الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 15 أغسطس، 2009

لئلاّ يقطع العلم ظهورهم


صحيفة "النهار" - الأربعاء 4 شباط 2004

كان من المتوقّع أن يرفع العلم رؤوسهم، فإذا به يحني هاماتهم حتّى لتكاد تلامس الأرض!
وكنّا ننتظر أن يحرّر العلم أرواحهم وعقولهم، فإذا به يقيّد أجسادهم ويعوق حركتهم فتتكبّل انطلاقتهم وتذبل نظراتهم!
هذا ما تبدو عليه صورة التلاميذ المتوجّهين إلى مدارسهم وهم يرزحون تحت ثقل حقائب حشيت كتبًا ودفاتر كم نتمنّى لو يعلق في أذهان حامليها ربع ما فيها. حقائب تتطلّب نخبة من رافعي الأثقال معلّقةٌ على ظهور أطفال يطالب الجميع بمنعهم عن العمل كأنّ "العتالة" ليست عملاً مرهقًا، وتلتفّ أحزمتها حول أكتافهم فتنقطع ظهورهم وتلوى أعناقهم، ويصابون بتشوّهات لا علاج لها ولا شفاء منها. أهذا ما أرادوه حين قالوا إنّ العلم في الصغر كالنقش في الحجر؟ وأيّ نقش أبقى من ذاك الذي يحزّ على اللحم، ويترك آثاره على الجلد، ويحفر حفرًا في العظم، ويدمي الجسم، ويذلّ الروح؟ ألم يوسم العبيد بعلامات نقشت بالحديد والنار ليتعلّم حاملوها أنّهم مملوكون لمن دفع ثمنهم؟ ألا يقال من علّمني حرفًا صرت له عبدًا؟ ها هو العبد يلسعه حزام الحقيبة المدرسيّة يومًا بعد يوم! وها هم تلاميذ المدارس في لبنان، يحملون على صغر أجسامهم حقائبهم فتنقطع ظهورهم تحت ثقل الكتب، ويدفع أهلوهم على تواضع رواتبهم الأقساط المدرسيّة فتنقطع ظهورهم تحت ثقل الهموم، ولو سألنا عن كيفيّة المعالجة تنصّل الجميع من المسؤوليّة.
******
كانت الأمّ تبكي في صمت وتجد صعوبة في إخراج المحارم الورقيّة من حقيبة يدها الفارغة وفي فهم ما يقوله الطبيب. ولم تصدّق أنّ آلام الظهر التي عانى منها ابنها منذ أسابيع والتي ظنّت أنّ سببها انصرافه إلى لعب كرة السلّة والتعرّض لمجاري الهواء البارد، تعود في الواقع إلى حقيبة المدرسة التي ألوت عموده الفقريّ وتسبّبت بتشوّه فيه قد يستدعي إخضاعه لعمليّة جراحيّة دقيقة. وأخذت تفكر في طريقة تشرح لابنها الذي يكره المدرسة ويفضّل أن يلعب بكرة السلّة أنّ المدرسة حرمته من اللعب. هي نفسها لا تفهم، فكيف سيفهم هذا الصغير؟
في الواقع لن يستطيع هذا المراهق لوم أحد. فالمناهج التربويّة تفرض على المدارس مجموعة من الموادّ التعليميّة. والمدارس المتنافسة لتحقيق أعلى نسبة نجاح بين زميلاتها تفرض على تلاميذها أن يشتروا مجموعة من الكتب والدفاتر لمادة واحدة (الكتاب ودفتر التطبيق ودفتر الصفّ ودفتر البيت)، وعلى التلميذ أن يحملها كلّها إلى الصفّ كي تراقبها المعلّمة. ودور النشر التي لا تبغي إلاّ البيع والربح تخترع كتبًا ونماذج، منها ما هو للامتحانات الرسميّة ومنها ما هو للقراءة ومنها ما هو للكتابة ومنها ما هو للتمرين. والمسؤولون عن المواد لا يريدون أن "تزعل" منهم دور النشر فيطلبون من تلاميذهم شراء هذه الكتب إن أرادوا النجاح في الامتحانات. وهكذا يخرج التلميذ المسكين من بيته كمن يذهب إلى ساحة القتال حيث ستدور المعركة الحاسمة بين العلم والجهل، وعلى عتاده وعدته يتعلّق مصير التربية في لبنان. لذا عليه أن يتسلّح بالكتب والدفاتر (في اليوم سبع حصص على الأقلّ، ولكلّ حصّة كتاب ودفتر على الأقلّ) وحافظة الأقلام وأوراق الأبحاث وكتب المطالعة في اللغات الثلاث (نحن ناس مثقّفون!) وملابس الرياضة وأغراض النشاطات اللاصفيّة والسندويشات (فلا قدرة شرائيّة لدى الجميع على شراء الطعام من مطعم المدرسة) وقنينة المياه (لأنّ المياه في المدرسة قد لا تكون صالحة للشرب).
لا أعرف إن كان أنيس فريحة لا يزال مصرًّا على التأكيد لـ"رضا" أنّ مدرسة اليوم أحسن، ولكنّ الأهلين الذين يرافقون أولادهم إلى المدرسة ليحملوا عنهم ولو إلى مسافة ثقل الحقيبة يقولون: رزق الله على مدرسة تحت السنديانة. ثمّ ينتبهون إلى أنّهم لم يحملوا هذه الكميّة من الكتب يوم كانوا تلاميذ، ومع ذلك هم مقتنعون بأنّهم كانوا أوسع معرفة وأكثر عمقًا من أولادهم حين كانوا في مثل أعمارهم. فلمَ حشو الحقائب والرؤوس؟
مشكلة ذلك المراهق الذي قد يخضع لعمليّة جراحيّة أنّ والديه لا يملكان المال الوفير وإلاّ لفعلا كما فعل والدا زميلته اللذان اشتريا لها نسختين من كلّ كتاب، واحدة تبقى في المدرسة وأخرى في البيت.
*****
ما هي الحلول؟
على الدولة إعادة النظر في كثافة الموادّ التي على التلميذ درسها وخاصّة في المرحلتين الأساسيّتين الأولى والثانية، وعلى إدارات المدارس مراعاة توزيع الحصص الدراسيّة على نحو يريح التلميذ من أعباء وأثقال تفوق قدراته الفكريّة والجسديّة، وعليها برمجة الفروض في شكل متوازن ومعتدل. وعلى أفراد الهيئة التعليميّة الإفادة من ساعات التدريس (واليوم الدراسيّ طويل) لإتمام بعض الفروض التطبيقيّة بحيث لا يحمل التلميذ الكثير من كتبه ودفاتره إلى المنزل، وإلاّ لحقّ لأولياء التلاميذ أن يسألوا عمّا يفعله أولادهم طوال النهار في المدرسة إن كانوا يحتاجون في الليل إلى وقت يعادل دوام النهار لإنهاء واجباتهم المدرسيّة؟ وعلى التلاميذ أولاً وآخرًا أن يتعلّموا كيف يطالبون بحقوقهم.

ليست هناك تعليقات: