الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 26 فبراير 2010

غفيان بالوردة



شلحت الوجع يا زغير

وغفيت بالوردة

ومن برد المخدّة

صقّع قلب إمّك

المحروق ت يضمّك

وت يسمع الضحكة

الجمدت على تمّك


ويبست الأعياد ع الشمعات

وما عاد بدّها إختك تغنّي

وتختك المغسول بالدمعات

عم يسألك:

شو بيعدك عنّي؟

وع غراضك عربشت الهموم

وسكتت الكلمات بكتابك

يا حسرتي يا زغير شو مظلوم

ما كنت هيكِ عامل حسابك:

ما عاد فيها ستّك تضمّك

ولا عاد بيّك يحمل غيابك.

إلى مي شدياق، مرّة جديدة




لا أريد الكلام معك عن القضايا الكبيرة والمصيريّة.

لا أريد أن أضيف إلى ما قيل وكتب.

لن أعدك بأنّني لن أنسى ما أصابك كما وعدك الكثيرون، فثمّة آلاف الشهداء الأحياء المتروكون والمنسيون والذين وعدناهم وأخلفنا الوعد.

سأكلمك حديث نساء ربّما يتردّد الآخرون في التطرّق إليه أو أنّهم في عجقة القضايا الكبيرة والخطيرة أهملوه:

غدًا حين تنظرين إلى يديك وتحتارين إن كان يجب أن تضعي طلاء الأظافر على يد دون الأخرى، ستكونين وحدك ولو أحاط بك كلّ من يحبّك.

غدًا، حين تنظرين إلى الأحذية الحديثة الموضوعة في واجهات المحلاّت الأنيقة وتعرفين أنّك لن تستطيعي أن تنتعلي في قدمك اليمنى إلاّ ما تفرضه عليك قدمك اليسرى، ستكونين وحدك ولو تجمّع حولك مئات الأصدقاء.

غدًا، حين تدخلين ليلاً إلى غرفة نومك وتبدأين بخلع ملابسك وأطرافك الجديدة ستكونين وحيدة ولو امتلأ نهارك بآلاف المعجبين.

يا مي، أعرف أن عائلتك تحبّك وستقف إلى جانبك لتردّ عنك سياط الألم، وأعرف أنّ القضيّة التي تؤمنين بها ستكون لك درعًا تدفعين به نوبات الغضب، وأعرف أنّ أصدقاءك سيحاولون أن يحيطوك بالمحبة، وأنّ العمل سيملأ حياتك من جديد. ولكن ما أتمنّاه لك من كلّ قلبي أن يكون في حياتك حبّ كبير، فهو وحده قادر على أن يكون اليد والرجل والسند. وحده هذا الحب يستطيع بلمسة من يده أن يبث الحياة في اليد الباردة وأن يشعر الجسد الجريح بأنّه أجمل جسم على الأرض.

الثلاثاء، 23 فبراير 2010

جردة حساب عند منتصف الليل والعمر



جردة حساب عند منتصف الليل والعمر

عند منتصف الليل الذي وضعها في المقلب الثاني من حياتها، نظرت المرأة الخمسينيّة إلى دفتر حسابها المصرفيّ فوجدت أنّ حصيلة عمرها الماليّة توقّفت عند خمسين ألف ليرة لبنانيّة فقط لا غير. ثمّ نظرت إلى كفّها المرميّة في حضنها وعدّت على أصابعها الخمس اللاءات الخمس: لا مال، لا حبيب، لا ولد، لا بيت، لا عمل. وحين أعجبتها اللعبة نظرت إلى أصابع يدها الثانية وأحصت: لا صحّة، لا سيّارة، لا مجوهرات، لا أصدقاء، لا أقرباء. ولو كان للمرأة الخمسينيّة عند هذه اللحظة الجلد كي تستمرّ في اللعبة لتابعت وهي تقول: لا وطن، لا أمن، لا سلام، لا مستقبل، لا حياة...

