الخميس، 23 مايو، 2013

الكاتبة ماري القصيفي : الدول العربية تدفع ثمن تخليها عن القدس (حوار مع الصحافيّة لمى نوام - وكالة أخبار الشرق الجديد)




هي شاعرة وقاصة وروائية وإعلامية وتربوية من مواليد منطقة الريحانية في بلدة بعبدا. تعمل في المجال التربوي وكتبت لأكثر من عشرين سنة في الصحافةالثقافية،تشرفعلىمدونةباسم"صالون ماري القصيفي الأدبي وعنوانها:www.mariekossaifi.blogspot.com وصدر لها تباعًا: لأنك أحيانًا لا تكون، رسائل العبور، نساء بلا أسماء، الموارنة مروا من هنا، كل الحق ع فرنسا وهي رواية حازت جائزة حنا واكيم كأفضل رواية لبنانية لعام 2012، وأحببتك فصرت الرسولة. 

كان لوكالة أخبار الشرق الجديد لقاء صحافي معها: 

شاعرة وقاصة وروائية وإعلامية وتربوية...أين تجد ماري القصيفي نفسها؟
لكلٍ منا جوانب متعددة لشخصيته يكتشفها في كل ما يمارسه في الحياة إن على صعيد العمل أو الهوايات. فأنا مثلًا أجد في الشعر شخصيتي الحرة الثائرة، وفي الرواية أحقق رغبتي في هندسة الكون والتحكم في حيوات ناسه، وفي الإعلام أشبع نهمي إلى التواصل، وفي التربية أسعى لإحداث فرق...


 بما أن الأدب هو ابن بيئته هل تتأثر الكاتبة ماري القصيفي بقضايا البيئة التي تعيش فيها؟ 

لا أكتب بمعزل عما يدور حولي. لذلك تصب نصوصي النقدية والشعرية والقصصية في علم الاجتماع، إذ لا يمكن في رأيي أن يكون الإنسان، وهو مادة الكتابة وجوهرها وغايتها، سوى كائن اجتماعي مهما اعتزل وزهد وتنسك. والدليل أن إنسان اليوم ولو قبع في غرفته طيلة اليوم يبقى على تواصل دائم مع ما يجري حوله، عبر وسائل الاتصال والتواصل. فضلًا عن أن عملي في التربية لأكثر من خمسة وعشرين عامًا وضعني على تماس يومي مع مشكلات المراهقين وهي تتزايد يومًا بعد يوم، وواقع العائلات الاجتماعي والنفسي تحت وطأة الظروف التي نمر بها. 

 ما هو نتاجك الجديد؟ وهل تشاركين في أنشطة غير الكتابة؟
  
أنا الآن في خضم كتابة رواية عن حرب الجبل، وهناك مجموعة أعمال تنتظر أن أجد الوقت لها، بعضها شعري وبعضها دراسات اجتماعية وأدبية. وقد سبق وأشرت إلى نشاطي في عالم التربية الذي أغنى تجربتي الكتابية وإن أخر انطلاقتها. لذلك فإن أحد كتبي الجديدة هو عن التربية ويحمل عنوان "علمني التعليم". ولي تجربتان في الترجمة عن الفرنسية واحدة لرواية قاديشا لاسكندر نجار والثانية لرواية جمهورية الفلاحين لرمزي سلامة. 

متى كانت بداية تجربتك مع الكتابة؟ وماذا يعني لك هذا التاريخ؟ 

أعتقد أنني مذ بدأت الكتابة على مقاعد المدرسة لم أتوقف عما وجدت فيه وسيلتي للتعبير. الكتابة بالنسبة إلي– وليس بالضرورة النشر – كالتنفس تمامًا. لذلك أبدو طوال الوقت كمن تكتب في رأسها منتظرًة أن يسمح لي الوقت بنقله الى الورقة أو ذاكرة اللابتوب. وقد ساعدتني وسائل النشر الحديثة كالفيسبوك وتويتر والمدونة التي تحمل اسمي على أن أجد أكثر من مكان لنشر ما أكتبه من دون الخضوع لإيقاع الصحافة الثقافية أو حركة النشر. 

