من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 27 يوليو، 2016

من يوميّات الفيسبوك (27 تمّوز 2016)



2015
من عمر الورق 
أنا تخمين
ت هديتني بالصيف
نفحات من تشرين:
كتاب ورقاتو
عتاق مصفرّين
ودمعات كرجوا 
ع الأرض لمّا
حنّ السرو
وتنهّد الشربين
وإسطوانه 
مكسور خاطرها
ع مين بدها تشتكي... 
ولمين؟
مزهريّةْ الورد جاوبت عنّكْ
وحِلفت وتقسّمت إنّك
بتشوفني
بوردات زهر زغار
بتضلّ مبتسمه
وبتشوفني
بورقات خضر كتار
بيفرّخوا بقلب الكتاب
كلّ مرّه بيلتقوا عينيك
بحرف من إسمي

2014
حتّى ظلّي لا يرضى بأن يرافقني في العتمة
 ***
كملك يعبر شوارع مملكته في يوبيله الذهبيّ ثمّ يعود إلى قصر البُعد والارتفاع. هكذا يعبر صديقي الآن. أنظر إليه وألوّح له كسائحة وُجدت صدفة بين رعايا مملكته، ولا تستحقّ أكثر من نظرة ملكيّة عابرة.
وحين يعود صديقي إلى قصره، لن يتذكّر سوى الجموع التي كانت تتدافع على جانبي الطريق، ولكنّه، لن يستطيع، مهما حاول، أن يتذكّر وجهًا واحدًا منها.
والصديق العابر كملك، لا يُظهر اهتمامه بمشاكل الرعيّة. وحين ينزل عن عرشه ويزور الناس يبدو راغبًا فقط في الاستماع إلى ما يقولونه عنه، وكيف يصفون حدائقه الجميلة المحيطة بقصره، والشوارع الفسيحة التي تكاد لا تتّسع لموكبه، والعربة المذهّبة التي لا تليق إلاّ بأمثاله. وعندما يبدأ أبناء المملكة بالحديث عن أنفسهم يضجر الملك ويتثاءب ويدخل إلى قصر نومه كبطل في مسرحيّة انتهت عروضها مع نهاية الموسم. ولكن يحلو لي أن أؤمن بأنّ صديقي، الذي يعبر كملك، ينهار خلف الستائر المسدلة على مسرح حياته، ويكتم تعب الأيّام تحت قناع الصمت، ويخبّئ حزن الأمكنة وراء لامبالاته بمن حضر وبمن غاب عن احتفالات تنصيبه.
أعرف أنّ صديقي لا يعرف ما أعرفه. وإن عرفه فلن يعترف به. ولن يقبل أن تصدر صحف المعارضة في مملكته لتشير إلى خلل في رؤياه المستقبليّة، سببه تفسّخ في جدران قصره القائم على أسس الماضي الواهية. ولكنّي أحبّ صديقي الذي يعبر الآن إلى قصر غيابه. ولأنّني أحبّه أحاول أن أومئ له لأشير إلى المتربّصين بعرشه، إلى التشقّقات في سقف مملكته، والحُفر أمام عربته، ولكنّه دائمًا كان يظنّ أنّني ألوّح له كسائحة غريبة عن تقاليد مملكته فيردّ عليها متسامحًا ويمضي.
أحبّ صديقي الذي يهيّئ الآن احتفالات عبوره. ولأنّني أحبّه سأتركه يرحل إلى حيث يريد، وسأشهق بالبكاء كمراهقة أمام موكب نجم عالميّ، وسأكتفي مثلها بذكرى اللقاء العابر أخبر عنه الأيّام الآتية. وسأكتب على الجدران كالمقاتلين الذين يتركون على حيطان متاريسهم آخر كلماتهم: صديقي مرّ من هنا، ومضى. وعندما يحلّ السلام، وتُمحى كلمات المعارك من ذاكرة البيوت التي عاد إليها أصحابها، سأتذكّر أنا، آخر المقاتلين، أنّ صديقي الذي مرّ من هنا ومضى إلى مجد طموحه، كان ذكيًّا فترك ساحة المعركة قبل أن تمزّقه أمّ المعارك وأشرسها، تلك التي يواجه فيها الإنسان نفسه.
يدخل صديقي العابر ضباب الذكرى وهو لا يزال هنا، أنظر إليه وهو أمامي مباشرة، على مسافة أصابع، وأقنع نفسي بأنّه ليس هنا، وبأنّ الذي أراه ليس إلاّ طيفه يعود إلى حيث كنّا نلتقي.
أترك المسافة بين الواقع والآتي. أحاول أن أفيد من الجرعة الأخيرة من دواء مفقود، من القطرات الأخيرة من العطر الهديّة، من لمسات الشمس الأخيرة قبل موسم البرد، من مرور نيزك في لحظة نادرة من ليل أسود.
أرغب في أن أمسك الآن يد صديقي العابر، المشغول حتّى الاحتفال بلحظات عبوره الملوّنة بألوان رغباته المتناقضة. ولكنّ يده مشغولة بالتلويح للجماهير المجتمعة حول عربته الذهبيّة، وهو يمرّ كملك جميل آت من حكاية قديمة، ليعبر إلى مخيّلة طفلة، أخبرتها جدّتها بأنّ الحلم هو الحياة.
(من كتاب رسائل العبور)

 ***

يمكن تكون المشكلة كلّها إنّي ولا مرّة وقعت بالحبّ... كنت دايمًا طير من الحبّ، طير وحلّق، بس بالآخر كنت أوقع، أوقع منيح، أوقع بالخيبة... 
***

مهما غضبت منك فلن أدعوَ عليك بأن تشتاق إليّ كما أشتاق إليك 
***

كانت الحياة وقفة عزٌ
صارت كبسة لايك
***

يا حبيبي إذا الهمّة همّتك
كانت الأميرة النائمة بعدها نايمة
***

***
أشكرك اللهمّ 
لأنّك أظهرت لي أنّ كثرة الأنبياء والرسل عندنا، دون سوانا، ليست دليل قداستنا بل علامة على أنّنا شعب غبيّ عاهر لا يفهم من الدرس الأوّل،
ولأنّك أوضحت لي أنّنا لا نغفر لمن خطئ وأساء إلينا بل نقتل بدم بارد من لا خطيئة عليه ولا ذنب له،
ولأنّك أفهمتني أنّ المسيح الذي لبس ثوبًا فاخرًا اقترع عليه جنود الصلب هو الذي خلع رداءه ليغسل أرجل تلاميذه،
ولأنّك علّمتني أنّنا لا نقرب الصلاة ونحن سكارى من الخمرة بل من دم من يخالفنا الرأي،
ولأنّك بيّنت لي أنّنا لا نأكل لحم الخنزير بل قلب إنسان لا نعرف كيف احتملت أمّا القاتل والقتيل الخبر الموثّق بالصورة،
ولأنّك طمئنتني إلى أنّك تحبّ، أيّام الجُمع والآحاد تحديدًا، هلوسات الشعراء والفنّانين والعشّاق المجانين أكثر ممّا تحبّ عظات رجال الدين! 
آمين

***

2012
هي النجمة وهو الزيح:
- أريد أن أكون رجل حياتك، فأنت قبلي لم تعرفي رجالًا حقيقيّين!
*
عندي مشاكل كثيرة فلماذا تتعب نفسك معي؟
-
لأنّني أحبّك ولن تواجهي مشاكلك وحدك بعد اليوم!
*
اغتصبوا حقوقي في عملي
-
أنت تعرفين أنّ البلد في حالة فوضى والوضع على كفّ عفريت
*
تعرّضت لمضايقات رئيس المؤسّسة ولم أتخطّ الأمر بعد
-
هو مريض نفسيّ انسي أمره
*
أنا حاليًّا عاطلة عن العمل ولا أريد أن أكون عبئًا عليك
-
مشكلة!!! فأنا لا أستطيع أن أصرف على شخصين في انتظار أن تجدي عملًا!
*
كيف تريد أن تكون إلى جانبي إذًا؟
-
في السرير
*
أتعلم؟ بما أنّني في هذا الحوار النجمة وأنت الزيح ... لو بتزيح من خلقتي
***

