من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 18 يناير، 2017

الفصل الحادي والعشرون من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004

أخبار متفرّقة

الفصل الحادي والعشرون من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون"
الصفحات 60 و61 و62


1- قال الرجل العجوز لزوجته:
أتمنّى أن أموت قبلك كي لا أتعرّض للإذلال
فأولادنا لا يجيدون خدمتي كما تخدمينني
ولا يجيبون عن أسئلتي بصبر وأناة كما تفعلين!
فأجابت الزوجة في جديّة واضحة:
وأنا أيضًا أتمنّى أن تموت قبلي، 
لأنّني أرغب في أن أعيش قليلًا
من دون أن أخدم أحدًا أو أصبر على أحد.


2- على اللبنانيّين الفقراء أن يتجوّلوا في المتاجر الكبيرة والمحلّات الفخمة
كما يفعل السيّاح في القلاع الكبيرة والقصور الفخمة:
"يتفرّجون" بفرح ومتعة ويشاهدون ما ابتكرته مخيلة البشر وما صنعته أيديهم
ويمجّدون الخالق وهم يستمتعون بالجمال والإبداع
ثمّ يذهبون شاكرين السماء التي أتاحت لهم القيام بهذه الزيارة "اللي من العمر"
وهل يرغب السائح في شراء قلعة أو قصر؟
أرجو ألّا يقرّر التجّار الآن فرض رسم دخول 
فلا تبقى "الفرجة ببلاش"...


3- لاحظوا علامات الرعب على وجه من يضيّع بطاقة ائتمان مصرفيّة، 
أو دفتر ملكيّة السيّارة،
أو تُسرق منه بطاقة الهويّة.
يبدو الأمر كأنّ هذا الشخص خسر نفسه وكلَّ ما يملك
فضلًا عن كونه مضطرًّا إلى تعريض كرامته للإهانة
لأنّ عليه أن يواجه الدوائر الرسميّة من جديد...
فهنيئًا للنسّاك وللأغنياء!
الأوّلون لا يملكون شيئًا
والآخِرون يملكون من يقوم عنهم بكلّ شيء...


4- الله يراقبنا 
الدولة تراقبنا
الكاميرا تراقبنا
الأقمار الصناعيّة تراقبنا
العدوّ يراقبنا
الصديق يراقبنا
المجتمع يراقبنا
الجارة تراقبنا...
ومع ذلك فما زالت كلمة "خصوصيّة" موجودة في القاموس.


5- النساء اللواتي يُظهرن في كلّ مكان
عريَ صدورهنّ وخصورهنّ وبطونهنّ
يطمئنّ العدوّ الإسرائيليّ 
إلى أنّهنّ غير مدجّجات بالسلاح...


6- يتّفق الرجال على أنّ النسائ يفقدن الكثير من أنوثتهنّ
متى أصبحت الملابس الرياضيّة لباسهنّ المفضّل.
ومع ذلك فهم يدعونهنّ إلى التحلّي بالروح الرياضيّة
عندما يقطعون علاقة حبّ دامت سنين
أو حين يسرقون منهنّ الوظائف
أو حين ترفض النساء تحرّشهم الجنسيّ...


7- أنا صديقتك المفضّلة
لا لأنّني أنفّذ كلّ ما تطلبه منّي
بل لأنّني لا أطلب منك شيئًا...


8- أنْ تعرف أنّك محور حياة شخص واحد
خيرٌ ألف مرّة من أن يخيّل إليك أنّك محور الكون


9- مأساتي أنّني التقيت بك 
حين أصبحتُ أكثر حكمة وأقلّ جمالًا


10- قالت ورقة الشجرة الرقيقة للسنديانة الجبّارة:
عندما تنتهي رحلتي القصيرة عند جذورك
أشعر بسكينة الوصول لا برهبة السقوط
وبمتعة الانصهار لا بحتميّة الاضمحلال
وبطمأنينة الأفياء لا ببرد التراب...


11- أكتب لأخبرك عنّي
تقرأ لتبحث عنك


12- يصيبني حزن عميق
عندما يخيّل إلى كثيرين 
أنّني أكتب عنهم
حين أكتب عنك...
وأنا التي ظننتُ أنْ لا مثيل لك


13- أعدْ إليّ العاطفةَ التي سكبتها طِيْبًا على قدمَيك
قبل أن تدوسَها أقدامُ أتباعِك!

الثلاثاء، 17 يناير، 2017

فاتن حمامه! لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا (2015)



     يجب أن يموتوا... وإن لم يفعلوا فعلينا أن نقتلهم... فجمالهم لا يلائم قبحنا، وصدقهم لا يناسب أقنعتنا، ورقيّهم لا يليق به الدرك الذي وصلنا إليه.

     ليس الأمر حنينًا شاعريًّا إلى زمن مضى، ولا وقوفًا على أطلال أمجاد عبرت، بل هو لحظة مصارحة مع الذات، تستعاد مع رحيل كبار نبدو صغارًا أمامهم، صغارًا لأنّنا لم نتعلّم منهم الصبر والتأنّي والاجتهاد واحترام الآخر والعمل والوقت.
     رحيل فاتن حمامة، بعد رحيل رعيل كبير من الفنّانين والمبدعين هو أكثر الأمور طبيعيّة في هذا الزمن الشاذّ، فلا هي تشبه بشاعة ما صارت الحياة عليه، ولا داعيَ بعد الآن لابتسامتها البريئة في زمن القتل والعهر والذبح والتحريم... وليتوقّف المترحّمون عن الدعاء لها بالغفران، فإن كان فنّها لن يشفع بها، فلن تشفع لها دعوات من لا يملك قبسًا من نور ضحكتها، أو نسمة من لطف روحها.

