الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 19 نوفمبر، 2017

مأتم العروبة بين الربيع الإسلامويّ والخريف المسيحيّ - 2012


لاجئات فلسطينيّات إلى لبنان عام 1948
المهجّرون المسيحيّون في الطريق إلى دير القمر (1983)
الصورة من أرشيف الطبيبة السويسريّة  DR Josiane Andre

في عصر ما بعد العولمة، وفي مرحلة ما بعد الثورات العربيّة التي صارت أوهام انتصارات إسلامويّة، وبعد نأي المشرق عن المغرب، وازدياد الهوّة بين الشرق والغرب رغمًا عن فورة الاتصالات السريعة، تبدو العروبة جثّة مرميّة على قارعة الطريق، لا أحد يجرؤ على الاعتراف بقتلها، ولا أحد مستعدّ لتحمّل تكاليف دفنها!
ربيع الحركات الإسلاميّة صحراويّ جافّ، غبارُه أكثر من أزهاره وعسله، وحرارته تخنق أنفاس الفكر وتطبق على صدر الحريّة. أمّا المسيحيّون ففي خريف لا يحسنون فيه الاستعداد لشتاء يليه: فلا زيت في خوابيهم، ولا قمح في أهرائهم، يتناثرون كأوراق الشجر الذي لا تربة تتمسّك بجذوره.
بين هذين الربيع والخريف، تبدو العروبة، التي راهن العلمانيّون على كونها درب الخلاص، مجرّد ذكرى، لن يكتب الكثير في رثائها، لانشغال أهل هذه الأرض في انتظار من يقسّم عليهم تركة العجوز المريضة، كما حصل للرجل التركيّ المريض عقب الحرب العالميّة الأولى.
فالعروبة التي ضيّعت في الأوهام طفولتها، أضاعت فلسطين في صباها، ثمّ باعت نفسها في أسواق النفط، لينتهي بها الأمر جارية كهلة في قصور الديكتاتوريّين، يتلاعبون بها ويسخرون منها حين يوحون لها بشباب وعافية ما عادت تملكهما. هذه العروبة من يذكرها اليوم؟ من يتذكّر ملامحها وصفاتها؟ من يحلم بعد في أن ينجب شعوبًا جديدة من رحمها التي اعتادت إسقاط الأجنّة؟ من يراهن على نجاتها في صراع الحضارات؟ وبأيّ سلاح ستواجه الترك والفرس والبربر والكُرد والشركس وغيرهم من الشعوب والقبائل والإتنيات التي تريد اليوم أن تستعيد هويّاتها، ولو لمجرّد ردّ الاعتبار وإثبات الوجود، ناهيك عن الرغبة في التحرّر والسيطرة بل التمدّد والتوسّع؟ هذا إن أسقطنا من حسابنا الأرمن والموارنة والأقباط الذين تتلاعب بمصائرهم، كمسيحيّين، عواصف السياسة الدوليّة، وعواطف المنتمين إليها!
هذه العروبة التي ناءت رفوف المكتبات تحت ثقل مجلّدات تشيد بها وبإنجازاتها، كيف اختفت فجأة؟ كيف انتهى أمرها بعدما شرّد الحكّام من قصورهم وقتلوا وسجنوا؟ فلو كانت من نسائهم لهرّبوها معهم! ولو كانت من محظيّاتهم لأمّنوا لها آخرة صالحة! لكنها عجوز انتهت مدّة خدمتها، فلا هي خدمت غير المسلمين، ولا الإسلاميّون اليوم في وارد أن يعيدوا إليها مجدها الغابر! وما لم يتّفق أهل الخير على دفنها، ستبقى العروبة جثّة تنهشها الوحوش الكاسرة وتتناهشها الطيور الجارحة إلى أن تنتهي في التراب، حيث لا مدفن يتبرّك به أحفاد المؤمنين بها، أو يزوره السائحون الراغبون في صورة إلى جانب ضريح من كانت مالئة الدنيا وشاغلة الناس والمشغولة على الدوام عن دورها الأساس!  