استيقظت المواطنة س. م. من نومها في حال نفسيّة سيّئة كما في كلّ صباح. عدّت دقّات الساعة الكبيرة المعلّقة في الصالون وهي تعرف مسبقًا بأنّها ستكون ستّ دقّات. اطمأنّت إلى أنّها لا تزال تملك بعض الوقت قبل أن تبعد اللحاف عنها وتنهض مرغمة من السرير لتواجه وجهها في المرآة. تمنّت لو كانت تستطيع الذهاب إلى العمل من دون هذه المرحلة التي تحاول خلالها إصلاح ما أفسده الدهر. ولكنّها كالعادة، ألقت نظرة تفقديّة على جذور شعرها لترى إن كان يحتمل تأجيل موعد صباغه، وأحصت التجاعيد حول عينيها وفي عنقها، وراقبت ترهّل ذراعيها، وانتبهت، كما منذ صباها، إلى أنّها تتقدّم في العمر بطريقة بشعة. وفكّرت في أنّها لو قرّرت الخضوع لعمليّات تجميل فستمضي ما تبقى من حياتها في المستشفى وسيمضي طبيبها حياته ثريّاً.
ثمّ خرجت المواطنة س. م. من منزلها، فالتقت بجارة جديدة لم ترها قبل اليوم. فكّرت في أنّها من سكّان الأبنية التي ارتفعت حديثًا حول بيتها وحرمتها الشمس والهواء. كانت المرأة الرياضيّة القوام ترافق كلبتها الصغيرة المتباهية بعقد من الذهب حول عنقها في نزهة صباحيّة وهما خاليتا البال. حين وصلت صاحبة العقد إلى حفرة مياه صغيرة، وقفت ونظرت إلى سيّدتها التي انتبهت للأمر وانحنت وهي تقبّلها وتعتذر ثمّ حملتها كي لا توسّخ قوائمها. جرّت المواطنة س.م. رجليها إلى سيّارتها وانطلقت إلى عملها وهي تفكّر في ليونة جسم المرأة وتناسق أجزائه.

في الشركة، أخبرتها زميلتها بأنّها غيّرت سيّارتها، فهنّأتها ثمّ انتبهت إلى أنّ سيارة الزميلة القديمة كانت جديدة، ولمّا استوضحت الأمر قالت لها: اشترينا كلبًا جديدًا وهو من الصنف الذي يكبر، ولن تعود السيّارة تتّسع لنا، فاشتريت واحدة رباعيّة الدفع من النوع الضخم، كي يجلس الأولاد والكلاب وهم مرتاحون. فكّرت المواطنة س. م. في مصدر ثراء زميلتها الموظّفة وفي عدد عمليّات التجميل التي جعلتها تبدو واحدة من قطيع المغنيّات والمغنّين الجدد.
في طريق عودتها إلى البيت قرّرت أن تصبغ شعرها، فأوقفت سيّارتها قرب الرصيف العريض، أمام صالون المزيّن، وما أن ترجّلت من السيّارة حتى غرقت رجلها في أوساخ حيوان مرّ من هنا منذ قليل، ولمّا تلفّتت حولها باحثة عن المذنب، وجدت رجلاً عجوزًا يجلس أمام باب دكّانه العتيق ينظر إليها ويهزّ رأسه أسفًا، ثمّ يقول لها مؤاسيًا: لست وحدك من يصيبه ذلك يا ستّ. ولكن صار عليك أن تنتبهي، فالرصيف صار للكلاب. وأومأ برأسه في اتجاه صبيّة رائعة الجمال تهنّئ كلبها لأنّه قضى حاجته بسرعة.

