من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - رئيسة قسم اللغة العربيّة في مدرسة الحكمة هاي سكول

الخميس، 23 أبريل، 2015

وزارة التهذيب والتعليم... لا التربية والتعليب



التربية في اللغة تعني التهذيب... فالمربّي هو المهذِّب!
والتثقيف في اللغة هو تقويم الرمح، واستعير المعنى لتهذيب النفس، أي تقويم اعوجاجها. 
لن ندخل أكثر من ذلك في معاني الكلمات المتعلّقة في مجال التربية والتعليم والتثقيف، كي لا نحيد عن جوهر الموضوع، وهي التمييز والربط (في وقت واحد) بين التعليم والتربية والثقافة.

1- لا يعرف أكثر القيّمين على شؤون التلامذة كيف يفصلون في المعنى والتطبيق بين التعليم والتربية. أو على الأقلّ لا يعرفون كيف يحوّلون النظريّات التي تعلّموها واقعًا معيوشًا، لا صراع فيه على صلاحيّات، يذهب المتعلّم ضحيّتها كيفما انتهت الأمور.
ومن نافل القول التأكيد على تداخل المفهومين، فالمعلّم مربٍّ والمربّي معلّم. ولكن عند التطبيق نجد من الضروريّ فصل المسارين لإعطاء كلّ ذي وظيفة حقّه. فالتربية تساهم في تحضير التربة حول المتعلّم الذي يمكن تشبيهه بشجرة يانعة. أي إنّ مدير المدرسة يهيّئ الفريق التربويّ في مدرسة ما كمزارع يختار التربة الصالحة لاحتضان هذه النبتة أو تلك، أي إعداد كلّ ما يسمح للمتعلّم بتلقّي العلم: نظام، نظافة، هدوء، إضاءة، مراقبة الشأن الصحّي، حسن سير المنهج، توزيع برنامج الامتحانات، تنسيق الأنشطة، مراقبة الملعب، العلاقة مع الأهل... فيأتي الفريق التعليميّ (منسّقون ومعلّمون) ويضع في هذه التربة، عند جذع النبتة وجذورها الغذاء الضروريّ والمناسب، ويعالج أمراض ضعفها، كي تستقيم حياتها، فيمدّها بالغذاء والمياه، لتنمو النبتة  بثبات وعافية، وتصير شجرة يجري نسغ الثقافة في جذعها وأغصانها وأوراقها وثمارها... بعدما حوّلت ما في التربة وما أعطيت من عناية إلى عصارة حياة.
فلا تضارب مصالح ولا نزاع على السلطة، ولا تدخّل أحد في شؤون أحد، بل تعاون وتكامل من أجل تأمين بيئة سليمة ينمو فيها المتعلّم/ الشجرة.
فإن كان المدير التربويّ/ الإداريّ يعمل بشكل أفقيّ على مستوى القسم الذي يدير شؤونه، ومنسّق المادّة يعمل بشكل عاموديّ من أصغر الصفوف إلى أعلاها... فليس كي تُصلبَ المدرسة على تقاطعهما...  

2- التربية تسبق التعليم. لذلك فاسم الوزارة المعنيّة عندنا مثلًا هو وزارة التربية والتعليم العالي. كأنّ المقصود القول أنّ ثمّة ما قبل التعليم الجامعيّ "العالي" مرحلة طويلة من الإعداد النفسيّ والجسديّ والعقليّ والروحيّ والاجتماعيّ... لجعل التلميذ حاضرًا للانتقال إلى مرحلة طلب العلم، فيصير طالبًا جامعيًّا. لذلك فإعداد شخصيّة التلميذ في مرحلة الدراسة ما قبل الجامعيّة أهمّ من كمّية المعلومات التي يملأ بها رأسه. وفي هذا العصر تحديدًا صارت التربية أكثر أهميّة مع انتشار المعلومات عبر الإنترنت ووسائل التواصل والإعلام والإعلان... فمن السهل أن يجد التلميذ معلومة لكن من يعلّمه أو يربّيه على استخدامها في سبيل خيره وخير البشريّة جمعاء.

3- ليت في الإمكان التخلّي عن مصطلح التربية لصالح مصطلح التهذيب... تهذيب النفس والعقل وتعويدهما على الجمال والحقّ والخير والمحبّة وطلب المعرفة. أو ليت في الإمكان إلغاء تعبير "تربية الحيوانات"... لنفصل في اللغة العربيّة أوّلًا وتحديدًا بين تهذيب الإنسان والاهتمام بالحيوانات... وإلّا اختلطت الأمور وكُرِّم الحيوان وأهين الإنسان...

4- التهذيب يعني في ما يعنيه الاحتفاظ بالشخصيّة الأساس (للمتعلّم)، ثمّ العمل على تشذيب (كما نفعل مع الأشجار) الزوائد والشوائب التي تعيق النمو... فما من مزارع يشذّب شجرة أو نبتة فيقضي عليها... إلّا كان جاهلًا ... ولا مكان للجهل مع العلم...

5- الضبابيّة التي تحيط بهذه المسألة تضع العمل في الشأن التربويّ والتعليميّ في متاهة كبيرة، تلهي العاملين عن الاهتمام بالتلميذ لأنّ الجميع مشغول بالبحث عن مَخرج. ولا ينفع الاستشهاد بالنظريّات عند التطبيق إن لم تكن الأرضيّة مهيّأة لتلقّي هذا الكمّ من المعلومات التربويّة والتجارب التعليميّة. فلو استغلّ المدير التربويّ وقته في إعداد الأرض حول الأشجار تاركًا للمهندس الزراعيّ أي المسؤول عن الموادّ التعليميّة أن يمدّها بعصارة خبرته... ولو وضع المسؤول عن المادّة معلوماته في خدمة العمل الفريقيّ، لكانت ثنائيّة العمل أنتجت مواسم خيّرة واعدة، تتدفّق فيها عصارة العلوم والآداب والفنون والرياضة دمًا جديدًا اسمه الثقافة.

