من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 10 ديسمبر، 2016

الطفل يسوع والرجل المسيح





وقف المسيح الرجل على باب المغارة وخاطب الطفل يسوع من دون أن ينبس بكلمة:

هنيئًا لك يا أيّها الصغير الذي هو أنا

الذي هو أنت
الذي هو هو
هنيئًا لك
أحضروا إليك الليلة الهدايا والطعام
أمّا أنا فيحملون إليّ كلّ يوم الوجع والجوع
ويلقون على كتفي كلّ ليلة آلامهم لأحملها عنهم
وفي كلّ لحظة يضعون بين يديّ مرضاهم لأشفيهم
استمتعْ بما أنت فيه يا وحيد أمّك
فالرعيان أطيب قلبًا من جنود الاحتلال
والعلماء أبعد نظرًا من الحكّام
والخراف أكثر وداعة من خيول العسكر
والمغارة الصغيرة أكثر أمنًا من القصر الفخم
وترانيم الملائكة أعذب من صراخ الجماهير
والقشّ غير الشوك
كلْ ونمْ يا ابن أبيك
واترك لي عندما تكبر أقمطتك لأستر بها عريي على الصليب
افتح عينيك يا طفل السماء واستمتع بالوداعة في عيون زائريك
فغدًا لن ترى إلاّ نظرات السخريّة والشماتة والحقد
احمل سريرك وامش يا من تحمله الملائكة
فغدًا ستحمل صليب العار
اشربْ حليب أمّك يا خبز الحياة 
فغدًا سيسقونك الخلّ لعلّك تنسى خمرة الفصح
ماذا ستفعل بذهب المجوسيّ

يا من لا تعني كنوز الأرض لطفولته شيئًا
ويا من سيباع بالفضّة؟
ألن يكون التاج من شوك؟
ما حاجتك إلى اللبان يا مصدر العطر العذب
فالرائحة ستفوح من الدم النازف؟
وماذا يخيفك في المرّ 
يا من لا يحتاج إلى حنوط الموتى لأنّه هو الحياة؟

يد أمّك تداعب رأسك الصغير تنسيني آثار الإكليل في رأسي
ويد يوسف تمسك بيدك تبلسم في يدي جرح المسمار
وتسابُقُ أولاد الرعاة لحملك يذكّرني بسمعان القيروانيّ الذي ساقوه إلى حمل الصليب معي
بعدما تنكّر لي سمعان الصخرة
هل تعرف من أنت يا كلمة صار جسدًا كما أعرف من أنا؟
هل تستطيع أن تصنع الأعاجيب مثلي أم أنت في حدّ ذاتك أعجوبة السماء على الأرض؟
بعد أكثر من ألفي سنة يا صغيري الذي هو أنا، ستبقى صغيرًا

لا بل ستكون أصغر من كلّ الذين حولك
وأصغر من الطابات الملّونة المعلّقة فوق رأسك
وأصغر من الخروف والنجمة والملاك
فتكاد أمّك تصرخ بالناس:
شذّبوا أغصان شجرة الميلاد كي لا تخفي باب المغارة!

أنت الآن، وستبقى، بحجم حبّة القمح التي زرعتَها 
عجوز فقيرة في صحن فخّار عتيق ليلة عيد،
ومثلها جميل وكلّك حياة وخصب وعطاء
ومع ذلك فأنا أحسدك
لأنّ الناس يتسابقون لتحضير مكان ولادتك
أمّا أنا فيتسابقون لإعداد صليبي
كلّ ذلك لأنّك أنت لا تتكلّم
ولأنّني بالحقّ نطقت

دعني أنم إلى جانبك يا طفلاً صار أنا
ولم يكن يعي أنّه يعرف
فمشوارنا بدءًا من الليلة سيكون طويلاً
لكنّك لن تكون وحيدًا يا صديقي
فأنا معك إلى منتهى الدهور
لتنمو بالقامة والحكمة التي تلي الألم
أراك منذ الآن تلعب مع أترابك
وتلهو مع أولاد الجيران
وتعود إلى البيت لتطرح على أمّك الأسئلة الصعبة
فتنظر المرأة إلى يوسف طالبة منه المساعدة
فيلتفت إليك النجّار الطيّب ويقول: 
عدْ إلى اللعب الآن، وستجد الأجوبة من تلقاء نفسك

وبالفعل سيحصل ذلك ليلة ذهابك إلى الهيكل

وأنت في الثانية عشرة من عمرك
تلك الليلة بكيت ولم يكن معك سواي
سالت دموعك كما في بستان الزيتون
ومن خلال حجاب الدمع رأيتني للمرّة الأولى ولم تُفاجأ
ولم تهرب ولم تغمض عينيك
تركت دموعك تنسكب بصمت
وأنت تكتشف دمعة بعد دمعة من أنت ومن أنا
تنظر إلى المغارة وترى ولادتك
وتنظر إلى المغارة وترى قيامتك
وتتمنّى لو كان في إمكانك 
ألاّ ترى مسيرة الجلجلة التي امتدّت بينهما...