السبت، 18 نوفمبر، 2017

في غياب رجالات الوطن - 2011


الرجل الكرسي

لم نكن نستعمل كلمة "رجالات" إلاّ لربطها بالوطن. ومنذ صار الوطن ورقة خريف في مهبّ الرياح، غابت الكلمة من قاموسنا وحلّت مكانها مفردات كثيرة لا توحي بالأمان: زعماء، شهداء موتى وشهداء أحياء، قادة أحزاب، رؤساء، شيوخ، بكاوات، رفاق، أساتذة، جنرالات.

حين كنّا على مقاعد الدراسة، كان كتاب التاريخ مسرحًا لرجالات الوطن والاستقلال وسجلاًّ لأساطير وحكايات عن البطولة والحروف الأبجديّة ولون الأرجوان ومرور الفاتحين ورموز الآثار والكتابات، ولم يكن يعنينا أن نطرح علامات استفهام عن حقائق الأمور وخلفيّاتها السياسيّة والإقليميّة والدوليّة، كنّا نريد وطنًا فوجدناه بين دفّتي كتاب وفي قوافي القصائد، واكتفينا. ربّما لأنّ الذين علّمونا كانوا كذلك مؤمنين بما في الكتب، أو ربّما لأنّهم كانوا يخشون مثلنا أن يطرحوا الأسئلة المحرجة، فكنّا ندخل كلّنا، معلّمين ومتعلّمين، إلى كتاب التاريخ ونعود محمّلين أمجادًا وانتصارات حقّقها رجالات الوطن.
لم يكن هناك شهداء أفراد على ما أذكر، أو على الأقلّ لم يكونوا بالأعداد التي نتباهى بها اليوم، كانت المدن بكاملها تغلق على نفسها الأبواب وتحترق بكلّ من فيها كي لا تقع في أيدي الأعداء المحاصرين أسوارها. أمّا الآن، ففي كلّ يوم شهيد، والأيّام عند العرب هي المعارك، ونحن نتعارك بسبب الأيّام، ولا أحد يريد أن يتعلّم أنّ ثمّة يومًا لك ويومًا عليك، ولا يدوم ملك إلاّ لصاحب الملك.

تفضح اللغة المتكلّمين بها. لذلك لم نعد نستعمل كلمة رجالات، ولا كلمة أيّام، بل صارت المصطلحات أرقامًا تشير إلى أحزاب وتيّارات، وتواريخ تؤكّد أن لا تاريخ متّفقًا عليه. وخلوّ اللغة من معاني البطولات وامتلاؤها بكلمات التضحية والشهادة يعني أنّنا صرنا نحتفل بالموت أكثر من احتفالنا بالحياة، وأنّ رهاننا على الذين رحلوا أقوى من ثقتنا بالذين بقوا. ومع ذلك لم نتفق عليهم، ووزّعنا أوراق الروزنامة على عدد الشهداء، كي لا يعتب أحد، ووزّعنا الأدوار كي تتاح الفرصة للخطباء كلّهم للكلام، ووزّعنا الساحات كي يجد الجميع أماكن لهم، ووزّعنا الأعلام كي يبدو المشهد مؤثّرًا، ووزّعنا المظلاّت في حال أمطرت السماء، ووزّعنا الملصقات على السيّارات والأزرار على الصدور، ووزّعنا رجال الأمن، والكاميرات، والصحافيّين، والباصات على القرى والبلدات، والأموال على الأتباع، فهل يصعب علينا بعد ذلك أن نوزّع البلد حصصًا ومقاعد نيابية على قياس المصالح لا على قياس الوطن.
هل نجرؤ اليوم على الحلم برجال لمستقبل آت، فتنضم الألف والتاء علامتا التأنيث إلى رجولة السياسة ليعود لنا وطن لا تختصره كتب التاريخ ولا يخشى الأسئلة عن انتمائه لأنّه لن ينتمي إلاّ إلى نفسه من دون انعزال ولا تبعيّة؟


الجمعة، 10 نوفمبر، 2017

فلتمطر السماء ولتهتزّ الأرض (2011)







