الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 14 يناير 2018

الفصل الثامن من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


ما الذي جعل روز تطرح ذلك السؤال على ناجي بعد مضي عشرين عامًا على علاقتهما؟ لماذا في تلك الليلة بالذات خطر لها أن تواجهه بالسؤال الذي لم تجرؤ على طرحه سابقًا خوفًا ممّا ستسمعه؟ عشرون عامًا من الحبّ والصداقة والعشرة، كبر فيها أولاده وأولاد أخوتها، ونشبت معارك وحروب، ومات كثر، وهاجر من استطاع، وروز مطمئنّة إلى الحماية التي أحاطها بها رجل حياتها، فلم تخش كلام الناس ولا وجود امرأة أخرى تقيم في بيته ولا تشكّل لها منافسة، ولم يرعبها القصف والتهجير والتفجير. ناجي يعشق الأرض التي تمشي عليها، فما الذي يمكن أن يعكّر صفو سعادتها؟ الزواج؟ أليس ما بينها وبين ناجي أقوى وأعمق من أي رابط رسميّ؟ الأولاد؟ ألا يكفي عدد الأولاد الذين ألقيت عليها مسؤوليّة رعايتهم والاهتمام بهم وتأمين متطلّبات حياتهم. أولاد حبيب حين يكون أبوهم في السجن وحدهم يكفون كي تكفر بالأولاد وتربية الأولاد. وابنة جولييت أليست همًّا يرافقها طوال الوقت؟ وأولاد ناجي؟ ألا تتابع أخبارهم وتعرف كلّ تفصيل عن صحّتهم ودروسهم وهواياتهم ومشاكلهم؟ ومع ذلك، كان هناك قلق داخليّ لم تستطع روز رغم سطوتها وقوّة إرادتها أن تسيطر عليه لتمنعه من الوسوسة في بالها وإزعاج الهناءة التي تنعم فيها. حتى حلّ ذلك اليوم، وروز في مرحلة انقطاع دورتها الشهريّة، ونوبات الغضب والبكاء والتعرّق تصيبها في شكل دائم، وخلقها ضيّق، وأحاسيسها مرهفة تثيرها أبسط كلمة. قبل ذلك اليوم، كانت روز تأخذ الأمر بمزاح وتقول لناجي:
"ألا يكفيك امرأة واحدة في مثل هذا العمر ومثل هذه النوبات؟ صار عليك أن تحبّ واحدة أصغر منّي ومنها!"
 وكان حين يحضنها يحاذر أن يعلّق على الموضوع ممازحًا أو جادًّا خشية أن يقول ما لا يجب أن يقال فتنتفض المرأة التي يحبّها من بين ذراعيه وتتفلّت منه مبتعدة غاضبة باكية.
غير أنّ روز في ذلك اليوم الشتائيّ البارد من شهر شباط، كانت تشعر بالحرّ الشديد يخنق أنفاسها ويمنعها عن الاستمتاع بمداعبات ناجي كما تشتهي نفسها. وكان الناس في لبنان بدأوا يولون عيد العشّاق أهميّة لم تكن له قبل تلك المرحلة، وكانت أجواء العشق تنشر اللون الأحمر في كلّ مكان، ومع أنّ روز وجدت الأمر سخيفًا في الأعوام الماضية، إلاّ أنّها هذه السنة شعرت بأنّ من حقّها أن تطالب بالاحتفال به، وأمام استغراب ناجي تصرّفاتها ورفضه الانصياع لمزاجها العكر الطفوليّ، طرحت روز السؤال الغريب:
"هل أهديت زوجتك هديّة في هذه المناسبة؟"
ما عشقته روز في ناجي طوال هذه الأعوام أكثر من سواه هو صدقه وصراحته. كانت تعرف أنّه لا يكذب على أحد، ولا يمكن أن يكذب عليها. ربّما لهذا السبب كانت تحاذر الدخول معه في أحاديث تفصيليّة عن زوجته أو عن أيّ شيء آخر قد يقلق ما هي فيه من حبّ وغرام، وتترك له أن يحكي ما يريد من دون أن تطرح أسئلة قد تحرجه فتسمع أجوبة قد تجرحها. ولكنّها اليوم طرحت السؤال وعليها أن تتحمّل النتائج. روز ثائرة، وناجي غاضب، والجواب كان:
"نعم، قدّمت لها هديّة بناء على اقتراح الأولاد".
كان من الممكن أن ينتهي الأمر هنا. وتطوى المسألة، وتنطفئ ثورة الأعصاب بعد عتاب لا بدّ منه. غير أنّ سببًا ما دفع روز إلى طرح السؤال الآخر:
"متى كانت آخر مرّة نمت فيها مع زوجتك؟"
لم يكن ثمّة حاجة لانتظار الجواب كي تنهار روز. كان الاصفرار الذي لوّن وجه الرجل الذي وثقت به أكثر من نفسها جوابًا قاطعًا. هو ليس الاصفرار الذي يأتي من الغضب أو الاستنكار أو الرفض، هو اصفرار من ألقي القبض عليه بالجرم المشهود ولا يملك ما يستر به عريه. لم يعد يهمّ أن تسمع روز الجواب، لم يعد يعنيها أن تعرف منذ متى، وكم عدد المرّات، أو إن انقطع عن النوم معها خلال هذه الأعوام الطويلة، كلّ ذلك لم يعد يهمّ، كانت تريد أن تختفي، أن تنسى الخيانة، أن ينتهي كلّ شيء، فوقعت على الأرض مغشيًّا عليها وغابت عن الوعي في عالم آخر.
حين عادت روز إلى وعيها، كانت الغرفة غارقة في الظلمة، وهي في فراشها. سمعت أصوات أمّها وشقيقتها وناجي بعيدة كأنّها تصل إليها من عالم آخر وليس من الغرفة المجاورة. حاولت أن تتحرّك، فوجدت جسمها ثقيلاً، حاولت أن تنادي أختها أو أمّها فطلع صوتها صرخة مدوّية غير مفهومة. هُرع الثلاثة إليها، غير أنّ ناجي وقف بعيدًا عند الباب. تشابكت أسئلة الأم والأخت تريدان أن تعرفا ما الذي حدث، غير أنّ روز ردّت بجواب بسيط إذ فهمت أن ناجي لم يقل لهما شيئًا. هي لا تزال تعرف هذه الناحية من شخصيّته على الأقلّ. أم هذه أيضًا انهارت مع انهيار كل شيء آخر؟
"لا شيء. مجرّد تعب. اتركوني أريد أن أنام. سنتكلّم لاحقًا. ولكنّي أريد أن أشرب".
تبادل الجميع النظرات المتسائلة عمّا يجب فعله، جولييت أخذت ضغط دمها وقاست حرارتها، فلم تجد ما يثير القلق، نجلا تفرك يديها بعصبيّة ولا تجرؤ على الكلام، ناجي ينظر إليها لعلّها تنظر إليه فتلتقي العيون ويمحى كلّ الألم والحزن والغضب. ثمّ قرّروا أن يتركوها تنام بعدما ناولتها أختها كوب الماء. فالصباح رباح. وغدًا ستفهم الأمّ والأخت ما الذي يخفيه عنهما ناجي وروز. ولم يحدس أحد من الثلاثة بأنّ هذه الكلمات القليلة التي قالتها روز تلك الليلة ستكون آخر كلماتها المفهومة. فبعد ذهاب ناجي، وخلود نجلا إلى النوم وعودة جولييت إلى المستشفى لتأمين نوبتها الليليّة، ستقوم وردة وتتوجّه إلى الحمّام وهناك ستبتلع قنينة الديمول التي جلبها لها ناجي لترشّ الحشرات التي غزت الوردات على الشرفة وجعلت أوراقها ذابلة متآكلة. وحين ستستيقظ نجلا مع إطلالة الصباح وتقصد الحمّام، سيستيقظ سكّان المبنى على صراخ شقّ سكينة الفجر، وسيعلم الجميع أنّ وردة انتحرت.

