيّة واليرموك يختلط فيها العامل الدينيّ بعوامل الاقتصاد والمصالح والفساد والاستعمار. غير أنّنا نذكّر بعشيّة ظهور الإسلام حين كان الفرس والبيزنطيّون يصلون بصراعاتهم إلى اليمن في أقصى الجنوب، حيث كانت الحبشة المسيحيّة تحاول في الوقت نفسه أن تجد لها موطئ قدم في منطقة عرفت مجدًا كبيرًا قبل أن ينهار سدّ مأرب ويهرب الناس نحو الشمال حيث بدأوا عهدًا جديدًا، وإن سمّته الديانة الإسلاميّة لاحقًا العصر الجاهليّ.
لا يمكننا تجاهل هذه الصورة التاريخيّة ونحن نراقب ما يجري اليوم على صعيد التقهقر العربيّ وعودة سطوع النجم الفارسيّ وإن صارت ديانته الإسلام الشيعيّ وانفتاح الباب العالي مشرعًا من تركيا وإن صارت الديانة هناك هي الإسلام السنيّ. ما يدلّ بشكل واضح على أنّ مصالح الدول ورغبتها في الاستعمار والاحتلال لا تتوقّف عند الموضوع الدينيّ وإن اتّخذته ذريعة، فها هي المنطقة نفسها تتعرّض لصراع إسلاميّ إسلاميّ بعدما كانت محطّ نزاع وثنيّ مسيحيّ. وإذا كانت الأهداف الاقتصاديّة عهدذاك متمثّلة بطريق الحرير والاتصال بالمحيط الهنديّ ومنه إلى آسيا، فالأهداف اليوم تتبدّى في الصراع على مصادر الطاقة وتأمين سوق للسلاح الذي يحتاج إليه المتصارعون، ثمّ تأمين الأرضيّة المناسبة لشركات تعيد بناء ما هدمه المتحاربون ما يضمن استمرار دورة الحركة الاقتصاديّة ويؤمّن مصالح الشعوب المنتصرة وحكومات الدول المشاركة.
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه في هذه القراءة هو عن التغيّرات التي لا بدّ أن تفرض نفسها على بنية المجتمعات العربيّة متى صارت أسيرة الصراع الحضاريّ بين الفرس والأتراك. خصوصًا مع تناقص أعداد المسيحيّين في هذه البقعة وتراجع دورهم الفاعل على مختلف الصعد. ولعلّ مشهدَي استقبال الرئيس الإيراني ورئيس الوزراء التركي في لبنان يعبّران عن انتقام لا واعٍ ( أو ربّما واع جدًّا) للغة الفارسيّة التي أجبر أبناؤها على التنكّر لها أمام هيمنة اللغة العربيّة، وللغة التركيّة التي حاربها العرب واللبنانيّون بشكل خاص عهد الأتراك في ما عرف بمقاومة التتريك. فصراع هاتين الدولتين اليوم حضاريّ أكثر ممّا هو دينيّ، واقتصاديّ أكثر ممّا هو مذهبيّ، وهو ثأر من التاريخ عبر استعادة الجغرافيا، وتصحيح الماضي بواسطة التحكّم بالمستقبل. وقد كانت البداية مع المسلسلات المدبلجة، ففي وقت كان تلفزيون المنار التابع لحزب الله يستورد المسلسلات الدينيّة والتاريخيّة من إيران كانت الشاشات العربيّة الأخرى تستورد المسلسلات التركيّة.
تاريخ العرب موجود في شعرهم، لكن يبدو أنّ الإيقاع الموسيقيّ لهذا الشعر أكثر رسوخًا في الوجدان العربيّ من معاني الكلمات، وإلاّ لكان العرب أحسنوا قراءة متغيّرات الأزمنة وتبدّل التحالفات وعرفوا كيف يشاركون في لعبة الأمم وصراع الحضارات وكيف يحمون أنفسهم من دورة الحياة التي تضمن البقاء للأصلح. والعرب على ما صار محسومًا لم يعودوا كذلك.
**********
الردود التي علّقت على كلام الشاعر الإيرانيّ نحت في طبيعة الحال في اتّجاه الصراع السنيّ الشيعيّ في المنطقة، على اعتبار أنّ الشاعر الإيرانيّ في حديثه عن العرب يقصد أهل السنّة تحديدًا. ويغيب مرّة أخرى عن الاهتمام أنّ الصراعات القوميّة تتزيّا غالبًا بزيّ الدين والمذهب. وأغلب الظنّ أنّ كلام الشاعر الإيرانيّ خطوة استكشافيّة ترصد ردود الأفعال إن في إيران أو في بلاد العرب، تمهيدًا لرسم خارطة طريق في ما المنطقة مقدمة عليه. وبعيدًا عن وقوعنا تحت تأثير "المؤامرات" التي نشعر أنّنا في تعرّض دائم لها، من المفيد أن نحسن ربط الأمور في عالمنا العربيّ/ الفارسيّ/ التركيّ. فشعوب هذا المثلّث تمضي الوقت في تحليل الغيبيّات والتقاط إشارات السماء وتهمل قراءة المتغيرات على الأرض أو التفتيش عن العلاقة بين ما يجري في مختلف السساحات العربيّة ومدى ارتباطه بالوجودين الفارسيّ والتركي وعلاقة كلّ منهما بإسرائيل والنفط والمياه ومصادر الطاقة الأخرى. قلّة من المحلّلين والمفكّرين والمتابعين تعرف ذلك، أمّا سائر العرب فيتكلّمون باللغة الإنكليزيّة كي يتفاهموا وهم مؤمنون بأنّ اللغة العربيّة هي لغة أهل الجنّة، وحين يمرضون يسافرون طلبًا للعلاج إلى دول أوروبا أو أميركا حيث يسلمون أنفسهم للأطبّاء الـ"كفّار".

