الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 31 أغسطس 2011

أبوّة بالإكراه


ينظر الشاعر إلى بطن زوجته المنتفخة بالحياة، المستعدّة للحظات المخاض، ويحاول أن يتذكّر كيف وصلت إلى بيته.

من المفترض أن يكون هو الممتلئ حياة، والوحيد الذي يتمخّض صورًا وكلمات، والوحيد الذي يحقّ له امتلاك القدرة على إعادة تكوين العالم والكائنات. وها هي المرأة التي لا يعرف هو نفسه كيف اقتحمت مكتبته واحتلّت صورتها المكان المعدّ للوحة تشكيليّة جديدة، تضاف إلى المجموعة التي يتباهى بها أمام أصدقائه وزملائه. ها هي تلك المرأة تنافسه في عمليّة الخلق وتحمل إلى الدنيا طفلاً منه هو، هو الذي يعرف أكثر من سواه كم أنّ هذه الحياة هشّة وعابرة، ولا يجوز له، مهما بلغت مزاجيّته وتطوّرَ جنونه، أن يساهم في جلب طفل عاجز إلى حلبة الصراع فيها.

ينظر الشاعر ويرى أكثر ممّا أراد منه أن يرى خلال التصوير الصوتيّ. يرى الطفل السابح في ماء الأم والمولود من مائه هو، ويتساءل: هل سيغرقه العالم في مستنقع النتن؟ يسخر الجنين منه ويتحدّاه. الجنين المغمض العينين على حقّ. فالشاعر المؤتمن على الحداثة ورافع لواء الخروج على التقاليد الفكريّة والموروثات الشعريّة مدعوّ الآن إلى السهر على مولود ضعيف يجب أن يربّى على التمسّك بالتراث والعادات كي لا يزعل جدّاه، ويجب أن يكون "موزونًا" كي لا يسخر منه أترابه، وأن يحترم "القواعد"، وأن يبتعد عن "الشياطين" من الأولاد لأنّ شياطين شعر أبيه لن تستطيع حمايته، وعليه أن يمضغ الطعام جيّدًا وألاّ يلوك مفرداته وألاّ يطيل السهر خارج البيت...لكن من سيعلّم المولود الجديد هذه الأمور وأبوه منشغل بتحرير المجتمع من القيود، والقصيدة من الاجترار، وأمّه تبحث في كلّ نصّ عن المرأة الجديدة التي دخلت عالم زوجها الشعريّ، أو عن تلك العائدة مع غيم الذكريات من ماضٍ لم تكن، الزوجة الأمّ، موجودة فيه بعد. إلّا أنّها ستحاول أن توحي للجميع بأنّها سيّدة الكلمات التي قيلت في انتظارها، وتقال احتفاء بوجودها.

الوالد الناقد وصاحب القلم الذي يخاف من كثرٌ من الذين يكتبون وينشرون، يخاف ألّا يكون مولوده على مستوى الآمال والتوقّعات، ويخشى أن يكره طفله الشعر والشعراء، وأن يسخر من اللغة العربيّة ويرفض متابعة دروسها لأنّها تذكّره بوالده الذي يعمل ليل نهار بحثًا عن كلمة في غير موضعها ليحذفها من نصّه أو لينهال تأنيبًا على صاحبها إن كان النصّ لسواه، ومع ذلك لا يجد الوقت لتبادل الكلمات مع ابنه...وعند ذلك يلوم المعلّمة لأنّها لم تعرف كيف توصل الجماليّة الشعريّة إلى عقل ابنه.

الوالد الشاعر، والأب الروحيّ لشعراء كثر يمشون على خطاه، ها هو يستعدّ لحمل طفله، وفي ليالي الأرق الوالديّ والقلق الشعريّ سيتذكّر كم مرّة سخر من أصدقائه المتزوّجين والمنجبين، وسيرى إلى صورته في المرآة بعينين شبه ناظرتين، ولن يسمع إلّا صوت البكاء الجائع، ولن تداعب حاسّة شمّه سوى رائحة السائل الأبيض الفاتر ينتظره فم الرضيع. سيتذكّر ويبتسم. وحين يجلس ليكتب بعد صمت الجوع ونوم النعاس سيستعيد ذكرى الحريّة، وينطلق محلّقًا، بعيدًا عن المنزل الذي لا يدري كيف جال على معارض المفروشات ليجد له أثاثًا يلائم ذوق العروس التي انتفخت بطنها في سرعة، ولم تدع له فرصة البحث في المعاجم والقواميس عن وصف لما فيه الآن: رجل متزوّج، والد خائف أم شاعر عازب جدًّا.

الاثنين، 29 أغسطس 2011

قاسم حدّاد يأسر الشعر في «شذرات»