     ضجر الكون منّا، وملّ الناس في بقاع الأرض أخبارنا، وتخلّت عنّا حكومات العالم، ولن يكون لنا خلاص إلاّ بطوفان يغرق قبحنا وعهرنا وغرورنا، أو زلزال يدمّر معابدنا وأنفاقنا وأبراجنا. لعلّ المصيبة تجمع الناجين منّا بعدما فرّقتنا الأهواء والنزعات والأطماع. الحروب جرّبناها، واتفاقات السلام أثبتت سذاجة رُعاتها والمراهنين عليها، وحكومات الوحدة الوطنيّة بيّنت كم نحن مشرذمون، فلم لا نجرّب فناءً لا يبقي ولا يذرّ، أو كارثة طبيعيّة لا نتّهم أحدًا بها، أو موتًا جماعيًّا يولد من رماد ضحاياه شعب جديد؟

     أؤمن بأنّنا صرنا نستحقّ عقاباً من هذا النوع بعدما أُعطينا الفرصة تلو الفرصة لكي لا نخسر الفردوس مرّة جديدة. إنّنا اليوم مشاريع شؤم وفساد ونتن. الأب المتحمّس لزعيمه مشروع فجيعة يتحقّق لحظة يروح ابنه ضحيّة هذه الحماسة، والأمّ المتعصّبة لمذهبها مشروع ثُكل يبدأ العمل به متى اصطاد التعصّبُ المواجه وحيدتها على قارعة الطريق، وطلاّب الجامعات مشاريع قيد التنفيذ تحويلهم قنّاصين وسفّاحين ومجرمي حرب أو مخطوفين ومعوّقين ومدمنين. وحين يتحكّم الغباء بالأبوّة، وتتغلّب القسوة على الأمومة، وتغرق صروح العلم في الجهل والتطرّف، يزول كلّ أمل وينطفئ كلّ رجاء ويحيق الموت البطيء المرعب الموجع بكلّ حيّ. عند ذلك، لا بدّ للسماء من أن تُشهر علينا بروقها، وتصرخ بنا مرعدة، وتمطرنا بمياه معموديّة تخلّصنا من شرورنا أو بنار وكبريت يأكلان آثامنا، ولا بدّ للأرض من أن تهتزّ تحت أقدامنا وتقذفنا بلهب باطنها، ثمّ تبتلعنا لتطهّر وجهها من دنس وجودنا.

     سئم منّا الجميع، ولم نسأم من التقاتل. تعب منّا الجميع ولم نتعب من الكذب والخداع والتذاكي والسرقة والقتل. استسلم العالم أمام جنون ما نحن فيه وأوصد أبوابه في وجه وقاحتنا، ولم نتوقّف عن تسوّل المناصب والثروات وجوازات السفر. فلتمطر السماء غضبًا، ولتهتزّ الأرض اشمئزازاً، قد أدّى هذا الوطن رسالته، وانتهى دوره، وصار على اللبنانيّين أن يعترفوا بأنّهم لم يستحقّوا هذه الأرض، وبأنّ الشعارات التي رفعوها في تمجيد أنفسهم والتبشير برسالة بلدهم ونشر حضارتهم صارت كلّها ذكريات جميلة تروى لأطفال يعرفون أنّ ما يسمعونه ليس إلاّ حكايات تجمع ما بين الماضي والمتخيّل ولا علاقة لها بالواقع. وما علينا الاعتراف به الآن من دون تردّد أو خجل، هو أنّ هذا البلد ليس طائرًا يطير بجناحيه المسيحيّ والمسلم، بل هو طائر يرقص رقصته الأخيرة بسبب المسيحيّ والمسلم، وهو لم يعد بلد الرسالة الحضاريّة، بل بلد الرسائل الملغومة ما بين القوى الإقليميّة، وليس صحيحًا أنّه أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقسّم فقد تقاسمته وحوش الجشع وابتلعته حيتان الطمع وانتهى الأمر. وصار من السخف أنّ نردّد أنّ اللبنانيّ ناشر فكر وعلم بعدما صار ناشر عرض وعهر، ولم يعد عندنا حروف أبجديّة نصدّرها، بعدما شوّهنا الحروف والكلمات حين مسخناها تسميات تثير السخرية والبكاء.


