الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 29 يونيو 2010

مطر حزيران بلا قبعة وعصا



ليس في الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة ما يشير إلى سقوط المطر في حزيران، ربّما لأنّ الشتاء حين يرحل يلملم عباءات الغيم المغسولة بمياه السماء وينشرها على حبال الغسيل في أرض بعيدة تنتظر قطرات تروي عطش تربتها.
ومع ذلك، فحزيران هذا العام أنزل علينا ماءه المجبول بالغبار وتساقطت الأمطار وحولاً أتلفت الزرع ولوّثت زجاج النوافذ وحوّلت الطرق ساحات تزحلق تصطاد من لا يعرف كيف يثبت قدميه على الأرض. وتبيّن أنّ مطر حزيران لا يؤمَن له، فلا هو شتاء يعدك برجل ثلج يعتمر قبعة ويتّكئ على عصا يخلّفهما وراءه حين يذوب في الأرض مع أوّل خيط من خيوط الشمس، ولا هو صيف وكَيف وبساط واسع يمتدّ خارج الدار حيث كان القمر قنديل السهر. هو نوبات بكاء لا نفهم أسبابها، مزاجيّة سماء لم نعد نعرف ماذا تريد من أبناء الأرض، فورة أعصاب لا مهدّئ لها. وحين يتوقّف المطر فجأة عن الهطول نكتشف أنّ الطقس لم يعد طقسنا وأنّ مزروعاتنا أتلفت وثمار أشجارنا تساقطت ومواسمنا بارت ومنتجعاتنا خلت من روّادها. أمّا ألسنة الناس فلا تردّد إلاّ لازمة واحدة: "لم تعد الأمور كما كانت عليه. حتّى الطبيعة تغيّرت وما عاد فينا نوثق فيها". صحيح، لم تعد الأمور على حالها: موسم الشتاء كان بلا ثلج، وموسم الربيع كان بلا زهر، وموسم الصيف يصل بلا شمس، كأنّنا في خريف دائم لا يريد أن ينتهي، بل يزداد ضبابه كثافة مع احتمال حرب يتمنّى نشوبها كثيرون لتصفية حسابات شخصيّة. ولكنّ الطبيعة لا تقتل نفسها بنفسها والحرب لا تقع من تلقاء نفسها، الإنسان عدوّ ذاته مذ وعى ذاته.
تحكي سيّدة في حيّنا وتقول: حين كانت المرحومة أمّي تجلس على هذا المقعد قبل عشرين سنة كانت تقول إنّ الشمس في أوّل يوم من الصيف تغيب خلف قصر الشرتوني. الآن صارت الشمس تغيب أبعد بمبنيين، تتابع السيّدة وهي تشير إلى الاختلاف في موقع مغيب الشمس، وتسأل نفسها بصوت مرتفع: شو عم يصير بالدني؟ من يخبرها أنّ كلّ واحد منّا صار محور الأرض، تدور الأرض والكواكب والنجوم حوله، وهو مشغول بنفسه عمّا حوله؟
حين كتب جبّور الدويهي روايته عن حمّام الدمّ في ليالي الشمال الحزينة، وضع لها عنواناً معبّراً هو "مطر حزيران". وعلى الغلاف الخارجيّ الأخير لها وبحسب القرار الظنيّ في قضيّة الاعتداء على أمن الدولة الداخليّ الحاصلة في مزيارة، قضاء زغرتا، بتاريخ 16 حزيران 1957، نقرأ: "كانت السماء ترسل رذاذًا من المطر... وبسبب المطر أخذ الناس يدخلون إلى الكنيسة من بابيها الجانبيين الشماليّ والجنوبيّ، وأمّا باقي الموكب فدخل من الباب الغربيّ الملوكيّ المواجه لساحة البلدة، وما إن بدأ الموكب بالدخول إلى الكنيسة حتّى حصلت ضوضاء بين الحضور وأطلق طلق ناريّ في خارج الكنيسة كان الإشارة والشرارة الأولى للكامنين في داخل الكنيسة وفي الساحة وعلى السطوح، فشهروا أسلحتهم وأخذوا يطلقون النار على خصومهم، ودام إطلاق النار زهاء العشرين دقيقة فقتل وجرح مئة وبعض المئة من الناس وهرب القسم الأكبر من المعتدين وألقي القبض على البعض منهم".

