من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - رئيسة قسم اللغة العربيّة في مدرسة الحكمة هاي سكول

الجمعة، 29 يناير، 2016

بكاء على رؤوس الأصابع - وثيقة وفاة



بعد اثني عشر يومًا على وفاة خالي "سليم" ونحو شهرين على وفاة زوجته عمّتي "إميلي"، وشهر على وفاة "عبدو" زوج عمّتي "روزالي"، مات منذ أيّام خالي "ميلاد"، وماتت في اليوم التالي ابنة عمّه "زبيدة"، بعدما صارعوا، وبالشكل الأقسى والأصعب، الحياة والمرض. والناس الذين كدنا ننسى وجوههم وأسماءهم، في عجقة اليوميّات وعجيج المجتمع، عدنا والتقينا بهم في مأتم تلو مأتم، وفي عيوننا متّسع لما يشبه الاعتذار لأنّنا أزعجناهم وأخرجناهم في هذا البرد والصقيع من دفء بيوتهم ليكونوا إلى جانبنا، مع أنّ أكثرهم لم يكن ولو لدقيقة واحدة إلى جانب الذين رحلوا.
مأساة الإنسان ليست في الموت الذي لا بدّ منه. فلماذا يرغب العلماء في إطالة أعمار الناس، ولأيّ هدف يريد الناس أن يعيشوا إلى ما لا نهاية، إن كانت الشرور باقية، والأمراض باقية؟ فلعلّ الموت أخفّ مآسي الإنسان وطأة، حين تقارنه بالأمراض التي لا شفاء منها والأوجاع التي لا علاج لها والمعاناة التي تهدر كرامة الإنسانيّة كلّها.
نحن نموت على جرعات...
تقتل الخيبات طفولتنا. يدمّر الطموح سكينتنا. يقضي الغدر على ثقتنا. تغتال الخيانة آمالنا. تخنق الوحدة شغفنا. تفتك الأمراض بصحّتنا. يقطع الركض أنفاسنا... وننتهي! ولولا فسحات حبّ وصداقة وشعر من هنا وهناك، لكان ما نحن عليه هو الجحيم في حدّ ذاته.
أنا لا أكتب اليوم عن خالي "ميلاد" (ولم أناده مرّة خالي) الذي يكبرني بخمسة عشر عامًا كان صديقي ومُشاكسي وأوّل المفتخرين بي، والذي حين ترك لي مكتبته وسافر إلى السعودية وضعني من حيث لا يقصد على درب المطالعة، وحين كتبت له الرسالة الأولى، من سلسلة مراسلات استمرّت أعوامًا، وضعت نفسي من غير أن أعرف على درب الكتابة.
      لا. لا أكتب عن "ميلاد" اليوم ولا أعتقد أنّني سأعرف يومًا كيف أكتب عن هذا الرجلِ الأحجية:
رجلٍ من السهل عليه أن يثير أعصابك ولكن من المستحيل عليك أن تكرهه،
رجلٍ قادم من مخيلة طفل، وطفلٍ يرتدي ملابس رجل،
رجلٍ يحمل دماغ عبقريّ ومشاعر مراهق،
رجلٍ يضعك دومًا على حدودٍ مزروعة ألغامًا تفصل بين الواقع والوهم،
رجلٍ لم أجد من يشبهه إلّا حين شاهدت فيلم "Big Fish"، وبقدر ما أحببت الفيلم، خشيت ألّا يعرف ابنه "ماجد" من هو أبوه إلّا في مأتمه.
لا أكتب عن "ميلاد" الذي ولد ليلة عيد الميلاد ورحل بعده، بل عن البكاء الذي تجمع على رؤوس الأصابع بعدما تعبت عيون الدمع.
***
رحيلًا بعد رحيل، كنّت أؤجّل البكاء وأؤخّر مواعيده وأنا ألهيه بالعمل واللعب مع الأولاد في المدرسة والأنشطة الفكريّة والتخطيط لمشاريع تقاوم الموت، لكنّ البكاء ثار في النهاية وانتفض وقرّر أن ينهمر لعلّه يغسل الوجهَ من قبلات دبقة والروحَ من أدران الكلمات الممجوجة. وكان لا بدّ للمأتم هنا، الآن، مع هذه الكلمات أن يحوّل الذين رحلوا صفحات في كتاب العمر، لكي أستطيع أن ألتقط ما تبقى من أنفاس الحياة، رحمة بالباقين.
