من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - رئيسة قسم اللغة العربيّة في مدرسة الحكمة هاي سكول

الأربعاء، 21 يناير، 2015

أنا ومي شدياق والإعاقة و"الرأي العام البغل" أيضًا وأيضًا...



     مي شدياق ليست صديقة واقعيّة ولا افتراضيّة، وأكاد أجزم أن لولا مقالة لي سابقة عن الرأي العام البغل نفسه، والتي نشرتَها شدياق على صفحتها، ما كان اسمي ليعني  لها شيئًا. وعدا عن أنّ إحدانا لا تعرف الأخرى إلّا من خلال ما نكتبه، فثمّة أمور كثيرة تفرّقنا، فأنا لست قوّاتيّة، ولست من مناصري جعجع، ولست من جماعة 14 آذار (ولا 8 آذار) ولا علاقة لي لا من قريب أو بعيد بالسياسة السعوديّة أو آل الحريري... فضلًا عن أنّ تركيبة شخصيّتي ومجموع عناصر تكويني الاجتماعيّ والنفسيّ والعائليّ والتربويّ والتعليميّ لا تمتّ بأدنى صلة لما هي عليه مي شدياق... لا بل كان لي مآخذ على أدائها الإعلاميّ، كتبت عنه في مقالة "الإعلام حين يبتعد عن الاحتراف والمهنيّة". وكان لي دعاء عبّرت عنه في مقالة ثانية بعنوان "إلى مي شدياق، مرّة جديدة".
     
    وما كنت لأكتب عن الهجوم الشرس التي تتعرّض له اليوم لو بقي موضوع الاعتراض على كلامها محصورًا برأيها السياسيّ أو موقفها ممّا جرى في القنيطرة السوريّة. لكن أن تصل الأمور إلى التعرّض لوضعها الصحيّ و"إعاقتها"، فأمر يدعو إلى التأمّل والتحليل، لا من باب الدفاع، ومي لا تحتاج إليّ في هذا الأمر، ولا من باب التضامن بين "معوّقتين" بحسب المقاييس التي بنى على أسسها مهاجموها الأشاوس حملتهم عليها، بل لمحاولة فهمِ كيف يجبرك التطرّف على مواجهة ما لم تكن تعرف أنّه فيك... خوف لدرجة العزلة فالانعزال...
    حين قرأت على صفحات التواصل الاجتماعيّ ما قيل لها وعنها، تساءلت عمّا قالته مي أو صرّحت به حتّى انحدر كلام المدافعين عن الشهداء إلى هذا الدرك. فبحثت عن كلمتها وقرأت ما يلي:

لقد أصابتني حالة من الإنقباض وأنا أتنقلّ بين الشاشات اللبنانية التي تتسابق لنقل وقائع تشييع جهاد عماد مغنية في روضة الشهيدين…
“الموت لاسرائيل، الموت لأمريكا”… تبجيلٌ بالمقاومة، أعلام “حزب الله” وسط جموع غفيرة وصراخ “لبيك يا نصرالله لبيك حزب الله”، “لبيك خميني” الخ الخ الخ…
اكيد نحن لسنا في لبنان… فلا إشارة واحدة تدلّ على أنّ الموقع في لبنان.
ما المقصود عندما تنقل كل شاشات لبنان باستثناء واحدة التشييع مباشرة على الهواء؟
هل شرّع لبنان دولةً ومكونات سياسية وشعبية مشاركة “حزب الله” في المعارك في سوريا؟
هل أعلنّا الحرب على اميركا؟ هل أعلنّا الحرب على التحالف الغربي المناهض للنظام السوري؟ هل أعلنّا الحرب على دول الخليج؟
ما خلفية هذا المشهد، هل هو لهث وراء زيادة نسبة مشاهدين هم أصلاً غير مكترثين بهم ولديهم شاشاتهم التعبوية ليل نهار؟!
اسرائيل عدو: نعم
القتيل لبناني: نعم
القنيطرة سورية: نعم
العملية نذير شؤم على لبنان: نعم
على ماذا تهلّلون إذاً؟
لبنان ضائع في مهبّ الريح، ولم يعد لدى الذين يُفترض بهم أن يكونوا أكثر إدراكاً الوعي الكافي للتمييز بين السبق الصحافي الآني والخطوة الناقصة غير المحقّقة للمكاسب على المدى الطويل.
ماذا كان يفعل “الشهيد” في القنيطرة السورية مع قائد الحرس الثوري الايراني؟ هذه المنطقة وبحسب الصحف اليوم ، منطقة سورية “واقعة ضمن مثلث الحدود المعقدة والملتهبة بين لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا”.
عال… هي منطقة سورية صرف إذاً… هل النقل المباشر استسلام واقرار بدخول لبنان بكلّ فئاته طرفاً في الحرب الدائرة في سوريا الى جانب محور النظام السوري البعثي وايران و”حزب الله”؟ هل دفنّا سياسة النأي بالنفس الى غير رجعة؟
هل علينا أنْ نقرّ أنّ “حزب الله” نجح في استدراج السلطات والإعلام في لبنان الى الخانة التي يريد زجّه بها؟
هل في هذا الاطار علينا فهم دخول القوى الأمنية الى معظم البؤر الأمنية في لبنان باستثناء تلك التابعة لـ”حزب الله”؟
هل علينا أنْ نفهم أنّ تعديّ المحامين السوريين على المحامين اللبنانيين في مصر كان مشروعاً لأنّ اللبنانيين تجرّأوا وتطاولوا على جيش بشار الأسد وكانوا بحاجة الى تأديب؟
الله يستر… إذا لم ننتفض على ما يحصل وبسرعة، سيتمّ جرّنا جميعاً الى وحول حرب، كثيرون على حدّ علمي، يعتبرون أنّه يجب أن نكون فيها على المقلب الأخر…
متى تأتي ساعة الصحوة؟
كثر يعتبرون أنّ ما حصل في القنيطرة الاحد سيكون بالتأكيد نقطة تحول في الصراع المفتوح بين “حزب الله” وإسرائيل.
يقولون: هي مواجهة مباشرة غير مسبوقة على الأرض السورية، بين المقاومة وما تمثله، والعدو الاسرائيلي وما يمثله… من دون وسطاء أو وكلاء.
فهل علينا بدورنا أن نسأل: هل ستبقى هذه المواجهة المباشرة في سوريا أم تنطلق شرارتها من لبنان ويكون على الشعب الليناني بأسره دفع ثمن لا يريده؟!
الله يسترنا… متى ساعة الصحوة؟!
***********************
في المقابل، نشرت شدياق الردود التي توالت على تعليق للصحافيّة غدي فرنسيس، وكانت على الشكل التالي:
غدي فرنسيس
January 19 at 9:29pm ·
مي شدياق، صباطو لجهاد مغنية
بيساوي كل قنوات لبنانك يا واطية