نحن مشاريع الموتى



من ذاكرة الفيسبوك في مثل هذا اليوم من العام 2017 يوم شيّع لبنان الشهداء العسكريّين الذين قضوا في جرود عرسال... ولا تزال سارية المفعول:
***
فلنبكِ اليوم طويلًا وكثيرًا
فلنبكِ بسبب خيباتنا، وخنوعنا، وغبائنا، وكبريائنا
فلنبكِ لعلّ البكاء ينظّف وجوهنا من وسائل الزينة، وطرقاتنا من تلال النفايات
فلنبكِ لعلّ التراب يزهر من جديد
فلنبكِ على كلّ شهيد وجريح ومعوّق ويتيم وثكلى ومهجّر ومخطوف ومهاجر ونازح
فلنبكِ حتّى تنتفخ أجفاننا وتحرق عيوننا دموع القهر والشوق والغضب
فلنصمت اليوم قليلًا ولنبكِ كثيرًا
فلنبك أمام شاشات التلفزيون، ولننحنِ أمام الموت والحزن خجلًا وندمًا واعتذارًا
فلنخجل اليوم من تخاذلنا في كلّ ما نقوم به في حياتنا الخاصّة والعامّة وفي عملنا... فذلك ما تسبّب بموت من مات
فلنندم لأنّنا حيث كان يجب أن نصرخ في وجه الظلم سكتنا وصفّقنا، وحين كان يجب أن ننتفض على الشرّ تواطأنا معه، وحين كان يجب أن ننادي بالحريّة والعدالة والجمال سرنا في مواكب التبعيّة وزحفنا خلف الزعماء واحتفلنا بالبشاعة
ولنعتذر من كلّ الذين ماتوا تعذيبًا في السجون ومعاناة في الأسر وإهمالًا في المستشفيات ودهسًا على الطرقات ووحدة في دور العجزة، لأنّنا تركناهم يموتون حين نسيناهم
لنبكِ اليوم لأنّ القبح غزا فنوننا، وغياب الضمير يعلّم في مدارسنا، والفساد يعشّش في نفوسنا، والفقر يقيم في بيوتنا،
لنبك، ليس على العسكريّين الشهداء الذين يمشون اليوم بفخر صوب تراب قراهم فحسب، بل علينا نحن مشاريع الموتى، أصدقاء اليأس، أبناء الوطن المقهور، ضحايا العهر السياسيّ والمال الملوّث والدين المشوّه.
لنبكِ اليوم طويلًا وكثيرًا... لعلّ الدمع يغسل نفوسنا فنرى من بين خيوط الدمع عجوزًا تحمل سبحتها وتقصد الكنيسة في يوم ميلاد العذراء مريم لتصلّي من أجل أهالي الشهداء، فنطمئنّ إلى أنّ بعضنا لا يزال بنقاء الطبيعة قبل أن نقطع أشجارها ونسمّم مياهها ونلوّث هواءها...
#ماري_القصّيفي
#شهداء_الجيش_عرسال