هو ليس بكاء على الموتى، والموت حقّ، وكلّ من الراحلين عاش وقطف من ثمار الحياة على قدر ما طالت يداه.
لكنّه البكاء الرافض لاعتبار الموت أمرًا عابرًا ولو كثر المائتون حولنا، ولو ملأت نشراتِ أخبارنا جثثُ الضحايا وفاضت صفحاتُ التواصل الاجتماعيّ بأوراق النعي.
هو البكاء على عمر أفناه والداي في حبك علاقات عائليّة وتمتين أواصر صداقة وجيرة، يكونان فيها أوّل الواصلين إلى حيث الحزن، وأوّل المنسحبين حين يعود الفرح، ليكتشفا بالطريقة الأصعب، ما كنّا نحن أولادهما نقوله لهما: لن يعاملكما الناس كما تعاملانهم.
هو البكاء على جدّي الذي مات وحيدًا في حرب الجبل وهو يحاول أن ينقذ مقّدسات الكنيسة.
هو البكاء على جدّتي التي دفنته وحدها تحت ليل القصف.
هو البكاء الصارخ في صحراء الحروب والدمار بأنّ كلّ إنسان قيمة وتاريخ وذكريات.
هو البكاء اللاعن نفاياتٍ تتجمّع أمراضًا في صدورنا وتهدّد بموتنا القريب.
هو البكاء الناقم على تقاليد المآتم التي يحضر فيها كثر ويتحاشى الجميع ذكر الميت.
هو البكاء على عجزنا عن الصراخ في وجه من يصل معزيًّا وهو يضحك، ومن تصل معزيّة وكأنّها ذاهبة إلى عرس،
هو البكاء على أنّنا صرنا نجد الموت بالسرطان أمرًا عاديًّا لا يدفعنا للثورة.
هو البكاء على المرضى والمضطهدين والأيتام والمعنّفين والمشرّدين والنازحين.
هو البكاء على وطنٍ وأوطانٍ محكومة بالجهل والفساد والحقد.
هو البكاء على أحياء موتى... ولا يعرفون.
ولكن، اليوم، وبعد أسبوع على رحيل "ميلاد" عاشق الشعر والهندسة، المجنون، الهادئ، الساخر، الغاضب، المملوء حكايات، وأمام صمود أمّي في وجه الموت الذي أخذ شقيقيها، وهي كبيرتهما، وأمام وقفة أبي الأبيّة في تعازي شقيقته وصهريه وابن عمّه، كما وقف إلى جانبهم طوال حياتهم، وأمام ذكرياتي عن ثلاثيّ راحل أدين له بتعليمي حين كنت طريحة الفراش، وأستعدّ لشهادة "السرتيفيكا": "يوسف"، ابن عمّي "بشارة"، الشاعر الذي كان مدير مدرسة وعلّمني المواد الأدبيّة، و"جريس"، ابن عمّي "عزيز"، أستاذ الفيزياء الذي علّمني المواد العلميّة، وخالي "ميلاد"، مهندس الكهرباء، الذي حملني إلى غرفة الامتحانات الرسميّة، ثمّ اصطحبني لحضور فيلم هنديّ كان عهدذاك ذائع الصيت، فخرجت منه باكية وندم هو على الانصياع لرغبتي... اليوم، وأمام هذه الكلمات التي هي كنزي ورصيدي وقوّتي... وعلى وقع موسيقى الجاز بوجعها وعنفوانها... اليوم، وأنا أنظر إلى لعبة الداما، من صنع "ميلاد"، الناجية الوحيدة من بيت الجبل في "عاليه"، والشاهدة على تحديّات جدّي "أبو سليم" وولديه، أنهي وثيقة الوفاة، وأعلن فكّ الحداد... وأشغل رؤوس أصابعي بقصيدة عن صاحب القميص الأزرق.