عند مزيّن الشعر قرّرت أن تسترخي وتريح أعصابها وتبعد أفكارها عن كلّ توتّر، ولكن لسوء حظّها اختار لها المزيّن مقعدًا إلى جانب سيّدة شقراء جميلة وثريّة تداعب بأصابعها الأنيقة كلبة جالسة في حضنها. الكلبة الصغيرة النحيلة التي لا ترتفع عن مستوى سطح الأرض إلاّ بضع سنتيمترات، وترتدي صديريّة مطرّزة من شغل الأرتيزانا، راحت تراقب المواطنة الغريبة بفضول ممزوج بعدائيّة، ولم يلهها عن ذلك إلاّ اتّصال هاتفيّ تلقّته صاحبتها الجميلة السعيدة، فراحت تتابع الحديث وهي تتململ كأنّها تعرف من المتّصل وما فحوى الحديث. واستطاعت المواطنة أن تفهم أنّ السيّدة دعت صديقتها المتّصلة للانضمام إليها عند الكوافير، ويبدو أنّ المرأة الأخرى مرتبطة بموعد هام، فقالت لها صاحبة الكلبة الصغيرة: هوغو معي، فلم لا تأتي الخادمة بسيسي كي تراه وتلعب معه، ألم تشتق إليه؟
كانت الصدمة قويّة على المواطنة س. م. إذ تبيّن لها أنّ الكلاب صاروا كالبشر لا يُعرف ذكَرهم من أنثاهم، ما جعلها لا تنتبه إلى أنّ لابس الصديريّة المطرّزة من فئة الذكور. فخجلت من نفسها وأبعدت نظرها في اتجاه آخر لتهرب من نظرات الكلب الذي عاد يراقبها وهو ينتظر سيسي ابنة الصديقة المتّصلة التي ستأتي مع الخادمة (فليبينيّة طبعًا) لتلعب معه. وما هي إلاّ دقائق حتّى دخلت الخادمة، فليبيّنية طبعًا، إلى الصالون وبين ذراعيها كلبة صغيرة لم تستطع المواطنة س. م. إلاّ أن تتأمّل جمالها ورقّتها وأناقتها. هبّ هوغو ملهوفًا لملاقاة سيسي التي لم تكن فتاة شقراء ولطيفة كما توقّعت المواطنة س. م.
وكان لقاء عاطفيّ تقشعرّ له الأبدان، راقبته عيون جمهور النساء المصبوغات الشعور والوجوه بتأثّر واضح ودموع صادقة.

لم تخرج المواطنة المتأثّرة من متابعتها الفيلم العاطفيّ إلاّ حين سألها "الكوافير": هل تتناولين أدويّة معينة أو هل أنت مريضة؟ استغربت المواطنة السؤال وسألت بدورها: لماذا تسأل؟ فأجاب المزيّن وهو يفكّر ويحلّل: غريب، الصباغ لم يترك أثرًا على شعرك الذي لا يزال أبيض.
بعد أيّام من التفكير واستعادة المشاهد التي مرّت أمامها، قرّرت المواطنة س. م. أن تجري مجموعة من عمليّات التجميل. وقالت في نفسها، لا لمرآتها: ماذا ينفعني أن أحتفظ بالذهب الذي تركته لي أمّي، وبالأرض التي تركها لي والدي؟ سأبيع كلّ ما أملك، وأجري العمليّات اللازمة لأعيش من الآن وصاعدًا عيشة لائقة محترمة.
عند الطبيب المعروف ببراعته في تغيير الأشكال وتجميل ما شوّهته الطبيعة، جلست المواطنة س. م. واثقة من قرارها، ومستعدّة لاحتمال الآلام والأوجاع التي تصاحب عمليّات من هذا النوع. وبعدما عاين الرجل الجميل وجهها وجسمها ودرس ماذا يلغي وماذا يضيف، ومن أن يشفط وأين يضخ ما يشفطه، وماذا يكبّر وماذا يصغّر، سألها إن كان هناك شكل معيّن تتمنّى أن تشبهه أو ترغب في أن تمتلك بعض ملامحه، فأخرجت المواطنة من حقيبة يدها صورة وقالت للطبيب بكلّ ثقة: أريد أن أكون مثل سيسي.
***
ع درب السما في عجقة ولادْ
وملايكة الله بتياب الحدادْ
وكلّ مرّة إيد بتعلا ع ولد
بيجنّ ع عرش السما ربّ العبادْ

***

في ذلك الصباح الذي تلا تلك الليلة
تركت على طرف السرير
قميصك الأزرق المبقّع بالحبر والدم والخمر
لن تجد عذرًا كي لا تكمل اللوحة




الثلاثاء، 26 يوليو، 2016

من يوميّات الفيسبوك (26 تمّوز 2016)