عند منتصف الليل الذي أمضته المرأة الخمسينيّة وحيدة، جامدة الدمعة، اكتشفت أنّها ستواجه عامها الحادي والخمسين وقد تحرّرت من كلّ شيء وكلّ أحد. ولو قيل لها وهي في مراهقتها بأنّها ستكون على هذه الحالة في هذه المرحلة من عمرها لخافت وتمنّت الموت قبل أن تواجه ما ستواجهه. ولو سئلت في سنوات شبابها الأولى عن رأيها في ما ستكون عليه حياتها وهي في الخمسين لكان جوابها ملوّناً بألوان أحلامها القزحيّة، ولم يكن ليخطر على بالها وهي تنطلق في تجارب العمر أنّها لن تحصد على مرّ السنين سوى الندوب في جسمها وروحها وقلبها. وهل كان ممكناً أن تحدس عهدذاك أنّ هذه الندوب نفسها ستكون الأحرف الأبجديّة التي ستقرأ بواسطتها دروس الحياة وتصرّفات الناس وتغيّرات الدهر؟ والغريب أنّها كلّما قرأت صفحات جديدة غرقت في دفء من نوع نادر، يشبه عالماً أليفاً كانت فيه تحيا، أو عالماً تعرف بطريقة ما أنّه موجود ويتوقّع وصولها إليه، وكانت سكينة غامرة تلّفها وتهدهدها فلا تخشى ما ينتظرها في الغد.

أغمضت المرأة الخمسينيّة عينيها في عتمة وحدتها وشعرت بأنّ ذراعَي الكون تحملانها وتعبران بها في أمان كلّي عبر ضباب هادئ/ الهدوء الذي يأتي بعد عصف العواطف لا قبلها، وغامض/ الغموض الذي يغري بالولوج إليه لا بالهرب منه، ومثير/ الإثارة التي تحرّك القلب وتحفّز العقل ولا ترهق الجسد. وإلى هذه الرؤيا أسلمت روحها، وابتسمت في حنان. وفي غمرة رضاها عن نفسها وعمّا حولها شكرت المرأة الوقت: الوقت الذي شيّب شعرها ولكنّها لولاه لما نسيت غدر الغادرين/ الوقت الذي أهدل جلدها فوق عظامها الرقيقة ولكنّه خفّف في شكل أكيد من غضبها وثورة روحها/ الوقت الذي أخذ منها أحبّاء ووهبها أحبّاء آخرين/ الوقت الذي جعلها ما هي عليه الآن/ الوقت الذي أعطاها بكرم شديد الفرص كي تتعلّم كلّ يوم درساً جديداً من دروس الحكمة.

فتحت المرأة الخمسينيّة عينيها ورأت إلى نفسها، وأعادت إحصاء أصابعها وهي تنشد نشيد حريّتها التي ضحّت من أجلها بالكثير، وتطمئنّ إلى خلاصة عمرها حتّى الآن: لقد عاشت، وحين فرضت عليها الحياة ما لا قدرة لها على مقاومته استفادت منه ومضت قُدماً.

ألقت المرأة الخمسينيّة نظرة جديدة على وجوه الذين ظنّت أنّهم عبروا في حياتها وتأمّلت حيواتهم بطريقة مختلفة، فتأكّدت ممّا كانت تخشى الاعتراف به لنفسها قبل الخمسين من عمرها: ليسوا هم العابرين، هم قابعون في أماكنهم وبيوتهم وعوالمهم المنظّمة، وهي التي تعبر تاركة إيّاهم في أمانِ ما يعرفونه، لتتابع سيرها نحو ما لا تعرفه بعد، ولكنّها لا تزال ترغب في اكتشافه مع أنّها صارت في عرف الجماعة في منحدر عمرها.

وحين نامت المرأة الخمسينيّة كانت تفكّر في أنّ رصيدها في البنك لا يزال يسمح لها بشراء كتاب شعر لم تقرأه بعد وستجد حتماً فكرة تدهش عقلها أو كلمة تأسر قلبها أو صورة تداعب خيالها، فاطمأنّت إلى غدها.