صحيفة الحياة، الإثنين, 29 أغسطس 2011
"سوف تفكّر كثيراً قبل أن تطلق عقلك في حقل النار، غير أنّ قلبك هو الكفيل بالقيادة عندما يتعلّق الأمر بقراءة الجمر» (ص 37). كلمات نستعيرها من شذرات الشاعر البحرينيّ قاسم حدّاد لنصف بها ما يصحّ أن نشبّه به قراءة كتابه «الغزالة يوم الأحد» (دارالغاوون). فجموعة الأفكار (313 شذرة) المستوحاة من مشاهد الحياة، والتي وضعها صاحبها في لغة تزاوج بين الشعر والنثر، ليست وليدة لحظة تجلٍّ شعريّ أنجبت قصيدة، بل هي خلاصة عمر أثمر خواطر وآراء تقلِّب قارئها على جمر لغتها الدافئ مرّة واللاذع مراراً.
نصوص يختلف حجمها بحسب مزاج كاتبها، فقد تكتفي بسطرين تختزل حالة وجوديّة عامّة ودقيقة كما في قوله «ليس قلبك وحدك/ عندما يتعلّق الأمر بالحبّ» (ص 14)، وقد تطول لتشرح فكرة افترض كاتبها أنّ اللمحة الشعريّة لن تفيها حقّها، فأمدّها بالنثر يشرح ويحلّل. وقد يجبره موضوع ما على العودة إليه في أكثر من شذرة، رغبة في تناوله من أكثر من ناحية كأنّه لا يريد أن يترك لسواه ما يضيفه، أو كأنّ الفكرة تفرض نفسها عليه ولا تفارقه قبل أن ينهك أحدهما الآخر، كما في كلامه على المجاز في اللغة (9 شذرات) أو على الدين (13 شذرة).
ثمّة مغامرة في هذا النوع من الكتابة (رأيناها عند جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأنسي الحاج في «خواتم»)، تعرّض النصوص للفوضى والتكرار والتناقض، ما لم يكن كاتبها واعياً إلى أنّ ما بين يديه من أفكار يحتاج إلى غربلة ورقابة نقديّة صارمة تجعله في أكثر الأحيان يحذف أكثر ممّا يبقي. ففي هذه المجموعة مثلاً، نرى أنّ الشذرة الرقم 13 أعيد نشرها حرفياً تحت الرقم 227، والرقم 100 استعيدت كاملة في الرقم 228 وورد ما يشبه معناها في الرقم 187، والرقم 1 أعيد ما يكمّلها ويضيف إليها في الرقم 243، فضلاً عن أنّ بعض الشذرات لم يحافظ على المستوى الشعريّ الذي تجلّى في أكثرها، كما توزّعت الموضوعات المعالجة من دون ترتيب أو تبويب. ولكن هي طبيعة هذا النوع من الكتابة، تفرض إيقاعها ولا تنصاع.
ليست هذه الشذرات من شعر التفاصيل اليوميّة، بل هي آراء فرضتها مشاهدات لافتة أو تجارب مؤثّرة أو تأمّلات يوم عطلة. ويمكننا في هذه القراءة التوقّف عند موضوع الشعر (الإبداع، الفنّ، الكتابة) الذي توزّعت نظرة قاسم حدّاد إليه في أكثر الصفحات. فالابتكار والتجديد صفتان لا تنفصمان عن طبيعة الشعر، ولذلك لا بأس من النسيان، يقول، لأنّه يسمح بكتابة شعر جديد (الرقم 1)، وعلى الأبجديّة أن تتجدّد وإلّا هرمت القواميس (الرقم 44)، فالتكرار والاجترار عدوّا الإبداع، فحتى كتاب كألف ليلة وليلة يعجز عن حمل السحر في كلّ صفحاته (53). غير أنّ الشاعر يضع شروطاً صارمة لهذا التجديد، فالابتكار ابن الصمت (97) والنصّ الجديد يولد من المبادرة (103)، ما يدعو صاحب الغزالة للاحتفال بالكتابة الشابّة الجديدة لأنّها ابنة الموهبة والمعرفة (164)، بل إنّ الطفولة بما فيها من مغامرة وجرأة تنضح بالشعر (227). لذلك، يدعو حدّاد الشعراء إلى الكتابة ثمّ الكتابة لئلّا يقعوا في الكبت (279)، ولكنّه يحذّرهم من تحويل ذلك إلى وظيفة رتيبة (277).
ولا ينسى قاسم حدّاد ربط الشعر بالألم والمعاناة، ما يذكّرنا بالشعراء الرومنطقيّين، فإذا به يستعيد فكرة تشبيه الحبر بالدم كما فعل إلياس أبـو شبكة حين قال: اجرح القلب واسق شعرك منه/ فدم القلب خمرة الأقلام». فالكلام ينبع من القلب ويرتبط بالجراح (45)، وثمّة كتابة تتطلّب «هذا النوع» من الحبر/ الدم (106) وهي تلك التي تدافع عن الحياة؛ فلا تخرج الكلمة من الفم بلا ألم (74)، ولا دافع كالخوف يفجّر الإبداع (75) ولا كتابة إلّا تلك الصادرة عن الشجاعة على البكاء (108).
ميل الشعر إلى جهة القلب في رأي حدّاد لا يعني غياب العقل، لذلك على الشاعر الانتباه إلى متى يجب الانتهاء من كتابة القصيدة فيتحكّم هو بها ولا يتركها تسيطر عليه وإلّا قتلته (127)، مع التنبّه إلى عدم إخضاع الشعر لنواهي العقل المتمثّلة بالأخلاق (219 و253) أو تحويله وسيلة لخدمة القضايا النبيلة (226) أو تركه ينصاع لجفاف الثقافة (242)، ما يبعده عن الإمتاع. أمّا الكتابة الممتازة فهي تلك التي تخطف قلب القارئ (220)، لأنّ الجوهر ليس في الرواية بل في الرؤية (206)، وعلى الشاعر أن يتكلّم من القلب (265)، وعند ذلك يتحوّل النثر شعراً ينضح بالإحساس (255). فالشعر هو أن يضع الإنسان قلبه في طريق الموج وينتظر السفر (281)، والمتعة، كلّ المتعة، في هذا السفر لأنّ جماليّات الطريق أهمّ من الوصول (297)، لذلك تقضي الحكمة بأن يُعطى الشعر مكانته الرفيعة (278)، فالضجيج ليس بديلاً عن الكلام (286)، والكلام أقلّ بقاء من الكتابة (282)، والشعر لا يولّد المتعة عند القارئ ما لم يستمتع به الشاعر أوّلاً (126). ولكن حذار مقدّمات الكتب، يقول حداد، فهي تقتل المتعة (130) وكذلك الثقافة الفائضة (242) أو الشرح (125) أو غياب الموسيقى التي لا يحصّلها الشاعر ما لم يستمع إلى إيقاع كلماته (118) وإيقاع الحياة (194).
ليس بالموسيقى فحسب يكون الشعر، فالصور المجازيّة جزء لا يتجزّأ منه، فنقرأ: الفنّ مثل الدين، كلاهما يأتي من مصدر واحد هو المخيّلة (124)، والشعر أفق لا عتبات (133)، وعلى الشاعر أن يكون ذا «مزاج» رائق كي يتولّد «المجاز» (257) المدهش (258) الذي يجعل القارئ يحبّ النصّ، المبتكر (259)، الجريء في خلق الصور (260)، القويّ القلب (261)، الذي يسلك الطريق غير المطروقة (262)، ويخالف الحقيقة ويناقضها (263)، الرائد (264)، الحرّ القادر على اجتياز المسافات (265)، الباحث أبداً عن موقفه النهائيّ من إخلاصه للمخيّلة أم للأخلاق (290)، وغير الحاسم أمره.
والشعر متطلّب، يريد من يحسن القراءة (8)، ويفرض على الشاعر أن يمتلك عدّة ثقافيّة لا تؤمّنها إلّا القراءة: «القراءة زيت قنديلك أيّها القابع في ثقة الموسوعة» (117)، ومع أن حدّاد يحذّر من العرض الثقافيّ المجانيّ في الشعر إلّا أنّه لا ينفي ضرورة أن يقرأ الشاعر الحياة (180) قبل تأليف الكتب، وأن يقرأ التاريخ قبل كتابته (229)، وأن يصغي إلى كلّ ما حوله لئلّا تفوته نأمة تصدر عن الحياة (254).
أمّا الحريّة فمن جوهر الإبداع الذي عليه أن يتفلّت من كلّ سلطة خارجيّة، أمّا «حين يذهب المفكّر إلى القصر فلكي يوفّر على الصيدليّات صرف المزيد من المسكّنات» (114). ولكنّ الفنّ هو ابن المخيّلة الحرّة والأدوات المصقولة (250)، وللشعر حريّة لا شروط لها (280)، بل إنّ للشعر حريّة الفضح (291) وهو لا يأتي إلّا بحسب مزاجه (292)، ومع ذلك على الشاعر أن يكتب ما يخطر على باله أوّلاً «فالصور الحرّة تنهال مثل مطر رحيم بعد العبارة الأولى (295).
غير أنّ حدّاد يحذّر المبدع من ادّعاء الحريّة: لك أن تزعم أنّك حرّ، ولكنّ قصيدتك وحدها تؤكّد ذلك أو تنفيه» (294). هذه الحريّة المرتبطة بالفنّ لا تعفي الفنّان، بحسب الكاتب، من الالتزام بشرطَي التواضع والصدق: القصيدة ليست على ذوقك وذوقك ليس قانوناً لها (22)، فعلى الشاعر أن يتوارى ويبقى غير مرئيّ وأن يتحصّن بيقظته في غفلة الناس (112)، كما عليه أن يقتنع بأنّ الكتابة لا تغيّر الواقع (212)، وليست وسيلة للوصول إلى القمّة (189)، لذلك فالفنّ ليس تشدّقاً (218)، بل كشفاً لذات الشاعر بصدق وشفافيّة قبل أن يكون الهدف منه كشف الحياة للقارئ.
البيوت والآخر والحبّ والموسيقى والصداقة والزمن والحرب والحريّة، موضوعات أخرى لافتة في كونها عالم قاسم حدّاد التأمّلي، ولعلّ أكثرها كُتب من وحي العمر ولمواجهته: «هل تسأل عن الباب؟ ليس ثمّة باب، لا تدخل، لا تخرج. هذه حياتك» (30). إلّا إن كنت شاعراً.