الجمعة، 9 أغسطس 2019

صلاة لإله الغضب (2013)

المسيح يطرد الباعة من الهيكل


تتساقطون
رمادَ سيكارة في يد عجوز
سنونواتٍ طالتها رصاصات الطيش
شعراتٍ من رأس طفل يصلبه العلاج الكيميائيّ
ثمراتٍ مهترئة استعصت على القاطف
وريقات ذابلة نفضتها الريح عن الأشجار
قطرات عرق عن جبين كنّاس آسيويّ غريب
تتساقط أجسادكم
عضوًا بعد آخر
وأنتم عاجزون عن لملمة أشلاء بعثرها الخوف،
فتذروكم نسائم مشبعة بالنتن فوق ركام المدينة المنخورة!

لا يسقط الحكّام فقط
لا تهتزّ العروش فقط
فالله نفسه يسقط مع كلّ دمعة!
نعم، نعم،
تتساقطون كلّكم:
الأمّهات والآباء
الشقيقات والأشقّاء
العائلات والقبائل
الزملاء والأصدقاء
الجيران والأقرباء
العشّاق والمعجبون
كلّكم تسقطون
وتتساقطون
فلقد تعبت منكم الحياة
وخجلت منكم الإنسانيّة
وتركتم المحبّة إلى غير رجعة!

لو كان للكلمات أن تختار
لاختارت أن تنبذكم من قاموسها!
لو كان للهواء أن يختار
لاختار ألّا يتلوّث بكم!
لو كان للشمس أن تختار
لاختارت أن تنطفئ
قبل أن تلامس جلودكم الدبقة
وعواطفكم الدبقة
وأفكاركم الدبقة!
كم أنتم قبيحون وأنانيّون وأغبياء
كم أنتم مغرورون وفارغون وجبناء
كم أنتم أشباه رجال وشبيهات نساء
أتريدون أن تمحوا الأوطان يا حكّامًا محكومين بالجشع والعهر؟
أتريدون أن تسقطوا أنظمةً يا شعوبًا لا تعرف كيف ترفع الفاعل؟
أتحلمون بنشر الإيمان يا قطعانًا آلهتها تمرٌ وكلأ وفخذا امرأة وجيب رجل؟
أتبشّرون بربيع يا كهول الفكر وعجائز الشعر؟
كيف يكون كلّ ذلك والأمّ ترضع طفلها خوفها وعبوديّتها؟
كيف يتحقّق كلّ ذلك والأب حيوان منويّ روّضه الفقر والجهل؟
كيف يمكن كلّ ذلك وقايين العاجز عن قتل الله يقتل أخاه هابيل؟
كيف نتوقّع تحقيق كلّ ذلك والطفلة تغري العجوز والكاهن يتحرّش بالطفلة؟
كيف نحلم بأيّ شيء من ذلك والابنة تضرب أباها، والشقيق يغتصب شقيقته، والأم تقتل أطفالها؟
كيف نرجو أيّ شيء من ذلك والحبّ عبور، والصداقة وهْم، والأخوّة مصلحة، والزمالة غدر، والجيرة اعتداء؟

يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:
فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات
ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة
ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة
ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين
ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد
ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار
ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح
ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم
ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم
ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة
إلى جوف الجحيم
فيركلها الشيطان إلى نار حقده
تحت أنظار إلهٍ ندم
لأنّه استراح في اليوم السابع
ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!

