الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 7 فبراير 2018

الدكتور عمر نشابه يعرض رؤيتي للحرب اللبنانيّة ورؤيته لرواية "للجبل عندنا خمسة فصول"


من تلامذة مدرسة روما المارونيّة إلى أمينة المكتبة الحيّية - 2010




قرّرت أمينة المكتبة في القسم الثانويّ من إحدى المدارس المارونيّة أنّ روايات الياس خوري ومحمّد شكري وحنان الشيخ ونجوى بركات ورشيد الضعيف وقصص زكريّا تامر ممنوعة لأنّها تشجّع على قلّة الأخلاق وهي إباحيّة ووقحة، وأعلنت بعزم وإصرار وفي شكل لا يقبل الجدل: أخلاقي لا تسمح لي بوضعها في المكتبة وضميري لا يرضى.

الموظّفة المهذّبة لم تقرأ طبعاً رواية واحدة كاملة من هذه الروايات، وكلّ ما في الأمر أنّها حين كانت تهمّ بوضع ختم المدرسة على بعض صفحات أحد الكتب فوجئت بعبارة خدشت حياءها (لا أعرف إن كانت ستفهم معنى هذه العبارة) ولكنها تابعت القراءة حتى أتت على المشهد كاملاً ثمّ اخذت تفتّش تفتيشًا محموماً في الكتب الأخرى لعلّها تقع على مشاهد أكثر حرارة. وبعدما وُفّقت في الحصول على إثارة تلو إثارة، بشكل لم تعرفه قبل هذه اللحظات المصيريّة، قرّرت أنّه لا يجوز أن توضع هذه الكتب بين أيدي التلامذة. وباءت بالفشل جميع محاولات إقناعها بأنّ هذه الروايات من كلاسيكيّات الأدب العربيّ، وأنّها ليست ممنوعة، وأنّها تعالج مشكلات اجتماعيّة ونفسيّة معروفة وموجودة في مجتمعاتنا، ومن المفيد التحاور في شأنها بموضوعيّة وحريّة ومسؤوليّة. فالآنسة ذات الحياء والخَفر والمؤتمنة على العفّة والطهارة بقيت على موقفها لا ترضى بالمسّ بالأخلاق، ولا تسمح بأن يتمّ تحت نظرها الحيّي تبادل كتب فيها كلمات بذيئة بحسب وصفها الدقيق، ولن تناقش في هذا الموضوع مهما يكن الثمن. أمّا الشعر فنجا من عمليّة التطهير لأنّ الآنسة لا تفهم من رموزه ومعانيه شيئاً.
بمثل هؤلاء الموظّفين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، تصان الآداب العامّة كما يفهمها أهل الحَجْر والحَجَر، ويقتل الأدب والشعر وتنحر الثقافة وتشوّه الحريّة، ويتخرّج في المدارس ألوف التلامذة من المنسوخين نسخاً على آلات صدئة قديمة لا حبر فيها ولا ورق. وإلى مثل هؤلاء المحسوبين على مديرين وأصحاب شأن نَكِل أمر التربية والتعليم والتوجيه والإرشاد، لينكّلوا بنفوس الشبّان والصبايا ويمعنوا فيها تخريباً وتهشيماً. والطامة الكبرى حين يتمّ الدفاع عن أمثال هذه الموظّفة البائسة بالقول إنّها مجرّد موظّفة تحتاج إلى راتبها.

ومتى كانت أيّها السادة العلاقة بالكتب والمطالعة مجرّد وظيفة نعتاش منها؟
فهل سمعت الآنسة "المكتبجيّة" بدكاكين الورّاقين حيث أفنت أعداد كبيرة من الناسخين أعماراً لا تحصى في الكتابة والنسخ والتحبير؟
هل قرأت عن مترجمي بيت الحكمة في بغداد الذين أمضوا أيّامهم ولياليهم في نقل تراث البشريّة الفكريّ من لغة إلى لغة؟ هل سمعت بمدرسة روما المارونيّة التي خرّجت العلماء الذين اهتمّوا بمكتبات الفاتيكان وفرنسا وزوّدوها المخطوطات النادرة من مختلف أقطار العالم المعروف آنذاك أو بالبطريرك إسطفان الدويهي مؤرّخ الطائفة المارونيّة والعلاّمة ابرهيم الحاقلاني الذي عمل في حقل الحوار بين الحضارات متنقّلاً وباحثًا بين فرنسا وإيطاليا؟
وهل تعرف يوسف السمعاني الحصروني حافظ مكتبة روما، أو جبرائيل الصهيونيّ الذي درّس في الجامعات؟
لقد وضعت سيّدة الرقابة المصون علامة على الصفحة 84 من مجموعة "دمشق الحرائق" لزكريّا تامر لتضمّها إلى ملّف الرفض الذي دعمت فيه قضيّة دفاعها عن الآداب والشرف، وفي هذه الصفحة من أقصوصة "الرغيف اليابس"، مشهد عبّاس الذي سرق رغيف خبز يابس من صبيّ صغير، وحين التجأ إلى غرفته ليأكله، قرعت ليلى ابنة عمّه الباب تريد أن تقاسمه الرغيف. وحين طلب منها جسدها ثمناً للرغيف كاملاً، وافقت الفتاة الجائعة من دون تردّد. وهنا أبدع زكريّا تامر في تصوير الجوع المزدوج الذي يمزّق الفقيرين، ونظراتهما التي تتنقّل من الجسد المنتظر تحقيق رغبته إلى الرغيف المنتظر من ينقضّ عليه، ليصل إلى قمّة الإبهار حين يصف قائلاً: "والتصقت به أكثر فأكثر. وتضاعف خجله، وفقد اللحم إغراءه، ولم يستطع عبّاس الانتظار، فتخلّص من ليلى بحركة مفاجئة صارمة، وهبّ واقفاً، واختطف الرغيف من فوق الطاولة، واتّجه نحو الباب. واستطاعت ليلى التمسّك بقدم عبّاس، فركلها ركلة قاسية أصابت بطنها، فارتمت على ظهرها تعول متوجّعة وهي عارية".
ومن الواضح أنّ الآنسة "المكتبجيّة" التهت بجوعها إلى الجنس عن متابعة القراءة عن جوع الفقراء إلى الخبز ثمّ نصّبت نفسها قيّمة على الأخلاق خلفاً لمن كانوا قيّمين على الحضارة.
ويبقى السؤال المخيف: هل يجوز لنا أن نرى في هذه الحادثة التدهور الذي طاول الحضارة المارونيّة التي انطلقت مع تلامذة مدرسة روما المارونيّة وانتهت بين يدي تلك الموظّفة؟
 ***
* صحيفة "النهار" 26 كانون الثاني 2010

الأحد، 28 يناير 2018

الفصل العاشر من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


10 
هل يكفي أن نقول إنّ الحياة ظلمت هذه المرأة كي نكون قد أعطيناها حقّها وأنصفناها؟ ومن يستطيع أن يقول إنّ الحياة لم تظلمه؟ ولكن للظلم مراتب. وجولييت كانت مؤمنة بأنّها أعطيت مرتبة متقدّمة بين المظلومين. هي صغيرة العائلة. تركت البيت إلى المدرسة الداخليّة ثمّ إلى العمل لأنّ العائلة تحتاج بعد غياب يوسف إلى كلّ قرش إضافيّ. فحبيب على الرغم من ثرائه بسبب التهريب كان عاجزًا عن مساعدة أحد لأنّه وضع كلّ أملاكه وأمواله في عهدة زوجته التي كانت تخشى دوران دولاب الحظ مع زوجها، وبالتالي لم تكن مستعدّة للمخاطرة بأيّ قرش قد يكون سندًا لها إن قتل زوجها في عمليّات التصفية بين العصابات أو في أحسن الأحوال إن سجن لوقت طويل. بل كانت زوجة حبيب تفرض على روز مساعدتها مدّعية أنّ ما كانت تملكه أكله المحامون.
من الواضح أنّ حبيب كان يثق بالمرأة التي اختارها شريكة حياة وعمل.
إذًا، كان على جولييت أن تجد عملاً في بيروت، فكانت الخدمة في المستشفيات. وفي زمن لم تكن الشهادات مطلوبة بإلحاح بين الممرّضات، وفي بلد تفاجئه الحرب في عزّ السلم، ويحتاج إلى خدمات طبيّة ولو غير محترفة، وجدت تلك الفتاة القصيرة القامة عملاً تستفيد منه ومكانًا تقيم فيه. كانت الحياة في المستشفى بالنسبة إليها عالمًا غريبًا لا يشبه ما كانت تعرفه وتأنس إليه. وتطلّب منها الأمر وقتًا طويلاً قبل أن تألف الرائحة الغريبة التي تفوح من هذا المكان الذي تختلط فيه روائح الجراح النتنة والدم المتخثّر بروائح المطهّرات والأدوية. ومضت أشهر طويلة من الأرق وجولييت تعجز عن طرد أصوات الأنين وبكاء الأطفال من رأسها، وتشعر بالغثيان وهي تستعيد رغمًا عنها صور الجراح التي تفغر أفواهها كأنّها تريد أن تبتلعها. في كلّ يوم تكتشف مرضًا جديدًا، ومعاناة جديدة، فأخذت تعلّم نفسها كيف تقسو شيئًا فشيئًا كي تستطيع الاستمرار. ولكنّها كانت تصرّ على الاحتفاظ بابتسامة قد تخفّف من وطأة ما يعانيه المرضى وما تعانيه هي عندما تشهد على آلامهم.
ليست العلاقة مع المرض والألم هي وحدها ما طبع شخصيّة جولييت، كان شيء آخر يتكوّن داخلها وهي تشهد كيف يصير عالم المستشفيات مختبرًا لما قد يشعر به الإنسان أي ما يرغب فيه وما يهرب منه. وخلال تنقّلها بين مختلف الأقسام وصولاً إلى غرف العمليّات كانت ترى وتسمع كيف يتحوّل الجسد في لحظة من قيمة إلى هباء. في البداية آلمها أن يتعامل الأطبّاء والممرّضات مع جسم الإنسان بهذه القسوة متى غاب المريض في عالم التخدير، أو متى كان في غيبوبة. كان شيء فيها ينبئها بأنّ المريض يسمع ويعرف وعندما سيفتح عينيه ويستيقظ من البنج أو الغيبوبة سيعاتبها، لأنّها لم تدافع عنه وهو عاجز عن فعل أي شيء. وتطلّب منها أن تنظر في عيني المريض، أيّ مريض، وقتًا طويلاً، كأنّها كانت تريد أن تطمئنّ إلى أنّه لا يعرف شيئًا ممّا جرى حوله أو معه أو على الأقل ليس واثقًا ممّا جرى.
أثارت جولييت إعجاب المحيطين بها بجرأتها في التعامل مع المرض على الرغم من بساطة معلوماتها وقلّة خبرتها. بدا واضحًا للجميع أنّ تلك الفتاة تريد أن تتعلّم وتثبت جدارتها، لذلك بدأ الأطبّاء يثقون بها ويشجّعونها على دراسة التمريض ليلاً لكي تستطيع أن تترقّى في وظيفتها. غير أنّ الحياة كانت تعدّ شيئًا آخر لتلك الفتاة البسيطة الذكيّة الشجاعة، كما كان يقول عنها كلّ من عمل معها. فحين دخل عيد إلى المستشفى للمعالجة، واستدعيت جولييت لمساعدة الطبيب في تعليق المصل في يده، كانت الحرب في أبشع مراحلها، والأسرّة في المستشفيات ملأى بالجرحى، وبرّاداتها تنتظر من بقي حيًّا ليأخذ معه من مات، ولم يكن غريبًا أن يوجد بعض الأحياء بين جثث الموتى الذين لم يجدوا جوارير يخبّئون فيها عريهم وإصاباتهم، وكان كلّ حيّ يتشبّث بحيّ آخر لعلّهما معًا يقاومان الموت أو على الأقل يستفيدان من آخر لحظات الحياة.
في هذا المكان حيث يتجاور الموت مع الحياة، ويولد أطفال لا يعرفون ما ينتظرهم بعد قليل إن بدأ القصف، ويموت شبّان لا يعرفون ما سيكون مصير القضيّة التي قاتلوا من أجلها وقُتلوا بسببها، تقاطعت درب عيد الآتي من دير الصليب ودرب جولييت التي كادت تفقد صوابها وهي تنام وتصحو وتعمل في المستشفى ولا تجد مكانًا تهرب إليه في أيّام الإجازة، لأنّ الطرقات إلى البقاع خطرة أو مقطوعة، ولن تزعج وردة التي تبرمج حياتها على إيقاع حياة ناجي.


(جولييت)
"لولاي لمات كثير من الجرحى في المستشفيات التي عملت فيها. فبعدما أنقذت تلك الطفلة المصابة في ظهرها وأخرجتها من بين الجثث التي كدّست فوق بعضها نذرت نفسي للتأكّد من أنّ الذين ينقلون إلى برّاد المستشفى موتى لا مصابون غائبون عن الوعي. كانت تلك الليلة واحدة من مئات الليالي العنيفة التي لم نعد نملك أرقامًا كافية لإحصائها: ليلة من القصف المتواصل العنيف حتّى صار الواحد منّا يتمنّى لو يموت لينجو من هذا الضجيح الذي يمزّق الأعصاب ويدّمر خلايا الدماغ ويشوّه أجمل ما يمكن أن يكون عليه الإنسان. أصوات قذائف منطلقة، وأصوات قذائف تسقط، وبكاء وصراخ وأنين وسيّارات مسرعة تصل وترمي حمولتها من الأجساد الغارقة في دماء بعضها، ونحن علينا أن نحصيها ونفرزها ونرسلها إلى حيث يجب أن تكون. وفجأة صرخوا بنا:
(لا ترسلوا جثثًا أخرى إلى البرّاد، لم يعد فيه مكان. وضعنا الجثث مع بعضها ولم يعد عندنا مكان).
 كوّمنا الجثث على الأرض في زاروب بين المستشفى وحائط الحديقة المحترقة. قلنا البرد "يحميهم" في انتظار مكان لهم. بقينا طوال الليل نروح ونجيء، في البداية كنّا نوصل الجثّة ونضعها على مهل فوق غيرها، ثمّ صرنا نسرع في وضعها، ثمّ صرنا نرميها لنعود بالأغطية والأسرّة المتحرّكة لنأتي بغيرها كأنّنا إن تأخرنا حسم مبلغ كبير من راتبنا. على الأرجح أنّنا تعبنا وبردنا. تحوّلنا، جثّة بعد جثّة، آلات لا إحساس فيها ولا عاطفة. منذ زمن جفّت الدموع على قتلى الحرب.
 قبل الفجر، سيطر هدوء غريب كأنّ المقاتلين قرّروا مجتمعين أن يأخذوا استراحة، فخرجت لأدخّن سيكارة قرب الجثث المغطّاة بأغطية من لون الدم. لماذا هناك؟ لا أدري. ولكن لماذا ليس هناك؟ وخارج المستشفى كلّه حرائق وأتربة وشظايا وجثث. هناك أو هناك أو هناك. ما الفرق؟ الموت في كلّ مكان. وهناك سمعت الأنين والبكاء. لم أنتظر كي أتأكّد. ذلك لا ينفع حين يكون هناك احتمال حياة بين الجثث. رميت السيكارة وأزحت الأغطية ففاجئني الدفء المنبعث منها في تلك الليلة الشتائيّة الباردة، كأنّ الموتى يحضن بعضهم بعضًا، وهي كانت بينهم. هل أعطوها بقايا دفء خلاياهم لتنجو؟ وهل هي سعيدة الآن بنجاتها؟ لا أعلم. لم ألتقِ بها منذ زمن.
 اسمها ديمة تلك الطفلة الشتائيّة التي تحمل اسم المطر. رموها، رميناها، بين الموتى وفيها نبض حياة. أخرجتها من رحم الدفء والدم، وحملتها ونقلتها إلى الداخل. هل أنا من تسبّب بشللها النصفيّ لأنّني حملتها؟ لا أعرف. الأطبّاء قالوا لي لا، لست أنا من أصابها بالشلل بل الشظايا التي فتّتت عمودها الفقريّ ومزّقت نخاعها الشوكيّ. صدّقتهم. أراحني أن أصدّقهم. لم نعرف اسمها ومن هي إلاّ بعد يومين، حين أحصينا الجرحى والموتى واكتشفنا أنّ شقيقها قتل وأنّ والدتها تشوّه وجهها وفقدت نظرها. في حين أصيب والدها الأعمى إصابات بالغة في يديه وصدره. ماذا نسمّي ذلك؟ أهو غضب السماء أم سخريتها؟ هل من صفة لمصيبة كهذه: تتزوّج المرأة رجلاً أعمى، فلا تجد الشظايا إلاّ وجهها تدرزه درزًا فتشوّهه وتسرق منه النظر، ربّما كي لا ترى كيف صار ذلك الوجه؟ والابن الوحيد قتل، والطفلة الوحيدة شلّت رجلاها. هل من صفة لحالة كهذه؟
هذه هي الحياة التي ظننت أنّني سأنجو منها حين هربت مع عيد". 






لوحة ونصّ


هذا هو حبر "الدّيار" - حسين عبدالله - جريدة "الدّيار" الجمعة 4 أيّار 1990


هذا هو حبر "الدّيار"
        تحليل...
        هذه الكلمة الكذبة، التي تتنافس الصّحف على إقتنانها، وفرد صفحات كثيرة لها. والتي يدّعي القرّاء عمق ثقافتهم السّياسيّة بقراءتها والغوص في مجالها...
        هذه الأسطورة الواهمة التي يتلطّى خلفها الكثير من الأقلام والعديد من التواقيع المضيئة والباهتة، والتي تستنجد ب"المصادر المطّلعة" و"المصادر الحسنة الاطلاع" و "الأوساط العلميّة" و"الجهات المعنيّة" و"القيادي الذي رفض الكشف عن اسمه" و"المسؤول المعنيّ" و"الأوساط الشّرقيّة والغربيّة" و...
        كلّها تتلطّى خلف حائط الخيبة وتركّب جملاً غير مفيدة إلاّ في الصّرف والنّحو، وتوقّع المقال والسّلام...
        إذا كانت هذه هي الصّحافة... وتلك هي القمّة، وذلك هو الإبداع، وذاك هو النّجاح... والمقياس... فاسمحوا لي أن أنسحب من هذه المهنة، التي لم تكن يومًا مهنة، بل كانت محطّة على طريق الحوار الدّافئ بين الكاتب والقارئ، واسمحوا لي أن أترحّم على الصّحف وأن أستعملها كما يستعملها الفقراء في بلادي "حصيرة" عشاء أو غداء فقيرة...
        ولماذا هذه المقدّمة؟
        ولماذا هذا الهجوم على الصّحافة؟
        ولماذا هذا السّيل الجارف من الكلام والحبر المسنون؟
        لأنّني قرأت ببساطة رسالة "ميّ م. الرّيحاني" التي كانت بعنوان "لأنّنا في ديارنا ولسنا غرباء" والتي اتّضح لي من مضمونها انّنا نحن الغرباء عن "الدّيار" وعن ديار القلم والفكر والتّعب والسّهر الطّويل...
        والرّيحاني، غير الغريبة عن "ديارنا" التي بنيناها كلمة كلمة عندما كانت الصّحف ودور النّشر تباع وتشرى وتقدّم لها هبات ومساعدات ودولارات، وكانت "الدّيار" تصدر من عشرين مطرحًا، لأنّ مطرحًا واحدًا لم يكن يضمّنا أقلامًا وطاولات وتواقيع. ولأنّنا كنّا في شبه شقة نكتب على طاولات بعضنا البعض، وعلى ورق أسمر يشبه "ورق الزّجاج"، ونرسل المقالات والتّحقيقات للتّصوير والطّباعة في أكثر من مكان، ونكون تحت رحمة "الطّبّيع" ووفق مزاجه المعكّر على الدّوام، ونشهد ولادة قيصريّة كل صباح، ونعود لمرافقة المولود الجديد إلى السّوق، ونتابعه رحلة رحلة، ومكتبة مكتبة، لأنّ شركات التّوزيع كانت تتعامل مع المولود على انّه صحيفة وكنّا نتعامل معه ولا نزال على انّه المولود الجديد للنشء الجديد ونخاف عليه من لفحة برد...
        وكانت المنافسة على أشدّها...مع الصّحف التي شاخت سنًّا وتجربة، والتي صار الاكتفاء الذّاتي عنوانًا لها، والتي صارت تصدر في مكان واحد يشبه الواحة ومع ذلك... خاضت "الديار" المنافسة، والله وحده يعلم، مدى المشقة ومدى الرّهان الصّعب الذي قبله شارل أيوب وما يزال...
        أعود إلى "ميّ م. الرّيحاني"... التي بدأت نقدًا قدّمت العذر عنه في عنوان مقالتها، وكرّت كلماتها بادئة بشارل أيوب، ومنتقدة افتتاحيّاته التي وجدتها وجدانيّة "وإذا ما استمرّت على هذه الحال فستصبح تشبه كتابات حسين عبدالله التي تتنافى في رأيها مع كتابات رئيس التّحرير".
        شكرًا ل "مي" التي وجدت كتابات شارل أيوب قريبة من كتاباتي. وشكرًا أيضًا لأنّها ـ الكتابات ـ لا تستحق أن تكون مذيّلة بتواقيع رئيس التّحرير... وشكرًا أيضًا لغيرتها على "الدّيار" بالمقارنة مع "النّهار" ومع "السّفير"... وأيضًا وأيضًا على نصيحتها بأن نجعل الفهرس في الصّفحة الأولى حتى ندلّ القارئ على ترتيب الصّفحات... ولم يكن ينقص الرّيحاني إلاّ أن نقرأ الصّحيفة عن القارئ حتى لا يكلّف عناء القراءة ومشقّة تعب عينيه.
        وشكرًا على هجومها على الوجدانيّات الذي تناول جورج بكاسيني وكاد يتناول منزل جورج بشير الذي أصيب وتهدّم...
        وللمناسبة ... أقول للرّيحاني، انّ الوجدانيّات هي أسمى الأساليب في الكتابات...هي أرفعها وأصدقها على الإطلاق..
        أما التّحليل والمعلومات والمصادر المطّلعة والواسعة الاطلاع والحسنة والضّيّقة والعليمة والجاهلة... فهي مخابئ لا نتلظّى خلفها لأنّنا قرّرنا أن نشهر السّيف والقلم في وجه أمّيّة أخذت في الانتشار في هذا البلد المعطوب وتريدنا الرّيحاني أن نتلطّى خلف هذه المصادر لنذيع نشرة أخبار ملفقة ومعلومات ودردشة نبني عليها الآمال ولا تكون أكثر من تخيّلات وأوهام.
        وأعدك حضرة الكاتبة، بأن حبر الوجدان لن يجفّ من "الدّيار"... وأنّ التّحليلات السّياسيّة هي كذبة العصر، ونحن قرّرنا في "الدّيار" أن نبتعد عن الكذب ونلامس الوجدان لأن الأمم تبنى بالوجدان والقيم لا بالمعلومات والأخبار...
        ونعاهدك حضرة الكاتبة، غير الغريبة عن " الدّيار"، بأنّنا لسنا في صدد إنشاء صحيفة، إنّما في صدد بناء وطن على الورق وفي القلوب، وفي صدد زرع المحبّة على الصّفحات وفي النّفوس، وفي صدد تقديم أسئلة الوطن مع قهوة الصّباح، وفي سبيل هذا الهدف السّامي، ندعو كلّ أمّ إلى إرضاع أسئلة الوطن لطفلها، وكلّ أب إلى أخذ أولاده إلى قلق قيامة الوطن... وكلّ قارئ إلى المشاركة في رحلة البناء هذه التي لا تقتصر على جريدة وتوزيعها، والتي بدأت بتخصيص "صفحة الجنوب" حتى تحرير الجنوب، وستنتهي بتخصيص صفحاتها للوطن حتى تحرير الوطن من حدوده الهاربة إلى حبّات ترابه المعتقلة.
        حسين عبدالله
جريدة "الدّيار" الجمعة 4 أيّار 1990