Like · Share
4,995 people like this.
364 shares
Abed Fawaz wen tale3 sawta 3a aya mazbale ?
January 19 at 9:29pm · Like · 14
Ezdi Safi
هي الشهيده الحيه بسبع رؤوس
January 19 at 9:31pm · Like · 35
ماهر الدنا
وين عم تحكي القمورة؟
January 19 at 9:31pm · Like · 4
Jad Souria
شو قالت هالشاضومه؟
January 19 at 9:33pm · Like · 7
Mahdi Sal
كلبة ما بينعملا قيمة
January 19 at 9:33pm · Like · 9
Hassan Dughman
لاتهذي بدنك بهيك زباله
January 19 at 9:34pm · Like · 12
Hanna Nicolas Helou maza natawaka3 min 3ahera
January 19 at 9:36pm · Like · 10
Ebaa Karfoul
هلأ كنت عم فكر بهالعاهرة
January 19 at 9:41pm · Like · 16
Jehad Shehab
عيب يا جماعه العاهرات بيخجلوا ينسبوها الهن
January 19 at 9:58pm · Like · 15
Leo Nakad c est une pute qui ne vaut pas le sou
January 19 at 10:01pm · Like · 7
Raed Anwar Hamadeh
حرام ليس عليها عتب..لقد تعرضت لحادث اليم أصاب دماغها بضرر كبير..شفاها الله
January 19 at 10:05pm · Like · 21
Wes Assaf
معاقه من قبل الحادث.
January 19 at 10:14pm · Like · 15
Saeed Jaber
صباطو ،، لا لا كتير هيك
قصدي صباطو كتير فيها

January 19 at 10:27pm · Like · 15
Fida Assaf
حيوانة كل عمرها رخيصة .هيدي قال دكتورة وبتعطي دروس بالجامعات.بزيادة عليا كم كلب متلا ينهشوا فيا .ما رح قول تفههه لان حتى البزقة ضيعانة فيا
January 19 at 10:38pm · Like · 17
نشوان جديد
واطيي وحيطا واطي ولك هي شماعة القرف
January 19 at 10:39pm · Like · 11
Hussein Mahmoud
مي شدياق مش صباط الشهيد بيسوى راسك ولك أرخص صباط بمحل خي حسين مونس بيسواكي كلك قصدي اللي باقي منك وكل مين شد على مشدك يا معاقة
Hussein Mahmoud's photo.
52 mins · Edited · Like · 130
Seleno Abou Radi
مالها المعاقة العاهرة بالمشبرحة
January 19 at 10:52pm · Like · 9
Georges Nehme
الحية الشهيدة. Menopause intellectuel
23 hrs · Like · 11
Tabet Bazzi
شريرةٌ وما في حدا يربكي
انت لستِ ب عاره او مومس
بل أنتِ تتمنين ذالك ولن يحصل.
..See More
22 hrs · Like · 14
Jessy Sassine Noun
العهر بيخجل قدامك يا معفنة عهر ... يلعنك الشيطان ما بكرهو قدك يا جاهلة ومدعية ومصدقة كذبتك ... انت وشهاداتك وكل مين بشد عمشدك كتير عليكن تنكبو بالزبالة ... تفه
19 hrs · Like · 30
Rima Jamous
ما في داعي نعلق عالموضوع طوني فرنجيه عطاها الجواب لي بتستاهلوا مدام بلاستيك
15 hrs · Like · 44
Lina Zammar
يا حقيرة يا سافلة ليس لك مكان سوى في المرحاض ....اللهم دون شماتة قليل يلي صابك يا عاهرة
14 hrs · Like · 30
Najib S Maddah
وبعد...
11 hrs · Like · 4
Mohamad Sadi
حبيت
4 hrs · Like · 3

*******
1- لا أعرف ما هي مناسبة الحديث عن الإعاقة هنا. فمواقف مي شدياق كانت هكذا قبل محاولة اغتيالها، وهي لم تخجل بها ولم تتراجع عنها. وهذا شيء يسجّل لها لا عليها. ولم أكن أعرف أنّ لحزب الله أو للحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ أو للتيار العونيّ مواقف من المعوّقين، تقضي بمنعهم من التعاطي في الشؤون العامّة، أو إبداء الرأي أو ممالاسة حقوقهم في السياسة والاجتماع...علمًا أنّ أحدًا لم يهاجم تلفزيون المستقبل الذي لم ينقل وقائع تشييع الشهداء.
2- ولم أكن أعرف قبل أن أقرأ هذه الردود وسواها أنّ الشهداء يموتون كي تبقى هذه الشريحة من الشتّامين الذين لم يجيبوا على شدياق في السياسة والحرب ووضع البلد بل في أمرين يعودان بنا إلى العصر الجاهليّ: أي جنس المرأة (عاهرة، مومس، ...) والإعاقة الجسديّة... وبسبب هذين الأمرين كان وأد البنات الذي حرّمه القرآن.
3- ولكن ما صرت أعرفه أنّ عليّ أن أعيد قراءة كتب أنطون سعادة، فلا شكّ في أنّني فهمتها على غير معانيها الأخلاقيّة. وأن أعيد النظر في قائمة "الأصدقاء" على صفحات التواصل الاجتماعيّ عندي كي لا أفاجأ بأنّ من يضع لي "لايك" على جملة شعريّة عن الحبّ، قد يغضب منّي يومًا بسبب رأي سياسيّ لا يعجبه فينهال عليّ بالصفات والنعوت...
4- وما صرت أعرفه على الأكيد أنّني - وأنا المصابة بشلل الأطفال - سأواجَه يومًا بأنّ اعتراضي على الأداء المسيحيّ (المارونيّ تحديدًا) الفكريّ والروحيّ والسياسيّ والاجتماعيّ سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء...وأنّ النقد الذي أمارسه في الأدب والشعر حين لا ينال رضا أصحاب العلاقة سيكون سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ آرائي التربويّة التي قد لا تعجب كثيرين سببها أنّني امرأة (ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ رفضي لسياسة حزب الله والمستقبل والحزب الاشتراكيّ والكتائب والقوّات والعونيّين والمردة ومن لفّ لفهم سببها أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ كلامي على الجهل العربيّ والتعصّب الدينيّ وقصر النظر السياسيّ سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء...
5- فيا أيّها الرأي العام البغل - بحسب تعبير السوريّ القوميّ الاجتماعيّ الأمين الأديب سعيد تقي الدين - غباءُ العلمانيّين أوصلنا إلى بغاء الطائفيّين، واعتبارُ "الصبّاط" قيمةً لا يجوز المسّ بها جعل عقولنا في مستوى الأرض، وتركُ المجال للناس، كلّ الناس، للتعبير (بحجّة الحريّة) وإبداء الرأي (ع أساس الكلّ بيفهم ومثقّف وبيعرف يقرا ويكتب) أوصلنا إلى ديمقراطيّة الجهل...
6- فحين يحصل ستاتوس غدي فرنسيس عن مي شدياق على نحو ستة آلاف لايك، ويتشاركها نحو أربعمئة شخص... ولا يقرأ سوى عدد قليل ما يكتبه المفكّر علي حرب عن نهج حزب الله فذلك يعني أنّ الشلل ليس في رجلي ولا الإعاقة في جسد مي شدياق بل في كل هذه التركيبة اللبنانيّة التي تُحتضَر ولكن من دون أن يكون ثمّة أمل في أن تحيا سوريا. 