في تلك الليلة التي لا أحد يعلم بشأنها إلاّ الآب
عرفت ماذا ينتظرك فخفت
وطلبت منّي أن أُبعد هذه الكأس
فأجبتك: ولكنّي لأجل هذا أتيت
سألتني إن كانت الجراح تؤلم
قلت لك: المعاناة تؤلم أكثر
سألتني إن كان النزف سيتواصل
قلت لك: إلى أن تصير الأرض سماء
سألتني: هل الموت مخيف؟ 
قلت لك: ليس لمن يحبّ
سألتني: لماذا أنا؟ 
قلت لك: لأنّك الكلمة
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 21 كانون الأوّل 2010

الجمعة، 9 ديسمبر، 2016

في ذاكرتي تاريخ من الأحذية


Anne Farmer

حذاء سندريلاّ، القطّ ذو الحذاء، حذاء الطنبوري، حذاء بابا نويل، قبقاب غوّار الطوشي، أحذية الضحايا الألف الذين غرقوا في نهر دجلة وهي مكوّمة على جسر الأئمّة (2005)، النعل الذهبيّ الذي اعتبره المخرج السوريّ عمر أميرالاي رمزًا يعبّر عن نظرة الناس إلى رئيس الحكومة اللبنانيّة رفيق الحريريّ في فيلم بعنوان: الرجل ذو النعل الذهبيّ، الحذاء الذهبيّ للاعبي الكرة، أحذية المصلّين أمام المساجد، الأحذية الفارغة المملوءة بخطط السفر في قصيدة غنّتها جاهدة وهبي للشاعر الألماني غونتر غراس، أحذية المزارعين في قريتنا حين كانوا يخشون أن يوسّخوا الأرض فيتركون النعال والوحل عند عتبات البيوت ويدخلون حفاة، أحذية الأطفال البيضاء الجديدة في أحد الشعانين، أو في احتفالات القربانة الأولى، يخافون عليها من الغبار ويتمنّون لو يطيرون كي تبقى أحذيتهم جديدة ونظيفة، ونبيّ الله موسى يخلع نعليه بأمر من الربّ، والمسيح يطلب من تلاميذه أن يخلعوا نعالهم ليغسل أرجلهم ليلة عشائه السريّ معهم، أحذية الجنود تمرّغ رؤوس المقاومين في كلّ مكان، الأحذية العتيقة التي كانت تجمع ليصلحها الكندرجيّ يعقوب الأرمنيّ في زياراته الأسبوعيّة إلى القرية وهو ينادي: مصلّح لاستيك، الأحذية الطبيّة التي تركها من تمّت فيهم أعاجيب القدّيس شربل فتركوها عنده في ديره في عنّايا من بلاد جبيل ومشوا أصحّاء سالمين، أحذية إيميلدا ماركوس زوجة الرئيس الفليبينيّ السابق تتناقلها وسائل الإعلام بعيد سقوط نظام حكمه: 1200 زوج من الأحذية في القصر الرئاسيّ و1600 زوج في منزل العائلة، الحذاء الذي كان ينتقل في العائلة من ولد إلى آخر بسبب الفقر والعوز ولا يهمّ إن ناسب القدم أم لا، قصيدة محمود درويش التي يغنّيها أحمد قعبور للمقاومين وفيها يقول: وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم، لوحة "الحذاء" للفنّان الهولندي فان غوغ التي أثارت غضب الأثرياء لما فيها من دلالات الفقر، حذاء خروتشوف في الأمم المتحدة يضرب به الطاولة ويحتلّ عناوين الصحف والكتب، الحذاء الصغير المعلّق في مؤخّرة السيّارة لدرء صيبة العين والحسد، الأحذية الصغيرة المصنوعة من البروسلين والمملوءة بالحلويات توزّع في مناسبة الولادة، "الصرامي" الملوّنة التي كانت تباع في أسواق بيروت القديمة وهي كناية عن قطع حلوى صغيرة تعبّأ في أكياس لتحملها الأمّهات لأولادهم المنتظرين هديّة "السفر" من الضاحية إلى بيروت، عبارة "شو هالصبّاط" التي يحفظها الشبّان من مسرحيّة لزياد الرحباني...وحذاء منتظَر الصحافيّ العراقيّ طبعًا.
في لبنان نقول عندما يولد طفل ثان في العائلة وللدلالة على خسارة الطفل الأوّل مرتبته: "نزلت صرمايته عن الرفّ". كم أتمنّى أن يكون الحدث الذي سينزل حذاء "منتظر" عن رفّ الإعلام وواجهات التلفزيون والإنترنت حريّة حقيقيّة نحتفل بها كلّنا في هذا العالم العربيّ المهدّد من أكثر من جهة، والمهيّأ للتفجّر من الداخل.
***
صحيفة البلاد البحرينيّة - الأحد 21 كانون الأوّل 2008