الأربعاء، 7 أغسطس 2019

عن الحريّة والمسؤوليّة والبنى التحتيّة


Nicolas_Poussin_-_La_Peste_à_Ashdod

خيانة الوطن ليست وجهة نظر! صحيح، وكذلك الحريّة والجمال والحقّ والخير والعدالة واحترام الآخر.
وخيانة الوطن لا تنحصر في التعامل مع العدوّ – في وضعنا هو حتمًا العدوّ الصهيونيّ والفكر الداعشيّ – بل في تبنّي كلّ ما يتعارض مع رسالة هذا الوطن، وما يعرّض المجتمع (وهو هشّ طريّ العود سريع العطب) لخضّات لا يحتملها في وضعه الراهن.
لذلك، بدت مواقف مرسيل خليفة من النشيد الوطنيّ، وباتريك مبارك من رئيس الجمهوريّة والسيّد حسن نصرالله، واللبنانيّين من مشروع ليلى ثمّ الفرقة الهولنديّة، وسواها كثير، مشاهد ساذجة من مسرحيّة صيفيّة التهينا بها جميعنا. وغدًا، حين يبدأ فصل المطر والبرد، وينتهي موسم المهرجانات، وتفتح المدارس أبوابها ويعود المغتربون إلى أوطانهم الآمنة، تغرق الحريّة في نوم شتائيّ طويل، وننشغل نحن عنها بتدبير وقود التدفئة وتأمين أقساط المدارس.
1- فلأبدأ بالقول إنّني آخر شخص يمكن أن يقبل بتدخّل الكنيسة (خصوصًا في وضعها الحاليّ) في شؤون الفنّ والتعبير وحريّتهما، لكوني إحدى ضحايا هذا التدخّل المقيت، وقد دفعت ثمنه غاليًا من سمعتي واستقراري الماديّ وإنتاجيّ الأدبيّ. لذلك لا يمكن أن أقبل أن يَمنع (أو يعترض أو ينتقد) أيّ مرجع دينيّ، مهما علا شأنه، أغنيةً، أو مهرجانًا، أو كتابًا، أو لوحة... لكن يحقّ له ذلك – كأيّ إنسان آخر - إن انطلق موقفه من الفكر والعقل والجمال لا من محرّمات الدين.
2- لبنان ليس بلدًا علمانيًّا، ولو تظاهر مئات وآلاف العلمانيّين مطالبين بالزواج المدنيّ (كأن ليس في العلمانيّة سواه). وبالتالي، فهذا البلد محكوم بتسويات طائفيّة (ولو كاذبة)، ومحاصصة مذهبيّة (وإن كانت ماديّة/ماليّة في الأساس). وإن كان أحد لا يزال يصدّق أنّ الأمر يمكن أن يكون غير ذلك في المدى المنظور، فليذهب لمحاربة طواحين الهواء حيث الهواء نظيف، والطواحين منظر خلّاب معطاء. ما يعني في النتيجة إنّ أيّ نشاط فنيّ أدبيّ سيكون دومًا تحت رقابة أهل الدين، وليس بالضرورة من رجال الدين الذين قد يكونون أكثر تسامحًا وتفهّمًا من أبناء طوائفهم المتزمّتين.
3- في الإذاعة اللبنانيّة لجنة مراقبة على الأعمال والأصوات، وأمام هذه اللجنة غنّت فيروز وعزف عاصي ومنصور وزكي ناصيف وغيرهم وغيرهم، ولم تكن هذه اللجنة دينيّة الطابع، ومع ذلك، كانت تضع معايير ومقاييس على الفنّان أن يلتزم بها ويحترمها. فالرقابة إذًا مطلوبة، ليس من الدين، بل من أهل الاختصاص. فلنفترض أنّ ثمّة لجنة مكوّنة (على سبيل المثال طبعًا) من كميل سلامة ورفيق علي أحمد ومروان الرحباني وعبيدو باشا وعايدة صبرا ومروان نجّار وروجيه عسّاف ونضال الأشقر ووليد مسلّم ومحمود شريح وفايق حميصي وفوّاز طرابلس... تشرف على المهرجانات وترفع التوصيات، هل كان أحد شكّك بمصداقيتها أو ذوقها أو احترامها الحريّات في حال ارتأت أنّ هذه الفرقة أو تلك، هذه الأغنية أو تلك، لا تلائم الذوق الفنيّ العامّ ولا ترتقي به؟
4- لا يغيب عن البال طبعًا أنّ كلّ جديد مثير للتساؤلات وعرضة للرفض. فجبران خليل جبران حورب واضطهد ومنعت كتبه في المدارس، والأخوان رحباني هاجمتهم الصحافة واعترض نقّاد على موسيقاهم وكلمات أغنياتهم، ومجلّة شعر أحدثت ثورة... لكن هل يمكن القول عن هذه النماذج الأدبيّة أنّها شوّهت الذوق العام وسخرت من القيم الروحيّة وأهانت مقدّسات الآخرين، وهل كانت ظروف البلد والمنطقة والعالم كما هي عليه اليوم؟
