من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 20 مارس، 2017

في مديح البنوّة (2016)


لا عيد للأبناء الصالحين، ولا احتفال بالأبناء البررة! هناك فقط أعياد للجدّين والأبوين... والطفل!
أمّا ذاك الإنسان الذي يمضي حياته ابنًا صالحًا أو ابنة وفيّة، فلا مكان له على روزنامة المناسبات، كأنّ الذاكرة الجماعيّة عاجزة عن الخروج من أسر منظومة عاطفيّة متوارثة، لا تقبل بدور جديد على مسرح العلاقات العائليّة.
فالطفل بريء من الدنس، والأمّ نبع الحنان، والأب مثال العطاء، والجدّان حاضنا الطفولة، والمعلّم شمعة تضيء لتنير درب الأجيال... ولكن ماذا عن الأبناء والبنات الذين ما إن يقسو عودهم حتّى يصيروا هم الأهل فيحملون مسؤوليّة والديهم بمحبّة نادرة، وعطاء مجّانيّ، وامّحاء كليّ؟
        يتناقل الناس قصصًا وأفلامًا عن الأبناء الذين يغضبون على أهلهم، ولا يصبرون على أمراض شيخوختهم، ولا يحتملون ما آلت إليه أوضاع والديهم. ولا أذكر أنّني قرأت أو سمعت ما يخفّف من قسوة الأحكام على هؤلاء الأبناء. فماذا لو رأينا – ما عدا في الحالات الشاذّة المتطرّفة – في البنوّة قداسة توازي الأمومة والأبوّة أو تفوقها؟
        فحين تصبر الأمّ على أخطاء طفلها وتعلّمه فلأنّها ترى فيه مستقبلًا واعدًا جميلًا، بينما حين يغضب الابن على خرف أمّه وكثرة أسئلتها فلأنّه يرى النهاية القريبة ويرفض تقبّلها.
        وحين تبدّل الأمّ حفاض طفلها، تناغيه وتداعبه وهي تفكّر في أنّه عمّا قريب سيكبر ويتعلّم أين يقضي حاجته وكيف، ولكن حين تبدّل الابنة حفاض والدها تبكي بحرقة لأنّها تشعر بحيائه أمامها ورفضه ما آلت إليه أوضاعه، ولأنّها تعي أنّ الأمر سيزداد سوءًا.
        فالوالدان يريان المستقبل المشرق، ولو كان ولدهما مريضًا، فسيتمدّان من هذه الصورة الأمل والقوّة، لكنّ الأولاد يرون في ما يصيب أهلهم من أمراض ذهنيّة وجسديّة نهاية حتميّة، نهاية حتميّة لما كان عليه الأهل ولن يعود إلى سابق عهده.
        فضلًا عن ذلك، لا ضمان شيخوخة ولا أمان واستقرار للعجزة (ولا للبلد كلّه)، ما يعني أنّ مسؤوليّة الأهل تقع على الأبناء: أدوية، مستشفيات، وسائل ترفيه وتسلية، حفظ كرامة، وذلك ليس سهلًا إلّا على الأثرياء. ومع اختفاء الطبقة الوسطى، وتحوّل أكثر الشعب اللبنانيّ إلى خانة الفقر والعوز، بات الأبناء الذين يعتنون بأهلهم - وخصوصًا إن صار الأبناء أرباب عائلات أيضًا - حاملين أضعاف أضعاف ما يمكن للمرء أن يتحمّله، ورازحين تحت ثقل الحياة العامّة والمعاناة الخاصّة. من دون أن ننسى أنّ ثمّة أبناء اعتنوا بأهلهم لسنين تفوق بكثير عدد السنوات التي اهتمّ فيها أهلهم بهم، وعاملوهم أفضل بكثير ممّا عوملوا به.
***
        يوم كان الناس في القرى محاطين بالأهل والجيران، لم يشكّل العجزة عبئًا. وزمن كانت الطبيعة ملعب الأطفال ومنتزه الشيوخ، لم يكن التقدّم في السنّ أزمة. وكان "يللي ما عندو كبير يشتري كبير" لكي يتعلّم منه الحكمة والمحبّة. أمّا اليوم، فالتقوقع في الشقق الصغيرة والبيوت الضيّقة يطبق على صدور الجميع، والطبيعة التي أضحت مكبًّا للنفايات غاب عنها أطفال كبروا على غفلة، وحُرم منها كبار تُضيّق البرامج التلفزيونيّة السخيفة عقولهم وتُصغّرها.

        لعلّنا، نحن الأبناء الذين تصحّ علينا صفة البنوّة، في حاجة إلى الفخر بأنفسنا وتقدير عطاءاتنا. فلا شكّ في أنّ الأمومة رائعة، لكنّها ليست رائعة إلّا لأنّها نجحت في تربية أولاد رائعين، والأبوّة عظيمة، لكنّها لا تكون عظيمة إلّا لأنّها خلّفت وراءها أبناء عظماء، لذلك فالبنوّة، هذه البنوّة، رائعة وعظيمة، وتستحقّ أن تسامح نفسها على تُهم التقصير والجحود التي ألصقت بها، ويليق بها أن تحتفل بنفسها وهي تتطهّر من عقد الذنوب التي لم ترتكبها.