* من حبر الوجدان... أهدي هذا المقال إلى "مي م. الرّيحاني" وأغلّفه بالشعر وفورة العاطفة لأنّ هذا حبرنا في "الدّيار" ولن يجفّ هذا الحبر بإذن الله.

نشرات الأخبار و"نشرة" النّاس - الجمعة 18 أيّار 1990


نشرات الأخبار و"نشرة" النّاس
مساكين مذيعو ومذيعات الأخبار في تلفزيون لبنان!...
يتعرّضون كلّ ليلة لشتائم متنوّعة تنصبّ عليهم وللعنات توجّه إليهم... وعبرهم...
وهم عندما بدأوا عملهم الإعلاميّ، كانوا يحلمون بالشّهرة وإعجاب النّاس ومحبّتهم... دون تمييز... أو بحدّ أدنى من التّمييز..
أتراهم ندموا على اختيار هذه المهنة؟
أتراهم عرفوا إلى أين سيوصلهم ظهورهم كلّ ليلة على الشّاشات الصّغيرة؟
أما كان أفضل لهم لو وضعوا "أقنعة" تقيهم سلبيّات الشّهرة... وتقلّبات السّياسة ونفاقها؟
كان أكثر أمانًا لموظّفي تلفزيون لبنان ـ فرع الشّرقيّة ـ مثلاً، لو وضعوا أقنعة تمثّل الجنرال عون... ولموظّفي المؤسسة اللّبنانيّة للإرسال لو وضعوا ـ كأقنعة ـ وجه الدّكتور جعجع.
وتبقى مشكلة موظّفي تلفزيون ـ فرع الغربيّة ـ الّذين سيحتارون حتمًا في اختيار شكل القناع الملائم لأوضاع البلد اليوم...
على كلّ حال في الحكومة الشّرعيّة وجوه حسب الطّلب، ففيها وجوه صفراء من الغيرة، ووجوه بيضاء من "الخبي". ووجوه محمرّة من الغضب...أو بسبب العافية ـ ما شاء الله ـ ووجوه باهتة لا لون لها، ووجوه تتلوّن بألف لون...
أمّا موظّفو تلفزيون المشرق فقد حسموا الأمر عندما قرّروا نزع الأقنعة عن الوجوه كلّها، ودون أن يلبسوا إحداها... حتّى الآن على الأقلّ.
على اللّبنانيّ النّاقم، اليوم، على مذيعٍ ما، والمتحمّس لمذيع آخر، أن يعرف انّ الأمر كلّه يتلخّص في راتب آخر الشّهر، المرتبط بتنفيذ الأوامر.
وهل نصدّق أنّ الأمر مجرّد رسالة وطنيّة فقط؟
ومن يستطيع تحديد الوطنيّة في خضمّ هذا الصّراع؟
ومن نسي الصّراع الإعلاميّ في بداية الحرب بين جاك واكيم وعرفات حجازي، ووفاقهما الوطنيّ في فترة من فترات الهدنة الإعلاميّة؟
ونبقى نحن المساكين... نحتار كلّ ليلة إلى من نصغي ومن نصدّق ...
متى؟... متى سنصل إلى إعلام لا "يحيّر" الإعلاميّ ولا يرهق المشاهد؟
ميّ م. الرّيحاني
الجمعة 18 أيّار 1990
"عيون بالمرصاد"


