الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 10 ديسمبر 2017

يوم تكلّم يوسف زوج مريم


يوم تكلّم يوسف زوج مريم

لماذا أنا؟
لماذا اخترتَ المرأة التي أحبّ من بين كلّ النساء لتكون أمًّا لابنك الوحيد؟
لماذا طلبت منّي أن أسهر عليها وعليه كزوج وأب من دون حقوق الزوج أو سلطة الأب؟
هل تعرف ماذا يعني أن تكون قريبًا إلى هذا الحد من المرأة التي تحبّها، وتعشق رائحة ثيابها، وحركة يديها وهي تحضّر الطعام، وكلامها وهي تحادث الجارات، ولا تملك الحقّ في الاقتراب منها؟
هل تعرف ماذا يعني أن أكون أنا الرجل العاشق المنتظر ليلة لقاء عروسه محرومًا من لمسة يدها، ممنوعًا من التفكير بذلك؟
مذ عرفتها وأنا أحلم بها، فإذا بك تقتحم أحلامي لتحدّثني عن أنّك اخترتها واخترتني لدورين آخرين، حتّى صرت أخشى أن أنام. مذ أحببتها وأنا أخطّط لزواجي منها، فإذا بك تعرقل خططي وتجعلها عروسًا سماويّة، وهيكلاً مقدّسًا لوحيدك.
يدعوني الناس البار والبتول، ولا يعرفون كم عانيت لأقنع نفسي أنّي يجب أن أكون كذلك. وهل يمكن أحدًا أن يتصوّر ماذا يعني أن تحبّ المرأة الوحيدة في العالم التي يريدها الله؟
أنا منذور لها وهي منذورة لابنها.
أنا أتألّم لحرماني منها، وهي تتألّم من خوفها على وحيدها.
أنا رجل العائلة والكلمة ليست لي، بل لمن يقول عن نفسه أنّه الكلمة وأنّه سيصير الجسد.
من أين لك هذه الثقة بي لتأتمنني على من تحبّ؟
وهل تعرف ماذا يعني أن تحمّلني هذه الثقة؟ هذه المسؤوليّة؟
أنا أفكّر فيها كامرأة، وهي تصلّي لك كإله.
هي تحضّر لي الطعام، وابنها يحضّر نفسه ليكون طعامًا لسواه.
أنا أنظر إليها وهي تغسل ملابسي، وهي تنظر إلى ابنها وهو يغسل أرجل تلاميذه.
لا ترسل إليّ ملاكك الرسول في الحلم، ولا تتعبه في نقل أوامرك. لقد قبلت منذ زمن وانتهى الأمر. ولكن لا تطلب منّي أن أنسى كيف أحببتها. لا تطلب منّي أن أنظر إليها كأمّ ولا أرى المرأة التي فيها. لا تطلب منّي أن أغمض عينيّ عندما نكون في بيتنا الصغير. لا تطلب منّي أن أمتنع عن التقاط نغمات صوتها وهي تتحدّث عن ابنها. لا تطلب منّي أن أحتمل كلام الناس وهم يسخرون من ابنها الذي ولد قبل أن تمضي تسعة أشهر على زواجنا. لا تطلب منّي أن أكون قدّيسًا في وقت كنت أريد أن أكون رجلاً متزوّجًا وسعيدًا.
كيف اخترنا أنا وأنت المرأة نفسها؟ فأنا اخترتها منذ بداية وعيي على الدنيا وأنت اخترتها منذ البداية البداية. وما دمت قد سبقتني فلماذا سمحت لي بالوقوع في هواها؟ فلو كنت أعلم أيّ مخطّط رسمته لنا لمنعت نفسي ربّما عن هذا الحبّ. غير أنّك تعرف ماذا تفعل. لا شكّ في ذلك. تركتني كي أقع في غرامها، ثمّ أعلنت لها عن اختيارك لها، وكنت تعلم أنّها ستوافق لأنّها تحبّك، ثمّ طلبت منّي أن آتي بها إلى بيتي وأحميها من ألسنة السوء وكنت تعلم أنّي سأقبل لأنّي أحبّها.
أيّ مخطّط ذكي هو ذاك الذي تمّ؟
باسم الحبّ وبسببه، قبل كلّ منّا تنفيذ المهمّة التي أعطيت له، ولم يتراجع حتّى اللحظة الأخيرة، متحديًّا الألم والرغبة والحرمان.
أيّ حبّ أعظم من هذا؟

    

الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

الكاتبة ماري القصيفي : الدول العربية تدفع ثمن تخليها عن القدس (حوار مع الصحافيّة لمى نوام - وكالة أخبار الشرق الجديد) 2013




هي شاعرة وقاصة وروائية وإعلامية وتربوية من مواليد منطقة الريحانية في بلدة بعبدا. تعمل في المجال التربوي وكتبت لأكثر من عشرين سنة في الصحافةالثقافية،تشرفعلىمدونةباسم"صالون ماري القصيفي الأدبي وعنوانها:www.mariekossaifi.blogspot.com وصدر لها تباعًا: لأنك أحيانًا لا تكون، رسائل العبور، نساء بلا أسماء، الموارنة مروا من هنا، كل الحق ع فرنسا وهي رواية حازت جائزة حنا واكيم كأفضل رواية لبنانية لعام 2012، وأحببتك فصرت الرسولة. 

كان لوكالة أخبار الشرق الجديد لقاء صحافي معها: 

شاعرة وقاصة وروائية وإعلامية وتربوية...أين تجد ماري القصيفي نفسها؟
لكلٍ منا جوانب متعددة لشخصيته يكتشفها في كل ما يمارسه في الحياة إن على صعيد العمل أو الهوايات. فأنا مثلًا أجد في الشعر شخصيتي الحرة الثائرة، وفي الرواية أحقق رغبتي في هندسة الكون والتحكم في حيوات ناسه، وفي الإعلام أشبع نهمي إلى التواصل، وفي التربية أسعى لإحداث فرق...


 بما أن الأدب هو ابن بيئته هل تتأثر الكاتبة ماري القصيفي بقضايا البيئة التي تعيش فيها؟ 

لا أكتب بمعزل عما يدور حولي. لذلك تصب نصوصي النقدية والشعرية والقصصية في علم الاجتماع، إذ لا يمكن في رأيي أن يكون الإنسان، وهو مادة الكتابة وجوهرها وغايتها، سوى كائن اجتماعي مهما اعتزل وزهد وتنسك. والدليل أن إنسان اليوم ولو قبع في غرفته طيلة اليوم يبقى على تواصل دائم مع ما يجري حوله، عبر وسائل الاتصال والتواصل. فضلًا عن أن عملي في التربية لأكثر من خمسة وعشرين عامًا وضعني على تماس يومي مع مشكلات المراهقين وهي تتزايد يومًا بعد يوم، وواقع العائلات الاجتماعي والنفسي تحت وطأة الظروف التي نمر بها. 

 ما هو نتاجك الجديد؟ وهل تشاركين في أنشطة غير الكتابة؟
  
أنا الآن في خضم كتابة رواية عن حرب الجبل، وهناك مجموعة أعمال تنتظر أن أجد الوقت لها، بعضها شعري وبعضها دراسات اجتماعية وأدبية. وقد سبق وأشرت إلى نشاطي في عالم التربية الذي أغنى تجربتي الكتابية وإن أخر انطلاقتها. لذلك فإن أحد كتبي الجديدة هو عن التربية ويحمل عنوان "علمني التعليم". ولي تجربتان في الترجمة عن الفرنسية واحدة لرواية قاديشا لاسكندر نجار والثانية لرواية جمهورية الفلاحين لرمزي سلامة. 

متى كانت بداية تجربتك مع الكتابة؟ وماذا يعني لك هذا التاريخ؟ 

أعتقد أنني مذ بدأت الكتابة على مقاعد المدرسة لم أتوقف عما وجدت فيه وسيلتي للتعبير. الكتابة بالنسبة إلي– وليس بالضرورة النشر – كالتنفس تمامًا. لذلك أبدو طوال الوقت كمن تكتب في رأسها منتظرًة أن يسمح لي الوقت بنقله الى الورقة أو ذاكرة اللابتوب. وقد ساعدتني وسائل النشر الحديثة كالفيسبوك وتويتر والمدونة التي تحمل اسمي على أن أجد أكثر من مكان لنشر ما أكتبه من دون الخضوع لإيقاع الصحافة الثقافية أو حركة النشر. 

ما هي المواضيع التي تشدك لمعالجتها؟ و أين المرأة من هذه المواضيع؟ 

كتبت لمدة سنة تقريبًا في صحيفة البلاد البحرينية زاوية يومية تحت عنوان "الكتابة بمزاج امرأة". فالمرأة التي هي أنا حاضرة دومًا، وبالتالي الموضوعات التي تتعلق بالمرأة تعنيني ولكن ليس بمعزل عن مسائل أخرى كالحرية والأمية والطفولة والشيخوخة والبطالة والتربية وسواها من القضايا المتعلقة بتركيبة المجتمع وهوية الوطن. حتى في نصوصي الشعرية التي تتناول الحب لا أبتعد عن التحليلين النفسي والاجتماعي لهذا الشعور الغامض والجميل، فالحب الذي لا يثمر شيئًا جميلًا (أولاد، مشاريع، إنجازات، كتب...) ليس حبًا بالمعنى الذي أفهمه وأعيشه. 