(جولييت)
"لا أحد غير كمال يعرف أنّي وعدت روز بالعودة في تلك الليلة. قلت لها بعد أن دخلت أمّي  غرفتها:
(سأذهب إلى المستشفى وأؤمّن من ينوب عنّي وأعود بسرعة).
ولو فعلت ذلك، لو عدت بسرعة، لكنت أنقذت وردة. أنا خائفة من أن تكون شقيقتي قد تناولت الديمول وهي تراهن على عودتي بسرعة كما وعدتها فأنقذها. ربّما هي محاولة انتحار، ربّما أرادت أن تخيفنا عليها، أن تهدّدنا بأنّها ستقتل نفسها عن جدّ إن تابعنا إزعاجها. ربّما أرادت أن تجبر ناجي على ترك كلّ شيء من أجلها بعدما كبر أولاده وما عادوا في حاجة إليه. لا أعرف. لكنّها ليست من النوع الذي ينتحر. لا شكّ في أنّها قالت:
(جولييت ممرّضة وستنقذني في الوقت المناسب).
يا حسرتي عليك يا وردة، متّ وأنت تنتظرين كأن لم يكفك أن تنتظري طوال عمرك كي تنصفك الحياة.
حاولت مرارًا الاتصال بها لأخبرها بأني لم أجد حتّى الآن من ينوب عنّي، فكان خطّ التلفون مشغولاً طوال الوقت. ولكنّ ذلك أراح بالي، قلت في نفسي:
(لا شكّ في أنّها تتكلّم مع ناجي، وهذا أمر جيّد، أحسن من ميّة حبّة دوا للأعصاب).
ولم يخطر لي أن أتلفن لإحدى شقيقاتي أو لنجيب كي يذهب أحدهم إليها. أقنعت نفسي بأنّ ناجي وحده قادر الآن على تهدئتها. من أين لي أن أفكّر في أنّها ستشرب الديمول؟ وردة؟ كلّ الناس يخطر على بالهم الانتحار إلاّ وردة.
ولكن ما الذي جرى؟ من كان يشغل الخطّ؟ لماذا شربت الديمول؟ أسئلة كثيرة لم أجد لها أجوبة وأنا أجلس إلى جانب وردة في المستشفى. ألهذا الحدّ يستطيع أقرب الناس لنا أن يخدعونا؟ وما الذي يعمينا عن رؤية ما هم فيه حتّى يفاجئنا مرضهم أو حزنهم أو رغبتهم في الرحيل فننتبه إلى أنّ كلّ الإشارات كانت تنبئ بذلك ولكنّنا اخترنا أن ننظر ولا نرى. كنت أكلّمها بصوت مرتفع، لعلّ ذلك يساعدها على مقاومة ما هي فيه أو احتماله على الأقلّ. غير أنّها كانت عاجزة عن الكلام، وكلّ ما كان يصدر عنها أصوات غير مفهومة فيؤلمها عجزها عن التعبير ويؤلمني أن أراها تتألّم أكثر. وحين كانت تفتح عينيها من وقت لآخر وتنظر إليّ وأنا منحنية فوق وجهها كانت الدموع التي لم أرها وهي في عزّ صحّتها وقوّتها تخرج من هاتيك العينين دفعة واحدة كأنّها لم تفتح جفنيها إلا لتخرج الدمع.
طوال العشرين يومًا التي أمضيتها معها في المستشفى لم أكن أفكّر إلاّ بأنّها تفكّر في ناجي. ناجي الذي لم يقل لي شيئًا لا أعرفه عن تلك الليلة. فحين تركت وردة لأذهب إلى المستشفى كنت فهمت منها أنّها غاضبة منه وأنّه لا يفهم أنّها تعبة وعاتبة ولم تعد تحتمل. هذا أيضًا ما فهمته من ناجي، ولكن كلّ ذلك ليس بجديد عليها، فلماذا الآن؟ كلّ ذلك لم  أذكره أمام رجال الدرك، قلت لهم ما اتفقنا كلّنا على قوله:
(أخطأت في القنينة وظنّت أنّها تشرب ماء).
لو عدت في تلك الليلة لما ماتت أختي الكبرى التي حضنتني وطفلتي حين هربنا ولجأنا إليها. هل يكفي أن أجلس إلى جانبها وأكون شاهدة على آلامها كي أردّ لها دين الاعتناء بي وبياسمينة وتحمّل تبعات كلّ ذلك وتأثيره على حياتها الشخصيّة؟
 قالت لي الأخت التي تكبرني بأكثر من عشرين سنة، والتي اختارت اسمي واسم ابنتي وعاملتنا كأنّها أمّنا:
(لن تعودي إلى ذلك المجنون مهما كلّف الأمر).

غير أني خذلتها حين احتاجت إليّ ولم أعد لأنقذها من جنون عصف بها تلك الليلة وجعلها تنهي حياتها وهي تحترق من الداخل. لم يسمحوا لي بترك العمل، ولم أجد من ينوب عنّي، وفي المستشفى أيضًا مرضى يحتاجون إلى من يهتمّ بهم، والخطّ كان مشغولاً، كيف كان لي أن أعرف أنّها رفعت السمّاعة، وأنّ ناجي كان يقود سيّارته طوال الليل على الطرقات الخالية إلاّ من الحواجز، وأصوات القصف تتردّد على أكثر من جبهة، وهو هائم حائر لا يعرف ماذا يفعل. فتمنّى لو تنزل قذيفة تريحه من هذا الصراع".