كان ذلك في أعالي الشمال، غير أنّ الكبار في بلدتي يقولون إنّهم لا يذكرون أنّ المطر تساقط في مثل هذا الوقت من السنة، ولكنّهم يشيرون إلى مطر نزل في آب مرّة منذ زمن بعيد، إذًا "معقولة تشتّي بآب" كما يغني وائل كفوري. أمّا حزيران فيبدو أنّه احتفظ بمطره لحيث كان عليه أن يغسل الدم بعد صوت الرصاص المنهمر كالشتي كما وصفه المصوّر الأرمني في الرواية المشار إليها.
ماذا يحمل مطر حزيران هذا العام، وهو المتسلّل يومًا والمقتحم يومًا آخر ودائماً بلا برق ورعد، فضلاً عن حوادث التزحلق والاصطدام وخربطة مشاريع الاحتفالات والمهرجانات؟ وكم ضحيّة يجب أن تسقط قبل أن نكتشف أنّ انعدام الرؤية لا يكون دائماً بسبب الضباب؟ وكيف سيكون صيفنا الموعود بالنفط على شواطئنا التي صارت أملاكًا خاصّة، في حين تغرق مدننا في عتمة انقطاع الكهرباء وتزدحم السيارات على طرقنا بسبب ورش الإعمار العشوائيّة أو حوادث السير القاتلة؟ وأيّ مصدر للرزق سيكون لنا بعدما فقدنا اعتدال فصولنا واستقرار مواسمنا السياحيّة اللذين كانا فخرنا ولا فضل لنا إلاّ في تخريبهما وتشويههما؟ أسئلة لا تنتظر أجوبة مقنعة أو منطقيّة، فحين يبدأ الخلاف على نفط لم يظهر بعد، ونهمل ثروة مائيّة تروي عطش الشرق ونتركها تذهب إهداراً إلى بحرنا الملوّث، لا يعود يهمّ إن سقط المطر في حزيران أو نشبت الحرب في تمّوز أو نجح تلامذة لبنان بالجملة، فالمهمّ: وين السهرة الليلة؟

* صحيفة النهار - 29 حزيران 2010

الأحد، 27 يونيو 2010

اللغة الناقصة

(اللوحة للفنّان فاتح المدرس)
كانت المرأة تمارس رياضة المشي التي تهواها.
صدمتها سيّارة مسرعة،
فنقلت إلى المستشفى في حال الخطر
إلاّ أنّها تركت رجليها على حافة الطريق
لتتابعا نزهة الصباح.
(اللوحة للفنّانة اللبنانيّة سلوى روضة شقير)
لا أعرف إن كان الله يستطيع أن يغيّر الماضي.
غير أنّني أعرف أنّه فادر على تغيير نظرتي إليه.
وحتّى الآن لم يفعل.

(اللوحة للفنّان اللبنانيّ مازن كرباج)
حتّى ظلّي لا يرضى أن يرافقني في العتمة.

(اللوحة للفنّان اللبنانيّ جوزف مطر)
صلّى رجل الله قبل تناول الطعام،
فشكر وبارك وطلب من ربّه أن يطعم الجائعين خبزًا.
وبعدما اطمأنّ إلى قيامه بواجبه
جلس وطلب أشهى أنواع السمك وأجود أصناف النبيذ.


(اللوحة للشاعر أدونيس - كولاّج)
ليتنا نستطيع أن نخاطب الله
بلغة عربيّة تخلو من التذكير والتأنيث.

الجمعة، 25 يونيو 2010

علامة استفهام

( اللوحة للفنّان اللبنانيّ عمر أنسي)
خلعت أمس ثوب العزلة العتيق
وارتديت اليوم آخر جديدًا.
(اللوحة للفنّان اللبنانيّ خليل الصليبي)
يظنّون أنّني أتكلّم عن قسوة الرجال،
في حين أنّني أريد الحديث عن سذاجة النساء.

(اللوحة للفنّان اللبنانيّ عمر أنسي)
الأمّ التي انتحر ولدها
تشبه بانحنائها علامة استفهام.