(2012)
بين العصب والغضب نقطتا دمع ذرفتهما الوحدة
***
(2012)
صُور الذين رحلوا مرغمين،
صراخ الأمهات اللواتي يضعن أبكارهنّ بين كفّي الحياة،
بكاء الأطفال من جنوب الأرض الجائع إلى شمالها المتخم،
ابتسامات المزارعين وهم يلمسون الثمار الأولى،
دموع القابعين في برد الوحدة،
خجل العذارى حاملات الطيب والقناديل،
ضجيج الأولاد الذين يلعبون في الأزقّة الترابيّة،
أنين المرضى في المستشفيات،
صلوات الأمّهات المنتظرات،
حفيف الأوراق على خريف الأشجار،
أصوات الباعة المعلّقة نبراتها على حبال الغسيل،
قلق الغروب عند حافة البحر،
الموسيقى الأنيقة في مطعم راق،
أرق الشاعر عند ولادة القصيدة،
نحيب الثكالى،
تعب الآباء العائدين من العمل،
صوت القلم على الورقة،
رائحة القهوة المثيرة،
الأقدام العارية على رمال الشواطئ،
الطرقات الجبليّة الوعرة،
نُدل المقاهي المملوؤون ثرثرة،
شوارع بيروت الممدودة أحلامها نحو الأفق،
المنتظرون عند أرصفة العبور،
أحلام الأسرى في السجون،
الخارجون من السينما، حاملو الحلم نور الحياة وملحها،
العائدون ليلاً إلى منازلهم الفارغة،
الواقفون على الطرقات ينتظرون من يحمل تعبهم،
الأصدقاء الغائبون والمغيّبون،
العشّاق القلقون،
الصحف المرميّة على برد الطاولات في المقاهي المثقّفة،
اللهفة إلى اللقاء،
المواعيد المؤجّلة،
الأحاديث الجريئة،
الابتسامات الشهيّة،
الغضب النابع من أرض الانتظار،
الاعتذار عمّا قيل وعمّا لم يُقل،
الأصابع المرتعشة الخائفة من اللمسة الأولى،
الأحلام المعلّقة بين أرض الممكن وسماء المشتهى،
الأغنيات المعتّقة في خوابي الذاكرة،
الزمن المشدود إلى وتر وجودك،
ذلك بعض ما في لقاءاتنا يا سيّد اللقاءات المتوهّجة. (من كتابي رسائل العبور)
***