الإعلام الوطني... من قال انّه غامض؟! - جريدة "الدّيار" الجمعة 18 أيّار 1990


الإعلام الوطنيّ... من قال أنّه غامض؟!
الإعلام... الوطنيّ
الإعلام.. رسالة سامية وشهادة حياة، ومدرسة الإنسانيّة والوطنيّة والحضارة.
أليس هذا هو الإعلام أساسًا؟ أليست وظيفته أن يُعلِم النّاس ـ كلّ النّاس ـ ويعلّمهم حبّ الوطن والفخر ببنيه والتّشبث بأرضه؟
ولكن الإعلام عندنا مختلف بلا شكّ، فنحن في هذا البلد، وبواسطة إعلامنا، نُعلِم النّاس عن بلدان العالم كلّها، وعن حضارات وإنجازات الشّعوب كلّها... ولا يتّسع الوقت للوصول إلى ذكر لبنان... فاعذرونا...
ويقولون إنّ وسائل إعلامنا متنافرة الأهواء، ومتضاربة الاتّجاهات... العكس صحيح...
ففي أسبوع واحد، وعلى قناتين مختلفتيّ الاتّجاه السّياسيّ ـ أو هكذا يُقال لنا ـ عرض التّلفزيون برنامجين أميركيّ الصّنع.
في أحدهما، نرى مهاجرًا روسيًّا إلى أميركا في بداية تكوّن مجتمعها، وهذا المهاجر الرّوسيّ، والموسيقيّ "البارع" وذو النّزعة التّجديديّة، يقوم بثورة على الصّعيدين الفنيّ والإجتماعيّ متحدّيًا التّقاليد، فيوصل مغنّية "سوداء" إلى مسرح "برودواي"، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ هذا المسرح. وطبعًا، هذا المهاجر الثّائر والمتحرّر والبارع... يهوديّ... وطبعًا، نجحت المغنّية، ونجحت المسرحيّة... وكيف لا، والمخرج يهوديّ...
أمّا في الفيلم الثّاني، فنرى مرشدًا عمّاليًّا يقوم بعمل رسوليّ، هدفه نشر فكرة النّقابات في معامل أميركا ومصانعها.
ويُظهر لنا الفيلم هذا "الرّسول" مثقّفًا ومتقشّفًا، مخلصًا ووفيًّا وعفيف القلب واللّسان. يعمل بضمير حيّ لخدمة المجتمع ولرفع الغبن اللاّحق بالعمّال، دون مقابل... هكذا، مجانًا ولوجه الله... وطبعًا هذا الرّسول الثّائر والمتحرّر والبارع... يهوديّ... وطبعًا... نجح النّقابيّ... كيف لا ووراءه يهودي...
وتقولون بعد ذلك أنّ هناك خلافًا في الإعلام؟
وتقولون أنّ الرّسالة الإعلاميّة في لبنان غامضة الوسائل والأهداف؟
أليست الوسائل الأميركيّة والأهداف الصّهيونيّة... لبنانيّة ووطنيّة... برأي التّلفزيون على الأقل؟
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "الدّيار" الجمعة 18 أيّار 1990
"عيون بالمرصاد"

الأربعاء، 10 يناير 2018

الفصل السابع من روايتي كلّ الحقّ ع فرنسا


التقت ملفينا المارونيّة اللبنانيّة بأحمد السنّي الفلسطينيّ في منزل وردة. كان موظّفًا في السفارة الأميركيّة حين كانت روز لا تزال تعمل فيها، وربطته صداقة بها وبناجي فكان الثلاثة يسهرون معًا في مرابع بيروت وملاهيها قبل أن تنضمّ إليهم ملفينا حين نزلت إلى العاصمة لتعمل في مشغل للخياطة، بعد ذلك ستتحوّل السهرات إلى جلسات شبه عائليّة في منزل روز حيث ستكون نجلا حاضرة في أكثر الأحيان وكذلك حبيب حين يأخذ استراحة بين عمليّتي تهريب أو حين يكون في طريقه إلى شقّته في برمّانا لملاقاة إحدى صديقاته. ولكن حين هربت ملفينا خطيفة مع أحمد بعد أشهر على لقائها به، تشاجر كلّ واحد من العائلة مع الآخر، وتبادلوا التهم، ومع انّهم اتّفقوا على أنّ وردة هي التي سهّلت الأمر، قاطعوا ملفينا، ولم يقاطعوا وردة أو يعاتبوها. ثمّ نسي الجميع كلّ ذلك بعد تسعة أشهر حين ولد كمال، وتحوّل الصهر الفلسطينيّ المسلم الذي كان اسمه أحمد إلى "أبو كمال" الصهر الكريم المضياف الذي يقف إلى جانب الجميع ويساعد الجميع، ويكفيه فخرًا أنّه جعل نجلا راضية عنه حين حمل الصبيّ ووضعه في حضن المرأة التي شعرت تجاه هذا الصبيّ بمثل ما شعرت به تجاه حبيب، وقال لها: "سمّي على إبن بنتك يا ستّ إم حبيب". والطفل الذي أبوه فلسطينيّ مسلم جعل نجلا تنسى رغبتها في أن يكون حفيدها الذكر الأوّل من صلب حبيب الذي لم تنجب له زوجته حتّى الآن إلاّ بنات، ولكنّ نجلا أكثر ذكاء من أن تعبّر عن هذه الرغبة بصوت مرتفع لئلاّ تذكّرها كنّتها اللئيمة بأنّها هي أيضًا أنجبت ثلاث بنات قبل أن يولد حبيب. لذلك زانت نجلا الأمر بميزان العقل ووجدت من الغباء أن تقف موقفًا رافضًا ما يجري، وما حدث قد حدث: فملفينا سعيدة بزوجها وطفلها، وحبيب يطمئنها إلى إنّ العلاقات مع الفلسطينيين ستساعده في عمله وتفتح له أبوابًا كانت مغلقة حتّى الآن، كما تؤمّن له غطاء أمنيًّا لا غنى عنه، بل ضروريٌّ في مثل تلك الظروف.
حبيب من اللبنانيّين المسيحيّين الذين يوزّعون الفلسطينيين إلى فريقين: فريق الأثرياء الذين تركوا فلسطين قبل 48 وهؤلاء لم يعودوا فلسطينيّين في رأيه، والآخرين الذين أتوا بعد ذلك، وعائلة أبي كمال من الرعيل الأوّل وهذا سبب تخفيفيّ يجعل زواج فتاة مسيحيّة من أحد أفرادها عملاً مقبولاً يسهل التسويق له وفرضه على مجتمع السهل. عدا عن أنّ عائلات السهل المسيحيّة لا تشبه عائلات الشمال مثلاً وليست ملتزمة دينيًّا، وبالتالي فحبيب لا يذكر ممارسات مسيحيّة في عائلته، فلا صلاة قبل تناول الطعام ولا تلاوة المسبحة مساء ولا أحد يوقظ الأولاد صباح الأحد للذهاب إلى الكنيسة ولا قدّيسين عندهم يقيمون في الأديرة أو لهم مزارات، عدا عن أنّه لم يشهد حضورًا لرجال الإكليروس في حياته أو حياة عائلته إلاّ عند مراسم الدفن أو الإكليل. وأصدقاؤه وجيرانه وزبائنه وشركاؤه أكثرهم من المسلمين، وهم الضيوف الدائمون إلى مائدته (حلّ مكانهم الضبّاط السوريّون خلال الحرب)، فلماذا يقف في وجه سعادة أخته من أجل سبب غير منطقيّ كهذا؟
اقتنعت نجلا بهذا الكلام، فباركت الزواج والطفل الذي عندما صار رجلاً، ومصابًا بمرض القلب، ووحيدًا في أميركا في مواجهة مقتل شقيقه، صرخ سائلاً جدّته عمّا فعلته بهم.
"ماذا فعلتِ بنا يا ستّي؟" سألها وهو يستعيد رواية الشرطة عن الجريمة ويبكي أخاه القتيل وأخاه المفقود وأمّه وأباه.
أحمد مات قبل ملفينا بعدما ترك لها أربعة أولاد: ابنة واحدة وثلاثة شبّان. ولم يمض وقت على وفاته حتى لحقت به ملفينا. وكان من حسن حظّ الاثنين أن ماتا قبل أن يختبرا اختفاء ابنهما الأصغر شادي في ظروف غامضة، ومقتل ابنهما الثاني في أميركا على يد زوجته وعصابة أبيها التي تتاجر بالمخدّرات، ورحيل ابنتهما شادية إلى مصر حيث تزوّجت واستقرّت، وهجرة كمال إلى الولايات المتحدّة حيث تزوّج ابنة عمّه ثمّ طلّقها وبكى أخاه وندبه وعاش وحيدًا مريضًا بضعف قلبه الذي يذكّره بأنّه فلسطينيّ، ولو كان يشعر بأنّه لبنانيّ، ولكن عليه أن يبقى في أميركا حيث جثّة أخيه القتيل وولداه الأميركيّان.
هل كان كمال مسلمًا أم مسيحيًّا؟ لبنانيًّا أم فلسطينيًّا أم أميركيًّا؟ الولد مهما كان الأمر يطلع لأخواله بحسب الأمثال اللبنانيّة، فهل هو شبيه خاليه المسيحيّين المارونيّين البقاعيّين، أم هو ابن أحمد الفلسطينيّ الحيفاوي السنيّ البيروتيّ؟ لا يعرف. هذه هي مأساته التي لم تداوها الهجرة أو الزواج أو إنجاب أولاد سيضيعون في زحمة الحياة الأميركيّة، ولن يبقى منهم، بغضّ النظر عن جنسيّتهم أو مذهبهم، إلاّ الذكرى في تاريخ عائلة نجلا التي اعتادت أن تكتب تواريخ ميلاد أولادها على الحائط خلف الباب. وحين توفّر للمرأة بعض المال، استدعت الدهّان ليطرش البيت من آثار موقد الحطب وبابور الكاز، وهي تردّد المثل القائل: "ما عندك فرش بس عندك طرش"، ولمّا وصل الدهّان إلى حائط سجّلات نفوس العائلة، وبما أنّ أحدًا لم ينتبه وينسخ المعلومات على ورقة، اختفت تواريخ الميلاد تحت طبقة سميكة من الكلس الأبيض. وحين كان أفراد العائلة يتندّرون بالحكاية ويأسفون لأنّ الكبار منهم لا يعرفون ما هي أبراجهم، كانت روز تجيب بهدوء:
"كلّنا مولودون تحت برج التعتير".
ومع مرور الأيّام، تعلّم الجميع أن يرى في عبارة وردة نوعًا من الرؤيا والنبوءة، كأنّ تلك المرأة الصغيرة كانت تعرف ما ينتظر كلّ واحد منهم.

