الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 30 يناير 2012

هدى بركات «المقتلَعة»... في رحلة العودة إلى الجذور (عن رواية ملكوت هذه الأرض)





في موسم أدبيّ واحد احتلّ الشمال اللبنانيّ المسيحيّ المشهد الثقافيّ من خلال روائيّين لهم مكانتهم في هذا المجال، هم جبّور الدويهيّ ورشيد الضعيف اللذان اختير عملاهما «شريد المنزل» و»تبليط البحر» ضمن لائحة الرواية العربيّة -البوكر- لعام 2011، (ثمّ بقي الدويهيّ في اللائحة القصيرة) وكلاهما من إهدن، علاوة على هدى بركات التي صدرت لها عن دار الآداب رواية «ملكوت هذه الأرض» وهي من بلدة «بشرّي» الشمالية، حيث تدور أحداث روايتها. أمّا في الفرنسيّة فهناك رواية «قاديشا» لألكسندر نجّار ورواية «جمهوريّة الفلاّحين» عن ثورة طانيوس شاهين لرمزي سلامة والروايتان تصدران قريباً بترجمتيهما العربيّة عن دار «سائر المشرق». صحيح أنّ رواية رشيد الضعيف تحكي عن هجرة المسيحيّين إلى الغرب ولا تدور في الحيّز الجغرافيّ نفسه، غير أنّ القارئ لا يستطيع إلاّ أن يضع هذا المشهد الروائيّ المتكامل تحت عنوان «العودة إلى الجذور المارونيّة»، في وقت تتعرّض فيه هذه الطائفة للكثير من اللوم على ما آلت إليه أوضاع مسيحيي الشرق، جراء الصراعات الحزبيّة بين زعمائها.
والشمال المقصود هنا هو المنطقة الممتدّة من بشرّي إلى إهدن، صعودًا إلى غابة الأرز ونزولاً إلى وادي قاديشا المعروف بوادي القدّيسين؛ وهو المكان المرتبط تاريخيًّا وجغرافيًّا بنشأة «الشعب المارونيّ»، وهي التسمية التي يؤكّدها عدد من المؤرّخين الموارنة في الكلام على أبناء هذه الطائفة. وهي في الوقت نفسه المنطقة التي شهدت عبر تاريخها وحتّى الآن أسوأ أنواع الانقسامات المارونيّة، وكلّها تحت عنوان الحفاظ على «مسيحيّة» ما ترى كلّ فئة أنّها الأكثر حرصًا عليها. ولعلّ هذا ما تختصره الرواية التي نحن في صددها تحديدًا أي «ملكوت هذه الأرض».
التاريخ و الدين
يمكن القارئ أن يعرف من خلال هذه الرواية «البعد التاريخيّ» للخلاف القائم اليوم بين الزعيمين المارونيّين سليمان فرنجيّه وسمير جعجع، وهو الخلاف الدائم بين بشرّي وزغرتا إذ يتّهم الزغرتويّون أهل بشرّي بالتحالف مع المتصرّف التركيّ، وفي المقابل يتّهم أهل بشرّي أعداءهم بالتحالف مع الفرنسيّين (ص 145). يقول «الأخ لابا» وهو راهب قرويّ عن الرهبان الجدد المتعلّمين: «أنا لا أقول هذا لأنّهم غرباء، وربّما فيهم سوريّون مثل أفتيموس أو حتّى زغرتاويّة، بل لأنّ المسيح دعانا إلى حبّ أعدائنا ومضطهدينا» (ص115). أمّا «الخال»، فيقول بعد إحدى المجازر التي وقعت بين الفريقين في ردّه على الكاهن الداعي إلى السلام: «أمام كلّ الأعداء المحيطين بنا، شيعة بعلبك المحميّين من بلاد فارس، وإسلام الضنيّة وطرابلس الذين يحميهم بنو دينهم من تركيا حتّى بلاد الكعبة، وروم الكورة الذين تردّ الأخطار عنهم سفن موسكوبيّة تصلهم من هناك بلحظة، داير داير من يبقى؟ الزغرتاويّة الذين يتحالفون مع الشياطين لمحونا من الوجود...هذه دائرة النار التي تحيط بنا، ماذا يتبقّى لنا غير السماء، إلى فوق؟» (ص147). لكنّ هذه الصراعات الدمويّة التي لا يمكن أحدًا أن يفهم أسبابها المنطقيّة، إن كان من منطق في أيّ صراع دمويّ، لم تعلّم الموارنة أنّ الخطر الأكبر عليهم من أنفسهم لا من الآخرين، وفي هذا يقول «الأخ لابا»: «هكذا دائمًا، يتحالفون علينا، تتغيّر السياسات وتتحالف علينا الأمم فنسقط ضحايا ولا نتعلّم» (ص109) . ثمّ يؤكّد: «لكن أنا أقول إنّ رؤوسنا انتفخت وتكبّرنا وتجبّرنا فوقع علينا قصاص الربّ» (ص110)، إلى أن يخلص إلى القول: «إنطاكية رمز بطركنا لكنّها صارت ضيعة صغيرة وفقيرة».
حياة اجتماعيّة
لا تأتي رواية «ملكوت هذه الأرض» من فراغ في تصويرها الجبل اللبنانيّ بقراه وبلداته وهو ينتقل من المجتمع الزراعيّ وما يرافقه من تجارات بسيطة وأعمال «مكاريّة» إلى مجتمع خدمات سياحيّة (فنادق وسينما ومطاعم وبيوت للاصطياف ومهرجانات فنيّة...)، بل هي حلقة في سلسلة من الكتابات ترصد التغيّرات من غير أن تُبعد عن القرية اللبنانيّة صفة الفساد حتّى في خضمّ الدفق العاطفيّ الذي يمجّد الطبيعة ويشيد بالعلاقات الإنسانيّة. فجبران خليل جبران، وهو ابن تلك الناحية، اعتبر نفسه ضحيّة الطبقيّة والإقطاع الدينيّ فلم يتساهل في نظرته الاجتماعيّة إلى أبناء منطقته على الرغم من تعلّقه بجمال بلاده الطبيعيّ وإرثها الروحيّ؛ والكاتب جورج فرشخ لم يكن أقلّ قسوة وهو يصوّر العنف في نفوس الناس من خلال شخصيّات روايته «خيط رفيع من الدم» (1987 – المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر). ونقول مثل ذلك عن مارون عبّود وإملي نصرالله ويوسف حبشي الأشقر وتوفيق يوسف عوّاد المعروفة عنده نزعة العنف في الحكم على فساد القرية الذي انتقل إلى المدينة، ويكفي أن نشير إلى أقصوصته «المقبرة المدنّسة» في مجموعته القصصيّة «الصبيّ الأعرج» لنرى كيف تتّفق في القرية السلطتان الزمنيّة والدينيّة على إيذاء الناس.
ولكن ما لا شكّ فيه هو أنّ الروائيّة استفادت من الزمن الذي صار يسمح باستخدام لغة مباشرة تقصّدت الكاتبة تغييب الناحية الجماليّة عنها وذلك في رصدها هذه التغيّرات: الانتقال من كلمة «قرية» إلى كلمة «بلدة»، تحويل الأسماء العربيّة إلى أجنبيّة، الزيجات المختلطة من طوائف ومذاهب وجنسيّات أخرى، عمل النساء في حقل الخدمات السياحيّة، النزوح إلى المدينة، التجارة بالحشيش، الاستزلام للسياسيّين...كلّ ذلك وما يشبهه، - حتّى الطقس لم يعد كما كان - حصل فجأة ومن دون مقدّمات أو استعداد: «فتحت الناس مصالح واشتغل أهل الضيعة أشغالاً لم تكن تخطر في البال» (ص179)، «فتمّ اقتلاع الأشجار المحيطة بعين الماء أمام واجهة الكنيسة كي تتوقّف فيها السيّارات وبخاصّة العموميّة التي نشطت في كلّ الاتّجاهات...وتمّ بناء درج ارتفعت على طرفه واجهات المحالّ، لافتاتها مكتوبة بالفرنسيّة...نؤجّر ونبيع كلّ شيء...» (ص262). كلّ ذلك أرخى بثقله ونتائجه على أخلاق الناس الذين تساهلوا في كلّ شيء إلاّ في العلاقة مع «الزغرتاويّة»، وفي بناء مستشفى أو برّاد لحفظ التفاح أو الاستفادة من مبيعات كتب ابن الضيعة «جبران خليل جبران» لفتح مدرسة وجامعة.
اللغويّ و النفسيّ
لغة هدى بركات هنا هي لغة الناس الذين إليهم تنتمي، لكنّ اللغة لم تأت مجّانيّة تنتقل من ألسنة الناس إلى الرواية ولا هدف لها سوى الواقعيّة المسطّحة. ثمّة أبعاد اجتماعيّة ونفسيّة لافتة في نقل الكلام، أكان هذا الكلام قصائد بالمحكيّة أم شتائم من الوزن الثقيل أو كلمات تنضح بالحزن أو المحبّة وبخاصّة محبّة سلمى بطلة الرواية لإخوتها ولابنة شقيقتها. وقد برعت الروائيّة في تصوير شخصيّة هذه المرأة العانس وملاحقة تطوّر مشاعرها وتبدّل عاداتها وطباعها مع العمر والظروف. ونشير هنا إلى أنّ الشخصيّات النسائيّة في الرواية تستحقّ دراسة خاصّة تتناول تأثير المرأة في هذا المجتمع. واللافت تغيّر مستوى الكلام مع تغيّر العصر ما يشي بتأثير التغيّرات الاجتماعيّة في سلوك الناس ولغتهم، حتّى «الديمول» الذي دخل إلى البلدة لرشّ أشجار التفّاح صار كلمة لها مدلولات ترتبط بالعشق والانتحار. ولافت في المقابل غياب الحبّ عن الرواية تاركًا المكان للصداقة والجنس والجيرة والتديّن الساذج والأخوّة والزواج التقليديّ، وإن وجدت بعض ملامحه ضاع في زحمة الحياة ومخاوف الأحوال. كأنّ هذا المجتمع الغارق في الصراعات لم يعرف من الحبّ إلاّ حبّ البقاء في مواجهة طبيعة شرسة يدنق فيها الناس في الجرود فتأكلهم الضباع، واحتلالات تتوالى، وانتماءات لا تدوم؛ لتنتهي الرواية مع بداية الحرب اللبنانيّة على مشهد الأخوين العانسين «سلمى» و»طنّوس» القابعين قرب الموقد بعدما فاتهما قطار العمر والحبّ والزواج والأولاد وعادا إلى الجبل، يستمعان إلى الراديو الذي صار ينقل أخبار القتل والخطف بعدما كان يجمع الساهرين حوله ويغنّي لهم. ومعهما ينتهي مجتمع لم يستمع إلاّ للعويل والندب والشتائم وكلام الزعماء فلم يجد فيه «طنّوس» من يصغي لصوته الجميل، فأخذ يغنّي لنفسه.
ويبقى التساؤل مشروعًا بعد قراءة «ملكوت هذه الأرض» («كأنّ كرسي البرلمان عرش الملكوت» – ص 143)، عن سرّ تلك المنطقة التي تجاور الأرز وقاديشا ولا تغيب عن نصوص أبنائها - بدءًا بجبران - ولو كانوا يقيمون في الخارج؟ هل نرى في هذه العودة إلى الجذور محاولة أخيرة، شرسة وقاسية، لمقاومة الذوبان والاضمحلال اللذين يُخشى منهما عادة على الأقليّات الطائفيّة؟

السبت، 28 يناير 2012

لمن يقرع أكبر جرس في الشرق؟


تتباهى أبرشيّة بيروت للموارنة بإنجاز أكبر جرس في الشرق الأوسط، علّق فوق قبّة كاتدرائيّة مار جرجس في وسط بيروت. لا أدري لماذا كلّما سمعت بخبر عن أعلى مئذنة أو أكبر مسجد شعرت بأنّ الكلام موجّه إلى المسيحيّين، وكلّما سمعت خبرًا عن أكبر كنيسة أو أكبر جرس شعرت بأنّ المقصودين فيه هم المسلمون، فأنا لا أؤمن بأنّ الله يعنيه هذا الأمر أو ذاك خصوصًا متى كان على حساب الفقراء والمرضى والمضطهدين.
اللافت في موضوع الجرس الأكبر هو موقعه الجغرافيّ، أيّ في الشرق، فإلى أيّ شرق يشير القيّمون على تعليق الجرس، وبالمقارنة مع أيّ جرس آخر تبيّن لهم أنّه الأكبر، هل مع أجراس الكنائس في الدول العربيّة ذات الطابع الإسلاميّ، أم مع أجراس كنائس إيران وتركيا وشمال إفريقيا؟ أم هو الأكبر بالمطلق ومن دون قياس؟
أمّا موقعه في وسط العاصمة التي لا تعرف تاريخ الموارنة فيها ولا دورهم ولا مساهماتهم فأمر يحتاج وحده مقالات ومقالات، وبخاصّة متى عرفنا أنّ الناس الذين يعنيهم أمر الصلاة في كنائس بيروت يجدون صعوبة في الوصول إليها وركن سيّاراتهم بالقرب منها، فمن سيأتي إلى الكنيسة الكاتدرائيّة مثلاً عندما يقرع الجرس؟ الضيوف الأجانب والمصطافون العرب أم الشبّان المتسكّعون في المقاهي والملاهي، الذين لا نجد وجوههم في مجلّة الرعيّة التي تواكب نشاطات راعي الأبرشيّة، صورًا تلتقط كلّ حركة، وعظات لا تدع مناسبة تفوتها؟
الأمر الثاني هو توقيت الإعلان عنه والاحتفاء به أي في المرحلة التي ترتفع فيها أعداد المسيحيّين الذين يبيعون أراضيهم وممتلكاتهم ويرحلون عن هذا الشرق الذي يشهد تناقصًا مخيفًا في أعداد مسيحيّيه. فبدل العمل على تثبيت المسيحيّين في بلدانهم وأحيائهم وأراضيهم، وبدل بناء أكبر مستشفى أو أكبر جامعة أو أكبر مدرسة في مناطق الجبل التابعة لأبرشيّة بيروت نفسها والتي يهجرها أهلوها طوعًا بعدما هُجّروا منها قسرًا، وبدل مساعدة الناس على تحمّل أعباء الحياة (أقساط مدرسيّة، تأمين عمل، تأمين تدفئة، استشفاء...) نجد المطرانيّة تحتفل بالجرس الأكبر الذي نتمنّى ألاّ تقرع مطرقته دقّات الحزن على ما آل إليه الوضع المسيحيّ!

ولمزيد من المعلومات حول هذا الجرس وكلفته إليكم هذا التقرير الذي أعدّته لصحيفة "النهار" الإعلاميّة السيّدة مي عبّود أبي عقل:

قريباً، تقرع كاتدرائية مار جرجس المارونية الجرس الاكبر في الشرق الاوسط. فبعد 11 عاماً على عودة الحياة الى اعرق صرح كنسي في وسط بيروت، اثر الانتهاء من اعمال الترميم التي خضعت لها على مدى اربع سنوات بسبب الخراب والتهديم اللذين طاولاها خلال الحرب اللبنانية، ها هي تستعد لتدشين البرج الكبير الذي سيحضن جرسا ضخما يبلغ وزنه 2,660 طناً
منذ اسابيع، قدم فريق خاص من المهندسين والفنيين الفرنسيين للاشراف على تركيب هذا الجرس الضخم، وهو يأتي  في اطار مشروع  ترميم الكاتدرائية الكبير والمتكامل الذي بدأ عام 1996 ويتألف من ثلاث مراحل

1- ترميم الكاتدرائية بحد ذاتها وانشاء بيت الكاهن، وقد انتهت.

2-  انشاء البرج الذي يحمل الجرس، وهي قيد التنفيذ.

3- انشاء متحف التراث الماروني الذي يضم الآنية المقدسة والمخطوطات الكنسية، مستقبلا.

وفي لقاء مع "النهار"، اوضح رئيس كهنة الكاتدرائية المونسنيور اغناطيوس الاسمر ان "انشاء برج وفي قلبه جرس هو تقليد قديم. ففي الماضي عندما كانت الكنيسة تتسلم السلطة، كانت كل الكاتدرائيات التي تقام في العواصم الكبرى في العالم فيها برج للمراقبة ويحوي جرسا. ونحن اتبعنا هذا التقليد في بيروت المدينة- العاصمة، واقمنا هذا البرج الذي يطل على كل المدينة، وفي قلبه الجرس، وعلى رأسه الصليب". 

البرج والصليب

يرتفع البرج على علو 70 مترا، وتبلغ مساحة قاعدته 64 مترا مربعا. ويمكن الصعود في داخله اما بواسطة الدرج الذي يعد 308 درجات، اما بواسطة مصعد كهربائي. وهو ملبس بالحجر الرملي الذي يتناسق وهندسة الكاتدرائية وحجرها، ويغطي جدرانه لغاية القبة التي تعلوه. وستلبس حفته بالسيراميك، وتوضع عليها اشارات تدل الى اتجاه بعض العواصم في العالم. ويمكن الدخول اليه حتى ارتفاع 50 مترا، وسيكون مفتوحا امام الناس، ويعتبر مزارا سياحيا في اطار برامج السياحة الدينية، يمكن ان يزوره الحجاج الذين يقصدون الكنيسة للصلاة والتبرك، مثلما يجري في الخارج.

ويعلوه صليب كبير من الحديد، يضاء ليلا بطول سبعة امتار ونصف المتر، يراه القاصي والداني، و"يذكر كل انسان بآلة فدائه التي من عليها خلص المسيح الانسان بدمه المهراق عليه" على ما يؤكده المونسنيور الاسمر

الجرس

اما الجرس فيزن 2,660 طنين، وسمي باسم "مريم والدة الاله"، لأن العذراء هي حامية وشفيعة كل المدن الكبرى مثل باريس وبرلين وستراسبور وغيرها... ويدق كهربائيا على نغمة "دو" ثلاث مرات في اليوم: السادسة صباحا وقت صلاة التبشير الملائكي، والثانية عشرة ظهرا والسادسة مساء لدعوة المؤمنين الى الصلاة والقداس. صنعته شركة "كورنيل هافارد" في فيل ديو في منطقة النورماندي الفرنسية، من مادة البرونزالصلبة، ويمدح شرقا- غربا بحسب الاصول. وبلغت كلفته مع البرج نحو 5 ملايين دولار قدمها محسنون ومتمولون موارنة

يذكر ان الكاتدرائية تضم قبتين تحوي احداهما على ثلاثة اجراس والثانية على جرسين من النحاس اوصي عليهما ايضا من فرنسا، وتتميز جميعها بتناسب الوزن مع النوطات الموسيقية. وجعل كل جرس على اسم قديس ويدق على نوطة محددة: مار جرجس (900 كلغ-فا)، مار مارون (625 كلغ- سول)، مار شربل (430 كلغ- لا)، القديسة مارينا ( 360 كلغ- سي)، والقديسة رفقا (250 كلغ- دو)، وهي تدق في مواقيت القداديس وفي الآحاد والاعياد.



الكاتدرائية

ويذكر عضو المجلس الرعوي للكاتدرائية المحامي رشيد جلخ ان "اول امر فكر فيه المطران بولس مطر، عندما تسلم زمام رعاية ابرشية بيروت المارونية عام 1996، خلفا للمطران خليل ابي نادر الذي استقال آنذاك بداعي بلوغه السن القانونية، هو ترميم كاتدرائية مار جرجس المارونية، نظرا الى ما كانت في حاجة اليه من جراء الحرب وايام المحنة التي مرت فيها بيروت. وشاء كذلك اتمام ملحقات الكاتدرائية، كما هي الحال في كاتدرائيات كبريات مدن العالم، عنيت بذلك بناء سكن الاكليروس الذي يؤمن الخدمة الروحية للكاتدرائية، الى جانب برج يركز فيه جرس كبير".

وبالفعل هذه الكاتدرائية التي دشنها للمرة الاولى المطران يوسف الدبس في 18 اذار 1894 يوم عيد الشعانين، بعد عشرة اعوام على بدء العمل بتشييدها، رممت مرة اولى في عامي 1953 و1954، ثم دشنت مجددا في 24 نيسان 2000 الذي صادف "اثنين الفصح" وادرج هذا الحدث يومها في قائمة الاحتفالات العالمية لليوبيل الخلاصي لمناسبة مرور الفي عام على ولادة السيد المسيح. وتقوم على العقار 327، وتبلغ مساحتها 3237 مترا مربعا، وهي مدرجة في قائمة الجرد العام للابنية الاثرية  بموجب القرار رقم 36 تاريخ 26 آذار 2002. وسيتم تدشين البرج بعد نحو ثمانية اشهر في مناسبة مهمة قد تكون زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر الى لبنان في الخريف المقبل

الجمعة، 27 يناير 2012

كُتُبٌ مفقودة من زمن فأيّها ينبغي تجديد نشرها - غفران مصطفى (صحيفة السفير)


اللوحة للفنان المصريّ جورج بهجوري (مواليد 1935)

صحيفة السفير - الجمعة 27 كانون الثاني 2012

السؤال الأهم: لماذا تتقاعس دور النشر عن إعادة طبع كتب أدبائنا الكبار؟ هل يعود ذلك إلى أسباب تتعلق بالربح المادي؟ وهل باتت هذه الكتب «متحفيّة» وأعلى من القدرة على تداولها؟ وهل تسعى دور النشر اليوم إلى إعادة طبع الكتب الأدبية القديمة والمهمّة التي قد تدرّ أرباحاً مادية إذا تم الترويج لها؟ وذلك من خلال الصحافة ووسائل الإعلام، التي بدورها تستطيع الإشادة بالكتب المميّزة. وأين دور وزارة الثقافة من هذه القضية؟ التي يُضاف إلى كاهلها مسؤولية نشر مختارات لكبار الأدباء العرب، في الوقت الذي لا تجني، بعضها الربح المادي المرجو لدور النشر. ولماذا لا تحتفي دور النشر العربية بكتبها القديمة ذات الطبعة الأولى لرواد الأدب في معارضها التي تقام في مختلف البلدان العربية؟ حين يعاد طبع العديد من الكتب التي لا تحتوي على مضامين نافعة، أو تحمل عناوين أكبر من فحواها. فأين كتب أديب مظهر مؤسس الشعر الرمزي؟ وأحمد زكي مؤسس مدرسة أبولو الشعرية التي ضمت شعراء الوجدان في مصر والعالم العربي، ومن روادها: إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وعلي العناني، وكامل كيلاني، ومحمود عماد، وجميلة العلايلى. أين كتب إيليا أبو ماضي؟ يوسف غصوب؟ صلاح لبكي؟ إلياس أبو شبكة؟ أحمد شوقي؟ يوسف حبشي الأشقر؟ طه حسين؟ عمر أبو ريشة؟ أبو الطيّب المتنبّي؟ سعيد عقل وشعراء حقبته؟ وغيرهم الكثير.. عدا أرشيف الفن، كالمسرح الحديث مثالاً، لرواده: منير أبو دبس وشكيب خوري وريمون جبارة.. والموسيقى والرسم والنحت والرقص... والكتب التي أرّخت هذه الحقبة. فبتنا اليوم، أمام جيل جديد يقف أمام رفوف مكتبة عامّة أو تجارية، لا تريد أن تثقّفهم عن الأدب والفن اللبناني إلا من خلال الخمسين سنة الماضية.
وكان بذلك سؤالنا لنخبة من المثقفين اللبنانيين عن أبرز الكتب الأدبية والفنية القديمة التي، برأيهم، تستحق إعادة الطبع والسبب لذلك.
تتفق بالرأي كل من الناقدة خالدة سعيد والأديبة يمنى العيد بأن أبرز الكتب التي يجب أن يعاد طبعها هي الكتب المتعلقة بالدولة المدنية، وتضم الأديبة والروائية ماري القصيفي رأيها إلى تلك التي تناصر حقوق المرأة، وتطالب بتحريرها والتي ظهرت مع بداية عصر النهضة تقريباً. فتعتبر سعيد أن تجربة مصطفى عبد الرازق (1885 - 1947) مثال يحتذى به على صعيد مؤلفاته عن الدولة المدنية، وهو شيخ الجامع الأزهر، ومجدد للفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، ومؤسس المدرسة الفلسفية العربية التي أقامها على الإسلام. وتشير العيد إلى بعض الكتب التي تستحق إعادة الطبع، مثل «الكتب التي تتناول السير الذاتية المتعلقة بسيدات لبنانيات كتبن عن نضالهن في المجتمعات السابقة، وكانت حينها بمثابة مساهمة قيّمة من قبل هؤلاء النساء الرائدات في مجال الأدب، كالأديبة مي زيادة، وعنبرة سلام، ووداد قرطاس وزينب فواز، وكانت علامة فارقة من أجل إحلال الحق وتبيان الظلم الذي تعرضن إليه من قبل مجتمعاتهن. و«هناك روايتان لمنى جبور تستوقفاننا، إذ تعبّران عن العنف الداخلي الذي كانت تعيشه الكاتبة جراء ترسبات عميقة من خلال علاقتها بوالدها وبمحيطها». وتضيف بعض الكتب التي تحبّذ كذلك إعادة طبعها مثل: «رواية «حي اللجى» لبلقيس حوماني، التي تحاكي الأحياء الشعبية اللبنانية التي لا يميّزها سوى العتمة، فكانت بمثابة إضاءة على هذه الأحياء وما يجري فيها. وكذلك كتب محمد عيتاني عن رأس بيروت عندما كانت عبارة عن مجرد رمول، بهدف التعرف على جذور هذه المدينة. والكتب التي تسلّط الضوء على الأدب الشعبي والنثر العربي لأمين نخلة ومارون عبود وأنيس فريحة، الذين دخلوا إلى أجواء لم تعد موجودة اليوم، «فمن المهم جداً التعرف على تراثنا الشعبي القديم، كالشعر والترانيم أيضاً».
ويقدّم الشاعر محمد علي شمس الدين كتباً على نحو مختلف مما سبق، كتلك المتعلقة بالنقد الأدبي، مثل: «المعري ذلك المجهول» للعلامة الشيخ عبد الله العلايلي، لأنه «أعاد خلق المعري من جديد». و«الغربال» لميخائيل نعيمة، و«أنتم الشعراء» لأمين الريحاني، و«في اللغة» لأمين نخلة. أما على صعيد الشعر: «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب، و«أغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس، و«رحلة الحرف الصفر» لبلند الحيدري، و«أحلام الفارس القديم» لصلاح عبد الصبور، لاعتباره أن هذه الدواوين أسست للحداثة الشعرية العربية. ومن جهة الرواية: رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل و«خالد» لأمين الريحاني، ورواية «لا تنبت جذور في السماء» ليوسف حبشي الأشقر. ويتفق شمس الدين والشاعر شوقي بزيع على إعادة طبع رواية «أنا أحيا» لليلى البعلبكي، لأنها «أول رواية عربية حديثة تغوص حثيثاً في الجسد الأنثوي وتكشف عن خفاياه» برأي شمس الدين، ولفت بزيع إلى أنها تشكل منعطفاً ونقلة نوعية في عصرها.
ربما نسي الشاعران أن رواية «أنا أحيا» لليلى بعلبكي الصادرة بطبعتها الأولى عام 1958 بالإضافة إلى سائر أعمالها: ‘’الآلهة الممسوخة’’، ‘’نحن بلا أقنعة’’، وأخيراً ‘’سفينة حنان إلى القمر’’، قد أعيد طبعها جميعاً بعد ما يزيد على خمسين سنة لعملها الأول ‘’أنا أحيا’’، في طبعة حصرية لدار الآداب في بيروت عام 2009.
أما في ما يتعلق بدور النشر في لبنان، المسؤولة مباشرة عن إنقاذ تراث الأدب العربي، قديمه وحديثه، فمن أولى المهام الملقاة على عاتقها أن تعيد نشر المؤلفات المهمّة والتي تقدم مردوداً مادياً لها، وإخضاع إعادة نشرها للجنة من كبار الأدباء ومؤرخيه. فعليها البدء من العصر القديم أي فجر الجاهلية، إلى العصر الحديث. وتلك مسؤولية حضارية. فدور النشر الفرنسية تتكفل الكتّاب المبدعين وتؤمّن لهم حياتهم مدى العمر، من خلال إعادة طبع كتبهم كلّما نفدت، فتحتضن الكاتب، على خلاف ما يجري في عالمنا العربي.

ترجمات ومجلات
ويبدي الأديب والروائي حسن داود أسفه لإقفال غالبية دور النشر التي كانت تنشر كتباً قديمة، المترجمة خاصة، ويتمنى على جميع الدور اليوم أن تجري جردة على جميع كتبها القديمة لإعادة طبعها وإحيائها من جديد. ويتفق بزيع وداود على إعادة طبع سلسلة حكايات «ألف ليلة وليلة» بنسختها الكاملة الأصلية، فيشير داود إلى أنها «مجتزأة اليوم لما فيها من قصص إباحية لا ترضى بعض الدول العربية بوجودها». ويضيف بعض الكتب المهمّة كي يعاد طبعها مثل: «ترجمات إحسان عباس الأدبية، ورواية «عوليس» لجيمس جويس ترجمة: طه محمود طه».
ويثير انزعاج الروائية علوية صبح غياب العديد من الكتب القديمة التي نحتاج إليها اليوم ككتب الجمال عند العرب، والتي ظهرت ضمن دراسة في الستينيات، وأبرزت هذا الجمال من خلال الشعر. بالإضافة إلى كتاب «سيف بن ذي يزن» و«تغريبة بني هلال». والتراث الجنسي الذي فرضت عليه رقابة الدول العربية فلم يعد موجوداً. والتراث الأندلسي، الشاعرات الأندلسيات خاصّة «اللواتي لديهن إنجازات شعرية هائلة».
بينما يكتفي الشاعر والناقد عقل العويط بنموذج واحد من النصوص والمنشورات القديمة لاعتباره أنه قد يكون من المفيد إلقاء الضوء عليها، من طريق إعادة نشرها، وهي «مجلة «المكشوف» لصاحبها الشيخ فؤاد حبيش». لأنها «تضع تأريخ مسألة الحداثة اللبنانية في نصابه الحقيقي. فتلك المجلة اضطلعت بدور أدبي وثقافي وإنساني بالغ الأهمية، قد يخفى على الكثيرين، ممن هم اليوم ورثة هذه الحداثة. فمن الطبيعي أن يعاد طبع ملخصات من أعداد هذه المجلة، ومقالاتها ونصوصها وترجماتها».
ويشدد الشاعر شوقي بزيع على مسألة إعادة طبع أمهات الكتب والمصادر الأساسية للتراث بدءاً من الجاهلية إلى نصف القرن الحالي، معتبراً أنها مسألة أعقد وأكثر حساسية من أن تترك في عهدة الناشرين الذين لا يأبهون إلا إلى حجم الأرباح من طباعة هذه الكتب، كما يجري بالنسبة إلى الكثير من المؤسسات الثقافية في بيروت ولبنان بشكل عام. ويلفت إلى أن هناك أكثر من مؤسسة ثقافية تغلق من دون أن يأبه أحد لذلك، ومن دون أن يتم إدراجها ضمن لائحة التراث، كمسرح بيروت، وهذه مسؤولية وزارة الثقافة بالدرجة الأولى. ويضيف «هناك هيئة عامة للكتّاب في مصر تتولى إعادة طبع كل الكتب المهمة، كالأدب والفكر والفلسفة العربية، لذا، على وزارة الثقافة أن تأخذ على عاتقها إنشاء مثل هذه الهيئة أو أن تتكفل بإعادة طبع هذه الكتب، التي بمعظمها إن وجدت لا تكاد ترى بالعين جراء الطباعة الرديئة وخطها الصغير». وأكد أهمية إعادة طبع بعض الكتب حتى لو كانت موجودة اليوم وذلك لإظهار أهميتها الكبيرة، ويُعهد إلى بعض الأدباء بإعادة قراءتها وتحقيقها وإجراء شروح عليها، ككتب سعيد عقل، الأخطل الصغير، صلاح لبكي، فؤاد سليمان، الياس أبو شبكة. بالإضافة إلى «طوق الحمامة» لإبن حزم الأندلسي و«مصارع العشاق»، وكتب الصوفيين كإبن عربي. أما عن كتّاب العصر الحديث، فلا يمكن الحديث عن الثقافة العربية من دون التنويه بكتب الأفغاني، الكواكبي، محمد عبده، وشكيب إرسلان، الذين استيقظوا مبكراً وتنبهوا إلى مسألة التنوير، وطرحوا في كل ثورة مسألة الحرية والعقل، وقدّموا قراءة جديدة للإسلام، ومعظم هذه الكتب غير متوفرة اليوم. ويؤكد بزيع والأديبة ماري القصيفي على أهمية إعادة طبع مجلة «شعر»، العائدة إلى الستينيات، والتي ساهمت في التعريف بالقصيدة الشعرية الحديثة من خلال نشر مؤلفات يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج، وسائر الكتب التي أشرفت المجلّة على نشرها، منشورات دار المكشوف، كما برز في تلك الحقبة توفيق يوسف عواد وأمين نخله ومارون عبود وعمر فاخوري، الذين أدّوا مساهمة جلّى للأدب العربي. أما الخطوة الأساسية التي يجب العمل عليها، برأيه، هي تفعيل دور لجنة القراء في كل دار لانتقاء الكتب المهمة والسعي إلى إعادة طبعها.

كلمات، كلمات
أما عن مؤلفات الشاعر أنسي الحاج إضافة إلى الشعر والتي تستحق كذلك إعادة الطبع: كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو «كلمات كلمات كلمات» 1978، الذي أرّخ لتلك الحقبة في مختلف مجالاتها، كالسياسة والفكر والأدب والفن. وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو «خواتم» في جزءين 1991 و1997.
انبثق إلى النور منذ بضع سنوات وسط هذا الخواء مشروع «الكتاب للجميع»، مجاناً مع جريدة «السفير»، الذي أطلقته دار المدى للثقافة والفنون مطلع عام 2002 بالتعاون مع ثلاث مؤسسات صحافية عربية، قبل أن تنضم إليه مؤسسات أخرى، ليشكّل استثناءً يكرّس واقع أن (الاستثناء) هو القاعدة العامة للثقافة العربية في وجهها الإيجابي. ويهدف المشروع إلى إعادة نشر أُمهات الكتب التي أسست حركة النهضة والتنوير في العالم العربي في القرن العشرين ولا تزال تكتسب الأهمية ذاتها في التأثير في وجدان القارئ العربي اليوم، بالإضافة إلى نشر عناوين حديثة. وقد سبق هذه التجربة مشروع «كتاب في جريدة» وشاركت فيه الكثير من الصحف العربية ومنها جريدتا «النهار» و«السفير» اللبنانيتان.
أما على صعيد الفن، فقد تأسف العديد ممن سألناهم لعدم وجود جواهر الكتب الفنية القديمة، فيشير الفنان التشكيلي حسن جوني إلى أن «المكتبات اليوم تخلو من الكتب الفنية ذات القيمة الجمالية والإبداعية التي يمكن أن يرتكز عليها الفن اليوم، كالتي تتعلق بفلسفة الفن وعلم الجمال، كي يستطيع المتلقي إيجاد حاجاته الجمالية، ككتب الموسيقى والرسم أيضاً. وهناك كتاب تجب إعادة طباعته ليصبح كالخبز بين أيدي الناس ويوزع مجاناً على الجميع يدعى «تاريخ الحضارة» عن دار المعرفة الكويت، للباحث والمؤرخ الدكتور حسين مؤنس، والذي يحمل كنوزاً من المعرفة بدءاً من تربية الإنسان كمخلوق مبدع، وعن تنويعات السلوك البشري. وهذه مسؤولية وزارة الثقافة كي تموّل مشروع إعادة طبع هذه الكتب. بالإضافة إلى ضرورة طبع كتب التاريخ كافة للمؤرخ فيليب حتّي، خصوصاً ما يتعلق بتاريخ لبنان والعالم العربي، ويعتبر حتّي مرجعاً مهماً، تخطّى عروبته إلى العالمية». وكذلك شدد على إعادة طبع ديوان المتنبي، حيث تختلج العاطفة والزمان والمكان وتتغلغل في النفس البشرية.
بينما يعتبر الناقد السينمائي إبراهيم العريس أنه تجب إعادة طبع كتب كل من تولستوي وديستوفسكي - ترجمة سامي الدروبي، وروايات المصري فتحي غانم.