السبت، 18 مارس، 2017

عشرة أسباب على الأقلّ تجعل الثورة في لبنان مستحيلة (2011)


أكبر صحن حمّص

أطول أركيلة في صور: مدينة الحرف وسيّدة البحار


سبب واحد من هذه الأسباب العشرة يكفي كي لا يفكّر الشعب اللبنانيّ في أن يقوم بثورة تغيّر النظام، فكيف إذا وجدنا عشرة أسباب على الأقلّ؟

1- الادّعاء والغرور: فالشعب اللبنانيّ أسير صورة نمطيّة جعلته مخمليًّا وإن كان يرتدي المسوح، متخمًا وإن كان يتضوّر جوعًا. لذلك لا يمكن أن ينزل إلى الشارع ليطلب تحسين أوضاعه المعيشيّة لأنّ ذلك يعني أنّه يعترف بفقره وجوعه ومرضه، وهذا ما لا يمكن أن يحصل.
2- لا أحد يريد تغيير النظام: فعلى عكس ما جرى في البلدان العربيّة التي تريد شعوبها تغيير النظام، فاللبنانيّون لا يريدون أيّ تغيير. لأنّهم بكل بساطة هم الذين اختاروا ما هم فيه ولم يفرضه عليهم أحد، وهم الذين اختاروا نوّابهم وأحزابهم وتيّاراتهم، وهم الذين شاركوا في القتال وخطفوا وذبحوا وشوّهوا وأحرقوا وبنوا على أملاك الدولة. فليس في لبنان حزب حاكم يفرض نفسه وممثّليه وليس هناك جيش يقمع الناس. صحيح أنّ أجهزة أمنيّة كانت تتدخّل وتغير مسيرة الأمور، أو تهدّد (وتغتال؟) بعض المسؤولين، لكنّ الشعب كان قادرًا على الثورة والرفض ولم يفعل.
3- التشرذم: الطائفيّ والمذهبيّ والحزبيّ والمناطقيّ والاجتماعيّ واللغويّ. فلا يمكن والحالة هذه أن يتّفق اثنان لبنانيّان على شعار للثورة، فكيف سيتمّ الاتّفاق على ما هو أكثر.
4- الجهل السياسيّ: اللبنانيّون كلّهم يهوون السياسة، ولكنّ أكثرهم لا يعرف الفرق بين العلمنة وإلغاء الطائفيّة السياسيّة، ولا يعرف تاريخ البلد ولا تاريخ الحرب الأهليّة، فكيف يمكنهم إذًا أن يكتشفوا أنّ ما هم فيه غير سويّ ويستدعي التغيير؟
5- الخوف على النظام الحياتيّ: فاللبنانيّون عشّاق سهر وسفر وحياة. وهم يخشون من تعريض هذا الأسلوب الحياتيّ للخطر إن تحرّكوا من أماكنهم وخرجوا إلى الشارع. ولهذا كان المعتصمون لأيّة جهة انتموا يحوّلون اعتصاماتهم حفلات أركيلة وأكل وشرب ورقص ودبكة (احترامًا للتراث).
6- عدم التعلّق بالوطن: فليس بغريب مثلاً أن يترك ثائرٌ ما موقعه في قيادة الثورة إن حصل بعد طول انتظار على تأشيرة دخول إلى كندا أو الولايات المتحدّة أو أستراليا أو فرنسا أو ألمانيا.
7- النزعة الفرديّة: فكلّ مواطن هو مشروع زعيم، وفرخ قائد، واحتمال رئيس، ونجم صاعد تليق به الأضواء والإطلالات الإعلاميّة. وفي غياب العمل الفريقيّ لا يمكن أن تنجح ثورة.
8- عدم الاتّفاق على مفهوم الفساد: فاللبنانيّ يجيد تبرير الفساد متى صدر عن سواه، أمّا هو فشاطر يعرف من أين تؤكل الكتف، وإن لم يكن ذئبًا أكلته ذئاب الطوائف الأخرى.
9- عدم الاتفاق على عدو واحد ولو في خارج الوطن، فضلاً عن أنّ كلّ واحد منهم عدوّ الآخر.
10- الكسل: فبكلّ بساطة الشعب اللبنانيّ كسول ولا يطيق العمل المتعِب: فالسوريّون يبنون، والمصريّون يعملون في المطاعم ومحطّات المحروقات، والفليبينيّون والأثيوبيّون والسري لانكيّون يخدمون وينظّفون، والسودانيّون والعراقيّون يحرسون. وخلال الحرب، أنواع من المرتزقة حاربوا عنهم، فهل يقومون الآن بثورة؟ إلاّ إن وجدوا من يقوم بها بالنيابة عنهم.
وعلى سيرة الكسل، من المفيد التذكير بأنّ اللبنانيّين (وهذا دليل دامغ على عروبتهم) صاروا يجدون المطالعة هواية مرهقة ومكلفة وغير شعبيّة، فمن سيقرأ لهم وعنهم وعليهم بيانَ الثورة إن صدر؟