صحيفة النهار - الثلاثاء 23 شباط 2010

السبت، 20 فبراير 2010

أغانينا الشعبيّة في المستقبل القريب

حراجل - لبنان

ماذا ستختار الأجيال المقبلة من أغانينا لتعتبرها أغاني شعبيّة تضاف إلى ما ورثناه؟ وكيف ستختارها وعلى أيّ أساس؟

أغاني الأعراس تتغيّر من عرس إلى آخر تبعًا للموضة السائدة. وتهويدات الأطفال زالت من الوجود لأنّ الأطفال يغفون أمام شاشات التلفزيون المخدّرة، والسهرات لم يبق لها الطابع العائليّ الحميم، والمآتم أضحت أقلّ حزنًا ولم يبق أحد يريد أن يسمع كلمات تثير العواطف وتفجّر الدموع، والبطولات الوطنيّة تركت مكانها للمعادلات السياسيّة، وما من رجل يستحقّ أن نغنّي له.

فمن أين تأتي الأغنيات الشعبيّة إذن؟

لكي تكون عندنا أغان شعبيّة يجب في البداية أن يكون عندنا شعب يعرف هويّته ويعترف بها، وبعد ذلك ستنطلق الكلمات عفويّة معبّرة تنقل أحاسيس الناس وإيقاع حياتهم. ولا بأس أن تكون لكلّ منطقة أغانيها الشعبيّة بمفرداتها ولهجاتها وألحانها ومواضيعها، شرط أن تكون صورة صادقة عن أهلها وتاريخها وجغرافيّتها وحكاياتها وبطولاتها ومواسمها وأعيادها.

وإلاّ فماذا سنضيف إلى تراثنا؟

الجمعة، 19 فبراير 2010

بين السينما والحياة

فاتن حمامة وعمر الشريف


أمضت طفولتها ومراهقتها في مشاهدة الأفلام. كان ذلك زمن الأبيض والأسود. حينذاك كانت الأفلام، العربيّة منها والأجنبيّة، تنتهي بقبلة تعلن نجاح الحبيبين في تحقيق اللقاء الأخير. وحين تظهر كلمة النهاية تبدأ أحلام تلك الفتاة المراهقة في حبك قصّة مماثلة تكون هي بطلتها.
لم يخبرها أحد ماذا يحصل بين الرجل والمرأة بعد القبلة، عندما يغلق باب الغرفة وتنطفئ الأضواء. ولذلك كانت نظراتها تعلق بالشفاه الملتصقة، في براءة، عهدَ الأفلام الأولى، وفي نهم، زمنَ الجرأة، ولا تبتعد عنها كأنّ الزمن توقّف فجأة.
وكبرت الفتاة. وأخذت تواعد الشبّان، وحين كان الأمر يميل نحو ما هو أكثر من القبلة كانت تنسحب متذرّعة بحجج مختلفة ما أغضب الرجال وأبعدهم عنها. ومع ذلك لم تقل لأحد أنّها لا تعرف كيف تجري الأمور بعد القبلة. فالأفلام لم تخبرها شيئًا عن ذلك، وخيالها لم يستطع الوصول إلى تفاصيل العلاقة بين الرجل والمرأة. ولأنّها لا تريد أن تخطئ أو تبدو جاهلة، فضّلت الابتعاد.
حاولت بمختلف الطرق أن تسرق المعلومات، وأن تعرف ماذا يجري بعد ذلك، فاستغلّت عصر الفيديو الما قبل عصر الفضائيّات، وأخذت تشاهد الأفلام الإباحيّة التي تستعيرها من رفيقاتها. غير أنّ الأمر أثار فيها الاشمئزاز بسبب التناقض بين رومنطيقيّة القبلة وشاعريّتها وشفافيّتها ورقّتها بين ممثّلَين جميلين ومشهورين، والتصرّفات المفتعلة والجافّة التي تحصل بين ممثّلين مجهولين وفاشلين لا يتبادلان القبلات بل الشركاء، بلا إخلاص أو وفاء.
بين هذين العالمين المتناقضين، عرفت أنّ ثمّة حلقة مفقودة. لكن من يدلّها عليها؟ فلا يمكن أن يكون ما بعد القبلة العميقة المشاعر بين الحبيبين يشبه ما يجري بين هذين الجسدين المدّعين. بلى، كانت مقتنعة بأنّ الحبّ في الأفلام العاطفيّة أقرب ما يكون إلى الواقع الجميل، في حين أنّ ما يجري في الأفلام الإباحيّة أقرب ما يكون إلى الخيال المريض ولا يعقل أن يمارس الناس ما يشبهه.
خلال علاقاتها العاطفيّة المبتورة القصيرة الأمد، حاولت أن تستدرج الرجال كي يُعلموها بما يجري ويعلّموها إيّاه، فكانت تطرح عليهم الأسئلة كأنّها تقيم معهم حوارًا فكريًّا عميقًا. غير أنّ الرجال لا يحبّون الكلام في هذا الموضوع ويفضّلون الانطلاق مباشرة إلى العمل. لذا كانت آمالها تخيب في سرعة وتتخشّب مشاعرها ويظهر عليها جمود مباغت يصيب الآخر بالعجز.
ولم يحبّها أحد إلى درجة التكلّم معها. هذا ما كانت مقتنعة به، ولم يحبّها أحد إلى درجة أن يحزر ماذا تريد أن تعرف وماذا تريد أن تقول وماذا تريد أن تفعل. كان الآخر في نظرها ممثّلاً فاشلاً، لم يحفظ نصّه ولم ينتبه إلى تعليمات المخرج، ولم يؤدّ دوره كما يفترض به أن يفعل.
فقط لو انّ الحياة بمثل براءة تلك الأفلام. كانت تفكّر. لكانت تصرّفات الرجل والمرأة متناسقة ومنسجمة، ولكانت الآلام أنيقة، ولكان الفراق قصيرًا، ولكانت النتيجة معروفة: احتضان دافئ وقبلة رقيقة، وموسيقى ناعمة ولو كان أحد الحبيبين على فراش الموت.
غير أنّ الحياة ليست كذلك. في الحياة روائح لا تنقلها الأفلام، وأجساد حقيقيّة تفرز العرق المالح ويتساقط عنها الشعر لينتشر في كلّ مكان.
في الحياة يغضب الرجال، ولو عاشقين، ويتفوّهون بكلمات مؤذية ومهينة ليست من صلب الحوار ولم تسمعها في أيّ فيلم.
وفي الحياة يمثّل الرجل عليها ولا يمثّل معها.
تأخّرت كثيرًا قبل أن تكتشف الفرق بين السينما والحياة، وقبل أن تعترف أنّ لهؤلاء الممثّلين حياة حقيقيّة كتلك التي تعجز عن عيشها، وأنّ القبلة بداية لا نهاية، وأنّ النهاية ليست دائمًا سعيدة.


الثلاثاء، 16 فبراير 2010

أذكر يا إنسان أنّك أكثر من إنسان




أذكر يا إنسان أنّك تراب وإلى التراب تعود، لتنبثق منك نبتة خضراء تأكلها النعجة التي ستصير طعامًا على مائدة أولادك، وزهرة ربيعيّة تمتصّ رحيقها نحلة نشيطة وتحوّله عسلاً يتلذّذ أحفادك بحلو طعمه، وشجرة وارفة الظلال يفيء إلى برودة خيمتها من أتعبه السفر وأرهقته أهوال الطريق.

• • •

أذكر يا إنسان أنّك تراب فيه التبر والخصب وبذور الحياة، وأنّك كمشة حُبّ نثرتها يد الإله في حضن الأرض، وأنّ فيك العطش إلى المطر، والجوع إلى الشمس، والرغبة في إنجاب الثمار، والعشق لجذور الغابات، والشوق لسيل الأنهار.

• • •

أنت تراب أيّها الإنسان فكيف تعرف الجوع والعطش وفي تربتك المجبولة بمياه الحياة تنمو جذور وجذوع وأغصان وأوراق وأزهار وثمار؟ وكيف تعرف البخل ومن تربتك يخرج العطاء؟ وكيف تحتقر نفسك وفيك خلاصة الكون؟

• • •

التراب الذي هو أنت أيّها الإنسان ليس موطئ قدمك إلاّ إذا انغرستْ فيه جذورك، وعلى قدر ما تمتدّ هذه الجذور المتعانقة في باطن الأرض تتوزّع الأغصان طليقة لتعانق السماء. والتراب الذي أنت منه لن تعود إليه غذاء إلاّ إن غذّيت عقلك بالفكر وقلبك بالحبّ وخيالك بالجرأة وجسمك بالمتعة. والتراب الذي أنت ذائب فيه لن يكون لك سريرًا وغطاء إلاّ إن استحممت بدموع الشوق والفرح، وإلاّ فأنت تجمُّع فساد لا تطيق ملمسك الأرض ولا ترضى بك السماء.