الأحد، 28 أغسطس 2011

تساؤلات الأسبوع الأخير من شهر آب 2011

Joan Miro


1- لماذا يسأل الناس عن سبب زواج الفنّانة صباح من سبعة رجال ولا يسألون عن سبب زواج كلّ منهم بها؟ وإذا كان الأوّل لا يحتسب، فلماذا رضي الثاني أن يكون الثاني...والسابع أن يكون السابع؟

2- أين هم الصحافيّون الذين كانوا يعيشون على حساب الأنظمة العربيّة المنهارة؟ هل يعلم الناس أنّ أكثر الذين يهاجمون أنظمة القمع الآن أثروا واشتهروا وتبوّأوا أعلى المناصب من فضلات هذه الأنظمة، وبعد الوقوف على خاطرها وعلى أبوابها؟

3- لماذا لم تسأل الدول العربيّة عن مصير المهاجرين من أبنائها إلى الولايات المتحدة الأميركيّة للاطمئنان إلى أحوالهم في مواجهة الإعصار "إيرين"؟ هل لأنّ العرب، مهما كرهوا الإمبرياليّة الأميركيّة، يؤمنون بقدرة هذه الدولة على مواجهة الأعاصير من مختلف الأنواع؟

4- متى يجد البطريرك المارونيّ بشارة الراعي وقتًا للتأمّل والصلاة وهو يتنقّل من مكان إلى آخر؟ وهل يعلم أنّ الناس بدأوا يروّجون عبارة: البطرك الدايم (البطريرك صفير) والبطرك الداير؟ الأكيد أنّ في الحركة بركة يا سيّدنا ولكنّ كثرة الحركات لا تضمن البركات. وإن كان الهدف التمثّل برحلات البابا يوحنّا بولس الثاني فيجب التنبّه إلى أنّ صرح بكركي ليس دولة الفاتيكان، وأنّ "مؤسّسات" بكركي المرتبطة بشخص البطريرك ليست قطعًا كتلك التي تدير شؤون عاصمة الكثلكة.

5- مع نهاية شهر رمضان، وبعد تهنئة المسلمين بعيد الفطر، اسمحوا لي أن أسأل كذلك متى يجد أكثر المسلمين الوقت للصلاة والاستغفار والـتأمّل وهم يوزّعون الوقت كما يلي: قبل الظهر نوم إلى الظهر وتغيّب عن العمل، بعد الظهر إعداد الإفطار، في المساء والليل متابعة المسلسلات الرمضانيّة التي صارت من التراث الإسلاميّ، ثمّ السحور فالنوم؟ طبعًا عدا المشاركة في المظاهرات والدردشة على الإنترنت والتأفّف من الحرّ.