فلتمطر السماء ولتهتزّ الأرض (2011)







     ضجر الكون منّا، وملّ الناس في بقاع الأرض أخبارنا، وتخلّت عنّا حكومات العالم، ولن يكون لنا خلاص إلاّ بطوفان يغرق قبحنا وعهرنا وغرورنا، أو زلزال يدمّر معابدنا وأنفاقنا وأبراجنا. لعلّ المصيبة تجمع الناجين منّا بعدما فرّقتنا الأهواء والنزعات والأطماع. الحروب جرّبناها، واتفاقات السلام أثبتت سذاجة رُعاتها والمراهنين عليها، وحكومات الوحدة الوطنيّة بيّنت كم نحن مشرذمون، فلم لا نجرّب فناءً لا يبقي ولا يذرّ، أو كارثة طبيعيّة لا نتّهم أحدًا بها، أو موتًا جماعيًّا يولد من رماد ضحاياه شعب جديد؟

     أؤمن بأنّنا صرنا نستحقّ عقاباً من هذا النوع بعدما أُعطينا الفرصة تلو الفرصة لكي لا نخسر الفردوس مرّة جديدة. إنّنا اليوم مشاريع شؤم وفساد ونتن. الأب المتحمّس لزعيمه مشروع فجيعة يتحقّق لحظة يروح ابنه ضحيّة هذه الحماسة، والأمّ المتعصّبة لمذهبها مشروع ثُكل يبدأ العمل به متى اصطاد التعصّبُ المواجه وحيدتها على قارعة الطريق، وطلاّب الجامعات مشاريع قيد التنفيذ تحويلهم قنّاصين وسفّاحين ومجرمي حرب أو مخطوفين ومعوّقين ومدمنين. وحين يتحكّم الغباء بالأبوّة، وتتغلّب القسوة على الأمومة، وتغرق صروح العلم في الجهل والتطرّف، يزول كلّ أمل وينطفئ كلّ رجاء ويحيق الموت البطيء المرعب الموجع بكلّ حيّ. عند ذلك، لا بدّ للسماء من أن تُشهر علينا بروقها، وتصرخ بنا مرعدة، وتمطرنا بمياه معموديّة تخلّصنا من شرورنا أو بنار وكبريت يأكلان آثامنا، ولا بدّ للأرض من أن تهتزّ تحت أقدامنا وتقذفنا بلهب باطنها، ثمّ تبتلعنا لتطهّر وجهها من دنس وجودنا.

     سئم منّا الجميع، ولم نسأم من التقاتل. تعب منّا الجميع ولم نتعب من الكذب والخداع والتذاكي والسرقة والقتل. استسلم العالم أمام جنون ما نحن فيه وأوصد أبوابه في وجه وقاحتنا، ولم نتوقّف عن تسوّل المناصب والثروات وجوازات السفر. فلتمطر السماء غضبًا، ولتهتزّ الأرض اشمئزازاً، قد أدّى هذا الوطن رسالته، وانتهى دوره، وصار على اللبنانيّين أن يعترفوا بأنّهم لم يستحقّوا هذه الأرض، وبأنّ الشعارات التي رفعوها في تمجيد أنفسهم والتبشير برسالة بلدهم ونشر حضارتهم صارت كلّها ذكريات جميلة تروى لأطفال يعرفون أنّ ما يسمعونه ليس إلاّ حكايات تجمع ما بين الماضي والمتخيّل ولا علاقة لها بالواقع. وما علينا الاعتراف به الآن من دون تردّد أو خجل، هو أنّ هذا البلد ليس طائرًا يطير بجناحيه المسيحيّ والمسلم، بل هو طائر يرقص رقصته الأخيرة بسبب المسيحيّ والمسلم، وهو لم يعد بلد الرسالة الحضاريّة، بل بلد الرسائل الملغومة ما بين القوى الإقليميّة، وليس صحيحًا أنّه أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقسّم فقد تقاسمته وحوش الجشع وابتلعته حيتان الطمع وانتهى الأمر. وصار من السخف أنّ نردّد أنّ اللبنانيّ ناشر فكر وعلم بعدما صار ناشر عرض وعهر، ولم يعد عندنا حروف أبجديّة نصدّرها، بعدما شوّهنا الحروف والكلمات حين مسخناها تسميات تثير السخرية والبكاء.