5- فلنترك الدين جانبًا، هل يوافق الفكر السوريّ القوميّ الاجتماعيّ على هذا الفنّ المثير للجدل؟ فهؤلاء السوريّون القوميّون علمانيّون يفصلون بين الدين والدولة، وقد دعاهم زعيمهم في «الصراع الفكريّ»، إلى الأخذ بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، بمعنى يترافق فيه الأدب والحياة «فيكون لنا أدب جديد لحياة جديدة فيها فهم جديد للوجود الإنساني وقضاياه» (ص 69). هذا الأدب يجب أن يكون «الواسطة المُثلى لنقل الفكر والشعور الجديديْن، الصادريْن عن النظرة الجديدة، إلى احساس المجموع وادراكه إلى سمع العالَم وبصره فيصير أدبًا قوميًّا وعالميًّا لأنه يرفع الأمّة إلى مستوى النظرة الجديدة ويضيء طريقها إليه، ويحمل، في الوقت عينه، ثروة نفسيّة أصليّة في الفكر والشعور وألوانهما إلى العالم» (ص 69)؟ (من مقالة لمحمود شريح في صحيفة الأخبار)
وتشير الأمينة هيام محسن إلى نصيحة قدّمها أنطون سعادة لزكي ناصيف على هامش إحدى السهرات التي أقيمت في منزلها في الحدث، فقد "انتحى سعادة بزكي جانبًا على الشرفة الغربيّة للبيت، المطلّة على بحر من أشجار الزيتون وخلفها المطار فالمدى الأزرق، وتحدّث إليه ونصحه بأن تكون أغانيه فرحة وتحكي الحبّ والقرية والطبيعة، بحسب ما أخبرنا الرفيق زكي. وأمّا النصيحة فأسّست للنهج الجديد الذي ابتدعه زكي فنيّاً ".
6- وهل يوافق على هذا النوع من الفنون الماركسيّون وهم الذين يضعون الفنّ في خدمة المجتمع، فيقول أحد كتّابهم آلان وودز: " يجب على الفن العظيم أن يهتم بالقضايا العظمى. لا يمكن للفنان الحقيقيّ ألا يبالي بمصير الرجال والنساء الآخرين. إنّ الخاضعين والموافقين على كلّ شيء، الذين يكتفون بأن يتبعوا، مثل الغنم، آخر صيحات الموضة، لا يمكنهم أبدًا أن ينتجوا فنًّا أو أدبًا عظيمًا.
7- ليس من المنطق في شيء، والوضع اللبنانيّ، بخصوصيّة تركيبته ووضعه، على شفير الهاوية، أن يلهي أولياء الأمور الناس بمسائل يمكن تأجيلها: كقيمة النشيد الوطنيّ وأصالته (هذا أمر تقوم به الشعوب المرتاحة إلى وضعها)، أو مهرجانات تشرذم ولا تجمع. وإذا كان من مصلحة البعض أن نلتهي بهذه الأمور لتمرير ما هو أخطر وأدهى، اين أهل الفكر عندنا لا يتصدّون للفعل وردّة الفعل؟
8- الخوف على صورة لبنان في الخارج مشروع في حال الحديث عن الفساد والنفايات والأمراض المتفشيّة وانهيار البنى التحتيّة، أمّا أن تكون حريّة التعبير هي التي شوّهت صورة لبنان فنكتة سخيفة، وكلّنا رأى كيف كافحت الشرطة الفرنسيّة أصحاب السترات الصفراء، وكيف يعامل الجنود الأميركيّون السجناء في المعتقلات!
9-  إنّ شعبًا يحتفي بأكبر صحن حمّص وأطيب صحن تبّولة وأجمل شجرة ميلاد وأطول أركيلة لا يمكنه أن يكون الحَكَم الفنيّ، وإنّ جمهورًا لا يحبّ المسرح ويعشق المهرجانات لا يعوَّل عليه في تقرير قيمة الجمال، وإنّ أهلًا يطلقون النار ابتهاجًا بنجاح أولادهم في البريفيه لا يحقّ لهم أن يعطوا رأيهم النقديّ في ما يجب أن يُغنّى، وإنّ رجل دين تحوم الشبهات حول علاقاته السياسيّة لا يؤتمن على الحقّ، وإنّ إعلامًا ينادي بالحريّة وهو مرهون لأنظمة ودول لا يصلح لكي يكون مرشد الجمهوريّة.
10-   لماذا لم يدعُ الدعاة إلى التضامن مع مشروع ليلى، المدافعون عن حريّة التعبير، إلى وقفة احتجاج تدعو إلى حلّ أزمة الكهرباء والنفايات، وتأمين الطبابة المجّانيّة، والمطالبة بضمان الشيخوخة، وتحديث مناهج التربية والتعليم، وحفظ حقوق الأدباء والفنّانين؟
11-   في هذا البلد
حيث يسخر دعاة الحريّة من المسيح ويخافون من ذكر رئيس الجمهوريّة أو صهره،
وحيث يهزأ الهازئون من الدين ولا يجرؤون على الإشارة إلى السيّد حسن نصرالله،
وحيث تلتصق الشاعرة البائسة برئيس التحرير ثمّ تطالب بالحريّة الجنسيّة
وحيث البعوض والذباب والفئران والحشرات أكثر من جماهير المهرجانات
وحيث الحريّة لم تسمع بالمسؤوليّة،
في هذا البلد
خلّص نفسك كجُرذ عرف - قبل القبطان - أنّ الباخرة تغرق.    