     

الأحد، 18 يناير، 2015

الفصل العاشر من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004

على عجَل
الفصل العاشر من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون"
الصفحتان 31 و32


1- أؤمن بأنّ الملائكة تشبهك
لذلك لا أخشى الرحيل

2- الساعة الثمينة في يد مقدّم البرامج
أجمل من الساعة التي نمضيها برفقته

3- أكثر الجرائم بشاعة
تلك التي يُقتل فيها الوحي
عن سابق تصوّر وتصميم

4- حين صار الجدال حول اسم علاقتنا
يحتلّ الجزء الأكبر من الحديث
انتهى أجمل ما في العلاقة

5- في عصر العولمة ووسائل النقل المتطوّرة
لم يعدِ اللقاء يقاس بالمسافات بل بالرغبة

6- عندما نلتقي على عجَل يخجل الوقت من نفسه

7- "لا تسألوني ما اسمه حبيبي"
لقد نسيت

8- هذا الضوء الصيفيّ الذي يلي وقت الغروب
ويسبق إنارة المصابيح الكهربائيّة
كم يبدو هشًّا ورقيقًا ولطيفًا!
وكم أرغب في الاحتفاظ به أطولَ وقتٍ ممكن!

9- نغضب بشدّة على مَن يمرض مِن أحبّتنا
لأنّنا نريدُ أن نكون مكانهم لنحمل الألم

10- يا ربّ! أعرف أنّك قلت:
إقرعوا يُفتح لكم واطلبوا تجدوا.
ولكنّي تعبة إلى حدّ أنّني
أجد صعوبة في رفع يدي لأقرعَ
وفي رفع صوتي لأطلبَ
فهل لك أن تزيلَ عنّي هذا التعبَ
لأستعيد متعة الطلب منك
منك وحدك فقط

11- قلْ كلمتَك فأمشي قريبة منك

12- القوّة التي خرجت منك حين لمستك 
طهّرت ما دنّسه الرجال قبلك

13- المجدليّة صديقة مخلصة على الرُغم من كلّ الإشاعات



الفصل التاسع من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004

فوق صفحات النهار
الفصل التاسع من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون"
الصفحات 28 و29 و30


1- زرعتُ في جروحك شجرة ورد
وعندما أردتُ أن أقطفَ وردة
لأزيّن بها شعري، جرحني شوكُها
فكرهتك

2- أهديتُ حزنَكَ قصيدة
فحزن
يومذاك
أحنت الكلماتُ رأسَها خجلًا

3- الصفحة في الصحيفة ضيّقة
سقطت الكلماتُ من على حافتها
تناثرتِ الأحرفُ على الطريق
فجمعها صبيّ يضع نظّارتين
ونظم منها عِقدًا لأمّه

4- عندما تنكسرُ المرآة السحريّة شظايا
ستعلو مئات الأصوات المتشابهة
لتعلنَ أنّ المرأة البشعة هي أجملُ نساء الأرض.
إنّها الديمقراطيّة العدديّة

5- قد لا أكون جميلة
ولكنّي - وبثقة -
مستمعة جيّدة

6- لستَ الرجلَ الذي اعتقدتُ أنّك هو

7- الهديّة التي تُقبل
دعوة لبقة
إلى قبلة ضجرت من الانتظار

8- كوني ذكيّة واصمتي
ففي صمتكِ تكتشفين الآخر

9- عتب:
لا على قدر المحبّة
بل على قدر الانتظار

10- إنْ كتبتُ عنك تغضب
إن كتبتُ عن سواك تعاتب
فماذا أفعل بالكلمات حين تريد أن تقول؟

11- لن أحبَّكَ بعد الآن
لكنّك تستطيع بالطبع
أن تبقى على حبِّك لي

12- أيّها المحاصَر في كنيسة المهد
تريد أمّك أن تعيدَكَ إلى أحشائها
لقد تأجّل عيد الميلاد

13- عندما يجمعنا منزلك عند الغروب
يبدأ نهار جديد


حزينًا حتّى موتي


     عَبَر الرجل الأخير وانتهت رحلة الحبّ كما كان يجب أن تنتهي... كلانا كان يعرف ذلك، ويتوقّعه، وينتظره... ولكان الواحد منّا فوجئ لو حصل عكس ذلك... هم لم يكن ليعبر لو لم أقفل الأبواب والشبابيك في وجهه، ولو لم أتحدّاه وأستفزّه وأعرّضه لاختبار بعد آخر، وأنا أعي جيّدًا كيف لا يطيق أن تسدّ السبل أمامه، وكيف لا يحتمل تحديًّا أو مشاكسة أو استفزازًا أو اختبارًا... كان عليّ أن أفعل ذلك، ليعبر وهو مطمئنّ إلى أنّه لم يرتكب خطأ، وأنّني أنا من خالفت قواعد اللعبة... لعبة؟ نعم، أليس كلّ ما نفعله لعبة لها قواعدها وشروطها ونتائجها؟
     رحل الصديق الأخير، بعدما كان اسمه في حياة سابقة لوصوله العابرَ ثمّ العجوز، ها هو يقطع الطريق إلى الجهة الأخرى من حياة ليس لي مكان فيها، ناقمًا عليّ، غاضبًا على الظروف، حزينًا حتى موتي...
     كانت إشارات الرحيل في وجهه وكلماته وحزنه العتيق... فكيف أقف في وجه الريح التي حملته إليّ وهي تصفر قائلة: سيتابع الرحلة معي فلا تقفي في وجهنا؟ كيف أقاوم رغبته في الانضمام إلى العابرين بين البيوت الخالية إلّا من البرودة والشوارع الغارقة في ليل الخوف، المتلاصقين في مواكب انطلقت مذ كان طفلًا يقف إلى نافذة بيته ويسأل إلى أين يرحل الأصدقاء؟
     جميلٌ صديقي الأخير، كالمسيح في عرس قانا الجليل!
     ذكيّ صديقي الأخير، كالمسيح في مواجهة الفريّسيّين!
     شاعرٌ صديقي الأخير، كالمسيح حين قال: من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر
     وكالمسيح المصلوب على خشبة العشق والمطعون بحربة الشكّ، والظمآن إلى نبيذ الأمس وقد صار خلًّا في يد الحقد... سيبحث عني بين الجموع وعيناه تعاتبان: لو لم تغلقي الباب في وجهي لما كنت صُلبت!