الاثنين، 18 يناير، 2016

عنّي وعن أمّي... أبكي



حين أنظر إلى صورة خالي "سليم" حاملًا شقيقه "ميلاد" أسأل نفسي: كيف يكون هذان الصغيران خالَين عجوزين لفتاة لم تر فيهما يومًا، على الرغم من تقدّمهما في العمر والخيبات، سوى طفلين يشاكسان الحياة ولا يأخذانها على محمل الجدّ؟
هكذا كانا دائمًا:
خالي "سليم" الذي رحل منذ أسبوع، وخالي "ميلاد" الذي يصارع السرطان.
عاشقا الشعر والمطالعة...
المغرمان بالأرض وبنتاجها...
شقيقا أمّي اللذان يصغرانها ويكبّران حسرتها عليهما...
الوالدان اللذان كان كلّ منهما ولدًا آخر في عائلته، لا يعرف من الأبوّة سوى أنّها رفقة طريق على درب الأولاد، يوجّهان ولا يقودان أو يقيّدان...
الابنان اللذان يشبهان والدهما في ثورتهما بسبب أمر بسيط وتغاضيهما عمّا يراه الآخرون جوهريًّا أساسيًّا...
هكذا كانا، وهكذا بقيا حتّى رحل "سليم" إلى حيث ينتظر "ميلاد" شقيقه الصغير...
***
ماذا أكتب في هذه الليلة عن أمّي التي تكبر شقيقيها وتفقدهما واحدًا بعد الآخر، وهي تشعر بالعجز والذنب والأسى، فتغرق في جمودها وصمتها وصلاتها الصامتة؟
ماذا أكتب بعد عن الراحلين الذين يغيبون تباعًا كأنّهم على موعد؟
لم أقلْ لأمّي في عيد الميلاد: سنة بعد سنة يقلّ عدد الزائرين. "أسعد مكرزل" زوج ابنة عمّي و"جريس" ابن عمّي، و"إلهام خيرالله" صديقة العائلة، "عبدو كرم" زوج عمّتي "روزالي" الذي رحل ليلة رأس السنة، زوج خالة أمّي "فؤاد"، عمّتي "إميلي"، خالي "سليم"، وها هو خالي "ميلاد" يُحتضر، و"حبيب" ابن عمّه يسابقه، و"زبيدة" ابنة عمّه تعاني الأمرّين من أوجاعها... وجوه كثيرة تلحق بوجوه سبقتها، وأمّي وأبي يراقبان بخوف كيف يأكل الزمن ما تبقى من أعمار عمّي "بشارة"، وعمّي "سعد" وزوجته "جورجيت"، وعمّي "إميل"، وعمّتي "روزالي" وكثر غيرهم...
***
هي طفولتي التي تغيب معهم. لذلك فحين أكتب عن هؤلاء كلّهم وأبكي، فعليهم وعلى عمري المطبوعة عليه وجوههم أبكي.
هم آخر القدماء بحسب تعبير يوسف حبشي الأشقر. لكنّهم هم أوّل من كنت أراهم حول سرير مرضي.
الأطفال لا يزورون الأطفال المرضى. الكبار هم من يقومون بواجب العيادة. لذلك كان كلّ هؤلاء حولي حين كنت أخضع لعمليّات جراحيّة تبقيني أسيرة الفراش أشهرًا طويلة. كان الكبار هم الضيوف الزائرين، حاملي الهدايا والحكايات والأخبار عن عالم خارجيّ لا تصل إليّ منه سوى أصداء تثير شهيّتي على اللعب مع الأولاد في دروب البلدة. فكيف لا يعلقون بذاكرتي، يمتصّ الموتى منهم نسغ الحياة من طفولتي المرصودة على اسم الألم، أمّا الأحياء فيرون في كلماتي شدّة خوفي عليهم من رغبتهم في اللحاق بمن سبقهم.
***
للموت عندنا فصول. ونحن اليوم في فصل جديد منه.
ها هي الأبواب تُفتح مشرعة، كأنّ الأرض نقص ترابها وهي في أمس الحاجة لأجسادهم، أو كأنّ الناس تعبوا ويريدون أن يرتاحوا، أو كأنّ الموت قال كلمته وانتهى الأمر... لكنّهم في النهاية يرحلون...
خالي "سليم" قال لزوجته عمّتي "إميلي": فلنسرق المرض من ابنتينا ونتألّم عنهما.
خالي "ميلاد" لا يعرف أنّ شقيقه "سليم" سبقه، وأمّي لا تعرف أنّ ابنتها "سميرة" ساهرة الليلة إلى جانب سرير خالها "ميلاد" كي لا تبقى زوجته "ماري" وابنه "ماجد" وحيدين...

الوقت يعصر القلب، والريح تولول، والأوبئة تتكاثر، والناس يلهون أنفسهم بترشيح جعجع عون لرئاسة الجمهوريّة، الحياة تستمرّ في مكان، تنتهي في آخر، غدًا يوم عمل عادي مهما كان عدد الراحلين في عتمة هذا الليل... لا تعرف أمّي ماذا ينتظرها غدًا، لن يعرف أبي ماذا يقول لها، لن نعرف ماذا سنقول لـ"ماجد" ابن خالي... الليل طويل، الانتظار ثقيل، الطبّ عاجز، خالي "ميلاد" يكتب قصيدته الأخيرة... وأنا أبكي الليلة عنّي وعن أمّي.