6- هل تعلمون أنّ غياب المصطافين العرب عن لبنان في هذا الصيف (لأكثر من سبب) حرم مدن الاصطياف وقراه من المياه والكهرباء ونظافة الطرق؟ رجاء أيّها الأشقّاء العرب عودوا إلى جبالنا كي ننعم بفضلكم بما تحصل عليه أيّة قبيلة في مجاهل إفريقيا.

7- من هو المربّي العبقريّ الحكيم الفهيم البعيد الرؤيا الذي اخترع "فروض العطلة" وفرضها على التلاميذ؟ علمًا بأنّني على ثقة بأنّ المدرسة لن تلتفت إلى هذا الكمّ من الفروض لتصحيحه. فيا جهابذة التربية والتعليم، العطلة حقّ للتلميذ وليست منّة منكم، وما لم يتعلّمه التلميذ معكم في تسعة أشهر لن يعوّضه في أسابيع وهو محاط بصراخ أمّه وتأنيب والده وأصوات أولاد الجيران وهم يلعبون. دعوا التلاميذ يرتاحون ممّا يذكّرهم بكم، كي يستطيعوا تحمّلكم خلال موسم دراسيّ جديد.

السبت، 27 أغسطس 2011

إصبع علي فرزات




من رسومات علي فرزات
كنّا، صغارًا، نستمع إلى جدّاتنا وهن يردّدن على مسامعنا أغنية تترافق معانيها مع عدد أصابعنا الخمس البريئة وأجزاء يدنا:
الخنصر: هيدا عمّي بو حاتم
البنصر: هيدا لبّاس الخاتم
الوسطى: هيدا طول بلاّ غلّة
السبابة: هيدا لحّاس القِدرة (الطنجرة)
الإبهام: هيدا فقّاس القملة
الزند: هيدا زند الإسوارة
المرفق: هيدا كوع السلّة
الكتف: هيدا كتف الجرّة
وتنتهي الأغنية بدغدغة تفاجئ الجدّة بها أحدنا حين تداعبه تحت إبطه مغنيّة وهي تضحك: وهيدا عشّ العصفورة
لكنّ الطفل علي فرزات الذي كان أكثر براءة من أن يعرف ما يعرفه الكبار، قرّر أن يجعل للإصبع الوسطى مهمّة فلا تبقى أطول من زملائها وجيرانها بلا دور أو وظيفة، فشهرها "في وجه" المعتدين، الذين لا وجه لهم، لأنّ أبناء الظلام يغدرون ويهربون.
والإصبع - كلمة يجوز فيها التذكير والتأنيث - التي تحدّت الضرب والاعتداء، واحدةٌ من أصابع اليد التي رسمت ما يختصر مجلّدات وأفلامًا، وفضحت ما لا يجرؤ كثرٌ على التفكير فيه، وهدّدت كلّ نظام ألغى شعبه، ولذلك كان يجب أن تقطع.
الواجب الوطنيّ يفرض أن تقطع اليد التي توقّع صلحًا مع العدو،
الحسّ الإنسانيّ قد يدعو إلى أن تقطع اليد التي تطلق النار على الأبرياء،
الدين الإسلاميّ يأمر بقطع يد السارق،
الدين المسيحيّ يدعو المؤمن إلى قطع كلّ عضو في الجسم يكون سبب عثرة وخطيئة له وللآخرين، فمن الأفضل أن يدخل الإنسان النعيم وهو بلا عين من ألاّ يدخله أبدًا إن قادته عينه إلى الخطيئة.
فبأيّة ذريعة أعطيت الأوامر للتخلّص من يد الفنّان علي فرزات؟ وهي اليد الموصولة بالقلب والفكر والمرفوعة في وجه الطغيان ومن أجل الإنسان!
لعلّ عليًّا وضع إصبعه على جرح الأمّة النازف ليوقف تدفّق دم الشعب في شوارع الوطن فارتكب الخيانة العظمى!
لعلّ عليًّا وضع إصبعه على جرح الكبرياء عند الحكّام النزقين فأوجعهم وأثار حفيظة الوحش ذي الأصابع الأخطبوطيّة!
وفي الحالين كان على صاحب الأنامل الموجوعة من كثرة الرسم والصراخ أن يدفع الثمن إصبعًا بعد إصبع.
وإذا كان المعتدون عليه لم يقتلوه فلأنّ صوتًا صرخ بهم: لا تجعلوه شهيدًا ولا تحوّلوا مأتمه عرسًا وقبره مزارًا ورسوماته أيقونات وشجاعته مثالاً يحتذى.
علي فرزات! شكرًا لك لأنّك طمأنتنا إلى سلامة الأمّة، وفي انتظار أصبعَي النصر تتحرّران من قيود الظلم، ولئلاّ يبقى نشيد الوطن العربيّ: صبيع البوبو يا خيار، لا ترجع إصبعك إلى غمدها قبل أن "تُبعث" الأمّة حرّة من جديد.
***
تنبيه من أحد الأصدقاء:

علي فرزات أوضح أن هذا الكاريكاتور (الصورة الأخيرة) لم يقم هو برسمه وقد أعلن ذلك عبر بيان نشره صديق له.. واحد الناشطين بالثورة السورية قال " وبرغم ان الصورة معبرة جدا..إلا انه ومن المفضل أن لا تستخدم لكي لا تكون مسيئه بحقه.. وكي لا تكون محفز جديد لتتطاول عليه، يرجى سحبها من التداول ونشر التفاصيل في كل مكان... "

http://www.ali-ferzat.com/ar/%D8%AA%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%87-%D9%87%D8%A7%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85%D9%85.html

الخميس، 25 أغسطس 2011

لا وقت للحزن...لا وقت للخطيئة


الأحد ظهرًا توفّي الرجل بسبب أزمة قلبيّة حادّة. بعد الظهر، انتشر الخبر في سرعة.