(أحمد)
"أنا أحمد الفلسطينيّ العربيّ السنيّ البيروتيّ. أحببت ملفينا اللبنانيّة البقاعيّة المارونيّة مذ التقيتها مع شقيقتها وردة وصديقي ناجي. وكنت أعرف أنّني سأواجه صعوبات كثيرة قبل أن يسمحوا لي بالارتباط بها. ولكنّ حبّها لي سهّل الأمر فهربت معي وتزوّجنا سريعًا. ولولا خشية شقيقها حبيب من أن تسبّب ممانعته مشاكل له في عمله مع الفلسطينيّين المسيطرين على معابر التهريب مباشرة أو بالواسطة لما وافق وأقنع الآخرين وأوّلهم والدته التي تكفّلت بأمر زوجها كما هي العادة عندهم. مسكين عمّي يوسف، لم يكن له كلمة في بيته مع أنّه كان يحبّ الكلمات الجميلة ويبحث عنها في الكتب التي يحصل عليها من هنا وهناك عدا تلك التي أحملها إليه. لم يكن الزمن زمن طائفيّة ظاهرة ومعلنة، أو ربّما أنا لأنّني فلسطينيّ كنت أشعر هكذا، فنحن لا نعير هذا الموضوع الأهميّة التي يعطيها اللبنانيّون له، في السرّ طبعًا. ولكنّ الأمور لا بدّ من أن تفضح نفسها حين يتعلّق الأمر بالزواج وانعكاسه على الأولاد. ظهر لي ذلك بوضوح بعد ولادة كمال الذي ما كانت جدّته لتستقبله في حضنها لو لم يكن ذلك يوم عمادته في الكنيسة التي تعمّدت فيها والدته. يومها وضعت الصبيّ في حضنها وقلت لها:
(سمّي على الصبي يا ستّ إم حبيب)
فأخذته وقبّلته ورسمت على وجهه وصدره علامة الصليب فصار ابني حفيدها الذكر الأوّل بعدما تأخّر أولادها الآخرون في إنجاب الصبيان. ولا أعتقد أنّها غفرت لي ذلك، مع أنّ حفلة الغداء التي تلت العمادة كانت فاخرة "تعمّدت" حماتي أن تظهر فيها براعتها في تحضير الطعام كوني أتناول الطعام عندهم للمرّة الأولى مع شقيقاتي اللواتي أردن أن يظهرن انفتاحنا وعدم تعصّبنا. ولكن هذا لا يعني أنّ الحفلة مرّت من دون لطشات، ولولا عمّي يوسف وعيون ملفينا وعقل روز الكبير كنت حملت الصبيّ وغادرت البيت لتفادي مشكلة طويلة عريضة وذلك حين قرّر نجيب أن يتحدّى أخاه في قول ردّيات زجليّة تأخذ الكثير من وقته في صياغتها. وكان الرجل قد شرب ملء رأسه عرقًا واحمّرت عيناه وثقل لسانه، فقال ما معناه إنّ الصبيّ مسيحيّ من فوق مشيرًا إلى وضع الميرون على رأسه ومسلم من تحت وهو يقصد أنّنا طهّرناه. أزعجني كلامه الذي ينقصه الذوق واللياقة والجماليّة، خصوصًا في وجود شقيقاتي، فما كان من عمّي يوسف إلاّ أن قال له:
(إذا عندك كلمة حلوة قولها وإلاّ فيك تاكل على السكت).
غضب الشاب وغادر البيت، وأراد مراد زوج سعاد أن يلحق به، فقال له عمّي يوسف:
(اتركه فقد ذهب إلى مطعم النهر ليتابع شرب العرق).
 أعتقد أنّ هذه المناسبة كانت من المرّات النادرة التي يتّخذ فيها بو حبيب موقفًا حازمًا من دون أن تتدخّل حماتي. ربّما لأنّ الأمر كان يتعلّق بنجيب لا بحبيب.  
مع الوقت تناسى الجميع جنسيّتي ومذهبي وانشغلوا في مشاكلهم التي لا تنتهي. أنا كنت أبسطها على ما أعتقد. حين انضمّ إسبر زوج كاميليا إليّ أنا وناجي، صرنا نهرب من أخبارهم بالكلام عن الكتب والموسيقى والسياسة، ونترك للنساء حلّ ما علق إن استطعن. ولكنّ ملفينا هي التي جعلتني أحتمل أخبارهم، كنت إكرامًا لعينيها أسمع وأساعد وأتدخّل كي أخفّف عنها ما سوف يلقى عليها وحدها إن لم أكن قربها. أتعبوها أولاد بو حبيب، كأن لا يكفيها ما عانته في محيط غريب كليًّا عليها وما سمعته من نصائح وتوجيهات تبدأ كلّها بعبارة:
(عندنا لا نفعل كما تفعلون أنتم)

ولم تكن ملفينا تفهم إن كان المقصود في لبنان أو في البقاع أو عند الموارنة". 