الخميس، 14 يناير، 2016

دعوة إلى لقاء حول رواية الطيّب صالح: موسم الهجرة إلى الشمال


     بناء على دعوةٍ عزيزة من قسم اللغة الإنكليزيّة في مدرسة الحكمة هاي سكول، أتبادل الأفكار مع تلامذة الصفوف الثانويّة في المنهج الأميركيّ، حول رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيّب صالح.

     يدور الحوار حول مسائل الاستعمار والاستشراق والمرأة والجنس والطبيعة والـاثّر بالراوية والمسرح الإنكليزيّين، وسواها من الموضوعات التي تطرحها هذه الرواية المميّزة.

    وسبق أن كانت لي مداخلة خلال نشاط سابق لقسم اللغة الإنكليزيّة حول رواية زقاق المدقّ لنجيب محفوظ، تجدونها في هذا التسجيل.



الأحد، 3 يناير، 2016

صار اسمها "الجثّة"



اتّخذ الحديث فجأة طابعًا آخر، وامتلأت عباراته بمفردات جديدة، لم يكن متوقّعًا أن يتضمّنها هكذا، بلا مقدّمات أو تحضير.
فجأة، صار اسمها "الجثّة". فجأة تخلّى الناس عن اسمها وصاروا يتساءلون: متى تصل الجثّة؟ أين سنضع الجثّة؟ من سيحمل الجثّة؟ متى يصل الكاهن ليصلّي على الجثّة؟
فجأة، اختفى اسمها خلف كلمة واحدة وضعت النهاية لحياة تبدو دائمًا قصيرة مهما طالت.
كانت ابنة فلان، ثمّ اصبحت زوجة فلان، ُثمّ أضحت أمّ فلان، فنسي الناس اسمها الأوّل. وعندما ماتت وقفت إحدى المعزيّات لتندبها، لكنّها لاحظت أنّها لا تتذكّر اسم المرأة الراحلة مع أنّها تعرفها منذ زمن، فانحنت نحو إحدى القريبات وسألتها، ثمّ انطلقت في رثاء طويل يشيد بصفات لا يمكن إلّا أن تكون حميدة.
يوم الدفن، بدت واضحة قدرة الموت على تغيير الأمكنة والوجوه والأسماء. فغرفة الاستقبال تحوّلت مكانًا فارغًا، مشرّع الأبواب، ذا رائحة غريبة لأنّها مزيج من برودة منبعثة من الجسد الجامد، وعرق الأجساد الدبقة حوله، وماء الزهر لمن أغمي عليهنّ، والقهوة المنبعث أريجها من الغرفة المجاورة، والسكائر المتعدّدة المصدر، وعطور النساء المتفاوتة النوعيّة.
حتّى المقاعد لم تبق في أماكنها، بل أضيفت الكراسي، ووضعت سلال النفايات للمحارم الورقيّة المستعملة و"تخربط" الديكور. نظرت النساء إلى وجه "الجثّة"، وتبادلن الملاحظات حول التغيير الطارئ على الملامح، وتشاورن إن كان الموت زادها قسوة وتشنّجًا أو أراح الوجه المتعب وأرخى تشنّجه.
في يوم واحد، تغيّرت الأمور: المرأة التي كانت ابنة وشقيقة وزوجة وأمًّا وجدّة وجارة صارت جثّة ينظر الناس إلى عقارب ساعاتهم في انتظار موعد دفنها، إذ مهما كانت الحاجة ماسّة إليها في حياتها، فالحاجة الآن إلى مواراتها في الثرى باتت أكثر إلحاحًا.
(2003)

الجمعة، 1 يناير، 2016

صبّحك بالخير يا عين



تصوير يارا الهبر

تصوير يارا الهبر

تصوير يارا الهبر




     في أوّل يوم من السنة كانت "بربارة" جدّة أمّي تنطلق مع الفجر إلى عين المياه المتفجّرة بسخاء في وسط الضيعة. تحمل المرأة المنتصبة القامة كالألف في يدها اليسرى الجرّة الفارغة وفي اليمنى صحنًا من الفخّار فيه كمشة من أصناف الحبوب التي أنتجتها الأرض كالعدس والحمّص والفاصولياء والقمح، وحين تصل إلى العين تبادرها قائلة: "صبّحك بالخير يا عين، ينعاد عليك وتضلّك تعطينا مي". تتابع العجوز الحكيمة تحيّاتها وتمنيّاتها وشكرها وهي ترمي الحبوب من الصحن الفخّار في حضن العين هديّة لها في مناسبة السنة الجديدة.
     النساء اللواتي يحاولن كلّ سنة أن يسبقن "بربارة" يصلن متأخّرات دائمًا ويردّدن اللازمة نفسها: إم يوسف سبقتنا وعيّدت العين قبلنا.
     وكانت العين تخجل من المرأة العجوز التي تقدّر معنى العطاء، فتتدفّق مياهها طيلة السنة إكرامًا لأمّ يوسف المعترفة بجميل الأرض وخير السماء وكرم الطبيعة. ومن أجل عين "بربارة" تسقي عين المياه المقيمين وعابري السبيل، الناس والحيوانات والزرع، فتكتمل حلقة الأخذ والردّ وتتناغم الكائنات وتنسجم، ولم يكن أحد يفكّر في أنّ أمّ يوسف مجنونة أو خرفة تتكلّم مع العين وتقدّم لها التهنئة بالعيد ولو كان الطقس عاصفًا مثلجًا لا حرارة تذيب الصقيع فيه لولا تلك التي في قلوب الناس.
     في ليلة العيد، تجتمع العائلة في بيت المرأة. خلال النهار أخرجت ابنتها "هنديّة" الحصر ونفضت عنها الغبار وما تساقط من رماد الموقد، و"مرحت" أرض الدار الترابية بالتراب الممزوج بالماء (دلغان). تعرف خالة أمّي كيف تداوي التراب بالتراب، مع أنّها لم تسمع بأبي نوّاس. ابنة أمّ يوسف الثانية "حنينة" نتفت ريش الدجاجة وحضّرتها للعشاء، جدّتي "هند" والدة أمّي ترتّب المكان، فالليلة سيأتي أفراد العائلة في الحيّ الفوقاني ليسهروا في بيت عميدتهم أمّ يوسف، أمّا عائلة الحيّ التحتاني فتجتمع في بيت آخر، الطريق الوحيدة التي تشقّ القرية هي الحدود بين الحيّين. في تلك الليلة يتوقّف القتال على جميع الجبهات، ويحمل جميع أهل الحيّ أطباق القشّ وعليها ما حضّروه ويجتمعون في بيت واحد، ليسلّموا على السنة الجديدة ويسلّموها أمنياتهم وأحلامهم.
     تتابع أمّي وصف مجريات السهرة وهي تعلن شوقها إلى تلك الأيّام، فأفكّر في أنّ المياه شحّت في لبنان لأنّ النساء نسين كيف يشكرن الطبيعة ويستدررن عطاءها. جفّت الصدور والغيوم والينابيع. فصار الحليب مجفّفًا والمطر كبريتيًّا والمياه ملوّثة. وحين تمتلئ الصدور بالسيليكون لا بدّ أن تكون الأجيال الجديدة من النايلون.

الخميس، 31 ديسمبر، 2015

... ثمّ قلْ ما تريد



قبل أن تضاف إلى سنوات عمري سنة جديدة
قل لي إنّي ما زلت شابّة جميلة.
قبل أن تعلن ساعة منتصف الليل انتهاء عام وبدء عام
قل لي إنّي أصلح لكي أكون امرأة أحلامك.
قبل أن يطلق الناس الأسهم الناريّة في ليلة العيد احتفالاً بالعيد
قل لي إنّي المرأة المناسبة في المكان والزمان المناسبين.
قبل أن تكسر النسوة الصحون والأقداح الزجاجيّة ليتخلّصوا من شرّ السنة الراحلة
قل لي إنّي أيقونتك المرفوعة فوق مذبح أحلامك.
قبل أن يتعتع الفرح العقول ويطلق الألسنة بكلام لا تعرف صدقه من كذبه
قل لي إنّي ابتسامتك الدائمة وفرحك النابع من عمق أعماقك.
قبل أن أعتاد الضجر والوحدة واليأس والحزن قل لي
إنّ السنة القادمة ستكون أجمل من السنة الراحلة.
قبل أن يطلّ صباح اليوم الأوّل من السنة الجديدة
قل لي إنّ كلّ يوم من حياتنا سيكون يومًا أوّل من سنة جديدة، قبلها سهرة عيد وبعدها أمل أكيد.
قبل أن تبحث لي عن هديّة ثمينة
قل لي إنّي هديّة السماء إليك.
قبل أن تقرأ كلماتي
قل لي الكلمات التي أنتظرها لكي لا أقول أنّني أنعشت ذاكرتك وما كلماتك سوى صدى كلماتي.
قبل أن تنتهي السنة
قل لي كوني بخير لأكون بخير.
قبل أن يلتقي عقربا الساعة عند منتصف الليل ويتعانقا في حنان
دعنا نلتقي أوّلاً ثم قل لي ما تريد.