ما هي المواضيع التي تشدك لمعالجتها؟ و أين المرأة من هذه المواضيع؟ 

كتبت لمدة سنة تقريبًا في صحيفة البلاد البحرينية زاوية يومية تحت عنوان "الكتابة بمزاج امرأة". فالمرأة التي هي أنا حاضرة دومًا، وبالتالي الموضوعات التي تتعلق بالمرأة تعنيني ولكن ليس بمعزل عن مسائل أخرى كالحرية والأمية والطفولة والشيخوخة والبطالة والتربية وسواها من القضايا المتعلقة بتركيبة المجتمع وهوية الوطن. حتى في نصوصي الشعرية التي تتناول الحب لا أبتعد عن التحليلين النفسي والاجتماعي لهذا الشعور الغامض والجميل، فالحب الذي لا يثمر شيئًا جميلًا (أولاد، مشاريع، إنجازات، كتب...) ليس حبًا بالمعنى الذي أفهمه وأعيشه. 

 بين البعد المرتجى وحقائق الواقع، من يلهم ماري القصيفي؟ 
أؤمن بالعمل وممارسة الكتابة أكثر من إيماني بالإلهام. وإن كنت مرات لا أعرف من أين تأتي الأفكار والصور. لكني بالتأكيد لا أكتب لأغير واقعًا خارجًا عني، بل أكتب لأتغير أنا مع كل نصأكتبه، كما أتغير مع كل نص أقرأه. 

 هناك قول إن المرأة تملك جسدها، هل أنت مع المرأة في أن تفعل بجسدها ما تشاء كونها تملكه؟ 

طبعًا تملك المرأة جسدها، لكن لا كما تملك سيارة تبيعها لمن يدفع السعر الأعلى. الجسد هيكل الروح، والروح الحرة لا يسعها جسد، لكن الحرية لا تعني أن نقتل الجسد أو نهينه أو نتركه عرضة للمرض والألم ولا أن نخنقه بالكبت والحرمان والقيود. لذلك كتبت كثيرًا عن موضوعَي العري والحجاب لا من باب الأخلاق والدين بل من باب فلسفة المغزى ومحاولة فهم التطرف في كلا الأمرين. والمرأة التي تنادي بحقها في أن تفعل بجسدها ما تشاء عليها أولًا أن تحرر حسابها المصرفي من سلطة رجل يصرف عليها المال، وأن تحترم أجساد المرضى والمعوقين والأطفال المصابين بشتى العاهات والأمراض. فثمة أمور في رأيي أكثر أهمية من موضوع جسد المرأة الذي هو لا عورة نخجل بها ونستحي ولا بضاعة نعرضها في الأسواق. وكل تطرف يستدعي تطرفًا مقابلًا. 

إلامَ تهدفين من خلال المزج بين العامية والفصحى؟ وكيف تجد الشاعرة ماري القارئ العربي؟ 

العامية لغتنا اليومية، وأنا لا ألجأ إليها إلا لضرورات فنية يفرضها العمل الأدبي، كما في عنوان روايتي "كل الحق ع فرنسا"، وفي حوارات الشخصيات، لكي يبدو الأمر مقنعًا وطبيعيًا. ومع ذلك فهي عامية مدروسة إلى حد كبير، فلا يجد القارئ غير اللبناني صعوبة في فهمها.  
أما سؤالك عن القارئ العربي فيستدعي سؤالًا آخر: أين النص الذي يجذب القارئ العربي بدءًا من مقاعد الدراسة؟ لن نجد قارئًا عربيًا حقيقيًا قبل أن يولد لنا كاتب عربي حر، وقبل أن توضع مناهج تربوية حديثة. 

ماذا يمثل الرجل في حياة الشاعرة وفي حياة ماري القصيفي؟ 

الرجل هو الشريك الكامل المتمتع بالحرية والشجاعة والمعرفة ... أنجبه كل يوم من فكري في نص جديد. 


كانت لك زاوية أسبوعية في جريدة النهار اللبنانية تحت عنوان: أضواء خافتة، وكنت تكتبين باسم مستعار هو «مي الريحاني». ما السبب في ذلك؟  وأين كنت مرتاحة أكثر في الكتابة باسمك المستعار مي أم الآن  باسمك الحقيقي ماري؟ 

الاسم المستعار كان قبل الزاوية الأسبوعية "أضواء خافتة". واللجوء إليه في البداية كان بسبب عملي التربوي الذي جعلني حذرة أمام التوفيق بين جرأتي في الشعر والنقد والتزامات العمل التربوي. ثم أعجبني الأمر حين راحت تكثر التساؤلات عن هويتي الحقيقية، إلى أن حسم الأمر الشاعر الكبير شوقي أبي شقرا الذي أدين له بفضل كبير في انطلاقتي باسمي الحقيقي في جريدة النهار.