الاثنين، 5 أغسطس 2019

من حريّة التعبير من فوق إلى حريّة "التبعير" من تحت...


بما إنّو فلت الملقّ...
وما دامت حريّة التعبير (بغضّ النظر عن مضمون التعبير وفحواه ورسالته ووظيفتو برقيّ المجتمع وحفظ كرامة الإنسان) تستقطب هذا الكمّ "المخيف" من التأييد، فلنعبّر ولنعبُر من التعبير إلى "التبعير" وباللهجة اللبنانيّة كمان، لغة المظاهرات المؤيّدة والأغنيات الثوريّة (من ثور):
ييي هودي المصابين بالتوحّد ليش أهلن ما بيخبّوهن بالبيت؟ مبسوطين فين؟ ليك ملّا مناظر هههههههههههههههه (حريّة تعبير؟)
يا الله هودي المصابين بالسرطان شو كترانين، شعرن بيضل يهرّ وجويوا الدني، شي بيقرّف (حريّة تعبير؟)
معقووووول؟؟؟ وين صرنا؟ هيدي الصانعة عم تاكل ع الطاولة مع معلّمينها، العمى شو إنن نَوَر، كيف إلن نَفس ياكلوا معا!!! (حريّة تعبير)
وهودي يللي بيحبّوا الحيوانات وبيدافعوا عنن؟؟؟؟ أكيد مرضى وبدن علاج، في أجمل من إنّو تحطّ هالكلب وتطرقوا دكّة وتجيب خبرو أو تخنق البسينة بالكيس؟ هههههههه (حريّة تعبير؟)
جمعيّة كفى لو بتكفّ عنّا شوي هالحركات، حاج تكبّر راس النسوان، إيه والله في نسوان بدن خبيط ليوم الخبيط ههههههه (حريّة تعبير؟)
يا حرام هههههه هيدي ابنا سقط بالفحص، وهيئتو حمار متل أهلو هههههه (حريّة تعبير)
الإسلام، يييي بتضلّ ريحتن طالعة لأنن ما تعمّدوا وما مرق علين الميرون ههههه (حريّة تعبير؟)
المسيحيي/ ييييي هودي بياكلو بشر وبيشربو دمن وبيقولوا هيدا المسيح علّمن هيك، دخلكن المسيح كان يحب المجدليّة أو يوحنا هههههه (حريّة تعبير؟)
هوي الدروز بيعبدوا العجل ههههههههه (حريّة تعبير؟)
هودي المعاقين ليش ما بيحطّوهن بشي مطرح وبيديروا علين الغاز وبيقتلوهن وبيريّحوا أهلن منن وبيوفّروا ع الدولة مصاري ههههه (حريّة تعبير؟)
وين الغلط يتحشّروا بالولاد؟ الولاد مهضومين وحلوين ههههههه (حريّة تعبير؟)
هيدي الناصحة قد البقرة مبسوطة بحالا نازلة ع البحر هههههههههه (حريّة تعبير؟)
هيدي المشلولة وبدّو مين يجرّها ع الكرسي إيه تروح تقعد بالبيت وتشتغل صوف حاج ملبّكا الله تبعنا وبدّها حقوق المعاقين كمان هههههههههه (حريّة تعبير؟)
هودي الشاذّين العمى بيلعّوا النفس، شوف أشكالن دغري بتعرفن، وقال شو بدّن حقوقن وبدّن يعبّروا كمان ويتزوّجوا، الله يساعد أهلن ع هالجرصة... وينك يا هتلر (حريّة تعبير؟)
دخلكن لشو عملوا دور العجزة؟ إيه كبّوا أهلكن فين وارتاحوا (حريّة تعبير؟)
القتل بحجة التجريب، 
الاغتصاب بهدف التحديث، 
السرقة بهدف المغامرة، 
تدنيس كل شي من أجل المتعة، 
تحطيم كل شي كرمال الما شي، 
تمسخر ع كل شي لأنّو ليش لأ، 
بهدلة كل شي لأنّو نحنا أحرار، 
ويلّا.... عاشت الفنون (فنون التجريح والتحجيم والعهر والهستيريا)، عاشت حريّة التبعير، مات لبنان