     ومن دون أن يسمعني سيعرف أنّ الملاك نفسه الذي بشّر أمّه به، قال لي: تريد منك السماء أن تبتعدي عن طريقه ليبقى هو الطريق...

السبت، 17 يناير، 2015

فاتن حمامه! لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا



     يجب أن يموتوا... وإن لم يفعلوا فعلينا أن نقتلهم... فجمالهم لا يلائم قبحنا، وصدقهم لا يناسب أقنعتنا، ورقيّهم لا يليق به الدرك الذي وصلنا إليه.

     ليس الأمر حنينًا شاعريًّا إلى زمن مضى، ولا وقوفًا على أطلال أمجاد عبرت، بل هو لحظة مصارحة مع الذات، تستعاد مع رحيل كبار نبدو صغارًا أمامهم، صغارًا لأنّنا لم نتعلّم منهم الصبر والتأنّي والاجتهاد واحترام الآخر والعمل والوقت.
     رحيل فاتن حمامة، بعد رحيل رعيل كبير من الفنّانين والمبدعين هو أكثر الأمور طبيعيّة في هذا الزمن الشاذّ، فلا هي تشبه بشاعة ما صارت الحياة عليه، ولا داعيَ بعد الآن لابتسامتها البريئة في زمن القتل والعهر والذبح والتحريم... وليتوقّف المترحّمون عن الدعاء لها بالغفران، فإن كان فنّها لن يشفع بها، فلن تشفع لها دعوات من لا يملك قبسًا من نور ضحكتها، أو نسمة من لطف روحها.

     يجب أن يموتوا... من بقي بعد؟ فليموتوا ولنعرف أنّنا صرنا في جحيم حقيقيّ، ولنكفّ عن هذا التفاؤل الساذج، والحلم الغبيّ، والانتظار العقيم. فلن يكون الآتي أفضل مهما كثرت برامج نبش المواهب وإطلاق النجوم والتنقيب عن الفنّانين... ولن ينضحَ إناء بغير الفساد الذي فيه... 

     الصوت الجميل سيجد تاجرًا... والرقص الجميل سيجد قوّادًا... والعزف الجميل سيجد قاتلًا... والشاعر الجميل سيجدون له فتوى تحلّل قتله...

     لم يكونوا قدّيسين وأولياء صالحين، لم يعطوا دروسًا في العفّة ويلقوا عظات عن الشرف، لكنّهم كانوا شغوفين بالفنّ... مجانين يبحثون عن الفردوس المفقود فيجدونه في النغمة والصوت والكلمة وعين الكاميرا وحركة الجسد... مهووسين بالرغبة في خلق عالم يطرح أسئلة ولا يدّعي معرفة الأجوبة... مسكونين بحلم الخلق... مؤمنين بأنّهم أنصاف آلهة يرى الواحد منهم في الآخر صنوه ومتمّمه ونصفه الثاني لتكتمل الألوهة في الفنّ الذي لا خلاص للعالم من دونه...

     لم يخطر لي يومًا وأنا أمام إبداعات فنّاني مصر ولبنان وسوريا والعراق وفلسطين أنّ هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى دين وطائفة ومذهب وبلد... لم تكن صباح مسيحيّة ولم يكن فريد الأطرش درزيًّا ولم تكن فاتن حمامة مسلمة... لم يكن شوشو سنيًّا وعاصي الرحباني أرثوذكسيًّا وبرج فازيليان أرمنيًّا ووديع الصافي كاثوليكيًّا وزين شعيب شيعيًّا، لم تكن هند رستم مصريّة ومنى واصف سوريّة وهند أبي اللمع لبنانيّة، لم يكن بدر شاكر السيّاب عراقيًّا ومحمود درويش فلسطينيًّا ومحمد الماغوط سوريًّا...
     كان الفنّ وطنهم ودينهم ومذهبهم وإمامهم وشيخهم وقدّيسهم... وكنّا أمامهم نخشع ونصغي ونتغيّر ونحلّق... 
     لكنّهم تعبوا من اجتراح معجزات الخلق وتعبنا من الحلم، فليرحلوا وليتركونا بلا أحلام وآمال... فاليأس لا يتطلّب جهدًا، والقعر آمن لا يقع أحد منه.

