من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - رئيسة قسم اللغة العربيّة في مدرسة الحكمة هاي سكول

الأحد، 24 مايو، 2015

الأستاذ جورج القصّيفي يحمل قلبه التعب ويرحل



يراقص ابنته ميريام 

مع زوجته جاندارك وابنته سارة

مع ابنته ريبيكّا 

مات كثيرًا قبل موته الأخير اليوم.
مات على دفعات، حين ماتت طفلته الأولى، ثمّ حين ماتت الثانية، وحين مات والده، وحين ماتت جدّتاه وأمّه، وحين مات يوسف ابن عمه، ومارون ابن خالته، والياس ابن حميه، وأسعد زوج ابنة عمّه، وحين مات كثر من أبناء الريحانيّة وسكّانها الذين صاروا أهلها وأهله: الستّ شفيقة، والستّ ليلى، والست نيني، والعمّان اسكندر وكميل، والجارة سيدة، وميشال وأنطوان وبو يوسف، وآخرون كثر رحلوا تاركين شمس الريحانيّة تنطفئ خلف أبنية حديثة لا علاقة لنا بها ولا بالمقيمين فيها.
    مات كثيرًا، وقام من موته كثيرًا: حين ولدت بناته، حين نجحن في الدراسة والعمل، حين انطلقن في الحياة، حين بتن يحقّقن أحلامهنّ، حين اطمأنّ إلى أنّه قام بواجبه على أكمل وجه.
    قلت له مرة: انتبه ع صحتك كرمال الصبايا. أجابني بفخر ممزوج بالتعب: بالي مرتاح علين، شاطرين. 


    أيّة صدفة تلك التي جعلتني اليوم أنشر على صفحة الفيسبوك الفيديو الذي صوّرته صباحًا عن ساحة الريحانيّة؟ هل كنت أعلم أنّ المياه التي أغرقت شارعنا الوحيد تنبئ بالفراق، كما يقولون؟ هل كان ابن عمّي جريس يغرق في حزنه وهو يرى بلدته تتغيّر إلى ما لا يشبهها؟ هل يتماهى بعض الناس ببلداتهم، فيولدون معها ويموتون معها؟
جريس، الأستاذ جورج، زوج جاندارك التي لم يجفّ دمعها بعد على الياس شقيقها الوحيد، والد مريام وسارة وريبيكا، شقيق جوزفين وناديه وعبده وأولغا والياس وجان وليلي وبيار وسيمون... جريس، ابن عمّي عزيز وزوجته سعاد، شرب قهوته بعد الغداء ورحل إلى حيث صار لنا هناك أهل وجيران يبنون الريحانيّة الجديدة، ويجلسون على مقاعدهم المفضّلة في كنيسة السماء، ويصلّون لنا.
***
    قبل غياب ابن عمّي كانت عبارة "متمّمًا واجباته الدينيّة" التي نكتبها على أوراق النعي، ترسم على وجهي ابتسامة سخرية، فكيف يُعقل أنّ يتمّم كلّ الناس واجباتهم الدينيّة؟ هل يعرفون كلّهم متى يأتي السارق، ومتى تكون النهاية؟ 
    لكنّ "جريس" مات متمّمًا واجباته الدينيّة بلا أدنى شكّ. اليوم بالذات نسّق الأزهار استعدادًا لقدّاس الأحد، انفعل لأنّ آلات التبريد في الكنيسة معطلة، هيّأ صوته كالمعتاد لخدمة الذبيحة المقدّسة، طلب من قلبه أن يسعفه أيضًا وأيضًا، وانتظر على أحرّ من الجمر أن يأتي الأحد، أحد العنصرة، ليخدم القدّاس كما اعتاد أن يفعل منذ ستّين عامًا، أي مذ كان طفلًا، لم يغب خلالها إلّا حين كان طبيب القلب يجبره على ذلك، فارضًا عليه راحة لم يعرف ابن عمّي مرّة كيف يتصالح معها. فبين التعليم وخدمة الكنيسة، كان هناك دائمًا ما يُعمل.
    الرجل المسكون بهاجس الأناقة، الرجل الذي يغنّي في كلّ مناسبة أغنية كارم محمود "سمرا يا سمرا"، الرجل الذي يحبّه تلامذته، الرجل الذي يرنّم ولا يثرثر، يرتّل ولا يتكلّم، ينتبه لأدقّ التفاصيل ويقوم بالواجب، الرجل الذي خرج، مرّة بعد مرّة، من سرير المرض رافضًا الموت... تعب! تعب واشتاقت روحه إلى الذين صاروا هناك وكانوا يدلّلونه ويفتخرون به.. تعب من الموت الكثير، تعب من توديع الراحلين، تعب من المسؤوليات، تعب من الأدوية لقلبِه المثقل بالهموم، قلبِه الذي لولا خدمة الكنيسة كان انفجر من زمان... تعب وراح يبحث عن الراحة...
     والريحانيّة، التي تودّع وجهًا بعد آخر، وصوتًا بعد آخر، وقلبًا بعد آخر، لن يعرف مذبح كنيستها التزامًا كالتزامه، ولن تعرف السهرات والرحلات والأعراس فيها صوتًا كصوته، ولن يعرف الجيل الجديد من الأبناء والأحفاد، بغيابه، ما معنى أن يرتبط إنسان ببلدته حدّ الانصهار، فيرحل قبل أن يشهد تغيّرات لا تطيقها روحه ولا يرضاها قلبه.  