الأربعاء، 24 يوليو 2019

من شارع المتنبّي إلى سائر فروعه على الأراضي اللبنانيّة (2010)



لم أعد أعرف هذا البلد. ولم أعد واثقة من أنّني ما زلت أقيم فيه كم هو في الواقع. إذ يخيّل إليّ إنّني صرت ابنة وطن غير موجود إلّا في البال، ولن يبقى إلّا هناك. أمّا هذا الـ"لبنان" فهو أشبه ما يكون بامتداد طبيعيّ لما عُرف قديمًا بشارع المتنبّي. وهو امتداد حصل في لحظة تشظّ وقحة، إذ كان يكفي أن تتّحد مصالح بعض رجال السياسة مع مطامع بعض رجال الدين كي يصير لبنان ما هو عليه اليوم: يصلح لأن يكون أيّ شيء إلّا أن يكون وطنًا.
فأيّ وطن هذا الذي يتعامل نصف أبنائه، بالفكر أو بالفعل، مع إسرائيل، ويعمل نصفه الآخر لمصلحة سوريا، ولا أحد منهم يحبّ لبنان؟ وأيّ وطن هذا الذي يؤمن بعض شبابه بأنّ تاريخه بدأ مع تأسيس وسط المدينة وأنّ جغرافيّته تمتدّ من مونو وتنتهي في الجمّيزة، والبعض الآخر يؤمن بأنّ الموت في سبيل الأرض أجمل من الحياة عليها والزراعة فيها والبناء فوقها؟
فلنسمِّ الأشياء بأسمائها: ثمّ عهر في هذا البلد كسا بوقاحته وبشاعته وفجاجته كلّ شيء: السياسة والدين والتربية والصحافة والفنّ والطبّ والحياة الاجتماعيّة. ويكفي أن تسمعوا ما يقوله المغتربون الآتون من بلاد الحريّات لتعرفوا أنّ ما يرونه ويسمعونه في لبنان لا علاقة له بالحريّة ولا بالانفتاح ولا بالتقدّم ولا بالحداثة. فهؤلاء يحملون أولادهم وبناتهم بعد إقامة قصيرة في البلد ويهربون بهم عائدين إلى حيث توجد قوانين تخصّص للعهر شوارع وأمكنة وتترك للفكر كلّ الشوارع وكلّ الأمكنة.
لا أدري إن كان ما يجري على المسابح الخاصّة يوضع تحت خانة الرياضة والترفيه، ولا أعرف إن كان ما تنشره المجلّات الإلكترونيّة عن العلاقات الجنسيّة المدفوعة الثمن والشذوذ من ضمن التسويق لصورة لبنان السياحيّة، ولست واثقة من أن ما يرويه سائقو التاكسي الذين ينقلون ليلاً القاصرين والقاصرات من وإلى الملاهي الليليّة لم يصل بعد إلى مسامع المعنيّين، ولا أجزم بأنّ الموظّف الذي يعيش أميرًا مترفًا براتب لا يتعدّى الحدّ الأدنى بكثير لا يعرف في قرارة نفسه بأنّه حرامي، ولا أظنّ بأنّ النكات الوقحة التي يحفظها الأولاد من برامج تلفزيونيّة ويتناقلونها تمتّ بصلة إلى التربية أو إلى حريّة الإعلام. ولكن ما أعرفه هو أنّ هذا الشرخ الهائل بين الأصوليّات الدينيّة من جهة والإباحيّة على مختلف مُتعها من جهة ثانية صار هوّة مخيفة ابتلعت العلوم والفنون وكلّ إصدارات الفكر. وحين تتفلّت الغرائز الدنيا من روابطها وتميل نحو طرفَي النقيض في كلّ جانب من جوانب حياتنا لا يبقى مجال للنقد أو التحليل أو المنطق السليم.