6- نأتي هنا إلى ما يسمى بالأسبوع الثقافيّ الذي باتت المدارس تتنافس في الإعداد له والتباهي به ونشر أخباره في الصحف. الأسبوع الثقافيّ ليس أمرًا منزلًا، أو طارئًا، أو غريبًا، يُقحم إقحامًا في الجسم المدرسيّ. بل هو نتيجة مسيرة تبدأ الخطوة الأولى منها في أوّل يوم وصل فيه التلامذة إلى المدرسة مع بداية السنة... لتنتهي رحلة الألف ميل في أسبوع يأتي تلقائيًّا، وعفويًَا، وطبيعيًّا، بلا بهرجة مخادعة أو مهرجانات صاخبة أو فورات غضب أو تنافس أو تسابق أو توتّر أو تعب أو عتب... وإلا ضاع الهدف الأوّل منه وهو تثقيف النفس أي تهذيبها. 
وما من موضوع محدّد للأسبوع الثقافيّ... فالثقافة التي تتنوّع تعريفاتها، ويختلف الفلاسفة والدارسون والمفكّرون في تحديدها، يمكن وضعها في أبسط وجوهها مع المتعلّمين في المدارس... أي هضم ما تعلّموه ليصير جزءًا منهم... فالثقافة لا تميّز بين علم وأدب وتاريخ وفنّ وجغرافيا... ولا فضل فيها لمادّة على أخرى، ولا هيمنة للغة على سواها، بل انصهار كليّ في بوتقة واحدة اسمها المتعلّم، هو في البداية والنهاية نقطة ارتكاز العمل التربويّ وغايته.

7- لعلّنا في أمسّ الحاجة إلى ثورة تربويّة، لا ترى بين تربية الأولاد وتربية الحيوانات الأليفة شبهًا ولو بسيطًا، ولا تجعل التعليم على قياس مسؤول أو معلّم أو مراقب أو مناظر، ولا تخاف من التغيير والتحديث والاعتراف بالخطأ، ولا تدّعي الكمال أو نهائيّة المبتغى...
ثورة تربويّة لا تقديس فيها لمعلّم، ولا خوف من أهل تلميذ، ولا صنميّة لمنهج، ولا تبعيّة ولا تقليد... 
ثورة تربويّة تمقت "الدروس الخصوصيّة" وتعاقب مرتكبيها،
ثورة تربويّة تجعل التلميذ يرغب في المدرسة لا راغبًا عنها،
ثورة تربويّة تعيد الاعتبار للشعر على أنّه لغة الله، وللأرقام على أنّها وسيلة لفهم العالم والتفاهم معه لا غاية تُبرّر الوسائل من أجلها،
ثورة تربويّة تسعى لتهذيب عقول الناشئة لا لتذهيب إطارات الشهادات...
ثورة تربويّة ضدّ الظالم أيًّا تكن طائفته وجنسيّته، ومع المظلوم إلى أن يحصّل حقوقه...
ثورة تربويّة من أجل تعليمٍ لا تنتهي صلاحيّة استخدامه لا الاكتفاء بتعليبِ أفكار وعقول في كبت التحجّر والخوف...
ثورة تربويّة شعارها الحوار لا التلقين، التقدّم لا النجاح، التعلّم لا العلامات، الفهم لا الدرس، الاكتساب لا الامتحان، الغناء لا الببغاء...
وبغير ذلك... يبدو مشوار التغيير طويلًا وشائكًا ومرويًّا بدموع أطفال يرون المدرسة سجنًا... فينتقمون منها عند التخرّج، تكسيرًا وتخريبًا... 

قراءة نقديّة للأستاذ ميشال مرقص في أقصوصتي "عاهرة باب أوّل"


الأستاذ ميشال مرقص في حفل توقيعي مجموعتي "أحببتك فصرت الرسولة"

لا يريد الكاتب سوى أن يُقرأ...
شكرًا أستاذ ميشال مرقص على وقتك ودراستك القيّمة.
***
قصصُ ماري القصّيفي نباهة كاملة متكاملة
تُقاربُ أمراض المجتمع وفساده بجُرأةٍ وسموٍّ

أشدُّ ما يُلفت في أدب ماري القصّيفي، النباهة الكاملة، واقتحامها للتفاصيل بل الجّزئيّات في عصر "النانو"، هي البارعة في تصوير البيئة المحليّة بريشة الرسّام العبقريّ، والكاميرا الإلكترونيّة ... حيثُ تُبرزُ مسرح الأحداث وسلوكيّات الأبطال – في قصصها- حيّة تعيشُ معنا، بل تلمسنا...
في أقصوصتها، "عاهرة باب أوّل"، نعيشُ هذا المُحيط المتميّز، تنقلنا بصدقٍ إلى أجوائه، لكن يتقدّم الغوصُ في إبراز المكامن البشريّة، إنطلاقًا من الإنتباه إلى النفسيّات... والالتفات إلى واقعٍ إجتماعي لم يَعُد يُثيرُ ريبةً ولا رفضًا، بل صار "الجنسُ الراقي"، مصدرً مالٍ وثراء، ومهنَة حُرّةً من بين مهن الهندسة والمحاماة وطب الأسنان وغيرها...
وللمهنّة – ليس فقط أصول الممارسة المباشرة – بل أصول المهنة الراقيّة، في مقاربة التحليل النفسيّ... المرأةُ في المكتب لا توحي ببيع الجنس، بل هي تُضاهي في منطق كلامها مفاهيم "عالِم الاجتماع" الهارب للمرّة الأولى نحو تجربة مختلفة، كأنما هو الإنسانُ الأوّل، أمام إغراء حوّاء... تتنازعه رغبتان: رغبة الاستطلاع، ورغبة الجنس السرّي...
وبقدر ما هو عالِمٌ في أصول البحث الاجتماعيّ، فإنّه لا يُضاهي "مديرة" مكتب الخدمات الجنسيّة، المثّقفة كعالمة نفسٍ تحليليّ، أو عالمة اجتماع، هو لا يضاهيها معرفة، كلُّ موضوعٍ لديها، له إطاره الخاص وأبعاده لتحقيق النشوة المرتقبة مثل حُلمٍ هاربٍ من ملمس الجوهر...

ماري القصّيفي، تبرعُ في الرسم والتصوير والتحليل والتفصيل والتقصّي والغور إلى عُمق الذات البشرية، برهافة ريشةٍ تنقلها رياحٌ ناعمة... تسوقُ الأحداثَ، لتنتهي إلى كون "عالِم الاجتماع"، المعنيّ بدرس سلوكيّات الآخرين أفرادًا ومجتمعات وتطورات أو ماضيًا وإتنيات وأديانًا وتطورًا تاريخيًّا وغيرها، لا يرى ما هو قربه، يهتمّ بالآخر، يكشف عن تصرّفاته وسلوكيّاته، يسعى إلى تحقيق لذّة عابرة، ولو هي "تجربة أولى"... لدى الآخر...
فيما الدعارةُ الباب أوّل، هي لديه قربه...
وقد تنتقل الثنائيّة إلى "زوجة العالِم"... قد لا تكون مقدّمة جنس باب أوّل مع زوجها، بل مع غيره... من هنا فإنَّ أهميّة تقصّي مكتب الخدمات الجنسيّة، في الكفّة الثانيّة من ميزان التقصّي الاجتماعيّ، في كونها تسبق عالم الاجتماع إلى فراشه الزوجيّ ... وتُنوّه بخدمات زوجته الجنسيّة...
وتهدفُ الكاتبة ماري القصّيفي إلى لفت عالِم الاجتماع، وما يُحيطُ به، من كون العُهر لا يكون في تقديم المرأة أو الرجل خدمات جنسيّة، بل هو "بعد البحث والتدقيق" وجدنا أنَّ زوجتك "بلسانها السلّيط وأخلاقها السيّئة وعقدها النفسيّة وأقاويلها الكاذبة وتمسكنها المخادع ونميمتها الغبيّة، تمثّل العهر الحقيقيّ الذي يخرب البيوت والعلاقات!" بشهادة أهله وأهلها وجيرانهما ومعارفهما وزملائهما، ولا شهادةَ أثبتُ من شهادة الأقربين...
وتفتح ماري القصّيفي، الباب على فساد المجتمع والأخلاق، وفي هذه الأقصوصة تُلفت إلى الاغتياب، وألسنة السوء، والدعارة القياسيّة في البلد، وزبائنها، فماذا لو "تكتبُ عاهرةٌ مذكراتها"؟ ألا يُغرقها كبارُ القومِ بالمالِ لتصمت ويجندون الاستخبارات ليضيّقوا الخناقَ عليها...
ويبقى في ميزان العهر رئيس جمهورية، مثل فرنسا – والفرزدق في هجاء جرير...

ماري القصيّفي – موهبتُكِ تاجُ هذا الشرق ...


ميشال مرقص

الأربعاء، 22 أبريل، 2015

بابوج الأرمنيّ ولا طربوش التركيّ


الصور عن صفحة الصديق
https://www.facebook.com/garabet.tahmajian





   * البابوج، كلمة فارسيّة تعني الخفّ أو الحذاء الذي يُنتعل في البيت، والطربوش كلمة تركيّة تعني غطاء الرأس... 
***
     معيبٌ أن نحافظ في لبنان على ألقاب وهبها العثمانيّون الأتراك لرجال قدّموا خدمات، لن نعرف الكثير عن نوعها وأهدافها وخفاياها في ظلّ التعتيم التأريخيّ الذي تفرضه توازنات البلد الطائفيّة والمذهبيّة.
    فأن يفتخر بعض اللبنانيّين بأنّهم من الأمراء أو البكاوات أو الباشوات، أو أن يصرّ أصحاب الوظائف الكبرى في البلد على تصدير أسمائهم بألقاب مثل "فخامة" و"سعادة" و"عطوفة" و"معالي"، أمران يشيران، في ما يشيران، إلى ما فعله الحكم العثمانيّ بالشخصيّة اللبنانيّة وهويّتها، قبل أن يكمل الانتداب الفرنسيّ والعولمة الأميركيّة على ما تبقّى.
     في فرنسا نفسها تمّ التعامل مع عملاء ألمانيا، بعد الحرب الثانية، كخونة يجب تجريدهم من حقّ المواطنيّة، بينما نحن في لبنان، ابن فرنسا الحنون بالنسبة إلى كثيرين، نجد للخيانة تبريرات ونبحث لها عن تفسيرات. ومن شاهد حلقة "تحقيق" التي عرضتها قناة الـMTV عن مجاعة الحرب العالميّة الأولى عرف كيف أنّ الذين ساهموا في تجويع الناس هم بعض تجّار البلد عهدذاك، وهم الذين يملك أحفادهم اليوم ثروات غنموها من حاجة الناس إلى الطعام. ولو كنّا شعبًا يحسن المحاسبة لكنّا طالبنا بمحكمة دوليّة لمعرفة من جوّع شعبنا وتتكتّم الوثائق على نشر هويّته (هويّاتهم).
    *****
    الأرمن فعلوا ما لم يفعله اللبنانيّون وسواهم من ضحايا الإبادة التركيّة، ولا ما فعله الفلسطينيّون حين أجبروا على ترك بلدهم.
    الأرمن لم يتناسوا كما فعل اللبنانيّون، ولم يحملوا السلاح كما فعل الفلسطينيّون... الأرمن عملوا بصمت مدوٍّ، وها هو العالم اليوم يعترف بالإبادة ويعلن معهم الحداد على مليون ونصف شهيد أرمنيّ... مليون ونصف قدّيس أرمنيّ... بينما فلسطين لا تزال معلّقةً على صليب اليهود، واللبنانيّون ضائعين في صراعات المنطقة التي لن تنتهي.
    في ذاكرتنا، عمل الأرمن في صناعة الأحذية والذهب وفي التصوير الفوتوغرافيّ ... كأنّهم منذ أجبروا على ترك أرضهم حفاة عراة، قرّروا أن يصنعوا لأقدامهم ما يساعدها على العودة، ولجيوبهم ما يملأها مالًا يقيهم شرّ العوز والحاجة، ولعيونهم أن تسجّل وجوه الناس وتاريخ الأرض في صورٍ تقضّ مضجع الذاكرة. تقوقعوا على أنفسهم خشية وريبة، وحين خرجوا إلى المجتمع الواسع اكتشف اللبنانيّون أنّ ثمّة شعبًا يخاف ولا يخيف. يخاف على لغته وتاريخه وشهدائه، ولا يخيف إلّا من لا يفهم خوفهم. كرهوا اللغة العربيّة بداية لأنّها، كما أوضح لي أحد الأصدقاء، تعني بالنسبة إلى الجيل الأوّل المسلمين، والمسلم يعني التركيّ، والتركيّ يعني من أراد إبادتهم. مع الوقت، بدأت الأجيال اللاحقة تتعرّف على المسيحيّين العرب، وعلى العرب المسلمين غير العنصريّين، وقرّرت أن تشرح القضيّة الأرمنيّة للعالم باللغات كلّها، والعربيّة من ضمنها.
    *****
    في طفولتنا، كانت المخيّمات الفلسطينيّة مخيفة (حواجز مسلّحة، وجوه واجمة، ملابس عسكريّة...) لم يخطر لنا أن نرى فيهم ضحايا... وبرج حمّود، معقل الأرمن، كان مجموعة متاجر يجلس على أبوابها عجائز يشبهون جدّاتنا وأجدادنا، وفتيات جميلات يبعن الحليّ والملابس والأحذية... لم يخطر لنا أن نسأل عمّا خلف الواجهة...في المخيّمات الفلسطينيّة لغة عربيّة تخيفنا لأنّنا نفهمها، وفي الكانتون الأرمنيّ لغة لا نفهمها لكنّها لم تكن تخيفنا وإن كنّا نجهل سبب التكلّم بها أمامنا.
    المخيّمات الفلسطينيّة كانت فقيرة معدمة بائسة صاخبة، بينما المساعدات تصبّ في مصارف العالم وأرصدة القادة. برج حمّود كان نظيفًا ومرتّبًا ولم يشر أحد أمامنا إلى مساعدات تُطلب أو إعانات تصل، أو حكومات عربيّة وعالميّة وجنوب أميركيّة ويساريّة تساعد... كان الأرمن وحدهم في مواجهة العالم.
    أقليّات أخرى هجّرها الأتراك (سريان، أشوريّون، كلدان)، الأرمن وحدهم من بينها فرضوا أنفسهم على الساحة الدوليّة وأجبرونا على تعلّم دروس الهويّة والانتماء والعزيمة والإصرار.
     لعلّنا اليوم، وفي وقت تقضّ ضمائرنا مشاهد العنف في لبنان وفلسطين وسوريا واليمن وليبيا، لا نحتاج إلى مزيد من صور الضحايا، فالجائع حين يصير جلدًا وعظامًا يشبه جائعي الأرض، والميت حين تتناشه الذئاب يشبه الموتى في كلّ مكان، والطفل الباحث عن يد أبيه واحدٌ مهما كانت لغته أو أرضه، والمرأة المغتصبة امرأة واحدة لا تزال الذكورة المريضة تعتدي عليها منذ أوّل حرب.
     لا نحتاج إلى صور أخرى عن بشاعة الإنسان وما قد يفعله الإنسان بنفسه وبالآخر وبالكائنات والطبيعة والجوّ والسماء والأرض...، بل نحتاج إلى مرايا، مرايا كثيرة، ننظر إلى وجوهنا فيها، فقد نرى، في ومضة ألوهة، أنّ سماءنا تبدأ هنا، وجحيمنا أيضًا... فإمّا أن ننتعل بابوج الأرمنيّ (بما يحمله المعنى من دلالات أبعد من الحَرف) ونمشي نحو الحريّة، أو نعتمر طربوش التركيّ (بما يحمله المعنى من دلالات أبعد من الحَرف) وفي رقابنا حبل المشنقة...  
     

