من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 26 أبريل، 2017

ثمار بطنها وثمار فكري (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)


ثمار بطنها أولاد يؤرجحون عمرك بين الأمل والملل
تعطيك إيّاهم الحياة
وهي تذكّرك في كلّ لحظة بأنّهم ليسوا منك ولك
بل ودائعُ عندك يؤخذون منك مهما اعترضت ورفضت
وثمارُ فكري كتب تحكي للأطفال حكايات
وتروي سيَر الرجال ليتعلّم منها الأولاد
أوزّعها للناس ولا أترك منها
ولو نسخةً واحدة عندي
***
ثمار بطنها فاكهة الحبّ الحلال
وثمار فكري محرّمات تلاحقها محاكم التفتيش
ثمار بطنها مباركة
وثمار فكري تلاعب اللعنة
وتستفز شياطين الشعر
وتشاكس الممنوع
فماذا تختار يا رجل الاشتهاء؟
***
في عينيها هناءة القانعات الراضيات الآمنات
وفي عينيّ استفهام يرتسم علامات
تتعلّق بالسماء
وتحاول أن تقف على الأرض
في صدرها حليب الخصب المحيي
وفي صدري نار آكلة ملتهمة
في بطنها أجنّة آمنة تنتظر موعد الولادة
وفي رأسي أفكار متوثّبة لا تطيق الأسر
فمن تختار يا رجل الحيرة؟
***
حاولت أن أكونها
تلك المرأة التي هي على صورتي ومثالي
وحاولت المرأة التي هي بعضُ أنَاي أن تكونني
حاولنا فعلاً
حاولت أن ألقّح بطني ببذار الخصب
ألتقطها من أفكاري المتراكمة المتزاحمة
فضاقت أحشائي عمّا يدور في رأسي
وحاولت المرأةُ التي هي أناي الأخرى
أن تلقّح عقلها بصور الأجنّة المرسومة على جدران بطنها
فوجدت خيالها ممتلئًا أطفالاً وأولادًا
من مختلف الأعمار والألوان والجنسيّات والأشكال
وفشلنا وصار عليك أن تختار
فمن تختار يا صاحب الأبوّة المعلّقة؟
***
أنا وهي لن نلتقي
يا صديق الآلام والأشجان
ويا عشير العصافير والأشجار
لأنّنا وجها ميداليّة الحبّ التي علّقتها الحياة فوق صدرك
فحين تعرض (أنت) وجهها للناس أختبئ أنا فيك
وحين تختار (أنت) أن تكون معي تختفي هي
فكيف ظننت أنّ في إمكانك أن توفّق بين وجودي ووجودها؟
ومن أين لك هذا الإيمان
بأنّ الحياة ستمنحك ما حرمت منه سائر البشر؟
وكيف ظننت أنّك قادر على توليد الخصب في كلتينا
لننجب لك ذريّة صالحة من الأطفال والكتب؟