     فاتن حمامة... أيّتها الفاتنة البيضاء... موسم السلام لمّا يأتِ بعد... فاذهبي إلى حيث لا رصاص ولا مدافع ولا أطفال يموتون، واطلبي من الله أن يغفر لمن لم ير منّا أنّ الفنّ صورة السماء ومثالها. ولا بأس أن تموتي... لا بأس أن ترحلي... لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا بعدما جحدنا بفضل نعيمك الإبداعيّ!   

غيابك يشيّئني (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)

رجل وامرأة - بيكاسو

غيابك يشيّئني
أصير شيئًا في غيابك
شيئًا ما
بابًا
مشجبًا
طاولة
بيتًا متروكًا للسكوت بعدما هجره الشعر
أتجوّل في غرف ذاتي
فأرى وجهي في مرآة التصق بها غبارٌ يتأمّل غباءَه وهباءَه
ألمس إناء الزهر البِلا زهر فيناجيني خواؤه
أنظر إلى المقعد المكفّن بغطائه الأبيض
وأشعر بالحزن على لقاءاتِ حبّ ماتت في حضنه ولا تنتظر قيامة
تستيقظ أشباح الماضي في غيابك الذي يشيّئني
تولد من الغرف الباردة
وتسخر من شكلي الشبيه
بالمرآة الغبراء
والإناء الخاوي
والمقعد المكفّن
***
يخرج الشبح الأوّل من غرفة النوم ويقول لي:
"ألم تعدي نفسك بأنّك لن تنامي إلّا ومن تحبّينه يحتضن شوقك؟
أليس لأنّني لم أكن هذا الشخص تركتني؟
فما بالك اليوم وحيدة؟"
ويخرج الشبح الثاني من غرفة الطعام شامتًا
وهو يقول:
"ألم تطرديني لأنّني لم أجد الوقت لأكونَ معك إلى مائدة العيد
وقلتِ لي يومها:
من لا وقت عنده لي لا مكان له عندي؟
فكيف تقبلين بأن تكوني وحدك
وقد أهديت ذاك الرجل الأمكنة كلّها والأزمنة كلّها؟"
ويخرج الشبح الثالث من غرفة الجلوس
وهو يذكّرني بأنّني قطعت علاقتي به لأنّه لم يجالس حزني
ولم يسهر معي ليلة بكيت عجزًا وقهرًا وغضبًا
وها أنا عاجزة أمام المرض
مقهورة من عبث الحياة
غاضبة على كرويّة الأرض وتسطّح العقل
ومن أريده أن يجالسَ حزني ويمسحَ دمعتي ليس معي
الشبح الرابع يغنّي
وهو يؤكّد لي بأنّني ضيّعت في الأوهام عمري
والخامس يسألني عمّا حقّقته في الحياة
والسادس يدلّ الآخرين على تجاعيد وجهي وبياض الجذور في شعري المهمل
والسابع يذكّرني بأنّني مجرّد ناسكة في صومعة كلمات لا قيمة لها
تختلط أصواتهم في رأسي
ويذوب بياضهم في بياض الأكفان التي تغلّف المقاعد والطاولات التي تتحوّل بدورها أشباحًا راقصة صاخبة ساخرة
***
في غرف ذاتي الباردة عناكبُ تنسج بيوتها في الزوايا
تمدّ شباكَها لعلّها تلتقط حشراتٍ تنقذها من الجوع
على الجدران ترسم العفونة لوحاتٍ خطوطُها خضراءُ تتحوّل سوداء
ومفاصل الأبواب تئنّ من الرطوبة الدبقة وتؤلّف موسيقى تأنس إليها الأشباح
أنتظر دفء يدك يشعل عاطفةَ الجدران