(اللوحة للفنّان اللبنانيّ جوزف مطر)
نمرّ في البيوت
ونستمرّ في الأبيات.


(اللوحة للفنّان اللبنانيّ شوقي شمعون)
قال لي:
أين أظافرك الجميلة؟
وأين شعرك الطويل؟
ولماذا هذا النحول المخيف؟
قلت له:
أحاول أن أختفي من حياتك شيئًا فشيئًا.



(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)

الخميس، 24 يونيو 2010

حبّ لا يعرف الملل

إذا ذكرتني مرّة في صلاتك
فاطلب من الله
أن يرسل إليّ من يحبّني كما أحبّك
لا كما تقول إنّك تحبّني.
تقود اللقاء إلى كهوف جسمها العميقة
وهناك
في العتمة
تفقد القدرة على القيادة.

(اللوحة للفنّان جوزف مطر)

لحظة تغيب الشمس
يفرك طفلان مشاغبان عيونهما من شدّة النعاس:
واحد هنا يرفض أن ينام
والآخر هناك يرفض أن يستيقظ.

( اللوحة للفنّان اللبنانيّ هرير)

الشجرة لا تمارس الجنس

لكنّها لا تمانع في أن تجعل أغصانها أسرّة للراغبين فيه.

ثمّة نقص في اللغة!
فماذا نسمّي من يمارس الجنس من دون حبّ،
ومن يحتفل بعشق،
ومن يقوم به إتمامًا لواجب،
ومن يعتبره صلاة،
ومن ينفّذه بقرف،
ومن يحتاج إليه كالهواء،
ومن يهجم عليه كجائع إلى الطعام،
ومن يتسلّل إلى خزائنه كلصّ ظريف،
ومن ينظر إليه على أنّه نجاسة،
ومن يتخلّص منه كمتحرّر من سجن؟


(من كتابي لأنّك احيانًا لا تكون)

الثلاثاء، 22 يونيو 2010

ماريو! معلّموك يساوون ربعًا



"ماريو ما سقط!"

معلّموه هم الذين سقطوا، والمناهج التعليميّة هي التي سقطت، وطموح الشباب هو الذي سقط!

فكيف يعقل أن يرسب شاب يعزف الموسيقى على البيانو ببراعة وإحساس، ويؤلّف معزوفات آتية من عالم جميل لا علاقة له بعالمنا، ومسؤولٌ ثقة في الحركة الكشفيّة، بفارق ربع علامة كان ينقصه لينجح في امتحاناته؟

وكيف تريدون أن نصدّق أنّ ماريو، التلميذ الذي ساعد زملاءه في الصفوف الثانويّة الأولى في الرياضيّات، وتعامل مع الكومبيوتر كلعبة يفكّك أوصالها ويعيد تركيبها وهو مغمض العينين، لا يستطيع أن يعود إلى البيت بشهادة نجح في الحصول عليها كثيرون لا يملكون قدرات ذهنيّة وفنيّة وأخلاقيّة ورياضيّة كالتي يملكها؟

غير أنّ مشكلة ماريو في مكان آخر، فهو تلميذ تعلّم على نفسه، واستطاع أن يحصل بجهده الخاصّ على العلامات التي نالها وكان على معلّميه أن يؤمنّوا له ربع علامة فقط ولكنّهم لم يفعلوا... فهذا التلميذ كان يزعجهم في الصفّ لأنّه كان يسأل كثيرًا! كان تلميذًا من صنف غريب، مختلفًا عن الآخرين، بعيدًا عنهم وقريبًا منهم في الوقت نفسه. والمؤسف أنّنا حين نقول ذلك يذهب تفكيرنا مباشرة إلى اختلاف مرضيّ ينمّ عن عجز أو إعاقة.