     يجب أن يموتوا... من بقي بعد؟ فليموتوا ولنعرف أنّنا صرنا في جحيم حقيقيّ، ولنكفّ عن هذا التفاؤل الساذج، والحلم الغبيّ، والانتظار العقيم. فلن يكون الآتي أفضل مهما كثرت برامج نبش المواهب وإطلاق النجوم والتنقيب عن الفنّانين... ولن ينضحَ إناء بغير الفساد الذي فيه... 

     الصوت الجميل سيجد تاجرًا... والرقص الجميل سيجد قوّادًا... والعزف الجميل سيجد قاتلًا... والشاعر الجميل سيجدون له فتوى تحلّل قتله...

     لم يكونوا قدّيسين وأولياء صالحين، لم يعطوا دروسًا في العفّة ويلقوا عظات عن الشرف، لكنّهم كانوا شغوفين بالفنّ... مجانين يبحثون عن الفردوس المفقود فيجدونه في النغمة والصوت والكلمة وعين الكاميرا وحركة الجسد... مهووسين بالرغبة في خلق عالم يطرح أسئلة ولا يدّعي معرفة الأجوبة... مسكونين بحلم الخلق... مؤمنين بأنّهم أنصاف آلهة يرى الواحد منهم في الآخر صنوه ومتمّمه ونصفه الثاني لتكتمل الألوهة في الفنّ الذي لا خلاص للعالم من دونه...

     لم يخطر لي يومًا وأنا أمام إبداعات فنّاني مصر ولبنان وسوريا والعراق وفلسطين أنّ هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى دين وطائفة ومذهب وبلد... لم تكن صباح مسيحيّة ولم يكن فريد الأطرش درزيًّا ولم تكن فاتن حمامة مسلمة... لم يكن شوشو سنيًّا وعاصي الرحباني أرثوذكسيًّا وبرج فازيليان أرمنيًّا ووديع الصافي كاثوليكيًّا وزين شعيب شيعيًّا، لم تكن هند رستم مصريّة ومنى واصف سوريّة وهند أبي اللمع لبنانيّة، لم يكن بدر شاكر السيّاب عراقيًّا ومحمود درويش فلسطينيًّا ومحمد الماغوط سوريًّا...
     كان الفنّ وطنهم ودينهم ومذهبهم وإمامهم وشيخهم وقدّيسهم... وكنّا أمامهم نخشع ونصغي ونتغيّر ونحلّق... 
     لكنّهم تعبوا من اجتراح معجزات الخلق وتعبنا من الحلم، فليرحلوا وليتركونا بلا أحلام وآمال... فاليأس لا يتطلّب جهدًا، والقعر آمن لا يقع أحد منه.

     فاتن حمامة... أيّتها الفاتنة البيضاء... موسم السلام لمّا يأتِ بعد... فاذهبي إلى حيث لا رصاص ولا مدافع ولا أطفال يموتون، واطلبي من الله أن يغفر لمن لم ير منّا أنّ الفنّ صورة السماء ومثالها. ولا بأس أن تموتي... لا بأس أن ترحلي... لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا بعدما جحدنا بفضل نعيمك الإبداعيّ!   

الأحد، 15 يناير، 2017

الأحد صباحًا: أنا وفيروز



الأحد صباحًا
فيروز تغّني: بحبّك ما بعرف هنّ قالولي
وأنا راغبة في كتابة مقالة نقديّة غاضبة:
...
 مصابة أنا ...بالمجتمع


***

الأحد صباحًا:
فيروز تغني: يا مهيرة العلالي فرسانك ناطرين
وأنا راغبة في من يخفّف ثورتي
...
 مصابة أنا...باليأس من المجتمع


***

الأحد صباحًا:
فيروز تغنّي على مهلك يابا على مهلك قدّامك عيد
وأنا راغبة في أن يمرّ