في كتابك «الموارنة مروا من هنا»، لماذا استبدلت القاف بالهمزة في عنوان الكتاب فكتبت «بألم» بدلاً من قلم؟ ما هي صرخة الألم التي أرادت ماري القصيفي أن توجهها؟ 

صرخة الألم أردت إطلاقها بدءًا من الغلاف للتنبيه إلى الواقع المارونيالمتشرذم، الذي انعكس على الفكر والتربية والمجتمع، وما يحصل في طائفة ينعكس حتمًا على الطوائف الأخرى بسبب تركيبة لبنان. في اختصار أردت القول إن دور الموارنة بدأ بمهمتين رسوليتين هما الحرية والعلم، ولكنهم مع الأسف تنكروا لهذين الدورين، ما أدى بحسب رؤيتي الخاصة إلى كل ما يحصل اليوم في هذه البقعة من العالم. 

ما هو في رأيك مصير البلدان العربية بعد الربيع الذي اجتاحها؟ هل أنت مؤمنة بأن هذه الثورات حملت التغيير المنشود؟ 

ما حصل ويحصل ليس ربيعًا وليس ثورة, لقد كنت من أوائل الذين كتبوا في الصحافة عن هذا الأمر، وجوبهت باعتراضات كثيرة، لكني ما زلت مقتنعة برأيي: فكل تغيير يغيب عنه الفكر ليس سوى زلازل عنيفة لا أحد يعرف كيف تنطلق ومتى تهدأ وماذا تترك خلفها. لذلك علينا أن ننتظر وقتًا طويلًا قبل أن نتبين ملامح المرحلة المقبلة، لكن المخاض سيكون عسيرًا وطويلًا.
  
كلمة ختامية جريئة البوح؟

الجلجلة بدأت من فلسطين، ولن تكون القيامة إلا هناك. وما يجري في الدول العربية اليوم ما هو إلا الثمن الذي ندفعه كلنا لأننا تخلينا عن القدس. 

لمى نوام

وكالة أخبار الشرق الجديد

السبت، 11 مايو، 2013

إلى رجل يشبه الكتابة (43)



495- حين تمدّ يديك بهدوء 
وتخلع عن عينيّ نظّارتَي الكتابة...
أعرف أنّ أناملك ستمرّ على وجهي وعنقي
لتبدأ بتلاوة قصيدتك الرائعة...
تلك التي يحفظها جسدي غيبًا 
ويدّعي دائمًا أنّه نسيها...
فأسدل جفنيّ وأقرأ...

***

496- هذا الهواء التشرينيّ في فورة الربيع ... ينفض الغبار عن الأيّام ... هو أنت
هذا المطر الخريفيّ الرخيّ في احتفالات نوّار... يغسل الثمار من رمال الصحراء... هو أنت
عدني أن تعود في خيوط الشمس، وفي نقاء القمر، وفي تلألؤ النجوم، وفي فصول الأرض ورحمة السماء،
عدني أن نتّحد كاتّحاد اللون بالخشب، والعطر بالهواء، والكلمة بالمعنى!

***

497- ثمّة كواكب أخرى، 
عليها حيوات أخرى 
تشبه ما استطاع الأنقياء أن يروا صورةً عن نعيم العقل فيها
وكوكبنا هذا هو الجحيم الذي نُفينا إليه لأنّنا لم نؤمن بأنّ المحبّة ابنة العقل
وما عناصر الجمال فيه سوى الدليل الساطع على رحمة الله

***

498- تذكّر أن تعود من رحلة البحث عن كنوز الأرض،
قبل أن يحفر العمر في عنقي تجاعيد فوق التجاعيد، فلا يجد عقد اللؤلؤ الفريد مكانًا
وقبل أن تتضاعف رجفة يدي فتعجز عن الإمساك بها لتزيّن أصابعها بالجواهر النادرة
تذكّر أن تعود قبل أن أنسى لون عينيك

***

499- قيل لكم: الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون أمّا أنا فأقول لكم إنّنا في زمن يأكل فيه الأبناء الحصرم والعنب والزبيب... والآباء يدرسون جوعهم على بيدر الحرمان