لا. ماريو كان مختلفًا لأنّه كان يريد أن يفهم أكثر، أن يسأل أكثر، أن يجيبه المعلّمون عن أسئلته من دون سخرية أو تأنيب ومن دون أن يدّعوا أنّهم لم يروا يده المرفوعة أو لم يسمعوا سؤاله. لا بل إنّ مشكلة ماريو الأساسيّة إيمانه بأنّ المدرسة وجدت لذلك، لأمثاله من الذين يسألون ليفهموا لماذا وكيف ومتى وما الهدف. ولكنّ المعلّمين الذين وقع بين أيديهم كانوا دائمًا مستعجلين ويريدون إنهاء البرنامج "قبل ما يصير شي" و"قبل ما تشوّب الدني". ولذلك كان هذا التلميذ مزعجًا بالنسبة إليهم، فلا هو يقتنع بسرعة بما يقال له كسائر المجتهدين، ولا هو "يطنّش" أو ينام كالكسالى، لذلك صاروا يقولون عنه: متفلسف، مغرور، مستواه ضعيف، ينقصه الكثير من المعلومات، مشكلته نفسيّة. إذًا كيف وصل هذا الشابّ إلى الصفّ النهائيّ واختار العلوم العامّة حيث الرياضيّات والفيزياء والكيمياء هي الموادّ الأساسيّة ذات العلامات العالية، وأصرّ فضلاً عن ذلك على تقديم الشهادتين اللبنانيّة والفرنسيّة؟

أين الخطأ؟ هل هو في المناهج التربويّة أم في المدارس نفسها؟ هل هو في المعلّمين أم الأهل أم التلميذ؟ وأين الخلل حتّى أنّ تلميذًا ذكيًّا واجتماعيًّا ولا يعاني من أيّة مشكلة صحيّة أو نفسيّة أو عائليّة أو ماديّة، وأثبت نجاحه في كلّ المجالات التي شارك فيها، يرسب في امتحان البكالوريا الفرنسيّة بفارق ربع علامة؟ ولنفرض أنّ هذا الشابّ يعاني صعوبات في اكتساب المعلومات بالسرعة المطلوبة، فماذا فعل المسؤولون عنه لتذليل هذه الصعوبات؟ وما هي الوسائل المساعِدة والتوضيحيّة التي اعتمدتها المدرسة لإيصال أمثاله إلى النجاح في اطمئنان وأمان؟ وهل تلحظ المؤسسّات التربويّة عندنا أساليب علميّة لمساعدتهم في حلّ مشكلتهم إن صحّ أنّ ما هم فيه مشكلة؟ وكيف نريد من ماريو بعد اليوم أن يبقى على ثقته بنفسه حين يعزف على البيانو (كم عزف في حفلات المدرسة وكم حصد التصفيق!)، أو حين يتحمّل مسؤوليّة الأولاد الذين يرافقهم في الرحلات الكشفيّة، أو حين يطلب منه أحد الأصدقاء أن يصلح له جهاز الكومبيوتر؟ ومتى ستجرؤ المؤسّسات التربويّة على الاعتذار من الأهالي حين يرسب أولادهم قائلة: نأسف لأنّنا فشلنا في إيصال أولادكم إلى النجاح الذي يستحقّونه؟ ومتّى سيكفّ المعلّمون عن الخوف من عدد الدروس لا على منهجيّة التعلّم والاكتساب؟ ومتى سنتوقّف عن النظر إلى التلامذة، كلّ التلامذة، على أنّهم فئران في مختبر أساليبنا التربويّة المستوردة مرّة من فرنسا، ومرّة من إنكلترا، ومرّة من الولايات المتحدّة الأميركيّة، ومرّة من كندا، ومرّة من مجموع هذه البلدان، وسواها، دفعة واحدة، أو على التوالي حتّى يحار التلميذ كيف يحكم على نفسه أو كيف يتصرّف؟ وأين دور التوجيه الدراسيّ والمهنيّ الخبير والمتخصّص في رصد توجّهات التلامذة وإرشادهم إلى حيث ينجحون ويحقّقون أنفسهم؟
ماريو! أو أيًّا يكن اسمك! مبروك عليك النجاح، لقد استطعت بجهدك الشخصيّ أن تحصّل العلامات التي نلتها، أمّا ربع العلامة الناقص فهو مجموع ما تساويه دروس معلّميك خلال مرحلة دراستك، وخلال الأعوام الطويلة التي أمضوها في التعليم!

* جريدة النهار - الثلثاء 22 حزيران 2010

الأحد، 20 يونيو 2010

بكاء

حين أستعيرك من ذاتك،
تحطّ أجنحة كلماتي على أوتار صوتك،
ويختبئ خجلي تحت خباء جلدك،
ويذوب قلقي في تراب صومعة عند حنايا حنانك،
وتلتفّ رجفتي بلحاف ذراعيك،
ولا أعود أذكر إلاّ رغبتك.
أفضّل أن أبقى في العتمة على أن أشبّهك بالشمعة التي تنير ليلي
لأنّني أخاف عليك من الانطفاء
وأفضّل ألاّ أكتب على أن تكون الحبر الذي يتدفّق في شراييني
خشية أن تجفّ يومًا.
البكاء أمام الآخرين ليس دليلاً على قوّتهم
بل على عجزك.


تبكيني الكلمات التي كتبتها.
فأنا لم أكن أعرف أنّني حزينة إلى حدّ الكتابة
ووحيدة إلى درجة أن أعيد قراءة ما كتبت.
أقمت في جانب الحديقة مدفنًا جميلاً
لكلّ الذين خرجوا من المنزل ليقطفوا الزهور ولم يرجعوا،
بل تحوّلوا زهورًا أقطف منها كلّ يوم باقة أزيّن بها البيت
لعلّهم يعودون.
عند الحديقة الليليّة المسكونة
أرحل مع المساء إليهم،
إلى الذين قبلوا أن يكونوا
تحت قدميّ المتعبتين
بساطًا
يطير بي نحو نجوم تكلّل رأسي الثقيل.


(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)

الخميس، 17 يونيو 2010

أخبار متفرّقة

اللوحة لـ(ممدوح القصيفي - مصر)
مأساتي أنّني التقيت بك حين أصبحت أكثر حكمة وأقلّ جمالاً.
اللوحة لـ(ممدوح القصيفي - مصر)
الدولة تراقبنا
الكاميرا تراقبنا
الأقمار الاصطناعيّة تراقبنا
العدوّ يراقبنا
الصديق يراقبنا
المجتمع يراقبنا
الجارة تراقبنا
ومع ذلك
فما زالت كلمة "خصوصيّة" موجودة في القاموس.
أعد إليّ العاطفة التي سكبتها طيبًا على قدميك
لئلاّ تدوسها أقدام أتباعك.

قالت ورقة الشجرة الرقيقة للسنديانة الجبّارة:
عندما تنتهي رحلتي القصيرة عند جذورك
أشعر بسكينة الوصول لا برهبة السقوط،
وبمتعة الانصهار لا بحتميّة الاضمحلال،
وبطمأنينية الأفياء لا ببرد التراب...
قال الرجل العجوز لزوجته:
أتمنّى أن أموت قبلك كي لا أتعرّض للإذلال. فأولادنا لا يجيدون خدمتي كما تخدمينني، ولا يجيبون عن أسئلتي بصبر وأناة كما تفعلين.
فأجابت الزوجة في جديّة تامّة:
وأنا أيضًا أتمنّى أن تموت قبلي لأنّني أرغب في أن أعيش قليلاً من دون أن أخدم أحدًا أو أن أصبر على أحد.

الثلاثاء، 15 يونيو 2010

اجتماع عمل مصيريّ




قصد البحرَ ثلاثة رجال يشكّلون قيادة البلد، وذلك ليعقدوا اجتماعًا مغلقًا بعيدًا عن أعين الناس وحين وصلوا أمام صفحته الزرقاء، قال كبيرهم: دعونا نسبّح الله على ما وهبنا إيّاه، قبل أن نبدأ اجتماعنا السريّ!
سأل أوسطهم وهو أمين السرّ: هل تعتقد يا كبيرنا أنّ الله يحبّ السباحة؟

غضب الكبير وقال له: يا غبيّ! المطلوب التسبيح لا السباحة!
سأل أصغرهم وهو أمين الصندوق: ولكنّ المكان يا زعيمنا يعجّ بالناس فكيف يكون اجتماعنا سريًّا؟
استشاط الكبير غيظًا وقال: يا غبيّ! سننزل إلى البحر ونسبح عميقًا فيه إلى حيث لا يرانا أحد ولا يسمعنا أحد؟
سأل أوسطهم: هل أستطيع أن اصطاد سمكة ؟

كتم الكبير نقمته وأجاب بهدوء: يا غبيّ! جعلتك صيّاد بشر، فكيف تريد أن تكتفي بسمكة؟
سأل أصغرهم: هل أستطيع أن أمشي على المياه؟
اصطنع الكبير السكينة وأجاب: إن وعدتني أن تغرق.

بعد ذلك، خلع الرجال الثلاثة ملابسهم ونزلوا إلى البحر وابتعدوا عن الشاطئ، وهناك عقدوا اجتماعًا قرّروا بنتيجته أن يكثروا من هذه الاجتماعات لما فيها من رياضة للجسد وراحة للنفس ما ينعكس خيرًا على المجتمع.

الأحد، 13 يونيو 2010

العشق في زمن الفوتبول


تنطفئ رغبتي وأنا أنتظر انتهاء المباراة
أنهي أعمالي المنزليّة
أغسل شعري وجسمي
أرتدي قميص نومي الشفّاف
وأعدّ مائدة شهوتي وليمة شهيّة
أمّا هو فيلاحق بعينيه الجائعتين كرة تتلاعب بأعصابي
المشدودة إلى أرجل رجال اقتحموا غرفة نومي
ففاحت روائح أجسامهم
وعلقت بأطراف وسادتي
ولكنّها
لم تحرّك رغبتي فيهم.
أمّا هو فيتمنّى لو كان جوربًا أو فردة حذاء رياضيّ في قدم نجمه المفضّل.
وفي كلّ فريق له نجم.

الجمعة، 11 يونيو 2010

انشغال متبادل

كنت أحلم، صرت أفكّر، وغدًا سوف أتذكّر
ما أسعد من عرفني،
وهنيئًا لمن سيعرفني
أمّا الذي يلتقي بي اليوم فبائس مسكين.
*****
تقيّأت السماء أمعاءها
حين سمعت حديثه عن المحبّة.
*****
حين كنت صغيرًا، كنت صبيًّا هزيلاً يحلم بالرجولة
وحين أصبحت رجلاً جميلاً، أخذت تحلم بالنجاح،
وحين حالفك النجاح، أخذت تحلم بالمجد،
وحين أصابك المجد، أخذت تحلم بمن يشاركك كلّ ذلك،
ولكنّ الوقت كان قد تأخّر، فلم تجد أحدًا مستيقظًا في انتظار أن تستيقظ.

الخميس، 3 يونيو 2010

الموتى السعداء


يستيقظ الموتى الذين أعرفهم ما أن أفتح عينيّ.

يلتفّون حولي ويرافقونني في صمت،

يمشون حين أمشي
ولكنّي لا أسمع وقع خطواتهم،

ويجلسون حين أجلس
ثمّ يختفون حين تمتلئ الغرفة بسواهم.

يحتفظون بأشكالهم الأليفة وروائحهم الخاصّة،

بيد أنّهم لا يفتحون أفواههم ولا يتكلّمون فلا أعرف كيف أصبحت أصواتهم.

السكينة على وجوههم صفراء باهتة،
ونظرات عيونهم عميقة هادئة.

عندما أنظر في المرآة صباحًا

أرى الموتى الذين أعرفهم متحلّقين حولي،

أردّ على ابتساماتهم

وأطمئنّ إلى أنّ النهار سيكون جميلاً.

الموتى الذين أعرفهم سعداء.

الأربعاء، 2 يونيو 2010

تشابيه





شوقٌ


ككتاب
يحلم بأن يتّكئ على آخر.

كريح
تستعدّ لموعد.

كجمال وحشيّ
ينتظر أن تفتح الغابة أبوابها.

كعمر
يرغب في بداية.

كموعد
المناولة الأولى.

ككلمة
ترقص على شفتين.

كلمسة
معلّقة بين اشتياق جسدين.


(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)

الثلاثاء، 1 يونيو 2010

ضمير المتكلّم (اللوحة لعمر أنسي)


- 1 سأل الرجل الفقير زوجتَه التي اغتصبها المرض: شو بينفعني يكون معي حقّ وما معي حقّ الدوا؟

*****

2 -


أنا: ضمير المتكلّم/ هو: حاضر غائب ولا ضمير له.