التراث
وبلهفة المثقّف العربي على كنوز تراثه، تقدّم الشاعرة والأديبة صباح زوين بعضاً من الكتب التي تحتضنها مكتبتها، والتي أبدت فخراً كبيراً أنها تمتلكها مثل: «كتاب الأغاني» للأصفهاني، و«الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لإبن بسام و«الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، و«عيون الأخبار» لإبن قطيبة، و«الجنس عند العرب» للشيخ النفزاوي، و«كتاب الحيوان» للجاحظ.. إذ «كانت عناوين الكتب قديماً جذابة وموسيقية كأنها نظمت على القافية، وكانت لغتهم منسوجة بطريقة ترنيميّة، إضافة إلى المعلومة العلمية التي كانوا يقدّمونها بطريقة عميقة وممتعة». وأبدت أسفها على الجيل الجديد الذي لا يعرف، بمعظمه، ما خطّه أدباؤنا القدامى، خصوصاً جيل الحرب الأهلية، إذ «تراجع القطاع التعليمي حينها، فانتشرت الفوضى وأنقصت من جدّية الثقافة، لأن كل شيء بات رخيصاً حينها أمام الحرب والدماء». وأشادت بالغنى الوفير الذي كانت تختزنه كتب التراث لرواد الأدب، الذين تناولوا في كتبهم مختلف المجالات، كالأدب والفلسفة والشعر وعلم الاجتماع والترجمة والفنون والرياضيات والطب التي لم تعد متوفرة اليوم، لأننا دخلنا إلى عصر التخصص، فالشعراء لا يكتبون سوى الشعر، والفلاسفة والروائيون كذلك. و«للأسف دور النشر في الغرب تبحث دائماً عن الكتب القديمة كي تعيد طبعها، وعن الكتّاب المبدعين كي تنشر كتبهم، على عكس ما يجري في دور النشر العربية».
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن دور النشر في أميركا تعيد، اليوم، طبع كتب الأديب اللبناني أمين الريحاني، الأمر الذي يجعلنا نشعر بالخجل لما وصلت إليه مؤسساتنا الثقافية ودور النشر العربية تحديداً.
أما دور النشر في لبنان فيصل عددها إلى 700 دار حازت على ترخيص وزارة الإعلام.. أي أن لبنان يمتاز، عن غيره من الدول العربية، بوجود أكبر عدد من دور النشر. لكن الدور التي تعمل فعلياً، والظاهرة بشكل أكبر على ساحة النشر في لبنان لا تزيد على 20 داراً. بعض الدور أغلق، والبعض الآخر غير فاعل كما يجب. وهذا ما يلقي مسؤولية أكبر على الدور الفاعلة، كي لا تصبح المشكلة مرتبطة بشكل أكبر مما هي عليه اليوم بالهوية الثقافية التي تلاقي تهديدات من أطراف متعددة كالعولمة، والتي تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتُجْهز عليها ثم تتغذّى بها. وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتحتدّ في طلب الأمن والأمان، وتتشبث بالوجود والديمومة والاستمرار.
والكلام على النتاج الإبداعي القديم لا يُنقص بالطبع من قيمة المبدعين الذي فرضوا أنفسهم بما أنتجوا من كتب مؤثرة، منذ ستينيات القرن الماضي حتى اليوم.
وتطرح الأديبة والروائية ماري القصيفي قضيّة تراجع نسبة القرّاء المهتمّين بكتب هذا التراث فتعتبر أنه «لا يكفي أن يعاد طبع أيّ كتاب إن لم يوجد من يشتريه، لذلك فالسؤال المطروح هو كيف نعمل على جعل الكتاب مغرياً ليشتريه قارئ لم يعد على صلة بعصر بعُد عنه في الزمن؟ فهل ما كتب لعصر النهضة مثلاً يلائم هذه المرحلة المشدودة اليوم بين قطبين: وسائل الاتصالات السريعة والثورات العربيّة؟ لذلك تبدو الكتب التي تطرح مسائل فكريّة وتؤسّس لمرحلة شعرية ونثريّة هي المطلوب التذكير بها، علما أنّ لبنان ومصر كانا البلدين اللذين يمكن الحديث فيهما عن إنتاج مهمّ في تلك المرحلة التي يصعب تحديد بداياتها ونهايتها».
وتضيف «أنا مقتنعة بأنّ القارئ العربيّ لا تعنيه كثيراً كتب تلك المرحلة إن لم يكن من أهل الاختصاص أي من دارسي الأدب والنقّاد، عدا هؤلاء لا أظنّ أنّ هواة المطالعة يعنيهم أمر كتب أثارت جدلاً أو أنشأت تيّاراً كتلك التي دعت إلى تحرير القصيدة أو تحرير الوطن. والدليل أنّ معرض الكتاب الأخير أتاح فرصة الحصول على كتب في طبعتها الأولى من بدايات القرن الماضي وكان سعر الواحد منها ألف ليرة لبنانيّة فقط لا غير ولم تجد تلك الكتب من يشتريها، فعاد أكثرها إلى المستودعات في انتظار معرض آخر. ومع ذلك تخطر لي أسماء كتب من مراحل زمنيّة مختلفة تستحقّ إعادة طبعها إن كانت قد نفدت، أو التذكير بها في الصفحات الثقافيّة والمجلاّت. فتتفق والشاعر محمد علي شمس الدين على كتاب «في الشعر الجاهليّ» لطه حسين الصادر عام 1926، لاعتبارها أنه «يطرح تساؤلات حول تاريخ المرحلة السابقة للإسلام من خلال الشعر»، بينما يلفت شمس الدين إلى أنه «كان أول من استخدم منهج الشك الديكارتي بهدف الوصول إلى اليقين». وتابعت «كتاب «أين الخطأ» للعلاّمة عبد الله العلايلي (1978) الذي يطرح قضيّة الجمود الذي أصاب المسلمين في فهمهم دينهم. ولكنّ إعادة الاعتبار للذاكرة والتاريخ تتطلّب أكثر من مجرّد أسماء لبعض الكتب، فالمطلوب نفض الغبار عن إصدارات تحمل نبض الحياة في تلك المرحلة كمنشورات الأديار المسيحيّة التي صدرت مع بداية الطباعة في لبنان في كونها تعرّف على مسيرة اللغة العربيّة، وترجمات الأدب العالميّ في كونها تشي بالتأثيرات التي تركتها على شعراء مرحلة ما بين الحربين العالميّتين وروائيّيها، ومذكّرات صحافيّين وسياسيّين واكبوا عن كثب النكبة الفلسطينيّة والحركات الاستقلاليّة في الدول العربيّة، والحكايات الشعبيّة التي كان الناس يتناقلونها وتؤرّخ للمدن والبلدات والقرى. ولكن ما أرغب فعلاً في أن ينشر هو أرشيف الصحف في مصر ولبنان تحديدًا، فالصحافة كانت ملتقى الكتّاب والشعراء والروائيّين، ومن مكاتبها التي كانت متواضعة وبسيطة برزت أسماء كبيرة لا تزال آثار إبداعاتها تتفاعل إلى اليوم».
وأخيراً، تطرح القصيفي سؤالاً يبقى في عهدة القرّاء الغيورين على تراث الأدب العربي، ودور النشر العربية المسؤولة عن إعادة الطبع، ووزارة الثقافة لدعم هذا المشروع: «هل هناك نسبة قرّاء تغري أيّ ناشر بإعادة إصدار هذه الكتب؟
».