لأنّنا في ديارنا ولسنا غرباء - جريدة "الدّيار" الخميس 3 أيّار1990

شارل أيّوب

لأنّنا في ديارنا ولسنا غرباء
        حضرة الاستاذ شارل أيوب، رئيس التحرير...
        لا شكّ أن جريدة "الديار" الجديدة نسبيًا على ساحة الصحافة، قد أثبتت وجودها، وركّزت أقلام محرّريها ومراسليها مداميك على طريق ثورة الاعلام المكتوب. ولهذا، نحن القرّاء نعذر الهفوات التي ترتكب، والتجارب التي تقومون بها بغية الوصول الى شكل ومضمون يرضيان رئيس التحرير ومحرري الجريدة "ومحرريها"...
        ومع ذلك، اسمح لنا بهذه الملاحظات والاسئلة:
        اولاً: إن شكل الجريدة وتنظيم أخبارها يتغيّران كلّ يوم تقريبًا، ما يوقعنا في الفوضى ولا يقودنا الى التنويع المثمر. وهذا يجعلني اقترح أن تكتبوا "طريقة الاستعمال" كلّ صباح، وفي الصفحة الأولى لا الأخيرة.
        ثانيًا: إنّ مقالاتك يا أستاذ شارل تميل إلى الوجدانية، وتكاد تغرق في الشعر وفورة العاطفة، وإن تابعت على هذا النحو فستصل الى ما يشبه كتابات حسين عبد الله. وهذا الأسلوب يتنافى في رأيي مع عمل وكتابات رئيس تحرير الجريدة.
        هذا بالإضافة الى بعض الغموض في الأسلوب أحيانًا، وكأنّ بعض المقالات لا تخضع لمراقبة أدبيّة ولغويّة.
        ثالثًا: هل تريد أن تأكل العنب أم قتل الناطور؟
        فإن كنت تريد أكل العنب، فأكل العنب يكون حبّة حبّة  "وبسلامة فهمك". أما إن كنت راغبًا في قتل الناطور، فها أنت قد بدأت بالشدّ على "خوانيقه" وهو يكاد يقضي على يديك، ونحن لا نريد لك ذلك...
        إنّ المسيح يا أستاذ شارل أتى للمرضى لا للأصحاء. وأنت باعترافك تحت سنديانة "الديار" بانتمائك لفكر انطون سعاده صرت تتوجّه للأصحاء لا للمرضى.
        برغم تقديري لصراحتك لا بل لجرأتك التي تكاد تكون استشهاديّة في هذه الامة اسمح لي أن ألومك على هذا التسرع.
        قبلاً، كان الناس يقرأون "الديار" ويعجبون بجرأتها، فصاروا ـ إن قرأوها ـ يثورون لوقاحتها. كانوا يتأثرون بأفكارك لأنّها أفكارهم، وبثورتك لأنّها ثورتهم، ثم صاروا يستغربون ويستنكرون لأنّك تسرّب أفكارًا يسارية هدّامة.
        إن الكثيرين ممن أعرفهم تخلّوا عن قراءتها بعد اعترافك بالانتماء الفكري إلى فكر سعاده. لقد كان بإمكانك زرع ما تريد في رؤوس قرائك ولكنك تسرّعت!!
        رابعًا: وفي الإطار نفسه، ألا تلاحظ ان نسبة رسائل القوميين تلفت الانتباه، وكأنهم صاروا قراء الجريدة الوحيدين... وليس هذا المطلوب. صحيح انهم وجدوا في "الديار" منبرًا حرًا ورحبًا لم يتوفّر لهم منذ زمن، ولكنّي لم أقرأ رسالة ذات شأن لقارئ يعلن انتماءه الى فكر سعادة متأثرًا بمقالات تحت السنديانة مثلاً، كلّهم يرحبّون بك، كلّهم اتّخذ من الجريدة وسيلة للمناقشة ولعرض أفكار بعضهم البعض ومعارضتها... قل لهم ـ عن لساني ـ إن ما يفعلونه خطير ومثير لشماتة الآخرين.
        ومع ذلك، إنّ باب "رسائل ومواقف" باب مهم فلا تهملوه إن من حيث التنويع والمواضيع، وإن من حيث التصحيح والطباعة.
        خامسًا: أين الصفحة الثقافية يا أستاذ شارل؟ أين المندوبون ينقلون آخر ما تنتجه دور النشر في العالم العربيّ ـ إن كانت الحركة مجمّدة في لبنان؟ وأين أخبار المعارض والندوات؟ لمَ تشاركون في مؤامرة "تجهيلنا" ؟ أم أنكم تعتقدون انّ المعدة الخالية الفارغة في لبنان لا تتلاءم مع الرأس الممتلئ؟
        لتكن الصفحة الثقافية غنية ويومية، ولا يوجد أكثر من الأدباء وخريجي الجامعات والأساتذة ممّن يتمنّون إدارة هذه الصفحة، وقسم كبير منهم يتحلّى بالوعي والانفتاح ويريد المشاركة في هذه النهضة التي تعملون لها.
        أتصدّق اني أقرأ باهتمام شديد ـ وعذرًا للمقارنة ـ في جريدة "النهار" الصفحتين الثقافيتين واحتفظ بهما.
        أين الاستاذ نبيل فياض ومقالاته المهمة ذات المعلومات الجديدة؟
        سادسًا: كيف تريدنا أن نفسر غياب أقلام مهمة عن الصفحات السياسية؟ أين مقالات نبيل بو منصف وقد مرّت له آراء غاية في الأهمية والعمق؟ ولماذا مقالات جورج بكاسيني بدأت تميل إلى الوجدانية وتبتعد عن التحليل المنطقي، وهذا ما دفع به إلى التطرف فلم ير بيتًا مصابًا إلاّ للأستاذ جورج بشير؟
        أين المحرّر الديبلوماسي؟ أين السفير العربي صديق ابراهيم جبيلي، هل نُقل إلى عاصمة أخرى في الشرق الأقصى مثلاً فتعذّر على الأستاذ جبيلي اللحاق به؟ في جريدة "السفير" ـ وعذرًا للمقارنة مرة ثانية ـ نقرأ مجموعة من التحليلات السياسية المتنوعة ما يؤكّد انّ اتصالات على مستوى عالٍ يقوم بها المحلّلون والصحفيون.
        "المانشيت" عندكم غنيّة، فلماذا لا تكون التحليلات كذلك؟ وبالمناسبة ألا تلاحظ أن كثافة أسطر عناوين المانشيت مزعجة بعض الشيء؟
        سابعًا: الملحق الأسبوعيّ غني ومهم، ولكنّه متعب في بعض مقالاته ودراساته الطويلة. فالسطور قريبة من بعضها جدًّا، ولا عناوين صغيرة ضمن الموضوع، وهذان أمران متعبان للنظر والفهم.
        أستاذ شارل...
        لم تعد " الديار" ملكًا لواحد أحد، وهي ليست وقفًا لدير أو إقطاعيّة لعائلة... صارت ملكًا لنا، لأنّك جعلتها كذلك. وهذا أمر مهمّ يُسجّل لك في تاريخ الصحافة الحديثة على الأقل. قد نجد ما نعترض عليه عند غيرها من الجرائد والمجلاّت، ولكنّنا لا نتدخل، ولا نفكّر بإرسال ملاحظة، لأنّ ثمة حاجزًا من الغربة...
        فاعذر إذًا هذه الملاحظات... إنّنا في ديارنا ولسنا غرباء.
مي م. الرّيحاني

جريدة "الدّيار" الخميس 3 أيّار1990