الاثنين صباحًا، وصل عشرات من زملاء الرجل إلى مكتب المدير وقدّموا عشرات الطلبات للعمل مكان الراحل الشابّ.

بعد ظهر الاثنين، كان الزملاء كلّهم يشاركون باكين في وداع الموظّف الذي رحل تاركًا زوجة شابّة وولدين صغيرين وعشرات من الزملاء وكثر من العاطلين عن العمل.

بعد ذلك ببضعة أيّام كانت الأرملة الموظّفة تسرع إلى عملها بعدما تناولت مهدّئات الأعصاب والأدوية المقويّة ورغم عجزها عن النوم منذ أن وقعت عليها المصيبة. تعرف أكثر من سواها أن لا وقت للحزن، لا وقت سوى للركض إلى العمل، فالحالة لا تسمح بالاستسلام لمشاعر يمكن تأجيلها إلى الليل، إلى يوم العطلة، إلى يوم الصلاة، إلى ساعة الجنّاز. أمّا يوم العمل المقدّس فحرام أن تظهر فيه الأرملة مشاعرها. متطلّبات الوظيفة تفرض الالتزام بدوام دقيق، وشكل لائق، وقدرة على ضبط الأعصاب...وإلّا فالمتربّصون بالوظيفة أكثر من الهمّ المتربّع سعيدًا على قلب المرأة التي أجّلت البكاء على زوجها إلى سنّ التقاعد.

فهل تعتب الزوجة على الأصدقاء إن تسابقوا إلى ملء الفراغ الذي تركه زوجها في مكان عمله؟ هل تعتب عليهم إن تأخّروا في زيارتها للتعزية ومشاركتها في حمل صليب الألم والوحدة؟ لا شكّ في أنْ لا وقت لديها لإحصاء الذين أتوا أو تغيّبوا.كانوا يقولون حتّى الأمس القريب: عين المحزون ضيّقة، أي أنّ الحزين يتنبّه لكلّ تقصير ويسجّل كلّ غشارة فرح في غير موقعها أو في غير وقتها. أمّا اليوم فالمحزون نفسه لا يجد الوقت لممارسة حزنه على النحو الذي يروق له ويريحه ويفرّج عنه، فهل يعتب على الآخرين؟

الحياة هي الضيّقة اليوم، همومها والجوع المهدّد والكرامة المهانة في كلّ لحظة، كلّها أمور تجعل الاستسلام للحزن ترفًا لا يملك أكثرنا الوقت لإيفائه حقّه، لكأنّ هذا السارق الذي اسمه الموت بات عليه أن يأخذ موعدًا يلائم مفكّرة الأسبوع أو الشهر الممتلئة سلفًا بمواعيد لا يملك أحد الجرأة على تعديلها أو الإخلال بها. إنّ اجتماعات العمل والمضاربة في الأسواق والتنافس على المراتب الأولى والكراسي المريحة مهمّاتٌ شريفة وكريمة لا يمكن أن يجبن موظّف أو عامل عن القيام بها ولو كلّفه ذلك أن يغضّ النظر عن نعي قرأه في الصحف أو يتجاهله. فمن السهل اليوم أن تقول: لا وقت عندي (ولا مال) لأقرأ الجريدة. وسيصدّق الجميع عذرك إن التقيت يومًا بمن قد يعاتبك أو يسألك عن تغيّبك وتقصيرك.

في أيّ حال، كيف يعاتبك من يعرف أنّه في ظرف مماثل سيفعل مثلما فعلت. وهل يعاتب من يصلّي ليل نهار كي لا تصله بطاقة دعوة إلى عرس، وخاصة تلك التي تتضمّن بطاقة صغيرة ترشدك إلى حيث عليك أن تختار ما تريد من الهدايا، أو تدلّك إلى المصرف الذي تدفع فيه مبلغًا تساهم عبره في زواج لا ناقة لك فيه ولا جمل ولا عروس أو عريس؟ وهل يعتب من يتمنّى ألاّ يعرف بأمر دخولك المستشفى، لا خوفًا عليك بل لأنّ عيادتك ستكلّفه فضلاً عن الهديّة/ العبء مبلغًا محترمًا من المال تدفعه إن ركنت سيّارتك في موقف لا يستعجلك أبدًا؟

لا وقت لأيّ شيء ماتع! حتّى الخطيئة في معناها الجميل المتحدّي لم نعد نجد الوقت لارتكابها، ولا أقصد هنا تلك الجرائم والجنح التي يُعاقب عليها القانون وتعود لأسباب نفسيّة أو اجتماعيّة. أتكلّم عن "الخطايا"، وأضع الكلمة هنا بين مزدوجين، التي يصاحبها الترف وتغذّيها المعرفة ويثيرها الشعر وتغريها الفنون وتداعبها الموسيقى. خطيئة الخلق، كيف نجد الوقت لارتكابها؟ بل من أين لنا القوّة للتفكير فيها والرغبة في ارتكابها ونحن مصابون بنوع خطير من القرف يصاحبنا طول يوم العمل الذي لا ينتهي إلّا بتعب شديد وحزين عميق لا يغريان أيّ شيطان بمتعة ملاعبتك؟

لو كانت الأزمة الاقتصاديّة همًّا يقلق آدم وحوّاء لما وجدا على الأرجح الفرصة لاشتهاءٍ ورغبة وسماعٍ مغرٍ، ولكنّ العروسين السعيدين كانا يملكان الوقت وما كانت مواعيد العمل ترهق فكرهما الذي انصرف إلى البحث عن جديد لا يعرفانه، عن جديد يختبرانه. وكانت النتيجة أن بدأ الإنسان بالعمل. بعرق جبينك تأكل خبزك. كأنّ الامتناع عن ارتكاب الخطيئة اليوم لم يبقَ قرارًا شخصيًّا تتحمّل وحدك مسؤوليّته، فأنت إنّما تخطئ – هذا في حال تمّ الاتّفاق على مفهوم الخطيئة – بسبب لم تختره ولم يكن لك رأي في اختيار موعده أو نوعه، وإن لم تخطئ فلأنّك وفي بساطة لم تجد الوقت لذلك، لم تجد دقيقة واحدة فارغة من همّ العمل ودفع الفواتير لتواجه نفسك برغباتها وميولها وشغفها وكبريائها، وأحلامها وشذوذها ونقاط ضعفها أو مصادر قوّتها، ثمّ تقرّر وحدك ما الذي ستفعله بكلّ ذلك وكيف ستتعامل مع كلّ هذا الذي فيك.

