الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 29 يونيو 2011

أمين معلوف والـ"أنا" التائهة


أمين معلوف اللبنانيّ

أمين معلوف الفرنسيّ

صحيفة الحياة، الاربعاء، 29 يونيو 2011
الاحتفال بانتخاب أمين معلوف عضواً في الأكاديمية الفرنسية يعيدنا إلى التفكير في موضوع الهوية التي سبق لمعلوف نفسه أن «حاول» معالجتها في كتابه «هويات قاتلة». وحين نقول «حاول» لا نقصد التلميح إلى فشله في مقاربة هذه المسألة بل تأكيد عبثية التفتيش عن أجوبة حاسمة ونهائية لأسئلة عن الانتماء ستبقى مطروحة ما دام الإنسان يبحث عن فردوسه المفقود وأناه التائهة. لذلك يبدو من المتوقع أن نسأل عن أي أمين معلوف نتحدث: عن الفرنسي ذي الأصل اللبناني أم عن اللبناني الذي يحمل الجنسية الفرنسية؟ ويستعاد السؤال كل مرة يتفوق فيها لبناني (وعربي) وينجح في تبوؤ مركز رفيع، وخصوصاً متى ترافق ذلك كله مع مجموعة من الشكوك والاتهامات والتوقعات واحتمال الخيبات، تجعل السؤال قضية تستحق التأمل في شؤونها وشجونها.
أول ما يتبادر إلى ذهننا حين نسمع خبراً من هذا النوع هو التشكيك: لماذا هو؟ لماذا الآن؟ ماذا في إمكانه أن يحقق لنا؟ هل يستحق؟ ما المقابل؟ ينبع كل ذلك بداية من تشكيكنا في إمكاناتنا بل من اقتناعنا بأننا غير مؤهلين إلا للخيبات والهزائم والاضطهاد والسجون والاغتيال، ثم من إيماننا بأننا معرضون على مدار الساعة لمؤامرات خارجية تريد القضاء علينا وإن تزيت بزي الدعم والمساندة والتقدير. لذلك فالجائزة العالمية التي تمنح لأحد مواطنينا هي «مكافأة» له على خدمة قدمها لغير بلاده وعلى حساب بلاده، أو «إغراء» له ليقوم بعمل يصب في مصلحة من كرمه، ولن يســتطيع التهرب من تنفيذه وإلا تعرض لما لا يتمناه. ومن هنا تولدت عندنا القناعة بأن الذين ذهبوا من «عندنا» للدراسة «عندهم» وتفوقوا في مجالاتهم لا يجرؤون على العودة لخدمة بلادهم وإلا قُتلوا في أسرتهم أو في حوادث السيارات. أما التفكير في أن عدم عودتهم سببه الفساد والطغيان وتسلط الجهلاء فلا يمكن أن نضعه في الحسبان.
السؤال الثاني الذي يفرض نفسه هو: كيف سيتصرف هذا اللبناني (أو أي عربي) مع زملائه ومواطنيه الغربيين من اليهود المناصرين لإسرائيل؟ فقد يستطيع أن يختلف معهم في الرأي بحسب ما تقره له دساتير البلاد التي صار من أبنائها، أما أن يعاديهم فأمر يتنافى مع مواطنيته الجديدة. فهل يكون عند ذلك عدو الأمة العربية ويتم التبرؤ منه؟ في الأمس القريب كانت المغنية «شاكيرا» فتاة لطيفة جميلة افتخر لبنان بها، فاستقبلها ورقص على وقع أغانيها واهتز فرحاً مع اهتزاز خصرها، وحين زارت إسرائيل وغنت وحلت ضيفة مكرمة على مائدة رئيس الدولة انهال عليها صحافيو الوطن بحجارة الرجم.
السؤال الثالث الاستطرادي: ماذا فعل لبنان (ويصح الكلام على أكثر البلدان العربية) لهؤلاء المتفوقين المبدعين عدا عن التغني بهم حين ينجحون ويبرعون؟ فهل لبنان الذي يفتخر اليوم بجبران خليل جبران هو لبنان نفسه الذي فرض على «كاملة» (والدته) أن تصطحب أولادها وترحل بهم إلى الولايات المتحدة؟ أم هو لبنان آخر حلم به وغنى له واستوحى منه لأنه لا يشبه لبنان الآخرين؟ وكيف صنع لبنان إبداع حسن كامل الصباح وكيف استفاد منه؟ وهل صار يوسف شاهين وعمر الشريف عالميين لولا هجرة عائلتيهما إلى مصر؟ وهل لبنانية كارلوس سليم وكارلوس غصن هي التي جعلت الأول أغنى رجل في العالم والثاني رجل أعمال ناجحاً؟ وهل ساهم لبنان في إيصال معلوف إلى الأكاديمية الفرنسية أم في دفعه إلى الهرب إلى فرنسا بسبب الحرب؟ وقلْ مثل ذلك عن سائر المهاجرين الذين حملوا جيناتهم ولقحوها بالعنصر الغربي: ثقافة وأسلوب حياة وزواجا وإنجاباً لذرية من الإبداع والأولاد، سينتصر فيها لا محالة العنصر الأقوى والأكثر حضارة بحكم التطور والارتقاء وبقاء الأصلح. والدليل أن أولاد أمين معلوف غرباء عن بلاد الآباء ولغة الأجداد وحكايات الجدات وإن كانت أسماؤهم عربية: رشدي وطارق وزياد، في حين يبدو اهتمام زوجته «أندريه» بالمطبخ اللبناني والتسويق له كتابةً ودعايةً محاولة يائسة لـ «لبننة» المحيط الذي «فرنج» العائلة.
السؤال الرابع يفرض نفسه حين يتعلق الأمر بشخصية عربية وبالتحديد لبنانية: ما ديانته؟ واستطراداً ما مذهبه؟ وأخيراً ما هي سياسته؟ فهل أمين معلوف مع 8 آذار أو 14 آذار؟ إن تحديد هذا الجانب من هويته يساعد المتسائلين على معرفة أسباب نجاحه وأهداف اختياره والرسالة التي يرغب الغرب في توجيهها إلى الشرق من خلال كل ذلك، فضلاً عن خلفيات التعتيم على أخباره في بعض الصحف والإضاءة عليها في صحف أخرى.
لا شيء يمنع أن يكون أمين معلوف غير معني الآن بكل هذه التساؤلات، بعدما بات على يقين من أن هويته هي هذا المزيج الحضاري الديني اللغوي، علماً بأن الآخرين سيطالبونه في مرحلة ما بأن يعبر الجسر بين الحضارتين ويحسم خياره. فهو وإن كان نال أكثر الأصوات وصار عضواً في الأكاديمية سيبقى عرضة لتساؤلات المحللين والدارسين والنقاد الفرنسيين عما إذا كان يستحق هذا المقعد، بقدر ما هو الآن موضوع تفكير عند الأجيال اللبنانية الشابة المتسائلة: لو بقي معلوف في بلاده هل كان حقق شيئاً يفتخر به؟
نحن مطالبون بالتعامل مع الهوية التي نختارها عن سابق تصور وتصميم، بغض النظر عما إذا كانت لأحلام نومنا لغةُ طفولتنا. ولكن لو لم يكن الروائي اللبناني أمين معلوف راغباً في أن يكون فرنسياً لما اختار فرنسا لغة إبداع ووطناً لحــياة جديدة بعيداً عن الوطن الأم، ولو لم يكن فرنسياً لما ترشح للأكاديمية ولما انتخبه أعضاؤها. أما هويته اللبنانية فهي على الأرجح مسألة تعني اللبنانيين من دون سواهم، الفرنكوفونيين منهم على الأقل.

الأحد، 26 يونيو 2011

لبنانيّ منذ أكثر من عشر سنوات


1- ألقى العامل "مخايل" رأسه على صدر صديقته وتنهّد في عمق وقال: يا سلام، ما أجمل النوم هنا! داعبت المرأة النحيلة شعر صديقها وطرحت عليه السؤال الذي ينتظره: ما بالك، تبدو تعبًا؟ فأجابها مخايل بعد صمت قصير: لا أجرؤ على النوم، أعمل طوال الليل والنهار كي أهرب من احتمال أن أغفو ولو للحظة، أكاد أجنّ. صمتت المرأة ولم تسأل عن السبب لأنّها تعرف تتمّة الحديث الذي تسمعه للمرّة المليون ربّما، ومع ذلك لم تندم على طرح السؤال لأنّ صديقها سيكرّر الكلام نفسه مهما كان الأمر. وبالفعل تابع الرجل: منذ أن حصلت على الجنسيّة اللبنانيّة وأنا أستيقظ في حال من الرعب لأنّ الكابوس نفسه يطاردني وهو أنّ ثمّة من يريد أن يستردّ الجنسيّة منّي، ويعيدني إلى أصلي. وهذا ما لا أستطيع احتمال التفكير فيه. عملت المستحيل حتّى صرت لبنانيًّا ولكنّي أشعر بأنّ الناس لا يصدّقون ويعاملونني على عكس ذلك. وللمرّة المليون ربّما، لا تجيب المرأة وتترك الرجل مسترسلاً في كلام لا فائدة منه سوى التنفيس عن رعب حقيقيّ من العودة إلى ماض يخجل من أن يتذكّره. ويتابع الرجل: أنا لبنانيّ منذ أكثر من عشر سنوات ويجب أن أعامل على هذا الأساس، أليس كذلك؟ أليس هذا ما ينصّ عليه القانون. لقد شاركت في المظاهرات والاعتصامات وحملت صور الشهداء أمام الجميع بلا تردّد ونشرت الصحف صوري وأنا أتصدّر الصفوف الأماميّة في مسيرات الاحتجاج، لماذا إذًا يسخر منّي الجميع، ويتصرّفون كأنّي غير مؤهّل لهذا الشرف، أو كأنّي أقلّ ذكاء منهم، أو كأنّي أعتدي على ما ليس لي. هم يبحثون عن جنسيّات أجنبيّة ولا أحد يعاتبهم، لماذا يرفضون حقّي في ممارسة لبنانيّتي وحرّيتي، في ممارسة وطنيّتي وقناعاتي، في ممارسة واجبي تجاه وطني الجديد. عند هذه اللحظة بالذات وجدت المرأة الفرصة المناسبة للتدخّل في هذا الخطاب الوطنيّ وقالت في لهفة: عيوني، ما رأيك لو تمارس معي الجنس أوّلاً، وبعد ذلك انصرف إلى ممارسة ما تريد؟


2- لماذا عندما نقول "العامل"، نفكّر تلقائيًّا في صفة من هذه الصفات: السوريّ، المصريّ، السودانيّ، البنغلادشيّ، (وذلك بحسب نوع العمل)؟ ولماذا عندما نقول "الخادمة"، نضع بشكل عفويّ صفة من هذه الصفات: الفليبينيّة، الأثيوبيّة، النيباليّة، السري لانكيّة، (وذلك بحسب سلّم المراتب الاجتماعيّة)؟

3- سيّدة أمضت طفولتها وشبابها في قطاف الزيتون تنفيذًا لأوامر جدّها المتسلّط، أتيح لها الزواج من أحد موظّفي الدولة. وبعدما تغيّرت حياتها رأسًا على عقب، قالت لخادمتها يوم عيد العمل: اليوم عطلة، أنا والأولاد خارجون في نزهة. انقبري اشتغلي منيح ونظّفي البيت من فوق لتحت. فهمتِ؟ يقصف عمرك أكيد ما فهمت شي، لو كنت بتفهمي ما كنت بتشتغلي تحت إيدين الناس! وخرجت السيّدة وأقفلت الباب بالمفتاح، وذهبت لتحتفل بعيد العمل. وعندما وصلت إلى أسفل المبنى وجدت أمامها خادمتها غارقة في بركة من الدم، فأخذت تولول قائلة: يقصف عمرها أكتر ما انقصف، نزعتلنا نهار الفرصة.


4- قصدت السيّدة المحلّل النفسيّ لتشكو له انهيار أعصابها بسبب الشجار الدائم بين خادماتها الفليبينيّات. فقال لها المحلّل إنّ حالها خطيرة ومتفشيّة وهو مجبر على إشراك طبيب أعصاب وطبيب نفسيّ وكلّ من تدعو الحاجة إليه للمشاركة في التشخيص وإيجاد الحلّ الملائم. ثمّ حذّرها قائلاً إنّ العلاج سيكون طويلاً ومكلفًا ولكنّه بإذن الله سيأتي بنتائج ممتازة. بكت السيّدة المريضة وهي تكتشف خطورة حالها، وقالت متأثّرة: يا إلهي ماذا أفعل؟ المصيبة إنّو ما بقا فينا نعيش بلاهن.

5- يئست الصبيّة المتدرّبة من وصولها إلى مركز في مجلس الإدارة بعد سنتين كاملتين من العمل، وحين نصحوها بالترويّ والصبر غضبت وقرّرت الثورة على الظلم اللاحق بها فانضمّت إلى "الحركة النسائيّة الحديثة لتحرير الشيكات".


6- في بلاد العالم الراقية يذهب الناس إلى جامعات متخصّصة ليتعلّموا كيف يطوّرون شخصيّاتهم ليرتقوا في وظائفهم وأعمالهم. أمّا نحن في لبنان فلا نضيّع وقتنا في مثل هذه التفاهات ونكتفي بتعليم أولادنا الحكمة القائلة: "الفاجر بياكل مال التاجر".

7- (لحظة تأمّل): قالت الحماة المارونيّة لكنّتها الحامل بصبيين توأمين: كلي منيح، إنت حاملة اتنين موارنة، واعملي حسابك: واحد رئيس والتاني قدّيس، علينا أن نجمع المجد من طرفيه.

الأربعاء، 22 يونيو 2011

لغتنا المائيّة





يعود كلّ الذين رحلوا حين ألتقي بك، يأتون من أماكنهم الباردة، يتركون زواياهم المعتمة ويجتمعون حولنا.
يعودون إلى الحياة لحظة تلتقي شفاهنا، ويتعانق جسدانا، وتمتزج رغباتنا، وتتلوّن أرواحهم التي كانت باهتة بألف لون ولون، ويشرق مجدهم من جديد.
يتوقّف العابرون عن العبور حين نلتقي، يجمدون في أماكنهم ويرغبون في التشبّث بمكان أو أحد أو شيء.
ينظرون إلينا ونحن متعانقان ويفكّرون في أنّ العبور، إن استمرّ عبورًا، ضياع وشتات وامّحاء في أصقاع الأرض.
(من كتاب أحببتك فصرت الرسولة - ص 95)