السبت، 18 أبريل، 2015

عاهرة باب أوّل (قصّة قصيرة)

Aleister Crowley


     اليافطة الأنيقة الخفرة بدت في غير مكانها. ففي مدخل البناء الفخم، وعند بوّابته الإلكترونيّة النظرات، لا يتوقّع المرء أن يجد كلّ يوم، بين يافطات مختلفة الخطوط واللغات لأطبّاء ومهندسين ومحامين، واحدة تعلن عن مكتب للخدمات الجنسيّة. 
     لكن هذا ما حدث للأستاذ الجامعيّ الذي كان يلج المكان للمرّة الأولى، قاصدًا طبيب أسنان أرشده إليه زميله في التعليم. 
     بُهت الرجل الأربعينيّ حين وقعت عيناه على اللوحة ذات الخطّ المرسوم بعناية فنّان وذوقه: خدمات جنسيّة راقية - ط 3، وراح يتساءل كيف يرضى أصحاب الشقق الأخرى بوجود بيت دعارة بينهم، وكيف تكون الخدمات الجنسيّة الراقية في مكان يقصده زوّار وضيوف لا يتوقّعون أن يجدوا شقّة مشبوهة بين مكاتب وعيادات محترمة.
     أفكار كثيرة تصارعت في رأس الدكتور وهو يقاوم رغبته في استكشاف هذا الأمر، مقنعًا نفسه بأنّ من واجبه كأستاذ للعلوم الاجتماعيّة أن يعرف ماذا يجري في هذه المدينة الملأى بالعجائب والغرائب. فلعلّ الموضوع يصلح لاحقًا مادّة لكتاب جديد وعد ناشره بإعداده لمعرض الكتاب المقبل.
     باب غرفة الناطور نصف مغلق، وما من حركة تشير إلى أنّ أحدًا سيلاحظ أنّ الدكتور سيضغط على زرّ الطابق الثالث. ثمّ إنّه غريب عن المبنى، ولن يعرفه أحد فيه، وسيسهل عليه أن يقول إنّه أخطأ في الطبقة، إن وَجد في المشهد كلّه ما يثير الريبة أو ما قد يحرجه.
     في الطبقة الثالثة، ثلاث شقق: مكتب محاماة، مكتب الخدمات الجنسيّة، ولا يافطة تشير إلى وجهة استخدام الشقّة الثالثة التي بدا بابها مغبرًا عتيقًا كأنّها غير مأهولة.
     على باب شقّة الخدمات، دعوة بخطّ صغير تطلب من الزائرين قرع الجرس والدخول. وهذا ما فعله عالم الاجتماع.
     استقبله صوت فيروز، فتراجع إلى الخلف خطوتين ليتأكّد من أنّه لم يخطئ في العنوان. وكاد يهرب خجلًا من صوتٍ حنون ينطلق من حيث لا يدري ليقول بلهفة صباحيّة صادقة: تبقى ميّل تبقى سآل، متل الأول ضلّ سآل... وحين تأكّد من أنّ الشقّة هي فعلًا شقّة الخدمات الجنسيّة تساءل عمّا تفعله فيروز هنا!!!
     المكان غارق في الضوء، ونباتات جميلة ونادرة تتوّزّع الزوايا، ومكتب أنيق إلى يمين المدخل، ولا أحد خلفه. لكن يبدو أنّه حين قرع الجرس ودخل، ثمّة من تنبّه إلى وصول زائر (زبون) فظهر خيال خلف باب عريض زجاجيّ يفصل بين المدخل وسائر أقسام المكان، وقبل أن يفكر الدكتور بالهرب من جديد من موقف أقحم نفسه فيه، خرجت امرأة ثلاثينيّة، شديدة الأناقة، جميلة بشكل يقطع الأنفاس، وعلى وجهها ابتسامة ترحيب دافئة.
أصيب الرجل بدوار وظنّ أنّ في الأمر خدعة أو مقلبًا من ذلك النوع الذي يراه على شاشة التلفزيون.
     صباح الخير. بادرته المرأة. بلا غنج أو دلال أو إغراء. هل الجنس الراقي يكون بمثل هذا التهذيب والكبرياء؟ تساءل الدكتور قبل أن يسرع في الردّ كأنّه يدافع عن نفسه: أعتذر، أنا أستاذ علوم اجتماعيّة ولفتني مكتبكم، هل يمكن لي أن أعرف المزيد عنكم.
ابتسمت السيّدة وهي تومئ برأسها كأنّها تتعرّض لهذا التبرير للمرّة المليون، ودعته بحركة من يدها للجلوس، بينما استقرّت هي خلف المكتب.
- أهلًا بك ومرحبا. طبعًا من حقِّك كأيّ زبون أن تسأل عمّا تريد، وأنا هنا من أجل ذلك. فليس هناك "نحن" لتعرف عنّا. أنا وحدي صاحبة هذه الشقّة ومديرة شؤونها. فماذا تريد أن تعرف.
- عفوًا على السؤال الذي قد يبدو فجًّا: لكن أليس هذا بيت دعارة؟ يأتي رجل ليمارس الجنس فيه مع امرأة؟
- لا أعرف كيف تعرّف أنت بيوت الدعارة، أو ماذا يأتي الرجل ليفعل بالتحديد في بيوت الدعارة كما تسمّيها حضرتك. لنقل هو كذلك. أنتَ بالتحديد ماذا تريد؟ وماذا تفعل هنا؟
- قلتُ لك أنّني أستاذ جامعيّ لفتني الإعلان. ولم أحضر لأخون زوجتي التي أحبّها وأحترمها.
- دعني أوضح لك من البداية أنّ الرجل يخون نفسه ولا يخون أحدًا آخر. فقد تكون الخيانة في أن تنام مع زوجتك. ولكن ليس هذا موضوعنا. سأشرح لك آلية العمل عندنا لإرضاء فضولك العلميّ على الأقلّ. 
    أعطت المرأة الوقت لنفسها كي تبتسم بحريّة، وكي تتركه يستعدّ لما ستقول. وتابعت:
- حين يقصدني زبون طالبًا خدمة جنسيّة راقية، عليّ أن أجري معه مقابلة، تسمح لي بالتعرّف إليه وعلى ما يريد، انطلاقًا من ذوقه وأفكاره وأخلاقه ولباسه وطريقة تصرّفاته... ثمّ آخذ معلومات عن عمله وعائلته وصحّته، وأحدّد له موعدًا آخر بعد أن أقوم بدراسة الوضع وتقييم المعطيات. وقد أعتذر منه إذا لم أجد عندنا ما يناسبه من خدمات، أو أرشده إلى حيث تنتظره امرأة تقدّم له الخدمات الجنسيّة الراقية الملائمة له.
- يعني عاهرة باب أوّل؟؟؟ هتف الرجل ساخرًا كأنّه وجد لقية أو كنزًا، أو قال ما لم يسبقه إليه أحد.
حافظت المرأة على رصانتها وهدوئها وأجابت:
- إن أردت أن تصفها بهذا الشكل فلا مانع عندي. لكنّي أرى الأمور كلّها بمنظار مختلف. لذلك أتمنّى أن تقرّر ماذا تريد أن تفعل الآن، وإلّا فأنا مضطرّة لإنهاء المقابلة، إن لم تكن زبونًا.
وُجم الدكتور وشعر بأنّه طالب في الصفّ يتلقّى تأنيبًا على سوء السلوك، وكاد يغادر نادمًا على إقحام نفسه في مسألة غريبة كهذه،  بل خشي أن يكون قد وقع في مصيدة تخرب بيته.
بدا على المرأة وهي تراقبه كأنّها تعيد قراءة عنوان عريض في صحيفة سبق أن قرأت تفاصيل الأخبار فيها. وقالت بهدوء واستفزاز:
- لا تخشَ يا دكتور من ردّة فعلي، فمن الواضح أنّك لستَ من طراز زبائننا، فلا قدرتك الماديّة تسمح لك بذلك، ولا شخصيّتك مؤهّلة لخوض غمار مغامرة كهذه. وسيبقى أمر زيارتك لنا سريًّا.
     