الاثنين، 11 مايو، 2015

وداعًا أيّها الكتاب! (3)

Zhang Da Zhong


السير لا الوصول

    الكتاب رحلة فيها محطّات استراحة ولكنّ الوصول غير متاح. فما من كتاب أخير.
    وهذا السير المتواصل المثير الممتع ليس آمنًا أو مطمئنًا، هو السير في الهواء أو على صفحة المياه، وأسهل ما فيه أن يكون كالسير على حبل لا شبكة حماية تحته. إذ كيف يمكن أن نقرأ كتابًا ولا نضع احتمالاً ولو ضئيلاً أنّنا لن نكون بعده كما كنّا قبله. وهذه مغامرة بل مخاطرة لا يقدم عليها أيٌّ كان.
    لذلك أنظر بدهشة لا تفارقني إلى الذين يفتخرون بأنّهم مدمنو مطالعة ومع ذلك لا أجد ولو تغيّرًا بسيطًا يطرأ على شخصيّاتهم لا سلبًا ولا إيجابًا. أيُعقل ألّا يثير كتاب ما مللهم، أو إعجابهم، أو اشمئزازهم، أو رغبتهم، أو يحثّهم آخر على التفكير والتأمل وربّما يدفعهم إلى اليأس أو الرجاء؟
    كثير من الذين يفتخرون بمئات القصائد التي يحفظونها عن ظهر قلب، ويتباهون بمكتباتهم التي تضمّ آلاف الكتب يشبهون هذا اللابتوب الذي أكتب عليه، خزّان معلومات لا ينضب، لكنّه آلة لن تتحوّل إنسانًا ينفعل ويتفاعل ويفعل، أو يعلّق ويعقل ويتعقّل.
فكيف يمكن أن يبقى جبانًا أو حاقدًا أو محايدًا أو سطحيًّا أو باهتًا أو فاترًا أو مغرورًا أو نمّامًا أو أنانيًّا من يدّعي أنّه قرأ مئات الكتب القيّمة؟
    وكيف يستطيع ألّا يهتمّ بالموسيقى والرسم والنحت والهندسة والفلك والسينما والمسرح والطبّ والطبخ من يذكّرك في كلّ مناسبة بأنّه زبون دائم في مكتبة معروفة؟
    وكيف نصدّق أن هذا الذي يهوى المطالعة عديم الذوق، قذر الهيئة، غير أنيق، محاط بالبشاعة ويرتاح إلى الفوضى ولا يحسن ترتيب حياته أو تنظيم شؤونه؟
    وهل من المنطقيّ أن تجتمع في شخص واحد هواية المطالعة مع "هوايات" صارت سائدة كتشويه الطبيعة وتلويث الهواء وهدر المياه وإزعاج الجيران وتدخين الأركيلة؟
      فخلال رحلة السير الطويلة مع الكتاب، وهي لا هدف لها إلّا السير والاستكشاف، وإن لم يتغيّر شيء فيك صفحة بعد صفحة، وإن لم تكن اليوم إنسانًا أفضل من الذي كنته يوم أمس، فهذا يعني أنّك لست مؤهّلاً للمشاركة في مسيرة الحجّ المقدّسة للتبرّك بتجارب الآخرين. فلا تتعب نفسك بل لا تعتدِ على الكتاب وتدنّس حرمته واتركه للغبار كفنًا يحفظه في انتظار قيامة العقل.


الجمعة، 8 مايو، 2015

وداعًا أيّها الكتاب! (2)


لماذا لا نقدّم الكتاب هديّة؟

    الخطوة الأولى هي الصعبة، لكن من دونها لن تسهل الخطوات التالية. فأن نعوّد الناس على أن نهديهم كتبًا أمرٌ قد لا ينال رضاهم، غير أنّنا إن أحسنّا اختيار الكتاب المناسب للشخص المناسب وتبعًا للحدث الذي استدعى التفكير في هديّة ما، فسوف يلاقي الكتاب/ الهديّة استقبالًا لائقًا. ومرّة بعد مرّة يتحوّل الأمر تقليدًا يصلح إرثًا قيّمًا للأجيال الجديدة.
    والكتبُ أجناسٌ وألوان ولغات واتّجاهات، تصلح لكلّ مناسبة وتلائم كلّ ظرف:
   فللعروسين كتب في خفايا العلاقات الزوجيّة وأسرار الحياة المشتركة، أو كتبٌ في ترتيب المنزل وتنظيم الحياة العائليّة.
   وللمرأة التي وضعت طفلًا كتبٌ في العناية بالأطفال وفي الاهتمام بجسمها بعد الوضْع وكتبٌ لتحضير المأكولات.
   وللمريض طريح الفراش كتبٌ للترفيه والتسلية تخفّف عنه وطأة الألم ورتابة الوقت.
   وللحزين المفجوع كتبٌ في الفلسفة والتأمّل والدين.... والترفيه!
  هذا طبعًا عدا كتب الشعر والرواية والتاريخ والطرائف والعلوم والمعلومات العامّة والفنون وسائر الأنواع التي تحفل بها المكتبات وتنوء تحت ثقلها الرفوف. فالمعرفة لا تنحصر في عمر أو مرحلة، ومن المنطقيّ أن تغيب عنّا أشياء كثيرة مهما ظننا أنّنا نعرف الكثير، بحسب أبي نوّاس. وإذا كان نابوليون قد أكّد بأن لا جديد تحت الشمس فقد فاته أن يوضح بأنّ الأمر نسبيّ وأنّ ما هو جديد بالنسبة إليّ قديم يعرفه سواي، وما هو سخيف وعاديّ في عينيّ مدهش وغريب في عينيّ الآخر الذي لا يرى العالم من حيث أنا.