يضخُّ المياهَ في شرايين البيت الجافّة
يزرع النور في ثريّات العمر المطفأة
يمسح الغبار عن مرايا الذاكرة
ينثر الورود في المزهريّات ويسقيها عشقًا
يحوّل أغطية المقاعد فساتينَ أعراس
ويطرّزها بخيوط الشمس التي فتح لها الأبواب والشبابيك
يفجّر شلالات الموسيقى في صحراء الصمت...
أنتظر وأنتظر وأنتظر
أصير شيئًا
شيئًا ما
شيئًا صغيرًا
شيئًا تافهًا
شيئًا لا مشيئة له
شيئًا لا يشاؤه الآخرون
شيئًا من مجموعة أشياء
***
يشيّئني غيابك
ويبلّد مشاعري الانتظارُ
فأتحوّل مرآة لم تعد تتوقّع وجهًا يقتحم الغبار
مزهريّة لا تريد حياة تشرئبّ بعنقها منها وتعانق السماء لساعات ثمّ تذبل
مقعدًا باردًا يتمسّك بالغطاء الأبيض ويلتفّ به لمجرّد أن يطمئنّ إلى أنّه ليس وحده
لا أشعر سوى بالبرد
الطقس دافئ وأنا محاصرة بثلج جسدي
والطرقاتُ إلى ذاتي مقطوعة بسبب الانهيارات
أرتدي كلّ الملابس التي في خزانتي ولا أشعر بالدفء
أتقوقع تحت أغطية الأسرّة فيزداد الصقيع في قلبي
أمزّق الستائر عن النوافذ وأختبئ فيها فيجد البرد وسيلة ليتسلّل إلى عظامي
أنظر إلى السجّادة الملفوفة في الركن
وأفكّر في أن جثّة مخبّأة فيها أسعدُ حظًا من جثّة مرمية على جانب الطريق
الأمور نسبيّة، أليس كذلك أيها العالم؟
وأنا الآن شيء
مجرّد شيء
وليس من المفروض أن أشعر بالبرد أو الحرّ أو الشوق أو الضجر
شيء لا يشبه لوحة ثمينة يخاف عليها مالكها من الضوء وتغيّرات الطقس
ولا يشبه إناء بلّوريًّا أثريًّا يُخشى عليه من عبث الأيدي
أو كمانًا مشغولاً بعناية وذوق وموهبة يطمع به جامعو القطع الفنيّة
أو خاتمًا لا مثيل لحجره الكريم
أو منحوتة نادرة يتسابق لاقتنائها أثرياء العالم
أنا قطعة من ملايين القطع الصينيّة الرخيصة التي تبصقها ملايين المعامل على أرصفة الشوارع
التي لا تشبه في شيء خزفيّات تلك البلاد القديمة وحريرها وزجاجها وورقها
قطعة سخيفة تشبه غيرها
ولن يتأثّر العالم بانكسار نفسها أو تمزّق أحلامها أو تقطّع أوصالها أو تشيّؤ إحساسها
***
في غيابك أضع ذاتي في علبة صغيرة
لأهرب من أشباح الماضي التي تريد أن تمتصّ ما تبقّى من لوني
لعلّها تسترجع ألوانها
وأخفي العلبة في دُرج الخزانة المركونة في زاوية الغرفة
وأقفل باب الغرفة في البيت المتروك للسكوت
وأمحو من ذاكرتي لونَ العلبة وموضع الدُرج وموقع الخزانة وباب الغرفة ومكان البيت
وأنسى أنّني موجودة
أضع ذاتي في العتمة
وأضيّع ذاتي
كي لا تصفعني خيبتها
ويجرحني تعبها
ويبكيني شكلُها
الشبيهُ بالمرآةِ العاجزة عن غسل وجهها
والمزهريّةِ الجافة الأحشاء
والمقعدِ المشلول 