الخميس، 8 ديسمبر، 2016

تلات رسايل من السما

خالي سليم حاملًا خالي ميلاد

خالي سليم وزوجته عمّتي إميلي

تقبريني يا عمتي، تقبريني يا ماري، كيفك؟ كيف إخوتك وإمّك وبيّك؟ أنا عمتك إميلي، نحنا هون كتير مناح، ما تشغلو بالن فينا. هون كهربا ومي كلّ الوقت، يعني فيي ساعة يللي بدّي حطّ زوم بالغسّاله، وما حدا بينقّ عليي. وفيي عبّي البرّاد والتلّاجه من دون ما إحمل همّ تروح الكهربا وكبّ الأكلات. بس يا عمتي مشتاقة لريحة كلّ واحد منكن. شو عرّفني ليش السما ما فيا غير ريحة، متل ريحة البخّور، ومنصير كلّنا عنّا نفس الريحة. طالع ع بالي شمّ ريحة ولادي وولاد ولادي وإخوتي وخيّاتي... حتّى الأكل هون ما إلو نفس الريحة متل ما كانت تفوح من عندي بالمطبخ. يمكن لأنّو الأكل كتير صحّي، وما بيموّت 😊... اضحكي يا عمتي، يقطع الزعل، ما في شي بيستاهل الزعل والبكي. إنتي متلي، سلامة قلبك، مهووسه بالنضافه، وهون السما نضيفه، ما في ولا نتفة غبرا، وبيضلّ السجّاد متل التلج، بس عم بزهق، لأنو ما في كتير شغل، خالك بيضلّ ينقّ عليي، لأنّي بضلّ مرّق إيدي ع الغراض، بقول بلكي إجا حدا جديد لهون وجاب معو غبرا!
ياعمتّي، ديري بالك ع إمّك وبيّك، قولي لإمّك تفكّ الحداد عليي وع إخوتا، سليم وميلاد مناح ومش عم يتخانقوا، بالعكس كل الوقت بيقولوا زجل وبيتحدّوا بعضن بالشعر واخْبار سلام الراسي. وستّك وجدّك كمان مناح، ومبسوطين فينا، وجريس إبن خيي بيجيب ستّو وبيّو وإمّو وبناتو وبيجوا يسهروا مرّات معنا، إيه خيي عزيز عم يقدر يتنفّس منيح، راح الربو، وسعاد مرتو بعدا متل ما هيي، قلب ع الحلّ، وكمان سهرنا مع يوسف إبن خيي ومرت خيي بشارة، هون في كتير أصحاب ومعارف وجيران، وإذا كلّ دقيقه بدّك تحكي حدا ما بيكفّي الوقت، بس أنا عم ضلّ مع أهل جوزي، الزلمه مات ورايي يا عمتي، معقول اتركو وروح عند أهلي 😊. ما بعرف يا عمتي كيف هون بيمرق الوقت، ما منعمل شي مهم، بس ما منتعب ولا منضجر، بس منشتاق لريحة يللي منحبّن. منضل نشوفن، بس ما منقدر نشمّ ريحتن، هيدي الشغله ناقصه بالسما، وحكيت العدرا بخصوص هالشغله. كمان هون، بدّك تكوني بتعرفي حدا إلو كلمه.
المشوار لهون ما كان طويل ولا صعب، تأخّرت شوي ت أوصل لأني نطرت خالك، كنت عارفه رح يلحقني، تاري هوّي كمان كان ناطر خيّو. وهيك مشينا سوا، بالمقبره شوي انزركنا، قولي لهالخوارنه يوسّعوا المدافن، يمكن في ناس ما بيحبّوا يضلّوا ع الأرض إذا يللي بيحبّوهن راحوا. وخالك كان يحبّني، بس صراحة ما كنت عارفه إنّو خيّو ميلاد كان يحبّو كمان هالقدّ.
مشغول بالي يا عمتي ع ولادي، بعرف هنّي قد الحمل وما بينخاف علين، بس قلب الإم ما بيتغيّر حتّى لو صار بالسما. ما تنسي تقولي لأمّك تعيّد الميلاد وتفكّ الحداد، بعرف ع الأرض بيكونوا عقلاتنا زغار، ومنخاف من حكي العالم، بس المهمّ يكونوا ولادنا وأحفادنا مبسوطين بالعيد. انبسطوا يا عمتي، وانتبهوا ع عُمر، هيدا زغير العيله، وعملولو عرس كبير، وسلّمي ع إختك هيام يللي كانت جارتي الما في متلا، وع سميره يللي ما تركتنا ولا دقيقه بالمستشفى
خالك عم ينقّ قال طوّلت بالرساله وهوّي ما عاد إلو جلاده يكتب، وعندو هوّي كمان كم شغله بدّو يقلّك ياها. وأصلًا أنا لازم شوف الطبخة، وإجلي ركوة القهوة. بخاطرك يا عمتي!