 بين البعد المرتجى وحقائق الواقع، من يلهم ماري القصيفي؟ 
أؤمن بالعمل وممارسة الكتابة أكثر من إيماني بالإلهام. وإن كنت مرات لا أعرف من أين تأتي الأفكار والصور. لكني بالتأكيد لا أكتب لأغير واقعًا خارجًا عني، بل أكتب لأتغير أنا مع كل نصأكتبه، كما أتغير مع كل نص أقرأه. 

 هناك قول إن المرأة تملك جسدها، هل أنت مع المرأة في أن تفعل بجسدها ما تشاء كونها تملكه؟ 

طبعًا تملك المرأة جسدها، لكن لا كما تملك سيارة تبيعها لمن يدفع السعر الأعلى. الجسد هيكل الروح، والروح الحرة لا يسعها جسد، لكن الحرية لا تعني أن نقتل الجسد أو نهينه أو نتركه عرضة للمرض والألم ولا أن نخنقه بالكبت والحرمان والقيود. لذلك كتبت كثيرًا عن موضوعَي العري والحجاب لا من باب الأخلاق والدين بل من باب فلسفة المغزى ومحاولة فهم التطرف في كلا الأمرين. والمرأة التي تنادي بحقها في أن تفعل بجسدها ما تشاء عليها أولًا أن تحرر حسابها المصرفي من سلطة رجل يصرف عليها المال، وأن تحترم أجساد المرضى والمعوقين والأطفال المصابين بشتى العاهات والأمراض. فثمة أمور في رأيي أكثر أهمية من موضوع جسد المرأة الذي هو لا عورة نخجل بها ونستحي ولا بضاعة نعرضها في الأسواق. وكل تطرف يستدعي تطرفًا مقابلًا. 

إلامَ تهدفين من خلال المزج بين العامية والفصحى؟ وكيف تجد الشاعرة ماري القارئ العربي؟ 

العامية لغتنا اليومية، وأنا لا ألجأ إليها إلا لضرورات فنية يفرضها العمل الأدبي، كما في عنوان روايتي "كل الحق ع فرنسا"، وفي حوارات الشخصيات، لكي يبدو الأمر مقنعًا وطبيعيًا. ومع ذلك فهي عامية مدروسة إلى حد كبير، فلا يجد القارئ غير اللبناني صعوبة في فهمها.  
أما سؤالك عن القارئ العربي فيستدعي سؤالًا آخر: أين النص الذي يجذب القارئ العربي بدءًا من مقاعد الدراسة؟ لن نجد قارئًا عربيًا حقيقيًا قبل أن يولد لنا كاتب عربي حر، وقبل أن توضع مناهج تربوية حديثة. 

ماذا يمثل الرجل في حياة الشاعرة وفي حياة ماري القصيفي؟ 

الرجل هو الشريك الكامل المتمتع بالحرية والشجاعة والمعرفة ... أنجبه كل يوم من فكري في نص جديد. 


كانت لك زاوية أسبوعية في جريدة النهار اللبنانية تحت عنوان: أضواء خافتة، وكنت تكتبين باسم مستعار هو «مي الريحاني». ما السبب في ذلك؟  وأين كنت مرتاحة أكثر في الكتابة باسمك المستعار مي أم الآن  باسمك الحقيقي ماري؟ 

الاسم المستعار كان قبل الزاوية الأسبوعية "أضواء خافتة". واللجوء إليه في البداية كان بسبب عملي التربوي الذي جعلني حذرة أمام التوفيق بين جرأتي في الشعر والنقد والتزامات العمل التربوي. ثم أعجبني الأمر حين راحت تكثر التساؤلات عن هويتي الحقيقية، إلى أن حسم الأمر الشاعر الكبير شوقي أبي شقرا الذي أدين له بفضل كبير في انطلاقتي باسمي الحقيقي في جريدة النهار.

في كتابك «الموارنة مروا من هنا»، لماذا استبدلت القاف بالهمزة في عنوان الكتاب فكتبت «بألم» بدلاً من قلم؟ ما هي صرخة الألم التي أرادت ماري القصيفي أن توجهها؟ 

صرخة الألم أردت إطلاقها بدءًا من الغلاف للتنبيه إلى الواقع المارونيالمتشرذم، الذي انعكس على الفكر والتربية والمجتمع، وما يحصل في طائفة ينعكس حتمًا على الطوائف الأخرى بسبب تركيبة لبنان. في اختصار أردت القول إن دور الموارنة بدأ بمهمتين رسوليتين هما الحرية والعلم، ولكنهم مع الأسف تنكروا لهذين الدورين، ما أدى بحسب رؤيتي الخاصة إلى كل ما يحصل اليوم في هذه البقعة من العالم. 

ما هو في رأيك مصير البلدان العربية بعد الربيع الذي اجتاحها؟ هل أنت مؤمنة بأن هذه الثورات حملت التغيير المنشود؟ 

ما حصل ويحصل ليس ربيعًا وليس ثورة, لقد كنت من أوائل الذين كتبوا في الصحافة عن هذا الأمر، وجوبهت باعتراضات كثيرة، لكني ما زلت مقتنعة برأيي: فكل تغيير يغيب عنه الفكر ليس سوى زلازل عنيفة لا أحد يعرف كيف تنطلق ومتى تهدأ وماذا تترك خلفها. لذلك علينا أن ننتظر وقتًا طويلًا قبل أن نتبين ملامح المرحلة المقبلة، لكن المخاض سيكون عسيرًا وطويلًا.
  
كلمة ختامية جريئة البوح؟

الجلجلة بدأت من فلسطين، ولن تكون القيامة إلا هناك. وما يجري في الدول العربية اليوم ما هو إلا الثمن الذي ندفعه كلنا لأننا تخلينا عن القدس. 

لمى نوام

وكالة أخبار الشرق الجديد

اسمه عيد الميلاد!

شذّبوا أغصان الشجرة كي لا تخفي المغارة!
هل ينتهي مسيحيّو الشرق في كرة زجاجيّة؟

أين الطفل يسوع؟

أجمل زينة للعيد



ما نعيش في أجوائه وما نحن مقبلون على الاحتفال به في 25 كانون الأوّل ليس عطلاً سعيدة  happy holidays، وليس أعياداً (بالجملة) جميلة، وليس استراحة طويلة بعد الفصل الأوّل من العامّ الدراسيّ، وليس تمهيدًا لسهرة رأس السنة، وليس مناسبة لسلسلة من البرامج التفلفزيونيّة محورها الانتباه إلى الوزن الزائد خلال هذه المرحلة.
هو بكلّ بساطة عيد الميلاد، وبالتحديد عيد ميلاد السيّد المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمساويه في الجوهر. وما دام هذا التعريف هو ما تؤمن به الكنيسة الرسوليّة الجامعة حتّى الآن، فعلينا الاعتراف به واحترامه واستخدامه عند الإشارة إلى هذه المناسبة، سواء أكنّا مؤمنين أم ملحدين، ممارسين إيماننا عن اقتناع أم بالإرث والتقليد، مسلمين أم دروزًا أم مسيحيّين أم يهودًا، بوذيّين أم هندوسيّين أم من أتباع العِلم. ويصحّ الأمر نفسه على جميع المناسبات الدينيّة التي ارتأى أتباعها إعطاءها تسميات معيّنة هي من صلب عقائد المعنيّين بها سواء أعجبنا الأمر أم لا، آمنا به أم رفضناه. فعيد الميلاد هو عيد الميلاد، وعيد الأضحى هذا اسمه، وعيد الفطر لا تتغيّر هويّته بتغيّر من يأتي على ذكره، وصولاً إلى رأس السنة الصينيّة وسوى ذلك من الأعياد الدينيّة والمدنيّة.
تعرّض عيد الميلاد منذ بداية الاحتفال به لأكثر من محاولة لتشويه معناه، من المسيحيّين الذين لم يفهموا الجوهر الدينيّ للمناسبة، ومن غير المسيحيّين الذين يسيئون – عن جهل أو عن قصد – إلى رموزه وشعاراته وطقوسه. وإذا حصرنا الكلام في المرحلة المعاصرة، فنجد أنّ بابا نويل هو من الأخطار على الدين إن لم نضعه في خانة مساعدة الفقراء وتوزيع الفرح على الناس. ومن غير المسموح أن يصير هو بطل العيد ومحوره فيخفي بقامته الكبيرة وجسمه العريض وثيابه الدافئة ولحيته البيضاء طفل المزود الصغير العاري. ولذلك باءت بالفشل محاولات بعض الكهنة استبدال مقدّم الهدايا ذي الثياب الحمر بثلاثة من المجوس يوزّعون الهدايا على مثال الملوك الذين حملوا الهدايا للطفل يسوع. فالأطفال يولدون اليوم وفيهم جينات موروثة تعتبر بايا نويل من المسلّمات، كالتنفّس والجوع والعطش. وشجرة العيد خطر آخر إن صارت تتبع الموضة والألوان السائدة وآخر صيحات الأزياء والديكور، ومغارة العيد خطر ثالث إن كان ثمن أيّ تمثال من تماثيلها يوازي الحدّ الأدنى لعائلة في حاجة إلى دواء وماء وكهرباء.
ولا يخفى أنّ السينما الأميركيّة خطر دائم على هذه المناسبة، وتتحمّل صالات السينما وإدارات المحطات التلفزيونيّة الأرضيّة والفضائيّة المسؤوليّة الأخلاقيّة والأدبيّة والوطنيّة والقوميّة، حين تختار أفلاماً أو برامج تسخر من العيد أو تتلاعب بمفهومه الدينيّ أو تجعله إطاراً لقصص طريفة أو حكايات حبّ يحضر فيها الجميع ويغيب صاحب العيد.
أمّا الخطر الأكبر، فهو اللغة التي بقدر ما هي إنتاج الفكر تستطيع أن تكون المؤثّر في خلاياه والمتلاعب بما يدور فيه. فحين يُختصر الاسم بالإنكليزيّة ليصير  Xmas، مع ما يعنيه الحرف الأوّل الذي "يؤكّس" على المعنى الروحيّ ويلغيه، فذلك مؤشّر إلى عمليّة غسل دماغ تحاول حرفاً بعد حرف أن تمحو العيد من الوجدان الجماعيّ. وحين يصرّ مقدّمو البرامج ومذيعو التلفزيون، أيّاً تكن المحطّة ومهما كان انتماؤها، على التهنئة بموسم الأعياد من دون تحديد، فذلك يعني أنّ المحاولة تأخذ بعدًا آخر لطمس الهويّة وتمييع هدف الاحتفال. وهذا أمر فعلته إسرائيل حين خطّطت لإلغاء الوجود الفلسطينيّ من فلسطين، فمحت أسماء القرى والبلدات وغيّرت معالم الشوارع والطرق وهدمت ما يرتبط بذاكرة المكان، كعيون المياه وساحات القرى والجوامع والكنائس وأنواع الأشجار، كي لا يجد العائدون، ولا بدّ عائدون، ما يذكّرهم بحكايات آبائهم والأجداد.
ليس الوقت ملائمًا أبدًا للتذرّع بحجج إعلاميّة وإعلانيّة وانتماءات علمانيّة في وقت يبدو الخطر على مسيحيي الشرق أكيدًا وخطيرًا. ومن غير المسموح أن يكون الإعلام اللبنانيّ، بمختلف اتجاهاته ووسائل تعبيره، رأس الحربة في حرب تطاول أيّ دين من الأديان التي يتشكّل منها النسيج الاجتماعيّ في المشرق العربيّ عموماً واللبنانيّ خصوصاً، فكيف إن كان الأمر يتعلّق بالمسيحيّين الذين يتعرّضون لاعتداءت الأصوليّين؟ فإن كان الإعلاميّون والمعلنون يجهلون ما يفعلون فالأمر خطير على الثقافة واللغة والدين، وإن كانوا يعلمون ويفعلون فالأمر في غاية الخطورة على الكيان اللبنانيّ كما نتمنّاه: المتعدّد الحضارة بلا حساب للعدد، والمنفتح على كلّ العالم من دون أن يكون مشرّع الأبواب، والمتنوّع الثقافات من دون أن تكون النوعيّة فيه حصريّة.
*****
صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل

الأحد، 3 ديسمبر 2017

عمّتي إميلي روزنامة الأعياد (2015)

سليم وإميلي يراقبان سرب طيور

يكاد أربعون عمّتي إميلي يقترب والكلمات لا تزال تهرب منّي، كما تهرب فرحة الأعياد من قلوب الحزانى. لعلّني رأيت في موتها تمرينًا على موت صرنا نخشى أن يحصد كبار العائلة، وهذا ما يجعلني أحاذر الاعتراف برحيلها، لعلّها تبقى بعد أكثر...
عمّتي روزنامة الأعياد التي سقطت آخر ورقاتها منذ أكثر من شهر، وجارور الحلويات الذي أغلق إلى الأبد، عمّتي المريضة الأنيقة رحلت، والليلة، ليلة عيد البربارة لا حلويات من صنعها ولا مائدة تستعدّ لعيد الميلاد.
لكأنّ الأعياد بلا أمّهات ليست أعيادًا. أو كأنّ الأولاد يكبرون فجأة حين تموت الأمّهات، والأحفاد يغادرون الطفولة على عجل حين تموت الجدّات. أو كأنّ نكهة الأطعمة لا تعود هي نفسها، ورائحة البيت تفقد الكثير من خصوصيّتها.
عمّتي ليست صغيرة، لكنّ أوجاعها هي التي كانت كبيرة، وهذا ما يبكينا ونحن نتذكّر حياتها ومعاناتها وهي لا تعرف أنّها مصابة بالسرطان الذي ترافق مع غسل الكلي.

لكنّي الليلة أكتب وأنا أرى إلى أمّي تغالب دموع الحزن على المرأة التي كانت ابنة حميها وزوجة أخيها في الوقت نفسه، وتزرع الحبوب في صحون الفخّار بركة تستعيض بها عن شجرة العيد.
أكتب لعلّ عمّتي تعود ولو قليلًا، فتداعب رأس زوجها الذي أقفلت الجلطة الدماغيّة مسار الحكايات فيه، وتعدّ الحلوى وهي تدّعي الصراخ والغضب على الأحفاد الذين يملأون البيت صخبًا وعيدًا، وتنشغل بالإعداد لعرس صغيرها عمر.
أكتب، لعلّ طعم السكّر يعود إلى الحلوى، ولعلّ المرأة التي صمتت تخرج من صورتها لتفتح الباب لأحفادها وأولاد الجيران المتنكّرين، ولعلّها تصطحب معها أحبّاء كثرًا رحلوا ولا يزالون يقيمون في جراح الذاكرة.
غير أنّني مع كلّ كلمة أكتشف كيف تصير الكتابة مزراب الدمع... 

هاشلة بربارة (2010)





(2010)

الليلة ليلة عيد القدّيسة بربارة التي هربت وتنكّرت لتحافظ على ما صارت تؤمن به.
الحرب أجبرتنا على عدم الاحتفال بهذه الليلة. قالوا لنا مع بداية الحرب: الاحتفال بهذه الليلة بات ممنوعًا، فمن يعلم أيّ شرّ يختبئ خلف القناع؟
فسكننا الخوف.
قبل ذلك، كانت الليلة للأقنعة الجميلة، للتفنّن باختراع الأزياء الغريبة، لتجميع الأتراب في الحيّ والجولة معهم على البيوت والغناء وتناول الحلوى. كانت ليلة الدهشة فحوّلوها ليلة الرهبة. فمن يجرؤ على فتح بابه للابس قناع في أزمنة الخوف من الآخر، أيًّا يكن الآخر؟
*****
الليلة، اتصلت بي إحدى قريباتي وسألتني إن قرع باب بيتنا أولاد يحتفلون بالعيد، فقلت لها: رحل العيد وكبر الأولاد. سألتني إن حضّرنا الحلويات، فقلت لها: البرَكة بالوالدة التي لا تزال تحضّر الحلوى بكميّات كبيرة كأنّ أطفال الحيّ سيأتون ويغنّون وتمتدّ أيديهم النهمة إلى صحون الحلوى التي ستفرغ قبل منتصف الليل.
سألتني إن كنت لا أزال أذكر كلمات الأغنيات التي يرشّها الأولاد على دروب القرى والبلدات وهم يتجوّلون بين البيوت بلا خوف أو قلق، فقلت لها: أنا وأنت ما زلنا نعرف هذه الكلمات، بعدنا من سيتذكّرها؟
*****
الليلة ليلة البربارة، وبربارة هاشلة هاربة من مضطّهديها،
تختبئ لتنجو، ونخبّئ وجوهنا خجلاً،
تختبئ لأنّها وحيدة، ونختبئ لأنّنا جبناء،
تختبئ لأنّها صغيرة، ونختبئ لأنّنا ممتلئون صغائر.
الليلة، بربارة هاشلة فعلاً
هاربة منّا نحن الذين ندّعي أنّنا نحميها ونحافظ عليها
هاربة من أولئك الذين تذرّعوا بقناعها اليتيم ليضعوا كلّ يوم قناعًا،
هاربة من مضطهديها ومدّعي حمايتها في الوقت نفسه.
*****
تفضّلوا وتناولوا معنا الحلويات التي أعدّتها أمّي،
فالصغار كبروا وما عادوا يدورون في الحيّ وهم يغنّون،
والمراهقون يسهرون في الملاهي،
والخائفون أوصدوا الأبواب على أولادهم في وجه أولاد الجيران المتشبّثين بوهم عيد.
تفضّلوا وكلوا معنا حلويات تقطر منها حلاوة الطفولة ومنها تفوح نكهة العيد
ولا تؤاخذونا إن غلبتنا دمعة الحنين للغائبين المقيمين في القلب. فملحها لنا ولا نشارك أحدًا فيه.