***

500- أقول كلمتي
احمل كتابي
أمشي
ولا ألتفت إلى الوراء

***

501- في عالم التواصل المبنيّ على افتراض الصداقة 
صرت أخشى انقراض الأصدقاء

***

502- ثلاثة أمور أربأ بنفسي عن فعلها:
أن أسعى لتغيير أحد
أن أناقش جاهلًا
أن أنتظر شيئًا أو أحدًا 

***

503- صلاة يوم الأحد: 
اللهمّ أشكرك على اليمامة التي رأيتها فجرًا تتناول الفطور أمام الفرن المقابل، مكتفية بما تيسّر، مطمئنّة إلى أنّك ستؤمّن لها وجبة الغداء. وأشكرك على ثلاث هدايا أخرى أرسلها ثلاثة أصدقاء إلى صندوق بريدي الإلكترونيّ: مقطوعات موسيقيّة رائعة، ولوحة جميلة لفنّان بارع ومتواضع، وقصيدة أثارت شهيّتي على الكتابة!

الأربعاء، 24 أبريل، 2013

إلى رجل يشبه الكتابة (42)

Sandra Bierman


487- حين يقع قلبي في العشق 
يسرع عقلي لإنقاذه 
فيغضب جسدي 

***

488- أشتاق إلى جنون 
يفوق جنوني 
فلا أجد إلّا مجنونًا
لا صبر له على جنوني

***

489- جحيم الأدباء
قرّاء أغبياء

***

490- جدرانكم 
أيّها الأصدقاء السوريّون الفيسبوكيّون
جداريّة واحدة 
محورُها الوجع
ولونُها الدم

***

491- الرجل العنيد الذي أعشقه 
لا يكفّ عن مشاكستي والاعتراض على كلامي
فحين أقول له: صباح الخير يا ملاكي الحارس!
يجيب مصحّحًا بقبلة: بل أنا حارس الملاك!

***

492- كنت أظنّ أنّ الألم هو البرهان على الحياة...
إلى أن قبّلتَ أناملي

***

493- قولي للمرآة اليوم:
كبّري ابتسامتك لا شفتيك
كبّري قلبك لا نهديك
كبّري عقلك لا مؤخّرتك

***

494- كلماتي أسمى من أن تكون مصيدة قلوب
هي نبض الحياة فيّ: 
حياة لم ترضَ بأقلّ من إله
ولن تستريح إلّا فيه

الأحد، 7 أبريل، 2013

صلاة لإله الغضب

المسيح يطرد الباعة من الهيكل


تتساقطون
رمادَ سيكارة في يد عجوز
سنونواتٍ طالتها رصاصات الطيش
شعراتٍ من رأس طفل يصلبه العلاج الكيميائيّ
ثمراتٍ مهترئة استعصت على القاطف
وريقات ذابلة نفضتها الريح عن الأشجار
قطرات عرق عن جبين كنّاس آسيويّ غريب
تتساقط أجسادكم
عضوًا بعد آخر
وأنتم عاجزون عن لملمة أشلاء بعثرها الخوف،
فتذروكم نسائم مشبعة بالنتن فوق ركام المدينة المنخورة!

لا يسقط الحكّام فقط
لا تهتزّ العروش فقط
فالله نفسه يسقط مع كلّ دمعة!
نعم، نعم،
تتساقطون كلّكم:
أمّهات وآباء
شقيقات وأشقّاء
عائلات وقبائل
زملاء وأصدقاء
جيران وأقرباء
عشّاق ومعجبون
كلّكم تسقطون
وتتساقطون
فلقد تعبت منكم الحياة
وخجلت منكم الإنسانيّة
وتركتم المحبّة إلى غير رجعة!

لو كان للكلمات أن تختار
لاختارت أن تنبذكم من قاموسها!
لو كان للهواء أن يختار
لاختار ألّا يتلوّث بكم!
لو كان للشمس أن تختار
لاختارت أن تنطفئ
قبل أن تلامس جلودكم الدبقة
وعواطفكم الدبقة
وأفكاركم الدبقة!
كم أنتم قبيحون وأنانيّون وأغبياء
كم أنتم مغرورون وفارغون وجبناء
كم أنتم أشباه رجال وشبيهات نساء
أتريدون أن تمحوا الأوطان يا حكّامًا محكومين بالجشع والعهر؟
أتريدون أن تسقطوا أنظمةً يا شعوبًا لا تعرف كيف ترفع الفاعل؟
أتحلمون بنشر الإيمان يا قطعانًا آلهتها تمرٌ وكلأ وفخذا امرأة وجيب رجل؟
أتبشّرون بربيع يا كهول الفكر وعجائز الشعر؟
كيف يكون كلّ ذلك والأمّ ترضع طفلها خوفها وعبوديّتها؟
كيف يتحقّق كلّ ذلك والأب حيوان منويّ روّضه الفقر والجهل؟
كيف يمكن كلّ ذلك وقايين العاجز عن قتل الله يقتل أخاه هابيل؟
كيف نتوقّع تحقيق كلّ ذلك والطفلة تغري العجوز والكاهن يتحرّش بالطفلة؟
كيف نحلم بأيّ شيء من ذلك والابنة تضرب أباها، والشقيق يغتصب شقيقته، والأم تقتل أطفالها؟
كيف نرجو أيّ شيء من ذلك والحبّ عبور، والصداقة وهْم، والأخوّة مصلحة، والزمالة غدر، والجيرة اعتداء؟

يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:
فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات
ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة
ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة
ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين
ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد
ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار
ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح
ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم
ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم
ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة
إلى جوف الجحيم
فيركلها الشيطان إلى نار حقده
تحت أنظار إلهٍ ندم
لأنّه استراح في اليوم السابع
ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!

الأربعاء، 3 أبريل، 2013

ماري القصيّفي "رسولة الحبّ" - بقلم ميشال مرقص


مع الأستاذ ميشال مرقص خلال ندوة حول كتاب "عودة النبيّ" للأستاذ إيلي صليبي

ماري القصيّفي "رسولة الحبّ"
تتعب من مهمّة مصيرُها الاستشهاد
ميشال مرقص


تتحدّى الأديبة ماري القصّيفي ذاتها عندما تكتب. تتحدّانا عندما نقرأُ لها. تتركُ بصمتها في مساربِ الكلم. تحفرُ فوقَ شرايين الحرفِ نسمةَ دهشة. تختفي وتظهر في لباقةٍ تجمعُ أطرافَ الصورة.
كلّما أوشكتُ أن أكتبَ في "أحبَبْتُكَ فصرتُ الرسولة" (شعر – عن دار سائر المشرق -2012)- تلوحُ آفاقٌ جديدة – كتابتُها فجرٌ قُطبي- أو قلْ:"فجرٌ كونيٌّ يتوالدُ" كما أرادتْه رسولةُ الحبِّ.
وبما أنّها "رسولة"، تخترقُ حُجُبَ تُخفي حقائق الإنتماء. لا تُعرِّفُ عن نفسها بنمطٍ تقليدي. بل بنشيدِ انتماءٍ يتفجّرُ عاطفةً ويرتوي من شرايين الإنتما الحق:"أنا يا صديقي، لبنانية، مسيحيّة، مارونيّة... لكن – لا أنتمي إلى هذا الذي تراهُ وتسمعُ عنهُ في الوطن والطائفة" أعرف الفقر والمرض والموت و"لا أخضعُ له" – أنا الحرِّيَةُ الحقُ. أُعطي بلا حساب، وأتنازل بلا حدود "لأنّ مملكتي لم تكنْ ولنْ تكونَ من هذا العالم الذي يُحاولُ أن يخنُقَ حُرّيتي". (ص 2-3).

ومن منطلق هذه الحرّية. تنمو بذور الرسولة. رسولة حبٍّ ذي أبعادٍ لا تخضع لمقاييس عاديّة، بل هيَ متباعدة في قياساتِها أفقيًّا وعموديًّا، لا بل تتخذُ حجم الكُرة المتداخل في عدم النهاية. من يحمل الرسالة يلتزم بها، هكذا في الأديان، هكذا في المبادئ، هكذا في الفلسفة، ومع ماري القصيّفي هكذا في الحبّ في العشق. أبعدُ من حالةٍ تُدخلنا إلى ظاهرة متكاملة، لها جاذبيّةُ الانعتاق من الذاتِ بهدف الولادة من الآخر. وبمثلِ ما يتهيّأُ الرسولُ دائمًا بتعمّقه في مفاهيم رسالته، ويتغذّى بأفكارها، ويجترح المعاني والأفكار المُروّجة لها، تتهيّأُ القصيّفي في رسالتها. الدعوةُ هي الحبّ. الحبُّ المحرّض للوجود. من خلاله تعي حقيقةَ وجودها وتحملُ الطيبَ. هي المؤمنةُ بالحرّية، تلتزمْ بألاّ تلتزم. تبقى متفجّرة في أن تكونَ هي، لا أحدَ سواها. لكنّها امرأةٌ، يرتوي نسغُ الحبِّ من جمالها. هي رسولةٌ لحبٍّ يلازمها "كي أتذكّرَ الفرقَ بين أن أعيش وأن أحيا". فتَفْتحُ على إشكاليّةٍ تنخرُ جسم المجتمع، وتُفكّك الأُسَر. إشكالية "العيش" وإشكالية "الحياة"، إذ بات معظمُ الناسِ يكتفي بالقول :"عايشين"، ما يعني أجسامٌ تتحرّك في اللوحة الجبرانية، أمامَ العاصفة فتخالُ حياةً فيها.
والرسولةُ لا تُخفي تعمقها في لاهوت رسالتها. صحيح هي رسولةُ حبٍّ، لكن ليس أيَّ نوعٍ من الحبّ. 
تُخفي الأديبة ماري القصيّقي هواجسها الحياتية، وراء مرايا مصقولة تُريدُ منها أنْ تتشرّبِ الجمالات المنعكسة فيها. تُريدُها أن تُزهرَ في داخلها. تتفتح في شرايينها. تتنفّس عطرها. تُدركُ جوهرها. تُعتقُ جذورها من الالتصاق إلى الإلتصاق. 
وتقودُ إلى حيثُ الدهشة = السؤال. ما يُبقي سرَّ الأنثى على غُموض، يُبحرُ قريبًا من شواطئ اللمسِ ولا يستقرُّ في مرفأ.

"أحببتُكَ فصرتُ الرسولة"، لوحاتٌ مطلّيةٌ بكلّيّةٍ عشقية. المعشوق صديق، عاشق مهووس بالحبيبة، مفكّر، فيلسوف، مشارك في أفكار الحبيبة، غائبٌ خارج حدود وطن، بعيدٌ في عمله اليومي، متوسّطٌ العمر أو عجوز... وفي هذه الحالات كلّها هو القريبُ الحنون الذي يمسحُ التعب عن جبينٍ أو يُغري بقبلة أو بابتسامةٍ من عينيه... لكنّ رسالتها هي أن تبقى الحبيبة المتولّهة...
الحالاتُ الواردة تَعكسُ مناجاة القصّيفي لحالاتٍ تُعبّرُ عنها. لا تتخذُ شكلاً تدريجيًّا، بل تواجدًا دائمَ الحضور في لوحاتها الشعرية من "الرسولة". ما يقي الأديبة من التهوّر في أوصافٍ "بورنوية" درجت في مؤلفّاتٍ أنثوية معاصرة. هي مشبعةٌ بالرغبات. طقوسيتُها مالئة خلايا الجسد. "أعرّيكَ من ثيابِكَ كي ألتصق بجلدكِ، وأخلعُ عنكَ جِلدَكَ كيْ أنصهرَ فيكَ، فحينَ يجنُّ بي التوق إليكَ، يصيرُ جسدكَ حاجزًا أرغبُ في اقتحام جماده ...- ص- 37". هو التوقُ الجامحُ، يتبلورُ في إيحاءاتٍ مثثقلة بعناقيد الرغبة. طيبُها حالاتُ شوقٍ من استعادة لوحةٍ في الخيال، أو ذكرى (أفلفشُ في أوراق ذاكرتي لعلني أستعيدك – 99)، أو تصويرٌ لحالة ضياعٍ لبعد الحبيب، أو قبلة متسلّلة من خلال فتحة قميصِ (ص– 81)، يفضحُ ذكرُ لونها، إلى مدى التعلّق به، بأسلوبٍ شاعري، أو قبلة العنق تمحو ما تركَ العمرُ من تجاعيد.... هي استرسالات ماري القصيفي في "رسالتها العشقية". وطالما أنها "اكتشفت سبب وجودها" فهي، بأسلوبٍ غير مباشر، تُشرّعُ أبواب هذا الوجود على مستلزامته كلّها، فيفيضُ النهرُ بالأشواقِ من دون تفاصيل. "أنا يا صديقي أعرفُ العشق حينَ ألتقي به ولا أهربُ منه... فجسدي ملكٌ لي - ص 3). وتتساءل حول حائرةً أمام جسد الرجل المعاند "هل أنتَ جلجامش الجديد".