الوقت 
...
 مصابة أنا...بانعدام الدهشة

السبت، 14 يناير، 2017

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الروائيّة السوريّة مها حسن

الروائيّة مها حسن


لقراءة المقال الرجاء الضغط على الرابط



الروائية ماري القصيفي وأجواء ماركيز   17/06/2012
مها حسن-باريس

لا تبدو ماري القصيفي معنية كثيراً ببناء عملها الروائي "كل الحق عَ فرنسا" أكثر مما هي مصابة بهاجس الحكاية، إذ يحتشد في روايتها عدد هائل من الشخصيات يذكّرنا بأجواء غارسيا ماركيز وأبطاله الكُثر، كما في "مائة عام من العزلة".
فنجلاء في "كل الحق عَ فرنسا" لا تقل غرابة وتنوعا عن "خوسيه بونديا" بطل غابرييل غاسيا ماركيز، لكن رواية ماري الصادرة عن دار سائر المشرق (2011) تنتمي إلى التيار الواقعي دون أن تحيد عنه قيد أنملة.
"
ضمن مستويات القص، نلاحظ منذ البداية أن القصيفي تسلّم مفاتيح السرد لزاد، ولكنها تكتبها بلغة الغائب، مما يعني حضور الراوية المتخفّي خلف زاد
"
أجواء ماركيز
بطلة الرواية -التي هربت ابنتها وردة مع الكولونيل الفرنسي- حالمة بمجد مالي للعائلة، وفي نفس الوقت مسهّلة أمور ابنها حبيب الذي يسهّل له الكولونيل الخروج من السجن بفضل علاقاته، هي أصل الحكاية، ومرادف أورسولا الماركيزية تقريبا.
تكرر نجلاء -التي ولدت سنة 1915 وماتت في الثمانينيات من القرن الماضي وقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان- لازمتها "كل الحق عَ فرنسا". فرنسا المتمثّلة بالعقيد الذي غرر بابنتها وأخذها إلى بيروت، لكنه كان متزوجا في فرنسا فلم يتزوج من وردة التي أصبحت "روز"، بل تركها وحدها تودّعه على المرفأ.
الزمن الروائي يبدأ من سنة ولادة نجلاء، وينتهي عام 2010، أي 105 سنوات، الأمر الذي يجعلنا نربط بين رواية القصيفي وغارسيا ماركيز، إضافة لكثرة الشخصيات التي تفوّت على القارئ الكثير من التفاصيل حولها ويصعب عليه تذكّر درجات قرابتها مع الشخصيات الرئيسية "نجلاء وبناتها وابنيها، وزاد الراوية".
ضمن مستويات القص نلاحظ  منذ البداية أن القصيفي تسلّم مفاتيح السرد لزاد، ولكنها تكتبها بلغة الغائب، مما يعني حضور الراوية المتخفّي خلف زاد التي تتعرّض لصدمة تكاد تعيد كتابة الرواية بعد ثلاثمائة صفحة من التنقيب والبحث عن حقيقة ما جرى بين "روز" أو وردة و"ناجي"، في الليلة التي شربت فيها روز الديمول، وماتت بعد عشرين يوما من العذاب في المستشفى.
لكن الراوية سرعان ما تنحاز إلى الحكاية وتدخلها كشريك في الأحداث، حيث الحكاية تجري على لسان زاد التي تعرّفت على جولييت وروت لها قصة العائلة، فراحت زاد تدوّنها بحيادية، لكنها تنجرف في الحكاية لاحقا، وتعيش قصة حب مع أحد أبطال الحكاية، وتلوم نفسها لأنها انزلقت لتصير طرفا في الحكاية "مع أنها عاهدت نفسها على عدم التدخل فيها والاكتفاء بسرد القصص كما وقعت، ثم تنتبه إلى أن جولييت جرّتها إلى ذلك بسبب حكاياتها المتناقضة".
"
يمكن التحدث مطولا عن الاستعمار والهويات المأزومة حيث تذكرنا شخصية كمال مثلا -الفلسطيني الأب واللبناني الأم- في مقتطف من مناجاته بالهويات القاتلة لأمين معلوف
"
الهوية والاستعمار
لم تكتف زاد بسرد الحكاية على ألسن جميع أبطال الرواية تقريبا، حيث قسمت فصول الرواية بين ما تقصه -باعتبارها الراوية- وبين جميع أشخاص الرواية الذين أفردت لكل منهم فصلا حمل اسمه، إلا أن زاد وجدت نفسها تلج الحكاية أثناء تنقيبها عن الصيغة الحقيقية لما حدث بعد أن دخلت المطعم الذي كانت روز تلتقي فيه مع ناجي، وسمعت الموسيقى والتقت بسامي -ابن ناجي- واستغرقت في سياق واقعي جديد تداخل مع السياق الروائي. وهو تكنيك يُحسب لماري القصيفي التي اختبأت خلف زاد طوال الرواية، ثم دفعتها لتمارس المزيد من الدهاء الفني لتجعلها تحيا إحدى علاقات الرواية المتشابكة.
يمكن التحدث مطولا عن الاستعمار والهويات المأزومة، حيث تذكرنا شخصية كمال مثلا -الفلسطيني الأب واللبناني الأم- في مقتطف من مناجاته بالهويات القاتلة لأمين معلوف، فيحلينا إلى القول بتقاطع المسؤوليات، وتعدد المسؤولين عما حدث، إذ يقول في الصفحة 123 "تضع جدتي اللبنانية المارونية الحق على فرنسا. وجدتي الفلسطينية تلقي اللوم على بريطانيا وعلى اليهود وعلى العرب. وأنا فلسطيني لبناني ولا أعرف فلسطين ولا أعرف نصف لبنان".
وفي هذا السياق تعجّ الرواية بتفاصيل الأسى والخراب والشقاء، ولا نجد للفرح مكانا لدى العائلة المنكوبة المبتلية بمصائر درامية، حيث المرض النفسي والانتحار والموت في الغربة والقتل، والفشل العاطفي والطلاق.. فهل لهذا الشقاء علاقة بالاستعمار، أو بأجواء الحرب الأهلية، أم إنه قدر العائلة الشخصي.
رواية "كل الحق عَ فرنسا" تطرح التساؤلات عن نبوءة داخلها، إذ إن أجواء الحرب و"الهويات القاتلة" وتداخل العلاقات بين الأديان والطوائف، يعدّ نبوءة روائية للمشهد المتكرر الذي يقع حاليا في المنطقة بوجهه الدموي والعنيف.

المصدر: الجزيرة 

الجمعة، 6 يناير، 2017

عن رحيل عمّي سعد أهضم زلمه (6 كانون الثاني 2017)