(2012)
من هم أصدقائي اليوم: 
أبطال روايتي الجديدة أم أصدقاء الفايسبوك الافتراضيّون؟ 
أين أصدقاء الواقع إذًا؟
بل ما هو واقع الأصدقاء اليوم وأين موقعهم؟
***
(2012)
-انتهى الأمر ولم أعد أرغب في أن أكون رجل أحلامك!
·
لماذا تقول ذلك وكلّ الأدوار التي رسمتها لك جميلة ونهاياتها سعيدة؟
-
لكنّها متشابهة. لا فرق بين الدور والآخر إلّا في بعض التفاصيل، كمكان السكن والوظيفة. حتّى اسمي لا تغيّرينه بين حلم وآخر. وفيها كلّها لا عائلة لكلينا ولا أصدقاء. أنا وأنت فقط كأنّنا في مسرحيّة عبثيّة.
·
ألا يعجبك أن تكون الشخص الوحيد الذي أريده في أحلامي؟ الشخص الذي ألغيت من أجله الآخرين، والذي أبتعد عن الآخرين لأنفرد به.
-
أشعر بالضجر، ألا تلاحظين ذلك؟ لا أتكلّم إلّا معك، ولا أرى إلّاك. ألا يستطيع خيالك أن يضيف إلى القصّة بعض المشاهد وبعض الناس؟
·
أنت وليد خيالي وعليك أن تقبل الأدوار التي أعطيك إيّاها كما هي. وإلّا فكيف تكون الأحلام؟ أنا صنعتك هكذا، على قياس رغباتي، وعليك أن ترضى.
-
لو تفصّلينني على قياس عمرك؟
·
ماذا تتمتم؟ ماذا قلت؟
-
لقد سمعتني جيّدًا. فأنت على كلّ حال صاحبة الكلام.
·
لا يمكن أن أكون أنا من وضع على لسانك هذه العبارة. ماذا تقصد بـ"قياس عمري"؟
-
ألم تلاحظي أنّك في أحلامك ما زلت في العشرين من عمرك، ولم يتقدّم بك العمر ولو قليلًا؟
·
إنّها أحلامي، مساحتي الخاصّة، حديقتي السريّة، حيث أستطيع أن أكون من أريد ومع من أريد وبالشكل الذي أريد. وهل يجب على أحلامي أن تكون صورة طبق الأصل عن واقعي الذي أهرب منه؟
-
لكنّ خيالك يعجز عن تطوير القصص التي تتخيّلينها. ولهذا بدأت تدورين في حلقة مفرغة. وغالبًا ما تستعيدين المشهد نفسه مرارًا وتكرارًا كأنّك في دوّامة لا تجدين طريقك للخروج منها. ولأكن صريحًا بدأ الأمر يتعبني ويثير حنقي.
·
لهذا أستعيد المشهد في رأسي مرارًا. فأنت لا تساعدني على دفع الحوار بيننا نحو معان جديدة وأبعاد أخرى. صرتَ بطلًا عجوزًا، تعجز عن حفظ كلماتك وأداء دورك. يبدو عليك التعب والملل.
-
وأين بدا ذلك؟ وهل لي وجه ليبدو عليه التعب والملل؟ لماذا لم ترسمي لي وجهًا حتّى الآن؟
·
الأشخاص الحقيقيّون لهم وجوه واضحة المعالم. أمّا أنت، الشخص المتخيّل، فلا وجه لك ولا ملامح.
-
الأشخاص "الحقيقيّون" لهم أقنعة كثيفة، أمّا أنا الشخص المتخيّل فقد أكون - ولو بلا وجه – الشخص الحقيقيّ الوحيد في حياتك.
·
لماذا إذًا لم يعد الأمر يعجبك؟
-
عليك أن تعيدي صياغة السؤال: لماذا الأمر لم يعد يعجبك أنت؟
·
لم أفهم!
-
بل فهمت. تعبك هو سبب تعبي. ضجرك هو سبب ضجري. أنتِ التي بتّ تعجزين عن تتمّة حلم بدأته في لحظة شوق ووحدة. وإلّا فلماذا تنتفضين وتهربين ونحن في مشهد حميم، أو حين أطرح عليك سؤالًا ما، أو حين أذكّرك بشخص معيّن، أو حين يبدو وجهي واضح المعالم على غير إرادة منك؟
·
لأنّك عندما تفعل ذلك أعجز عن إدارة دورك وتوجيهه. أنت صنيعتي فكيف أتركك تستقلّ عنّي؟
-
أنا لست إذًا رجل أحلامك بل أسيرها. لذلك أثور، وأرفض المشاركة بعد الآن في هذه المسرحيّات السخيفة.
·
ذلك يعني موتك. فعندما تتوقّف أحلامي ستذوي أنت وتذوب كرجل ثلج أمام وجه الشمس. لن أسمح لك بالثورة أو الاعتراض.
-
ماذا تستطيعين أن تفعلي برجل أحلام متمرّد؟ هل تعاقبينه؟ أنت الخاسرة. هل تقتلينه؟ أنت الخاسرة.
·
بدأ خيالي يخونني. كنت أمسك بزمام الأمور جيّدًا ولم تستطع شخصيّة واحدة أن تتفلّت من قبضتي. ماذا يحصل لي الآن؟
-
أنت تتقدّمين في العمر وتريدين أن تبقي مراهقة. أنت تعبة ولا تعالجين تعبك إلّا بالهرب إليّ، فتنقلين إليّ همومك ويأسك ولذلك أعجز عن مداواتك.
·
ماذا أفعل إذا لم يعد عندي أحلام؟ أشعر كأنّني سأموت.
-
ربّما عليك أن تفكّري في الحياة لا في الموت. فقد يكون فيها رجل أفضل منّي لأنّه أكثر حريّة. يحضنك لأنّه يريد ذلك لا لأنّك تفرضين عليه ذلك. يقبّلك لأنّه يرغب في تقبيلك لا لأنّ الدور يجبره على ذلك. ويخاف عليك ولا يخاف منك مثلي حين تنهين الحلم وتقفلين عليّ باب مخيّلتك ساعة تريدين.
·
الموت أسهل من هذه المواجهة!
-
الحياة أصعب بلا هذه المواجهة!
·
لا أريد.
-
بل لا تجرؤين.
·
لن يكون أحد مثلك.
-
إنّهم حقيقيّون.
·
هم يحسدونك لأنّك رجل أحلامي.
-
أنا أحسدهم لأنّهم يستطيعون لمسك.
·
هل سترحل فعلًا؟
-
ما كنت لأفكّر في رحيلي لو لم يخطر على بالك. أفكاري هي صورة طبق الأصل عن أفكارك. أنت تريدين أن أرحل غير أنّك خائفة.
·
هل سيكون لي أحد بعدك؟
-
من يدري؟ المهمّ أنّ المكان صار خاليًا. (من كتابي رسائل العبور)
***
(2012)
التقينا على مفترق قبلة 
وافترقنا قبل أن نقول كلمة 
نعرف أنّها مهما حَلَتْ 
فلن يكون لها طعم ما تذوّقناه 
وصار من طبيعة الشفتين!
***
(2012)
رغبتي فيك تسألني عنك (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)

ماذا أقول لرغبتي فيك حين تسألني عنك؟
وهي دائمةُ السؤال
كيف أشبع فضولَها
وأطفئ حاجتَها إلى معرفة أخبارك
على الأقلّ معرفة أخبارك
(أيّ حجّة)؟
بمَ ألهيها حين تثور فيّ وتتّهمني بالجبن والخجل والتردّد؟
رغبتي التي تعرفني منذ الطفولة
وأعرفها منذ اكتشفتُ وجودَها
قالت لي بالحرف الواحد:
ابحثي عنه
اهرعي إليه
ارتمي بين ذراعيه
وتوقّفي عن هذا الانتظار الأبله الذي لا يليق بك
لم أجبها
سكتّ لأترك لها حريّة الكلام
لعلّها تتابع أفعالَ أوامرها وتفضح ما أحلم به
ما أريد أن أفعله
ما أرغب مثلها في أن أفعلَه ولا أفعلُه ولا أترك لها الحريّة لتفعله
***
هذا الفعل/ هذا الانفعال/ هذا الاشتعال
هذا التوق للانصهار
هذه الرغبة المغرمة بعطشها وجوعها وحاجتها
كأنّها تخشى الامتلاء والاكتفاء فالانزواء
هذه الشهوة المقدّسة الشيطانة
التي تريد أن تريد
التي يعجبها أن تشتهي
التي يشعلها أن تُشتهى
التي تؤجّجها خشيتُها الانطفاء
التي ترتجف حين تصل
التي تحرق لحظة تحترق
التي تسيل لحظة تعطش
التي تغتسل بالضوء
التي تختبئ في العتمة
هذه الشهوة
هذه الرغبة
هذا التوق
هذا الاشتعال/ هذا الانفعال/ هذا الفعل
***
أحاول أن ألهي رغبتي فيك بالكتابة عنها
برسمها على جدران غرفتي
على شرشف السرير
بتطريز اسمِها على الوسادة
بعزفِها على أوتار جسدي المشدودة
بنحتِها فوق صفحة الدفتر
غير أنّها ترفض
ترفض أن تصير قصيدة أو لوحة أو معزوفة أو كلمة
تريد أن تصير أنت
أن تلتحم بك
أن تلتصق بجلدك
أخدعها بالكتابة عنك
برسم أحرف اسمك على قميص نومي
برسم شاربين كبيرين فوق فمِك على صورتك في ذاكرة اللابتوب
بتلوين شفتيك بالأحمر كأنّني قبّلتك للتوّ
أنفعل
أدلق الألوان على ثيابك
أضع على رأسك قبّعةً سخيفة
وحين تسألني الآلة إن كنت أريد حفظ التعديلات
أصمت/ أفكر/ أشعر
أغضب من رغبتي التي تسخر من تصرّفاتي الطفلة
أكره حبّي لك
وأبقي وجهك لي
كما كان
قبل نوبة التوق إليك
***
رغبتي امرأة تعرف ماذا تريد
عنيدة/ وقحة/ شرسة/ نهمة
يقيم الشغف في مسامها
وينبت العشق بين رموشها
رغبتي زهرة بريّة لا تطيق الأسر
فتاة مشاكسة لا ترتّب سرير عشقها
تغيّبت عن دروس التهذيب واللياقة الاجتماعيّة فلم تحفظ منها شيئًا
وتثاءبت وهي تستمع إلى عظات الكاهن
فطار خيالُها خلف حكاية ما كان يجب أن تقرأها في طفولتها
وحين حذّر المحترم المحروم من الحبّ
أطلقت ضحكةً مدويّة
فخجلت أمّها
***
تلحّ رغبتي في السؤال
تطالبني بحقوقها
تذكّرني بشرعة حقوق العشّاق
توبّخني على التأجيل
تستفزّ عاطفتي التي أهرقتُها طيبًا عند أقدام مسحاءَ دجّالين منسوخين ممسوخين
تستثير شجاعتي المركونة في زاوية العمر
أثور عليها
أتّهمها بالعهر فتوافقني الرأي مبتسمةً كأنّني أمدحها
أخبرها كم أخجل بها فتضحك كأنّها لا تصدّقني