    هناك دائمًا جديدٌ ينتظر أن نسعى لكي نكتشفه ونستمتع باكتشافنا له بقدر استمتاعه بـ"الانكشاف" لنا. وعبر الكتب، أكانت ورقيّة أم إلكترونيّة، يمكننا أن نستكشف أنفسنا وما يحيط بنا، وسنكون أنانيّين إن لم ندعُ الآخرين للانضمام إلينا في هذه الرحلة المثيرة والممتعة.

الأربعاء، 6 مايو، 2015

وداعًا أيّها الكتاب! (1)

David Stoupakis

أزمة المطالعة في لبنان:

أعذار واهية تفضح الخلل في تكوين شخصيّة الإنسان وبنية المجتمع

     ثمّة مقولة سائدة في لبنان تستعاد مع بداية الصيف: "نحن مقبلون على موسم ميْت للكتاب، ففي هذا الفصل لا أحد يقرأ". وتحليل هذه الظاهرة الغريبة والتي على الأرجح لا يحدث ما يشبهها عند سائر الشعوب يضعنا أمام جملة معطيات تصبّ كلّها في نتيجة واحدة هي الكسل الفكريّ المنعكس في مختلف مظاهر حياتنا، ففي الشتاء عمل ودراسة وفي الصيف استراحة. فالناس المقبلون على العطلة يتزوّدون عادة كتبًا تبعدهم عن أجواء العمل وتمدّهم بنسغ جديد يساعدهم على تجديد أنفسهم، أمّا اللبنانيّون فيرون في الكتاب عقابًا أو قصاصًا يهربون منه كما يتهرّبون من الواجبات الاجتماعيّة المرهقة. 

     وحصر الكلام باللبنانيّين لا يعني في طبيعة الحال إعفاء العرب عمومًا من هذه الآفة التي غرّبتهم عن أزمنة حضاريّة صالوا فيها وجالوا في عالم الكتاب، ثمّ انكفأوا يجترّون أمجاد الماضي، من دون أن يبدو في الأفق أمل ولو ضئيلاً في أنّ الوضع مقبل على "ثورة" فكريّة ثقافيّة تعيد الكتاب إلى سابق مجده. وما مقاربة الحال اللبنانيّة تحديدًا إلّا محاولة لرصد الأسباب التي أبعدت وطن الأبجديّة عن القراءة، وأقصته عن مركزه الرياديّ كسوق نشطة للكتب، وجعلت أبناءه يجيدون عددًا كبيرًا من اللغات من دون أن يكون لديهم مادة دسمة للحديث أو الكتابة.

      اعتاد اللبنانيّون التذرّع بالحرب كلّما أرادوا التهرّب من مواجهة مشاكلهم. وإذا كانت الحرب حجّة مقنعة في بلد لا ينجو من أزمة إلاّ ليقع في سواها، فكيف نفهم إحجام الناس عن الكتاب الذي يستطيعون بواسطته الهرب من أجواء الحرب والويلات التي ترافقها وتنتج عنها، في وقت تكون وسائل الاتّصالات والمواصلات شبه مقطوعة؟ ليس سهلاً أن نجيب على هذا السؤال، لأنّ تعامل الناس مع الحرب يختلف بين إنسان وآخر، وأولئك الذين قبعوا في الملاجئ أيامًا وليالي يتذكّرون كيف انهارت أعصاب كثيرين كما تنهار الأبنية جرّاء القصف، وكيف أشرقت إنسانيّةُ من كان لا يعترف بأنّه متعاطف مع الآخرين، وكيف سقطت في المقابل أقنعة الجيرة والأخوّة عن وجوه الذين أعطتهم الحرب سلطة الخطف والقتل. ومع ذلك، فثمّة من استغلّ الحرب ليقرأ ما تطاله يده من كتب وصحف ومجلاّت. هؤلاء "الجبناء" الذين "هربوا" من واقع لا قدرة لهم على تغييره أو التأقلم معه أو الابتعاد عنه، وجدوا أنّ التقوقع في زاوية آمنة برفقة كتاب هو خلاصهم العقليّ قبل أن يكون طوق نجاتهم الجسديّ. ولكنّهم قلّة. الآخرون، كلّ الآخرين، اختاروا وسائل ترفيهيّة أكثر "متعة" ولا تتطلّب تفكيرًا وتحليلاً.

     ولكنّ اختيار الهواية التي يلجأ إليها الإنسان في الأزمات ليس وليد ساعته، واللبنانيّون، قبل الحرب، لم يعتادوا حمل كتاب للمطالعة في الأماكن العامّة، وكانت حياتهم الاجتماعيّة صاخبة ومليئة بالمناسبات العائليّة لدرجة أنّ من يرغب في صحبة الكتاب كان يعجز عن إيجاد المكان والزمان المناسبين لممارسة هوايته. فضلاً عن أنّ الناس كانوا ينظرون بريبة إلى من ينعزل ليقرأ ويعتبرونه واحدًا من ثلاثة: قليل التهذيب لا يحترم الناس أو مجنونًا لا يحبّ صحبتهم أو متعاليًا عنهم. وفي الحالات كلّها هو منبوذ مضطهد. ولم يساهم النظام التربويّ في جعل المطالعة "عادة" طبيعيّة فتصرّفت المؤسّسات التربويّة مع الكتاب على أنّه كتاب مدرسيّ حتّى ولو لم يكن كذلك. فكلّ كتاب يحمله التلميذ هو إمّا مادة للاستظهار غيبًا أو للفروض المنزليّة والامتحان أو للقصاص. فما من قراءة للقراءة، وممنوع أيّ كتاب لا يهدف إلى "تعليم" شيء ما بدءًا من قواعد اللغة والبلاغة وصولاً إلى قواعد السلوك والأخلاق.

     هذه الرقابة المفروضة على اختيار كتاب المطالعة، وتحويل مكتبة المدرسة منفى يُبعد إليه المشاغبون المطرودون من الصفوف كانا كافيين لإبعاد التلامذة عن القراءة، فكيف إذا أضيف إليهما امتحان التلميذ في الكتاب الذي فُرض عليه أن يقرأه في وقت قصير، ومن ثمّ تحميله مجموعة من الكتب ليقرأها رغمًا عنه خلال عطلة الصيف ليعود ويُمتحن فيها مع مطلع العام الجديد؟ ويشكو المعلّمون في المدارس بعد ذلك كلّه من أنّ التلاميذ يكرهون المطالعة.

     وبما أنّ المطالعة لم تتحوّل عادة حميدة عند تلامذة المدارس كان من المتوّقع منهم أن يتذرّعوا متى صاروا طلاّبًا في الجامعات بأنّهم غير قادرين على دفع ثمن الكتب وذلك ليخفوا عجزهم عن تحمّل "وطأة" المطالعة. ومعروف أنّ سعر "نَفَس أركيلة" في أيّ مقهى أغلى من ثمن كتاب قيّم، مع التذكير بأنّ طلّاب الجامعات زبائن دائمون في مقاهي الوطن. والمفارقة الكبرى أنّ المعلّمين والمعلّمات هم أسوأ مثال، فعلى عكس ما قد يظنّ كثيرون لا يصدّق أفرادُ هذا القطاع أنّ الكتاب خير جليس وإن نادوا بذلك أمام تلاميذهم. وحجّة المعلّمين أن لا وقت لديهم بسبب تصحيح الفروض وتحضير الدروس، بالإضافة طبعًا إلى غلاء الكتب.

     إن كان المعلّمون والتلامذة لا يقرأون، فهل نعتب على سواهم؟

الاثنين، 4 مايو، 2015

بيوتنا الفنادق ومحطّات الانتظار



     صارت البيوت أماكن للنوم القليل، القلِق، ولو لم يكن النوم فيها قليلاً وقلقًا لكانت البيوت أشبه بالقبور حيث النوم الطويل والهادئ.

     بيوتنا اليوم محطّات يلتقي فيها أفراد يحاولون أن يؤسّسوا لجماعة تتقاطع مواعيدها على عجل: العائد من المدرسة والعائد من الجامعة والعائد من العمل والعائد من السهرة والعائد من السفر. يصل كلّ منهم، فيأكل، ويستحمّ، ثمّ يغيّر ملابسه قبل أن يغادروا جميعًا إلى حيث يتابع الواحد منهم حياته كفرد منفصل عن الجماعة.


      كانت البيوت مأوانا، ثمّ صار العيش في المأوى أكثر حياة وحيويّة.


     وكانت البيوت قليلة الأثاث والآلات، يملأ فراغَها ضجيجُ الأولاد وثرثرة النساء ومشاريع الرجال، ومع الوقت أضحت شبيهة بالمحال التجاريّة أو معارض المفروشات أو المتاحف حيث الكلام قليل أو ممنوع أو يسيء إلى حرمة المكان.


     في تلك البيوت، تسابقت ربّات الحياة إلى شراء أكبر عدد من الأواني المنزليّة، وكن يفتخرن بامتلاك دزينات من الصحون والطناجر والأكواب، وينتظرن مناسبات الأفراح والأحزان ليخرجنها من الخزائن ويعرضنها أمام الضيوف. أمّا اليوم فالمطاعم هي الحلّ العمليّ والأنيق والسريع لمختلف المناسبات، ما أدّى إلى تحويل الأواني أدوات زينة تعرض ولا تستعمل. وبعدما كان الإنسان لا يرضى باستقبال الضيوف إلاّ في بيته، وكلّ ما سوى ذلك إهانة للمضيف والضيف، بدأ يتباهى بأنّه دعاهم إلى أفخم مطاعم البلد، وهو يعرف أن لا أحد سيعتب عليه.