أكاد أجزم بأنّ الأديب فؤاد كنعان كان يقصد عمّي سعد بقوله: يا صبيّ يا أزعر يا لذيذ. هكذا كان عمّي الذي رحل ليلة عيد الغطاس، وهكذا بقي حتّى وهو في غيبوبة المرض. إذ كان حين يصحو يوحي، لمن حول سريره، بأنّه لا يزال ذلك الشاب الجامح يخوض مغامرة جديدة، في إحدى الرحلات التي كان يقوم بها بحكم عمله قبل الحرب سائقًا في شركات سياحيّة.
حين وصل اليوم جثمان عمّي سعد من المستشفى إلى الكنيسة، وبعدما استقبلته دموع زوجته وأولاده وشقيقته وأشقائه وأحفاده، وبعدما ودّعته العائلة وتركته بحسب التقاليد الجديدة لينتقل الجميع إلى الصالون، حيث توافد المعزّون، تقصّدتُ أن أبقى معه في كنيسةٍ تبثّ موسيقى دينيّة هادئة أجزم بأنّه لم يصغِ إليها يومًا، ولا أعتقد أنّه في تلك الساعات الباردة التي تفصله عن صلاة الجنازة شعر بأنّه كان سيحبّها لو استمع إليها.
كنّا شبه وحيدين، كنّا شبه صامتين، كنّا شبه مستغربين المكان الذي نوجد فيه. فلا هو من الذين يحتملون البقاء في مكان واحد لأكثر من بضع دقائق، ولا أنا من الذين يبقون مع الميت كي يرفعوا الصلاة لراحة نفسه. ولكن كلانا يحبّ "الحكي"، صحيح أنّه لا يعرف كيف يتكلّم بصوت منخفض، وصحيح أنّني لا أحبّ الصوت المرتفع، لكن حوارنا في ذلك الوقت، لم يكن فيه صوت، وبالتالي، لم يكن ثمّة داعٍ كي أقول له: يا عمّي لشو هالصريخ؟؟؟ ولا هو كان قادرًا على معاندتي كما كان يفعل كلّ مرّة، فيرفع وتيرة النبرة أكثر فأكثر.
كان عمّي سعد صوتًا صارخًا! في البريّة وفي الصحراء وفي المدينة وفي البيت وعلى الطريق! يرسل صوته أمامه ليعدّ له الطريق، وليطرق عنه الباب، منبّهًا الجميع إلى أنّ عاصفةً من الحكي والأخبار والنكات والمشاكسات تصل بعد قليل لتقضّ سكينة المكان. ومع ذلك فها هو الآن صامت هادئ يكلّمني بنبرة لطيفة طالبًا منّي أن ألتحق بالآخرين لآكل شيئًا، لأشرب فنجان قهوة، كوب ماء... غير أنّي كنت راغبة في تمضية الساعات الأخيرة من وجود جسده خارج عتمة القبر، للاستمتاع بجدال جديد معه، حول كلّ شيء، وحول لا شيء.
كنت على عادتي في الامتناع عن زيارة المرضى في المستشفيات، لا أريد أن أراه ممدّدًا معانيًا مقيّدًا بخراطيم تمدّه بوهم حياة. كنت أعرف أنّني سأرى موته الأكيد لو زرته في المستشفى، في حين أنّني الآن، وهو مسجّى في تابوته البنيّ، أراه حيًّا عنيدًا صاخبًا يريد أن يفرض قوانينه وشروطه:
-       لا أريد أن يكذب الكاهن على الناس فيجعلني قدّيسًا!
-       لا أريد أن يجلس الرسميّون في الصفوف الأماميّة مبعدين إخوتي وولدي عنّي!
-       أريد أن أغلب عنتر للمرّة الأخيرة!
-       أريد جورجيت، أين هي زوجتي؟
-       أريد إبني ميشال، لماذا لم يأتِ من السفر؟
يا عمّي! أنت ميّت لماذا لا تقتنع؟ أقول له. سيقول الكاهن ما ينتظر الناس أن يقال في مناسبة كهذه، سيحتلّ ممثّلو القيادات والقادة الصفوف الأماميّة ولن يأبهوا لإخوتك العجزة الذين حضنوك حيًّا وميتًا، وعنتر غلبك هذه المرّة ولن تستطيع بعصاك أن تخضعه ليركع أمامك، وزوجتك تتقبّل التعازي في الصالون، وميشال لم يستطع الحضور... لكنّ "ميلاد" هنا يقوم بالواجب كما فعل دائمًا. فكفّ عن إصدار الأوامر وارتح.
حين لم يجب عمّي، ظننت أنّه بالفعل مات. أو أنّ هذا الرجل الثمانيني العنيد مات مرّة ثانية. لكنّه عاد ليفاجئني بحزم وهو يقول: ما بدّي كون قدّيس، أنا زلمي منيح بس مش قدّيس. عشت حياتي وسافرت ورحت وجيت بس ما إذيت حدا... بتحدّى حدا يجي ويقول إني إذيتو. يمكن ما إذيت غير حالي، يمكن ما كنت منتبه ع كتير إشيا، بس كلّو كان عن غير قصد.
-       لكن يا عمّي في هذا أيضًا نوع من القداسة! على الأقلّ أنت لا تكذب على نفسك أو على أحد، ولا تحقد على أحد، ولست خبيثًا!
***
كان عمّي سعد مسكونًا بشياطين المتعة على أنواعها، متعة السفر، متعة الترحال، متعة البحث عن الجمال، متعة تبذير المال، متعة التدخين، متعة الشيطنة المختبئة في قلب طفل، ومتعة المراهقة المتشبّثة بعقل رجل صار زوجًا ووالدًا وجدًّا ولم ينتبه... لم ينتبه إلّا حين فاجأته أمراض الشيخوخة فاكتشف أنّ العمر قد مضى وأنّ جسده ما عاد قادرًا على مواكبة توثّب نفسه التائقة دومًا إلى السفر، إلى الخروج من بين جدران البيت، إلى الخروج من شرنقة الذات.
من أجل اقتناء سيّارة، زمن كان الناس في بلدتنا يتنقّلون على الدواب، ضحّى عمّي سعد بالكثير! فحلم الانطلاق في مغامرة الطريق كان بالنسبة إليه أقوى من أيّ قيد ماديّ أو واجب عائليّ، ونداء الليل كان يمنع عنه هناءة النوم، والتوق إلى قيادة سيّارة نحو مكان، أيّ مكان، قادر على إخراجه من سرير الأمان ليرمي بنفسه في مجاهل المغامرة.
عاش عمّي سعد في غربة المكان ولو كان بين أهله وأحبابه، وفي غربة الزمان كأنّه ولد في الزمن غير المناسب، لكأنّه البوهيميّ بين رهبان دير، أو الشاعر المجنون بين مجموعة علماء عاقلين. واليوم، حين ودّعته قبل أن تبدأ مراسيم الجنازة بالشكل الذي توقّعه عمّي، اكتشفت أنّ هذا الصبيّ الأزعر اللذيذ يملك قدرة غريبة على رسم ابتسامات مختلفة الأحجام والأشكال على وجوه المعزّين، لأنّ عارفيه عن كثب يدركون وبكلّ بساطة أنّ فيه، ككلّ واحد منّا، صفات سيّئة كثيرة، لكنّه على الأقلّ، وبالتأكيد، أهضم زلمة عرفته العائلة.




الخميس، 5 يناير، 2017

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الشاعر عبده وازن


عائلة وهويات منفصمة في «متاهة» ماري القصيفي
الجمعة, 22 أبريل 2011

عبده وازن - صحيفة الحياة
تمضي الكاتبة ماري القصيفي في روايتها «كل الحق عَ فرنسا» (دار سائر المشرق، بيروت، 2011) في لعبة السرد داخل السرد حتى لتستحيل الحكاية التي «تنكّبت» مهمة جمع خيوطها شخصيتان هما راوية وكاتبة، شظايا حكايات لم تلتئم في الخاتمة التي ظلّت مفتوحة على أكثر من توقع أو احتمال. ولعل هذه الحكاية التي يمكنها أن تكون حكاية عائلة أو حكاية امرأة تحمل اسمين هما اسم واحد، بالعربية والفرنسية (وردة = روز)، أو حكاية «مصائر» وأقدار، هي متوالية حكائية سعت الكاتبة (زاد) إلى جمعها على لسان راوية تدعى جولييت وعجزت، جراء التشظي والتبعثر اللذين اكتنفا لعبة السرد. فالسرد هنا هو أصلاً نقل عن لسان الراوية (جولييت) هي شخصية روائية، والكتابة هي مشروع كتابة تقوم به كاتبة هي أيضاً شخصية من شخصيات الراوية.
قد يكمن سرّ رواية ماري القصيفي في هذه العلاقة الملتبسة بين الراوية الأولى (الحقيقية) والراوية الثانية (المفترضة) والكاتبة التي تبدو كأنها تتمرّن على الكتابة. وهذا التعدد في الأصوات أضفى على الرواية مواصفات عدة، فإذا هي في وقت واحد رواية داخل رواية ورواية - تحقيق ورواية تنتسب إلى «تيار الوعي» الذي يتمثل هنا في «المونولوغات» التي تتوزع صفحات الرواية وكأنها شهادات هي في صميم السرد وعلى هامشه. فالشخصيات الرئيسة والشخصيات الثانوية تؤدي جميعاً هذه الشهادات بوصفها «مونولوغات» منفردة وكأن هذه الشخصيات ماثلة أمام محقق غائب أو لا مرئي يمكن وصفه بـ «القدر» أو بـ «الضمير» المستيقظ. ولئن لم تشهد حكايات الرواية المتعددة حادثة قتل تتيح لها اكتساب الصفة البوليسية فإن سر انتحار وردة أو قرينتها روز كان بمثابة حافز على البحث والتحقيق.
تتناثر الحكايات في هذه الرواية و «تتشظى» حتى ليشعر القارئ أنه إزاء «متاهة» تغصّ بالوقائع والأشخاص والمرويات والحقبات التي تكاد تنسحب على قرن بكامله هو القرن العشرون، إذا كانت البداية من العام 1905، العام الذي ولدت فيه «نجلا» التي تكاد تكون «المحور» الرئيس الذي انطلقت منه الحكايات. لكن الرواية لن تتوقف عند موتها عام 1980 بل هي تخترق القرن لتبلغ بضعة أحداث شهدها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ومنها حرب تموز 2006 وزيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للبنان وحفلة فيروز في «البيال»... إنها رواية أشبه بـ «المتاهة»، فالواقع هنا يكاد يكون في أحيان لا واقعياً من شدة تشتت الحكايات وتداخلها وتقاطعها وإبهامها. لكن الكاتبة التي تقصدت رسم هذه «المتاهة» نجحت في شبك خيوطها تاركة للقارئ - وربما لنفسها كما للكاتبة المفترضة زاد - منفذاً ليتمكنوا جميعاً من فعل الخروج. وقد لا يكون مستغرباً اعتمادها ما يُسمى في النقد الروائي «تكرار السرد» حتى ليُظن أنها وقعت في شباك الإطالة والإفاضة، بينما هي في الواقع تسعى إلى تجسيد حال «اللايقين» الذي يهيمن على الرواية منذ مطلعها. فالراوية (الحقيقية) تبدو ضحية الالتباس الذي شمل الحكايات والشخصيات منذ أن تستهل السرد بالشك في ما ترويه، ملقية التبعة على «البطلة» زاد التي وضعت لروايتها المفترض أنها كتبتها، مقدمات عدة أو صيغاً عدة لمقدمة كان على الراوية أن تختارها. وهذه المقدمة تضع أحد الأحفاد (كمال) في الواجهة وهو يعاتب جدته نجلا قائلاً لها بعد غيابها: «ماذا فعلت بنا يا ستّي؟». ولعله على يقين بأن نجلا، الجدة غير البريئة أو المتواطئة التي كانت تردد عبارة أضحت أشبه بـ «اللازمة» التي تتكرر طوال الرواية: «كلّ الحق عَ فرنسا»، هي التي كانت سبب المأساة التي حلّت بابنتها وردة واللعنة التي أصابت العائلة كلها، وهي لعنة قدرية تجمّعت فيها لعنة الحرب اللبنانية في كل تجلياتها. وكانت الجدة نجلا قد رحلت وهي تلعن فرنسا والفرنسيين قائلة: «لولا وردة والكولونيل الفرنسي كنا بألف خير». وقد فات هذه الجدة أن تبعة مأساة عائلتها لا تقع على فرنسا بل عليها هي التي سمحت لابنتها وردة في الذهاب مع الكولونيل من غير زواج وفي ظنها أن الكولونيل سيفرج عن ضائقة العائلة ويساعد ابنها حبيب مهرّب المخدرات ويغطي أعماله ويدعمه كلما حلّت به واقعة. وقد تكمن هنا جرأة ماري القصيفي التي عمدت إلى فضح هذه العائلة اللبنانية المسيحية بل المارونية التي تنتمي إلى منطقة «البقاع» الشهيرة. ومن خلالها تمكنت من فضح فكرة «العائلة» عموماً التي كادت الحرب أن تحطمها وتشتتها وتقضي على مثالها.