السبت، 22 أبريل، 2017

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الشاعر عبده وازن


عائلة وهويات منفصمة في «متاهة» ماري القصيفي
الجمعة, 22 أبريل 2011

عبده وازن - صحيفة الحياة
تمضي الكاتبة ماري القصيفي في روايتها «كل الحق عَ فرنسا» (دار سائر المشرق، بيروت، 2011) في لعبة السرد داخل السرد حتى لتستحيل الحكاية التي «تنكّبت» مهمة جمع خيوطها شخصيتان هما راوية وكاتبة، شظايا حكايات لم تلتئم في الخاتمة التي ظلّت مفتوحة على أكثر من توقع أو احتمال. ولعل هذه الحكاية التي يمكنها أن تكون حكاية عائلة أو حكاية امرأة تحمل اسمين هما اسم واحد، بالعربية والفرنسية (وردة = روز)، أو حكاية «مصائر» وأقدار، هي متوالية حكائية سعت الكاتبة (زاد) إلى جمعها على لسان راوية تدعى جولييت وعجزت، جراء التشظي والتبعثر اللذين اكتنفا لعبة السرد. فالسرد هنا هو أصلاً نقل عن لسان الراوية (جولييت) هي شخصية روائية، والكتابة هي مشروع كتابة تقوم به كاتبة هي أيضاً شخصية من شخصيات الراوية.
قد يكمن سرّ رواية ماري القصيفي في هذه العلاقة الملتبسة بين الراوية الأولى (الحقيقية) والراوية الثانية (المفترضة) والكاتبة التي تبدو كأنها تتمرّن على الكتابة. وهذا التعدد في الأصوات أضفى على الرواية مواصفات عدة، فإذا هي في وقت واحد رواية داخل رواية ورواية - تحقيق ورواية تنتسب إلى «تيار الوعي» الذي يتمثل هنا في «المونولوغات» التي تتوزع صفحات الرواية وكأنها شهادات هي في صميم السرد وعلى هامشه. فالشخصيات الرئيسة والشخصيات الثانوية تؤدي جميعاً هذه الشهادات بوصفها «مونولوغات» منفردة وكأن هذه الشخصيات ماثلة أمام محقق غائب أو لا مرئي يمكن وصفه بـ «القدر» أو بـ «الضمير» المستيقظ. ولئن لم تشهد حكايات الرواية المتعددة حادثة قتل تتيح لها اكتساب الصفة البوليسية فإن سر انتحار وردة أو قرينتها روز كان بمثابة حافز على البحث والتحقيق.
تتناثر الحكايات في هذه الرواية و «تتشظى» حتى ليشعر القارئ أنه إزاء «متاهة» تغصّ بالوقائع والأشخاص والمرويات والحقبات التي تكاد تنسحب على قرن بكامله هو القرن العشرون، إذا كانت البداية من العام 1905، العام الذي ولدت فيه «نجلا» التي تكاد تكون «المحور» الرئيس الذي انطلقت منه الحكايات. لكن الرواية لن تتوقف عند موتها عام 1980 بل هي تخترق القرن لتبلغ بضعة أحداث شهدها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ومنها حرب تموز 2006 وزيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للبنان وحفلة فيروز في «البيال»... إنها رواية أشبه بـ «المتاهة»، فالواقع هنا يكاد يكون في أحيان لا واقعياً من شدة تشتت الحكايات وتداخلها وتقاطعها وإبهامها. لكن الكاتبة التي تقصدت رسم هذه «المتاهة» نجحت في شبك خيوطها تاركة للقارئ - وربما لنفسها كما للكاتبة المفترضة زاد - منفذاً ليتمكنوا جميعاً من فعل الخروج. وقد لا يكون مستغرباً اعتمادها ما يُسمى في النقد الروائي «تكرار السرد» حتى ليُظن أنها وقعت في شباك الإطالة والإفاضة، بينما هي في الواقع تسعى إلى تجسيد حال «اللايقين» الذي يهيمن على الرواية منذ مطلعها. فالراوية (الحقيقية) تبدو ضحية الالتباس الذي شمل الحكايات والشخصيات منذ أن تستهل السرد بالشك في ما ترويه، ملقية التبعة على «البطلة» زاد التي وضعت لروايتها المفترض أنها كتبتها، مقدمات عدة أو صيغاً عدة لمقدمة كان على الراوية أن تختارها. وهذه المقدمة تضع أحد الأحفاد (كمال) في الواجهة وهو يعاتب جدته نجلا قائلاً لها بعد غيابها: «ماذا فعلت بنا يا ستّي؟». ولعله على يقين بأن نجلا، الجدة غير البريئة أو المتواطئة التي كانت تردد عبارة أضحت أشبه بـ «اللازمة» التي تتكرر طوال الرواية: «كلّ الحق عَ فرنسا»، هي التي كانت سبب المأساة التي حلّت بابنتها وردة واللعنة التي أصابت العائلة كلها، وهي لعنة قدرية تجمّعت فيها لعنة الحرب اللبنانية في كل تجلياتها. وكانت الجدة نجلا قد رحلت وهي تلعن فرنسا والفرنسيين قائلة: «لولا وردة والكولونيل الفرنسي كنا بألف خير». وقد فات هذه الجدة أن تبعة مأساة عائلتها لا تقع على فرنسا بل عليها هي التي سمحت لابنتها وردة في الذهاب مع الكولونيل من غير زواج وفي ظنها أن الكولونيل سيفرج عن ضائقة العائلة ويساعد ابنها حبيب مهرّب المخدرات ويغطي أعماله ويدعمه كلما حلّت به واقعة. وقد تكمن هنا جرأة ماري القصيفي التي عمدت إلى فضح هذه العائلة اللبنانية المسيحية بل المارونية التي تنتمي إلى منطقة «البقاع» الشهيرة. ومن خلالها تمكنت من فضح فكرة «العائلة» عموماً التي كادت الحرب أن تحطمها وتشتتها وتقضي على مثالها.
وعلاوة على»المتاهة» «المركبة» بذكاء، التي وقعت الراوية والكاتبة (المفترضتان) في شباكها وهي تمثل عالماً متاهياً بذاته، فالمسألة التي تتمثلها الرواية هي مسألة «الهوية» أو «الانتماء» الذي يعني في ما يعنيه «الانفصام». والمسألة هذه تنسحب على بعض الشخصيات - الأفراد كما على الجماعة وسائر العناصر التي تؤلّف ما يُسمى وطناً أو طائفة أو جيلاً... وقد تجلّت حال الهوية المنفصمة في شخصية وردة ابنة نجلا (وكأنها ليست ابنة أبيها يوسف) التي لم يكن تأرجح اسمها بين وردة (بالعربية) وروز (بالفرنسية) إلا تأرجحاً في فراغ الاسمين أو تناقضهما. فوردة تختلف عن روز كما سمّاها الكولونيل الفرنسي المقيم في لبنان إبان الانتداب، روز التي خيّبها هذا الكولونيل وافتضّ بكارتها وجعلها بعد رحيله تنزلق إلى عالم الدعارة بعدما استحالت عليها العودة من بيروت إلى بلدتها البقاعية، وقبل أن تقع في حب ناجي الذي أنقذها من هذه الآفة. هذا الانفصام الذي أصاب وردة أصاب أيضاً أحمد، حفيد «ملفينا» (إبنة نجلا وشقيقة وردة)، فأحمد يعدّ نفسه «أحمد الأميركي»، لا وطن له ولا تاريخ، و هو كان التحق بـ «المارينز» وشارك في حرب العراق. أما الزواج المختلط مارونياً وإسلامياً ودرزياً، لبنانياً وفلسطينياً، فزاد من حدة الانفصام المعلن أو المضمر. فالشقيقة ملفينا التي تزوجت من أحمد الفلسطيني السنّي عانت الكثير من هذا الاختلاط ودفع ابناؤها ثمنه باهظاً. فإبنها شادي الضائع بين مسيحيته وإسلامه، وبين لبنانيته وفلسطينيته وقع في شباك الحرب القذرة وخطف. أما شقيقته شادية فاضطرت بعد زواجها في مصر إلى ارتداء الحجاب... أحوال الانفصام هذه، في شتى مظاهرها، هي خير دليل على الأزمة التي تتخبط فيها الشخصيات من أبناء وأحفاد، والعائلة التي تفرّعت عنها عائلات. فالشخصيات لا تبحث عن هوياتها لتؤكد انتماءها وترسخ جذورها، بل هي تعاني الأمرّين من وطأة الهوية المبعثرة والمتشظية.
مداخل ومخارج
لعل صفة «المتاهة» هي الأشد ملاءمة للإحاطة بهذه الرواية، المتعددة المداخل والمخارج، بل المتعددة الخيوط والوقائع والحكايات والكواليس. إنها رواية ثلاثة أجيال أو أربعة بالأحرى، تنحدر من شخصية رئيسة هي الأم والجدة (نجلا) وليس من زوجها يوسف الذي هو الأب والجد أيضاً. لكن سطوة نجلا طغت على يوسف حتى كادت تلغيه. إنه «الرجل» المغتاب والمحذوف أو المهمّش الذي سحقته سلطة الزوجة. «الرجل» الذي يعني غياب الذكورة وليس حضورها في هذه العائلة المارونية «البقاعية» التي هيمنت عليها أطياف النسوة. ولعل بنات نجلا لم يختلفن عن أمّهن فكنّ في مقدم الأحداث والوقائع وكأن الرواية هي روايتهن، بدءاً بوردة (روز) وانتهاء بشقيقاتها، كاميليا وملفينا وسعاد ولبنى وجولييت التي تمثل الطرف الأخير في الحكايات ومعها تبدأ في نسج نفسها...
تحفل الرواية بما لا يُحصى من المرويات والوقائع والأحداث و «الأكاذيب» الجميلة والشخصيات... فالحكاية تخرج من الحكاية، والشخصية تنسلّ من الشخصية. وهكذا يستحيل سرد جولييت (الراوية الثانية) سرداً شبه دائري، يتوالد من نفسه ثم يدور على نفسه، ما جعل الكاتبة المفترضة زاد، عاجزة عن البدء بالكتابة. وهذا ما حصل فعلاً، فالرواية تنتهي في لقطة بديعة تطل فيها زاد وهي تقرأ وكأن القراءة هي الفعل الوحيد الذي يوفر فرصة الخروج من دوامة الحكاية التي لم تكتمل. ولئن كان تهيّأ لزاد أنها أنهت كتابة الرواية وسلّمتها الى جولييت فهي ظلت على يقين أنها لم تنهِ مشروعها. فالنقص كما رددت مراراً ظل يعتري حكايات جولييت التي كانت دوماً مضطربة في سردها الحكايات واستعادتها...
يستحيل الوقوف فعلاً على ما تحفل به الرواية من أحداث ووقائع وتواريخ شهدها قرن مضى ومطلع قرن راهن هو القرن الحادي والعشرون. فالرواية أشبه بسجل حيّ للعناوين التي صنعت القرن اللبناني المنصرم وأبرزها الحرب اللبنانية التي أضحت حروباً، عطفاً على التحوّلات التي شهدها لبنان ومآسي التهجير والنزوح، وقضية الهجرة التي ابتلعت عائلات وأفراداً... لكن الكاتبة تمرّ على هذه العناوين برشاقة فلا تقع في شرك التفاصيل التي باتت معلومة ومستهلكة، بل هي تحبكها داخل النسيج الروائي الذي يظل مفتوحاً انطلاقاً من كون الرواية روايات داخل رواية. أما الخيط الذي جمع بين الحكايات فظل معقوداً وعقدته هي السر الكامن وراء انتحار روز التي كانت وردة.
هل حملت وردة (روز) سر انتحارها معها أم أن الاحتمالات التي جمعتها زاد قد تكون قابلة للتيقن من هذا الفعل القاسي؟ عندما أقدمت روز (وردة) على شرب الديمول كانت في حال من الانهيار جراء علمها بعودة عشيقها ناجي إلى زوجته بعد العلاقة القوية التي جمعت بينهما طوال أعوام. وحال الانهيار هذا قد يفسر إقدامها على الانتحار وقد لا يبرره. فلعل روز شربت الديمول خطأ وبسرعة وفي ظنها أنه ماء عندما كانت تستحم. ولعلها أيضاً شاءت أن تشرب القليل منه بغية تهديد عشيقها ناجي الذي قرر أن يهجرها... لكن والدتها نجلا التي كانت أضحت عجوزاً ظلت تلوم نفسها على وضع قنينة الديمول التي جلبها ناجي لرشّ الوردات المزروعة على الشرفة، داخل الحمام، مهرّبة إياها من الطفلة ياسمين، ابنة جولييت. وجولييت لامت نفسها كثيراً لأنها تركت أختها المنهارة وحيدة في المنزل ولم تعد إليها في الوقت الملائم. وفي يقين جولييت أن وردة (روز) لم تنتحر ولا يمكنها أن تنتحر، لا سيما أنها كانت أعلمتها أنها اتخذت قراراً بالسفر. ولعل الأمر الذي زاد من تعقّد الاحتمالات أن ناجي اكتشف أنه مصاب بالسرطان قبل قراره العودة إلى زوجته والعائلة.
يبقى سر روز (وردة) مبهماً إذاً وقد أفادت القصيفي منه لتجعله منطلقاً للسرد ومرجعاً له في آن، فحول هذا السر اشتبكت الخيوط ومنه انبثقت مغامرة البحث التي أدت إلى المزيد من الإبهام. بدا الانتحار ذريعة سردية بامتياز وشرعت الروائية انطلاقاً منه في فتح صفحات هذه العائلة المارونية البقاعية وهي صفحات ليست بيضاء دوماً بل رمادية وسوداء... فالرواية كما تبدّت ختاماً هي رواية انحدار عائلة، عائلة عرف القارئ أفرادها على اختلاف أجيالهم ومشكلاتهم الشخصية والمشتركة، لكنه لم يعرف لها اسماً. إنها عائلة لا تحمل اسم عائلة، لكنها حقيقية (وإن كانت متخيلة) لا سيما في ارتباطها ببيئتها وتاريخها الذي هو جزء من تاريخ ما قبل حرب 1975 وما بعدها.
ولم تترك القصيفي شاردة تفوتها أياً كان أثرها، فبدت الرواية أشبه بالرواية - النهر على صغر حجمها مقارنة بالروايات الفائضة... أسماء وأشخاص وأماكن وتواريخ وتفاصيل، آباء وأبناء وأحفاد، عادات وطقوس، وأحداث لا تنتهي وإن كانت هامشية أحياناً... ولعل هذا «الانفلاش» أو «التشظي» في السرد الذي قصدته المؤلفة هو الذي منح هذه الرواية فرادتها. وجاءت الشهادات الصغيرة أو «المونولوغات» التي تخللت فصول الرواية لترسّخ تعدد وجهاتها وزواياها. ولم تدع الكاتبة شخصية إلا ساقتها إلى «الشهادة» أو المونولوغ الذي يعاود إنتاج المادة السردية. وكم بدت شهادة انطوان - والد الكاتبة زاد - بديعة عندما تحدث عن جو «العصفورية»، المصح النفساني الأشهر في ذاكرة اللبنانيين. وقد نمّ فعلاً عن روح السخرية التي كثيراً ما تجلّت في فواصل عدة داخل الرواية، وهي سخرية صفراء عبثية وسافرة لا تهاب المحرمات.
قد تحتاج رواية «كل الحق ع فرنسا» مقاربة أشمل وأوسع تبعاً لمادتها الروائية الغنية، فالتفاصيل، حتى التفاصيل الصغيرة التي تعج بها، تستحق أن تقرأ وتستعاد نظراً إلى ما تمثل من أهمية سرداً وتأويلاً. وقد بلغت هذه الرواية الفريدة ذروة طرافتها في ترسيخ فعل الاستحالة، استحالة كتابة مثل هذه الحكايات التي واجهها القارئ، في رواية كانت «زاد» الكاتبة المبتدئة تحلم في كتابتها، بعدما أمضت أعواماً تجمع مادتها مما حكته لها الراوية الثانية (جولييت) وما استطاعت أن تجمعه بنفسها. ولعل هذه الاستحالة هي التي أسبغت على رواية ماري القصيفي هذه الهالة المتراوحة بين الواقعية والتخييل، بين الإحساس المأسوي بالحياة والبحث المضني عن خلاص شبه مستحيل.

