الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 16 أغسطس 2018

فلتكن لكم نهاية تلك التينة يا أشباه المسؤولين في بلادي! (2016)


يا أيّها الذين عيّنتم أنفسكم زعماء على بلادي ومسؤولين فيها،
فلتحلّ عليكم، وعلى نسائكم وأولادكم وأحفادكم وذريّتكم كلّها في الوطن والمهجر،
لعناتٌ بعدد أكياس النفايات في بلد الأرز واللبان، بما فيها من حفاضات أطفال، وفوط صحيّة، ومحارم ورقيّة، وعلب أدوية، وخِرق مضرّجة بدماء المرضى وملوّثة بأوساخهم وقيحهم،
لعناتٌ بعدد الفيروسات والميكروبات التي أصابتنا وتصيبنا بسبب سياساتكم المتوارثة،
لعناتٌ بعدد الجراثيم الموجودة في مياهنا الموبوءة وهوائنا العليل،
لعناتٌ بعدد أدوية الأعصاب التي أدمنّاها بعدما أدميتم قلوبنا،
لعناتٌ بعدد الضحكات المتبادلة بينكم سرًّا عند اتّفاقكم علينا،
لعناتٌ بعدد قذائف الحرب التي دمّرتنا، ورصاص الفرح بعد كلّ خطاب لأحدكم،
لعناتٌ بعدد الصفقات التي أثرتكم وأفقرتنا، ورفعتكم وأذلّتنا،
لعناتٌ بعدد المرّات التي سألنا أنفسنا فيها عمّا إذا كانت الكهرباء من الدولة أم من المولّد،
لعناتٌ بعدد الطلبات التي قدّمها شبّاننا وشاباتنا إلى السفارات للهجرة،
لعناتٌ بعدد الأسماك المريضة عند شواطئنا، والطيور المهدّدة في سمائنا، والأشجار المقطوعة والمحروقة في أرضنا المستباحة،
لعناتٌ بعدد الأغنيات الهابطة، والفيديوهات السخيفة، والمسلسلات الممجوجة، ونشرات الأخبار البلهاء، والبرامج الحواريّة المستعادة حواراتها سنة بعد سنة، والضحكات الفاقعة المرفقعة في برامج التقليد والنكات والسخرية، والخطب السياسيّة المخادعة،
لعناتٌ بعدد اللايكات على صفحات أتباعكم المغشوشين بكم، والبوستات المؤيّدة سياستكم الغبيّة، والتغريدات الصادحة بتمجيدكم والدفاع عنكم،
لعناتٌ بعدد الموتى على أبواب المستشفيات، وعلى الطرقات، وبعدد ضحايا العنف والخطف والاغتصاب والجرعات الزائدة.
***
اللعنة عليكم، مرارًا وتكرارًا، لأنّكم تعلمون ما تفعلون، ولأنّكم، على مثال التينة التي لعنها المسيح، مخادعون خبثاء، تُتعبون الأرض، وحين تغطّيكم الأوراق الخضر الزاهية تكونون بلا ثمر!
اللعنة على دماء في عروقكم وشرايينكم تمتصّ دماءنا، وعلى شرّ معشّش في رؤوسكم يريد أن يكسر رؤوسنا، وعلى طمع في جيناتكم يخنق طموحنا،
اللعنة على نسائكم الساكتات السيليكونيّات المتواطئات الموطوءات،
اللعنة على أولادكم حاملي جرثومة السلطة والتسلّط، والمحمولين فوق أكتاف أتباعكم،
اللعنة على أحفادكم الموعودين بالمال السهل والمطمئنّين إلى مجد لا يزول،
اللعنة على عشيقاتكم وصبيانكم، وحرّاسكم ومرافقينكم،
اللعنة على قصوركم وفيلّاتكم ومنتجعاتكم وشاليهاتكم ويخوتكم وطائراتكم الخاصّة ومربّعاتكم الأمنيّة ومشاريعكم غير المشروعة.
***
نعم، اللعنة عليكم، أمسِ واليوم وغدًا، وإن كنّا نعلم أنّ المسيح طلب أن نبارك لا أن نلعن.
لكن ألا يجب على المؤمن أن يستعيذ من الشيطان ويمقت أعماله ويهدم الهيكل الذي تحوّل مغارة لصوص؟ "ولا عجبَ. لأنّ الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور" (رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس 11: 14)... أو إلى سياسيّ لبنانيّ تحت الأضواء!

الأربعاء، 8 أغسطس 2018

المسيحيّون يخسرون الأرض فهل يربحون السماء؟




أكثر الذين اتهموا الفلسطينيين ببيع أرضهم وبلادهم كانوا من المسيحيين. وأكثر الشعراء الذين كتبوا قصائد في حبّ الوطن اللبنانيّ غداة تكوّنه كانوا من المسيحيين. وأكثر الذين يفقدون الأمل بالكيان اللبنانيّ اليوم هم المسيحيّون الذين يبيعون أراضيهم تاركين لغيرهم مهمّة التغنّي بالوطن الجديد الآتي من الجنوب على جناحي المقاومة والتحرير، في أناشيد تمجّد الموت في سبيل أرض زُرعت ألغاماً وأنبتت قبوراً. فلماذا يبيع المسيحيّون أراضيهم؟ وماذا في استطاعة الكنيسة أن تفعل للحدّ من حركة البيع، أم فات الأوان ولم يعد في الإمكان تعويض الخسائر؟
لا يبيع كلّ المسيحيّين أراضيهم من أجل تأمين العلم والاستشفاء لأولادهم، ولا يخفى أنّ كثيرين يبيعون الأرض ليشتروا بثمنها سيّارات فخمة وبيوتاً كبيرة وأثاثًا فاخراً وبطاقات سفر للسياحة. أمام كلّ هذه المغريات تبدو شعارات الأرض والوطن والبقاء والصمود عملة بائدة لا قيمة لها في سوق التجارة. فالمسيحيّ بات ينظر إلى آنيّة المرحلة لا إلى مستقبلها، ويريد أن يستفيد من اللحظة الراهنة لا أن يخطّط لآتي أيّام قد لا يصل إليها. فالأرض بقاء والمسيحيّ يريد الرحيل، والعمل فيها ومن أجلها ميزته الصبر والانتظار وتقبّل تغيّرات الطقس وشحّ المياه وبوار المواسم، والمسيحيّ بات يستعجل الحصاد أيّاً يكن نوعه أو ثمنه. ولا بدّ من الاعتراف بأنّ امتلاك الكنيسة مساحات شاسعة من الأراضي في لبنان ساعد في الحفاظ على الوجود المسيحيّ حتّى الآن، ولو كانت في أيدي سوى الكنيسة لبيعت، ولكن هذا لا ينسينا محاولات جرت لبيع أملاك تابعة للأوقاف أوقفها تدخل الفاتيكان، وان الاعتراف بدور الكنيسة في حفظ الأرض لا يعني إعفاءها من أخطاء ارتكبتها كعدم استغلال هذه الأراضي لإنشاء فرص عمل، فهي اكتفت معظم الأحيان بتأجير ما تملك لمحسوبين عليها مع ما يرافق ذلك من سمسرة وتجارة وسرقة. ولعلّ الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الكنيسة هو حصر تفكيرها في اتجاه تأمين منازل للسكن أو مساعدات مدرسيّة أو إعانات غذائيّة. في حين أنّ المنزل لا يؤمّن دخلاً ولا قسطًا مدرسيّاً ولا طعاماً، أمّا العمل فيؤمّن كلّ ذلك من دون أن يكون الناس عبئًا اقتصاديّاً على المؤسّسات الكنسيّة.
في موضوع بيع الأراضي، لا يتحمّل المسيحيّون وحدهم المسؤوليّة، فثمّة فريقان آخران لا يمكن تبرئتهما هما مسلمو الشرق ومسيحيّو الغرب. فمن واجبات المسلم الدينيّة والقوميّة والوطنيّة منع المسيحيّ من الهجرة لا أن يكون السبب في تهجيره، وإلاّ فلن يبقى الشرق ملتقى الديانات، ولن تكون لبلدان كفلسطين ومصر والعراق وسوريا ولبنان هويّتها التعدّدية التي كانت لها. ولهذا لا تبدو الهجمة الإسلاميّة من لبنانيين وعرب على شراء العقارات في المناطق اللبنانيّة المسيحيّة بريئة خصوصاً متى راقبنا التنافس بين اللبنانيين الشيعة والعرب السنّة، في وقت يعرف المعنيّون بالأمور ما ينتج من ذلك على صعيد التوزيع السكانيّ والتوازن الوطنيّ، لأنّهم بقدر ما يتوسّعون يجبرون المسيحيين على التقوقع في مناطق معيّنة في انتظار الهجرة أو الموت. علمًا أنّ الحجّة التي تُعطى وهي أنّ التزايد السكّاني يتسبب بالتوسّع غير صحيحة، فهناك الكثير من المساحات الخالية من السكّان في مناطق محسوبة على المسلمين ولا يبدو أنّ أحداً يفكّر في الاستثمار فيها. لا يعني هذا الكلام في طبيعة الحال أنّه يجب فرز المناطق طائفيّاً، ولو كان المسيحيّ يبيع هنا ليشتري هناك لكان الأمر مفيداً على صعيد الانصهار الطائفيّ، ولكن حين يكون البيع والشراء حركة اكتساح في اتجاه واحد يقع الخلل.
ومن واجبات مسيحيي الغرب الذين يدّعون الاهتمام بمصلحة أبناء دينهم في الشرق أن يساعدوهم على البقاء في أرضهم عبر تأمين مستلزمات الصمود والحياة الآمنة الكريمة من دون انتداب أو استعمار أو حروب، على الأقلّ ليبقى للمسيحيين وجود في أرض المسيح ومهد المسيحيّة. ولكن ما يحصل هو العكس تماماً مما يجعل الدول الغربيّة، حكومات وشعوبًا وكنائس، تضاعف الشرخ بين مسيحيي الشرق ومحيطهم، وتسهّل في ظروف مصيريّة معيّنة الهجرة إليها. فلنتذكّر أنّ الأموال التي تدفع لإقامة أيّ مؤتمر أو سينودس للبحث في مصير مسيحيي الشرق تكفي لشراء مساحات شاسعة من الأراضي تضمن بقاء هؤلاء في بلدانهم. وهذا أمر يتحمّل المسيحيّون وحدهم مسؤوليّته متى اكتمل المشهد بالذين يبيعون الأرض ليقيموا عرساً فخماً أو مأتماً فيه أكثر من مطران وعشرات الكهنة، فيخسرون الأرض ولا شيء يضمن أنّهم يربحون السماء.
 جريدة النهار - الثلثاء 28 أيلول 2010