وعلاوة على»المتاهة» «المركبة» بذكاء، التي وقعت الراوية والكاتبة (المفترضتان) في شباكها وهي تمثل عالماً متاهياً بذاته، فالمسألة التي تتمثلها الرواية هي مسألة «الهوية» أو «الانتماء» الذي يعني في ما يعنيه «الانفصام». والمسألة هذه تنسحب على بعض الشخصيات - الأفراد كما على الجماعة وسائر العناصر التي تؤلّف ما يُسمى وطناً أو طائفة أو جيلاً... وقد تجلّت حال الهوية المنفصمة في شخصية وردة ابنة نجلا (وكأنها ليست ابنة أبيها يوسف) التي لم يكن تأرجح اسمها بين وردة (بالعربية) وروز (بالفرنسية) إلا تأرجحاً في فراغ الاسمين أو تناقضهما. فوردة تختلف عن روز كما سمّاها الكولونيل الفرنسي المقيم في لبنان إبان الانتداب، روز التي خيّبها هذا الكولونيل وافتضّ بكارتها وجعلها بعد رحيله تنزلق إلى عالم الدعارة بعدما استحالت عليها العودة من بيروت إلى بلدتها البقاعية، وقبل أن تقع في حب ناجي الذي أنقذها من هذه الآفة. هذا الانفصام الذي أصاب وردة أصاب أيضاً أحمد، حفيد «ملفينا» (إبنة نجلا وشقيقة وردة)، فأحمد يعدّ نفسه «أحمد الأميركي»، لا وطن له ولا تاريخ، و هو كان التحق بـ «المارينز» وشارك في حرب العراق. أما الزواج المختلط مارونياً وإسلامياً ودرزياً، لبنانياً وفلسطينياً، فزاد من حدة الانفصام المعلن أو المضمر. فالشقيقة ملفينا التي تزوجت من أحمد الفلسطيني السنّي عانت الكثير من هذا الاختلاط ودفع ابناؤها ثمنه باهظاً. فإبنها شادي الضائع بين مسيحيته وإسلامه، وبين لبنانيته وفلسطينيته وقع في شباك الحرب القذرة وخطف. أما شقيقته شادية فاضطرت بعد زواجها في مصر إلى ارتداء الحجاب... أحوال الانفصام هذه، في شتى مظاهرها، هي خير دليل على الأزمة التي تتخبط فيها الشخصيات من أبناء وأحفاد، والعائلة التي تفرّعت عنها عائلات. فالشخصيات لا تبحث عن هوياتها لتؤكد انتماءها وترسخ جذورها، بل هي تعاني الأمرّين من وطأة الهوية المبعثرة والمتشظية.
مداخل ومخارج
لعل صفة «المتاهة» هي الأشد ملاءمة للإحاطة بهذه الرواية، المتعددة المداخل والمخارج، بل المتعددة الخيوط والوقائع والحكايات والكواليس. إنها رواية ثلاثة أجيال أو أربعة بالأحرى، تنحدر من شخصية رئيسة هي الأم والجدة (نجلا) وليس من زوجها يوسف الذي هو الأب والجد أيضاً. لكن سطوة نجلا طغت على يوسف حتى كادت تلغيه. إنه «الرجل» المغتاب والمحذوف أو المهمّش الذي سحقته سلطة الزوجة. «الرجل» الذي يعني غياب الذكورة وليس حضورها في هذه العائلة المارونية «البقاعية» التي هيمنت عليها أطياف النسوة. ولعل بنات نجلا لم يختلفن عن أمّهن فكنّ في مقدم الأحداث والوقائع وكأن الرواية هي روايتهن، بدءاً بوردة (روز) وانتهاء بشقيقاتها، كاميليا وملفينا وسعاد ولبنى وجولييت التي تمثل الطرف الأخير في الحكايات ومعها تبدأ في نسج نفسها...
تحفل الرواية بما لا يُحصى من المرويات والوقائع والأحداث و «الأكاذيب» الجميلة والشخصيات... فالحكاية تخرج من الحكاية، والشخصية تنسلّ من الشخصية. وهكذا يستحيل سرد جولييت (الراوية الثانية) سرداً شبه دائري، يتوالد من نفسه ثم يدور على نفسه، ما جعل الكاتبة المفترضة زاد، عاجزة عن البدء بالكتابة. وهذا ما حصل فعلاً، فالرواية تنتهي في لقطة بديعة تطل فيها زاد وهي تقرأ وكأن القراءة هي الفعل الوحيد الذي يوفر فرصة الخروج من دوامة الحكاية التي لم تكتمل. ولئن كان تهيّأ لزاد أنها أنهت كتابة الرواية وسلّمتها الى جولييت فهي ظلت على يقين أنها لم تنهِ مشروعها. فالنقص كما رددت مراراً ظل يعتري حكايات جولييت التي كانت دوماً مضطربة في سردها الحكايات واستعادتها...