الاثنين، 20 يونيو 2011

العرب بين التغيير والتقليد


Robert Smith
ما أن يتفوّه عربيّ بكلمة أو يرفع شعارًا أو يطلق تعليقًا حتّى تشيع الكلمة وينتشر الشعار ويتحوّل التعليق مادة لمختلف أنواع الفنون الهزليّة والجديّة والدراسات الأدبيّة وشبه "العلميّة". ونحن اليوم في مرحلة الدوران في فلك كلمة واحدة هي التغيير. قد لا نعرف من صاحب أو صاحبة عبارة "الشعب يريد تغيير النظام"، ففي هذه الحال لا يعود لحقوق المؤلّف/ة أيّ قيمة، غير أنّ وقتًا طويلًا سيمضي قبل أن تتفتّق قريحة أحدهم عن عبارة أخرى نهرع للقياس عليها وتقليد إيقاعها حتّى تمجّها النفس وتعافها الأذن. وقبل أن تصدر العبارة الجديدة لتصير شعار المرحلة المقبلة قد يبدو من المفيد التذكير بأنّ العرب كما يتبيّن من تاريخهم وحاضرهم لا يحبّون التغيير، فـ"لشو التغيير؟" يقول "شربل روحانا" في أغنيته التي استبقت الحركات "التغييريّة" إذ صدرت عام 2005، وحاولتْ في ختامها أن تشيع بعض التفاؤل في الأجيال الجديدة.
انتظر العرب أكثر من مئة عام قبل أن يتجرّأوا على التخلّي عن المطلع الطللي في قصائدهم، ومع ذلك عجزوا عن محوه من لاوعيهم، فبقي يتسلّل إلى المعاني والصور فارضًا ما يشبه الطقس المقدّس، يجدون في استعادته فردوسهم المفقود ولو كان من رمل وجفاف. فبين امرئ القيس ورفيقيه الواقفَين في "سقط اللوى"، وسخرية أبي نواس الداعي إلى الجلوس عند الطلل الدارس، كان العربيّ المندفع بحرارة من صحرائه لمواجهة حضارتين عظيمتين، بيزنطيّة وفارسيّة، يعاني صعوبة في "تغيير" عادة التذكّر والبكاء. وفي الأندلس بكى عند وصوله حنينًا إلى شرقه البعيد ثمّ بكى كالنساء عندما خسر ملكًا لم يحافظ عليه كالرجال. وعهدَ تدهورت به الأمور إلى الانحطاط في عصر اتّسم بالاجترار استعاد تراث الحنين والدمع كأنّي به يردّد مع فريد الأطرش، بل قبله: إلّا قديمك ما يفيدك، ولو كان القديم باليًا مهترئًا.
ولكن متى اتّخذ أحدهم شعار التغيير في لحظة مصيريّة معيّنة، لحق الجميع به، ليحوّلوا التغيير "ثابتًا" جديدًا ترتكز إليه حياتهم ويتعلّق به وجودهم، ومن دونه يتيهون. فيبدو الأمر أقرب إلى الموضة، تجتاح المجتمع كلّه من دون أن تخضع لنقد أو تحليل، ما يجعلها في طبيعة الحال دخيلة وغير ملائمة. ونحن لم ننس بعد كيف تحوّلت الشعارات اليساريّة قوتًا يوميًّا يعِد بالشبع، ثمّ تبيّن أنّ التخمة الوحيدة التي تحقّقت هي كتب صغيرة في المكتبات وشعارات كبيرة على الحيطان.
أناشيد الثورة الفلسطينيّة، أغنيات الجنوب اللبنانيّ المحتلّ، روايات الحريّة الجنسيّة، أنظمة القمع، الإمبرياليّة والصهيونيّة العالميّة، المؤامرة، الطابور الخامس، الوحدة العربيّة، من المحيط إلى الخليج، قضيّة المرأة العربيّة، المقاومة، عمليّات التجميل، الحرب اللبنانيّة، وكثير من شبيهات هذه العبارات كوّن معجمًا تتّكئ إليه لغتنا وبئرًا نستقي منه كلّنا كما لو كنّا في جاهليّة فكريّة عاجزة عن استمطار الأفكار، مع بعض الفوارق البسيطة التي تناسب كلّ دولة عربيّة تبعًا لوضعها ومشاكلها الخاصّة. أكثر الأمور عندنا يدخل في باب التقاليد فلا يسهل إقناع الناس بأنّ التغيّر من سنّة الحياة، ولعلّ هذا ما جعل العالم ينظر بفضول إلى ما يجري في الساحات العربيّة على اعتبار أنّ "تغييرًا" ما طرأ فجأة وهذا ليس من طبيعة هذه الشعوب التي تحتاج إلى وقت طويل كي تستكين وإلى وقت أطول كي تتحرّك. لذلك نفهم الجمهور اللبنانيّ، أكثره على الأرجح، حين وجد صعوبة في "هضم" أغنيات "فيروز" في مرحلة زياد الرحباني كما حصل يوم كتب عاصي ومنصور كلمات ووضعا ألحانًا لا تشبه ما أتى به معاصروهما وسابقوهما، أو أن يتقبّل مقالات "أنسي الحاج" و"شوقي أبي شقرا" خارج صحيفة "النهار" أو أن يعترض يساريّ على النظام السوريّ. فإذا كانت هذه حال الشعب اللبنانيّ، وهو أكثر شعوب المنطقة قابليّة للتغيّر والتغيير، فماذا نقول عن غيره؟ وفي ذلك يتساءل أحد الخبثاء: هل تتخيّلون "مارسيل خليفة" يغنّي الآن للبنان أو أن ترنّم "صباح" ترنيمة آلام السيّد المسيح "أنا الأم الحزينة"؟
أمام شاشة التلفزيون يسهل إيجاد الأمثلة التي تؤكّد على هذا الاجترار العقيم. ففي وقتِ نظنّ أنّنا "نغيّر" المحطّات، نفاجأ أنّنا أمام نسخ باهتة لأفكار وتصرّفات لا تختلف إلّا في أسماء من يقدّمها. ولكن ما أن يتجرّأ أحدهم على طرح شيء مغاير (غالبًا ما يكون منسوخًا عن عمل أجنبيّ) حتّى يسرع الآخرون إلى تقليده. وينسحب ذلك على الرواية والقصيدة والمقالة والأغنية والمسرح والسينما والمهرجان، فما من خطوة رائدة أو سبّاقة تعيد خلط الأوراق وتوقظ العقل من سبات طال الاستسلام له. ولن يتحقّق ذلك ما لم تؤسّس النخبة المفكّرة، لا الشعب، مدرسة نقديّة تنتج ما هو أهمّ من شعار رنّان أو تيّار عابر أو ثورة هائمة بين المحيط والخليج بلا مجذاف أو شراع، تصلّي كي يوصلها مزاج الريح الدوليّة إلى شاطئ الأمان.


السبت، 18 يونيو 2011

ماذا يعني أن أكون جارة رامي عيّاش؟


ليلى كرم

شوشو

نصري شمس الدين

عليا نمري

جاري
اقتناعًا منّي بأنّ الفئة العمريّة لمتابعات هذه المدوّنة ومتابعيها ليست من المراهقات والمراهقين، فلن يزعل منّي أحد إن وصفت ما معنى أن يكون جاري القريب جدًّا من حملة الميكروفون الذين ينامون في النهار ويسهرون في الليل.
الساعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل، والسهرة عند الجار الذي يدّعي أنّه فنّان وحسّاس في أوجها. سهرة على الشرفة المحاطة بالستائر الزجاجيّة المشرعة مع مجموعة من صديقاته وأصدقائه يدور موضوعها حول السخرية من المعجبات والمعجبين مع ضحكات تجعل الليل يسودّ وجهه خجلاً من مغنّين ومغنيّات يستغلونه للضجيج وتشويه كلّ ما يمكن تشويهه: الأذن بأصوات لا علاقة لها بالتهذيب واللياقة وحسن الجيرة، النظر بمشاهد لا تنمّ عن ذوق أو مراعاة لمشاعر أهل البلدة، الهواء بدخان السيكار الفاخر.
أقفلت زجاج النوافذ في البيت فبقيت الأصوات تقتحم الغرف وتمنع النوم، حاولت أن أقرأ فلم تنجح المحاولة، وضعت موسيقى هادئة اعتدت أن أواجه بها الغضب والحزن والتعب، فعجزت المسكينة عن مواجهة صخب لا علاقة له بالفنّ لا من قريب ولا من بعيد. فلم يكن أمامي سوى أن أفتح النافذة وأطلب من الساهرات والساهرين أن يقفلوا نوافذ الشرفة الزجاجيّة لأنّنا نريد أن ننام، فتفتّقت قريحة إحداهنّ وطلبت منّي أن أنام في المطبخ. طبعًا ضحك الساهرون وفرقعت ضحكات الساهرات. فلم أجد سوى الكتابة لأخبركم عن معنى أن أكون في جيرة هذا المغني الذي يغتني على حساب معجبات ومعجبين يسخر منهم مع أصدقائه وصديقاته.
مسكينة بلدتي التي يجتاحها العهر من مختلف الجهات، مسكينة الأشجار التي كانت منازل العصافير التي كانت تعرف متى تغرّد وتغنّي ومتى تحترم حرمة الليل والجيران، فقطعوها كي يرتفع مبنى فخم لا يستطيع شراء شققه سوى أكثر الناس ثراء، مسكين هذا البلد الذي صار مغنّون من هذه الفئة هم واجهته ومثالا يحتذي به المراهقون والمراهقات، مساكين فنّانو الأصالة وفنّاناتها الذين ماتوا جوعًا ومرضًا وفقرًا...وبصمت وهدوء.

الخميس، 16 يونيو 2011

رشيد الضعيف يكشف أوهام اليقظة "السوريّة" في القرن التاسع عشر في رواية "تبليط البحر"


صحيفة الحياة/ الاربعاء, 15 يونيو 2011
قد يرى أكثر المهاجرين اللبنانيّين أنفسهم في رواية رشيد الضعيف «تبليط البحر» الصادرة حديثاً عن دار رياض الريّس، مع العلم أنّ مرحلتها الزمنيّة هي بداية موسم الهجرة إلى الغرب. سيتذكّرون أنفسهم حين حلموا بالرحيل بحثاً عن الحريّة والعلم، يعبّون ملء صدورهم من نفحات الأولى ويزوّدون عقولهم بإنتاجات الثاني، ليعودوا إلى الشرق، ويعملوا من أجل نهضته. لكنّهم سيخشون أن يروا مصائرهم في مصير «فارس هاشم»، بطل الرواية، الذي مات إلى جانب زوجته الصينيّة الحامل، بعدما تقزّمت أحلامه من «نهضة الأمّة» إلى صحن كبّة نيّة مع زيت الزيتون والبصل والنعناع، وفق ما أفضى لزوجته التي وعدته بأن تكون «أفضل طبّاخة في سورية»، سورية التي كانت تعني بلاد الشام بما فيها لبنان وفلسطين. كان المهاجرون الأوائل يعدون أنفسهم بـ «تبليط البحر» بمعنى أنّهم سيتحدّون الصعوبات ليحقّقوا ما عجزوا عنه في بلادهم، فإذا بالحياة «تلبطهم» من مكان إلى آخر كما تفعل أرجل الصبية الفقراء بطابة عتيقة في أزقّة موحلة، وتذكّرهم بأنّهم ريفيّون نازحون من الجبل وهاربون من المجازر الطائفيّة ولائذون في حمى الإرساليّات الأجنبيّة (ولكلّ مرحلة من تاريخ لبنان حروبها ومهجّروها ومغتربوها) وسيبقون غرباء أينما حلّوا: وطنهم لعبة أمم، موتاهم جثث تُنتهك حرمتها، أحياؤهم مجنونو عظمة يضحّون بفردوس يمتلكونه في سبيل مجهول يريدون اكتشافه، في تكرار لا يتعب للخطيئة الأولى التي ارتكبها الإنسان الأوّل.
تعيدنا الرواية إلى جبل لبنان خلال القرن التاسع عشر، عصر التناقضات المتشابكة، فمن جهة هناك الإرساليّات التي حملت العلوم واللغات وأساليب جديدة في التفكير تُخضع كلّ شيء للعقل: الخلق والوطن والإنسان والتقاليد. ومن جهة هناك الحروب الداخليّة التي غذّتها أطماع الدول الغربيّة في أملاك الدولة العثمانيّة. وكان على ابن الريف اللبنانيّ أن يتعامل مع كلّ ذلك دُفعة واحدة، وأن يجد لنفسه مكاناً في الوطن والعالم. لذلك أتى تكوّن «فارس هاشم» في حشا أمّه ليلة سال دم بكارتها ممزوجاً بدماء سبعة آلاف ضحيّة قضوا في مجازر 1860، دليلاً على أنّ الأقليّات الخائفة على مصيرها تقاوم الموت بالتكاثر. وحين ولد «فارس» كانت أحلام والده «منصور» تنتظره: العِلم ودراسة الطبّ وإنقاذ المجتمع ونهضة الأمّة عبر محاربة الجهل وتحرير المرأة، وهي الأفكار التي زرعها في رأس الوالد صديقُه البروتستانتي الذي يخبّئ انتماءه الجديد كي لا يلاقي مصير أسعد الشدياق، الشهيد البروتستانتي الأوّل في بلاد الشرق. قبِل الابن تحقيق ما عجز الوالد عنه، لكن ليس على حساب رغباته (اكتشاف جسده ومعاشرة المومسات و «مصادقة أهل الدعارة والخصام») على اعتبار أنّ إشباع هذه الحاجات الماسّة سلاح في معركة القضاء على التخلّف، فضلاً عن أنّ احتكاكه بهذه الطبقات المضطهدة يجعله على بيّنة من حاجات المجتمع تمهيدًا لمعالجتها. وهكذا أمضى فارسنا اللبنانيّ حياته وهو يقنع نفسه بأنّ كلّ ما يفعله في الحياة يصبّ بطريقة أو بأخرى في مصلحة النهضة القوميّة وإعطاء صورة مشرّفة عن الوطن وأهله الذين يحبّون العلم، ولا بأس إن ضحّى الجميع من أجله وضحّى هو بالجميع في سبيل الغاية السامية. هاجر أبوه إلى أميركا لتأمين المال له (لا يؤتى على ذكر الأولاد الآخرين إلّا عرضاً)، وهو درس الطبّ لإنقاذ المرضى لكنّ أمه مرضت وماتت وهو مشغول بالقضايا الوطنية فكاد يتبرّع بجثّتها لحصّة التشريح في الجامعة إكراماً للعلم، ثمّ أصرّ على الهجرة إلى أميركا في الدرجة الأولى وليس مع أهل وطنه الفقراء ليعطي صورة مشرّفة عن بلاده أمام الغرباء ولو على حساب مبلغ خصّه به والده لمتابعة دروسه، حتّى العاهرة التي فضح خفايا علاقته بها وتسبّب في موتها كانت شهيدة لولاها لما اكتشف الناس أساليب جديدة في الممارسات الجنسيّة. ويتابع البطل تلميع صورته وتمجيدها مقتنعاً بأنّه والأمّة كيان واحد، غير واع أنّ الأمّة في كلامه كانت تضيق شيئاً فشيئاً لتصير وطناً صغيراً، ثمّ عيادة فخمة قبل أن تنتهي صحن كبّة نيئة يتوق إليه، وأنّ تحرير المرأة استعيض عنه بالتخلّي عن الخطيبة اللبنانيّة لمصلحة المراهِقة الأميركيّة، وحين رفضه أهلها (البروتستانت) تزوّج امرأة صينيّة تقيم في كوبا ولا تعرف من هو والدها.
الجثّة التي كانت حلم تلاميذ كليّة الطبّ في الجامعة الأميركيّة هي اللقيا التي تشكّل لبّ الرواية. فعلى رغم المجازر التي أوقعت آلاف الضحايا الذين لم يعرهم أحد قيمة تتخطّى كونهم عدداً في لوائح الإحصاء، كان من الصعب على تلاميذ حصّة التشريح أن يجدوا جثثاً للتدريب والامتحان، فكانوا ينبشون المقابر ويسرقون الجثث أو يشترونها ممّن يتاجر بها، لا يميّزون في ذلك بين غريب ونسيب، ففي سبيل العلم ونهضة الأمّة يهون كلّ شيء وصولاً إلى تشتّت العائلات وبيع الأراضي والتنازل عن المبادئ. وفي هذا السياق تأتي اللفتة الموفقة لمصلحة الأدب في مقابل العلم، فمع أنّ بطل الرواية اختار الطبّ لإنقاذ الأمّة كان يتمنّى أمام كلّ ما يثير دهشته لو كان شاعراً: فأمام منارة الإسكندريّة «تمنّى فارس وهو يتأمّل فعل الزمن في العمران أن يقول الشعر لكنّه لم يكن شاعراً»، ثمّ ردّد وهو يدور حول المصباح الكهربائيّ في مرسيليا مستمتعاً بالضوء يغسله «ليتني كنت شاعراً»، (في الفيلم الأميركيّ Contact تقول «جودي فوستر» وهي تؤدّي دور عالمة فيزياء وفلك ما يشبه ذلك). وفي وقتِ كان «فارس» يطلب العلم في أميركا ويتزوّج ابنة الصين، كان صديقه وزميله جرجي زيدان ينتقل في مصر من العلم إلى الأدب ليصير ما صار عليه، تاركاً إرثه الأدبيّ شاهداً على عصر ومرحلة، بينما ضاعت سلالة «فارس» الذي أنجب «منصور» الذي أنجب «جوان» الذي هاجر إلى البرازيل وكان فوق الخمسين من عمره. ولمّا سئل إن كان يستطيع العيش في الغربة أجاب: «نعم، أستطيع أن أقتلع جذوري وأحملها على ظهري وأزرعها في المكان الذي أحبّ العيش فيه!» غير عارف أنّه مصاب بحنين أبديّ لا دواء له. وهكذا انتهت حكاية اللبنانيّ الذي اجترح العجائب في الولايات المتحدّة (تاجراً وطبيباً وجنديّاً وخطيباً) لكنّه عجز عن إنقاذ أمّه وأمّته وهو المؤمن بشعار بشّر به دعاة النهضة عهدذاك: «الأمّ هي الأمّة»، الأمّة نفسها التي سرق أبناؤها جثّته لحظة وصولها إلى أرض الوطن وباعوها لتلاميذ الطبّ فتقاسموها في صفّ التشريح.
هل «نهضة الأمّة»، الكلمة المفتاح في الرواية، هي «تبليط البحر» وفق العنوان؟ أي مهمّة مستحيلة من العبث التفكير في تنفيذها بعدما ثبت بالبرهان الأكيد أن لا مجيء الإرساليّات وتأسيس المدارس الوطنيّة رفعا شأن الوطن، ولا الهجرة والاحتكاك بالشعوب المتحضّرة حرّرا العقل من وهْم البطولات الزائفة والتقاليد البالية، ولا الحروب والمجازر علّمت الناس أنّ العنف لا يولّد إلّا العنف؟ سؤال قد نجد الإجابة عليه في الرواية عند تكرار مشهد المهاجرين على ظهر باخرة تقاوم الموج في المحيط الأطلسي وتهزّ كؤوس العَرق في أيديهم، إلى أن خاطب أحدهم وهو الزجلي اللبنانيّ الشهير طانيوس الحملاوي المحيط مهدّداً في بيت عُدّ وفق الرواية من أجمل شعر الزجل: عم تتمرجل يا طلنتيك/ والحــملاوي مسافرْ فيك/ انْ ألله وصّلني ع الشطّ/ وانْقرت الدفّ بفرجيك. وها نحن حتّى اليوم ندفع ثمن هذا التحدّي للأطلسي ومَن وراءه.

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

المجلّات المصوّرة وجه الحرب الجميل


فرانكو كاسباري وماريّا أنطونيلاّ


باولا بيتي

مارينا كوفا

كاتيوشيا

ميشيلاّ روك بعدما تقدّم بها العمر


فرانكو داني

كلوديا ريفيللي

فرانكو كاسباري
كانت غرفة الطعام أكثر غرف البيت أمانًا. هذا ما أقنعنا عمرنا المراهق به في المرحلة الأولى من الحرب لمواجهة غياب الملاجئ، ثمّ في المرحلة الثانية حين تبيّن لنا بالدليل القاطعِ الأنفاس والحياة أنّ الملاجئ البدائيّة الأقرب إلى مستودعات لن تحمينا من القذائف الكبيرة التي نقلت المعارك إلى مرحلة أكثر دمويّة. وفي هذه الغرفة التي صارت مكانًا عائليًّا للنوم والجلوس ومتابعة الأخبار ولعب الورق وحياكة الصوف والأكل طبعًا، كنّا نقرأ الكتب والصحف والمجلّات: الكتب نشتريها في فترات الهدوء النسبيّ وأكثرها روايات نهرب بواسطتها بعيدًا عن مخاوف تحاصرنا، الصحف والمجلّات وسيلتنا لعلّنا نفهم ما يجري، بما أنّ الإذاعات الخاصّة التي نبتت كالفطر السام حصرت دورها في إعلامنا بحال القصف ومواقعه وضحاياه، وغالبًا ما كنّا نحن، المواطنين المستهدفين، نقوم بدور المراسلين متى كانت الخطوط الهاتفيّة عاملة. وفي نهاية السبعينات هذه، انضمّت المجلّات المصوّرة إلى وليمة مطالعاتنا فصرنا ننتظر أعدادها الأسبوعيّة لنتابع قصص حبّ ناعمة وبسيطة وتقليديّة (أناي المتفذلكة تقول الآن: سخيفة) ونهاياتها غالبًا سعيدة.
وجوه تلتقط الكاميرا ملامحها وتجمّدها في لحظة تعبيريّة ما، ثمّ تخرج العبارة من الفم في شبه غيمة وتشرح لنا ما يدور في الرأس، فنفهم ما يجري في الصورة. وصورة بعد صورة، يكتمل الفيلم وتنتهي الحكاية العاطفيّة بانتصار الحبّ على الشرّ. أمّا في الخارج، خارج المجلّة وخارج غرفة الطعام وخارج البيت فللشرّ شأن آخر، لا تشبه وجوه ناشريه الوجوه الجميلة لهؤلاء الممثّلين والممثّلات الآتين من إيطاليا ليساعدونا في مقاومة الحرب والانتصار عليها ولو للوقت القليل الذي تستغرقه قراءة القصّة.
"ريما"، "سمر" هما اسما مجلّتين ما زلت أذكرهما، لا أعرف إن كان هناك غيرهما، وكم آسف على مئات الأعداد التي رميناها حين لم يعد البيت يتّسع لها. وبعد ذلك تخلّينا عن أرشيف الصحف والمجلّات السياسيّة: النهار، الأنوار، السفير، الديار، الكفاح العربيّ، الوطن العربيّ، الأسبوع العربيّ، الحوادث، الصيّاد، المستقبل، كلّ العرب. ثلاث جرائد كلّ يوم، وسبع مجلّات كلّ أسبوع. ثروة كبيرة وزّعناها على أصدقاء صحافيّين يملكون بيوتًا أكبر. أمّا المجلّات المصوّرة فأحرقناها حين بدأت والدتي تعدّ الخبز في البيت بعدما صار على كلّ بيت أن يؤمّن وسائل البقاء بالطرق التي يراها أقرب إلى متناوله.
وهكذا أكلنا خبز "الصاج" ساخنًا فوق نار الحبّ المشتعلة بين فرانكو كاسباري أو منافسه فرانكو داني وإحدى الجميلات: ميشيلّا روك، مارينا كوفا، باولا بيتي، كلوديا ريفيللي، كاتيوشا، الذين وسواهم ساعدونا بوجوههم المشرقة والسعيدة على الإيمان بأنّ بشاعة الحرب اللبنانيّة لم تشوّه كلّ شيء في كلّ مكان، وبقصص حبّهم أنسونا الخطف والتعذيب والقتل والقصف، عدا طبعًا الخبز الذي صار تحضيره احتفالاً يمتزج فيه الاطمئنان إلى عشرات الأرغفة تطرد شبح الجوع، بالحزن على خسارة مجلّات كنّا نتمنّى أن تكون شاهدة على وصول السلام الآتي لا محالة. الحبّ والسلام، هكذا كنّا نحلم، على مثال الهيبيّين، لكن على إيقاع الأناشيد الحزبيّة والأغنيات الوطنيّة.
حين كنت أبحث عبر الإنترنت عن تاريخ هذه المجلّات وصور أبطالها، لاحظت،كما في كلّ مرّة أستعيد فيها الماضي، كيف شوّهتنا الحرب. فخلال اللحظات التي يستغرقها تنزيل الصور وفي محاولة لتذكّر ملامح وجوه هؤلاء النجوم عاد إليّ ذلك المزيج من مشاعر الخوف والحلم: الخوف من الموت الذي رافق مراهقتي وصباي، والحلم بقصص تشبه مشاهد الحبّ. الآن أعترف بأنّ القراءة أنقذتني من الجنون، وأتأكّد من أنّ ما بين الحبّ والحرب أكثر من مجرّد رابطة لغويّة. ولحظة تكتمل الوجوه على الشاشة أمامي، أنتبه إلى أنّني كنت نسيت ملامحها، لكنّها الآن أليفة جدًّا حتّى أنّني أستغرب كيف ضاعت من ذاكرتي، أو لعلّني خبّأتها بحيث لا تصل إليها شمس الواقع الفجّ.
المعلومات عن مصائر هؤلاء النجوم غير متوفّرة على الإنترنت، مع العلم إنّ موجة هذه المجلّات اجتاحت أوروبا، وانتشرت في البلدان العربيّة انطلاقًا من لبنان. موقع واحد لقارئة فرنسيّة فيه بعض المعلومات والصور، واعتراف بالندم (هي أيضًا) لأنّها تخلّصت من الأعداد التي كانت تملكها. وتطلب من القرّاء أن يزوّدوا الموقع بما يملكونه من معلومات وصور. تحكي عن فرنكو كاسباري وتقول إنّه تعرّض لحادث على درّاجته الناريّة وأصيب بالشلل التام، وبعد مضاعفات صحيّة توفيّ وهو في نحو الخمسين من عمره. بالنسبة إلينا، مراهقات تلك المرحلة، لا يزال في صوره والذاكرة كما كان. ألم يبنِ شهرته من لحظة "جمود" أمام الكاميرا؟ نحن في لبنان، لم نره في أفلام سينمائيّة قليلة قام ببطولتها، لذلك بقي في بالنا بلا صوت، ويجيد العربيّة الفصيحة: دبلجة عن الإيطاليّة قبل الاجتياح المكسيكيّ والتركيّ وما بينهما من مسلسلات ولغات. المنتديات الإلكترونيّة العربيّة تنقل تعليقات سيّدات يتذكّرن تلك الأيّام بحنان، ويتساءلن إن كان أحد يعرف شيئًا عن الموضوع. منتديات أخرى تعرض مجموعات ومجلّدات للبيع، إلى جانب سوبرمان والوطواط والشياطين الـ13 وتختخ.
"سمر" على ما أذكر كانت تصدر عن دار الصيّاد بدءًا من العام 1973، وكانت رئيسة تحريرها إلهام سعيد فريحة التي تشير في سيرتها الذاتيّة إلى المجلّة واصفة إيّاها بإنّها "مجلّة شهريّة متخصّصة"، من دون أن تحدّد نوع هذا التخصّص. ولا أدري أيّ مجلّة من المجلّتين المصوّرتين "ريما" و"سمر" كانت توزّع "بوستر" مع كلّ عدد لبطل العدد أو بطلته، وكنّا نلصق هذه الصور الكبير على حائط غرفة الطعام، ما كان يثير حنق الوالد الذي كان يدّعي أنّه منزعج من تشويه طلاء الجدار (الذي قد تهدمه قذيفة) ولا يعترف إلّا عندما يثور فعلًا بأنّه لا يحبّ هذه التصرّفات "الولّاديّة". أمّا الوالدة فكانت تطلب أن نعلّق مكان وجوه هؤلاء الغرباء صور القدّيسين والقدّيسات كي يستمرّوا في حمايتنا من الحرب. تتذكّر شقيقتي أنّ المجلّتين في مرحلة لاحقة بدأتا بنشر قصّتين في كلّ عدد، واحدة مكتملة، وواحدة على حلقات كي تجذب أكبر عدد من المتابعين، ثمّ أخذت إحداهما تنشر قصّة مصوّرة قصيرة من دون حوار وتترك للقرّاء أن يتخيّلوا ما يمكن أن يكون الكلام في كلّ مشهد.
كنّا في الحرب، وكان علينا أن ننجو. المجلّات المصوّرة ساعدتنا حين كانت الأمور الجديّة لا تجد مكانًا لها إلى جانب الخوف.
أستعيد محطّات من الماضي كأنّني أشاهد فيلمًا قديمًا بالأبيض والأسود. أراه منسجمًا مع زمانه ومكانه، وأتمنّى ألّا يفكّر مخرج ما بإعادة تصويره.

الأحد، 12 يونيو 2011

أسئلة وقحة لا تنتظر إجابات مهذّبة


Robert Wayt Smith

1- هل خَفُت وهج أحلامي معك حتّى لم أعد أجرؤ على الطلب منك سوى الاطمئنان عنك؟
***
2- في أصل فعل "انتظر" "نظر"، فالمنتظِر ينظر إلى حيث يتوقّع أن يظهر المنتظَر.
المنتظِر ينظر ولا يرى. ولو كان يرى أبعد من قدرة نظره لما انتظر.
وأنا بدأت أرى...فلماذا ما زلت أنتظر؟
***
3- كلّ سيّئات الرجل تُختصر في أن يكون جبانًا:
فالجبان بخيل يستمدّ شجاعةً وهميّة ممّا يملكه
والجبان ظالم يمتّص قدرةً آنيّة من خوف الآخرين
والجبان خبيث يدّعي اللطف مع الآخرين ليخفي عجزه عن مواجهتهم
فهل تكفيكما شجاعتك يا امرأة؟
***
4- الرجل مقتنع بأنّ كلّ امرأة تسأل عنه بدافع التهذيب تخطّط للزواج منه. هو حرّ. لكن من يقنع المرأة بأنّها ليست مسؤولة في وزارة الصحّة أو ناشطة في جمعيّة خيريّة؟
***
5- الرجل العائد من الماضي واثق من أنّ المكان لا يزال شاغرًا في انتظاره. هل يتبرّع أحدكم ويخبره أنّ العابرين مصيرهم العبور، وأنّ المحطّات ليست بيوتًا؟
***
6- هل يستطيع الله تغيير الماضي؟
***
7- الـ"أنا" إله يعبده الجميع. وكلّ واحد منّا هيكل مقدّس لتمجيد نفسه وتكريمها. متى ينتهي هراء الادّعاءات الأخرى؟

الخميس، 9 يونيو 2011

هل يربح لبنان رهان النجاة؟


مغارة جعيتا


في مرحلة من مراحل الحرب اللبنانيّة الطويلة اتّخذ الجيش، في إطار سعيه لدرء خطر تفكّك أوصال الوطن، شعار: أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقسّم. وكانت سيناريوهات التقسيم عهدذاك تتغيّر تفاصيلها بين وصول مبعوث عربيّ ومغادرة مندوب أجنبيّ، حتّى صار الأمر أقرب إلى فيلم سمج أو لعبة سخيفة لا قيمة في أيّ منهما لحقّ الشعب في تقرير مصيره. وبعد مضي أكثر من خمس وثلاثين سنة على اندلاع الحرب، يبدو الوطن الذي اعتبره كثيرون خطأ تاريخيًّا وأكثر البلدان العربيّة هشاشة، صامدًا بالمقارنة مع ما يحصل في الدول التي تبدو على عتبة التقسيم والتفتيت ولمـّا يمضِ على "ثوراتها" بضعة أشهر. وغير خافٍ أنّ اللبنانيّين منقسمو الرأي أمام المشهد العربيّ، فهناك الشامتون الذين يعتبرون أنّ العرب يدفعون ثمن تخلّيهم عن لبنان أو تواطؤهم عليه، وهناك طبعًا القلقون المترقّبون ما يمكن أن ترسو عليه الأمور وكيف ستنعكس على وطنهم، فضلاً عن اللامبالين الذين لا يعنيهم الأمر ما دام لا يعرقل مشاريعهم اليوميّة. أمام هذا الواقع يبقى التساؤل المفتوح على أكثر من سؤال: كيف استطاع هذا البلد الصغير أن يبعد عنه شبح التقسيم مرّة بعد مرّة؟ ولماذا تبدو الدول العربيّة الآن أكثر قابليّة للتشرذم ممّا كان عليه لبنان إبّان أصعب سنوات الحرب؟

الحريّة هي المدخل إلى الأجوبة كلّها. وهي حريّة من طبيعة مختلفة إن صحّ التعبير، عصيّة على التحديد، يصعب ترويضها لأنّها لا تخضع إلّا لنفسها ومزاجها ورؤاها. ولأنّها كذلك دافع عنها اللبنانيّون على اختلاف مذاهبهم وأحزابهم، ومن أجلها اغتيل عدد كبير من الرؤساء والزعماء الذين في لحظة مصيريّة رفضوا المسّ بهذه الحريّة إيمانًا منهم بأنّ لبنان من دونها لن يبقى الوطن الذي عرفوه ويريدون له البقاء مهما اختلفت نظرتهم لبناء الدولة فيه. ومن هذه النقطة، نستطرد إلى أمر آخر يختلف فيه لبنان عن سائر الدول. ففضلاً عن الحريّة التي لم يستطع أيّ بلد عربيّ آخر أن يتمتّع ولو بما يشبهها، كان لبنان ولا يزال وطنًا يبحث عن دولة تحقّق أحلامه، في حين كانت الدول العربيّة الأخرى القويّة والقادرة تفتقر إلى حلم تسعى إلى تحقيقه بعدما أقنعت الأنظمة شعوبها بأنّ ما هم فيه أفضل ما يمكن الوصول إليه. فلبنان الفوضويّ إذًا كان نقيض "النظام" العربيّ، وحريّته كانت خطرًا على "انضباط" جيرانه، لذلك بدا لكثيرين أنّه الساحة المناسبة تمامًا لتنفيس صراعات المنطقة. لكنّ هذه الصراعات كانت دائمًا تحيد عن أهدافها متى غرقت في ترف الحياة اللبنانيّة ومزاج ناسها المتنقّل من سهولة السهل إلى عناد الجبال إلى مدّ البحر وجزره. وهذا ما كان يثير نقمة الذين كانوا يطمئنّون إلى أنّهم وجدوا فيه حلفاء يتبيّن عند الامتحان أنّهم يفضّلون "التكويع" والالتفاف وتغيير التحالفات على أن يحشروا أنفسهم في ما يلزمهم تغيير طبيعة البلد. ففي عمق أعماق اللبنانيّ، ولو بدا رافضًا التركيبة الغرائبيّة، ما يجعله معجبًا بها، بل فخورًا، لا يطيق أن تتعرّض للتغيير. أليس لهذه الأسباب ينقل اللبنانيّ طراز حياته بحسناتها وسيّئاتها إلى حيث يهاجر؟

بعد الحرب العالميّة الثانية وقيام الدول العربيّة، بدا واضحًا أنّ التركيبة اللبنانيّة بعيدة كلّ البعد عمّا يجاورها ويحيط بها. فحوله أنظمة (ملكيّة، عسكريّة، قبليّة)، وفي كلّ منها عائلة تتوارث الحكم بينما فيه عائلات سياسيّة تتوافق ولو في عزّ تناحرها، وفيه توافق على تقاسم السلطة بين الطوائف بينما دساتير جيرانه وأشقّائه تستوحي الإسلام وإن ادّعى بعضها عصرنة أحكامه ونظمه. وبطريقة ما استطاعت هذه التركيبة الغريبة أن تتعامل بذكاء فطريّ مع تأثيرات الثورة الفلسطينيّة وثروات النفط العربيّة والانهيارات الاقتصاديّة في بقعة صغيرة قياسًا لسواها، فنجت لتشهد انهيار أكثر الدول والأنظمة التي كان لكلّ منها في قضيّته رأي وموقف ووساطة وجيش ومال. ولشدّة خصوصيّة النظام اللبنانيّ الذي فيه كلّ شيء إلاّ النظام، بدا واضحًا كم يصعب استنساخه أو تطبيق ما يماثله في غيره من البلدان، بقدر ما لا يمكن إصلاحه. فحين يتّفق ضمنًا الطائفيّ مع العلمانيّ، والمجرم مع القدّيس، و"العيّيش" مع المثقّف على أنّ ما هم فيه يلائم الجميع فلن يكون ثمّة مجال لتغيير جذريّ. لذلك حين اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 واستقرّت لبعض الوقت في عمق الداخل، كان الضبّاط الإسرائيليّون من أصحاب الرتب العالية ينظرون إلى مستوى معيشة الناس ولو كانوا من طبقة متوسّطة ويقارنون بين نوعين من الحياة: حياتهم القائمة على الخوف وإن كانت دولتهم تملك ترسانة عسكريّة ضخمة، وحياة ترفة لشعب يفترض أن يكون تحت الاحتلال وضحيّة حرب شرسة دامت أعوامًا. فالمستنقع الذي هرب منه الإسرائيليّون حين غادروا لبنان إذًا كان حضاريًّا أكثر منه عسكريًّا، فلم تكن الدولة التي تخصّص للتسلّح الجزء الأكبر من ميزانيّتها مستعدّة للإجابة على أسئلة جنودها وضبّاطها عن أسباب حرمانهم من مستوى الحياة التي يتمتّع بها جيرانهم الأعداء على حدودهم الشماليّة.

لا تلغي هذه النظرة التفاؤليّة، الساذجة على الأرجح، مخاوف كبيرة لا تزال تهدّد البلد من أهله قبل سواهم، فالحريّة نفسها التي كانت مصدر قوّته حين كان محاطًا بأنظمة صارمة قد تكون، إن لم ينتبهوا، نقطة ضعفه متى استقرّت الأرض العربيّة بعد سلسلة الزلازل التي تتعرّض لها. وهو في ذلك يشبه أصغر أبناء العائلة المطمئنّ إلى وجود أخوته الحكماء الكبار، فينصرف إلى اللهو واثقًا من أنّه عند الحاجة سيجدهم إلى جانبه، إلى أن يكتشف فجأة أنّ العمر والتعب وهموم الحياة ستعيقهم عن نجدته ما يجبره على القيام بما لم يقم به قبلاً أي أن ينهي مرحلة الدلع والغنج ويتّكل على نفسه قبل فوات الأوان.

الأربعاء، 8 يونيو 2011

موعد مع الالتباس (النصّ السادس والأربعون من كتابي رسائل العبور - 2005)




وصلت المرأة الأولى إلى الموعد الأوّل

ملهوفة مشتاقة

ففرح الرجل

ووضعها في جيب سترته الأيمن.

***
وصلت المرأة الثانية إلى الموعد الثاني

أنيقة مثيرة

فابتسم الرجل في خبث

ووضعها في جيب سترته الأيسر.

***
وصلت المرأة الثالثة إلى الموعد الثالث

مستعجلة مستعدّة

ففرك الرجل يديه فرحًا

ووضعها في جيب سترته الداخليّ.

***
عادت النساء إلى أزواجهنّ وهنّ يحلمن به

عاد الرجل إلى بيته وهو ينظّف جيوبه

ويحلم بالمرأة الرابعة.

"نغم شرف" صبيّة الشعر في قصيدتها الأولى


"نغم شرف" صبيّة جامعيّة تحبّ الشعر، قراءة وكتابة. تتابع كتاباتي، وأفترض أنّها تتابع أعمال كثيرين سواي، وأرادت أن تنضمّ إلى وليمة الكلمات العارمة. وإن كنت أنشر نصّها الأوّل هنا فلأنّني أحببت النصّ وأردت أن تقرأوه معي، ولأنّ أجمل ما يمكن أن يقال لي ككاتبة أنّني ساهمت في ولادة قصيدة كتبتها صبيّة صغيرة قد تكون يومًا شاعرة كبيرة.
هذه كلماتها التي أهدتني إيّاها صباح اليوم، فاستأذنتها بنشرها، فوافقت مشكورة:
*******
"كنت سأشرح سبب مراسلتي لك، لكنّني سأكتفي بالقول إنّني "بسببك" كتبت هذه القصيدة....فشكرًا لأنّك ساعدتني على البدء بأولى خطواتي...شكراً لأنّك خلقت في داخلي فكرة ترجمتها بقدراتي المتواضعة على ورقة ...فشكرًا لك"

جنسٌ صامتٌ يمارَس في شرقنا الجميل

خلف الأبواب المقفلة وعلى زقزقة السرير

لذة خرساء لا تتأوّه

تبلع ريقها وتخرس

وفي عينيها تشنق التعابير

والشعر مربوطٌ بحياء التقاليد

واللسان معقود بصوت التراتيل

لا تتكلمي...لا تترجمي...اصمتي

لا تقرأي سوى كتب الدين

كوني المرأة المثاليّة

إن أراد في منتصف الليل استيقظي

دعيه يغتصبك برجوليّة.

اسمعي يا ابنتي: أنت فتاة شرقيّة

سيأتي يوم تُلبسين فيه منشفتك الحريريّة عفتك العانس

وتنشرينها على حبل غسيل

ليزغرد لك الجيران في ليلتك الذهبيّة

كوني مطيعة لا تفكّي أزرارك بنفسك

بالأحمر لوّني وجهك

لا تصرخي حين تصلين

وإيّاك ثمّ إيّاك ثمّ إيّاك!!

أن تعبّري في لحظة زوجيّة عمّا تريدين

لا تحفري قبور الشكّ في أفكاره

سيتّهمك بأنّك كنت تعربدين

ستوأدين يا ابنتي ستوأدين

الأحد، 5 يونيو 2011

سيرة "سليم مطر" ألبوم عائلة عراقيّة


صحيفة الحياة - 5 حزيران 2011
لا أعرف إلى أيّ حدّ يمكن اعتبار السيرة الذاتيّة «ذاتيّة» بالفعل، في حين يبدو الأقرب إلى الواقع أنّنا إنتاج مجموعة أشخاص وعوامل صنعتنا وكوّنت ذواتنا من دون إذن مسبق منّا أو موافقة على ما حصل معنا وجَعلنا ما نحن عليه. ولا أعرف كذلك ما هو رأي من ترتبط بهم حياتنا حين نأتي على ذكرهم في ما نكتبه عن هذه الحياة. مناسبة هذا الكلام صدور «اعترافات رجل لا يستحي» للكاتب العراقيّ سليم مطر عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، وهي سيرة روائيّة وفق التعريف عنها. غير أنّها في رأيي أكثر من سيرة تكتفي بسرد الأحداث وفق تسلسلها الزمنيّ بل هي رحلة البحث عن هويّة وتحقيق المصالحة مع الماضي، ومن دون إتمام ذلك لن تستقيم حياة أو يهدأ بال. وتبتعد عن كونها رواية لتتحوّل «ألبوماً» عائليّاً تجتمع فيه الحكايات مع صور فوتوغرافيّة للعائلة. انها كتابة تغرف من الداخل، فتنبش في أعماق النفس وتفلفش أوراق الذاكرة ثمّ تخضع كلّ ما تجده للتحليل والاستنتاج، وتسعى بعد ذلك لعرض النتائج أمام الناس، عارية بقدر ما استطاع صاحبها أن ينزع عن ذاته الأقنعة الحديد التي فرضتها الحياة. انها «اعترافات» علنيّة على خلاف ما هو عليه سرّ الاعتراف عند المسيحيّين، لذلك يتوجّه الكاتب بدءاً من الصفحة الأولى لأحبّائه وأصدقائه لطمأنتهم إلى أنّه لا يزال كما عرفوه محبّاً للحقيقة وكشف المسكوت عنه والصراحة التي يجب أن تبدأ مع الذات وهو وإن كان لا يستحي إلاّ أنّه لا «يتوقحن». وهي كذلك اعترافات «رجل» يسعى للمصالحة مع الطفل التائه الذي كانه، وهي أخيراً اعترافات رجل «لا يستحي» من تعرية الآخرين وفضح الأسرار العائليّة، كأنّي به يهدم هيكل المقدّسات الصنميّة صارخاً: عليّ وعلى أعدائي يا ربّ! فكيف إذا كان أعداء الإنسان أهل بيته ووطنه؟
لم يخطر لي أنّ سليم مطر أراد أن يفجّر مفاجأة أو يثير فضيحة حين بدأ كتابة هذه النصوص التي تشكّل مشاهد من سيرة روائيّة تترك القارئ محتاراً في تحديد نوع النصّ: هل هو سيرة ذاتيّة ترتدي ثوباً فضفاضاً اسمه رواية؟ أم هو رواية تستند إلى الواقع من دون أن تبقى أسيرته؟ إنّما يبدو لي أنّ استعادة الكثير من الذكريات وتكرار تحليلها (وصف الوالد «مطر» وعلاقته بابنه «سليم» مثلاً) يشيران إلى أنّ الخيط الذي يجمع النصوص ليس الحبكة الروائيّة بل الحاجة إلى البوح من دون تصميم مسبق واضح ومدروس. لكن من يستطيع أن يضع الحدود الفاصلة والأكيدة بين ما عاشه الكاتب/ الراوي/ البطل وما يظنّ أنّه عاشه؟ على كلٍّ، أليس هذا هو الأدب؟
ما الذي يعني القارئ من أمر هذا الكتاب؟ جملة أمور يمكن أختصارها في ثلاثة تدور في فلك واحد:
أوّلاً: صورة الأب وهي موضوع لا يغيب عن الرواية العربيّة خصوصاً متى مثّل الأب نوعين من السلطة: البارئ والحاكم وفق ما ينظر إليهما العربيّ. فالأب يجمع بين الحنان والقسوة وكلاهما مقبول بلا نقاش، وحاكم يفرض عليك أنظمته وقوانينه ولا يقدّم لك شيئاً في المقابل. ولهذا ما زلت حذرة في الحكم على ما يجري في البلدان العربيّة إذ من غير المنطقيّ أن ينتفض العرب على حكّامهم ويستمرّوا في الخضوع للسلطتين الرمزية والأبويّة. فكيف يثور الناس على النظام السياسيّ ولا يثورون على نظام عشائريّ يسمح بجريمة الشرف (الاردن مثلاً) أو على فتوى تضطهد مفكّراً وتحكم بتفريقه عن زوجته (حامد ابو زيد) أو قرار بجلد صحافيّة ارتدت البنطلون (السودان)؟ وسيبقى الخلل قائماً إلى أن نُخضع مفهوم العائلة للتحليلين النفسيّ والاجتماعيّ بمعزل عن تقديس الأم وتأليه الأب كما في الشرق أو رفضهما تماماً بعدما صار التمييز طبيعيّاً بين أبوين بيولوجيين وأبوين مربيّين ولو كانا من المثليين كما يحدث في الغرب.
ثانياً: موضوع الهويّة الذي طرحه الكاتب في الفصل الأوّل (الأجنبيّ الأبديّ)، وعاد إليه في سائر الفصول على اعتبار أنّ غربته في عائلته ووطنه لم (ولن) ينفع معها علاج. وتزداد حدّة الموضوع يوماً بعد يوم، خصوصاً بعد الحربين العالميّتين وزوال الاستعمار وقيام الكيانات العربيّة على أسس غير مستقرّة، ثمّ القضيّة الفلسطينيّة والثورة النفطيّة والمدّ الشيوعيّ والتدخّل الأميركيّ، وبعد ذلك ثورة الاتّصالات الحديثة. كلّ ذلك تمّ في مرحلة قصيرة جدّاً في عمر الزمن إنّما متخمة بالمشاكل المختلفة والتغيّرات السريعة التي لم تكن الشخصيّة العربيّة مهيّأة لفهمها والتأقلم معها. وصاحب السيرة عانى من كلّ ذلك فضلاً عن الفقر والحرمان، فكيف نريد منه أن يحدّد هويّته وهو من أقليّة فقيرة ليس لها مكان في حسابات الدول والحكومات؟
ثالثاً: اللغة: ينتمي الكاتب إلى «مجموعة فقيرة محتقرة من أناس بائسين اسمهم «الشراكوه» وهم سكّان جنوب شرق العراق» (ص 19)، لهم لهجتهم المحليّة التي غرّبتهم عن محيطهم. فمنذ الطفولة إذاً كان على الطفل «سليم» أن يجد لغة تدخله في نسيج المجتمع الأكبر. ثمّ نراه تلميذاً في مدارس بسيطة، وعاملاً في دكّان أبيه، فمهاجراً إلى أوروبا ومقيماً في سويسرا التي تعلّم لغة أهلها وتزوّج من إحدى بناتها وأنجب ابنه الوحيد السويسريّ العراقيّ، المزدوج الانتماء الديني. لا يدّعي الكاتب دراسة العربيّة على كبار العلماء واللغويّين، وفي المقابل يعترف بنهمه لقراءة الروايات، عدا عن اعتياده الإصغاء بشغف إلى حكايات والده. فالناحية الأدبيّة السرديّة إذًا تقدّمت على الناحية اللغويّة، وأتت الغربة لتبعده أكثر عن ينابيع اللغة الصافية. لهذا كان على دار النشر أن تعرض النصّ على مدقّق لغويّ يوليه عناية الحدائقيّ الذي يخلّص الورود الجميلة من الأعشاب التي تخفي حسنها. فبقدر ما يبدو السرد سلساً ومنساباً تظهر عثرات هنا وهناك تثير عتب القارئ ومنها على سبيل المثل: «ان لجميع الأصدقاء والصديقات، كتّاب وقرّاء (الصحيح «كتّاباً»)» (ص5)، «لم يتلقّى (الصحيح «يتلقَّ») رحمة من أبيه» (ص8)، و «قد قَتَلَ أبيه خطأ (الصحيح «أباه»)» (ص8)، «يحقد على أبناءه (الصحيح «أبنائه»)» (ص9)، «خنقت بيداي هذه أعظم الطغاة (والصحيح «بيديّ هاتين»)» (ص10)، «ستكون رحلة طويلة تدوم أعوام وأعوام (والصحيح أعواماً وأعواماً)» (ص31)، «ونحن حفاة راكضين (والصحيح راكضون)» (ص34)...
أمّا سائر الموضوعات التي يتصدّى لها صاحب السيرة في طفولته ومراهقته وشبابه فأترك للقارئ أن يغني ذائقته الأدبيّة بقراءتها فصلاً تلو فصل، فيستمتع بلفتات نقديّة ذكيّة (عن الأغنياء والعلاقة بين الشرق والغرب مثلاً) وتحليلات نفسيّة عميقة (الأم، الأب، المرأة) وتعليقات ساخرة (عن الحزب الشيوعيّ). من دون أن يغيب الحزن العميق عن حكاية حُكِمَ على بطلها بالغربة، ولهذا لا ينسى الكاتب يوم قال له وحيده وكان ابنَ عشر سنوات: «بابا! ممكن تحكي لي حكاية من حياتك في العراق، غير حزينة...» ولا يزال سليم مطر يبحث.