• • •

نعم، أذكر يا إنسان أنّك تراب لتفهم أنّك أكثر من إنسان، ولكن هل يستطيع عقلك البشريّ أنّ يتحمل فكرة أنّك الضوء والعتمة، وأنّك الفوق والتحت، وأنّك التاريخ والجغرافيا، وأنّك الما قبل والما بعد، وأنّك اللحظة الحاضرة في ذهن الإله في كلّ لحظة، وأنّك الحرّ والبرد، وأنّك الوصول والانتظار؟ هل يستطيع عقلك أن يتحمل أنّك أكثر من تراب، وأكثر من إنسان، لأنّك عشق الإله؟

• • •

أجل، تذكّر أيّها الإنسان المجبول في صبيحة يوم التكوين من تراب الأرض وندى السماء، والمزيّن بالضوء المشعّ من روحك عبر عينيك، أنّك صديق الإله الذي أنجبك شوقًا إليك، وأنجبك من شوقه إليك، وأنّك ابنه وحلمه وصورته في مرآة الحبّ.

• • •

وحين تطأ قدماك التراب، لا تخشى ذوبانك فيه، إنّه شرنقتك التي منها تخرج فراشة، فغلّ في التراب كما المطر واخرج ينابيع وجداول وسواقي وانبت رياحين ونباتات وأزهارًا. فأنت، عبر العناصر كلّها، من الإله خرجت وإلى الإله تمضي.
* صحيفة النهار - الثلاثاء 16 شباط 2010

الأحد، 14 فبراير 2010

يِسْعِدْ صباحَكْ



يِسْعِدْ صَباحَكْ

يا لْبِلْحِلِمْ غِرْقانْ

وبَسْمِهْ حَنونِه

تبوّسْ شفافَكْ

خِدْني عَ مَهْلَكْ

تَخْتَكْ الدِفيانْ

بالعِطرْ يِغْمُرْني

ومن ليلْ شَعري

تَعْمِلْ لْحافَكْ

***

رَحْ غِلّ بِ صِدْرَكْ

على السكّيتْ

وإتْلَفْلَفْ بإيديكْ

مِنْ دُونْ ما إحْكي...

يا ريتْ يا قلبي

ألفْ يا ريت

أِسْكُنْ بْجِلْدَكْ

نامْ بِعينيكْ

ولحظةْ لْتِشْتاقْ لَوجودي

ويِطْلَعْ عَ بالَكْ

تِلْمُسْ وجودَكْ

وتْصيرْ مِنْ رَغبتَك

تِدْمَعْ وتبكي

بِنْزَلْ أنا

دمعةْ عِشقْ

وبِكْرُجْ على خدودَكْ

ما بخافْ مِنَّكْ ضِيْعْ

ولا الحزِنْ يِبْعِدني...

بعرِفْ

بتبكي

تَ تعودْ تِشْرَبْني

السبت، 13 فبراير 2010

خلصت القصّة

اللوحة لفريد الريّس

أنا مِشْ حِلِمْ ليلةْ صَيْفْ

ولا أنا نْبيدَكْ بليلةْ كَيْفْ

ولا أنا عَ دَرْبْ بيتَكْ ضَيْفْ

الأحد، 7 فبراير 2010

حلم وكأنّو جنون



1

مرّاتْ مِدري كيفْ

بيطلَعْ ع بالي كونْ

بْقسوةْ قبرْ ضجرانْ

لا بحبّْ

لا بِشتاقْ

لا بِرْحَمْ حدا.

حِلْمْ وكأنّو جنونْ

شو بخافْ يتحقّقْ

وصير الصدى

لأصواتْ فِلْتانهِْ

مِنْ ألفْ مِجْرِمْ

هربوا بِهَوني ليلْ

ت يهجموا ع بيوت غرقانِهْ

بنوم الهنا

البطّلْ إلو تاني.

2

مرّاتْ مِدري كيفْ

بيطلَعْ ع بالي كونْ

نار ما بتشبَعْ

آكل الشجرة

وهشّلْ العصفورْ

حاصِرْ بيوت الناسْ

وإحرقْ صُوَرْ عِرسُنْ

سَوِّد الحيطانْ

شَعِّلْ سريرْ الطفلْ

دوّبْ اللعبة البتضلّ تتضحّكْ

وصير الهوا اللي بيحمُلْ رمادنْ

ويُصْرُخْ بأعلى صوتْ:

بِكْرَهْ فرحهنْ

بِكْرَهْ عِيادُنْ.