الاثنين، 8 يناير 2018

لوحة ونصّ


عن صفحة الصديق الدكتور جمال السيّد

الفصل السادس من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


قليلاً ما يحضر يوسف في أحاديث بناته عنه، فهو عدا عن مساهمته في إنجاب الأولاد وقراءة الكتب يبدو أنّه لم يفعل أيّ شيء في مصير عائلته يستحقّ الكلام عليه، فضلاً عن أنّه مات شابًا.
كانت الفتيات، وهنّ صغيرات، متعلّقات بوالدهنّ، وكنّ ينتظرن عودته من الكروم وهنّ عالمات بأنّ جيوبه لن تكون خاوية من مفاجآت وهدايا يلتقطها في طريق العودة، وهي كناية عن أحجار يعطيها أشكالاً وأسماء يقنع بناته بأنّ لها قصصًا وتواريخ وأمكنة كانت تعيش فيها قبل أن تصل إليهنّ. وكانت الفتيات يصدّقن قصص الحجارة ذات الحكايات والأسماء ويجمعن منها كنوزًا بقيت غالية على قلوبهنّ حتى بعدما كبرن وتزوّجن، ولم يغفرن لأمّهن أنّها رمتها في النهر الجاري قرب البيت بعد ذهاب آخر المعزّين.
لا يذكر جيران تلك العائلة أنّهم سمعوا صوت يوسف. كان الرجل هادئًا على نحو غريب، مسالمًا، صغيرًا، نحيلاً، مبتسمًا، يكتفي من الحياة بما تقدّمه له ولا يطمح إلى المزيد أو يطمع بالكثير. كان باختصار راضيًا، يكفيه أن يكون على مائدة العشاء زرّ خيار وراس بندورة وبضع حبّات زيتون، إلى جانب كأس العرق طبعًا. وبعد ذلك ينتهي يوم آخر في حياة يوسف الذي كان يخلد إلى النوم مباشرة بعد العشاء الخفيف وقراءة صفحات من كتب يحصل عليها من هنا وهناك، ليقوم في اليوم التالي إلى العمل في حركة رتيبة من الذهاب والإياب، لكنّها تسمح له بالبقاء على مسافة معيّنة من زوجته وأهل بيته، مسافة لا تزيد ولا تنقص، ترضي الجميع ولا تزعج أحدًا. هذا على الأقلّ ما أقنع يوسف به نفسه وما ارتضته الفتيات على مضض مع أنّهنّ كنّ يتمنّين لو يكون له دور أكبر في شؤون حياتهنّ ليتخلّصن من سطوة نجلا وحماقات حبيب.
يوم وقع يوسف ميتًا قبل يومين من عيد الميلاد، كان الطقس مثلجًا بشكل لم يعهده أهل السهل، أو هكذا يحلو لرواة الحكايات أن يصفوا الأمر حين يدور الحديث عن الموت. كأنّهم في ذلك يوحون لمستمعيهم بأنّ الموت لا يصل في أجواء عاديّة طبيعيّة، بل يمهّد لحلوله بطقس لم يعرف الناس مثله، أو في مناسبة عيد لا تتلاءم مع الحزن، أو لأشخاص ما كانوا يستحقّون الموت لكثرة ما هم عليه من طيبة ووفاء وحسن أخلاق. كان الرجل ممدّدًا على سريره ينتظر كي يأتي أهل خطيبة ابنه نجيب ليتناولوا الغداء عندهم. وردة وملفينا عند الحلاّق، لبنى تعدّ المائدة، سعدى وكاميليا يفرمن البقدونس، جولييت تلعب مع أولاد أخوتها. نجيب أمام المرآة الطويلة المعلّقة على الحائط في إطار كسر بعض قطعه الخشبيّة، حبيب في الغرفة إلى جانب الموقد يقرأ الجريدة. نادى والده لينقل إليه خبرًا فلم يجبه. ناداه من جديد فبقي الرجل صامتًا. قفز حبيب إلى جانب أبيه فوجده ميتًا. دبّ الصراخ، أرسلوا جولييت لتنادي وردة وملفينا، دخلت الفتاة الصغيرة المبلّلة بالمطر إلى الصالون الدافئ، نظرت إلى وردة وقالت لها:
"فكّي شعرك مات بيي".
في الدفن كانت نجلا تصف الحادثة وهي تطمئن الجميع إلى أنّه لم يتألّم وأنّ ميتته سهلة يصلّي كلّ مؤمن كي يكون له حظّ الحصول على ما يشبهها، وأنّه لم يزعج أحدًا بمرض أو طلب بل رحل كما عاش خفيفًا غير متطلّب، خائفًا عليها من تعب قلبها وهي تدقّ الكبّة، فقال لها:
"خلّي البنات يدقّوا الكبّة عنّك. أنت مريضة".
وأنّها أجابته:
"اليوم أنا هون يمكن بكرا مش هون".
ثمّ تضيف:
"من كان يعلم بأنّني سأعيش وهو يموت؟".
لم تبقَ الحياة كما كانت بعد وفاة بو حبيب، صحيح أنّه لم يكن يملك تأثيرًا فاعلاً في قرارات العائلة، لكن يبدو أنّ بعض حياء أو احترام، لا ندري ما نسمّيه، جعل نجلا وأولادها يمتنعون عن فعل أشياء كثيرة إكرامًا ليوسف، ومن الواضح أنّهم كانوا لسبب أو آخر لا يصلون معه إلى مواجهة واضحة أو يتخطّون حدودًا غير مرسومة. والتزموا قوانين غير مكتوبة أبقت جميع من في البيت تحت نظر يوسف وإدارة نجلا وتدبير حبيب ومساعدة وردة، إلى أن مات يوسف فجأة وانقطع الخيط الوهميّ الذي كان يربط أفراد العائلة إلى بعضهم، في منزل واحد فقير على ضفّة النهر في سهل لم تكن الحياة سهلة فيه والعائلات الإقطاعيّة تأكل تعب الناس.
بناته – ما عدا وردة التي لم تكن تأتي على ذكره ولكنّها حين كانت تُحتضر رغبت في الرحيل معه– حملن له مشاعر صادقة وحنون، أخذت تتحوّل مع الأيّام وتقدّم الفتيات في العمر إلى نوع من الشفقة، كأنّ الرجل أخذ يصغر في العمر في ذاكرة الفتيات وكلامهنّ، ليصير أقرب إلى أن يكون ابنًا لكلّ واحدة منهنّ لا الوالد الذي تفرض ذكراه الاحترام وتحرّك مشاعر الإعجاب والحبّ. وبدا لمن يسمع الحديث عنه حين تجتمع النساء لسبب عائليّ ما أنّه كان مريضًا عاجزًا أو مصابًا بقصور ذهنيّ، ويستحقّ كلّ حنان وعطف. ولكن لم تتمّ هذه الأحاديث ولو لمرّة واحدة أمام نجلا، فهي ستّ تعرف الأصول ولن تتهاون مع من تسوّل له نفسه الحديث عن أبي حبيب بغير الشكل اللائق. حتّى أنّها زجرت ابنها حبيب قلبها، ولو على مضض لأنّ الآخرين كانوا موجودين، حين حاول أن يطلق دعابة تتعلّق بوالده. ومن يومها، حرّم الجميع على أنفسهم الكلام على المرحوم في وجود أرملته التي لبست عليه اللون الأسود طوال حياتها ما أثار حيرة الجميع، وكلّهم يتساءلون كيف صارت نجلا وفيّة لذكرى الرجل الذي لم يشعر أحد بوجوده أمام سطوة وجودها.
جولييت تقول إنّ نساء عائلتها لم يحتجن إلى الرجال إلاّ للإنجاب. لذلك سهل عليهنّ الطلاق أو الهجر متى وجدن أنفسهنّ أمام محاولات ترويضهنّ وإخضاعهنّ. ولكنّ كلامها كالعادة لا يعبّر عن حقيقة الأمور.