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

آراء تربويّة غير مستوردة (النهار - زاوية أضواء خافتة – الاثنين 8 آب 2005)



آراء تربويّة غير مستوردة (النهار - زاوية أضواء خافتة – الاثنين 8 آب 2005)
1-  تقام في بعض المؤسّسات التربويّة حفلات فطوروغداء وعشاء ورحلات ترفيهيّة، ولا تقام فيها ندوة واحدة أو محاضرة واحدة أو أمسية شعريّة واحدة.
2-  يستمتع بعض المعلّمين بتعذيب أنفسهم، ويستمتع البعض الآخر بتعذيب التلاميذ. وفي الحالتين تدفع التربية الثمن.
3-  يجب ألّا يُكتب على دفتر علامات التلميذ أنّه هو من رسب في سنته الدراسيّة، بل على المدرسة أن تعتذر من التلميذ وتقول له: نحن آسفون، فشلنا في مساعدتك على النجاح.
4-  فرضت المدرسة على تلاميذها فروض عطلة في حجّة أنّها تساعدهم على اكتساب ما فاتهم خلال العامّ الدراسيّ. لو كنت من ذوي التلاميذ لاشتريت لأولادي فروض عطلة يقومون بها دائمًا، ولأعفيتهم من الذهاب إلى المدرسة، ولوفّرت على نفسي قيمة الأقساط. فإذا كان دفترر العطلة في شهرَي الصيف كافيًا، فلماذا يتعلّم التلاميذ خلال تسعة أشهر مع أكثر من عشرة معلّمين؟
5-  الآراء التربويّة المستوردة كالسيّارات المستوردة، لا تصلح جميعها للمشي على طرقاتنا الوعرة، ولن نصل بواسطتها إلى أيّ مكان؛ أو كالثياب الأوروبيّة الحديثة، لن تليق بأجسامنا القصيرة المكتنزة إلّا بعد كثير من التعديل.
6-  اتّخذت إحدى المدارس شعار "التواصل" ليكون محور العمل والنشاطات، رغبة منها في إعداد التلاميذ للانصهار في المجتمع، ومع ذلك:
فمعلّمو اللغات الأجنبيّة يتكبّرون على معلّمي اللغة العربيّة،
ومعلّمو الرياضيّات يتكبّرون على معلّمي اللغات،
        والمعلّمون يتكبّرون على التلاميذ،
        والمسؤولون يتكبّرون على المعلّمين،
        وخرّيجو المدرسة يتكبّرون على من علّمهم،
        والمعلّمون الأكبر سنًّا يتكبّرون على الأصغر سنًّا،
        والمعلّمون يتكبّرون على الموظّفين والإداريّين والعمّال،
        والتلاميذ المجتهدون يتكبّرون على الراسبين،
        والمتفوّقون في الرياضيّات يتكبّرون على المتفوّقين في الرياضة،
        وأبناء الضبّاط والمهندسين والمحامين الأطبّاء يتكبّرون على أبناء الدهّانين والسائقين والموظّفين والعمّال،
        والمترفّعون صفًّا يتكبّرون على المعيدين،
        وأبناء الطائفة المسيطرة يتكبّرون على الأقليّات،
ومع ذلك، نجح المشروع التربويّ وامتلأت المدرسة باللوحات الجداريّة والشعارات والأبحاث التي تشيد بالتواصل.

الأحد، 5 أغسطس 2018

للحبّ لون عينيك حين تبسمان لي (النص رقم 11 من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)