يستحيل الوقوف فعلاً على ما تحفل به الرواية من أحداث ووقائع وتواريخ شهدها قرن مضى ومطلع قرن راهن هو القرن الحادي والعشرون. فالرواية أشبه بسجل حيّ للعناوين التي صنعت القرن اللبناني المنصرم وأبرزها الحرب اللبنانية التي أضحت حروباً، عطفاً على التحوّلات التي شهدها لبنان ومآسي التهجير والنزوح، وقضية الهجرة التي ابتلعت عائلات وأفراداً... لكن الكاتبة تمرّ على هذه العناوين برشاقة فلا تقع في شرك التفاصيل التي باتت معلومة ومستهلكة، بل هي تحبكها داخل النسيج الروائي الذي يظل مفتوحاً انطلاقاً من كون الرواية روايات داخل رواية. أما الخيط الذي جمع بين الحكايات فظل معقوداً وعقدته هي السر الكامن وراء انتحار روز التي كانت وردة.
هل حملت وردة (روز) سر انتحارها معها أم أن الاحتمالات التي جمعتها زاد قد تكون قابلة للتيقن من هذا الفعل القاسي؟ عندما أقدمت روز (وردة) على شرب الديمول كانت في حال من الانهيار جراء علمها بعودة عشيقها ناجي إلى زوجته بعد العلاقة القوية التي جمعت بينهما طوال أعوام. وحال الانهيار هذا قد يفسر إقدامها على الانتحار وقد لا يبرره. فلعل روز شربت الديمول خطأ وبسرعة وفي ظنها أنه ماء عندما كانت تستحم. ولعلها أيضاً شاءت أن تشرب القليل منه بغية تهديد عشيقها ناجي الذي قرر أن يهجرها... لكن والدتها نجلا التي كانت أضحت عجوزاً ظلت تلوم نفسها على وضع قنينة الديمول التي جلبها ناجي لرشّ الوردات المزروعة على الشرفة، داخل الحمام، مهرّبة إياها من الطفلة ياسمين، ابنة جولييت. وجولييت لامت نفسها كثيراً لأنها تركت أختها المنهارة وحيدة في المنزل ولم تعد إليها في الوقت الملائم. وفي يقين جولييت أن وردة (روز) لم تنتحر ولا يمكنها أن تنتحر، لا سيما أنها كانت أعلمتها أنها اتخذت قراراً بالسفر. ولعل الأمر الذي زاد من تعقّد الاحتمالات أن ناجي اكتشف أنه مصاب بالسرطان قبل قراره العودة إلى زوجته والعائلة.
يبقى سر روز (وردة) مبهماً إذاً وقد أفادت القصيفي منه لتجعله منطلقاً للسرد ومرجعاً له في آن، فحول هذا السر اشتبكت الخيوط ومنه انبثقت مغامرة البحث التي أدت إلى المزيد من الإبهام. بدا الانتحار ذريعة سردية بامتياز وشرعت الروائية انطلاقاً منه في فتح صفحات هذه العائلة المارونية البقاعية وهي صفحات ليست بيضاء دوماً بل رمادية وسوداء... فالرواية كما تبدّت ختاماً هي رواية انحدار عائلة، عائلة عرف القارئ أفرادها على اختلاف أجيالهم ومشكلاتهم الشخصية والمشتركة، لكنه لم يعرف لها اسماً. إنها عائلة لا تحمل اسم عائلة، لكنها حقيقية (وإن كانت متخيلة) لا سيما في ارتباطها ببيئتها وتاريخها الذي هو جزء من تاريخ ما قبل حرب 1975 وما بعدها.
ولم تترك القصيفي شاردة تفوتها أياً كان أثرها، فبدت الرواية أشبه بالرواية - النهر على صغر حجمها مقارنة بالروايات الفائضة... أسماء وأشخاص وأماكن وتواريخ وتفاصيل، آباء وأبناء وأحفاد، عادات وطقوس، وأحداث لا تنتهي وإن كانت هامشية أحياناً... ولعل هذا «الانفلاش» أو «التشظي» في السرد الذي قصدته المؤلفة هو الذي منح هذه الرواية فرادتها. وجاءت الشهادات الصغيرة أو «المونولوغات» التي تخللت فصول الرواية لترسّخ تعدد وجهاتها وزواياها. ولم تدع الكاتبة شخصية إلا ساقتها إلى «الشهادة» أو المونولوغ الذي يعاود إنتاج المادة السردية. وكم بدت شهادة انطوان - والد الكاتبة زاد - بديعة عندما تحدث عن جو «العصفورية»، المصح النفساني الأشهر في ذاكرة اللبنانيين. وقد نمّ فعلاً عن روح السخرية التي كثيراً ما تجلّت في فواصل عدة داخل الرواية، وهي سخرية صفراء عبثية وسافرة لا تهاب المحرمات.
قد تحتاج رواية «كل الحق ع فرنسا» مقاربة أشمل وأوسع تبعاً لمادتها الروائية الغنية، فالتفاصيل، حتى التفاصيل الصغيرة التي تعج بها، تستحق أن تقرأ وتستعاد نظراً إلى ما تمثل من أهمية سرداً وتأويلاً. وقد بلغت هذه الرواية الفريدة ذروة طرافتها في ترسيخ فعل الاستحالة، استحالة كتابة مثل هذه الحكايات التي واجهها القارئ، في رواية كانت «زاد» الكاتبة المبتدئة تحلم في كتابتها، بعدما أمضت أعواماً تجمع مادتها مما حكته لها الراوية الثانية (جولييت) وما استطاعت أن تجمعه بنفسها. ولعل هذه الاستحالة هي التي أسبغت على رواية ماري القصيفي هذه الهالة المتراوحة بين الواقعية والتخييل، بين الإحساس المأسوي بالحياة والبحث المضني عن خلاص شبه مستحيل.