***
أنا خالك سليم يا ماري، قولي لبيّك إنّو غشّني بس عطاني إختو مقابل إختي، شو كان بدّي بهالشغله؟ دخلك كيف بتقلّك تقبريني يا عمتي هيي وبالسما؟؟😄عمّتك هون كمان بتنقّ ورح يهشل الله من طلباتا، قال شو؟ خلقا ضيّق، وبدا ترجع تطلّ ع الولاد، يعني عمتك مش فهمانه شي من شي، ويا ضيعان ما كانت تضلّ بالكنيسه. بعدو بالا بالأكل والشرب والتنضيف، وعتلانه همّ الولاد يموتوا من الجوع. ومن وقت ما فضي البرّاد من آخر طبخة تركتا، وهيي خايفه علين ما يعودوا يحبّوا الأكل من غير إيديها. عمتك خوتا بس بعدني مغروم فيا، وشوفي كيف رجعت صبيّه حلوه متل يوم عرسنا، ولو ما كان بالي طويل وأعصابي رايقه، كنت تركت السما، ونزلت ع جهنم... عم بمزح يا خالي، وإنتي بتعرفيني، ع كلّ حال، خلّينا نحكي بشي تاني:
أنا وميلاد عم نلعب داما، يا ريتك حطّيتي معو وقت لحقني طاولة الداما يللي عملا بيي، أوّل ما وصلنا سألني عنها. ع كل حال، دبّرنا حالنا، هون ما مننقطع من شي. حتّى المكتبه ما بتسكّر، والكتب ببلاش، يمكن عندكن كمان صار هيك، بس هون الكل صار يحبّ يقرا، مدري شو صرلن هالناس؟ كلّ يللي كانوا يتمسخروا عليي قد ما بقرا، صاروا ما بيتركوا الكتاب من إيدن. قولك هيدا نوع من القصاص. شفنا سلام الراسي ومارون عبّود وقعدنا معن شوي، طلعت أنا وخالك ميلاد حافظين كتبن أكتر منن. ع فكره خالك ميلاد بعدو عنيد وما بيعمل غير يللي براسو، وبيضلّو يتخانق مع المسؤولين هون. بدّو يعيد هندسة السما، وبدّو يفهم كل شارده ووارده، وبدّو يعمل كتب شعر. بس راسو مشغول بماجد كلّ الوقت. فهمان عليه، ما أنا كمان قلبي محروق ع ولادي، بس برجع بقول بدّي شدّ حالي قدّام مرتي وخيي. إمّي وبيي لأنن صرلن زمان هون، تعوّدوا، صاروا مع خوالي وخالاتي، وستّي برباره وجدّي، كأنّن من غير عالم. مبسوطين فينا، بس كأنن صاروا بيعرفوا أكتر ما كانوا يعرفوا، يمكن نحنا مع الوقت نصير متلن. كنت مفتكر الوقت هون مش موجود، بس يمكن لأنّو بَعْدنا مشتاقين عم نحسّ إنّو في شي إسمو وقت جايي معنا من الأرض وما عم يقبل يتركنا. انتبهي ع إمّك يا خالي، هيدي إم مارون، إمّ الكلّ، وانتبهي ع الحج، وقوليلو ما يواخذنا عذّبناه معنا بآخر فتره، بس الله بيكافيه بصحّتو وصحّة ولادو.  
مشغول بالي ع البنات، بس ما بحكي قدّام عمتك، بعدن مقهورين مع إنّو رح يصرلنا سنه تاركينن، الشباب غير شكل، بعرف من جوّا هنّي مقهورين كتير كمان، بس بالآخر الصبيان غير البنات، يا حرام هالبنات شو تعذّبوا معنا، بس والله بيّضوا الوج بحياتنا وموتنا. ومتل ما قالت عمتك، اعملوا عرس كبير لعمر، وما تبكوا، وأنا من هون رح إكتب قصيده، ورح جرّب إبعتا قبل العرس. عمتك مشتاقة لريحتكن وريحة الأكل ونسيت تقلّك إنّو مشتاقه كمان لريحة دوا الغسيل... بس أنا مشتاق للأصوات: صوت حجار طاولة الزهر، صوت الزغلول وموسى زغيب، صوت المزيعة بإزاعة لبنان، وخصوصًا صوات ولاد ميّادة وجورج وهنادي وجوزيف... هون في حكي، بس ما في أصوات... كأنّو الصوت شغله إلا علاقة بالأرض... مشتاق لصواتكن كلّكن يا خالي، ضلّكن حكونا، يمكن شي نهار نسمع الصوت مش الفكره وتصير السما حلوه أكتر...

***

بلّش خالك سليم بالبكي يا ماري، وما عاد قادر يكتب. أنا ميلاد، أكيد عرفتي خطّي وما كان في لزوم عرّف ع حالي... كيفك يا بنت؟ يا عتبي عليكي، ليش زعلانه هالقدّ علينا؟ وحدك بتعرفي قدّيش تعبنا، ومعليش إذا ارتحنا، خصوصًا أنا، ما إنتي بتعرفي شو كنت تعبان بعقلي وأفكاري، حتّى بالليل كان راسي يضلّ يشتغل ويخطّط ويحلم... الدنيي ما كانت سايعتني، كان لازم إجي لهون. بس ماجد يللي عم يخلّيني إندم ليش استعجلت الفلّه. ماجد كتير زكي يا ماري، أكتر ما إنتي بتعرفي، يمكن كرمال هيك كنت خاف منّو وخاف عليه. وحبّيتو كتير، أكتر ما كنت عارف إنّو الواحد بيقدر يحبّ. وحبّيتو أكتر وقت يللي كبر وصار شبّ عندو شخصيّتو وأفكارو، كأنّو وقتا اكتشفت شو يعني يكون الواحد عندو ولاد، وصرت إفهم أكتر ع بيي وإمّي وع خيي سليم.

بس كمان من هون بيقدر الواحد يحبّ، لأنو هون بيصير حدا تاني، حتّى ولو بقي يحبّ يطبخ وينضّف متل عمتك، أو يحبّ يلقوط غراض متل جدّك، أو يحبّ المطالعة متل خيي سليم، أو يحبّ يشارع ويعيّط متل ستّك. الحبّ هون غير شكل، ما بيتعّب ولا بيوجّع. يمكن بيوجّع شوي لأنو بعد ما نسينا كيف بيكون حريق الشوق للناس يللي منحبّن، بس يمكن مع الوقت، ومتل ما إنتو رح تتعوّدوا ع غيابنا، نحنا كمان رح نتعوّد نسهر عليكن من هون.
هون في كلّ شي، متل ما بيقولو المسافرين ت يطمّنوا أهلن، حتّى الدخّان موجود، ورجعنا أنا وسليم ندخّن... بس يمكن اللمسة يللي كانت هونيك ناقصتنا. هون منشوف كتير منيح، بس متل ما عمتك مشتاقة للريحة، وسليم مشتاق للصوت، أنا مشتاق إغمركن، إغمر ماجد وولاد شادي وكابي، وإغمر بنات سميره، وإغمر إختي سعاد، وقلّها كيفك يا ختياره... وإغمرك متل ما كنت أعمل بس إرجع من السفر، وترجعي بنت إختي الزغيره يللي ما بخاف من لسانها يللي ما بيرحم حدا وخاف عليها من أفكارها يللي خلقت معها وأكبر منها بشي تلاتين سنه.
انتبهي ع إمّك وبيّك وماجد يا ماري وقوليلو ينتبه ع إمّو وما يزعّل إخوتو، وع بنات سميره، الكبار والزغار بالعيله بدّن عنايه خاصّه، الباقيين، ما زال الحمد لله صحّتن منيحة بيدبّروا حالن، ما تعملوا متلنا وتضيّعوا العمر بخناقات زغيره ما إلها معنى... قولي لمارون يتزوّج ويجيب ولاد وما يتأخّر متلي، وقولي لموريس يقطع الغربه، خلّيه يرجع يعيش معكن.