الجمعة، 16 يناير، 2015

صديقي اسمه الحزن



"كلّ مين طوي شراعو
وراح بهالمدى
ولدين وضاعو
ع جسر المدى"

***
كشعور الأعمى حين تصف له منظرًا لا صوت له ولا شكل ملموسًا.
كشعور المقعد حين تحدّثه عن متعة تسلّق الجبال.
كشعور الأصمّ حين تطرب أمامه وتتفاعل قسمات وجهك وأعضاء جسمك مع الموسيقى.
هكذا أشعر حين يخطّط صديقي العابر لمشاريع ومواعيد نعرف أنّنا لن تقوم بها معًا.
يسبح قلبي عند ذلك في بحيرة كبيرة من الحزن العميق والأليف أعجز عن الخروج منها، لا، بل أعرف أنّي لن أغرق فيها ولن أغادر مياهها الرماديّة.
ويرافقني ذلك الحزن لفترة طويلة ولا ينتهي، بل يتجدّد مع مشاريع أخرى ومواعيد جديدة أسمعها ولا أستطيع إلّا الحلم بتحقّقها يومًا.
أشعر بعجز مخيف. يداي مقيّدتان كيدَي كاتب يجلس الرقيب الشرس على فتر من قلمه. وأوراقي البيضاء لا أكتب عليها إلّا ما سبق وكتبته.
يحدّثني صديقي عن أماكن زارها، عن بلدان وفنادق ومتاحف، ويدعوني إلى موافاته إليها ليرى إن كانت ستثير فيّ انطباعات تشبه التي عنده. يحدّثني عن أشخاص التقى بهم، عن وجوههم وأسمائهم وشخصيّاتهم، ويسألني إن كنت أقبل بالتعرّف إليهم ليعرف رأيي فيهم. يحدّثني عن نزهات ومشاوير ووسائل لهو، ويطلب منّي أن أكون شريكته فيها، لأنّه يحبّ أن يراقبني وأنا أراقب ما يجري حولي.
غير أنّ مسافات بعيدة تفصلني عنه. بحار وجبال ووديان، وساعات من السفر، وأكوام من الغيوم، وتلال من النجوم، تقف بيننا. فأعتذر عن تلبية الدعوة وأبقى اسيرة التراب الذي أعرفه.
منذ زمن وأنا أعرف أنّ صديقي غيمة عابرة وأنا شجرة مقيمة.
منذ زمن لا أعرف بداياته وأنا أنظر إليه وأنتظر رحيل المواعيد وذبول الوعود.
منذ زمن وأنا أنتظر كالمحكومين بالإعدام أن تتحوّل الدعوة إلى فنجان قهوة صباحيّ حفلة وداع حزينة.
لماذا يخبرني صديقي الذي عبر إلى مجد طموحه عن أمور وأشياء لن أكون شريكة فيها؟ لماذا يدعوني وهو يعرف أنّي عاجزة عن تلبية الدعوة؟ هل هو واجب العلاقة يدعوه إلى ذلك؟ أم هي الرغبة تضجّ في داخله، فتجعله يحلم مثلي بلقاءات لا نعرف متى ستتمّ؟
حين غادر هذا الرجل علاقتنا وابتعد، ترك لي حزنًا كالذي يصيب الإنسان عندما يخيب أمله، أو عندما يرسب في امتحان نهائيّ حاسم، أو عندما يتمزّق ثوب له ذكريات وتاريخ، أو عندما يفقد ألبوم صور الطفولة.
لم يكن حزنًا مفاجئًا بل تسلّل على مهل كضباب خريفيّ. ولم يكن حزنًا عاصفًا بل كان رقيقًا كبرقع عروس، ولم يكن حزنًا بغيضًا بل بدا كأنّه صديق حميم انتبهت فجأة إلى وجوده منذ زمن لا أعرف بدايته.
وصار الحزن صديقي فعلًا.
ليس الحزن المتشائم، ولا الحزن المدمّر، بل هو أقرب ما يكون إلى حالة عميقة من الشوق والحنين إلى أزمنة مضت، إلى براءة ولّت، إلى طفولة انقضت، إلى أمكنة موجودة فقط في الذاكرة أو في صور عتيقة بالأبيض والأسود.
ولذلك فلم يكن من الممكن أن يكتشف الآخرون حزني الصديق لولا حديثي عنه. كأنّي أخبّئ علاقتي به، كأنّي لا أريد أن يكتشف أحد هذا النوع من الحزن النادر، فلا يظهر على وجهي ولا يفضحه صوتي ولا تهلن عنه تصرّفاتي.
ولذلك أيضًا، أكتب عنه. كأنّ الكلام الذي تنطق به الشفتان لن يكون معبّرًا وكافيًّا ولا تليق به إلّا الكتابة، إلّا الحفر في هيكل الروح، لا الدموع ولا استعادة الذكريات ولا التحسّر على ما كان يمكن أن يكون، بل كتابة نابعة من عمق الأعماق تتحدّث عن رجل لم يمحُ ما قبله من الرجال، ولن يمحو ما بعده منهم، عن رجل يعرفهم ويعرف عنهم لأنّه يعرفني جيّدًا.
أمشي في دروب الحياة اليوم، وفي رأسي أمور لم نقم بها. أقرأ الكتب بعينيّ وعينيه، قائلة في نفسي: هذا يشبهه، وهذه فكرة سبق أن قالها، وهذا كلام لا يعجبه، وهذه جملة لا شكّ في أنّها ستعلق في ذاكرته.
أسمّيه العابر، وكلّ الآخرين عابرون إلّاه.
أمشي وحيدة في شوارع المدينة التي يحبّها، فيطلع عليّ من بين جدرانها الحديثة تاريخها القديم، وأقول في نفسي هذه مدينة لا تحسن الاحتفاظ بأبنائها.
أنظر إلى الناس في الشوارع وأتساءل: هل بينكم من يشبهه؟ غير أنّي أعلم في قرارة نفسي أنّ صديقي الذي ترك المسافات تمتدّ بيننا، لا يشبه إلّا الرجل الذي أكتب عنه.
قد يظنّ البعض أنّ اشتياقي إليه هو اشتياق الجسد للجسد، المرأة إلى الرجل. لا شكّ أنّ فيه ذلك. غير أنّ فيه أيضًا الشوق إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي تصنع العلاقات الكبيرة. الشوق إلى مشهد يديه الجميلتين على مقود السيّارة، الشوق إلى أصابعه تلاعب شعري الأسود الطويل، إلى نظراتنا الخبيثة حين نلتقط في اللحظة ذاتها مشهدًا أو عبارة سيكونان بعد قليل موضوعًا لتعليقاتنا، إلى الهدايا التي أحبّ أن أفاجئه بها بلا موعد أو مناسبة، إلى الصمت حين نستمع إلى الموسيقى، إلى الغناء حين تحرّكنا الكلمات، إلى رغبتي في العبث بأغراض مكتبه وخزانته، إلى مداعبة شعيرات صدره من فتحة القميص، إلى أن أسمع من جديد حكايات عن طفولته ومراهقته.
الشوق إلى كلّ تفصيل من تلك اللوحة الرائعة التي كان اسمها "نحن الاثنان".