     طربت بيوتنا لزغردات الفرح، ورقصت على أنغامها، وامتلأت زواياها سعادة عربشت على الجدران والسقف وأزهرت في أصص الورد وإلى جانب الفلّ والزنبق والمنتور. لكنّ صالات الأفراح في الفنادق والمطاعم أو تلك المقامة حديثًا إلى جانب دور العبادة أضحت البديلة الفاقدة خصوصيّتها وهويّتها. فالمكان العام ملك الجميع، ولن يحفظ صورهم أو دموعهم أو ضحكاتهم، وحين شُرّدت ذكريات الفرح والشوق من البيوت أمسى من السهل أن تخرب البيوت وتغلق أبوابها. ولذلك عجزت إحدى الأمّهات عن تذكّر الصالات التي شهدت حفلات زفاف أولادها إذ تمّت كلّ واحدة في مكان مختلف. أمّا البيت فلم يكن له إلاّ دموعها عندما كانت تذرفها في كلّ مرّة تعود إليه من عرس فتجده حزينًا ومتروكًا ومطعونًا.


     كانت بيوتنا تبكي على موتانا، وتتمسّك بهم تحت جوانحها حتّى اللحظات الأخيرة، وتبقي في حناياها وجوه المعزّين الصادقين. أمّا اليوم فيذهب الجميع إلى الصالة المبرّدة والباردة والواسعة والفارغة إلاّ من مجموعات المقاعد المتشابهة، المملّة، الباهتة، الممتصّة انفعالات آلاف الرجال وآلاف النساء. وهناك في الصالة المحايدة المتفرّجة سيمرّ الراحلون مرور العابرين في المطارات الغريبة، ثمّ يمضي كلّ إلى وجهته الأخيرة. فالناس يولدون في المستشفيات ويموتون في المستشفيات، أمّا البيوت فلصورهم المحكومة بالابتسامة والصمت.


     بيوتنا اليوم أماكن لبكاء اليأس وغضب الإحباط وتفريغ التعب. غرفها تشتاق إلى أحاديث تزعج الجيران وتثير غيرتهم وفضولهم، شرفاتها تحلم بسهرات لا تحمل ساعة يد، وأبوابها تنتظر من يقرعها وينتظر متلهّفًا كي يُفتح له، ومن الواضح أنّ اشتياقها لن ينطفئ، وحلمها لن يتحقّق، وانتظارها لن يثمر.


     لم تبق للبيوت ذاكرة. فلا أحد يقول اليوم: هذا كرسيّ جدّي المفضّل، وهناك كانت تغفو جدّتي، وعلى تلك الكنبة جلس زائر عزيز، وإلى تلك النافذة اتكأت أمّي يوم انتظرت عودة أخي من السفر، وتلك الخزانة إرث من عمّتي، وغطاء المائدة الملوّن يعيد إلى المخيّلة ولائم واحتفالات. فتغيير الديكور أمر يوميّ وعادي، والتخلّي عن الأغراض العتيقة بحجّة التخلّص من "الكراكيب" حاجة مفهومة وضروريّة. والطريف أنّ المقعد العتيق الذي كان يحبّه الجدّ العجوز رمي مرذولاً، وعندما اقتضت الموضة أن يشتري الناس أثاثًا عتيقًا من أسواق "البرغوت" التي تشتريه من الفقراء وتبيعه من الأغنياء، عاد المقعد إلى صدر المنزل في فخر وإباء. وغطاء السرير الأبيض المطرّز الذي جعل الشابات اليافعات يسخرن من جدّتهنّ المتمسّكة به وألححن على أمهنّ كي تتخلّص منه، عاد من "الأرتيزانا" معزّزًا مكرّمًا ذا قيمة ونسب.


     ذاكرة البيوت موزّعة اليوم سلعًا في الأسواق: صور للبيع، حقائب للبيع، مقاعد للبيع، أكواب شاي وفناجين قهوة وكؤوس عرق للبيع، حكايات للبيع، تاريخ للبيع. ولعلّ الحرب التي شرّدت الناس من بيوتهم ساهمت إلى حدّ بعيد في التخلّي الطوعيّ عن كلّ شيء بدلاً من أن يُنهب كلّ شيء ويُحرق كلّ شيء. هذا فضلاً عن أنّنا أحفاد تجّار لم نرث منهم إلاّ حبّ البيع والشراء مع أنّهم كانوا يملكون أمورًا أخرى مهمّة أيضًا. فالحرب التي أحرقت الصور والأثاث علّمتنا أن ننسى كي نستطيع أن نعيش، والتخلّص من الذكريات بداية النسيان. لكنّ عمليّة التنظيف هذه، تنظيف الذاكرة من الألم والحزن، أسكنتنا القلق والخوف. فلا ثوابت نتمسّك بها، ولا شيء أكيدًا ونهائيًّا، ولا سلام شاملاً وعادلاً، ولا مستقبل واضحًا، ولا حياة أكيدة، ولا منزل ذا هويّة، فلمَ إذًا لا نرمي القديم، ولمَ لا نتخلّص من التاريخ، الخاصّ منه والعامّ، ما دام التغنّي به لم يورثنا إلاّ الخسارة والحسرة؟


     كانت البيوت أرحامًا نتكوّن فيها ونولد أبناء حياة، وأعشاشًا نغرق في دفء الرعاية فيها ثمّ نخرج منها لنحلّق في سماوات الوجود، ومعابد نقيم فيها مع الله تحت سقف واحد، وحين أردنا سلخ جلودنا، تحوّلت البيوت فنادق للهاربين من أنفسهم والناس، ومطاعم للوجبات السريعة، وبيوت خلاء نقضي فيها حاجتنا ثمّ نمضي.