الجمعة، 21 أبريل، 2017

بحيرة الدموع الزجاجيّة (النصّ الثاني والعشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)

(Pierre Auguste Cot (17 February 1837 – 2 August 1883


    اخترعتك لأنّني في حاجة إليك، وقبل ذلك لم يكن لوجودك وجود.


     أيّها العابر بين الحلم واليقظة وبين النعاس والنوم، ها أنا الليلة مشوار عبورك وأريحك من همّ السفر فوق الأسطر المنتظرة وطء الكلمات يرسمها مرورك الضبابيّ. وأقلب القلم رأسًا على عقب لأمحو صورتك المصنوعة من وهم احتفالي بك وشوقي إلى احتمال انبثاقك من بين جفنَي الانتظار.
    أيّها المصنوع من ندى صيفيّ وبروق شتائيّة، أمزّق الليلة الورقة الأخيرة من روزنامة الفصول وأسدل الستائر على الشبابيك المنتظرة وجهك، وأعلن نهاية الرواية.
    أيّها الرجل المتنزّه على صراخ الألم، والمتفرّج على انتحار اللذّة، والساخر لحظة يبكي الحنين! دعني أصدّق الليلة أنّي قادرة على الاغتسال ببكائك النهائيّ، وعلى الإقامة ولو للمرّة الأخيرة في بحيرة عينيك الآمنة كالرحم، وعلى أن ألبس دموعك ولو للمرّة الأولى جلدًا مائيًّا كغلالة عروس.
   لم أكن أعرف حين أنجبَتك رغبتي فيك أنّك قادر على البكاء، أنت الرجل الذي أغمض عينيه كي لا يراني لأنّه يخاف أن يرى، والذي كان يتكلّم كي لا يترك لي الفرصة للكلام لأنّه يخاف أن يسمع ما أرغب في البوح به، والذي كان يخبّئ يديه كي لا أرى رعشة الاشتياق في أصابعه.
   وحين فاجأتني وبكيت بدا العالم جميلاً ونظيفًا كأنّه يغتسل بماء المطر الأوّل، وبدت الدموع قادرة على محو الآلام والأحزان، كأنّك تبكي عن كلّ المتألّمين، وعن كلّ التائبين، وعن كلّ العشّاق، وعن كلّ المتروكين. بيد أنّ لحظات قليلة كانت كافية ليتبدّد كلّ ذاك الذي بدا للحظة حزينًا وحنونًا وحقيقيًّا، وإذا بعينيك الجافّتين المصنوعتين من الزجاج الملوّن الجميل تجودان بدمع غريب يحرق لكنّه أضعف من أن يشفي، يهمي لكنّه أبخل من أن يروي، يغسل لكنّه أعجز من أن يطّهر.
    أيّها المصنوع من أحلام طفلة وأوهام عجوز، حكتكَ من خيوط الكلمات التي لن تغفر لي خطيئة صنعك، لأنّ جنون كبريائك جعلك تتعالى عليها هي التي تباهت بك منذ لحظة تكوينك.
    فلتُمحَ إذًا الكتابة التي جعلت الرجال يحسدونك، ولتُمزّق الصفحات التي تمدّدتَ فوق بياضها ملكًا لا انتهاء لملكه، ولتتحطّم العناوين التي وضعتك عنوانًا لكلّ كتابة. ولتُغفر خطيئتي لأنّي جدّفت على الكلمة حين آمنت في صدق أنّ اللقاء بك أجمل ممّا أكتبه.
(نشر في صحيفة النهار عام 2003)

الأربعاء، 19 أبريل، 2017

عن رواية "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الشاعر جوزف أبي ضاهر


رواية لها مهابة أسرار المطر فوق قرميدٍ وناسٍ أشجار حياة
وردة تجاوزت الحبّ كي لا تَخسَر... العشق
جوزف أبي ضاهر
صحيفة الأنوار اللبنانيّة - 19 نيسان 2011


قليلةٌ هي الروايات التي تأسر، وتهيمن، حتّى لتجعل القارئ واحدًا من أبطالها، يُطارد ظلالاً فوق الورق، تشاكسه، وتمتنع عن بوحٍ انتظره، وتنجح في أخذه إلى حيث تريد.
أنا أحد الذين أخذتهم رواية كلّ الحق عَ فرنسا لماري القصّيفي، لأشاهد بعض ما ظننت أني شاهدته سابقًا، أو سمعت عنه، ولأشهد على أفعال غَطّاها المجتمع برماد خوفه من الألسنة والدين والعادات، وهي ما تجاوزت عتبة بيته أو قريته، وإذا ابتعدت وصلت إلى حدود غربة المدن التي تبتلع كل شيء.