حَكْيُنْ حكاياتْ ملعونِهْ

والحبّْ عندنْ مسرحْ وشِبّاكْ

والوفا كِلْماتْ مدهونِه

بالفحمْ...بالطبشورْ

تحت الشِتي بتصيرْ مِجويّهْ.

3

مرّاتْ مِدري كيفْ

بيغلي الغضبْ فيي

بيرقُص تحت جِلدي

بيلمَعْ بعينيّ

وبيصيرْ بَدّي

خزّقْ وجوهْ الناسْ

بِلحَمْ إيديي

4

الناس!

شو بيعملوا فيكْ الناسْ؟

بيحوّلوا أحلامكْ كوابيسْ

وبيلبسولَكْ كلّ يومْ لباسْ

بيهدوكْ الهديّه

بلكي الخجلْ يعميكْ

وبيعملوا جِهدُنْ ت يحضوا فيكْ

وبسْ تلتِفِتْ صوبُنْ

ت تِحْكيُنْ عنّكْ

بيهربوا منّكْ

وبتضلّ تِنْدَهْلُنْ

حتّى القَهْرْ يكويكْ.

5

الناسْ؟

حوّلوا القدّيس لَجَزّارْ

يِقْتُلْ ويِدْبَحْ على الهينِه

وعن اعمالُو خبّروا ولادُنْ

ت صارْ هالمجرمْ

بطلْ قهّارْ

عرشو متلْ شي مْزارْ

تتعلّقْ على بوابو

روسهُنْ زينه.

6

مرّاتْ مِدري كيفْ

بيطلَعْ ع بالي حروبْ

تِعْصُفْ بْكلّ الكونْ

وتهدِّمْ حْجارو

وْلَيْلْ أخوتْ

يِنْزَلْ ع وجّ الضوّ

ويسوّدْ نْهارو

وْطُوفانْ يُغمُرْ

حِقدْ هالأرضْ

حاجي بقا نْعاني

بَلْكي

بتخلَصْ هالدني

وتولَدْ دِني تاني.

الثلاثاء، 2 فبراير 2010

أنت تَوهّجُ شغفي


أنت تخيفني كما تخيف الولادة الجنين الذي لا يعلم أنّه مقبل إلى الحياة، فيقاوم اليد التي تمتدّ لتخرجه من عتمة المياه إلى الهواء والضوء
أنت بهدوئك تشكّل خطرًا على عصبيّتي ومزاجيّتي وتقلّبات الطقس في سماء حياتي، فأحاول، وأنا أكذب على نفسي، أن أهرب منك خشية أن تروّض ثورتي وتقلّم أغصاني المجنونة
أنت بما في عقلك تهدّد اطمئناني إلى ما في عقلي، فأتحدّاك وأتحدّى نفسي لأستحقّ أن أدعى لك شريكة في جوهرك
أنت بعاطفتك الرصينة تحيط عاطفتي الهوجاء وتمنعها من ممارسة جنون عصفها
أنت بحسّك المرهف تشذّب أشواك كلماتي وتطلقها فراشات ملوّنة في عالم، النور فيه يشعّ ولا يحرق
آه يا أنت كيف تستطيع أن تنقض منطق الجغرافيا والتاريخ وتكون قريبًا إلى هذا الحدّ وأنت في أرض لا أعرفها ولا تعرفني، وحاضرًا إلى درجة لا تصدّق وأنت كنت في ماضي أحلامي عن مستقبل أيّامي؟

تندهني عيناك إلى بحيرات حنان لا حدود لها، فأخلع عنّي تعب الأيّام وأرتمي فيها عارية كما خلقتني يا حبّ.
وهناك في عينيك لا وحش غريبًا تُحكى عنه الأساطير، ولا عمق مخيفًا لا يُسبر غوره، ولا بقايا مراكب شلّعتها الرياح،
هناك في عينيك مياه ساكنة حالمة أليفة كمياه الرحم لجنين لا يريد أن يخسر الأمان والسكينة.