بريد السما استعجل، قال ع العياد بيصير في عجقة رسايل طلوع، وهيدا آخر بريد نازل نزول قبل الموسم، منبقى نحكي ع رواق.. انتبهي ع حالك ولا بقا تبكي...

الجمعة، 2 ديسمبر، 2016

ما حدا يهديني جزمة كاوتشوك (2009)



     كان في قرية من قرى لبنان عائلة تتوق إلى صبيّ بعد سلسلة ولادات كانت نتيجتها مجموعة بنات. وكان في قرية أخرى بعيدة كنيسة تسمّى "مار الياس الراس" أمامها بئر عجائبيّة المياه تهب البنين للمحرومات والمحرومين. ويؤكّد الناس أنّ على كلّ عائلة ترغب في الحصول على وليّ العهد الذي طال انتظاره أن تربط آخر بنت في العائلة بحبل على خصرها وتدلّيها في تلك البئر حتّى تغمرها المياه إلى عنقها. وهناك، في عتمة المكان وبرودته على الفتاة الخائفة أن تصرخ إلى مار الياس مردّدة ما علّموها إيّاه: يا مار الياس الراس ابعتلي ع راسي راس. والرأس المطلوب هو صبيّ في طبيعة الحال. وبالفعل قامت تلك العائلة بما تقضي به التقاليد، وأنزل رجال العائلة الطفلة الهلعة إلى البئر بعدما وعدوها بإعطائها كلّ ما ترغب فيه. وحين خرجت وهي ترتجف من البرد والخوف، سألوها عمّا تريد فكان جوابها: جزمة كاوتشوك. وبقيت على طلبها مع أنّ الحاضرين سخروا من غبائها وقالوا لها: ألم يكن في استطاعتك أن تطلبي أسوارة ذهب أو ملابس جديدة أو لعبة تتكلّم؟



     تعود إليّ الحكاية في كلمات مختلفة، أكتبها كلّ مرّة كأنّها حكاية جديدة، وكأنّ الفتاة الثانية لا تعرف الأولى، والثالثة لا تعرف الثانية، وكأنّ الحكاية جرت في كلّ قرية من قرى لبنان وبقيت جزمة الكاوتشوك كجزمة بابا نويل تسير على الدروب الضيّقة لتصل إلى قدمين صغيرتين حافيتين تريد صاحبتهما أن تقفز في الحقول وتعبر السواقي وهي مطمئنّة إلى أن لا شوك يجرح جلدها الطريّ ولا حشرة تلدغها وتبكيها.

     تعود الحكاية حين أرى إلى الناس وهم يهرعون لشراء الهدايا وتبادلها على العيد من دون أن يكون عندي كبير ثقة في أنّهم يتهادون فعلاً ما يرغب كلّ منهم في تقديمه أو الحصول عليه، أو أنّهم يجدون متّسعًا من الوقت ليصغوا إلى ما يريده الآخرون عوض أن يتمّموا واجبًا فرضته الأسواق التجاريّة والعادات الاجتماعيّة لتبقى عجلة الاقتصاد في حركة كلّها بَرَكة لمن يعرف قوانين البيع والشراء والتوفير؟

     لا أحد يعرف إن كانت الفتاة حصلت على جزمة الكاوتشوك، أو إن كان الصبيّ المنتظر قد ولد مخلّصًا الفتاة من رحلة ثانية إلى بئر الأسرار. فالحكايات تنتهي دائمًا عندما يتوقّف المستمع عن الإصغاء لتبدأ رحلته مع حكاية أخرى. وأنا كنت دائمًا أتوقّف في حكاية أمّي عند جزمة الكاوتشوك. ومنها أعود في مخيّلتي إلى جسد تلك الفتاة المرتجفة بردًا وخوفًا وغضبًا. الغضب لم يحضر حين استمعت إلى الحكاية في المرّات الأولى، لم أكن مستعدّة للاعتراف بأنّ الطفلة تستطيع أن تغضب على والديها اللذين لا يتوقّفان عن إنجاب الأولاد، وعلى أخيها المنتظر الذي سيخلّد اسم أبيه، وعلى رجال العائلة الذين لفّوا الحبل حولها، وعلى النساء اللواتي شجّعنها لتنقذ أمّها من غضب أبيها، وعلى نفسها لأنّها فتاة، ولأنّها طفلة، ولأنّها عاجزة عن الرفض. فكان طلبها جزمة الكاوتشوك، بساطها السحريّ الطائر الذي تستطيع عبره الابتعاد إلى عالمها الخاص بعدما أجبرها الآخرون على الخروج مرّتين من رحم المياه وهي التي لم تختر الدخول إلى أيّ منهما.