     فجأة انتبه الرجل إلى الكاميرا الصغيرة المصوّبة نحوه، وتأكّد له من أنّه وقع في مصيدة عصابة ستبتزّه وتقضي على سمعته ومستقبله. 
     مرّة جديدة، بدت المرأة مستعدّة لتطوّرات المشهد، وتابعت:
- ما من أسرار في عالمنا اليوم، إلّا تلك التي نخفيها عن أنفسنا. الكاميرات موزّعة في المبنى كلّه، وأمام كلّ شقة ومكتب وفي المصعد. ويكفي أن أبحث عنك على صفحات المواقع الاجتماعيّة لأعرف من أنت وماذا تفعل. أو يمكنني أن أعرض صورتك على زبائني وكلّهم من السياسيّين والأمنيّين ورجال الأعمال وقادة الأحزاب، أو على السيّدات العاملات معي، وكلّهنّ من طبقات اجتماعيّة وثقافيّة وعلميّة راقية، كي أجد بالتأكيد من يعرفك ويعرف تفاصيل حياتك كلّها. لكنّي قطعًا لا أفعل ذلك. فاطمئنّ.

    وقف الرجل على عجل. واستأذن بالمغادرة، كتلميذ صغير يريد أن يقضي حاجته التي حرّكها خوفه من الامتحان.  
***
     بعد أسبوع، عاد الدكتور إلى مكتب الخدمات الجنسيّة طالبًا امرأة تلائمه. لم تشر المرأة إلى لقائهما الأوّل، لكنّ الرجل عرف أنّها كانت تنتظره. سحبت أوراقًا من دُرج مكتبها، وطلبت منه أن يملأ الاستمارة، قبل أن تقول له: سأتركك مع صوت فيروز وأدخل لأعدّ لنا فنجاني قهوة. أم تفضّل شيئًا آخر تشربه؟
    فيروز وقهوة وخدمات جنسيّة، ما الذي ينتظره بعد؟
   وافق على القهوة، وأخذ القلم من يدّ السيّدة الجميلة، وبدأ يجيب عن الأسئلة.
***
    بعد أسبوع آخر، وبناء على اتصال ورده من السيّدة، حضر الرجل إلى المكتب ليعرف إن كان نجح في الامتحان، وإن كان من طبقة الزبائن المرموقين، وإن كان يستحقّ نعمة الجنس الراقي. 
استقبله صوت فيروز بأغنية "يا ريت إنت وأنا بشي بيت" فارتجف قلبه تفاؤلًا، ورأى نفسه في أحضان امرأة مثيرة من سيّدات المجتمع المخمليّ... وكاد لولا دخول السيّدة عليه أن يشمّ العطر الفاخر الفاجر...
     دعته المرأة كي يتبعها، فاصطكت ركبتها: هل الموعد هنا؟ هل تنتظره المرأة المثيرة خلف الباب الزجاجي؟ أيّ عالم ينتظره حين يعبر إلى الجانب الآخر من الشقّة؟ ثمّ تمنّى لو أنّ السيّدة أعلمته بذلك عند اتّصالها ليستعدّ للقاء من هذا النوع.
     لكنّها استوقفته أمام خزانة فيها عشرات الملفّات، وسحبت واحدًا منها مختومًا، وسلّمته إيّاه وهي تقول مبتسمة بحنان:  
- تجد هنا المعلومات المطلوبة عن السيّدة التي تلائمك، تلك التي وصفتها بأنّها عاهرة باب أوّل. وتجد كذلك طريقة اللقاء بها وسائر التفاصيل، حتّى المبلغ الذي تدفعه لها.
- ألستِ أنتِ من يهتمّ بالجانب الماديّ؟ سأل الرجل متعجّبًا.
- أنا أثق بالسيّدات اللواتي يعملن معي، وبهذه السيّدة خصوصًا. أجابت المرأة وهي ترافقه إلى الباب. ثمّ تابعت:
- أتمنّى، قبل أن تخوض هذه المغامرة، أن تقرأ الملفّ بعناية، وأن تتفحّص الصور والمعلومات التي أعدّها المكتب لك. فحين تعجبك تجربة الخدمات الجنسيّة الراقية لن يسهل عليك الإقلاع عنها.

     لم يعرف الرجل ماذا يقول، فتركته السيّدة، وعادت إلى ما خلف الباب الزجاجيّ قبل أن تتاح له الفرصة ليشكرها، في حين كانت فيروز تقول: كان غير شكل الزيتون...

     في السيّارة، فتح الرجل الملفّ متلهّفًا لمعرفة محظيّته التي ستؤمّن له متعًا جنسيّة لم تعرف امرأته يومًا كيف تحقّقها له، وإذا به يرى صورة زوجته، ملصقة على ورقة كتب عليها بالخطّ العريض:
     بعد البحث والتنقيب، وَجد مكتبُنا أنّ زوجتك عاهرة باب أوّل وهي المرأة التي تستحقّها، لأنّ تحقيقاتنا، مع أهلك وأهلها وجيرانكما ومعارفكما وزملائكما، أكّدت لنا أنّها بلسانها السلّيط وأخلاقها السيّئة وعقدها النفسيّة وأقاويلها الكاذبة وتمسكنها المخادع ونميمتها الغبيّة، تمثّل العهر الحقيقيّ الذي يخرب البيوت والعلاقات!

الخميس، 16 أبريل، 2015

إلهة المدن البحريّة (النصّ الثالث من كتابي رسائل العبور - 2005)

Monet


      أنا إلهة المدن البحريّة، أتنقّل منذ ملايين السنين بين المرافئ الحزينة، ولا منزل لي غير الضباب.
     فساتيني أشرعة بيضاء تسكن فيها الريح، وزينة شعري أصداف يقدّمها لي أولاد مسكونون بهدير الأعماق، وأيقونتي مرساة أهدانيها أوّل بحّار رسا عند مرفأي.
    قدماي الحافيتان تغتسلان بمياه متناثرة عن أجساد البحّارة فوق أرصفة المرافئ، وذراعاي العاريتان تمتدّان وسادة لكلّ الغرباء.
    أزواجي رجال من ملح تنثرهم الرياح فوق البحار السبعة، وأحشائي لم تخل يومًا من أطفال لا أسماء لهم ولا آباء.
    أنا ربّة المنازل المنصوبة عند مرافئ الانتظار، أقف عند شواطئ الرحيل، والهواء يمدّ خصلات شعري الأسود شباكًا نحو أفق فارغ إلاّ من الاحتمال. أقف طويلاً والأفق يمتدّ بعيدًا، فنؤلّف معًا صليبًا تُعلّق فوقه آمال اللقاء المطعونة.
     أمشي على رمال لا تحفظ آثاري، وأقفز فوق صخور لا تشعر بمروري.
    وتحت مطر يحمل رائحة الغائبين، وشمس جامدة كزمن الحزن، وليل منخور مشوّه، أنتظر سفنًا تعود من غياب دام أعوامًا ولم تتعب من السفر، سفنًا ذات أشرعة كفراشات تعشق المغامرة، ورجال رائحتهم بحر عميق وعرقهم ملح عتيق.
    أغتسل بالرمل الذي فتّته العشق،
    بالزبد الذي ولّده الجنون،
    بالرياح الهوجاء،
    بالضوء المجروح،
    بدموع الرجال،
    بالمياه المتناثرة عن أجساد بحّارة عراة لا يملكون إلاّ الرغبة في السفر والحبّ والكلام.
   أنتظر رجالاً لن يبقوا طويلاً، ولن أكون لهم طويلاً، يزرعون حكاياتهم على جسدي، وينثرون أحلامهم على صدري، ويتركون أولادهم في حضني ويرحلون مزوّدين حكاية بلا كلمات. وحين ترتفع يدي ملوّحة لهم تلاحقها نظراتهم كما تلاحق عيون الأطفال الطائرات الورقيّة الملوّنة، ولا ينتبهون إلى السفينة التي ولّدها رحم الأفق من رحم المغامرة، وعليها رجال يبحثون عن امرأة تنتظر حكايات جديدة وأحلامًا مجنونة وأولادًا لا يعرفون عن آبائهم إلاّ أنّهم رجال من ملح ذاب في البحر.
    أنا سيّدة الشواطئ.
    لي أجنحة النوارس، والخطوات البلا اقدام، وهدير اللجّة.
    عمري ملايين السنين ولم أمت لأنّني أعشق الرحيل.
    ولم أتعب لأنّني أنتظر الحكاية.
    ولم أضجر لأنّني ابنة الحلم.
    أنا ابنة المدن الغافية على فراش الهدير، والمبلّلة برذاذ الموج، والمغتسلة برغوة الرغبة.
   لا أجيد الكلام لكنّني أحفظ حكايات غريبة رواها رجال غرباء بلغات غريبة. ولا أحفظ الأسماء لكنّني أذكر وجوه أصحابها في حنين وبكاء. ولا أنظر في العيون لكنّني أعرف ما الذي يختبئ خلفها. ولا أنتظر واحدًا أحدًا لكنّني أفرح عند وصول العابرين. أتبع نداء لا يسمعه سواي، وألحق بأصداء تتردّد خلف ستائر المدى.
    لا أملك شيئًا وكلّ الأشياء ملك لي. حين أغمض عينيّ أحصل على ما أريد. وعندما أفتح يدي وأبسط أصابعي في وجه الريح، يتطاير العالم بكلّ ما فيه كحبيبات رمل في هواء المغيب. ولا يبقى شيء. ولا آسف على شيء. ولا أشعر بالحزن على شيء يرحل بل بالحنين لكلّ ما سوف يأتي.
أنا الغريبة الصامتة المنتظرة العابرة.
    أرقص على إيقاع الريح التي لم تهبّ بعد، وأصغي إلى أصوات رجال لم يصلوا بعد، وأتنشّق روائح العشق من أجساد لم تمارس الحبّ بعد، وأبكي على خيبات لم أسمع حكاياتها بعد.
   أعيش القَبْل والبعد، وأقيم في الدهشة حين أشهد تكوّن الأشياء، وأشكر السماء التي جعلتني أمينة على هبوب الريح، وتساقط المطر، وبكاء الرجال، ورغبة الجسد، ورحيل المراكب، وخروج الأطفال من رحم المياه ليلعبوا إلى جانب مياه أنجبت آباءهم.
    لا أغفو إلى جانب رجل، بل أرحل حين يغرق في بحر النوم بعدما تعب من البحر والحبّ والكلام.
    ولا أعطي ثديي لطفل، بل أرحل حين يطلق صرخته الأولى القويّة الشبيهة بغضب الموج. وأمضي إلى مرفأ جديد. رحمي ينزف دمًا بلون المرجان، وصدري يقطر حليبًا يتحوّل لآلئ.
   لا أنظر إلى الوراء ولا أصير عمود ملح بل أتبع خطوات رجال من ملح خرجوا من البحر وإليه يعودون.
   أنا المرأة التي أغمضت عينيها ورأت...
   لابسة الشراع الأبيض.
   الواقفة عند الشواطئ كالمنارات العتيقة.
   السائرة نحو البحر الرماديّ، نحو الأفق النحيل.
   ومن الهواء الرطب تعود لتحضن جسمي الداكن رائحة أوّل بحّار نزل عند مرفأ انتظاري ثمّ رحل...

الأربعاء، 15 أبريل، 2015

بحيرة الدموع الزجاجيّة (النصّ الثاني والعشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)

(Pierre Auguste Cot (17 February 1837 – 2 August 1883


    اخترعتك لأنّني في حاجة إليك، وقبل ذلك لم يكن لوجودك وجود.

     أيّها العابر بين الحلم واليقظة وبين الناس والنوم، ها أنا الليلة مشوار عبورك وأريحك من همّ السفر فوق الأسطر المنتظرة وطء الكلمات يرسمها مرورك الضبابيّ. وأقلب القلم رأسًا على عقب لأمحو صورتك المصنوعة من وهم احتفالي بك وشوقي إلى احتمال انبثاقك من بين جفنَي الانتظار.

    أيّها المصنوع من ندى صيفيّ وبروق شتائيّة، أمزّق الليلة الورقة الأخيرة من روزنامة الفصول وأسدل الستائر على الشبابيك المنتظرة وجهك، وأعلن نهاية الرواية.

    أيّها الرجل المتنزّه على صراخ الألم، والمتفرّج على انتحار اللذّة، والساخر لحظة يبكي الحنين! دعني أصدّق الليلة أنّي قادرة على الاغتسال ببكائك النهائيّ، وعلى الإقامة ولو للمرّة الأخيرة في بحيرة عينيك الآمنة كالرحم، وعلى أن ألبس دموعك ولو للمرّة الأولى جلدًا مائيًّا كغلالة عروس.

   لم أكن أعرف حين أنجبَتك رغبتي فيك أنّك قادر على البكاء، أنت الرجل الذي أغمض عينيه كي لا يراني لأنّه يخاف أن يرى، والذي كان يتكلّم كي لا يترك لي الفرصة للكلام لأنّه يخاف أن يسمع ما أرغب في البوح به، والذي كان يخبّئ يديه كي لا أرى رعشة الاشتياق في أصابعه.

   وحين فاجأتني وبكيت بدا العالم جميلاً ونظيفًا كأنّه يغتسل بماء المطر الأوّل، وبدت الدموع قادرة على محو الآلام والأحزان، كأنّك تبكي عن كلّ المتألّمين، وعن كلّ التائبين، وعن كلّ العشّاق، وعن كلّ المتروكين. بيد أنّ لحظات قليلة كانت كافية ليتبدّد كلّ ذاك الذي بدا للحظة حزينًا وحنونًا وحقيقيًّا، وإذا بعينيك الجافّتين المصنوعتين من الزجاج الملوّن الجميل تجودان بدمع غريب يحرق لكنّه أضعف من أن يشفي، يهمي لكنّه أبخل من أن يروي، يغسل لكنّه أعجز من أن يطّهر.

    أيّها المصنوع من أحلام طفلة وأوهام عجوز، حكتكَ من خيوط الكلمات التي لن تغفر لي خطيئة صنعك، لأنّ جنون كبريائك جعلك تتعالى عليها هي التي تباهت بك منذ لحظة تكوينك.
    فلتُمحَ إذًا الكتابة التي جعلت الرجال يحسدونك، ولتُمزّق الصفحات التي تمدّدتَ فوق بياضها ملكًا لا انتهاء لملكه، ولتتحطّم العناوين التي وضعتك عنوانًا لكلّ كتابة. ولتُغفر خطيئتي لأنّي جدّفت على الكلمة حين آمنت في صدق أنّ اللقاء بك أجمل ممّا أكتبه.
(نشر في صحيفة النهار عام 2003)

في شكر صانعي الجمال الراحلين!



      Newonsa، هو الاسم الذي اختارته صاحبة محلّات الألبسة النسائيّة الراقية صونيا وازن كفوري، لتعلن عن ذوقها الفنيّ الراقي في تكوين (وتلوين) امرأة جديدة، جوهرُها الأنوثة ورداؤها الجمال.
      ولأنّها كذلك، لم يمرّ خبر وفاتها بعد صراع طويل مع المرض من دون أن يثير في بالي تساؤلات عن صناعة الجمال، وإن كان صانعوه يرحلون فعلًا. فصونيا وازن كفوري، كانت تحترف التجارة طبعًا، ومتاجرها التي تنضح بالرقيّ والذوق والأناقة تعبّر عن حسّ إداريّ دقيق وناجح. لكنّها، محوطة بزوجها وابنتها وابنها، كانت أكثر من مجرّد صاحبة محل للألبسة النسائيّة تريد أن تربح ثروة من بيع ملابس ثمينة؛ كانت فنّانة ذات رؤيا جماليّة تندر اليوم بين أصحاب المتاجر. ولم تكتفِ بذلك، بل كان استقبالها يفضح رغبتها في نشر الجمال حولها، وإلباس النساء اللواتي يقصدنها بشكل يجعلهنّ جديدات ومثيرات وأنيقات ومحترمات في الوقت نفسه. 
     لعلّ متاجر أخرى نافستها على أسماء ماركات عالميّة، وربحتها، لكنّ هذه الماركات نفسها فقدت الكثير الكثير من سحرها حين غادرت متاجر Newonsa، لأنّ ذوق صونيا وابنتها كارولين لم ينسّق إنتاجات هذه الماركات ولم يعرضها كما يليق بها. 
     وحين وصلتني رسالة نعيها من المتجر الأنيق الذي أقصده كلّما أردت أن أهدي نفسي قطعةً فريدة غير سائدة أو منتشرة، اكتشفت كيف أنّ تلك المرأة صنعت نمطًا من الموضة يجمع بين الرفاهيّة والرقيّ، وبالتالي صنعت امرأة جديدة، ترتدي ما يلفت الانتباه بهمس، بلا صراخ أو وقاحة أو تحدٍّ. 
     ولأنّها فعلت ذلك، بمحبّة لا خبث فيها ولا مسايرة، وبوضوح التاجرة الذكيّة والفنّانة التي تعرف قيمة ما تعطيه، ساهمت في صناعة الجمال الذي لا يذبل ولو عتق طراز الفستان، والذي لا يهترئ ولو قَدُم عهد شرائه... وهذا ما نحن في أمس الحاجّة إليه في زمن البشاعة والأنوثة المتاجَر بها.

***


      صانعُ جمال آخر رحل سريعًا وباكرًا هو عصام بريدي. أثار بموته عاصفة حزن غريبة ومفاجئة، كغيابه تمامًا. وهو وإن كان شابًا لم يترك بعدُ بصمات فنيّة كبيرة، لكنّه بشخصيّته اللافتة كان فنّانًا صادقًا مع نفسه ومع جمهوره. لذلك واكبت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعيّ خبر موته ومأتمه بشكل غير مسبوق، كأنّ الناس بعفويّة لم تغب عنهم، على الرغم من أربعين عامًا من الحرب والاقتتال والفساد، يكرّمون، بدموعهم على عصام، الطيبة والضحكة والتواضع والحياة الهادرة كشلّالات لبنان وينابيعه الصافية.
    عريس السماء كما صار لقبه، قضى في حادث سير سخيف ولو مروّعًا. لذلك قد يقول قائلون هو ليس شهيدًا مات وهو يؤدّي واجبه، وليس انتحاريًّا فجّر بنفسه من أجل قضيّة، وليس ضحيّة قصفِ نظام غاشم أو اعتداء سافر كما يحصل في بلداننا الملعونة بالحرب والإرهاب والديكتاتوريّة والفساد والأصوليّات... فما الذي فعله حتّى استحقّ هذا الاهتمام؟
    صحيح أنّ آلاف الأشخاص الأبرياء يقتلون كلّ يوم، في فلسطين المحتلّة، وسوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، ويموت آخرون في أماكن كثيرة في العالم لا مجال لذكرها، وكلّ هؤلاء يستحقون دمعنا وحزننا، لكن لا بأس إن بكينا أيضًا وحزنّا على صانع جمال لم يُرد من الحياة مركزًا أو منصبًا، ولم يؤذِ أحدًا، فلم يفعل سوى ترك ذكريات جميلة، وابتسامات مضيئة. لا بأس إن تركنا العنان لإنسانيّتنا كي تتأثّر على غياب فنّان واعد، قضيّته بسيطة بساطة قلبه وإيمانه وهي أن يوزّع الفرح، لا أن يزرعه. فالزارع ينتظر الموسم الذي قد يتأخّر، وعصام كان مستعجلًا...
     في مأتم عصام، رأيت الناس يحتفلون بإنسانيّتهم، فلم يشاركوا بدافع الواجب المفروض، أو لمسايرة عائلة زعيم يعِدهم أولاده بوظائف ومنح دراسيّة، كان كلّ منهم يتذكّر أنّه إنسان، لا يريد أن ينسى الطيبة التي فيه، أو الحنان الذي فيه، أو الوفاء الذي فيه.
    رأى كثيرون في موت عصام درسًا لسائقي السيّارات المسرعين، لكنّي أحبّ أن أرى فيه أيضًا رسالة في المحبّة والابتسامة اللتين جذبتا الناس إليه في حياته وموته. وربّما رأى كثيرون سواي في مشهد النعش المفتوح وهو يمتلئ بالورود البيضاء ما يشبه دفن المسيح يوم الجمعة العظيمة، لكنّي أحبّ أن أرى أيضًا في احتفال الرحيل مهرجان قيامة مجتمع، لا يزال مصرًّا على البقاء في مواجهة التهجير والموت والإرهاب. 
     عصام بريدي، على حداثة عمره، من رعيل الفنّانين الكبار المتواضعين، صانعي الجمال القدّيسين، الذين أعطوا بمحبّة فكوفئوا بالمحبّة.
***


      لا يحتاج ريمون جبارة، صانع الأحلام والجمال، أن أدلي بشهادتي فيه. لكنّي أنا نفسي أحتاج إلى تذكير نفسي بشهادته فيّ حين قال لي، تعليقًا على مقالتي في ملحق النهار عن أيقونة المسرح رضى خوري، وذلك في لقاء ثانٍ وأخير معه: إنتِ شاعرة يا بنت!
     في اللقاء الأوّل، قلت له محاولة رفعَ معنوياته: أنت غاضب على الفالج، لكنّك اختبرت ما قبل المرض والشلل والحاجة إلى الناس، فماذا أقول أنا؟ (مشيرة إلى إصابتي طفلةً بشلل رجلي اليمنى). فاجأه قولي ولم يجب. 
      رحل ريمون بعد صراع مع الحياة، لا مع المرض. مع الحياة، الحياة في لبنان، التي خذلته مرارًا وتكرارًا، حتّى اضطرّ في أواخر أيّامه أن ينتظر مساعدة وزارة الصحّة. وكم تسهل مصارعة الموت أمام مصارعة الحياة بما ومن فيها! فكيف إذا كانت الحياةُ حياةَ فنّان مثقّف أصيل ملتزم واضح صريح جريء نظيف؟ وكيف إذا كان الحياةُ في لبنان تحارب كلّ من يتميّز بهذه الصفات؟
    ثمّة ما يجعلني أطمئنّ لأنّ ريمون جبارة ارتاح، ولكن ثمّة ما يثير قلقي أكثر فأكثر على لبنان الذي أحبّه... ثمّ أعود وأطمئن نفسي قائلة: ريمون جبارة يلاحق الله الآن بسيل من الأسئلة والمطالب، فلا خوف علينا!
      شكرًا أستاذ ريمون على شهادتك فيّ، وعلى الجمال الذي علّمتناه مجبولًا بالحقّ والخير!