وفي مكان آخر من هذه اللوحة الجداريّة الكبيرة التي اسمها المجتمع، يبدو أولئك الذين يملأون صيفهم مهرجانات وحفلات ورحلات مستمتعين بالوقت إلى أقصى حدّ، ولا يسعهم إلّا أن يملأوا رأسك ويصدعونك بأخبار ما شاهدوا وسمعوا واختبروا، كأنّهم في كلّ ذلك إنّما يسعون إلى إعلامك بأنّهم صاروا من النخبة المثقّفة. ما الذي يقوله بعض هؤلاء؟ عن المهرجانات يقولون: لاحقين على المطاعم بالشتي، وشو في بهالبلد غير أكل وحفلات؟ وعندما تنتهي الليلة يخبرون عمّن كان بين الناس وبمن التقوا لا عمّن كان على المسرح.

أمّا بعد الرحلة السياحيّة فعليك أن تستعدّ لجلسة تُرغم فيها على متابعة التفاصيل صورةً صورةً بالشرح الوافي والدقيق والمملّ. لكنّك قد تقع أحيانًا على جهل تامٍ ومهين للعائد فخورًا من رحلته السندباديّة إذ يعجز عن الإجابة عمّا تعرفه أنت لأنّك، وفي كلّ بساطة، قرأت كتابًا أو شاهدت برنامجًا وثائقيًّا. ومع ذلك يبقى حضور المهرجانات والسياحة عنصرين مهمّين في ارتقاء سلّم الترقيات، ولذلك يسعى موظّفون كثر إلى إعلام المسؤولين عنهم بأيّ وسيلة "بما ضحّوا بالكثير لتحقيقه حبًّا بالثقافة وللحفاظ على الصورة الإعلاميّة للشركة أو المؤسّسة". فهل ننتظر من هذه الحركات الثقافيّة تغييرًا ورُقيًّا إذا كان بين جمهورها أشخاص يريدون أن يُشاهَدوا لا أن يشاهِدوا؟

يجب ألّا يمتلئ الوقت إذًا إلّا بما يضمن المحافظة على الوظيفة: غداء العمل، العلاقات العامّة، الخدمات المجّانيّة، التخلّي عن الالتزامات العائليّة...وكلّ ما عدا ذلك مجازفة على الموظف تحمّل عواقبها الوخيمة.

لا أعرف إن كان ما أكتبه هو لأنّي لم أصدّق ما يعرفه كثر سواي، وهو أنّ الناس يرحلون فجأة ولن ينتظروا كي ننهي أعمالنا لزيارتهم. ولا أعرف إن الذي أكتبه يبدو شديد التشاؤم والسخرية وفيه كثير من التعميم والشموليّة، وأخشى أن يقرأ الحالمون ما أفكّر فيه فيخافون من مجتمع لا يعدهم إلّا بالقسوة والمنافسة على حساب المشاعر الإنسانيّة. ولكنّي أعلم أنّ الإيقاع الذي نرقص كلّنا على ضرباته السريعة لن يوفّر أحدًا:

فعندما يفرض برنامج العمل على الوالدة أن تؤجّل ثلاثة أشهر موعد ابنتها مع الطبيب لأنّها لا تستطيع أن تطلب إجازة،

وعندما يعجز الابن عن المكوث إلى جانب سرير والده المريض إلّا في الوقت الذي يسمح به جدول الأعمال،

وعندما يلغي الشابّ عشرات المواعيد مع صديقته لأنّه ملزم بأعمال لا يستطيع أن يؤجّلها بحيث تتناسب مع أعمالها ومواعيدها،

وعندما تسأل الموظّفة الطبيب إن كان في الإمكان تأجيل العمليّة الجراحيّة لوالدتها لتتزامن مع عطلتها السنويّة،

عندما يحصل كلّ ذلك، وهو يحصل كلّ يوم، فذلك يعني أنّنا نعمل من أجل أشخاص قد لا نجدهم ساعة ينتهي دوام العمل.

وكم حزين أن تعمل من أجل لقمة خبز لا تجد من يشاركك فيها!

وكم مخيف أن تمتنع عن الكتابة أشهرًا لأنّك تريد أن تعطي وقتك كلّه للعمل الذي يؤمّن لك راتب آخر الشهر! و

كم مؤلم أن تشعر دائمًا بالخوف لأنّ كثرًا ينتظرون رحيلك ليستولوا على وظيفتك!

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

من يوميّات بائعة أزهار بائسة


1- الورود على المدافن لا تنسيني أنّ في الداخل عظامًا وجماجم ودودًا.

2- أكثر الأزهار جمالاً وعطرًا تنتن عندما تذبل في الإناء.

3- لكي تبقى الأزهار نضرة في الإناء أطول فترة ممكنة تحتاج إلى قصّ كعوبها، فهذا يعلّمنا ألاّ نؤخذ بالرؤوس وننسى الجذور.

4- أن أعمل في دكّان الأزهار لا يعني أنّ رائحتي عطرة.

5- اشمأزّ أريج الوردة من رائحة السماد فضحك السماد في سرّه وقال: لو علمت الوردة أنّي مصدر عطرها لخجلت من نفسها.