(يوسف)
"أحببت ثلاثة في حياتي: الأولاد (أولادي وأولاد أولادي) والأرض (ولو لم تكن ملكي) والكتب (ولو كان بيتي لا يتّسع لرفّ واحد منها). ليس من الضروريّ أن يبقى ما أحبّه دائمًا على هذا الترتيب، فمرّات ينتقل الأولاد إلى المرتبة الأخيرة وتحتلّ الكتب المرتبة الأولى. يحصل ذلك غالبًا حين أجد نفسي في واد والأولاد في واد آخر، والأرض تكون في تلك المرحلة عنيدة بخيلة. فلا يبقى لي إلاّ الكتب التي أستعيرها من سليم بك والإستاذ سعيد، فالأوّل يملأ بها بيته للزينة ولا يسأل إن ضاع منها كتاب والثاني يحبّ أن يجد من يتكلّم معه عنها خصوصًا إذا كان هو سيأخذ دور المعلّم والآخر المستمع. وهناك طبعًا الكتب والمجلاّت التي يحضرها صهراي أحمد وإسبر.
ويضاف إليها كلّها كأس العرق الذي لا أشربه إلاّ إن كان من الكركة التي لا أسمح لأحد بالاقتراب منها وتنظيفها وإعدادها وتركيبها وفكفكتها وضبّها للموسم التالي. هذه رسالتي أنا في الحياة، ولا أطمع بأكثر منها. لذلك كانت ليلتا شيلة العرق المقطّر نقطةً نقطةً كحبّات دمع موعودة بأن تصير لؤلؤًا من أجمل ليالي السنة. ليلتان أخصّصهما لـ"نزلين" منه يؤمنّان مؤونتي طوال السنة. وعدا ذلك فلا شيء آخر يثير اهتمامي. فنجلا تهتمّ بالشؤون الأخرى ولا تريد أن أتدخّل في تدبيرها أمور البيت والأولاد، وحبيب مذ وضع في حضنها أوّل مبلغ حصل عليه من سامي خوري وقال لها: بركتك يا إمّي، صار رجل البيت والآمر الناهي فيه.
 كان عمره تسع سنوات. نعم ابن تسع سنوات صار رجل البيت لأنّه أعطى أمّه مالاً لا أستطيع الحصول على ما يوازيه طوال السنة. ابن تسع سنوات لا يشكّ به أحد، نقل بضاعة لسامي خوري فصار من تلاميذه المقرّبين بعدما أدهشه بذكائه وسرعة بديهته وشجاعته. في عمر العاشرة وشى به أحد الأولاد فقبض عليه ووضع في السجن، أنقذته نجلا بواسطة الكولونيل الفرنسيّ. لا أعتقد أنّ هذه كانت رتبته فعلاً. ولكن هكذا اعتدنا أن نناديه. من يعنيه أمر رتبته حين يكون إخراج الصبيّ من السجن سيتمّ على يده، ولن يكون ذلك بلا ثمن، حصّة من المال في العمليّات التالية ووردة. لم يسألني أحد عن رأيي في الأمر. ربّما كان ذلك أفضل. ماذا كنت أستطيع أن أفعل؟
سليم بك الذي طلبت منه أن يتوسّط لإخراج الصبيّ من الحبس قال لي:
(اتركه كي يتربّى).
فتركت الأمر على نجلا. ليس الأمر خوفًا منها ولكن غالبًا ما يرضخ الرجل كي لا يسمع صراخًا وشتائم وطلبات وتهمًا. يرضخ كي لا يَضرب، كي لا يَقتل، كي لا يفقد أعصابه ويخسر كلّ شيء دفعة واحدة. فيبتعد في أفكاره ومشاعره ويغرق: أنا اخترت الغرق في العرق والكتب".