Lauri Blank


للحبّ لون عينيكَ حين تبسمان لي/ اللون الذي لا يعتق لأنّه من عمر السماء/ اللون الذي لا يتغيّر لأنّ فيه احتمال الألوان كلّها/ اللون الذي يراه الجنين حين يجرؤ على فتح عينيه للمرّة الأولى خارج عتمة المياه/ ولا يملك الكلمات المناسبة لوصفه.
حين تبسم عيناك لي، أرافق الطفلة التي كنتُها على دروبٍ نسيتْ في غمرة عمرِها، أنّ الأزهار البريّة النضرة مرشوشة على جنباتها، ولم تبقِ في ذاكرتها إلّا آثار الشوك والحصى على قدميها الصغيرتين.
أحضن الفتاة التي كانت تدفن رأسها في الكتب، لتهرب من الحرب والموت، ولتغسلَ بالكلمات عينيها من مشاهد الجثث التي تكنس الطرقات بعظامها الناتئة، وأرجلُها مشدودة إلى شاحنات، يقودها رجال قاتلون.
***
أدير وجهي وأنظر من النافذة المطلّة على الحديقة الخريفيّة، وأنا مطمئنّة إلى أنّك تحضن ذكرياتي بابتسامة عينيك، وتهمس في أذني كأنّك تعاتب نفسك:
"كان يجب أن أكون معك منذ اللحظة الأولى/ أن أكون اليد التي تلمس حنطة جلدك/ أن أكون العينين اللتين تضمّانك بين جفونهما/ أن أغسل خوفك بأشواقٍ جمعتها في أعماري السابقة/ أن أضع يدي في راحة يدك، فتطبقين أصابعك عليها، وتعرفين أنّك لن تكوني وحدك بعد الآن".
***
أقرأُ أفكارك على صفحة السماء التي تبدو من إطار النافذة ساكنة هادئة، كأنّ آلة كتابة ضخمة ترسم أحلامك لي ورغباتك فيّ بكلمات كبيرة على أوراق الغيم/ أو كأنّ آلة تصوير هائلة تلتقط تموّجات ما في بالك، وتبثّه حيًّا على شاشة عملاقة، تعبر من أمامها الطيور الراحلة/ فأعرف كم يؤلمك ألّا تكون معي منذ اللحظة الأولى/ ومع ذلك تبسم عيناك لي/ فأرى لون الحبّ، وأتذوّق طعمه، وأنشق رائحته، وأتحسس ملمسه، وأسمع همسه، وأكتشف كم يفوق الحبّ إمكانات الجسد.
***
أنظر إلى اللوحة المعلّقة قبالة السرير، لأهرب من ابتسامة عينيك، كأنّ الحزن جِلد أخشى مغادرته مع أنّي أعرف أنّه ليس جلدي/ بل مسحٌ ألبسوني إيّاه كي لا تمتدّ يدك نحوي/ كأنّك الخطيئة الأولى الراغبة في المعرفة/ فأتشبّث بحزنٍ اعتدت عليه لينقذني من الاعتراف بأنّ ثمّةَ فرحًا ينتظر أن يلفّ روحي القلقة بنعومة حرير/ أخشى أن يتمزّق نتفًا...
تعرّيني ابتسامة عينيك من أسًى صار صومعتي مذ اكتشفت/ أنّ الألم لا علاج له إلّا المسكّن/ وأنّ الوحدة لا خلاص منها إلّا بالموت/ وأنّ الإنسان أنانيّ حتّى وهو يبذل نفسه ضحيّة. تختلط استكانتي إلى وجهك بحذرٍ ما اعتدت أن أعيش من دونه: هل أطمئنّ إليك أم أخشى على نفسي من سطوة حنانٍ لا يريد لي إلّا ما أريده لنفسي/ ولم أكن أعرف أنّني أريده؟
***
أنقّل نظري في كلّ ما يحيط بنا/ وأؤجّل لحظة لقاء عينيّ بعينيك/ ولكن حين يحصل ذلك، حين أنظر بعينين حالمتين إلى لون الحبّ في عينيك/ أرغب في أن تمرّ هذه الدقائق/ هذه الدقائق على الأقلّ/ والناس في كلّ مكان في العالم يشعرون بما أشعر به، وينسون الحزن والألم.
***
همستَ في أذني وقلت لي: لماذا يحلو لي أن أرسم حبّي لك باللونين الأحمر والأخضر؟
أجبتك وأنا أعرف أنّك عندما يفيض حبّك وتؤلمك كثافته، تطرح سؤالًا يخفّف عنك قوّة ما أنت فيه كي تستطيع احتماله:

وأنا أحبّك بكلّ ألوان قوس قزح: بلون السماء عند الغروب، بلون البحر تحت الليل، بلون شفتيّ حين تقبّلهما، بلون نبتة الحبق قرب نافذتي، بلون التراب وهو يتفتّح ليستقبل بذرة جديدة، بلون الشمس وهي تطلّ من بين الغيوم، بلون عينيك حين تبسمان لي.

***


Alwan Hussein
هذا كتاب يختم به الحب , هو كتاب الحب وقصيدة الشعراء ورسالة العشاق وما تذرفه العصافير وقت الصباح وما يبوح به قمر في ليل الوحدة وما يسكبه النبيذ وتهمس به القلوب من كلام , هذا ليس كلاما ً بل نار طالعة من الأبجدية , حروف ملتاعة كأنها لهب الشموع على مائدة الرغبة , كأنها النسيم يتهادى بين المروج تارة ً وتارة ريح ترج الخواطر والأعصاب والرخام وتطوف بنا حول النار كالمجوس ممسوسين , سكارى راقصين من نشوة ٍ مأخوذين وجائعين لكسرة حب ٍ تجود بها غجرية أسمها ماري قصيفي في خيمة وحيدة في العراء وتحت قمر لا يضجر من السهر والحكايات , هي شهرزاد هذا الزمان اليابس , تمنحه الطراوة , تطوي الصحراء بين أهدابها ممتلئة مياها ً وحقول لذة . أقرأ كتابها للمتعة , أقرأه للصفاء ولأطرد الخوف وأقرأه كتميمة ولأشعر بالقلق قليلا ً , قلق من أن يخونني التعبير , قلق من أن تغمرني مياهها ولا أعود أجدني , قلق من الأسئلة , هي تبتكر لنا عالما ً من حقيقة ٍ وخيال نتوهم أنفسنا فيه حالمين وعاشقين , نضيع في شوارعه وأحلامه ومتاهاته الساحرة وننسى , أجمل ما فيه النسيان , نغدو أطيافا ً تركض عارية ً في شوارع مأهولة ٍ بالعشاق , يحلو لي أن أقف أمام مرآتها فاتنا ً مسحورا ً بيدي كمشة قبل وباقة من صباحات ٍ مقطوفة من نافذة مفتوحة على حلم وأن يطيب لي الموت هناك مع القصيدة .

السبت، 4 أغسطس 2018

عن الخانة الجندريّة والخيانة الإنسانيّة وأمور مشابهة



حين أنشر نصًّا على مواقع التواصل الاجتماعيّ، أتوقّع طبعًا أن تكون له قراءات مختلفة، يأتي كلّ منها من خلفيّة كوّنتها عناصر العمر والبيئة والدين والثقافة والجندر... وحين تصلّني تعليقات القرّاء حاملة رؤاهم المتنّوعة المذاهب والمشارب أحاذر الدخول في سجال خشية أن يصرفني ذلك عن كتابة جديدة لفكرة تلحّ عليّ. فأكتفي بالردّ غالبًا بتلك الرموز الجاهزة، أعلن فيها أحد موقفين: وضع علامة "لايك" لمن أعطى رأيًا، ووضع "قلب" لمن عبّر عن عاطفة تشيد بما كتبت (إذ لا يمكن أن أضع لايكًا لمن يمدحني كأنّني أوافقه الرأي).
إنّ حصر ردودي بهذين الرمزين لا يعني أنّني أوافق على كلّ ما يصلني من ردود وتعليقات، بل يهدف في الدرجة الأولى إلى شكر المتابعين على المتابعة (عند بعضهم وبعضهنّ هي مواظبة دائمة) والوقت والرأي والعاطفة.
ولقد لاحظت أنّ الكتابات الأدبيّة أو الفكريّة أو الفلسفيّة المطوّلة لا تنال حقّها. وهذا طبيعيّ في عصر السرعة، ولأنّ هذا النوع من الكتابة لا يلائم وسائل التواصل، حتّى إنّ بعض المتابعين يصارحني بأنّه حين يقرأ ملاحظة (See More) لا يغامر بالبدء في القراءة لأنّه لن يجد الوقت أو الرغبة في المتابعة.
تبقى الموضوعات الجاذبة المتعلّقة بالحبّ والدين والجندر، أي تلك التي تداعب مخيّلتنا أو مشاعرنا أو عقد نقصنا. وهنا يختلط الحابل بالنابل.
فللتوضيح:
في شأن الحبّ: الكتابة الإبداعيّة الأدبيّة تستحضر حالة أو تولّد حالة، وليست تدوينًا ليوميّات. وما يفاجئني في بعض التعليقات أنّ أصحابها (رجالًا ونساء) يؤمنون بأنّها نقل حيّ مباشر لعلاقة عاطفيّة تريد تسجيل أكبر عدد من المشاهدين. وهذا ما يحصل حين تحصد هذه الكتابات العدد الأكبر من التعليقات (القميص الأزرق مثالًا).
في شأن الدين: تعبّر بعض التعليقات عن سطحيّة مخيفة في النظرة إلى الشأن الدينيّ، لذلك ينال نصّ كتبته عن زوّار دير عنّايا أكثر من مئة ألف قارئ على المدوّنة، بينما لا تنال كتابات المونسنيور ميشال حايك إلّا عددًا محدودًا من علامات التقدير. ما يعني أنّ الفكر يسقط أمام الغريزة.
في شأن الجندر: أؤمن بالفروق بين الرجل والمرأة بيولوجيًّا، وأؤمن بالأثر الذي يتركه ذلك على الأقل في مزاج كلّ منهما. ولكنّ هذين الكائنين يتكاملان في الألوهة، لا بمعناها العجائبيّ الطوباويّ، بل بالسموّ الذي يعلو بهما معًا فلا يغرقان في مستنقع التفاهة والسطحيّة والاجترار والتقليد (إلهة تبحث عن إله أو إله يتوق إلى إلهة). أمّا بعض التعليقات التي ترد على هذا النوع من الكتابة فتحاول أن تعيدني إلى مستوى الذكوريّة التي ترفض وتملي والنسويّة التي توافق وتزايد، ما يضعني من جديد في خانة تحديد الجندر أي أنا "امرأة" تكتب عن "رجل"، وما يعيد كلّ قارئ (أو قارئة) إلى خانته الجندريّة وخيانته الإنسانيّة. يغذّي ذلك تجارب شخصيّة خاصّة بكلّ من الجنسين، يضاف إليها تربية اجتماعيّة ومفاهيم سائدة، لم يغيّرها العلم والعمر. فيعود الرجال (في ردودهم) أطفالًا حردانين، وتعود النساء مقهورات مظلومات. ويضيع النصّ في متاهة المع والضدّ، وتذوب الحالة الخاصّة المفروض أن تكون إبداعيّة في كيان الجماعة التي تريد إلهًا من تمر تأكله حين تجوع.
هنا يكمن خطر الكتابة على هذه المواقع، وتعود القيمة إلى الكتاب الورقيّ (ولو بقي على الرفوف يأكله الغبار)، يقصده من يتمهّل في القراءة، ويتأنّى في النقد، بعيدًا عن الواجبات الاجتماعيّة. وهذا ما أتوق إليه خصوصًا وأنا أعيد – كما في كلّ صيف – تنظيم مكتبتي وترتيبها، بما فيها من قصاصات صحف وملفّات لشعراء وأدباء.
هل بات الصمت الإلكترونيّ حاجة؟
على الأرجح...