     لا شكّ في أنّنا ننتفض ما بين حين وآخر على تشاؤمنا، ونقرّر ألاّ نرضخ لسوداويّة واقعنا، فنقول بأنّنا في أزمة وسوف نخرج منها كما فعلنا سابقًا، وبأنّ تاريخنا يشهد على أنّنا شعب يحبّ الحياة ولا يعرف الهزيمة. ثمّ ماذا؟ وإلى متى نستمرّ في خداع أنفسنا ونحن نتوهّم أنّ الوطن الذي كنّا نعرفه لا يزال هو نفسه أو أنّنا قادرون على اجتراح أعجوبة نفض الموت عنه وبثّ الحياة فيه، الحياة اللائقة الكريمة العظيمة. نتصرّف كالمريض الذي يرفض الاعتراف بمرضه فيؤخّر علاجه واحتمال شفائه. وسنكون أشدّ الناس مكابرة إن لم نعترف بأنّ وطنًا آخر يتكوّن على حساب الوطن الذي قتلناه ونطعنه كلّ ساعة للتأكّد من أنّه لن يقوم من موته، وبأنّنا نزداد طائفيّة ومذهبيّة وتحزّبًا وتقوقعًا وحقدًا ومرارة وكرهًا وغضبًا وجهلاً وغباء ونرفض الاعتراف ولو بجزء من ذلك.

أنا شخصيًّا لم أعد أريد أن أضع اللوم على "الآخر" في ما ينتظرني في هذا البلد، أيّاً تكن هويّة هذا "الآخر". فليكن غضب السماء علينا هو سبب موتنا وليأت الطوفان الغامر على عجل؛ وليكن ضيق صدر الأرض منّا هو سبب فنائنا، وليقع الزلزال المدمّر في أسرع وقت. ولتأت النهاية على غير يد الناس ولنضع اللوم على الطبيعة، فقد تعبنا من مقاومة بعضنا وتخوين بعضنا وإلغاء بعضنا، وآن أوان الاعتراف بهزيمتنا الحضاريّة والإنسانيّة، فقد نجد سلامنا الداخليّ حين نتوقّف عن تصديق هذه القصيدة الجميلة التي اسمها لبنان، والتي حوّلها ضيقُ أفُقنا موضوع إنشاء سخيفاً يُفرض على تلامذة المدارس المنتظرين موعد الرحيل عن هذا البلد إلى غير رجعة.
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 25 كانون الثاني 2011

كان يجب أن يكون ترامب (2016)


كان يجب أن يكون ترامب...
كلّ ما حدث ويحدث يقود إلى أن يكون دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدّة الأميركيّة.
كلّ ما تعرّضنا له، على الصعيدين الشخصيّ والعامّ، كان ينذر بوصول شخص على مثال ترامب إلى سدّة الرئاسة في إحدى أقوى الدول وأكثرها تلاعبًا بشؤون الأمم والشعوب.
كلّنا أوصلنا ترامب إلى حيث هو لنصل معه إلى أعلى درجات الجنون، وننحدر معه إلى أدنى دركات الانحطاط، وما بين الصعود والهبوط تأرجح يودي بالحضارة.
فتلال النفايات المرتفعة والجبال الخضراء المكسّرة... أوصلتنا إلى ترامب.
والإعلام الغبيّ... ابن ترامب.
وبرامج "المسخرة" والاستهزاء... صنيعة ترامب.
والصحافة التي تطرد صحافيّها لينعم مؤسّسوها وورثتهم بالترف... ربيبة ترامب.
والمعلّم الذي يعطي ساعات من الدروس الخصوصيّة تفوق حصص التعليم في الصفّ... لا شيء يميّزه عن ترامب.
والأمّ التي لا وقت لديها لتجلس مع أولادها وهم يدرسون... تربّي أشباه ترامب
والشاعر الذي استدان المال بحجّة أمّه المريضة، ثمّ ذهب إلى قبرص للزواج من صديقته اللاجئة... قادنا إلى ترامب.
وحمَلة الشهادات الذين ينزلون إلى الشارع ليصفّقوا لزعيم لم ينظّف بلدهم من النفايات... نزلوا بنا إلى مستوى ترامب.
والكتب المتروكة على رفوف المكتبات طعامًا للغبار والرطوبة والعفن... تنبّأت بوصول أمثال ترامب.
والآباء الذين يأكلون حصرمًا قبل أن يصير عنبًا حلوًا يأكله الأبناء... هم آباء ترامب وأجداده.
والأشقاء الذين يرون في الأخوّة شراكة إرث... هم إخوة ترامب بالرضاعة من ثدي الجشع.
وعائلات الزعماء وأتباعهم، مكتسحو القصور والوظائف... هم أشباه ترامب.
والمؤسّسات التربويّة بواجهاتها التجاريّة الفاخرة... تخرّج دفعات من تلامذة يسيرون على خطى ترامب.
والمستشفيات التي يموت الفقراء على أبوابها... كان أمثال ترامب يولدون في أجنحتها الخاصّة.
ورجال الدين الذين يغتصبون الأطفال والرواتب والعقول... تركوا ربّهم وعبدوا من هم على صورة ترامب ومثاله.
نعم! كلّ ما حصل ويحصل كان يجب أن يعلمنا بأن لا بدّ من الوصول إلى قعر القاع
أن يحكم العالمَ مجانين لا شعراء
أن يقود الناسَ أغبياء لا أتقياء
أن يعمّ الخراب الفكريّ، والخواء الروحيّ
نعم، كان يجب أن يكون ترامب رئيسًا في هذه المرحلة... كي تؤمن بأنّك محقّ في يأسك وقرفك!
نعم، كان يجب أن تكون هيلاري كلينتون منافسته في هذه المرحلة... كي تؤمن بأنّ سبب غثيانك ليس أمرًا عضويًّا!

المجتمعات المريضة (2011)


Grey's Anatomy


صار الجلوس أمام شاشات التلفزيون أقرب إلى الجلوس في عيادات الأطباء أو في أقسام الطوارئ في المستشفيات أو أمام أبواب غرف العمليّات الجراحيّة. ولو كان التلفزيون قادرًا على بثّ الروائح كما يبثّ الصور لوجدنا أنفسنا مزكومين بروائح المطهّرات والمخدّر ممزوجة بإفرازات الأجسام والجراح.
فإذا أخذنا مثلاً المحطّات التلفزيونيّة الأرضيّة في لبنان، نجد أنّ البرامج الطبيّة المتخصّصة تحديدًا بالعلاج التقليديّ أو الطبيعيّ أو البديل، صارت تحتلّ فترات بثّ طويلة تشعرنا بأنّنا لن نعجز مع قليل من المتابعة على تبادل الوصفات الطبيّة عبر "الإيميل" وإعطاء النصائح لمن نعرفهم من المرضى. فلكلّ محطّة طبيبها الخاصّ (فضلاً عن منجّمتها)، أو معالِجُتها المتخصّصة، وكلّهم يغسلون أدمغتنا وأمعاءنا بنصائح يختلط فيها الغرب بالشرق، والحديث بالقديم. كلّ ذلك وجمهور المشاهدين عاجز عن الفهم أو التمييز بين ما تقوله "مريم نور" أو ينصح به "زين الأتات" و"نقولا قيماز" أو تعلن عنه شركة "أمانة كير" ثمّ جاء برنامج "لازم تعرف" متزامنًا مع برنامج "الأطباء" المنسوخ عن الأصل الأميركيّ. وفي أكثر الأحيان تختلط الوصفات وتتشابك التعليمات فيتحوّل العلاج الذي اخترعه المريض سمًّا زعافًا.
أمّا إذا انتقلنا إلى المحطّات الفضائيّة العربيّة فنجد في انتظارنا "الدكتور فيل"، و"الدكتور أوز" الضيف الدائم في برنامج "أوبرا" التي تستضيف فضلاً عنه أطباء آخرين وفي مجالات مختلفة، و"أناتومي غرايس" و"دكتور هاوس"، و"الأطباء" الأميركيّين، ولن ننسى مسلسل "إي آر" المتخصّص في ما يجري في قسم الطوارئ، وGrey's Anatomy وغير ذلك من المعلومات الجادّة على المحطّات العلميّة أو التعليقات الساخرة في البرامج الكوميديّة، فضلاً عن برامج الحوار العربيّة في الصبحيّات وبعد الظهر ومساء. غير أنّها كلّها تشعرك بأنّك كيفما قلّبت المحطات فستجد حتمًا طبيبًا يقدّم لك رأيًا في حالتك النفسيّة أو ما قد يتعرّض له جسمك.
لا اعتراض على واجب التوجيه والتحذير والتوعية، والبرامج الوقائيّة أفضل بما لا يقاس من نشرات الأخبار التي تنقل انتشار وباء أو ظهور مرض، والمثل عندنا يقول: درهم وقاية خير من قنطار علاج. والأطباء كانوا في تاريخ البشريّة عناصر أساسيّة منذ المجتمعات البدائيّة حيث ارتبط عملهم بالسحر والشعوذة لأنّهم قادرون في رأي الناس على طرد الأرواح الشريرة التي تسبّب الأمراض. وسيبقى للأطباء هذا الدور الأساس ما دام الإنسان عرضة للأمراض، وما دام المرضى يقاومون الموت، وما دامت الحياة غالية على قلب كلّ إنسان. ولكن كم من طبيب عالج بلفتة حنان وخفّف الألم بابتسامة، وهذا علاج بسيط وسحريّ في الوقت نفسه على كليّات الطبّ أن تلحظه في مناهجها.
ولكن ما يلفت الانتباه في كثرة هذه البرامج هو دلالتها على كثرة الأمراض. فما كانت هذه الأحاديث الطبيّة لتجد الصدى والإقبال لو كان الناس أصحّاء أو مطمئنّين إلى أنّ أنظمة الحياة المعاصرة لن توقعهم في شرك الأمراض النفسيّة والجسديّة. فمما لا شكّ فيه أنّ المجتمعات هي المريضة لا الأفراد، والأنظمة الغذائيّة هي الموبوءة لا الأشخاص، ولذلك كانت المعالجة الجماعيّة الإعلاميّة هي الحلّ بعدما بات من المستحيل معالجة كلّ فرد على حدة، لكثرة ما انتشرت الأمراض وتنوّعت الأعراض.
فحين نجد طبيبًا نفسيًّا يعالج في بثّ مباشر حالة مراهقة مدمنة على المخدّرات، وتمارس الدعارة لتأمين حاجتها منها، نفهم أنّ الحاجة أمّ الاختراع، وحاجة المجتمع كلّه للتخلّص من أمراضه هي التي تدفع إلى مثل هذا النوع من العلاج العلنيّ الصادم بعدما كان الأمر محصورًا في العيادات وداخل جدران الصمت والعيب والممنوع. ومن الطبيعيّ أن يزعجنا ويثير خوفنا امتلاءُ شاشاتنا بهذا الكمّ من الأمراض والشذوذ والإدمان والشراهة في الأكل والتدخين. ولكنّ الحلّ ليس في إسكات الجهاز وتعتيم الشاشة كي نوحي لأنفسنا بأنّ الأمور على ما يرام، لأنّنا على صفحة الشاشة السوداء سنرى انعكاس صورتنا وهي، إن كنّا صادقين مع أنفسنا، لا تختلف كثيرًا عمّا كنّا نشاهده قبل أن نضغط على زرّ إطفاء التلفزيون.

الخميس، 9 نوفمبر، 2017

سقوط الأقنعة الحديديّة - 2011



يسقط كلّ يوم قناع عن وجه ما، فنظنّ أنّ الوجوه ستبدو أخيرًا على حقيقتها، غير أنّ الحقائق أعمق من أن تصل إليها العين المجرّدة، فالقناع يخبّئ قناعًا في لعبة سخيفة وبطيئة لا نهاية لها. مع كلّ يوم، نكتشف أنّ الوجه العاري محرج أكثر من الجسم العاري، لأنّ فيه حقيقة الكائن الموجود خلف الواجهة التي تتزيّن مع كلّ مناسبة وتتزيّا برداء مختلف مع كلّ موسم.
غير أنّ للقناع الحديديّ حين يسقط دويًّا وقرقعة لا يمكن عاقلاً أن يتجاهلهما، أو ألاّ يرى إلى الوجه المختبئ خلفه وكم أخذ من جمود الحديد الذي التصق به طيلة عمر كامل. حين تتساقط الأقنعة الأخرى يختلف الأمر، بعضها يتطاير كالريش والقطن، وبعضها يتمزّق كالورق العتيق، وغيرها يطوى ويلفّ لطواعيّته، أمّا القناع الحديديّ فشأن آخر فهو لا يسقط من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى معدّات خاصّة وطرق معالجة ليست مطلوبة لسواه، وإلى وقت وصبر ودراية، ولكن صوت سقوطه حين يتدحرج على الأرض محدثًا الضجّة الخاصّة به يستحقّ كلّ الوقت الذي أعطي لفكّ مفاصله الصدئة بعدما تركت عليه عوامل الأيّام آثارها. فالقناع الحديديّ سميك وثقيل يزعج حامله غير أنّه يبقى أخفّ ثقلاً عليه من أن ينظر في مرآة تعكس صورة وجهه. وهو كلما طال اختباؤه خلفه كرهه، وكلّما ازداد كرهه له عنفت رغبته في الاحتماء به، وتدور الأيّام وهو يدور في حلقة مفرغة إلاّ من فراغ أيّامه. هل نحن في مرحلة سقوط الأقنعة الحديديّة؟ لعلّ عصر العولمة والسرعة في انتشار المعلومات عبر وسائل الإعلام ساعدا في تحطيم بعض الأصنام وأزاحا الأقنعة عن وجوه كثيرة، غير أنّ طبيعة الإنسان المعجونة بالخوف تأبى أن تخلع ما تظنّ أنّه حصنها أو سورها مخافة أن تصير عرضة للأذى. وما أن يسقط قناع حتّى يتكوّن آخر، وقد نمضي عمرنا كلّه مع أشخاص لن نعرفهم على حقيقتهم مهما ظنّنا العكس. لذلك يبدو الأشخاص "الحقيقيّون" نادرين.
"المزيّفون" هم الذين يضعون أقنعة تخبّئ حقائقهم ولو كانت جيّدة ( وهذا منتهى الخبث). أمّا "الحقيقيّون" فهم يعرضون ذواتهم لضوء النهار كما هي: بخيلة أو أنانيّة أو متكبّرة أو لئيمة، أو ربّما عكس ذلك، ولكنّهم لا يخدعوننا ولا "يتمسكنون" بينما هم أقوياء، ولا يدّعون الشجاعة بينما هم خائفون، ولا يؤدّون أدوار الشاعريّة بينما قلوبهم مستنقعات ملأى بالأقذار والدنس. هؤلاء تأمن لهم، تشعر أنّك تعرفهم وتعرف كيف تتعامل مع حسناتهم وسيّئاتهم، أمّا "المزيّفون" فهم الخطرون الذين يلدغونك حين لا تتوقّع.
ثمّة أمر يثير الاشمئزاز في المزيّفين، يشعرني بأنّهم آتون من كواكب أخرى رماديّة ميتة، أو كأنّهم مخلوقات لزجة كريهة المنظر، أو كأنّهم كائنات ثقيلة تنوء الأرض بها ويتشوّه جمال الطبيعة بأشكالها، أو كأنّ ثمّة شرخًا كبيرًا بين داخلهم وخارجهم. يتشابه "المزيّفون" بشكل رتيب ومملّ، لا شغف عندهم ولا جموح ولا مزاجيّة ولا شاعريّة. يضعون الأقنعة الحديديّة نفسها، المصبوبة في القالب نفسه، المطلية باللون نفسه، ويتحرّكون بحسب إيقاع واحد، فلا يفاجئوننا ولا يدهشوننا. يا إلهي ما أبشع "المزيّفين" وما أكثرهم. غير أنّني أحيانًا، وفي لحظات تعب وجوديّ، أتمنّى لو بقيت الأقنعة الحديديّة على وجوه حامليها "المزيّفين"، فهي على قبحها وبرودتها وغياب ملامحها أجمل ألف ألف مرّة ممّا اكتشفته خلفها.