الأحد، 7 يناير 2018

لوحة ونصّ


الفصل الخامس من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


على عكس وردة الصغيرة القامة التي تشبه والدها، كانت نجلا طويلة القامة وضخمة البنية، سريعة الحركة، نشيطة، تحبّ الواجبات الاجتماعيّة وخصوصًا المآتم، فلا يمكن أن يدفن أحد في المنطقة إلاّ وتكون حاضرة تشرف على الترتيبات، تساعد في غسل الجثّة إن كانت لامرأة أو طفل، تعدّ القهوة والطعام، تندب وتنفش شعرها الرماديّ وهي تصرخ وتلطم كأنّها من أهل الفقيد أو الفقيدة. وكان ذلك من صلب المؤاساة التي لا يستهجنها أحد أو يرى فيها مبالغة، وهي ستّ العارفين ولن تسمح لأحد بأن يسجّل عليها تقصيرًا أو تأخيرًا في "المؤاجرة" والقيام بالواجب لأنّها تعرف جيّدًا تقاليد الدفن عند مختلف الطوائف والمذاهب، وتنتبه كي لا تخرق بروتوكول أيّة عائلة أو قرية أو ملّة، ولا ترضى إلاّ بأن تكون أوّل من احترم الأصول ومشى عليها. ولا يزال أهل السهل يتناقلون إلى اليوم خبريّة نجلا يوم مأتم أبو عبدو. كانت لا تزال في قميص نومها الذي يتحوّل تلقائيًّا رداء للعمل مع ساعات الصباح الأولى إذ يكفي أن تضع فوقه مئزرها الواسع العريض بجيبيه الواسعين كي تنتقل إلى مرحلة من العمل لا تنتهي. اليوم يوم العجن والخبز، والمرأة تتنقّل بين أرجاء المنزل المكوّن من غرفة كبيرة ومطبخ وحمّام، وتخرج بين وقت وآخر إلى الساحة الممتدّة أمام البيت تحت قنطرة تحميه من المطر شتاء ومن الحرّ صيفًا وتعطيه امتدادًا لا بأس به. رأت، وهي في الخارج تحضّر الحطب تحت الموقد وعلى يديها آثار الطحين والعجين، جاراتها يخرجن من المنازل المجاورة وهن غارقات في الثياب السود. طرحت عليهنّ السؤال السخيف:
"خير انشاالله".
قالت ذلك وهي تعي أنّ الخير لا يتلاءم مع منظر جاراتها. نظرت النسوة إليها مستغربات لأنّها لم ترتد ملابسها بعد لترافقهنّ كعادتها إلى الدفن.
"من مات؟" سألت بلهجة هي أقرب إلى الفضول منها إلى القلق.
"أبو عبدو أعطاك عمرو، العمر لك ولزوجك وأولادك".
صرخت نجلا وهي تطرد فكرة أن تتّهم بالتقصير:
"ألم يقرعوا جرس الكنيسة؟"
"بلى" أجابت الجارات كأنّهنّ عضوات في جوقة واحدة.
"لم أسمع ع ضجّة الولاد"، أجابت نجلا، وهي تنفض الطحين عن شعرها ووجهها وتغسل يديها من حنفيّة أمام البيت، وتسرع إلى الداخل وهي تقول:
"انطروني".
وفي لحظة عادت وهي تزرّر معطفها الباهت فوق قميص النوم، ثمّ تعقد المنديل على رأسها بعدما كانت وضعته مؤقّتًا على كتفيها، وانطلقت مسرعة في حين كانت الجارات ينظرن إليها وهن يضحكن من منظرها واستعجالها. ثمّ لحقن بها وهنّ يحاولن الوصول إلى منزل المرحوم واجمات حزينات كما تقضي المناسبة. وحاذرن طوال الوقت النظر إلى كبّوت نجلا الذي كانت تمسك به مضمومًا طوال الوقت خشية أن يفضح ما تحته. وصار كبّوت نجلا مضرب المثل حين يريدون الإشارة إلى من يهتمّ بالواجبات ويقدّمها على تحضير الخبز لأولاده.
صحيح أنّها من عائلة فقيرة وتزوّجت برجل فقير، غير أنّ ذلك لا يعني ألاّ يحتاج إليها الجميع، أغنياء وفقراء، لتسهّل الأمور وتدير دفّة الدفن بحسب متطلّبات كلّ عائلة، ولن تسمح بأن يقعدها تقصير عن المشاركة في ذلك، فهل يمكن أن يدفن أبو عبدو في غيابها؟ أمّا الأعراس فليست من اختصاصها ولا يعنيها إلاّ أن تعدّ لأهل العروس أو العريس الكبّة التي كانت تدقّها في جرن الحجر وهي ترقّص المدقّة الخشب في يدها ببراعة وبحسب إيقاع خاصّ بها يجعل لعاب أهل المنطقة يسيل شهوة ورغبة. مبالغة؟ قد يبدو في الأمر بعض المبالغة، ولكن من شاهدها وهي تعدّ الكبّة في جوّ احتفاليّ نظيف يعرف أنّ الناس هناك متى عرفوا بأمر عرس توقّعوا أن تكون كبّة نجلا عروس الموائد العامرة، ويكفي أن يسمعوا دقّة جرنها مرّة كي تلتصق موسيقاها بحلمات ألسنتهم تداعبها وتثيرها وتفتح شهيّتها. ولعلّ صورتها وهي تدقّ الكبّة ستبقى ناقصة باهتة إن لم يأت الناس على ذكر كأس العرق الذي ينضح بالعرق البارد وهو يروي ظمأ تلك المرأة التي كانت تشربه كما يشربه رجال السهل، بعشق واحترام لم يكّنه رجل منهم لامرأته. أليس هو حليب السباع؟ أليس هو فخر صناعتهم وشيخ مآدبهم وشراب وحيهم؟ ولن يحرموها منه كي لا تأتي كبّتها ناقصة النكهة، ذليلة النفس، لا تتلمّظ الشفاه لمرآها.
كانت نجلا في عالم وزوجها يوسف في عالم، فهي ما أن صارت أمّ حبيب حتى اقتصر دور يوسف على النوم معها ومساعدتها على إنجاب المزيد من الأطفال. وبدا هو قانعًا بما رسمته له امرأته وفرضته عليه. فمنذ أن وقعت عيناها على وجه حبيب لمّا ناولتها إيّاه الداية أديبة حتّى وقعت في غرامه وقرّرت أن تنذر نفسها له لأنّه هو الذي نظر إلى قهرها وحرمانها وأتى بعد ثلاث بنات ليصير تاج رأسها. وحين استطاعت أن تنهض من سريرها، حملت الصبيّ وأخذته في أوّل مشوار له، وقبل أن تزور كنيسة السيّدة، إلى استديو المصوّر الأرمنيّ وطلبت منه أن يأخذ صورة لطفلها العاري جالسًا في حضنها على خلاف ما تقضي به عادات ما بعد الولادة في تلك المرحلة. فلقد كان من المبكر أن يخرج الطفل من أقمطته ومن الخطر على عموده الفقريّ أن يجلس في حضن أمّه وهو بعد طريًّا لم يستقرّ على لون. ولكن من يستطيع أن يذكّر نجلا بذلك وهي ستّ العارفين بكلّ شيء. وكان لها ما أرادت. ولا تزال صورة حبيب بجسمه الممتلئ وعضوه البارز محفوظة في ألبوم صور عتيق نقلته معها حين تركت البيت وأقامت عند وردة، ثمّ ورثته جولييت من ضمن إرث والدتها بعد شقيقتها. ولن تكون هذه الصورة وحدها سببًا للخلاف الذي نشب بين الأخوة والأخوات بعد وفاة أمّهم وكانت ملامحه بدأت تظهر قبل ذلك أي حين كانت تستسلم للموت راضية بالانصياع لرغباته بعدما عاندته في البداية خوفًا من روز التي تنتظرها هناك، كما همست كنّتها اللئيمة لميا زوجة حبيب في أذن سلفتها زوجة نجيب. لقد كانت هناك أمور أخرى أكثر أهميّة من صورة طفل عار في حضن أمّه، فلا أمّه بعد البحث هي مريم العذراء ولا هو المسيح المخلّص ولو كان هو من أعطى إم حبيب الكنية التي بها خلُصت من عار إنجابها البنات.
نجلا أيضًا لم تنتظر طويلاً بعد موت وردة. ماتت في السنة التي تلت، وكان عمرها خمسة وسبعين عامًا. حسرتها على ابنتها أتعبت قلبها الذي ورثت مرضه عن أهلها وأورثته أولادها. ولكنّها في السنة التي عاشتها بعد وردة لم تكن هي نجلا التي عرفها الجميع. موت الأولاد يختلف عن موت الزوج. بعد يوسف الذي لبست عليه الثياب السود طوال عمرها، لم تضعف عزيمة تلك المرأة، وبقيت على صلابة مواقفها وإصرارها على أنّها محقّة في كلّ ما فعلته وستفعله. بل ازدادت عنادًا وتشبّثًا بآرائها، كأنّها خشيت إن ضعفت أن تفقد دورها كأم وأب في الوقت نفسه. حبيب وحده نقطة ضعفها، ووردة تُشعرها بالمهابة حين تكونان في مكان واحد. عدا ذلك هي نجلا القديرة وستّ الستّات وإخت الرجال. عملت واجبها حين لبست الأسود وتابعت حياتها. انتحار وردة كسر ظهرها وجرح قلبها، والعشرون يومًا التي أمضتها في ذهاب وإياب، إلى المستشفى ومنها، امتصّت طاقتها وتركتها خاوية، فلم يعد يعنيها أن تكابر على نفسها أو تداري ضعفها.
"تنتحرين يا وردة؟ كيف أندبك وماذا أقول في دفنك؟ أبكيتُ الحجارة في مآتم الآخرين، وفي دفن ابنتي أسكت خجلاً من نظرات الناس. هربك مع الفرنساوي شيء وانتحارك شيء آخر. الناس يومها سكتوا، الآن ستعود الحكايات كلّها من جديد. ماذا فعلت بي يا وردة؟ أم أنا من فعل بك كلّ ذلك؟ هرّبتك وخربت حياتك وقتلتك بالديمول؟ يلعن فرنسا وكلّ شي طلع منها".
ثمّ تنفش شعرها الأبيض وتلطم خدّيها قبل أن تهرع جولييت لتجلس إلى جانبها وتحاول أن تخفّف عنها وهي تتمنّى لو كان في استطاعتها أن تعطيها مزيدًا من الأدوية المهدّئة للأعصاب لعلّها تغفو قليلاً. جولييت نفسها تعبة وتريد أن ترتاح. قالت لزاد وهي تصف حالها في تلك المرحلة:
"لم أكن أقوى على النهوض من الفراش، البقاء إلى جانب وردة طوال الوقت مع العمل بين الجرحى والقتلى أتلف صحّتي. وحين ماتت ظننت أنني سأستريح قليلاً، فأتى وضع أمّي ليجعلني على آخر نفس. أعطوني البيت في مقابل الاهتمام بها، وتهرّبوا كلّهم من المسؤوليّة عنها. كانوا يزورونها كالغرباء، حتّى حبيب كان يأتي بعدما أتصل به وألحّ عليه كي يزورها لأنّني لا أصدّق حججه المرتبطة بالوضع الأمنيّ. مسكينة ياسمينة كم أهملتها في تلك المرحلة!"
تسألها زاد:
"لماذا اتّهمت أمّك نفسها بقتل روز بالديمول؟"
تسكت جولييت للحظات ثمّ تجيب بعزم وهي تتناول سيكارة من حقيبة يدها:
"كانت تهذي ولا تعرف ماذا تقول".