أهدّدها بإطفاء نارها إلى الأبد
فتلتفت إلى حيث أوراقي وأقلامي كأنّها تذكّرني بأنّ خلف كلِّ نصّ رغبة
أهرب منها فأشعر بالخواء والهشاشة والهباء
وأعود إليها لأسألها المغفرة على كفري بنعمة عطائها
***
رغبتي فيك تسألني عنك
تنتفض في شراييني ملهوفة
تطير من قفص صدري لتحطّ في عشّ يديك
فلا تجدك
هل أقول لها إنّك لست هنا؟
إنّك لن تأتي مع العيد لتكون العيد
إنّك مشغول
إنّك في مطار غريب تنتظر طائرةً غريبة
إنّك نسيت أمرها
إنّك تخاف منها متى خطرت لك
وإنّك تهرب من مسؤوليتك عن صيرورتها كائنًا مستقلاًّ واعيًا عارفًا عاشقًا شاعرًا مريدًا مستعدًّا واعدًا موعودًا
قل لي ماذا أقول للرغبة التي تكوّنت منّي ومنك؟
هل أواجهها بحقيقةِ أنّها سبب اختفائك 
ولأنّ ما من رجل عاقل يرضى بجرعة زائدة من العشق الممزوج بالشعر والشغف والشهوة؟
وأنت
مهما جُنّ بك الشوق
عاقلٌ جدًّا.
***
2014
...وصديقي الذي يعبر الآن إلى مجد أيّامه جميل كلحظة الولادة التي تكتشف نفسها مع مرور الساعات، والتي تفرض وجودها كلّما ازدادت تشبّثًا بالحياة.
هو نفسه لم ينتبه إلى هذا الجانب من شخصيّته إلّا مع تقدّمه في العمر، كأنّما الأعوام التي مضت شغلته عن النظر إلى شكله الخارجيّ. وعندما امتلأ داخله بالغنى الذي يجب أن يكون فيه، التفت إلى المرآة ورأى ما كان يراه في عيون الآخرين.
الآخرون هم الذين هتفوا بجماله، أو أشاروا إليه في حياء، فلم يصدّقهم. وظنّ أنّ الأمر كلّه مجرّد انفعال صارخ أو مجاملة مهذّبة. ومن أجل هذا الظنّ فقط تقبّل كلامهم بمحبّة وتواضع. ولكن مع مرور الوقت، بدأ الداخل الذي نضج ينضح أكثر فأكثر إلى الخارج، وظهر على وجهه ما يشبه الفرح ولكنّه ليس فرحًا، أو ما يشبه السكينة ولكنّه ليس هي، أو ما يشبه المحبّة ولكنّه ليس منها فقط. كأنّ ما على وجهه مزيج من هذه كلّها، فيشعرنا، نحن الناظرين إليه، بفيض من الحنان والدفء، كاللذين تمنحنا إيّاهما لحظة صلاة عميقة، أو لقاء حبّ صادق.
كان الجمال الذي فيه ممزوجًا بالذكاء والكرم وخفّة الظلّ والتهذيب والخجل والجرأة. ولم يكن من السهل أن نفصل بين عناصر هذا المزيج، كأنّ جماله لا يكتمل إلّا بذوبانها بعضها في البعض الآخر، من دون أن يفقد أي عنصر منها كينونته وخصوصيّته.
ومع ذلك، فإنّ هذا الرجل الذي لم يكتشف صورة الإله فيه بعد، يؤمن إيمانًا ثابتًا بعدم اكتماله. وهكذا عرفنا، نحن الذين نراقب بهاءه المتوهّج كقصيدة، أنّ السعي نحو الكمال هو الجمال كلّه.
(من كتاب رسائل العبور)
***
(2014)
سأصمت الآن
ستصير كلماتي، كلماتي كلّها، في أناملي
الآن، حين تلقي رأسك في حضني!
***
(2014)

عطلة:
ذقنك المتروكة اليومَ بلا حلاقة
ذقنك المهملة اليومَ كسلًا 
غابةٌ ألهو فيها بقطف القبلات
في انتظار الذئب