حضور النساء في الرواية، حضور حسّي لحياة مضطربة. تأتي الصور من غير مصدر، ولو في تشابه، وكلّ امرأة تحتفظ بصورة أو أكثر... وحتّى الرجال، يحتفظون ببعض صور توحي بما يضمرن، من دون إفراط.
وحدها وردة فلشت حضورها. اضطلعت بدور البطولة، منذ فَرنَج اسمها أول عابر بها، قطف رغبةً، وما انتظر ثمرًا، ولو ندهته الفتنة شوقًا. تقمّص دورًا، وانتقل إلى آخر، كان له فيه من ينتظره، وعلى عكس انتظار الحاضر، الراضخ للإمتلاك بالكليّة جسدًا حُرم الوقوف في ضوء العري المبارك، من دون وَجَلٍ أو خجل.
مُلِكتْ، ولم تَملُك. الملح في الجرح دعوة للخروج من شرنقة التعثّر إلى الارتماء فوق الموج... ولتتعب الخيانة، وحدها، من التجذيف عكس التيّار.

وردة التي فرنج اسمها الكولونيل إلى روز، تجاوزت الحبّ في سيرتها، كي لا تَخسَر العشق.
القبض على الأجساد إرضاء وحاجة، في آن، واختصار غضبٍ وتعبٍ وقرفٍ ما استطاعوا اقتلاعها من حديقة العائلة، والممرات النابت فيها الشوك.
بعد زيجة لم تتم وانتهاء خدمة الكولونيل، وعودته إلى عائلته في فرنسا، خلعت روز جسدها ونشرته في الشمس، ليجفّ من رائحة كانت المسام اشتهتها، وما عادت خرجت.
ذاكرة النساء مثل ذاكرة المسام، تحتفظ بالأحداث، وتسمح بإظهار ما لايطالها بذنب، أو بِرَدّ فعل أو انفعال.
قد يُظن أن ذاكرتهم كتاب فُتح على وجوه، لكن اللهاث، هربًا من الإجابة، يُشكّل ضبابًا كثيفًا يضمن له الحماية.
لم تهرب وردة روز من الأصوات والعيون والريح التي لاحقتها عاصفة.
هربت مما في داخلها، تعبت مما لم تملك، وهي التي مَلّكت. شعرت بهزيمة لا غفران في الانقلاب عليها، أو التخلص منها، إلا بدخولها، وفعلت.

صحيح أن وردة هي زهرة الكتاب الذي فلش أوراقه من زمن الانتداب الفرنسي على لبنان، في النصف الأول من القرن الماضي، مرورًا بالنصف الآخر منه، والحرب... وربما إلى الآن، وما تزال بعض الأوراق تنتظر حبر الذاكرة، لتخرج لابسة امتداد حكاية هي نمط حياة كاملة لمجتمعات متداخلة بعضها ببعض، ولرغبات يختلط فيها واقع الحال، بتداعيات أحلام لم تكن كلّها بنت مخيّلة، بعضها صُنِع وحقّق مآرب، ولو على حساب رومنسية أصيبت بخيبة ميول تَعرّت، وتحوّلت في اتجاه معاكس، وجاء القبول تعوّدًا.
صحيح أن كلّ امرأة تُحبّ أن تأخذ الحكاية إليها، وأن تكون هي بطلتها، لكن هذا لا يعني أن الباقيات تركن حَقّهن يضيع، وخرجت كل واحدة إلى الضوء بما سمح لها موقعها.
الأم التي غضت طرفًا، لترتيب زواج لابنتها وردة من الضابط الفرنسي، لم تستسلم للنتائج. منعت الفضيحة من الدخول إلى مجتمعها وبيتها، وحوّلتها إلى نعمة استفادت منها ماديًا، وخصوصًا بعد امتهان روز لجسدها.
وفي مشاهد تشبه مجتمعًا بتناقضاته، حدثت في العائلة زيجة مختلطة، وزيجة من شريكين غير متكافئين، ودخل الابن الأكبر مهنة تهريب المخدرات قبل أن يشبّ، وحظي برضى الأم التي أخذت الغلّة وباركت، إلى الحرب وجنون القتل والقنص والخطف فالعصفورية وسكّانها من المرضى، ومن يُظن انهم أصحاء، إلى تأثير الدين والتطرّف والممارسات، والدخول في العادات إلى حدّ إلباسها مهابة من القدسيّة، وصولاً إلى نهاية لا تضع نقطة في آخر النص، ولو كانت انتحارًا، فتستفيق الذهنية الجماعية التي تُسقط الخاص على ما عداها، وهي منه في الصميم.
قصة وطن، قصة مجتمع، قصة طوائف ومذاهب وتناقضات تمثّلها قصة عائلة، وعائلات في كلّ زمان ومكان.