أعيد اكتشاف جسمك كأني ألتقي به للمرة الأولى،
أتحسّس كلّ جزء فيه بأناملي وشفتيّ وأسكر بعطر اللذة التي تفوح من خلاياه فيصير جسمك آلتي الموسيقيّة ألاعب أوتاره المشدودة أو
كتابي المفتوح أقرأ فوق سطوره كلمات اشتياقك إليّ أو
ورقتي البيضاء التي أكتب فوقها بحبر عينيّ رغبتي فيك، أو
يصير جسمك بساطي السحريّ الذي ينقلني من عالم إلى عالم ومن سماء إلى سماء
وأنا آمنة مطمئنّة سعيدة فرحة محلّقة لا أرتبط بالأرض ولا أتيه في الفضاء.

في خضمّ الصراعات والتهديدات وأمام الموت الذي يهجم جوًّا أو ينبثق من البحر مفترسًا أو شاقًا باطن الأرض مزلزلاً،
يأتيني صوتك الهادئ كأنّك تكلّمني من عالم آخر لا صراع فيه ولا تهديد ولا موت.
تصل إليّ نبرات صوتك فتصلني بمكان ليس فيه إلاّ الجمال والترفّع والسموّ،
وتمتدّ كلماتك دربًا ريفيًّا أخضر أسير فوق عشبه حافية لأصير عند بابك المفتوح في انتظاري زهرةً بريّة بيضاء تُغرق وجهك في فوح عطرها الربيعيّ. 
أقاوم بوجودك غياب الآخرين، وبذكائك غباءهم، وبحبّك حقدهم.
أتسلّح بك فكرة وعاطفة وصورة وموسيقى وأواجه معك الجهل والكسل والجبن.
ولا أريد منك شيئًا لأني أريدك كلّك،
ولا أطلب منك شيئًا لأنّني أطلبك في كلّ الأشياء والمخلوقات والناس،
ولا أطالبك بشيء لأنّك أعطيتني ما أريده.
كيف صرت تعرف ما تعرفه؟
من علّمك أن تكون رجلاً في زمن عزّت فيه الرجولة، وأن تكون قادرًا في عصور العجز، وأن تكون الحنان الذي لم تمتلكه امرأة؟
أيّة آلام تلك التي صهرت روحك وصقلت طبيعتك وجعلتك ما أنت عليه؟ لا تملك شيئًا ولا تريد أن يمتلكك أحد،
تمضي كأنّ عبورك مخطّط له منذ الأزل، وترحل غير آسف إلاّ على أنّك لم تحبّ أكثر.
وهل يستطيع جسمك المرهق أن يحبّ أكثر من ذلك؟
من علّمك أن تعشق الجمال، وأن تحترم الكائنات، وأن تبحث عن المعرفة في أصعب الأمكنة، وألاّ تضجر منّي؟
هل ترى إلى نفسك وأنت تولد من ذاتك متجدّدًا كلّ مرّة، رائعًا كلّ مرّة، عارفًا، شاعرًا، عالمًا، عاشقًا؟

أنت يا من قلت عن نفسك أنّك لا شيء ولا أحد،
أنت المنسحب إلى ما خلف واجهات الأضواء المخادعة،
المطمئنّ إلى سكينة نفسك،
أعلن استمراري في عشقك وموافقتي على الانتماء معك إلى عالم سويّ بنيناه على قياس ما نريده لهذا العالم،
وهل نريد لهذا العالم إلاّ أن يعرف الشغف الذي نحن فيه؟

* صحيفة "النهار" الثلاثاء 2 شباط 2010
من كتاب "أحببتك فصرت الرسولة"