     في المشهد الختاميّ لمسرحية المحطّة، تصرخ "وردة" واهبة الأحلام وزارعة الكلمات طالبةً بطاقة سفر تحملها، مع الذين آمنوا ثمّ رأوا، في القطار المنتظر إلى حيث تبدأ الأحلام الجديدة: حدا يعطيني ورقه/ حدا يعطيني ورقه، بقيت تردّد. ولكنّ دورها في السفر لم يحن بعد، وعليها أن تزرع المزيد من المحطّات في سهول الأرض. هذه المرأة ألا تشبه طفلة الجزمة؟ والطفلة نفسها التي نزلت إلى البئر لتصعد بالصبي الضائع بين مائي أبيه وأمّه وتختم به سلالتها، ألا تشبه "زمرّد" التي نزلت إلى البئر لتنقذ ختم المملكة؟ وهل الحكايات كلّها حكاية واحدة لا تضجر الحياة، تلك الجدّة العجوز، من سردها؟

     هذه المرّة عندما استعدت حكاية الطفلة ذات الجزمة الكاوتشوك كانت المسكينة مرهقة تعبة، فكونها الوحيدة بين أخواتها التي تملك جزمة واقية كان عليها أن تذهب إلى الدكّان لجلب الأغراض، وأن تساعد والدها في العمل، وأن تنظّف البيت والطريق. والغريب في الأمر أنّها على رغم مرور السنوات وتقدّمها في العمر ونمو قامتها بقيت قدماها صغيرتين على قياس الجزمة إيّاها.

* صحيفة "النهار" - الثلاثاء 22 كانون الأوّل 2009

معارض كتب أم دويلات طائفيّة؟ (2011)


قبل ثلاثين سنة، لم يكن في الإمكان تمييز الهويّة الدينيّة لزائري معرض الكتاب العربيّ


يقوم السلم بتحقيق ما لم تستطع الحرب أن تحقّقه: يشرذم البلد طائفيًّا ومذهبيًّا ويحوّله تجمّعات محدودة المساحة ضيّقة الأفق. وها هما فسحتا الثقافة الكبريان في لبنان ترتديان عباءة الدين شاء القيّمون عليهما أم أبوا: مهرجان الكتاب في أنطلياس مسيحيّ الطابع، ومعرض الكتاب العربيّ إسلاميّ الهيئة، وكلّ من يرفض هذه الرؤية يتعامى عن الواقع ويرفض الاعتراف بهزيمة العلمانيّة أمام سطوة التيّارات الدينيّة على مختلف وجوه الحياة. أمّا العدد القليل من العلمانيّين الذين يصرّون على التواجد في هذا المكان أو ذاك فتتوزّع أهدافهم بين من يتحدّى المصير الطائفيّ المحتوم أو من يرغب في فرض وجوده بين الطائفيّين مهما كان الثمن. هذا من دون أن ننسى أنّ عراقة معرض الكتاب العربيّ تربطه بذاكرة بيروت حين كانت بيروت ترقص وتسهر وتكتب وتعشق وتفكّر وتحلم مثيرة بحريّتها حسد عواصم الدول العربيّة. ومن دون أن نتناسى طبعًا أنّ مشاركة دور النشر "المسيحيّة" إذا جاز التعبير تطمح إلى انتشار عربيّ يعوّض عليها خسائر السوق اللبنانيّة التي لا تولي القراءة اهتمامًا يذكر، وبالأخصّ بين المسيحيّين الذين يحبّون أن يتباهوا بأنّهم لا يقرأون كتبًا باللغة العربيّة.
قد يثير هذا الكلام حساسيّة من يعتبر أنّ الأمور لا تزال في هذا المجتمع على ما كانت عليه، وقد يرى فيه المسيحيّون تأكيدًا لمخاوفهم من الاضمحلال، والإسلاميّون تعبيرًا عن سطوتهم الثقافيّة بعد تمدّدهم الجغرافيّ وتفوّقهم العدديّ، لكنّ الفريقين يرفضان الاعتراف بأنّهما في عنادهما وجهلهما حركة التاريخ أوصلا البلد إلى انقسام جوهريّ لن يسهل إصلاحه، هذا إن رغب أحد في ذلك.



من يتردّد سنويًّا على المعرض العربيّ للكتاب قد لا يتوقّف طويلاً عند ظاهرة دور النشر الإسلاميّة الكثيرة وزائريها الكثر الملتزمين، أمّا من يقصد المعرض للمرّة الأولى تلبية لدعوة توقيع فلن يتردّد في وصف المعرض بالإسلاميّ لا العربيّ، ولو لم يكن هذا طبعًا هدف النادي الثقافيّ العربيّ أو المعرض الذي احتفل هذا العام بدورته الخامسة والخمسين. في المقابل لا يمكن عدم ملاحظة عدد الكهنة والراهبات في معرض أنطلياس المرتبط حكمًا بكنيسة مار الياس أنطلياس ما يجعله أقرب إلى معرض دينيّ مسيحيّ وإن لم يكن ذلك ما هدفت إليه الحركة الثقافيّة. ومن الواضح أنّه لا يكفي أن تكون الثقافة هي الكلمة المشتركة بين اسمي المشرفَين على المعرضين كي نطمئنّ إلى سيطرة ثقافة العلمنة والحريّة والانفتاح على عالم الكتب.
افتتاح المهرجان اللبنانيّ للكتاب في أنطلياس برعاية مسيحيّة