الرسولة المتباهية بجَلالِ رسالتها العشقية، تتطلّع إلى أبعادٍ كونيّة في عشقها، "كطفلةٍ لا تُريد التوقف عن العبث في أغراض الكون، وهي مطمئنّة اطمئنان الجاهل لجهله إلى أن الكون كلّه يُباركُ لهوها – ص 32). وتبقى في هذا النزق العشقي المواكب للحالات المتجدّدة، إلى أن تغرقُ في صوفيّةٍ عميقة:"ما أعرفُهُ انني توحّدتُ بكَ حتى لم أعد أعرفُ كيف أميّزُ بين فرح قلبك وفرح قلبي، بين شوقكَ إليّ وشوقي إليكَ، بينكَ وبيني – ص -40".
ولدى الالتباس، والحلوليّة، أو الإشراق، لا يعودُ يهمّ من يكونُ أو لا ... ألم يرَ إبن العربي "الله تحتَ الجُبّة" – ورابعة العدوية :"إذا رأيتني رأيته وإذا رأيته رأيتنا". هي ماري القصيّفي تقولُ في ريبتها العشقية "أأنتَ هو؟":" ولأجلِ ذلكَ لم يعدْ يهمُّ أن تبقى أو ترحلَ، أن تحضرَ أو تغيبَ، فأنتَ لم تعدْ أنتَ، لأنّكَ صرتَ الحالة". وأيُّ حالةٍ تتكوّن في صيرورةِ عدم التلاقي، المغلولِ بمساحاتِ بُعدٍ لا يُجرّحُ وُدًّا ولا يذبحُ عشقًا ولا يُنبتُ قمحَ تواجدٍ. "أنتَ الآنَ تمشي في أرضٍ لا أعرفها، وأحسدُها لأنّها تعرفُكَ وتُرافقُ خطواتِكَ – ص - 107". التكامل بين كوكبين يتجاذبان القوّةَ ذاتِها، التوازن الدوراني ذاتَه، يُلقي نفسَ الرغبةِ في الافتراق..."نحنُ قوّتان تحتاجان إلى هذه الفسحة التي بيننا، نحتاجُ إلى رياحٍ تلعبُ بين أعمدة هياكلنا – ص-108".
ورغمَ أحلامِ طفلةٍ – أنثى تلهو بكياناتِ الحبّ، يبقى انسيابُها إلى حضن الحبيب وهي تفيقُ من "عزّ النوم"، لوحةً حنان يملأ العشقَ، لأن "أجملَ الصباحاتِ تلك التي فيها تفتحُ عينيكَ اللتين لهما لونَ الحبّ، وتراني أبتسمُ وأنا في غفوتي أحلمُ بكَ – ص 116". وتعيشُ حياتها في دقائقها، بعد أن تُدفقَ على لوحتها ألوانَ الحبّ، ألوان حياةٍ اكتشفتها فتضيفُ:"مرّاتٍ ترفرفُ شفتاكَ على لحن أغنيةٍ قديمة لفيروز قبلَ ان تحطّا على جبيني، ومرّاتٍ تحملان على أجنحتهما أريج القهوة التي أعددتُها لنشربها معًا، وتهمسَ لي من بعدها :قهوة دايمة ونضحك – ص 116".
وفي تجلّي الرسالة، إيحاءاتُ القصّيفي الأدبية، فالشفاه لا تُدندنُ أغنية بل "تُرفرفُ"، ليسَ من أجلِ الأغنية، بل من أجل قبلة على الجبين، حيثُ "تحطّان"... فتعيشُ لحظة العشق الصباحية معًا.
هذه الثنائية التبادلية في العشق لا تنفكُّ تتحدّثُ عنها الأديبة القصّيفي، وتراها في مجالات رسالتها العشقية كلّها...
تُتعب ماري القصّيفي في حدائقها المُعلّقة. أضاميمها في كلِّ مكان. تسمو بالحبِّ إلى مرتبة الرسالة. تشيلُ واقعَ الحبِّ إلى محطةِ الهوسِ والهذيانِ في مواقع. تأخذُ بالرجلِ إلى أسمى ما يحلو لها أن يكونَ ليستحقّها، فهو الرجلُ المتوافقُ مع خطوطٍ هندسيّة وألوان عاطفيّة سكبتها على عُريِ عشقها. "أيّها الرجلُ المولودُ من كلماتي...ها أنتَ تولدُ كلمةً من رحم انتظاري – ص 42". هذا الانتظار المضني، المسكوب بجفاف الحلق ويباس اللسان "من أين لي أن أعرفَ رجلاً مثلكَ- تتابع – أنا التي توقّفَ بها السعيُ عند محطّاتٍ لا يصلُها قطارٌ ولا يمرُّ بها مسافرٌ – كيفَ وصلتَ إلى غُرفتي – ص 42". كأنما تُقاربُ ملاكًا أو رجلاً اثيريًّا جاء في ليل العمر واختصرَ ما تُريده من رجلٍ عاشقٍ "أيُّها الرجلُ الغريبُ/ الحبيبُ/ الهادئُ/ المُطمئنُّ/المصغي/ الواثقُ/ العارفُ/ الشاعرُ/ العالمُ " هوذا أنتَ من أكوّنه في رحمِ شهوتي :"نم الليلةَ في فراشي ولنغفُ متعانقينِ آمنين. ودعنا لا نُفكّرُ في الغدِ – ص 43". 

أمّا الحالةُ الشعرية، فتقاربُها القصّيفي بعمق العاطفة. الجرسُ الموسيقي يتناغمُ في شفافيةٍ تعكسُ صِدقَ العاطفة، ويفتحُ على نوافذَ نحوَ مسافاتٍ من إبداعٍ يُدهِشُ. وهو إبداعٌ يتمايزُ في لوحتين: أولى تصلُ بالقارئ إلى دهشة، عبورٌ نحوَ حالاتٍ غيرِ متوقعة، قد تصدمُ. تقودُ ماري القصيّفي رسوليتها بتصاعدٍ عشقي، وعندما تبلغُ الذروة في المدِّ الارتدادي تكوّنُ حاجزًا، يُشبه ذلك التابو في أحلامِ اللذّة. يصعق. 
والإبداعُ الآخر في اختيار لوحاتها وسياقها الأدبي، وللمثال "كلماتُكَ القليلة نبيذٌ نادرٌ أمضى عمرهُ الطويل في أقبية قلبك – 74" – "ما نفعُ الجسدِ إنْ لمْ يكنْ ليفيضُ برغباتٍ صباحيّةٍ – ص 113".- "يُصغي الكونُ إلى لغتنا ولا يفهمُ منها شيئًا، لكنّه يقع تحتَ سحرها – ص 96" – "أكوي أفكاري التي جعلكها التقلّبُ على قلقِ الانتظار - في غيابِكِ يغيبُ كلُّ ما عداكِ – ص – 88". – "غيابُكَ الضبابيُّ يتسلَّلُ إليَّ من ثقوب الأبواب التي ظننتها صارت محصّنة ضدّ حضورِكِ – ص 86". -... هذه باقة فالانتينية من حدائق القصّيفي ...وأحيانًا تيأس – تستقيل – تُريد أن تنفضَ عنها الحبّ – أن تترك مفاتيح السماء التي تنقلنا إليها معها لنعودَ إلى الواقع.
"تعبتُ ...من الحبّ المجنون، الصاخبِ، المتطلّب،المتسائل، المُلحِّ، المُشاغبِ، العنيد،
من الحبِّ الذكي، المشاكس، الباحث، العاصي، العابث،
من الحبِّ الخالق، المختلف، المتخيّل، المتخايل،
تعبتُ من الحبّ " (ص -136...)

ومثل أيّة رسول أو رسولة، تتهدّدُ حياتُه أو تُكبّلُ حرّيتُهُ، أو يُقطعُ رأسه مثل يوحنا وبولس ... تخشى الرسولةُ من التهيّوء الدائم والخوف والخداع "تعبتُ من مهمّة رسوليّة مصيرُها الاستشهاد على حدود اللقاء ... " 
"خدعتني أيُّها الصديقُ العجوزُ،
بعدما أوهمتني بامتلاكك مفاتيح السماء،
وخرائط الأرض ولغة الكائنات" (ص – 137...)

××××
"أحببتُكَ فصرتُ الرسولة" – ليسَ عنونًا لكتاب مستعار من عنوانٍ جزئيّ. هو رسالة تتماوجُ في مراحلها من الإعدادِ حتى اليأس، عبر النشوة الصوفية الخارقة للذات والعابرة إلى الإنصهار بالآخر، في ذاتِه وكونه وعالمه... في أرجوحةٍ ملوّنة بعشقٍ يحلمُ بالسماء ... ويُفاجئ كيفَ أنّ أجنحته تتعب.
قراءة سحريّة بامتياز ...