     لا شكّ في أنّنا ننتفض ما بين حين وآخر على تشاؤمنا، ونقرّر ألاّ نرضخ لسوداويّة واقعنا، فنقول بأنّنا في أزمة وسوف نخرج منها كما فعلنا سابقًا، وبأنّ تاريخنا يشهد على أنّنا شعب يحبّ الحياة ولا يعرف الهزيمة. ثمّ ماذا؟ وإلى متى نستمرّ في خداع أنفسنا ونحن نتوهّم أنّ الوطن الذي كنّا نعرفه لا يزال هو نفسه أو أنّنا قادرون على اجتراح أعجوبة نفض الموت عنه وبثّ الحياة فيه، الحياة اللائقة الكريمة العظيمة. نتصرّف كالمريض الذي يرفض الاعتراف بمرضه فيؤخّر علاجه واحتمال شفائه. وسنكون أشدّ الناس مكابرة إن لم نعترف بأنّ وطنًا آخر يتكوّن على حساب الوطن الذي قتلناه ونطعنه كلّ ساعة للتأكّد من أنّه لن يقوم من موته، وبأنّنا نزداد طائفيّة ومذهبيّة وتحزّبًا وتقوقعًا وحقدًا ومرارة وكرهًا وغضبًا وجهلاً وغباء ونرفض الاعتراف ولو بجزء من ذلك.

أنا شخصيًّا لم أعد أريد أن أضع اللوم على "الآخر" في ما ينتظرني في هذا البلد، أيّاً تكن هويّة هذا "الآخر". فليكن غضب السماء علينا هو سبب موتنا وليأت الطوفان الغامر على عجل؛ وليكن ضيق صدر الأرض منّا هو سبب فنائنا، وليقع الزلزال المدمّر في أسرع وقت. ولتأت النهاية على غير يد الناس ولنضع اللوم على الطبيعة، فقد تعبنا من مقاومة بعضنا وتخوين بعضنا وإلغاء بعضنا، وآن أوان الاعتراف بهزيمتنا الحضاريّة والإنسانيّة، فقد نجد سلامنا الداخليّ حين نتوقّف عن تصديق هذه القصيدة الجميلة التي اسمها لبنان، والتي حوّلها ضيقُ أفُقنا موضوع إنشاء سخيفاً يُفرض على تلامذة المدارس المنتظرين موعد الرحيل عن هذا البلد إلى غير رجعة.
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 25 كانون الثاني 2011

الجمعة، 17 مارس، 2017

المجتمعات المريضة (2011)


Grey's Anatomy


صار الجلوس أمام شاشات التلفزيون أقرب إلى الجلوس في عيادات الأطباء أو في أقسام الطوارئ في المستشفيات أو أمام أبواب غرف العمليّات الجراحيّة. ولو كان التلفزيون قادرًا على بثّ الروائح كما يبثّ الصور لوجدنا أنفسنا مزكومين بروائح المطهّرات والمخدّر ممزوجة بإفرازات الأجسام والجراح.
فإذا أخذنا مثلاً المحطّات التلفزيونيّة الأرضيّة في لبنان، نجد أنّ البرامج الطبيّة المتخصّصة تحديدًا بالعلاج التقليديّ أو الطبيعيّ أو البديل، صارت تحتلّ فترات بثّ طويلة تشعرنا بأنّنا لن نعجز مع قليل من المتابعة على تبادل الوصفات الطبيّة عبر "الإيميل" وإعطاء النصائح لمن نعرفهم من المرضى. فلكلّ محطّة طبيبها الخاصّ (فضلاً عن منجّمتها)، أو معالِجُتها المتخصّصة، وكلّهم يغسلون أدمغتنا وأمعاءنا بنصائح يختلط فيها الغرب بالشرق، والحديث بالقديم. كلّ ذلك وجمهور المشاهدين عاجز عن الفهم أو التمييز بين ما تقوله "مريم نور" أو ينصح به "زين الأتات" و"نقولا قيماز" أو تعلن عنه شركة "أمانة كير" ثمّ جاء برنامج "لازم تعرف" متزامنًا مع برنامج "الأطباء" المنسوخ عن الأصل الأميركيّ. وفي أكثر الأحيان تختلط الوصفات وتتشابك التعليمات فيتحوّل العلاج الذي اخترعه المريض سمًّا زعافًا.