الجمعة، 3 أغسطس 2018

الصّالات تكثر والعشق - 26 تشرين الأوّل 1994



الصّالات تكثر والعشق
ألا يشعر الرّائي بالتّردّد؟
ثمّة بركة، ولا شكّ، في هذه الحركة الهادفة إلى افتتاح صالات للسّينما، جديدة، وفي أماكن جديدة. فنحن، ولا أدنى شكّ، مع كلّ بناء يجمع النّاس حول عمل إبداعي.
ولكن، هل من الإبداع في شيء أن يتحوّل المسرح إلى سينما؟ أليس الهدف تجاريًّا أيضًا من الانتقال إلى عروض الأفلام بعد التّجارة بالثّياب (تحويل مسرح مارون نقّاش، رائد المسرح في العالم العربي، إلى معمل خياطة)؟
سؤال آخر، هل تترافق هذه الدّور الجديدة مع حركة فنّية ثقافيّة واعية وعميقة؟ أو السّينما هي السّلوى الوحيدة ـ والأرخص نسبيًّا ـ وقت لا يجد الشّباب ما يفعلونه غير الذّهاب إلى السّينما؟ إنّ هذه الهواية لم تنتج بعد أثرًا فاعلًا حقيقيًّا، فلا نوادي السّينما كافية، ولا مناقشة الأفلام تجد من يتابعها، ولا معاهد لتدريس هذا الفن، وتحويله من مجرّد تلقّ سلبيّ إلى عطاء وإبداع.
ما الهدف إذن من إكثار هذه الدّور في بقعة جغرافيّة محدّدة وصغيرة؟ هل يعي القيّمون على هذا الفنّ إنّ تجميع 1800 شخص في صالات الاسباس مثلًا، أو 800 شخص في الصّالات الجديدة في فردان، وأكثرهم من الشّبّان، عمل إيجابيّ وخطير في الوقت نفسه: إيجابيّ لأنّه يجد بديلًا ثقافيًّا لهؤلاء الّذين "ينقّون" دائمًا لأنّهم ضجرون ولا يجدون ما يفعلونه، فهم لا يطالعون ولا يلاحقون الأعمال الفنّيّة الّتي تتطلّب ذهنًا عقليًّا حقيقيًّا ـ هكذا يقولون ـ وأكثر مشاهدي السّينما يحوّلونها، مع الأسف، إلى مواعيد ولقاءات وتمضية وقت. (ألا يشعر الواحد منّا بالتّردّد أن يطلب من عاشقين يجلسان أمامه أن يبتعدا بعضهما عن بعض ليرى الشّاشة، أو يتركهما للحظات وحدتهما في العتمة الحاضنة، بعيدًا عن دوريّات المحافظة على الآداب؟).
وهو عمل خطير في الوقت نفسه، لأنّ هذا الجيل سيعكس مبدئيًّا حضارة واحدة ولغة واحدة، وفكرًا واحدًا. وهكذا ينتقل هذا الجيل، تباعًا، من أمام التّلفزيون والصّور المتحرّكة، "الأميركيّة" إلى أفلام التّشويق والإثارة "الأميركيّة". وكلّنا يعلم إنّ السّينما الفرنسيّة والإيطاليّة لا تجذب روّادًا كثيرين، كما إنّ السّينما المصريّة تحتاج إلى أكثر من يوسف شاهين ليزيل ما علق بالنّاس من سخافة الأفلام المصريّة ـ وتجربة الإسباس مع "المهاجر" معبّرة جدًا.
هل تتحوّل هذه الحركة إلى بركة حقيقيّة، على غير الصّعيد الحالي والتّجاري؟ أو تتحوّل أجيال بكاملها إلى الصّورة الوحيدة المفروضة علينا في غياب أي عمل محلّيّ تلفزيونيّ أو سينمائيّ، خاصّة، وفي غياب النّصّ المسرحيّ الموضوعيّ  غير المترجم؟
نخشى أن يكون النّظام العالميّ الجديد حسم أي جدل.
ميّ م. الرّيحاني
الاسم المستعار لماري القصّيفي
جريدة "النّهار" السّبت 26 تشرين الثّاني 1994

جبرا ابراهيم جبرا في "شارع الأميرات" - 16 كانون الأوّل 1994



قراءة جبرا قبيل الرّحيل
حين يطوف وحين العكس
يقول جبرا ابراهيم جبرا (*) في مقدّمة كتابه "شارع الأميرات" (1): "كان كتابي "البئر الأوّلى" صدر يومئذ، وأدهشني ما لقي من صدى لدى القرّاء الّذين راحوا يطالبونني بالاستمرار به ـ إذ كنت قد توقّفت فيه عند بلوغي الثّالثة عشرة من عمري ـ شاعرًا إنّ طور المراهقة وبداية النّضج لا بدّ  لهما من خطّة أخرى في السّرد والمعالجة" (ص 7).
للوهلة الأولى، قد تبدو المسافة الّتي تفصل بين كتابي جبرا ابراهيم جبرا قريبة، ولكنّنا مع التّوغّل في صفحات الكتاب الثّاني نجد المسافة بعيدة بين عالم الطّفولة وعالم المراهقة وبداية النّضج. ومع ذلك لا يمكننا إلّا أن نقول إنّ هذا الرّجل بارع جدًّا في قدرته على الإيحاء إنّ طفلًا فقيرًا لم ير العالم ولم يعرف الشّبع هو الّذي يروي أخبار "البئر الأولى"، حين إنّ شابًّا سافر ورأى وازداد خبرة هو الّذي يسجّل ذكريات "شارع الأميرات".
غريب هذا المناخ الأدبيّ الّذي يتلاعب به جبرا، يحيّرنا ويثير اضطرابنا حين ينتقل بنا من عالم الطّفولة البريئة ليرمي بنا غرباء في مرافئ المدن الغريبة.
نعم، إنّها المسافة بين عمرين ومكانين. إنّه العالم المتغيّر تبعًا لنظرة الطّفل إليه أو لنظرة الرّجل. ففي الكتاب الأوّل عالم الوالدين والجدّة وفلسطين، وفي الكتاب الثّاني العشيقة والصّديقة والزّوجة، والأدباء والفنّانون، ولكلّ منهم أثر وذكرى، ولندن الّتي قسّمت فلسطين، وبغداد بشوارعها وعائلاتها، وأميركا بجامعاتها ووجوهها.
هي سفرة ممتعة ـ في القسم الأوّل منها على الأقل ـ تلك الّتي يدعونا إليها جبرا في كتابيه هذين، في القطار السّريع حاليًّا، البطيء يومها، يربط بين الطّفل الّذي كان ـ وما زال وإلّا لما كتب جبرا عنه ببراعة ـ والرّجل الّذي صار إليه ذاك الطّفل، وكانت ملامحه تبدو في تصرّفات ذاك المسافر عبر مدن فلسطين "مزروكًا" في سيّارات الأجرة، مسجّلًا المشاهد والأصوات، ومثيرًا المتاعب الّتي لا تؤذي.
تتناول فصول "شارع الأميرات" مراحل زمنيّة مختلفة، في أمكنة تتوزّع بين الشّرق والغرب. ففي الفصل الأوّل أخبار الرّحلة الأولى إلى خارج فلسطين. والوصول إلى مصر، لينتقل منها إلى انكلترا، حيث سيتابع الكاتب دروسه الجامعيّة في بعثة دراسيّة. يقول: "كنت في التّاسعة عشرة من عمري يوم وصلت إلى بور سعيد، بعد رحلة ليليّة طويلة في القطار من مدينة يافا. وكانت تلك أوّل مرّة أخرج فيها من بلدي إلى آفاق العالم العريضة، مليئًا بالحماسة لكلّ ما يثير في العين والذّهن" (ص 11).
في الفصل الثّاني، أخبار أولى المغامرات العاطفيّة "بعد تجربة عرفتها في القدس بقيت، رغم لذائذها ولياليها المؤرقة في نطاق الهوى العذري، أمّا هذه المرّة فكان الحبّ عاصفًا كالرّيح، وجارفًا كالسّيل، فضاؤه الحقول الخضراء، والأشجار البواسق. يضجّ بالجسد كما يضجّ بالرّوح، إذا كانت الرّوح هي مطلقة ذلك الكلام الجامح اللّامنتهي" (ص 27).
"سيّدة البحيرات" هو عنوان الفصل الثّالث، وفيه وصف دقيق لمكان ترك أكبر الأثر في ذكريات الكاتب خلال إقامته في بريطانيا وهو المعروف "بمنطقة البحيرات". والسّيّدة "ذات الثّوب الأبيض الطّويل والشّعر الأسود المرسل مع الرّيح" أهي طيف ظهر في رؤيا جبرا ابرهيم جبرا ليسأله عن الأرض المقدّسة الّتي أتى منها وعن لغة المسيح أم هي امرأة حقيقيّة من لحم ودم، ظهرت ثمّ اختفت فجأة؟ جبرا نفسه لا يعرف الجواب عن هذا السؤال.
ولعلّ أطرف ما في الفصل الرّابع هو ذلك الأسلوب البوليسي الشّيّق، اختاره الكاتب ليخبرنا عن لقائه بسيّدة الرّواية البوليسيّة، أغاتا كريستي.
ويبدأ الحديث عن لقائه لها أنّها زوجة عالم يعمل في التّنقيب عن الآثار في العراق، ماكس مالوان، لنفاجأ مع اقتراب نهاية الفصل بأنّها أغاتا كريستي و"احتفظت بالاسم الّذي اكتسبته منذ ما قبل العشرينات عن زوجها الأوّل الكولونيل كريستي. ولمّا هجرها، ثمّ مات، كانت شهرتها أوسع من أن تجعلها تتنازل عن هذا الاسم" (ص 65).
"شارع الأميرات" هو المكان الّذي بنى الكاتب بيته إلى جانبه. وفي هذا الفصل حديث عن رياضة المشي ووصف للشّارع وأشجاره وزوّاره وساكنيه. وقد يكون هذا الفصل من أقلّ فصول الكتاب أهميّة لولا بعض المعلومات التّاريخيّة عن حركة البناء واسماء المهندسين. واختيار اسم هذا الفصل عُنوانًا للكتاب أمر ذكيّ وكأنّ المقصود منه الإشارة إلى هذا الانتقال من بيت نختاره للبئر الّتي فيه، إلى شارع الأميرات حيث الإقامة الحاليّة، وفي الاسم ما فيه من علامات العظمة والمجد.
الفصل السّادس ـ وهو أطول الفصول، في اثني عشر مقطعًا في أكثر من نصف الكتاب ـ قصّة لقاء الكاتب بلميعة العسكريّ "المرأة الأروع في حياتي ـ يقول ـ تلك الّتي جعلت لكلّ ما حدث لكلينا آنئذ وفي السّنين اللّاحقة سحرًا تتمحور فيه معاني الحياة، ليس فقط كأناس وعلاقات متداخلة يغني بعضها بعضًا، وليس فقط  كتجارب متواترة تعاش بكلّ لذّاتها وعذاباتها وتناقضاتها، بل كإبداعات أيضًا تعطي التّجربة كلّ مرّة قيمتها العميقة وتفرّدها الدّائم" (ص 102)، وفي هذا الفصل تفاصيل عن حياتهما الاجتماعيّة المشتركة، والصّعوبات الّتي واجهت زواجهما، وكيف تمّ تذليلها، والمشاكل الماليّة، والتّقلّبات في الوظيفة وأسماء لأصدقاء وصديقات و"زيجات" وسفر وعمل وأحلام وخيبات.
وثمة ما يزعج في هذا الكتاب، وربّما في كلّ كتاب حيث السّيرة الذّاتيّة، وهو إحساس الكاتب بضرورة ذكر أسماء الأشخاص كلّ الأشخاص، الرّئيسيّين والثّانويّين، وكأنّه مدين لهم. بخدمة ما، أو كأنّه ينفّذ عهدًا قطعه أن يذكرهم بالخير يوم يكتب عن حياته. ولهذا يمتلئ الكتاب بأسماء كثيرة، بعضها معروف لدينا، وبعضها غريب إلّا من عناصر تلك المرحلة.
ويزعج القارئ في الكتاب الأخطاء اللّغويّة الّتي نظنّ أنّها مطبعيّة لولا  ورودها مرّات عدّة: كما في استعمال كلمة سنين منصوب بالتّنوين (سنينًا) في الصّفحات 75 و 183 و 209 و 216، واستعمال حرف الجرّ الباء للدّلالة على المكان كما في قوله "أنت ببغداد" (ص 217)، أو قوله "دعتني للعشاء" بدل إلى العشاء (ص 160). ويكثر الكاتب من استعمال هذه الصّيغة "دقّة وجمال نحتها" (ص 68) والأصحّ دقّة نحتها وجماله، منعًا للتّنازع. والكاتب لا ينصب الاسم بعد الحرف المشبّه بالفعل فيقول: "إنّ نزار سيكون..." (ص 177)، ولا ينصب المفعول به فيقول: "لا يشبه خالد" (ص 189)، ويقول في حديثه عن مثنّى الإناث: "أنا وابنتي سعيدان جدًّا"، ويستعمل كلمة "نفسه" للتّأكيد قبل المؤكّد فيقول: "نفس السّنّ"(ص 177).
أصابني هذا الكتاب بالخيبة بعد الرّحلة الممتعة الّتي بدأتها في "البئر الأولى"، ففي "شارع الأميرات" تصنّع الرّجل ومراعاته الأصول الاجتماعيّة، بعد  إن كنّا مع عفويّة الطّفل وبراءته. "البئر الأولى" كتاب لا تتركه إلّا أتيت عليه كاملًا، أمّا "شارع الأميرات" فتقرأه وكأنّك تقوم بواجبك المدرسيّ. ولهذا، ربّما، لم يترك أي مقطع أثرًا في نفسي. حتّى وهو يتحدّث عن حبيبته كان يختار كلماته بعناية، حين إنّ حديثه عن أمّه كان أكثر عفويّة وأكثر عمقًا وأثرًا: "وحكت لي كيف إنّها في أثناء السّنوات الّتي قضيتها في الدّراسة في الخارج، وكانت للعائلة سنوات عجافًا عسيرات، وفّرت من النّقود ما يكفي لشراء شوكة وسكّينة من الفضّة لاستعمالي الخاصّ عندما أعود إليها. تلك كانت هديّتها لي... وبقيت في السّنين التّالية مصرّة على ألّا يستعملها أحد غيري. وكلّما عدت من بغداد إلى أمّي، أخرجتها من جديد، وجلتهما حتّى يأخذ بريقهما البصر، لتضعهما أمامي على المائدة كلّما حان وقت الطّعام... أيّ حبّ أرقّ وأعذب من ذاك في الدّنيا كلّها؟" (ص 222).
"البئر الأولى" كتاب شعر، "شارع الأميرات" كتاب تاريخ، وشتّان بين اللّغتين.
ميّ م. الرّيحاني
الاسم المستعار لماري القصّيفي

                                                       جريدة "النّهار" الجمعة 16 كانون الأوّل 1994.
(1)             ـ "شارع الأميرات"، فصول من سيرة ذاتيّة، جبرا ابرهيم جبرا، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، الطّبعة الأولى 1994.
(*)ـ        الكاتب جبرا ابرهيم جبرا، توفّي في بغداد، يوم الإثنين 12/ 12/ 1994.