الاثنين، 1 فبراير 2010

من الحزن إلى الحريّة


صرنا شعبًا يحترف الحزن والمآتم وانتظار الحياة في الساحات العامّة.
صرنا خبراء في تحضير دفن على السريع، وحشد الجماهير في ساعات، وصناعة الأعلام من مختلف الألوان وصياغة المراثي وكتابة الخطب الملتهبة.
صرنا نرتدي الملابس السوداء استعدادًا لموت آت بلا شك.
صرنا نبكي مسبقًا لئلاّ يغدر بنا الوقت بين دفن وآخر ولا نجد المجال للنحيب.
منذ أعوام وأعوام ونحن نبكي، حتّى صرنا لا نخجل من الكاميرات المتلصصة على عيوننا والملتقطة حركاتنا والمسجّلة كلماتنا.
صرنا نستغرب إن مرّ شهر ولم نسمع فيه انفجارًا يغتال رمزًا أو صوتًا أو قلمًا مع من تيسّر وجوده في اللحظة نفسها.
لا ندري إن كانت الحريّة تستحقّ كلّ هذا الدمع.
لم نعد ندري إن كان الوطن يستحقّ كلّ هذا الدم.
لا نعرف إن كانت الكلمات المرمية على جوانب الطرق تستحق كلّ هذه التضحيات.
نبكي على أشخاص لم نلتق بهم يومًا وجهًا لوجه، ولم نتبادل معهم الأحاديث، ولم نلق عليهم تحيّة ولو عابرة.
نبكي على رجال ونساء نراهم عبر الشاشات ونسمع أصواتهم عبر الهواء، ولا يعرفوننا، ولم يسمعوا بأسمائنا ولم يروا وجوهنا ولن يعرفوا شيئًا عن دموعنا.
ونبكي على رجال ونساء مجهولين، مجرّد أسماء نسمع أنّ أصحابها صاروا في لحظة سوداء شهداء أبرياء.
ومع ذلك، لا نرحل ولا نقبع في الزوايا ولا ننتحر يأسًا. نمسح دموعنا ونتابع أعمالنا وحياتنا، ونحبّ وننجب الأولاد ونرسلهم إلى المدارس ليتعلّموا ويكبروا ويموتوا على قارعة الطريق ونلمّ أشلاءهم ونجمعها قطعة قطعة ونستمرّ في مشاجراتنا اليوميّة السخيفة كأنّ شيئًا لم يكن، كأنّ الحياة لم تغدر بنا، كأنّ الموت لم يمرّ بنا، كأنّنا نرفض الاستسلام والرضوخ.
نحن شعب التناقضات.
لا ندرس تاريخ بلادنا لأنّ ثمّة خلافًا سياسيًّا على كتابة التاريخ، ومع ذلك نموت من أجلها وندخل التاريخ.
لا نحسن الاحتفاظ بأرضنا فنبيعها ومع ذلك نموت من أجل الأرض.
نحن من برج التراب ومع ذلك فالسماء لا تتسع لأحلامنا وطموحنا.
نبيع الكتب والنساء ونشتري البنادق.
نسهر ليلة في ساحة الحريّة وليلة في الملهى الليلي.
نكتب بالقلم نفسه قصيدة الحبّ وبيان الثورة.
نمارس التجارة والصلاة والوطنيّة بالحماسة نفسها.
نملك أكبر مجموعة من الطوائف في أصغر بقعة من الأرض وعددًا لا يحصى من الكنائس والمساجد ومزارات القدّيسين والأولياء ونتقاتل باسم الدين.
نهدم الآثار ثمّ نشتري بقاياها بأغلى الأثمان.
نكتب المطوّلات عن الثقافة لكنّنا لا ننشد الأغنيات الوطنيّة ولا نستمع إلى الموسيقى الكلاسيكيّة إلاّ عند الموت.
على شاشاتنا مذيعات شبه عاريات ومذيعات محجّبات.
في أرضنا مقابر جماعيّة ومدافن شهداء وقدّيسين.
في سمائنا طيور عابرة وطائرات عدوّة.
في مياهنا أوراق شجر ونفايات سامّة.
نحن شعب لا يعرف قيمة الأشخاص والأشياء إلاّ بعد أن يفقدهم ويفقدها، ولا يعترف بالخطأ إلاّ بعد أن يتكبّد الخسائر الفادحة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تناقضاتنا وأخطائنا وعيوبنا، نقول لمن ينتقدنا: على الأقلّ، عندنا الحريّة للاستفادة من التناقضات والحريّة لارتكاب الأخطاء والحريّة للتعلّم من العيوب، وهذا ما لا تستطيع شعوب كثيرة أن تدّعيه.
نحترف "الحزن والانتظار"؟ ربّما.
غير أنّ في حزننا غضبًا وفي انتظارنا أملا. والآتي سوف يأتي.