أمّا إذا انتقلنا إلى المحطّات الفضائيّة العربيّة فنجد في انتظارنا "الدكتور فيل"، و"الدكتور أوز" الضيف الدائم في برنامج "أوبرا" التي تستضيف فضلاً عنه أطباء آخرين وفي مجالات مختلفة، و"أناتومي غرايس" و"دكتور هاوس"، و"الأطباء" الأميركيّين، ولن ننسى مسلسل "إي آر" المتخصّص في ما يجري في قسم الطوارئ، وGrey's Anatomy وغير ذلك من المعلومات الجادّة على المحطّات العلميّة أو التعليقات الساخرة في البرامج الكوميديّة، فضلاً عن برامج الحوار العربيّة في الصبحيّات وبعد الظهر ومساء. غير أنّها كلّها تشعرك بأنّك كيفما قلّبت المحطات فستجد حتمًا طبيبًا يقدّم لك رأيًا في حالتك النفسيّة أو ما قد يتعرّض له جسمك.
لا اعتراض على واجب التوجيه والتحذير والتوعية، والبرامج الوقائيّة أفضل بما لا يقاس من نشرات الأخبار التي تنقل انتشار وباء أو ظهور مرض، والمثل عندنا يقول: درهم وقاية خير من قنطار علاج. والأطباء كانوا في تاريخ البشريّة عناصر أساسيّة منذ المجتمعات البدائيّة حيث ارتبط عملهم بالسحر والشعوذة لأنّهم قادرون في رأي الناس على طرد الأرواح الشريرة التي تسبّب الأمراض. وسيبقى للأطباء هذا الدور الأساس ما دام الإنسان عرضة للأمراض، وما دام المرضى يقاومون الموت، وما دامت الحياة غالية على قلب كلّ إنسان. ولكن كم من طبيب عالج بلفتة حنان وخفّف الألم بابتسامة، وهذا علاج بسيط وسحريّ في الوقت نفسه على كليّات الطبّ أن تلحظه في مناهجها.
ولكن ما يلفت الانتباه في كثرة هذه البرامج هو دلالتها على كثرة الأمراض. فما كانت هذه الأحاديث الطبيّة لتجد الصدى والإقبال لو كان الناس أصحّاء أو مطمئنّين إلى أنّ أنظمة الحياة المعاصرة لن توقعهم في شرك الأمراض النفسيّة والجسديّة. فمما لا شكّ فيه أنّ المجتمعات هي المريضة لا الأفراد، والأنظمة الغذائيّة هي الموبوءة لا الأشخاص، ولذلك كانت المعالجة الجماعيّة الإعلاميّة هي الحلّ بعدما بات من المستحيل معالجة كلّ فرد على حدة، لكثرة ما انتشرت الأمراض وتنوّعت الأعراض.
فحين نجد طبيبًا نفسيًّا يعالج في بثّ مباشر حالة مراهقة مدمنة على المخدّرات، وتمارس الدعارة لتأمين حاجتها منها، نفهم أنّ الحاجة أمّ الاختراع، وحاجة المجتمع كلّه للتخلّص من أمراضه هي التي تدفع إلى مثل هذا النوع من العلاج العلنيّ الصادم بعدما كان الأمر محصورًا في العيادات وداخل جدران الصمت والعيب والممنوع. ومن الطبيعيّ أن يزعجنا ويثير خوفنا امتلاءُ شاشاتنا بهذا الكمّ من الأمراض والشذوذ والإدمان والشراهة في الأكل والتدخين. ولكنّ الحلّ ليس في إسكات الجهاز وتعتيم الشاشة كي نوحي لأنفسنا بأنّ الأمور على ما يرام، لأنّنا على صفحة الشاشة السوداء سنرى انعكاس صورتنا وهي، إن كنّا صادقين مع أنفسنا، لا تختلف كثيرًا عمّا كنّا نشاهده قبل أن نضغط على زرّ إطفاء التلفزيون.

ثورة في حجم سيكارة (2008)


نحن لا نعرف كيف نشعل ثورة،
نحن نعرف كيف نشعل سيكارة إن غضبنا من رئيسنا في العمل ولم نستطع أن نواجه غباوته لأنّ "في رقبتنا" عائلة وأولادًا وأقساط مدارس،
أو سيكارًا إن كثرت علينا طلبات الفقراء والمحتاجين والمرضى والمسرّحين من أعمالهم،
أو إطار سيّارة إن دُفع لنا راتب في الأرض ووعدنا بأجر آخر في السماء،
أو أشجار سنديان عتيقة إن أردنا أن نبيع الأثرياء حطبًا لمواقدهم أو فحمًا لأراكيلهم.
أو بخورًا أمام رجل ذي جبّة يعدنا بتخليصنا من شياطين الرغبات...ليكون لها مسكنًا.
أو شمعة نضيئها ليعود من نحبّهم سالمين إلى البيت بعدما سمعنا دويّ انفجار.
نحن لا نجرؤ على إغلاق أبواب مدينتنا وحرق أنفسنا كي لا نقع في أيدي الغزاة،
نحن نتذاكى على "الأعداء" فنفتح لهم أبواب ملاهينا وسيقان نسائنا كي نسرق أموالهم وننال رضاهم ونتحاشى سوء مزاجهم.
**********
نثور على الذلّ فنغتصب نساءنا وأطفالنا،
ونثور على الفقر فنضرب أولادنا،
ونثور على الجوع فنعضّ أصابعنا،
ونثور على الخوف فنغرق في المهدّئات،
ونثور على اليأس فنهرب إلى المخدّرات،
ونثور على رجال الدين فنشكو أمرنا إلى الله،
ونثور على رجال السياسة فنفضح أخبارهم أمام رجال المخابرات،
ونثور على العسكر فنشتم مراسلي التلفزيون،
ونثور على مذيعي أخبار البؤس فيشرب والدنا كأسًا وتتلو والدتنا صلاة وننام على أمل ألاّ يطلع الصباح.
*********
تاريخ البطولة صار مواضيع للمسرح والأغنيات،
تاريخ القداسة أمسى دخلاً للمطاعم وصناديق النذورات،
تاريخ الحروف الأبجديّة محته رئيسة المدرسة عندما طلبت من والد الطفل أن يبيع أرضه ليدفع القسط.
تاريخ اللون الأرجوانيّ الملكيّ صار حاضر الدم ومستقبل العبوديّة.
تاريخ الحجر المستخرج من رحم الأرض ليكون قلاع المجد صار بيت الزجاج الذي لا يجرؤ أصحابه على رشق الآخرين بحجر.
تاريخ الجسور المرفوعة بعزّ فوق أنهر الحياة، صار متاريس من الحقد في أزّقة الموت.
تاريخ "الدبكة" التي تهزّ الأرض محته "النواعم" اللواتي يهززن الصدور.
**********
لا نغضب إلّا على كتب الأبراج وأقوال المنجّمين والنشرات الجويّة إذا لم تلائم توقّعاتنا ومشاريعنا أو على نهاية المسلسل لأنّها لم تكن كما أردناها، أو على خروج متبارية من برامج النجوم لأنّها كانت تمثّل "قيم" بلدنا و"ميزاته" الوطنيّة و"تراثه" الفنيّ.
لا نرفع صوتنا إلّا على المتسوّل إذا اقترب من السيّارة، أو على النادل في المطعم إن تأخّر في إحضار الطبق، أو على الصبيّ عند مزيّن الشعر إن كانت المياه أكثر حرارة أو برودة ممّا نرغب، أو على الخادمة الأجنبيّة إذا تعبت، أو على التلميذ إذا خاف عندما سمع صوت انفجار، أو على العجوز التي تعبر الطريق وأخّرت سيرنا نحو الهدف المنشود، أو على شرطيّ السير ما دام لا يسمعنا.
لا نرفع إصبعنا مهدّدين إلّا "في وجه" الكاميرا ولا نشتم إلّا من أطلق بوق سيّارته لنسمح له بتجاوزنا بعدما غرقنا في حديث تلفونيّ حميم ونسينا أنّ الطريق ليست ملكًا خاصًا لنا، ولا نزعق غاضبين إلّا في أذن جدّنا الأصمّ، ولا نسخر هازئين إلّا في وجه زميلنا إن قدّم فكرة ذكيّة لم تخطر على بالنا.
******
وفي انتظار الثورة الكبيرة التي لن تأتي دعونا نشعل سيكارة ممنوع تدخينها حيث صنعت، فمن الواضح أنّ هذا كلّ ما نستطيع فعله لنطفئ ثوراتنا الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة.
***
من كتابي : الموارنة مرّوا من هنا (2008)

الثلاثاء، 14 مارس، 2017

إلهة المدن البحريّة (النصّ الثالث من كتابي رسائل العبور - 2005)

Monet


      أنا إلهة المدن البحريّة، أتنقّل منذ ملايين السنين بين المرافئ الحزينة، ولا منزل لي غير الضباب.
     فساتيني أشرعة بيضاء تسكن فيها الريح، وزينة شعري أصداف يقدّمها لي أولاد مسكونون بهدير الأعماق، وأيقونتي مرساة أهدانيها أوّل بحّار رسا عند مرفأي.
    قدماي الحافيتان تغتسلان بمياه متناثرة عن أجساد البحّارة فوق أرصفة المرافئ، وذراعاي العاريتان تمتدّان وسادة لكلّ الغرباء.
    أزواجي رجال من ملح تنثرهم الرياح فوق البحار السبعة، وأحشائي لم تخل يومًا من أطفال لا أسماء لهم ولا آباء.
    أنا ربّة المنازل المنصوبة عند مرافئ الانتظار، أقف عند شواطئ الرحيل، والهواء يمدّ خصلات شعري الأسود شباكًا نحو أفق فارغ إلاّ من الاحتمال. أقف طويلاً والأفق يمتدّ بعيدًا، فنؤلّف معًا صليبًا تُعلّق فوقه آمال اللقاء المطعونة.
     أمشي على رمال لا تحفظ آثاري، وأقفز فوق صخور لا تشعر بمروري.
    وتحت مطر يحمل رائحة الغائبين، وشمس جامدة كزمن الحزن، وليل منخور مشوّه، أنتظر سفنًا تعود من غياب دام أعوامًا ولم تتعب من السفر، سفنًا ذات أشرعة كفراشات تعشق المغامرة، ورجال رائحتهم بحر عميق وعرقهم ملح عتيق.
    أغتسل بالرمل الذي فتّته العشق،
    بالزبد الذي ولّده الجنون،
    بالرياح الهوجاء،
    بالضوء المجروح،
    بدموع الرجال،
    بالمياه المتناثرة عن أجساد بحّارة عراة لا يملكون إلاّ الرغبة في السفر والحبّ والكلام.
   أنتظر رجالاً لن يبقوا طويلاً، ولن أكون لهم طويلاً، يزرعون حكاياتهم على جسدي، وينثرون أحلامهم على صدري، ويتركون أولادهم في حضني ويرحلون مزوّدين حكاية بلا كلمات. وحين ترتفع يدي ملوّحة لهم تلاحقها نظراتهم كما تلاحق عيون الأطفال الطائرات الورقيّة الملوّنة، ولا ينتبهون إلى السفينة التي ولّدها رحم الأفق من رحم المغامرة، وعليها رجال يبحثون عن امرأة تنتظر حكايات جديدة وأحلامًا مجنونة وأولادًا لا يعرفون عن آبائهم إلاّ أنّهم رجال من ملح ذاب في البحر.
    أنا سيّدة الشواطئ.
    لي أجنحة النوارس، والخطوات البلا اقدام، وهدير اللجّة.
    عمري ملايين السنين ولم أمت لأنّني أعشق الرحيل.
    ولم أتعب لأنّني أنتظر الحكاية.
    ولم أضجر لأنّني ابنة الحلم.
    أنا ابنة المدن الغافية على فراش الهدير، والمبلّلة برذاذ الموج، والمغتسلة برغوة الرغبة.
   لا أجيد الكلام لكنّني أحفظ حكايات غريبة رواها رجال غرباء بلغات غريبة. ولا أحفظ الأسماء لكنّني أذكر وجوه أصحابها في حنين وبكاء. ولا أنظر في العيون لكنّني أعرف ما الذي يختبئ خلفها. ولا أنتظر واحدًا أحدًا لكنّني أفرح عند وصول العابرين. أتبع نداء لا يسمعه سواي، وألحق بأصداء تتردّد خلف ستائر المدى.
    لا أملك شيئًا وكلّ الأشياء ملك لي. حين أغمض عينيّ أحصل على ما أريد. وعندما أفتح يدي وأبسط أصابعي في وجه الريح، يتطاير العالم بكلّ ما فيه كحبيبات رمل في هواء المغيب. ولا يبقى شيء. ولا آسف على شيء. ولا أشعر بالحزن على شيء يرحل بل بالحنين لكلّ ما سوف يأتي.
أنا الغريبة الصامتة المنتظرة العابرة.
    أرقص على إيقاع الريح التي لم تهبّ بعد، وأصغي إلى أصوات رجال لم يصلوا بعد، وأتنشّق روائح العشق من أجساد لم تمارس الحبّ بعد، وأبكي على خيبات لم أسمع حكاياتها بعد.
   أعيش القَبْل والبعد، وأقيم في الدهشة حين أشهد تكوّن الأشياء، وأشكر السماء التي جعلتني أمينة على هبوب الريح، وتساقط المطر، وبكاء الرجال، ورغبة الجسد، ورحيل المراكب، وخروج الأطفال من رحم المياه ليلعبوا إلى جانب مياه أنجبت آباءهم.
    لا أغفو إلى جانب رجل، بل أرحل حين يغرق في بحر النوم بعدما تعب من البحر والحبّ والكلام.
    ولا أعطي ثديي لطفل، بل أرحل حين يطلق صرخته الأولى القويّة الشبيهة بغضب الموج. وأمضي إلى مرفأ جديد. رحمي ينزف دمًا بلون المرجان، وصدري يقطر حليبًا يتحوّل لآلئ.
   لا أنظر إلى الوراء ولا أصير عمود ملح بل أتبع خطوات رجال من ملح خرجوا من البحر وإليه يعودون.
   أنا المرأة التي أغمضت عينيها ورأت...
   لابسة الشراع الأبيض.
   الواقفة عند الشواطئ كالمنارات العتيقة.
   السائرة نحو البحر الرماديّ، نحو الأفق النحيل.
   ومن الهواء الرطب تعود لتحضن جسمي الداكن رائحة أوّل بحّار نزل عند مرفأ انتظاري ثمّ رحل...

السبت، 11 مارس، 2017

صحّتي هي العَجَب (2010)


كولاج من تنفيذي

"
إبادة" هي الكلمة التي استخدمها الطبيب الفرنسيّ حين نقل له طبيب لبنانيّ - فرنسيّ صديق ما ورد في مقالتي منذ أسابيع عن عدد الحالات السرطانيّة الجديدة التي تسجّل في لبنان كلّ عام، أي حوالي ثمانية آلاف حالة بحسب ما أعلن وزير الصحّة الذي عاد وأكّد الخبر في حديث تلفزيونيّ وهو يحذّر من أنّ الدولة عاجزة عن تأمين العلاج المتداول حاليًّا، وسيكون الوضع أصعب لتأمين الأجيال الجديدة من الأدوية التي بدأت تعطي نتائج إيجابيّة حيث استخدمت. قال الطبيب الفرنسيّ وهو يتساءل عمّا تفعله الحكومة اللبنانيّة في هذا الشأن: إن لم تكن هذه إبادة فأنا أتساءل ما هي الإبادة في رأي اللبنانيّين. وفي مزيد من الشرح، قال الطبيب الصديق: هذا يعني أنّ هناك إصابات بالمرض لم تكتشف باعتبار أنّ اللبنانيّين لا يخضعون لفحوص طبيّة دوريّة لأسباب كثيرة كالجهل والإهمال والفقر وتمنّع شركات التأمين عن تغطية هذه النفقات وعدم وجود ضمانات طبيّة حكوميّة، مما يعني أنّ الحالات المعلنة هي ثمانية آلاف حالة جديدة أمّا الحالات التي لا يعرف بها المرضى أنفسهم فلا أحد يعلم عددها أو نسبتها، وبالتالي يصحّ أن نقول: صحّتنا هي العجب لمن يسأل عن سقمنا.
وجد اللبنانيّون أخيرًا عدوّهم المشترك الذي يريد إبادتهم بصرف النظر عن أعمارهم وجنسهم وطوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم ومراتبهم الاجتماعيّة، ولم يركنوا خلافاتهم جانبًا كي يواجهوه متّحدين، بل يصرّون على الإمعان في تجاهل هذا الواقع العلميّ الطبيّ من أجل أهداف أقلّ ما يقال فيها أنّها لن تنفعهم متى أصيبوا هم أو المقرّبون منهم بالمرض. هذا في ما يتعلّق بمرض واحد لا أحد يريد أن يدرس أسباب انتشاره على هذا الشكل المخيف. فكيف ستكون الصورة لو أضفنا أمراضًا خطيرة سواه منتشرة بسبب تلوّث الهواء والمياه والتربة؟ الصورة في اختصار هي أنّنا شعب مريض يرفض الاعتراف بواقع حاله ولا يجد ما يدعوه الى درس الأسباب التي أوصلته إلى ما هو فيه من حالات عقم وسوء تغذية وبدانة وسكّري وأمراض قلب، عدا تأثير الأفلام ذات البعد الثلاثيّ على الدماغ والنظر وقيادة السيّارات، وغير ذلك كثير ومخيف. فلنقلها صراحة: في هذا المجال لا يقع اللوم على السياسيّين وحدهم. فحين يعرف شعب كامل أنّه في مواجهة وباء أو مرض أو كارثة طبيعيّة ويبقى مصرًّا على معرفة أيّ برنامج نكات وطرائف هو الأوّل في لبنان: "لول" على المحطّة التلفزيونيّة التابعة للجنرال، أو "أهضم شي" على المحطّة التي تؤيّد الحكيم، لا يسع المراقب المحايد إلاّ أن يتحسّر ويقول: يا ليل يا عين على هذا الشعب (إلاّ إذا صار الصحيح هو يا "لول يا عون") أو أن يقول: "أهضم شي" أن يموت اللبنانيّ من الضحك على نفسه لشدّة غبائه. وفي الحالين، النتيجة واحدة و"منستاهل أكتر من هيك".
لا يسعنا أمام هذه الإبادة الجماعيّة التي يرفض سياسيونا التحقيق عمّن يقف وراءها (النفايات الكيماويّة والقذائف الإسرائيليّة والأطعمة الفاسدة) إلاّ أن ننحني باحترام أمام كلّ مريض يرغب في الشفاء وهو يعلم سلفًا بأنّه سيكون وحيدًا في مواجهة المشكلات الجسديّة والنفسيّة والماديّة والاجتماعيّة التي ستفرض نفسها عليه. فلماذا يرغب مريض مسؤول عن تصرّفاته وتخطّى سن الرشد في الحصول على علاج باهظ الكلفة في حين أن لا دولة تسأل عنه، ولا مؤسّسات طبيّة متخصّصة ترشده؟ ألا تدعو إلى التأمّل شجاعة المريض اللبنانيّ، الذي يقاوم المرض وتداعياته ويتناسى ما يسمعه عن الأخطاء الطبيّة والإهمال في المستشفيات، ويملأ الاستمارات المطلوبة وهو راضخ لتكشيرة الموظّفين، كلّ ذلك بهدف أن يستعيد صحّته ويعود إلى حياته "الطبيعيّة"؟ ولماذا؟ ليسمع نشرات الأخبار وتصريحات السياسيّين وتحليلات الصحافيّين وتهديدات الزعماء وسيناريوهات الحرب، ثمّ يتحامل على أوجاعه وآلامه ومعاناته ويحمل جسمه النحيل ويمشي في تظاهرة خلف زعيمه، وبما تبقّى من قواه العقليّة والجسديّة يهتف: بالدم بالروح نفديك يا ...ولا يسع المراقب المحايد إلاّ أن يتساءل عن المنطق الذي يتحكّم في هذا المريض اللبنانيّ: فالدم تبرّع به له الناس بعد ألف نداء ورجاء حين التهم المرض خلاياه، والروح كادت ان تزهق ووُهبها في آخر لحظة. فهل يضحّي بهما من أجل من لم يسأل عنه حين كان يواجه موته وحيدًا؟ لعلّنا نقرأ في الحريق الهائل الذي عجزت إسرائيل عن مكافحته، مع أنّها تملك ترسانة عسكريّة ضخمة، دروسًا في تحديد الأولويّات. وإلاّ فقليل علينا ما يصيبنا.
***
جريدة النهار - الثلاثاء 7 كانون الأوّل 2010