السبت، 2 ديسمبر 2017

من يوميّات الفيسبوك 2 كانون الأوّل 2017

الفنّان اللبنانيّ الأرمنيّ زهراب


(ع سيرة التعليم ومرة تانيه من وحي إضراب المعلّمين) شو الفرق بين المعلّم والمربّي؟

أوّلًا: بحبّ قول إنّي ما بحبّ كلمة مربّي لأنها بتذكرني بتربية الحيوانات، وبفضّل مطرحا كلمة مهذِّب، لكني رح إستعملا لأنّها صارت مستخدمة ومتعارف عليا
تانيًا: الفرق بين المعلّم والمربّي بيظهر بوضوح وقت الأزمات وخصوصا الإضرابات
تالتًا: المعلّم موظّف عندو دوام وساعات محدّدة وبرنامج مفروض يخلص، أمّا المربّي فما بيكفّيه العمر كلّو ت يوصّل رسالتو
رابعًا: المعلّم يوم الإضراب بيروح ع القهوة ياخد نفس أركيلة، المربّي بيحضر ع المدرسة يحضّر شغل لما بعد الإضراب
خامسًا: المعلّم إذا حضر ع المدرسة بيقعد بغرفة المعلّمين يشرب نسكافيه وقهوة ، بينما التلاميذ قايمين الدني، لكن المربّي إذا حضر ع المدرسة بيقعد بالصفّ وبيشرح للتلاميذ أسباب الإضراب وبيتناقش معن (إذا كبار) بموقف الإدارة والأهل والدولة، وإذا زغار بيعلّمن شو يعني حقوق وواجبات... أو ع القليلة بيقعد يناظر حتى ما حدا من التلاميذ يئزي حالو أو غيرو 
سادسًا: المعلّم بيقول جبرونا نجي ع المدرسة فخلّين يتحمّلوا النتائج، بينما المربّي بيقول التلاميذ شو ذنبن، والنظّار يللي عم يتحمّلوا الفوضى هنّّي كمان زملاء إلنا ومفروض نتعاون معن ت نمرّق الإيّام بأقل ضرر ممكن ع الجميع
سابعًا: في كتار تعرّفت علين بعالم المدارس يللي اشتغلت فيا كنت مفتكرتن مربّين بس طلعوا معلّمين ، وهيدا بيدلّ على إنو مهما كبرتْ بالعمر وزادت خبرتي بيضل بدّي عِلم ت ما صدّق حدا بس يقلّي إنّو بيحب التعليم والتلاميذ وما بيطيق يقعد بالبيت
فيا عيب الشوم ... عليي
(2017)

***
أنا أبرع معلّمة في العالم
علّمت قلبي كيف يبكي بلا دموع
(2014)
***
الكتابة فعل استغاثة
***
كيف تسألني عن حالي وأنت حالي؟
***
صلاة يوم الأحد:(2012)
صباح الخير يا الله! أريد فقط أن أطمئنك إلى أنّني واثقة من أنّك لست من يقف وراء نجاح الحركة النسائيّة اللبنانيّة المتمثّلة بالسيّدات مريم نور وتيتا لطيفة وليلى عبداللطيف! يكفي أن يكون مجموع الحروف الأولى لأسمائهنّ يكوّن "ملل"، كي نعرف أنّك بريء من هذا التطوّر النوعيّ! 

الحبّ في زمن الميلاد (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)


يصل زمن الميلاد ويحضر معه الوقت:
الوقت الذي مضى:
حين كان الطفل ينتظر جدّه صاحبَ الحكايات والدروس والعِبر، حاملَ أكياس الزبيب وعلبة الدبس وكمشة التين المجفّف،
حين كان الطفلُ يغفو على وعود جدّه بعالم أفضل، بحياة أجمل، بالسفر والنجاح والحبّ والزواج والأولاد،
وحين كان الطفل يغرق في النوم قرب جدّه، كانت رائحةُ الرجل العجوز الحكيم ترافق أحلام الطفل وتهديه كنجمة الميلاد إلى حيث يولد العطاء وتشعّ الحكمة.
...
الوقت الذي وصل:
حين صار الطفل رجلاً يستعيد حكايات جدّه مع أوّل كانون ويحملها زادًا طوال السنة وهو يشعر بأنه ليس وحيدًا لأنّ رائحةَ جدّه معه،
وهو مع ذلك أكثر الناس وحدة في خضمّ الازدحام الذي يحيط به، ولا يجد غيرَ شجرة يخبرها عن طفولته ويتقاسم معها الزبيب والدبس والتين والحكايات. جدّه صار شجرة.
...
الوقت الذي يأتي:
محمّلاً بالخيبة يومًا، وبالأمل يومًا:
يريد الرجل أن يصير جدًّا على صورة جدّه ومثاله، ينتظر الأحفاد، يزيّن المنزل، يرتدي كنزته الحمراء، ينفض الغبار عن أسطوانات قديمة تدور على نفسها كالدراويش وتينو روسي يرنّم أغنيات الميلاد،
يحاول الرجل أن يكون جدّه: ولكن لا زبيب ولا دبس ولا تين،
يفهم الرجل أنّه صار عجوزًا، وأنّ الزمن مضى وأنّ الأحفادَ لا يعرفون الزبيب والدبس والتين. ويكتشف أنّ حكاية جدّه ستنتهي معه، لتبدأ حكايته هو.

***
يحضر زمن الميلاد ويحضر معه الحنين:
الحنين الذي له طعمُ الدمع:
تنظر الجدّة إلى أولادها وأحفادها وتسأل نفسها خائفة: هل سأكون معهم في الميلاد المقبل؟ تستعيد وجوه الغائبين وتفكّر: هل يحتفلون بالميلاد في السماء؟
وحين تتخيّل طفلتها، التي هناك، تفتح الهديّة، وزوجَها، الذي هناك، يحمل طفلته لتضع الملاك على رأس الشجرة، تطمئنّ إلى أنّ الذين هناك يجعلون السماء سماء
...
الحنين الذي له لون البحر:
تحضّر الأمّ مائدة العشاء وهي تضع الحقّ في احمرار عينيها على فرم البصل للتبّولة
تنظر إلى مريم ترنو إلى طفلها في مزود المغارة، وتسألها:
هل تعلمين أنّ ابني الصغير هناك خلف البحر ولن يكون معنا في ليلة العيد؟ هلّا جعلت أيّامه كلّها أعيادًا وجمعت شملنا في هذي البلاد من دون أن أخاف عليه من فقر أو يأس أو خطر! هلّا جعلت الدفء في فراشه والطعام على مائدته والفرح في عينيه!
...
الحنين الذي له رائحة الحطب المشتعل:
ترتعش نفس الفتاة وهي تستعيد صورة جدّها يرمي الحطب في الوجاق ويقلّب بأصابعه التي تحطّبَ جلدُها حبّاتِ الكستناء والبلّوط: الكستناء لها ولأخوتها، والبلّوط له ولجدّتها ووالديها الذين تعيدهم النكهة المرّة إلى زمن الفرح الطفوليّ حين كان العيد يكتفي بأبسط الأشياء

***
يحضر زمن الميلاد وتحضر معه السكينة:
السكينة التي تشيعها الأضواء الخافتة والموسيقى الهادئة فيشعر الإنسان التعب بأنّه وصل إلى حيث الراحة، والإنسان الحزين إلى حيث الفرح، والإنسان الوحيد إلى حيث اللقاء
هي السكينة التي لا صوت لها عاليًا، ولا ضجيج صاخبًا، ولا ألوان باهرة
هي السكينة التي تنبع من الداخل وتفيض على كلّ ما ومن حولنا
هي السكينة التي لا يعرفها إلّا الأطفال والعاشقون والممتلئون نعمة العطاء
هي السكينة التي تجعل المريضَ قابلاً آلامه لا مستسلمًا لها
والأسيرَ عارفًا قيوده لا مقيّدًا بها
والمسافرَ عابرًا المسافات لا تائهًا فيها
هي السكينة التي لا بدّ منها وإلّا
استحوذ علينا جنون هذا العالم
وشرّدتنا أهواؤه
وأقلقت أرواحَنا تغيّراتُ مناخه وأرضه وناسه وعناصره
هي السكينة التي تجعل
السماءَ في قلب مغارة
والابتسامةَ في قلب هديّة
والواحدَ منّا في قلب الآخر ولو على مسافات وأعمار
يحضر زمن الميلاد الذي لا بدّ منه كي نستطيع أن نتابع حياتنا بعده
ونحن نعرف أنّ ثمّة نجمةً تنتظر أن نرفع رؤوسَنا ونراها ونمشي على هديها

***
يحضر الميلاد وأنت تنأى في المسافة
تقودُك نجمتُك بعيدًا
وأبقى أنا عند المغارة
لأرافق الطفل على درب جلجلته.