(نجلا)
"روز لم تنتحر. أنا قتلتها. هكذا سيقولون إن تكلّمت. وأنا لا أستطيع أن أتكلّم. سيقولون لي:
(ألا يكفيها ما فعلته بها وهي صبيّة؟ ألا يكفي أنّك خربت حياتها وحياتنا حتّى أنهيت عليها وحرقت أحشاءها بالديمول؟)
وهل سيصدّقون إن قلت لهم إنّي لم أقتلها كما إنّني لم أكن أريد أن أخرب حياة أحد. كنت أريد أن أعيش، أن نعيش كلّنا، أثرياء، فوق التلال، وكان حبيب فرصتنا، وكانت وردة فرصة حبيب. وكانت ستكون سعيدة مع الكولونيل. ما أدراني أنّه متزوّج، كيف كان لي أن أعلم أنّ لديه زوجة وأولادًا وأنّ زملاءه لن يفضحوا أمره على الرغم من طاولات الأكل التي مددتها لهم؟ كنّا نثق بفرنسا والفرنسيّين، هم مسيحيّون مثلنا فكيف يغدرون بنا؟ لو كان عازبًا وصادقًا وأخذها معه إلى فرنسا لشكروني كلّهم لأنّ شقيقتهم صارت فرنسيّة وستأخذ العائلة لعندها. وكيف كان لي أن أعلم أنّ وردة ستقوم في الليل وتشرب من القنينة وهي تظنّ أنّها ممتلئة ماء؟ الحقّ على ناجي. وضع الديمول في قنينة للمياه وتركها على الشرفة إلى جانب الوردات. قلت في نفسي:
(سأنقل قنينة الديمول إلى رفّ في الحمّام حيث لا تطالها ياسمينة بنت جولييت).
ما الذي جعل وردة تشرب من قنينة موضوعة في الحمّام وهي التي كانت تأنف من تناول أيّ شيء ما لم تثق بنظافة من أعدّه؟ ألم تفتح مطعمًا لكي يكون لها مكان تدعو إليه أصدقاءها وهي مطمئنّة إلى نظافة لا توجد في أرقى المطاعم والفنادق؟ ما الذي جعلها تشرب في الحمّام وتحترق وتحرق قلبي عليها وأنا أراها تتعذّب في سرير المستشفى ولا أستطيع أن أفعل شيئًا أو أقول شيئًا؟ منذ ثلاثين عامًا وهمّ وردة يأكل معي في الصحن. كلّ المصائب التي حلّت علينا في كفّة ونظرات وردة إليّ في كفّة وخصوصًا كلّما أردت أن أناقشها في أمر. فهي تشعرني بأنّها والدتي ووليّة أمري وصاحبة الفضل عليّ. معها حقّ. أليست هي من أدار شؤون العائلة منذ صارت تملك المال. حتّى حبيب ما عادوا يطلقون سراحه من الحبس إلاّ عندما تتدخّل وردة وتكلّم أحد معارفها. أمام وردة فقط أرتبك وأفقد سطوتي، الآخرون لا يجرؤون على رفع أنظارهم في وجهي.
أعرف أنها تكرهني. وتضع عليّ اللوم في ما حصل لها. ولكن ذلك لا يعني أنّي سأضع الديمول لابنتي. ثمّ أنّها هي نفسها عندما رأت الكولونيل رمت نفسها عليه وأكلته بنظراتها. هي ابنتي وأنا أعرفها وأعرف كيف أغرمت به، ولم تصدّق أذنيها حين عرض عليها النزول إلى بيروت للزواج. لو عارضتها لما كانت سمعت كلامي. النتيجة واحدة. أنا على الأقلّ حملت ذنب ما فعلته بنفسها وسكتت. وما زلت ساكتة. فهل أتحمّل كذلك مسؤوليّة موتها؟
يوم اشترت وردة الشقّة في الضاحية الشماليّة لم أتخيّل أنّها ستقبل أن أقيم معها حين أنزل إلى بيروت. اعتدت أن أقيم عند نجيب قرب المرفأ. ولكنّ رطوبة البحر أتلفت مفاصلي. وحين تشاور الأولاد وجدوا أنّ الحلّ الأفضل هو أن أقيم عند وردة في الشتاء وأصعد إلى بيت السهل مع بداية الربيع. ناسبني الأمر ولكنّي توقّعت من وردة أن تعارض. غير أنّها قبلت وفرضت عليّ إيقاع حياتها وعلاقتها برجل متزوّج وحكي الناس كأنّها تنتقم منّي بهذه الطريقة. ولم يمض بعض الوقت حتّى هربت جولييت المسكينة مع طفلتها فاستقبلتهما وردة. ولولا جولييت والبنت لما احتملت وردة وجودي ولا أنا طقت الحياة معها. كانت نظراتها تسكتني كلّما تكلّمت وكان في صمتها اتّهامات أكيدة. لكنّ الطفلة احتاجت إلى من يعتني بها في غياب أمّها في المستشفى وروز في المطعم. لولا ياسمينة لكنت عدت إلى المنزل، ولما نقلت الديمول إلى قنينة المياه، ولما ماتت وردة. كلّ الحقّ على جولييت وبنتها. الله يلعن هالمجنون زوجها".