6- من باقات زهورهم تعرفونهم.

7- العروس الواثقة من نفسها لا تقبل أن ينشغل المدعوون عنها بالنظر إلى أفخر أنواع الأزهار.

8- لكثرة عملي مع الأزهار صار لي: "تم السمكة" و"عيون البسينات" و"كفّ الدبّ"
و" لسان الكلب" و "رِجل الذئب"، ومع ذلك ما زلت أحلم بـ"شبّ الليل".

9- أن يحمل رجل باقة ورد إلى زوجته فكرة ذكيّة طرأت على رأس أحدهم حين حاول أن يخفي عطر عشيقته.

10- جرحت شوكة الوردة يدي فغضبت ورميتها على الأرض وسحقتها بقدمي حتّى سال دمها. أنا بائعة لا شاعرة.

11- أنا والكاهن ووكيل الوقف وبائع التوابيت وصاحب المطعم نفرح حين يموت أحدهم وخصوصًا إذا كان في مقتبل العمر أو ثريًّا.

12- علّمتني التجارب أن أغيّر ألواني بحسب المواسم، لذلك نجحت في الحياة.

13- لقد استطعت أن أفعل كلّ ما أردته في الحياة سوى تحويل البراعم إلى أزهار بالسرعة التي يريدها الزبون.

14- يدي الخضراء لم تنفع حتّى في زرع الصبّار في تلك الصحراء الجدباء.

الثلاثاء، 23 أغسطس 2011

الاثنين، 22 أغسطس 2011

قُرانا المدافن

راس بعلبك - 1896

يسير رتل السيّارات بالركّاب الرجال على مهل خلف عربة الموتى السوداء الكبيرة. ومع أنّ القرية بعيدة والمسافة طويلة، لم تسمح حرمة الموت ومشاعر ذوي الفقيد لسائقي السيّارات باستعجال الوصول إلى حيث يوارون الميت الثرى، ثم يعودون مسرعين متفرّقين إلى منازلهم في المدينة وضواحيها.
وبما أن هؤلاء لن يقصدوا القرية إلاّ في مناسبة حزينة مشابهة غير عالمين من منهم سيكون المرحوم فيها، راحوا يتأمّلون الطريق والمشاهد الطبيعيّة ويتبادلون الأحاديث والمعلومات عن بيع الأراضي وحركة البناء وأوضاع البلد والناس. ولكنّ أحدًا منهم لم يشر إلى ذكرياته في هذه الأماكن التي هجروها أو هجّروا منها منذ زمن ولا يفكّرون في العودة إليها والاستقرار فيها...أحياء على الأقلّ.
وهكذا صارت قرانا المهجورة مجموعة من المدافن المتجاورة. أمّا الأرض فمهملة والخدمات الصحيّة والتعليميّة غائبة والبنى التحتيّة في حالة يرثى لها، لأنّ الموتى لا يحتاجون إلى شيء من ذلك. ولذلك عمل أبناء تلك القرى والبلدات على بناء مدافن لائقة وجميلة تستقبلهم في راحتهم الأبديّة. أمّا البيوت فلا داعي لبنائها أو ترميمها أو تحسين وضعها ما داموا لن يقيموا فيها.
الناس الذين عاشوا فعلاً في القرية وبنوا ما فيها ماتوا أو شاخوا، وأولادهم يفضّلون الإقامة في المدن بعدما أجبرتهم ظروف الحرب على تذوّق حلاوة الحياة فيها. أما الأحفاد فيصرّون على الاستقرار في بلاد الاغتراب لأنّ البلد لم يعد على مستوى أحلامهم وطموحهم ولا يعدهم بمستقبل آمن وزاهر.
في المقابل لا أحد يهمّه أن يجد حلاً. فالدولة غائبة كليًّا عن هذا الشأن، ولا يعنيها تحسين ظروف الحياة في بلدات وقرى غير سياحيّة ولا تجذب المصطافين أو رؤوس الأموال، وحياة الليل فيها هادئة ساكنة لا تغري ولا تؤمّن الربح السريع ولا تليق بالمهرجانات، بل تصلح للتأمّل وكتابة الشعر وهما أمران لا يثمران ولا يشبعان عند الجوع. والناس ليسوا مضطرّين إلى استثمار أموالهم القليلة في بناء قراهم وإعمارها ما دام لا شيء في هذا البلد يضمن بقاءها وصمودها.
غير أن للموتى شأنًا آخر، فإن حوربوا لن يموتوا مرّة ثانية، وإن هاجمهم العدو لن يخافوا على أرواحهم، وإن اعتدي عليهم لن يتألّموا، وإن هُجّروا لن يجوعوا أو يعطشوا، وإن أهملتهم الدولة لن يشعروا بالإذلال والمهانة، وإن عضّهم البرد بسبب غلاء صفيحة المازوت لن يرفعوا أصواتهم احتجاجًا واستنكارًا . فلماذا لا يعود بهم أقرباؤهم إلى القرى ما دامت المدافن في المدن باهظة التكاليف، وما داموا لن يزوروهم كلّ يوم بل يكتفون بذلك مرّة في السنة؟
الموتى عندنا ذوو طباع سهلة، مسالمون هانئون، لا يطالبون بشيء ولا يرفضون شيئًا. ينامون حيث نضعهم، يحرسون أطراف البلدات والقرى ولا يطلبون أجرًا، يقيمون في السكون والهدوء ولا يصدرون صوتًا يعكّر صفو الطبيعة الجميلة. يسكنون في مدافن واسعة ذات قرميد أحمر وحيطان من أحجار منحوتة تحيط بها الأشجار والأزهار والعصافير ، فلماذا نضعهم في أماكن ضيّقة ملوّثة صاخبة مزدحمة؟ وكيف يقيمون عندئذ في "الراحة" الأبديّة؟
قد لا يكون لائقًا أن نسخر ونحن نتحدّث عن موضوع يثير الحزن كمرأى قرانا وبلداتنا تئن من الفراغ وتصفر فيها رياح الوحدة والملل ولا تقصدها إلا مواكب الموت وسماسرة البيع، غير أن شرّ البليّة يضحك ويبكي في آن واحد: نزوح وهجرة، مدينة مكتظّة وقرى مهملة، أراض برسم البيع وفيلاّت خالية تنتظر مصطافين يقيمون فيها لأسابيع، أحياء يقيمون في غرف صغيرة كالمدافن لا شرفات لها، وموتى يرتاحون في أراض مطلّة مشمسة لا نهاية لها
.
**************
من قصيدة جميلة بعنوان "بحيرة المصل" (من ديوان يحمل العنوان نفسه) للشاعر اللبنانيّ يحيى جابر أستعير هذين المقطعين المعبّرين عن مصير قرانا التي صارت، أكانت في الجنوب أو الشمال أو البقاع أو الجبال، مدافن لأحبائنا نقصدها من المدينة ونزورها مع باقات زهر وشموع ودموع:

الولد على خشبة المسرح*
يحفر قبرًا كلّ ليلة
وأمّه دمعة متجمّدة
تريد حفّارًا لعظامها البيضاء
الحفّار في الضيعة ينتظر جثّتها
الجثّة في سيّارة الإسعاف
سيّارة الإسعاف على الجسر
جسر القاسميّة مقفل بالجنود*
لو ينسف الجسر
وتعبر جنازتها،
لكنّه يحفر..
وكانت تمطر..

عشرة مخالب تنبش الكفن
قرأ الضابط شهادة الوفاة
سرق الجنديّ وردة من الإكليل
فتحوا البوّابة
الجثّة تمرّ فوق الجسر والماء
ارتعش الليطاني
ابتسمت أمّي في تابوتها
تشقّقت الشمس كالخشب العتيق
ضحكنا
عانقنا بعضنا
صباح الخير يا أجمل قبر
صباح الخير أيّتها القرى.

* الشاعر كان يلعب دور "حفّار القبور" في إحدى المسرحيّات حين توفت أمّه.
* الشاعر من الجنوب اللبنانيّ والجنود إسرائيليّون.
****
*نشر في صحيفة الرأي العام الكويتيّة

الأحد، 21 أغسطس 2011

لا شيء معي إلاّ كلمات...وكان هذا كافيًا


بالإذن من نزار قبّاني، الذي تهمس امرأة قصيدته في حزن: وأعود إلى طاولتي لا شيء معي إلاّ كلمات.
ومع الاعتذار من شكسبير، ومن بطله هاملت الذي صرخ في لوعة من اكتشف هباء كلّ شيء وهشاشته: كلمات...كلمات...كلمات.
ولتسمح لنا داليدا التي تصرخ في وجه الحبيب الذي يغدق عليها كلماته: ما تقوله ليس إلاّ كلمات مزروعة في الريح!
ما الذي قد نريده يمكن أن يفوق الكلمات أهميّة؟
ألا يكفي أن نعود إلى أماكننا وبيوتنا وغرفنا ومعنا كلمات ليست كالكلمات؟ أوليس نزار نفسه هو من وضع على لسان المرأة قوله:
قل لي ولو كذبًا كلامًا ناعمًا / قد كاد يقتلني بك التمثال
فيجيبها هو:
كلماتنا في الحبّ تقتل حبّنا / إنّ الحروف تموت حين تقال
أمّا الكتابة فتحصّنها ضدّ الموت.
أليست كلمات شكسبير هي التي تعيد إحياء شخصيّاته كلّ يوم وفي كلّ مكان في العالم؟ أليست هي التي خلّدت اسمه وأدبه وحمت جثمانه من عبث العابثين حين طلب أن يكتب على مدفنه عبارة تقول: البَرَكة لمن يتركني مرتاحًا في مدفني واللعنة على من يزعجني؟
أليست داليد نفسها هي التي غنّت أنّها تريد الموت على المسرح، تحت الأضواء، وهي توزّع كلمات تحملها الريح إلى كلّ عاشق في الأرض؟
******
حين يرسل إليّ صديقي البعيد كلماته القليلة أكتشف كيف يصعب على كثيرين أن يجدوا كلماتهم. وإن وجدوها واجهوا صعوبة في رؤيتها مرسومة أمامهم على الورقة أو الشاشة. ولذلك يحلو له أحيانًا أن يستعير كلماتي، أو أن يقول لي وهو يمزج ما بين المزاح والجدّ: اكتبي بالنيابة عنّي فأنت تعرفين ماذا أريد أن أقول لك. أو يقول لي وهو يبدي دهشة تبدو جديدة كلّ مرّة: كم يسهل عليك أن تكتبي عن مشاعرك، أو تتحدّثي عنها.
وكنت دائمًا أجيبه كأنّني أستمع إليه للمرّة الأولى: عري النفس أصعب على الإنسان من أيّ شيء آخر، ولكن إن لم يفعل ذلك فسيبقى مختبئًا تحت ألف قناع وقناع ولو خلع عنه كلّ ملابسه.
******
شكرًا لكلّ الذين يكتبون، فكلماتهم تنقذنا من عجزنا عن الكلام أو الكتابة. وهل يستطيع أحدنا أن يقول لتوأم روحه أجمل من قول "هاملت" لصديقه حين خاطبه؟
هوراشيو إنّك لرجل شريف، لن ألتقي بمثيله.... أنت الذي اختارته نفسي منذ أن بدأت تميّز بين الناس، لأنّك كالذي عانى كلّ شيء فأصبح بذلك لا يعاني شيئًا، يتلقّى من الأقدار الخير والشر بامتنان واحد، وطوبى لهؤلاء الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة، فلا يصبحون مزمارًا في يد الحظ يعزف عليه ما يشاء، اعطني هذا الرجل الذي يرفض أن يكون عبدًا لأهوائه وسوف أضعه في قلب قلبي.