هدهدت الكاتبة الكلمة في نصّها، دلّلتها، صيّرتها نغمًا، زهرًا، عطرًا لا ينزل إلا على جسد تمرّد ظاهريًّا، ثم ضعف واعترف.
القلم أطاعه الجمال صياغةً، فإذا النثر في موقعه البهيّ تألقًا، تأتيه الأفكار ناضجة، لثقة تصل بها إلى الكتاب المشرّع على السفر إلى الضوء.
صناعة النص لدى ماري القصّيفي تأخذ خصوصيّة الجوهرجي، وكأنها من عصب يتسارع، يجيء، قبل أن يهدأ من فرط ما حمل من مشاعر وأحاسيس، هي من النِعَم هويّة وميزات، لنا منها حظّ المطلِّ الناظر إلى المدى، حيث تغيب شمس، لتشرق أحلام الحكايات في مدن، وفي ضياع تقابلها.
أما الأسلوب فما عرف العادي من السرد، إذ لا كلمة في غير موقعها، ولا عبارة شابها نقص في مضمون، أو في شكل يُحسب له الحساب في نص، قصر أم طال، إنه الضرورة في الكتابة.
تنوع في بلاغة، يزيد في التماع لسكب نهر من السواقي يصل إلى مصبٍ في بحرٍ تأخذ الرواية منه مكانتها، وتعبر، من واقع إلى واقع، وبين الاثنين ما جُمع من حقيقة، أو مخيّلة، ومن خصوصيّة هي لبّ، من دونه يقع النص في مجانيّة لا حياة دائمة فيها، ولو تَجمّلت.

لحكاية كلّ الحق عَ فرنسا مهابة أسرار المطر، فوق صخرٍ، فوق ترابٍ، فوق قرميدٍ وناسٍ أشجار حياة، لكلّ شجرة زهرها وشوكها وثمرها ونكهة الحضور في العين والفم والقلب. وأما العقل فلا يبتعد عن دور له، أَظَهَر فوق بياض الورق، أم تخفّى.

كلّ الحق عَ فرنسا رواية ماري القصّيفي، منشورات دار سائر المشرق في 337 صفحة من القطع الكبير.

الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

حقيبة الهزائم (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)



 حقيبة الهزائم
أغادر علاقتنا كما يغادر الجنديّ بيته ويمضي إلى مصيره الغامض
أترك خلفي سنابل قمح تشقّ العتمة وتعانق الضوء
وسريرًا لا يزال يحمل دفء رغبتي في البقاء
لكنّي أعرف أنّ موعد الرحيل اقترب
ولا حصّة لي في الحصاد
وأنّ الطريق تنتظرني لتقودني إلى حيث أنت 
حكاية تنتظر أن تصير قصيدة.
أغادر قبل أن يغدر بي الوقت
وقبل أن أغدو عاجزة عن ترك المكان الأليف
أرحل كما ترحل طيور تقودها غريزة البقاء
ولا تعرف إن كانت أجنحتها لن تخونها
أمضي كما كان مقدّرًا لي أن أفعل
أترك خلفي ضحكاتِ أطفال
وأغنياتِ أعياد
وأعراسًا لن أشهد على زغاريد فرحها
أبتعد كي يخلو المكان من قلق لم يتركني مذ عرفت أنّ قدري هو العبور في حياة الناس
كما تعبر النيازك التي تولّد الأمنيات وتنطفئ
أحمل جسدي التعب وأمشي بلا أثر أو خيال
أتدثّر بصمتي الحبيب فلا يراني القمر
وأغيب في عتمة تعيد تكويني لأولد من جديد
***
في حقيبة الهزائم وضعت خيبتي الجديدة
هناك إلى جانب الحبّ الأخير
والحظّ العاثر
والأمل الواهم
وبعض الانتصارات المخادعة
جعلت لخيبتي الجديدة مكانًا آمنًا
فلا أفقدها في رحلة الأيّام الآتية
ولا أضيّعها حين أبحث عنها لأشكرها على رفقتها الدافئة
ووفائها الدائم
وعلى مساهمتها الكبيرة في جعلي أكثر حكمة وأكثر سكينة
***
أغادر علاقتنا
والمغنيّةُ العجوز تستدعي بصوتها الشجيّ أرواح العشّاق الذين ماتوا من الحبّ
وأغصانُ الأشجار تتعانق كي لا تشعر بالوحدة في ليل الرحيل
تبكي السماء بالنيابة عنّي
ولكنّ بضعَ حبّاتٍ من المطر ارتأت أن تبلّل عينيّ
كي تخفّف عنهما لهبًا يحرق جفونهما
فيرتدّ لهب الحريق إلى الداخل
ولا دهشة
أنأى في المسافة
العينان إلى الأمام والقلب يغور ولا يلتفت
ينمو الشيب على مفارق الدروب
تتجعّد بشرة الأرض
ترتجف زهرة الحقل
والجنديّ يعرف أنّ في انتظاره مهمّة جديدة في أرض غريبة
***
أهمس في أذن الجنديّ الذي يشبهني أنِ استرح
واعتزل القتال في عالم يحتفي بالجبناء
ويهلّل للمجرمين
ولا يبالي بالأبطال
ارمِ قضيّتك في الوحل وامض نظيفًا خفيفًا حرًّا
يحثّ الجنديّ الذي يشبهني خطاه
ويسرع لعلّ ضربات حذائه على الدرب تغلب صوتي
يفكّر أنّ الأبطال الحقيقيّين هم الموتى
فليكن موت
ولتكن قيامة
لعلّ الخلاص يأتي
***
أغادر علاقتنا كما يغادر ثوبي الأبيض علاّقة الثياب في الخزانة
تهتزّ قليلًا قبل أن تستقرَّ عارية بلا ثوب
كما تغادر مفاتيح البيوت القديمة علّاقاتٍ خائنة
بعدما تخلّعت الأبواب
كما تغادر آلاف الحيتان المحيطات الصاخبة
لتموت في سكينة الشطآن
أغادر قبل أن تغدر بي الخيبة
أحمل حقيبة الهزائم
وأمضي كجنديّ لا يعرف إن كان سيعود
حقيبتي الوسادة
حقيبتي المقعد
حقيبتي الملجأ
حقيبتي المتراس
حقيبتي النعش
تحملني وتمضي بي خارج إطار العلاقة
لأصير صورة عارية على سور المدينةِ الملعونة
مضطهدةِ الرسل والأنبياء والشعراء
وهناك
على الحائط المنخور بالملح
في مواجهة الزبد الأبيض
يحوّلني الانتظار أيقونة عجائبيّة
 تقصدها نساء الشرق العاشقات
لترى كلّ واحدة منهنّ وجهها