نحن مجبرون دائمًا على خيار من اثنين ولا مجال لثالث له حججه وبراهينه واحتمال صحّته: عون أو جعجع، الأصوليّة السنيّة أو الأصوليّة الشيعيّة، أميركا أو إيران، عملاء أو مقاومون، ورثة عاصي أو ورثة منصور الرحباني، العري أو الحجاب، الوحي أو العقل، التراث أو الحداثة، الثابت أو المتحوّل، معنا أو ضدّنا. كلّها بأسبابها ونتائجها أمور تستحقّ منّا التوقّف عندها في قراءة نقديّة واعية بعيدًا عن الأحكام المسبقة والنتائج غير القابلة للنقاش. وكلّنا معرّضون للانحدار إلى درك غرائزنا حين نسكت العقل ونناقش إنتاجاته بمنطق المحرّم والمحلّل. وأكثرنا ممّن عاصر الحرب اكتشف فيه ذلك الميل إلى لغة العنف حين جرّته لغة الآخرين إلى ذلك، ولم يكن يعرف أنّها فيه وأنّه يملكها. ولكنّ التحدّي كان في ضبط هذه اللغة لتحويلها بطريقة ما طاقة إيجابيّة فاعلة وخلاّقة. الحياة قائمة على ثنائيّات، ولكنّ الحياة نفسها هي العنصر الثالث الذي يتكوّن من برمجة هذه الثنائيّات بحسب مقتضى الأحوال. وما هو ملائم لواقع الحال اليوم قد لا يكون كذلك غدًا، وما يصلح لهذا المكان قد يكون مدمّرًا لسواه، وما ينفع الإنسان في هذه الظروف بالذات قد يؤذيه في ظروف مغايرة.

كم تبدو اللغة عاجزة حين تفشل في إيجاد توصيف لحالة كالتي نحن فيها، حتّى كلمة العهر تبدو في غير محلّها، لأنّ بعضنا يسيء إلى العهر نفسه حين يدّعي عكسه وهو يمارسه ولو خاشعًا في معبد، أو موجِّهًا فوق منبر، أو كأنّنا في استخدامنا الكلمة نهين من يعترف بكونه (ها) كذلك ويمارسه علنًا وصراحة، فنضمّه إلى قائمةِ من وصل إلى مرحلة مقيتة من الخبث جعلته يصدّق أنّه أفضل من سكّان شارع المتنبّي: قوّادين وعاهرات.
***
نشر هذا النصّ في صحيفة "النهار"، 3 آب 2010
وأشار إليه، مشكورًا، الشاعر والناقد والناشر "سليمان بختي" في مقالة له في صحيفة "النهار" بعنوان: 
 "أول الطريق"


الاثنين، 22 يوليو 2019

مشروع ليلى... نتيجة لا سبب

بما إنّو الكلّ عم يدلي بدلوو بمشروع ليلى، فخلّيني أدلي بالبيان الآتي:
يا جماعة نحنا المسيحيين بالبلد فركوشين ونصّ، خلّينا نشيل المرضى والمعوّقين والخيتاريّة والفقرا يللي ما بيهمّن ولا مهرجان، بيبقى المسيحيينى الشباب والصبايا يللي حاجزين لمشروع ليلى، فهودي منين جايين، من المرّيخ؟؟؟ ما هنّي أو كانوا بعنّايا هاليومين عم يأركلوا، أو كانوا بحريصا بالشهر المريمي عم يفقّوا بزر، أو كانوا عم ياكلوا هريسة بعيد مار الياس وناطرين هريسة عيد السيّدة.... ويمكن بيناتن راحوا ع مديغوريه ولورد وفاطيما مرّة ع الأقل من باب السياحة الدينيّة، وهودي الشباب والصبايا قسم كبير منن دارس بالمدارس الكاثوليّكية والجامعات الخاصّة المسيحيّة...
ما يعني باختصار فتّشوا عن أسباب عدم تعليم معاني الجمال والحريّة والالتزام (مش الإلزام) والاحترام والحقّ والخير والأخلاق بمدارسنا وجامعتنا وخصّصولها ساعات أكتر من ساعات الوعظ الديني، وساعتها مشروع ليلى بيسقط لحالو، لأنّو برأيي المتواضع ما بيحمل لا موسيقى ولا شعر ولا جمال
ع فكرة الحيوانات بتعلّم ولادها قبل ما تعطين الحريّة
#ماري_القصّيفي
#مشروع_ليلى

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.