*****
- 3 لا بقاء إلاّ للفنّ، الدين نفسه احتاج إليه كي ينتشر ويبقى، وليست الآثار الفنيّة الباقية في أنحاء الأرض إلا دليلاً بيّنًا على أنّها أكثر قابليّة للحياة من الديانات التي أوجدتها.


*****
- 4 أعرف طفلاً مصابًا بمرض غريب ونادر يجعل جلده ممزّقًا وعروقه البارزة نازفة، وبالقرب منه رجل يغيّر في اللحظة الواحدة جلده عشر مرّات، من دون أن تخرج منه نقطة دم واحدة. وتريد منّا الحياة أمام هذين المشهدين أن نؤمن بالعدالة؟


*****

- 5 ظهرت ديانة جديدة مبدأها: ما لقيصر لقيصر، وما لله لقيصر، ولو كان القيصر اسمه نيرون.


*****
- 6 اللي استحوا ماتوا وبقي على قيد الحياة ثلاثة: جبان يؤرّخ لحياة الأبطال، وخائن يعطي دروسًا في الوطنيّة، ورجل أمن يربّي الأجيال الصاعدة.

*****
- 7يحلو لأحدنا حين يصل الأمر إلى النقاش في أمر ماليّ أن يقول للآخر: "مش رح نختلف". ثمّ يقع خلاف له أوّل وليس له آخر لأنّ الأمر الوحيد الذي يجمع عليه اللبنانيّون هو إصرارهم على تحصيل حقّهم حتّى آخر قرش أو آخر نَفَس خصوصًا بعد عبارة: مش رح نختلف، لأنّ اللبنانيّين يتّفقون على كلّ شيء عدا عمّا في الجيب أو ما كان منتظرًا أن يدخل إلى الجيب لأنّ ما في الجيب ضمان لما سيحمله الغَيب.

*****

- 8 بعدما أكل آدم وحوّاء كلّ ما على الأشجار من ثمار وما في الأرض من نبات جاعا فاضطرّا إلى البدء بالصيد. تصبّب منهما العرق وهما يلهثان خلف الطرائد، فتساءلت حوّاء متذمّرة: أبعرق جبيننا سنأكل من الآن فصاعدًا؟


*****
- 9 كلْ خبزك معجونًا بعرق جبينك لا بعرق جبين سواك.


*****

- 10 نسرع إلى العمل كي لا نصل متأخّرين، ثمّ نسرع في العودة إلى البيت لأنّنا منهكون/ نسرع إلى الوقوع في الحبّ ثمّ نسرع في إنهاء العلاقة/ نسرع في النسيان كي نبدأ من جديد.


*****

- 11 نصغي بلا اعتراض إلى كلام مديرنا في العمل لأنّنا نريد أن نحصّل مالاً لنربّي أولادنا، وعندما نعود إلى البيت نُسكت أولادنا لأنّنا مرهقون من الإصغاء إلى المدير.


*****

- 12 عُيّن الجلاّد مدرّسًا للحساب لأنّه بارع في عدّ ضربات السياط.


*****
-13 أعجب صاحب المعمل بأداء الحارس الليليّ الذي يسهر ليحميه من اللصوص، فأمر بترقيته وتعيينه مديرًا عامًا. بعد أيّام قليلة، نهب السارقون المعمل واستقال كبار الموظّفين الذين كانوا يحلمون بمركز المدير، فأصيب صاحب المعمل بجلطة دماغيّة لم تمته بل تركته مشلولاً يراقب كيف ينهار العمل الذي أفنى عمره في تأسيسه.

*****

- 14 بالخبث وحده يحيا الإنسان.


*****
- 15 يدوس الجبان نملة ليشعر بأنّه شجاع.

*****

- 16 ما أشدّ قسوتنا حين نقتلع بعنف زهرة بريّة شقّت طريقها بعناد إلى النور من تحت ظلمة الإسفلت، وذلك بحجة النظافة.


*****

-17 سألتني "كريستين": ماذا تفعلين إن هجرك الوحي؟، فأجبتها: الوحي هو "المذكّر" الوحيد الذي أعمل المستحيل كي لا يهجرني، أما إن حصل وهجرني فألحق به وأراضيه كي يعود و"يهبط" عليّ بكلّ فيه من قوّة.


*****
صحيفة النهار - 1 حزيران 2010