أمام سيناريوهات التقسيم التي يتبارى الجميع في ادّعاء الاطّلاع عليها ومعرفة تفاصيلها ومواعيد تنفيذها، لن نحلم بأن يحظى العلمانيّون بدويلة، ما داموا لم يستطيعوا الانتصار في ميدان الثقافة إذ خسروا جبهات كثيرة كانت تحت سيطرتهم كالجامعة اللبنانيّة والصحافة ودور النشر والمكتبات، فضلًا عن الأحزاب ووسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة.
ولعلّ الانقسام الطائفيّ الفاضح يتبدّى في أبشع وجوهه حين نعرف الاتجاهات الدينيّة للمدارس التي تنظّم زيارات تلامذتها إلى واحد من المعرضين، فنتأكّد يقينًا من أنّ الخطب الرنّانة التي تلقى في افتتاح معارض الكتب والسنة الدراسيّة مشيدة بثقافة المواطنة لا مكان لها في عالم الواقع اللبنانيّ.

هاشلة بربارة (2010)





(2010)

الليلة ليلة عيد القدّيسة بربارة التي هربت وتنكّرت لتحافظ على ما صارت تؤمن به.
الحرب أجبرتنا على عدم الاحتفال بهذه الليلة. قالوا لنا مع بداية الحرب: الاحتفال بهذه الليلة بات ممنوعًا، فمن يعلم أيّ شرّ يختبئ خلف القناع؟
فسكننا الخوف.
قبل ذلك، كانت الليلة للأقنعة الجميلة، للتفنّن باختراع الأزياء الغريبة، لتجميع الأتراب في الحيّ والجولة معهم على البيوت والغناء وتناول الحلوى. كانت ليلة الدهشة فحوّلوها ليلة الرهبة. فمن يجرؤ على فتح بابه للابس قناع في أزمنة الخوف من الآخر، أيًّا يكن الآخر؟
*****
الليلة، اتصلت بي إحدى قريباتي وسألتني إن قرع باب بيتنا أولاد يحتفلون بالعيد، فقلت لها: رحل العيد وكبر الأولاد. سألتني إن حضّرنا الحلويات، فقلت لها: البرَكة بالوالدة التي لا تزال تحضّر الحلوى بكميّات كبيرة كأنّ أطفال الحيّ سيأتون ويغنّون وتمتدّ أيديهم النهمة إلى صحون الحلوى التي ستفرغ قبل منتصف الليل.
سألتني إن كنت لا أزال أذكر كلمات الأغنيات التي يرشّها الأولاد على دروب القرى والبلدات وهم يتجوّلون بين البيوت بلا خوف أو قلق، فقلت لها: أنا وأنت ما زلنا نعرف هذه الكلمات، بعدنا من سيتذكّرها؟
*****
الليلة ليلة البربارة، وبربارة هاشلة هاربة من مضطّهديها،
تختبئ لتنجو، ونخبّئ وجوهنا خجلاً،
تختبئ لأنّها وحيدة، ونختبئ لأنّنا جبناء،
تختبئ لأنّها صغيرة، ونختبئ لأنّنا ممتلئون صغائر.
الليلة، بربارة هاشلة فعلاً
هاربة منّا نحن الذين ندّعي أنّنا نحميها ونحافظ عليها
هاربة من أولئك الذين تذرّعوا بقناعها اليتيم ليضعوا كلّ يوم قناعًا،
هاربة من مضطهديها ومدّعي حمايتها في الوقت نفسه.
*****
تفضّلوا وتناولوا معنا الحلويات التي أعدّتها أمّي،
فالصغار كبروا وما عادوا يدورون في الحيّ وهم يغنّون،
والمراهقون يسهرون في الملاهي،
والخائفون أوصدوا الأبواب على أولادهم في وجه أولاد الجيران المتشبّثين بوهم عيد.
تفضّلوا وكلوا معنا حلويات تقطر منها حلاوة الطفولة ومنها تفوح نكهة العيد
ولا تؤاخذونا إن غلبتنا دمعة الحنين للغائبين المقيمين في القلب. فملحها لنا ولا نشارك أحدًا فيه.

اسمه عيد الميلاد!