الخميس، 23 أبريل، 2015

وزارة التهذيب والتعليم... لا التربية والتعليب



التربية في اللغة تعني التهذيب... فالمربّي هو المهذِّب!
والتثقيف في اللغة هو تقويم الرمح، واستعير المعنى لتهذيب النفس، أي تقويم اعوجاجها. 
لن ندخل أكثر من ذلك في معاني الكلمات المتعلّقة في مجال التربية والتعليم والتثقيف، كي لا نحيد عن جوهر الموضوع، وهي التمييز والربط (في وقت واحد) بين التعليم والتربية والثقافة.

1- لا يعرف أكثر القيّمين على شؤون التلامذة كيف يفصلون في المعنى والتطبيق بين التعليم والتربية. أو على الأقلّ لا يعرفون كيف يحوّلون النظريّات التي تعلّموها واقعًا معيوشًا، لا صراع فيه على صلاحيّات، يذهب المتعلّم ضحيّتها كيفما انتهت الأمور.
ومن نافل القول التأكيد على تداخل المفهومين، فالمعلّم مربٍّ والمربّي معلّم. ولكن عند التطبيق نجد من الضروريّ فصل المسارين لإعطاء كلّ ذي وظيفة حقّه. فالتربية تساهم في تحضير التربة حول المتعلّم الذي يمكن تشبيهه بشجرة يانعة. أي إنّ مدير المدرسة يهيّئ الفريق التربويّ في مدرسة ما كمزارع يختار التربة الصالحة لاحتضان هذه النبتة أو تلك، أي إعداد كلّ ما يسمح للمتعلّم بتلقّي العلم: نظام، نظافة، هدوء، إضاءة، مراقبة الشأن الصحّي، حسن سير المنهج، توزيع برنامج الامتحانات، تنسيق الأنشطة، مراقبة الملعب، العلاقة مع الأهل... فيأتي الفريق التعليميّ (منسّقون ومعلّمون) ويضع في هذه التربة، عند جذع النبتة وجذورها الغذاء الضروريّ والمناسب، ويعالج أمراض ضعفها، كي تستقيم حياتها، فيمدّها بالغذاء والمياه، لتنمو النبتة  بثبات وعافية، وتصير شجرة يجري نسغ الثقافة في جذعها وأغصانها وأوراقها وثمارها... بعدما حوّلت ما في التربة وما أعطيت من عناية إلى عصارة حياة.
فلا تضارب مصالح ولا نزاع على السلطة، ولا تدخّل أحد في شؤون أحد، بل تعاون وتكامل من أجل تأمين بيئة سليمة ينمو فيها المتعلّم/ الشجرة.
فإن كان المدير التربويّ/ الإداريّ يعمل بشكل أفقيّ على مستوى القسم الذي يدير شؤونه، ومنسّق المادّة يعمل بشكل عاموديّ من أصغر الصفوف إلى أعلاها... فليس كي تُصلبَ المدرسة على تقاطعهما...  

2- التربية تسبق التعليم. لذلك فاسم الوزارة المعنيّة عندنا مثلًا هو وزارة التربية والتعليم العالي. كأنّ المقصود القول أنّ ثمّة ما قبل التعليم الجامعيّ "العالي" مرحلة طويلة من الإعداد النفسيّ والجسديّ والعقليّ والروحيّ والاجتماعيّ... لجعل التلميذ حاضرًا للانتقال إلى مرحلة طلب العلم، فيصير طالبًا جامعيًّا. لذلك فإعداد شخصيّة التلميذ في مرحلة الدراسة ما قبل الجامعيّة أهمّ من كمّية المعلومات التي يملأ بها رأسه. وفي هذا العصر تحديدًا صارت التربية أكثر أهميّة مع انتشار المعلومات عبر الإنترنت ووسائل التواصل والإعلام والإعلان... فمن السهل أن يجد التلميذ معلومة لكن من يعلّمه أو يربّيه على استخدامها في سبيل خيره وخير البشريّة جمعاء.

3- ليت في الإمكان التخلّي عن مصطلح التربية لصالح مصطلح التهذيب... تهذيب النفس والعقل وتعويدهما على الجمال والحقّ والخير والمحبّة وطلب المعرفة. أو ليت في الإمكان إلغاء تعبير "تربية الحيوانات"... لنفصل في اللغة العربيّة أوّلًا وتحديدًا بين تهذيب الإنسان والاهتمام بالحيوانات... وإلّا اختلطت الأمور وكُرِّم الحيوان وأهين الإنسان...

4- التهذيب يعني في ما يعنيه الاحتفاظ بالشخصيّة الأساس (للمتعلّم)، ثمّ العمل على تشذيب (كما نفعل مع الأشجار) الزوائد والشوائب التي تعيق النمو... فما من مزارع يشذّب شجرة أو نبتة فيقضي عليها... إلّا كان جاهلًا ... ولا مكان للجهل مع العلم...

5- الضبابيّة التي تحيط بهذه المسألة تضع العمل في الشأن التربويّ والتعليميّ في متاهة كبيرة، تلهي العاملين عن الاهتمام بالتلميذ لأنّ الجميع مشغول بالبحث عن مَخرج. ولا ينفع الاستشهاد بالنظريّات عند التطبيق إن لم تكن الأرضيّة مهيّأة لتلقّي هذا الكمّ من المعلومات التربويّة والتجارب التعليميّة. فلو استغلّ المدير التربويّ وقته في إعداد الأرض حول الأشجار تاركًا للمهندس الزراعيّ أي المسؤول عن الموادّ التعليميّة أن يمدّها بعصارة خبرته... ولو وضع المسؤول عن المادّة معلوماته في خدمة العمل الفريقيّ، لكانت ثنائيّة العمل أنتجت مواسم خيّرة واعدة، تتدفّق فيها عصارة العلوم والآداب والفنون والرياضة دمًا جديدًا اسمه الثقافة.

6- نأتي هنا إلى ما يسمى بالأسبوع الثقافيّ الذي باتت المدارس تتنافس في الإعداد له والتباهي به ونشر أخباره في الصحف. الأسبوع الثقافيّ ليس أمرًا منزلًا، أو طارئًا، أو غريبًا، يُقحم إقحامًا في الجسم المدرسيّ. بل هو نتيجة مسيرة تبدأ الخطوة الأولى منها في أوّل يوم وصل فيه التلامذة إلى المدرسة مع بداية السنة... لتنتهي رحلة الألف ميل في أسبوع يأتي تلقائيًّا، وعفويًَا، وطبيعيًّا، بلا بهرجة مخادعة أو مهرجانات صاخبة أو فورات غضب أو تنافس أو تسابق أو توتّر أو تعب أو عتب... وإلا ضاع الهدف الأوّل منه وهو تثقيف النفس أي تهذيبها. 
وما من موضوع محدّد للأسبوع الثقافيّ... فالثقافة التي تتنوّع تعريفاتها، ويختلف الفلاسفة والدارسون والمفكّرون في تحديدها، يمكن وضعها في أبسط وجوهها مع المتعلّمين في المدارس... أي هضم ما تعلّموه ليصير جزءًا منهم... فالثقافة لا تميّز بين علم وأدب وتاريخ وفنّ وجغرافيا... ولا فضل فيها لمادّة على أخرى، ولا هيمنة للغة على سواها، بل انصهار كليّ في بوتقة واحدة اسمها المتعلّم، هو في البداية والنهاية نقطة ارتكاز العمل التربويّ وغايته.

7- لعلّنا في أمسّ الحاجة إلى ثورة تربويّة، لا ترى بين تربية الأولاد وتربية الحيوانات الأليفة شبهًا ولو بسيطًا، ولا تجعل التعليم على قياس مسؤول أو معلّم أو مراقب أو مناظر، ولا تخاف من التغيير والتحديث والاعتراف بالخطأ، ولا تدّعي الكمال أو نهائيّة المبتغى...
ثورة تربويّة لا تقديس فيها لمعلّم، ولا خوف من أهل تلميذ، ولا صنميّة لمنهج، ولا تبعيّة ولا تقليد... 
ثورة تربويّة تمقت "الدروس الخصوصيّة" وتعاقب مرتكبيها،
ثورة تربويّة تجعل التلميذ يرغب في المدرسة لا راغبًا عنها،
ثورة تربويّة تعيد الاعتبار للشعر على أنّه لغة الله، وللأرقام على أنّها وسيلة لفهم العالم والتفاهم معه لا غاية تُبرّر الوسائل من أجلها،
ثورة تربويّة تسعى لتهذيب عقول الناشئة لا لتذهيب إطارات الشهادات...
ثورة تربويّة ضدّ الظالم أيًّا تكن طائفته وجنسيّته، ومع المظلوم إلى أن يحصّل حقوقه...
ثورة تربويّة من أجل تعليمٍ لا تنتهي صلاحيّة استخدامه لا الاكتفاء بتعليبِ أفكار وعقول في كبت التحجّر والخوف...
ثورة تربويّة شعارها الحوار لا التلقين، التقدّم لا النجاح، التعلّم لا العلامات، الفهم لا الدرس، الاكتساب لا الامتحان، الغناء لا الببغاء...
وبغير ذلك... يبدو مشوار التغيير طويلًا وشائكًا ومرويًّا بدموع أطفال يرون المدرسة سجنًا... فينتقمون منها عند التخرّج، تكسيرًا وتخريبًا... 