الأربعاء، 4 يناير، 2017

التشرذم اللبنانيّ بلغّة الوجع

Schizophrenia

Ester Guory

بس ننوجع منحكي باللغة يللي منحكي فيا بأحلامنا وصلاتنا ومنصرخ فيا وجعنا. وما بعتقد بعزّ دين الحرب اللبنانيّة كان في وجع قدّ هالمرحلة برغم كلّ قسوة الحرب وبرغم كلّ المحاولات اليوم لإشاعة الأمل وتوزيع سناريوهات الخلاص من الأزمة، كرمال هيك عم بكتب باللبناني عن الوجع اللبنانيّ...
نحنا اليوم كتير مشرذمين ومقسومين ومقسّمين ومش طايقين بعضنا. وما بقا نضحك ع حالنا وع غيرنا. والانقسامات يللي بيناتنا اليوم بتمسّ الحضارة والهويّة واللغة والعادات والأكل والشرب والموسيقى والفنون كلّا. هالحكي ما بيعني إنّو في حدا أحسن من حدا، ولكن صار في حدا مختلف عن حدا، يمكن سابقو، يمكن متخلّف عنّو، ولكن ع الأكيد مش حدّو.
مرّة كتبت إنّو بغاء الطائفيّين سببو غباء العلمانيّين، وبعدني مقتنعة إنّو الخلاص يللي كان مرتبط بدولة علمانيّة عم يبعد يوم بعد يوم، والكيان الصهيونيّ يللي اعتبرناه وبعدنا منعتبرو مغتصب وحقود وعنصريّ صرنا متلو، عم نغتصب مناطق وشوارع وتلفزيونات وعقول، وعم نحقد ع بعض ومنرفض الآخر يللي ما بيشبهنا، ومنختلف ع صفات الله وتحديد الشهدا ونوع اللبس والشرب...
يعني الله ما عاد هوّي زاتو بين المسلمين أنفسن، ولا بينن وبين المسيحيين، والعدرا يللي وارد ذكرا بالقرآن ما عرفت الألم ولا مات إبنا ع الصليب، والشهيد إذا كان بس هوّي يللي بيموت كرمال الله (أيّا الله؟؟؟) ما بيظبط نعملّو ذكرى ب 6 أيّار، وهالشي بيعني إنّو ما في شهدا بالحرب الأولى، ولا في شهدا صحافة، ولا في شهدا جنود بالجيش، وإذا مطلوب المسيحيّ يحترم حجاب المسلمة (يللي في خلاف حولو بين المسلمين أنفسن) ومش مسموح للمسلم يحترم خيار المسيحيّة إنّو تلبس شورت (والعكس صحيح)، وإذا الخمر بالعقيدة المسيحيّة عنصر من عناصر الذبيحة الإلهيّة هوّي خطيئة عند المسلمين، وإذا فيروز ما بينحطّوا أغانيها ع المنار لأنّو الموسيقى ضدّ الدين، هالشي بيعني إنّو كلّ تاريخنا الحضاريّ مليان خطايا، يعني شوشو ونصري شمس الدين وتوفيق الباشا وشعرا الزجل وصولا إلى أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وكل يللي اشتغلوا بالسينما اللبنانيّة والمصريّة والسورية، وبالمسرح، وبكلّ أنواع الفنون، هنّي بجهنّم اليوم، وهالشي عم يخلّي جهنم تصير كتير حلوة.
لمّا تعيّنتْ وزيرة محجّبة، كتار انتقدوا وقالوا هيدي مش صورة لبنان، ويللي دافعوا قالوا احكموا ع شغلها مش ع حجابها. وهالشي صحيح. ولكن كمان بيعني إنّو ما نحكم ع شكل بنت من لباسها المتحرّر وننطر ت نشوف شغلا. هيدا مش شرخ وإنقسام؟؟؟
ولمّا غطّت وسائل الإعلام مبارح الأخبار عن شهدا اسطنبول كتار اعتبروا هالشي مبالغة غير مبرّرة، ونسيوا إنّو هيدا الإعلام زاتو غطّى كتير مآتم ومآسي صارت بلبنان لدرجة كنّا كلّنا نقول إنو صار الإعلام وراق نعي. وشو يعني يكون في شي إسمو شهداءنا وشهداؤن؟؟؟
حتّى الأشخاص يللي بيتابعوا كتاباتي بيعبّروا عن هالشرخ الفاضح: وقت يللي بكتب عن أطفال سوريا واليمن وغزّة وليبيا بتكتر طلبات الصداقة من مسلمين أو يساريّين "محسوبين ع المسلمين"، ووقت يللي بكتب متل مبارح عن شهدا اسطنبول بيكتروا طلبات الصداقة من مسيحيّين ما بحياتن سامعين بإسمي أو بيعرفوا شي عنّي. هيدا شو إسمو؟؟؟ وأنا شو بطلع بالآخر، ومع مين، وضدّ مين؟؟
كتار من قرايبيني عم يتزوّجوا مسلمات، ولكن ما بيقبلوا خيّاتن ياخدوا مسلمين، وبس نسأل عن شي وحدة من العروسات، بيكون الجواب: هيي مش من هوديك الإسلام، هيدي مرتّبة ومعلّمة وبتلبس متلنا، ورح تتعمّد كمان. إيه بعز دين الحرب ما كان في لا هيك زيجات مش معروف شو دينها، ولا هيك حكي مش معروف شو جنسو...
صرنا بكلّ شي شعب الـ outlet، وما بدنا حدا يعرف منين منجيب غراضنا، وبس نلتقي بحدا منعرفو منعصّب ومنخجل ومنقول عم نشتري تياب للبنت يللي عنّا (يعني العاملة الأجنبيّة). نفس الشي عم يصير مع أفكارنا المستوردة بالجملة من مخلّفات أسواق العالم، وبعدنا شايفين حالنا إنّو مخترعين الحرف، ومش عارفين إنو صرنا عبيد الحرف، وأعداء الكلمة.

***
كلام حبّيتو:

2 hrs · 
لوكان لبنان كل سكانه مسيحية ولا في نسمة مسلمية فيه راح يتقاتلوا المسيحية ويصلبوا بعضهن ..ولوكان كلوا لبنان مسلم من العاقورة للناقورة ولامسيحي فيه من رميش للكورة كمان راح يتدابحوا الإسلام بالسيف والسيوف .. ولوكان لبنان كلوا شيعي أو سني أو درزي حاف كمان راح ينقسموا على بعضهن ويتعاركوا ببعضه ويقلعوا عيون بعضهن ..إفهموها هيدا الشرق ياحبيبي ..ياغبي .. إن صلبت على المسيح أو صليت على النبي ..ماينطبق على لبنان ينطبق على سورية العراق وباقي الأمة العربية والإسلامية والمسيحية ..المذبحة واحدة
 ***

إيلي القصيفي | الأربعاء  04/01/2017

مقالات ذات صلة

عن  موت رضوان حمزه الذي يميتني خوفًا