إلى عاصي ومنصور الرحباني - 2015


27  تشرين الأوّل 2015

صيّف الصيّف بس أكيد رجعتنا صارت بعيدي كتير،
ونسّم الهوا ويا ريتو ما نسّم لأنّو فاحت ريحة الزباله والدخّان،
ودخيلِك يا دني لا تشتّي أحسن ما يزيد موسم الأمراض والأوبئة،
وما بدّي حدا يزرعني بأرض لبنان لأنّها ملوثة وموبوءة...
ودرج الورد صار مدخل بيوت كتيري... بس برّات لبنان،
ومنيح يللي ما كنت أنا وحبيبي وحدنا بالبيت، الأبعد بيت، لأنّو كانو جماعة داعش قتلونا...
ومبلى لازم تخافي ع سالم البردان بجرود عرسال، ومتروك جوعان وفزعان...
وبتتلج الدني وبتصيّف الدني وما في شي رح يتغيّر...
والقمطة العنبيّة لبستها البنت الأثيوبيّة ت تنزّل تنزّه الكلب بالبرد...
ولمّا سألت حبيبي لوين رايحين جاوبني: خلص وصلنا ع الهاوية...
وبيتي صار بيوت الكلّ ما عدا بيتك يا الله، وبالحالتين ما إلي حدا...
والسمرا إم عيون وساع شفتها آخر مرّة ع المطار مهاجرة...
وقمرة جرّبت تطلع ع الشجرة بس ما لاقت ولا شجرة، مع إنّو حبيبا وصّاها تضلّ بالبيت أحسن ما حدا يعتدي عليا...
وكان لازم كون أنا لحبيبي وحبيبي إلي، بس العصفورة البيضا ماتت قبل ما نلتقي...
ولمّا رحت ت إكتب إسمو ما لقيت لا حور عتيق ولا رمل ولا زهرة للكتاب والمزهريّة...
ودمع الزهر نزل دمّ من همّ العمر ومواسم العصافير صارت قصيري والبحر الكبير صار مقبرة الهاربين...
ولمّا جرّب الهوا يدقّ ع الباب ما قدر لأنّو بوابنا صارت مصفّحة أحسن ما حدا يهجم علينا...
وحدّ القناطر كان محبوبي ناطر لمّا انخطَف واختفى وما عدت عرفت شي عنّو...
وكان كلّ عمرو بدّو القمر من السما العاليي ولما طلعت ع السطح ت جيب القمر صابتني رصاصة طايشي...
والجبل البعيد يللي كان خلفو حبايبنا ما عاد جبل ولا بعيد لأنّو الكسّارات أكلتو وبعدين صار مكبّ نفايات وما عاد خصّو بجبل الغيم الأزرق ولا قمر الندي والزنبق...
وجيراني بالقنطرة هاجروا من زمان وما عاد في حدا حتّى الصدى...
يا عاصي ومنصور
الله يسامحكن...