قراءة نقديّة للأستاذ ميشال مرقص في أقصوصتي "عاهرة باب أوّل"


الأستاذ ميشال مرقص في حفل توقيعي مجموعتي "أحببتك فصرت الرسولة"

لا يريد الكاتب سوى أن يُقرأ...
شكرًا أستاذ ميشال مرقص على وقتك ودراستك القيّمة.
***
قصصُ ماري القصّيفي نباهة كاملة متكاملة
تُقاربُ أمراض المجتمع وفساده بجُرأةٍ وسموٍّ

أشدُّ ما يُلفت في أدب ماري القصّيفي، النباهة الكاملة، واقتحامها للتفاصيل بل الجّزئيّات في عصر "النانو"، هي البارعة في تصوير البيئة المحليّة بريشة الرسّام العبقريّ، والكاميرا الإلكترونيّة ... حيثُ تُبرزُ مسرح الأحداث وسلوكيّات الأبطال – في قصصها- حيّة تعيشُ معنا، بل تلمسنا...
في أقصوصتها، "عاهرة باب أوّل"، نعيشُ هذا المُحيط المتميّز، تنقلنا بصدقٍ إلى أجوائه، لكن يتقدّم الغوصُ في إبراز المكامن البشريّة، إنطلاقًا من الإنتباه إلى النفسيّات... والالتفات إلى واقعٍ إجتماعي لم يَعُد يُثيرُ ريبةً ولا رفضًا، بل صار "الجنسُ الراقي"، مصدرً مالٍ وثراء، ومهنَة حُرّةً من بين مهن الهندسة والمحاماة وطب الأسنان وغيرها...
وللمهنّة – ليس فقط أصول الممارسة المباشرة – بل أصول المهنة الراقيّة، في مقاربة التحليل النفسيّ... المرأةُ في المكتب لا توحي ببيع الجنس، بل هي تُضاهي في منطق كلامها مفاهيم "عالِم الاجتماع" الهارب للمرّة الأولى نحو تجربة مختلفة، كأنما هو الإنسانُ الأوّل، أمام إغراء حوّاء... تتنازعه رغبتان: رغبة الاستطلاع، ورغبة الجنس السرّي...
وبقدر ما هو عالِمٌ في أصول البحث الاجتماعيّ، فإنّه لا يُضاهي "مديرة" مكتب الخدمات الجنسيّة، المثّقفة كعالمة نفسٍ تحليليّ، أو عالمة اجتماع، هو لا يضاهيها معرفة، كلُّ موضوعٍ لديها، له إطاره الخاص وأبعاده لتحقيق النشوة المرتقبة مثل حُلمٍ هاربٍ من ملمس الجوهر...

ماري القصّيفي، تبرعُ في الرسم والتصوير والتحليل والتفصيل والتقصّي والغور إلى عُمق الذات البشرية، برهافة ريشةٍ تنقلها رياحٌ ناعمة... تسوقُ الأحداثَ، لتنتهي إلى كون "عالِم الاجتماع"، المعنيّ بدرس سلوكيّات الآخرين أفرادًا ومجتمعات وتطورات أو ماضيًا وإتنيات وأديانًا وتطورًا تاريخيًّا وغيرها، لا يرى ما هو قربه، يهتمّ بالآخر، يكشف عن تصرّفاته وسلوكيّاته، يسعى إلى تحقيق لذّة عابرة، ولو هي "تجربة أولى"... لدى الآخر...
فيما الدعارةُ الباب أوّل، هي لديه قربه...
وقد تنتقل الثنائيّة إلى "زوجة العالِم"... قد لا تكون مقدّمة جنس باب أوّل مع زوجها، بل مع غيره... من هنا فإنَّ أهميّة تقصّي مكتب الخدمات الجنسيّة، في الكفّة الثانيّة من ميزان التقصّي الاجتماعيّ، في كونها تسبق عالم الاجتماع إلى فراشه الزوجيّ ... وتُنوّه بخدمات زوجته الجنسيّة...
وتهدفُ الكاتبة ماري القصّيفي إلى لفت عالِم الاجتماع، وما يُحيطُ به، من كون العُهر لا يكون في تقديم المرأة أو الرجل خدمات جنسيّة، بل هو "بعد البحث والتدقيق" وجدنا أنَّ زوجتك "بلسانها السلّيط وأخلاقها السيّئة وعقدها النفسيّة وأقاويلها الكاذبة وتمسكنها المخادع ونميمتها الغبيّة، تمثّل العهر الحقيقيّ الذي يخرب البيوت والعلاقات!" بشهادة أهله وأهلها وجيرانهما ومعارفهما وزملائهما، ولا شهادةَ أثبتُ من شهادة الأقربين...
وتفتح ماري القصّيفي، الباب على فساد المجتمع والأخلاق، وفي هذه الأقصوصة تُلفت إلى الاغتياب، وألسنة السوء، والدعارة القياسيّة في البلد، وزبائنها، فماذا لو "تكتبُ عاهرةٌ مذكراتها"؟ ألا يُغرقها كبارُ القومِ بالمالِ لتصمت ويجندون الاستخبارات ليضيّقوا الخناقَ عليها...
ويبقى في ميزان العهر رئيس جمهورية، مثل فرنسا – والفرزدق في هجاء جرير...

ماري القصيّفي – موهبتُكِ تاجُ هذا الشرق ...


ميشال مرقص