الاثنين، 23 يناير 2012

الرواية اللبنانيّة في موسم هجرتها إلى الشمال



وادي قاديشا

ليالي الشمال ليست حزينة هذه الأيّام، فالرواية اللبنانيّة بعدما كادت بمجملها تغرق في رمال الجنوب المتحرّكة، التفتت إلى شمال البلاد، لتضعنا، خلال موسم أدبيّ واحد، أمام ثلاث روايات تتّخذ من جغرافية تلك المنطقة مسرحًا لأحداثها: "سينالكول" للياس خوري اختارت طرابلس، و"قاديشا" لأكسندر نجّار اختارت الوادي المقدّس كما يدلّ العنوان (صدرت بالفرنسيّة)، و"ملكوت هذه الأرض" لهدى بركات التي يصول شخوصها ويجولون بين زغرتا وإهدن (لنا وقفة مطوّلة معها في مقالة لاحقة). فما هي أسباب هذه الالتفاتة الشماليّة؟ وما هي خطوطها العريضة؟ وبمَ تختلف عن رواياتِ اثنين من أبناء تلك المنطقة طبعت أعمالهما المرحلة المعاصرة للرواية اللبنانيّة، وهما جبّور الدويهي ورشيد الضعيف اللذان ورد اسماهما في اللائحة الطويلة لجائزة الرواية العربيّة لعام 2011، وتدور أكثر أعمالهما في رحاب تلك المنطقة أو استنادًا إلى تاريخها الشفويّ؟
ألكسندر نجّار

لا يمكن، في هذا العجالة، الاستفاضة في الإجابة على هذه التساؤلات، غير أنّه في الإمكان التوقّف سريعًا عند بعض الأفكار:
-         الواقع المسيحيّ المشرذم: لا يخفى أنّ الشعوب في مرحلة الخوف على مصيرها وكيانها تعود إلى التاريخ لتنبش سِير الأبطال وتستعيد صفحات مجيدة قد تحمل الأمل للأجيال الشابّة. ولعلّ الروائيّين المسيحيّين المشار إليهم، أكانت جذورهم من تلك المنطقة الشماليّة أم جعلوها مسرحًا لشخوصهم الروائيّة، أرادوا، عن وعي وتصميم، أو عن غير قصد، أن يؤكّدوا على الوجود المسيحيّ الفاعل في لبنان، والمنتشر عربيًّا وعالميًّا، كأنّي بهم يسعون إلى استدراك الوقت قبل أن يفوت أوان تأريخ المساهمة الحضاريّة المسيحيّة في هذا البلد. ولا تفوتني الإشارة إلى أنّ دراسة مقارنة لأعمال هؤلاء الروائيّين ستبيّن اختلافات لافتة في نظرة كلّ منهم إلى التاريخ وما نتج عنه، لكن هذا الاختلاف نفسه هو ما يغني التجربة الروائيّة ويضعنا كقرّاء أمام عيّنات تستحقّ القراءة والتحليل وأخذ العبر. من دون أن ننسى أنّ جبّور الدويهي ورشيد الضعيف من بلدة إهدن، وهدى بركات من بلدة بشرّي التي منها بطل رواية ألكسندر نجّار "سامي رحمة"، في حين لم يلتفت بطل "سينالكول" إلى شرق طرابلس. فهل لأنّ الياس خوري أرثوذكسيّ يعتبر أن لا جذور خاصّة به في أعالي الشمال المارونيّ، حصر مساحته الجغرافيّة (روائيًّا) بين الجنوب الذي كان يساريًّا وصار شيعيًّا والأشرفيّة ذات الأكثريّة الأرثوذكسيّة ثمّ طرابلس ذات الأغلبيّة الإسلاميّة السنيّة والأقليّة المسيحيّة "المستقيمة الرأي"؟
هدى بركات

-         الواقع الجنوبيّ المجمّد: خلال الأعوام الماضية، كان الجنوب مسرحًا للعمليّات الحربيّة والعسكريّة، ومادة خصبة للرواية. ومع انحسار التأثير اليساريّ أمام التمدّد الدينيّ الأصوليّ، وغياب العامل الفلسطينيّ المؤثّر، وجد الروائيّون أنفسهم في مأزق حقيقيّ، فلا هم قادرون - في المرحلة الحاليّة على الأقلّ - على اتّخاذ موقف واضح وصريح ممّا يجري، ولا هم يملكون مشروعًا بديلاً يمكنه أن يؤسّس لتيّار روائيّ رؤيويّ جديد. فكان الالتفات إلى السير الذاتيّة أو الغوص في الذكريات، وفي أحسن الحالات الصمت. هذه الحيرة أمام المشهد الجنوبيّ المحكوم اليوم بالواقع السوريّ، وفي ظلّ حرب لبنانيّة باردة بين مختلف التيّارات والمذاهب، وبعدما انتهت الحرب الأهليّة الدامية إلى هذا السلم الهشّ، هذه الحيرة، أقول، أعاقت بعض الروائيّين عن "التخيّل" الذي لا تقوم قائمة الرواية من دونه، كأنّ الواقع المأزوم لا يسمح إلّا بالتذكّر: تذكّر الحرب ومآسيها أو تذكّر ما قبلها والحنين إليه، ما يعرقل إحداث صدمة روائيّة تقوم على اختراع عوالم تستلهم الماضي من دون أن تبقي عليه كما هو، وترى الحاضر من دون أن ترضخ لشروطه، وتستشرف المستقبل ولا تخشى التحذير منه.

-         المتغيّرات العربيّة: في انتظار أن تتوضّح صورة الوضع العربيّ، مع ما ينتج عنها على مختلف الصعد، كان من الطبيعيّ أن تنأى الرواية اللبنانيّة بنفسها عن المستجدّات كي لا تفضح عجزها عن مواكبتها، خصوصًا أنّ الرواية إنتاج أدبيّ يتطلّب مسافة زمنيّة فاصلة عن الحدث ولا يقبل بالانفعال الآنيّ الذي يواكب اللغة الإعلاميّة وبعض القصائد التي على الأرجح لن تعيش طويلاً. لذلك التفت الروائيّون إلى ماضيهم الخاصّ أو العامّ، باحثين فيه عن عناصر تساعدهم على قراءة المستقبل ومعرفة ما يمكن أن ينتج عن التحرّكات الشعبيّة التي لم يستطيعوا هم أنفسهم أن يحدسوا بها. من هذه الزاوية التي يبدو فيها المسيحيّون خائفين على وجودهم في العالم العربيّ كلّه، عاجزين عن تحديد موقف واحد منها، ننظر إلى "روايات الشمال" في كونها محاولة متأخّرة، وإنْ مهمّة، للتمسّك بالهويّة والأرض، فها هو "سامي رحمة" بطل رواية "قاديشا" يؤكّد لصديقته الفرنسيّة "فلورنس" حين سألته إن كان يشعر بأنّه عربيّ، قائلاً - ولو بالفرنسيّة -: إنّ المسيحيّين العرب سابقون للإسلام. ولكن، من يقنع المسيحيّين "المتغرّبين" بذلك، ومن يقنع المسلمين الأصوليّين؟ أحبّ أن أفكّر في أنّ الروائيّين والشعراء والمثقّفين قادرون إن تعالوا على نرجسيّة طبيعيّة في المبدعين، ومحبّبة لو لم يكن الظرف حرجًا. غير أنّ الخشية مشروعة في أن تبقى هذه الكتابات نوعًا من الوقوف على أطلال ماضٍ فيه كثير من الإنجازات والأمجاد، لكنْ الكثير الكثير من الإخفاقات، ما جعل دور مسيحيّ الشرق عمومًا والموارنة خصوصًا ينحسر إلى مجرّد تطويل أمد البقاء وينحصر في الرهان على صراعات الآخرين، ويتحمّل المفكّرون والمثقّفون والمبدعون مسؤوليّة كبيرة في ذلك إذ اكتفوا بدور المراقبة والتسجيل والتأريخ. في رواية هدى بركات يقول أحد الرهبان: "هكذا دائمًا، يتحالفون علينا، تتغيّر السياسات وتتحالف علينا الأمم ونسقط ضحايا ولا نتعلّم...إنّ رؤوسنا انتفخت وتكبّرنا وتجبّرنا فوقع علينا قصاص الربّ".

"إمّك ما بتعرف تحكي فرنساوي"


الخوري يوسف كان مديرًا في إحدى المدارس، ليس مديرًا بالمعنى الصحيح، فهو لا يعرف أن يدير سوى "دينته الطرشا" بحسب لهجتنا المحليّة، أي يسمع ما يرضيه ويهمل ما لا يلاقى هوى في نفسه. فهو إذًا في موقع مدير أو نائب رئيس لكنّه يكل الأمر على أرض الواقع لبعض المعلّمات اللواتي كن يدرن في فلك مركزه، خصوصًا في غياب رئيس المدرسة.

أمّا اختياره لهذه الوظيفة فمن باب التنفيعات التي تفرض أن يكون الكهنة موظّفين في المؤسّسات، أتربويّة كانت وظائفهم أم إداريّة أم تمريضيّة أم ماليّة...
وكان الخوري يوسف في الوقت نفسه كاهن رعيّة صغيرة وفقيرة، أكثر سكّانها ليسوا منها، فتفتّقت قريحة الخوري، خلال الحرب، عن فكرة "جهنميّة" – ليس غريبًا على الخوري أن يأتي بأفكار من جهنّم، فالشيطان كان ملاكًا، لا تنسوا، المهمّ أنّ الفكرة الذكيّة قضت ببناء مدافن في القرية التي ليس فيها مدافن! لماذا؟ لأنّ الدنيا حرب، والناس لا يستطيعون دفن موتاهم في قراهم. وبالفعل نجح المشروع وبيعت "جوارير" المدافن بأغلى الأسعار وحقّق الخوري أرباحًا كبيرة جعلته يبني كنيسة كبيرة...ويشتري شققًا في أكثر من منطقة.
لكنّ طموح الخوري يوسف لم ينته عند هذا الحدّ طبعًا، فضرب عينه على حيّ من أحياء رعية مجاورة، أهله أغنياء وفيه سفارات وقصور وكنيسة فقيرة وصغيرة لأهل الحيّ الأصيلين الذي يصحّ وصفهم بأنّهم كانوا "بيتين وتنّور"، وبالتالي قد يكون هذا الحيّ مصدر ربح لا يجوز التغاضي عنه. وبدأت محاولاته الدؤوب لانتزاع هذا الحيّ من الرعية المجاورة وضمّه إلى رعيّته في حملة صليبيّة هدفها توسيع مناطق نفوذه. لكنّ وكيل الوقف في كنيسة ذلك الحيّ (منجم الذهب) وقف في وجه الكاهن وعارض المشروع، معتبرًا أنّ الانفصال عن الرعيّة الأمّ غير منطقيّ وبخاصّة لأنّ فيها مدافن عائلات الحيّ.
هنا، صار لا بدّ من استخدام العصا، بعدما فشلت إغراءات الجزرة.
إذ شاءت الظروف أن تكون ابنة وكيل الوقف معلّمة جديدة في المدرسة التي يدّعي الخوري عصام أنّها تستمرّ في عملها بفضل نفحته الروحيّة وعمله وعطائه. فاستدعى الخوري الفتاة التي تؤسّس حياتها المهنيّة في تلك المدرسة وعرض عليها موقف والدها من مشروعه. اضطربت الفتاة وتساءلت عن الهدف من هذا الحوار وإلى أين سيؤول الأمر. غير أنّها استجمعت شجاعة لم تكن تعرف أنّها تملكها وسألت عن علاقتها بالموضوع، فكان جواب الخوري المباشر: يا إنتِ بالمدرسة أو بيّك بوكالة الوقف!
حاولت المعلّمة ألاّ تنسى أنّها في حضرة مدير وكاهن، وقالت له ما خلاصته أنّ الحيّ وإن كان فيه سفراء وأغنياء لكن هؤلاء لا يأتون إلى الكنيسة الصغيرة، وأكثرهم غرباء، وبالتالي لا شيء يستحقّ كلّ هذه البلبلة والمشاكل. وكان جواب الخوري الحاسم أنّه يعرف كيف يتصرّف مع هؤلاء وكيف يجذبهم إلى الكنيسة التي لن تبقى صغيرة، "ووالدك يا آنسة لا يناسب طموحي للمنطقة كما أنّ والدتك لا تجيد اللغة الفرنسيّة؟
-       اللغة الفرنسيّة؟ والدتي؟ لم أفهم العلاقة بين الأمرين؟ وما دخل أمّي بالموضوع؟
-       أمّك تلمّ صينيّة الكنيسة يوم الأحد، ويجب على من يفعل ذلك أن يكون مثقّفًا يبيّض وجه الكنيسة، ويحسن التخاطب مع الناس.
-       لكنّ الناس يحبّون أمّي، وليس هناك مجال للتخاطب في أيّ شأن وبأيّ لغة خلال جمع التقدمات في القدّاس.
-       Image de marque، القضيّة هي قضيّة مظاهر وجماليّات وتسويق صورة حديثة عن الكنيسة. على كلّ حال، أخبري والدك وخيّريه: وكالة الوقف أو شغلك بالمدرسة؟

بين قتْل شهرزاد والتحريض على احراق «ألف ليلة وليلة»


صحيفة الحياة، الإثنين، 23 يناير 2012
في معزل عمن كان أول مَن فكّر في التخلص من صورة «شهرزاد» وأثرها على شخصية المرأة العربية، لا بد من التحذير من أن قتل «شهرزاد» مجزرة جماعية تروح ضحيتها آلاف الشخصيات التي تحفل بها حكايات «ألف ليلة وليلة»، من دون أن ننسى اغتيالَ ما لا يحصى من آراء النقاد والدارسين والروائيين والشعراء والسينمائيين، الذين رأوا في هذه الليالي العربية نبعاً لا تزال تستقي منه مخيلة الإبداع العالمي. ولعل كلمات الروائية حنان الشيخ في اللقاء معها خلال معرض الكتاب الفرنكوفوني، تؤكد بأن سوء فهم كبيراً لاحق «شهرزاد»، سببه عدم قراءة الليالي كاملة، فلقد اعترفت الروائية اللبنانية بأنها في البداية كانت تكره «شهرزاد» وتعتبرها «كليشيه»، إلى أن قرأت «ألف ليلة وليلة» كاملة، واكتشفت أن «شهرزاد» كاتبة مهمة وقارئة، استطاعت أن تجعل الملك إنسانًا. وعلى الأرجح ينسحب هذا السبب، أي عدم قراءة الليالي كاملة، على أكثر الذين كتبوا عن شخصية «شهرزاد» فلم يروا فيها سوى المرأة التي تريد إنقاذ حياتها بأي ثمن، لا القارئة النهمة والروائية التي تُحْسِن توليد الحكايات من رحم خيالها الخصب.



تدين السينما الأميركية لليالي العربية بكثير من موضوعاتها، وخصوصاً تلك التي تدور حول أمور الفضاء وأعماق البحار والسفر والمغامرات والسحر والخيال العلمي والقوى الخارقة، فضلاً عن تصوير عالمَي الفقر والغنى وحكايات الحب والغدر والخيانة. صحيح أن هوليوود لم تعترف دائماً بفضل الليالي على إنتاجاتها، غير أن عاصمة السينما اعترفت في أكثر من فيلم بـ«شهرزاد» المرأة المثقفة والذكية، ففي أحد الأفلام التي تناولت شخصية هذه المرأة، نراها تتسلل من القصر عند الصباح، لتقصد «حكواتياً» يقيم في خيمته في ساحة المدينة. وفي هذه الخيمة /المدرسة/ نرى الرجل الحكيم يصحح للمرأة الأخطاء التي ارتكبتها في عملية السرد التي قامت بها الليلة الماضية، ويعلمها تقنيات القص لسرد الحكاية الجديدة، كما ينصحها بقراءة كتب تتناول شتى المواضيع، فهذه الـ«شهرزاد» إذاً امرأة تريد، بواسطة الأناة والشغف اللذين هما من جوهر الحكايات، أن تنقذ نفسها والنساء، وكذلك الرجل الذي يمثله «شهريار»، وهي في ذلك تشبه أمهاتنا وجداتنا، اللواتي كن حين تضيق بهن الحياة، يلجأن إلى الحكاية يخففن بها عن الأولاد والأحفاد، وعلى مسمع من الرجال، قسوةَ الحزن والوحدة والفقر. وهو ما اختصره غابريال غارسيا ماركيز بقوله «فضيلة القص المباركة» التي سيطرت على نزعة الشر من نفس «شهريار». 






المرأة الحكواتية

غير أن هذه المعالجة السينمائية الفريدة لا تعني أن الغرب لم يصور بطلة الليالي امرأة شهوات ورغبات، ما دفع كثير من النقاد والروائيين إلى التصدي لهذه الصورة بغية تصحيحها، ومنهم فاطمة المرنيسي، الكاتبة وعالمة الاجتماع المغربية، حين أكدت على تقدم الذكاء على الجمال في معالجة شخصية المرأة الحكواتية، بل تذهب إلى أبعد من ذلك في كتابها «شهرزاد ترحل إلى الغرب»، حين تقيم مقارنة بين نظرة الغرب المحتقِرة إلى المرأة (كما تبدو في الآداب والفنون)، في مقابل قبول الشرق بامرأة ذكية تمسك ببراعة بمفهومَي الأدب والفن، وبعلمها وثقافتها تنقذ نفسها وبنات جنسها وتكتسح مخيلة العالم، وهي بذلك، أي المرنيسي، قتلت «شهرزاد» التي صنعها بعض الغربيين لا «شهرزاد» نا الحقيقية، العربية، إيماناً منها بأن الجنس قد يقتل رغبة القتل في نفس «شهريار» لليلة أو ليلتين لكن ليس لألف ليلة وليلة (وهو رقم يعني لانهائية الوقت)، في حين أن العلم الذي يتحصل بالمعرفة، أكانت عبر الحكايات الشفهية أو القصص المكتوبة، يستطيع اجتراح المعجزات. ولا تخفى على أي مطَّلع علاقةُ كبار الروائيين بعالم «ألف ليلة وليلة»، ولعل خورخي لويس بورخس أكثرَهم اعترافًا بفضل الحكايات على أدبه، فوصف في حديث مع الكاتبة الأرجنتينية ربينا روفيه، «ألف ليلة وليلة» بالكتاب الرائع والجميل الذي ترك فيه أثراً كبيراً، مشيراً إلى أن كثيرين من المثقفين العرب لم يطَّلعوا على الكتاب، لا في نسخته الجريئة ولا في نسخته المهذبة. هذه العلاقة بين الكاتب الأرجنتيني وعالم «ألف ليلة وليلة»، استحقت من الكاتب اللبناني عيسى مخلوف تخصيصَها بقراءة تحليلية في كتاب بعنوان: «الأحلام المشرقية - بورخس في متاهات ألف ليلة وليلة»، ومما نقرأه على الغلاف الخارجي للكتاب: «... وإذا كانت ثقافة بورخس تتسم بانفتاحها على ثقافات الشعوب كلها، وهذا ما يُكسبها طابعها العالمي، فإن الموروث العربي، ومن ضمنه «ألف ليلة وليلة»، يحتل حيزاً بارزاً في هذه الثقافة. أما التقارب بين بورخس وذلك الموروث، فهو تقارب على مستوى الإبداع والجماليات...». وفي رأي لا يقل حزماً عن رأي بورخس، كتب الشاعر اللبناني أنسي الحاج في مقالة بعنوان «حياة من كتب»: «ليس في العربية كتاب أجمل من «ألف ليلة وليلة»»، وكان الشاعر في مقالة سابقة (بين الهواء والطير)، تحدث عن الرشاقة في الأدب،وهي صفة الأثيريين ومن شيم الرقص والذوق والموسيقى الطائرة، ورأى أن العرب عرفوها في كتابَي «الأغاني» و«ألف ليلة وليلة»، وهو ما ذهب إلى ما يشبهه الشاعر عقل العويط، حين كتب في عدد خاص من «ملحق النهار» عن العراق: «يريد أن يحول (أي صدام حسين) بلاد «ألف ليلة وليلة» الى بلاد الليل الذي لا حلم فيه ولا «شهرزاد» على شرفة مناماته» (16 شباط 2003). وإن كان عقل تراجع عن موقفه حين كتب «في مديح عدم الاكتفاء»: «يكفيني أن امرأة قتلت «شهرزاد» وقتلتني». فهل يجوز قتل المرأة التي استطاعت أن تحقق كل ذلك، وألهمت الأخوين رحباني فكتبا: «أنا شهرزاد الحكاية»؟
أما الروائي اللبناني الياس خوري، فلا يتردد في التأكيد على أنه في غالبية رواياته يرتكز على ثلاثة عناصر: الكاتب المكشوف الذي هو جزء من العمل، والشفهي الذي يدخل في الكتابة فيحولها ويتحول، والانطلاق من التجربة المدهشة لـ«ألف ليلة وليلة»، حيث تتوالد الحكايات ليس في متاهة بل في نسق يشبه «الأرابسك». 
وتطل «شهرزاد» في كلامه حين يقول للشاعرة عناية جابر في معرض حديثه عن ميليا بطلة روايته «كأنها نائمة»: «عندما تصمت المرأة يكون المجتمع أخرس» (صحيفة السفير، 2007). وحماسة خوري لحكايات الليالي معروفة، لا يتأخر عن الاعتراف بها والدفاع عنها في المحافل الأدبية، فهو اعتبر في إحدى ندوات معرض فرانكفورت للكتاب، وخلال مؤتمر عن «ألف ليلة وليلة»، أن الكتاب مفتوح نستمر في تأليف قصصه والإضافة إليه. 
فهل يمكن الفصل بين هذا الكتاب المفتوح على مزيد من القصص والمرأة التي أنجبته؟ علماً أن الياس خوري يستعين بكلمات من هذا الكتاب كأنه يحفظه غيباً، فيقول في مقالته عن موت مايكل جاكسون: «مايكل جاكســون رمز افتـــرسه خالقوه، فالسلطة والشهرة والمال لا تشبع أو ترتوي إلا بالموت، الذي أسمته «شهرزاد» هادم اللذات».

جواهر وخزائن

ولعل الناقد المصري جابر عصفور اختصر الكثير من الكلام حين تحدث عن «شهرزاد» صانعة الحكايات التي تُكتب بماء الذهب وتُحفظ في خزائن الملوك الجواهر، أو تُدون في السجلات لأجل أن يطلع عليها الخلف فيعرف أخبار السلف، أو يسعى إليها الساعون في البلدان المختلفة، لينسخوها بأدق ما يستطيعون، كي يعودوا بها هدية إلى ملوكهم، الذين يحفظونها في خزائنهم ليطالعها من يبحث عن الحكمة المتجددة في الزمان والمكان. ويلفت إلى ناحية في منتهى الأهمية، حين يبين أن «الليالي» إنتاج مديني بامتياز، فيقول: «شهرزاد هي ابنة المدينة في أصل التسمية (في الفارسية)... والزمن الذي يتحرك فيه الجميع هو زمن المدينة... في أفق الحكايات المفتوح كالسؤال. هذا الأفق هو مهاد الجدارية الهائلة التي تتصدرها شهرزاد بصفتها أمثولة المرأة الجديدة التي تدين بوجودها إلى المدينة، والتي تمسك بيمينها القلم علامة على هذا الوجود. وتحفظ في ذاكرتها ما يصلها بميراث مدينة الإنسانية».

لا يمكن إذاً أمام الدعوة إلى قتل «شهرزاد» إلا استعادة دعوات سابقة طالبت بحرق «ألف ليلة وليلة» لأنها إباحية تسيء إلى الدين والأخلاق. ولا يمكن إلا التخوف من انسحابها على آراء ومواقف قد يخطر لها أن تدعو إلى «قتل» أم كلثوم لأنها استغلت صوتها للتأثير على الرجال، وفيروز لأنها امرأة خضعت لـ «سلطة» الأخوين رحباني الذكورية، وصباح لأنها امرأة مزواج، فضلاً عن أن قتل بطلة الليالي يعني قتلَ الحلم والخيال والذكاء، واغتيالاً لعلاء الدين والسندباد والصياد، الذي أخضع المارد وعلي بابا ودليلة المحتالة وعلي الزيبق... وغيرها من شخصيات موزعة على مختلف طبقات المجتمع. وهذه جريمة يسكت عنها النقاد، بل يذهب أكثرهم إلى التغني بشجاعة مرتكبيها.

الأحد، 22 يناير 2012

محاولة عشق من تحت الأنقاض




انهارت الأخلاق فلم يحرّك أحد ساكنًا
انهارت البناية فتحرّك الجميع مع عدا السكّان
...الذين ماتوا
***

لو ذهب سكّان البناية التي سقطت قبل يوم واحد إلى السياسيّين ورجال الدين
وطلبوا أن يبيتوا ليلة عندهم لأنّ البناية مهدّدة بالانهيار
من كان استقبلهم؟
***

رجال الدين يقولون: وين الدولة؟ ما في دولة؟
وحين نطلب منهم فصل الدين عن الدولة كي لا يضيع الدين كما ضاعت الدولة يرفضون
هل هذا يعني: ما في دولة وما في دين؟
***

أهضم ما في الرجل المتزوّج الذين يخون زوجته
أنّه لا يسمح لحبيبته بالتعرّض لها بأيّ كلمة
لأنّ تلك السيّدة "العظيمة" كما يصفها
أمّ أولاده وشريكة عمره التي وقفت إلى جانبه في السرّاء والضرّاء
وعلى من يحبّه أن يحبّها هي أيضًا
وأهضم ما تفعله "الحبيبة" بعد هذه المحاضرة هو... الاعتذار عن هذه الإساءة
***

انهيار الأعصاب، انهيار الأخلاق، انهيار سوق العملات، انهيار الأنظمة
كم يبدو انهيار الأبنية نتيجة طبيعيّة!
***

تتفسّخ العلاقات العاطفيّة، يهوي عمود الثقة، تسقط ورقة التين عن الوجوه، تتخلخل أسس الروابط العائليّة، تتفتّت صخرة الإيمان، يتدحرج الحجر عن الباب، يؤوب الموتى إلى حضن القبر
***

نعبر إلى القيامة عن طريق الموت. يا لحظّ البشر!
***

قلت لنفسي الليلة: تصبحين على خير!
فلم تردّ!
حتّى أنتِ يا نفسي؟
***

قلت لنفسي البارحة: غدًا يوم آخر!
قالت لي: من الانتظار...
***

سأقول لنفسي غدًا: صباح الخير!
وستجيبني نفسي: أليس لديك شخص آخر تلقين عليه ثقل تهذيبك؟
***

حين سمعت الناس يولولون على ضحايا المبنى المنهار سألتهم:
هل تذكرون اسم الفتاة التي اغتصبت وقتلت منذ أشهر وهي في طريقها إلى الكنيسة؟
فجأة توقّف البكاء.