شذّبوا أغصان الشجرة كي لا تخفي المغارة!
هل ينتهي مسيحيّو الشرق في كرة زجاجيّة؟

أين الطفل يسوع؟

أجمل زينة للعيد



ما نعيش في أجوائه وما نحن مقبلون على الاحتفال به في 25 كانون الأوّل ليس عطلاً سعيدة  happy holidays، وليس أعياداً (بالجملة) جميلة، وليس استراحة طويلة بعد الفصل الأوّل من العامّ الدراسيّ، وليس تمهيدًا لسهرة رأس السنة، وليس مناسبة لسلسلة من البرامج التفلفزيونيّة محورها الانتباه إلى الوزن الزائد خلال هذه المرحلة.
هو بكلّ بساطة عيد الميلاد، وبالتحديد عيد ميلاد السيّد المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمساويه في الجوهر. وما دام هذا التعريف هو ما تؤمن به الكنيسة الرسوليّة الجامعة حتّى الآن، فعلينا الاعتراف به واحترامه واستخدامه عند الإشارة إلى هذه المناسبة، سواء أكنّا مؤمنين أم ملحدين، ممارسين إيماننا عن اقتناع أم بالإرث والتقليد، مسلمين أم دروزًا أم مسيحيّين أم يهودًا، بوذيّين أم هندوسيّين أم من أتباع العِلم. ويصحّ الأمر نفسه على جميع المناسبات الدينيّة التي ارتأى أتباعها إعطاءها تسميات معيّنة هي من صلب عقائد المعنيّين بها سواء أعجبنا الأمر أم لا، آمنا به أم رفضناه. فعيد الميلاد هو عيد الميلاد، وعيد الأضحى هذا اسمه، وعيد الفطر لا تتغيّر هويّته بتغيّر من يأتي على ذكره، وصولاً إلى رأس السنة الصينيّة وسوى ذلك من الأعياد الدينيّة والمدنيّة.
تعرّض عيد الميلاد منذ بداية الاحتفال به لأكثر من محاولة لتشويه معناه، من المسيحيّين الذين لم يفهموا الجوهر الدينيّ للمناسبة، ومن غير المسيحيّين الذين يسيئون – عن جهل أو عن قصد – إلى رموزه وشعاراته وطقوسه. وإذا حصرنا الكلام في المرحلة المعاصرة، فنجد أنّ بابا نويل هو من الأخطار على الدين إن لم نضعه في خانة مساعدة الفقراء وتوزيع الفرح على الناس. ومن غير المسموح أن يصير هو بطل العيد ومحوره فيخفي بقامته الكبيرة وجسمه العريض وثيابه الدافئة ولحيته البيضاء طفل المزود الصغير العاري. ولذلك باءت بالفشل محاولات بعض الكهنة استبدال مقدّم الهدايا ذي الثياب الحمر بثلاثة من المجوس يوزّعون الهدايا على مثال الملوك الذين حملوا الهدايا للطفل يسوع. فالأطفال يولدون اليوم وفيهم جينات موروثة تعتبر بايا نويل من المسلّمات، كالتنفّس والجوع والعطش. وشجرة العيد خطر آخر إن صارت تتبع الموضة والألوان السائدة وآخر صيحات الأزياء والديكور، ومغارة العيد خطر ثالث إن كان ثمن أيّ تمثال من تماثيلها يوازي الحدّ الأدنى لعائلة في حاجة إلى دواء وماء وكهرباء.
ولا يخفى أنّ السينما الأميركيّة خطر دائم على هذه المناسبة، وتتحمّل صالات السينما وإدارات المحطات التلفزيونيّة الأرضيّة والفضائيّة المسؤوليّة الأخلاقيّة والأدبيّة والوطنيّة والقوميّة، حين تختار أفلاماً أو برامج تسخر من العيد أو تتلاعب بمفهومه الدينيّ أو تجعله إطاراً لقصص طريفة أو حكايات حبّ يحضر فيها الجميع ويغيب صاحب العيد.
أمّا الخطر الأكبر، فهو اللغة التي بقدر ما هي إنتاج الفكر تستطيع أن تكون المؤثّر في خلاياه والمتلاعب بما يدور فيه. فحين يُختصر الاسم بالإنكليزيّة ليصير  Xmas، مع ما يعنيه الحرف الأوّل الذي "يؤكّس" على المعنى الروحيّ ويلغيه، فذلك مؤشّر إلى عمليّة غسل دماغ تحاول حرفاً بعد حرف أن تمحو العيد من الوجدان الجماعيّ. وحين يصرّ مقدّمو البرامج ومذيعو التلفزيون، أيّاً تكن المحطّة ومهما كان انتماؤها، على التهنئة بموسم الأعياد من دون تحديد، فذلك يعني أنّ المحاولة تأخذ بعدًا آخر لطمس الهويّة وتمييع هدف الاحتفال. وهذا أمر فعلته إسرائيل حين خطّطت لإلغاء الوجود الفلسطينيّ من فلسطين، فمحت أسماء القرى والبلدات وغيّرت معالم الشوارع والطرق وهدمت ما يرتبط بذاكرة المكان، كعيون المياه وساحات القرى والجوامع والكنائس وأنواع الأشجار، كي لا يجد العائدون، ولا بدّ عائدون، ما يذكّرهم بحكايات آبائهم والأجداد.
ليس الوقت ملائمًا أبدًا للتذرّع بحجج إعلاميّة وإعلانيّة وانتماءات علمانيّة في وقت يبدو الخطر على مسيحيي الشرق أكيدًا وخطيرًا. ومن غير المسموح أن يكون الإعلام اللبنانيّ، بمختلف اتجاهاته ووسائل تعبيره، رأس الحربة في حرب تطاول أيّ دين من الأديان التي يتشكّل منها النسيج الاجتماعيّ في المشرق العربيّ عموماً واللبنانيّ خصوصاً، فكيف إن كان الأمر يتعلّق بالمسيحيّين الذين يتعرّضون لاعتداءت الأصوليّين؟ فإن كان الإعلاميّون والمعلنون يجهلون ما يفعلون فالأمر خطير على الثقافة واللغة والدين، وإن كانوا يعلمون ويفعلون فالأمر في غاية الخطورة على الكيان اللبنانيّ كما نتمنّاه: المتعدّد الحضارة بلا حساب للعدد، والمنفتح على كلّ العالم من دون أن يكون مشرّع الأبواب، والمتنوّع الثقافات من دون أن تكون النوعيّة فيه حصريّة.
*****
صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل