الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 31 يوليو، 2011

حين كانت "عاليه" مصيفًا يختصر لبنان



"المتّي" الشراب الساخن المفضّل في منطقتي عاليه والشوف

فقدت مدينة "عاليه" الكثير الكثير من وهجها منذ أن مرّت الحرب في شوارعها وأقام الحقد في بيوت أهلها المهجّرين، وتحوّل "بيسّينها" مستنقع دم تختنق فيه صداقات الأمس وجيرة العمر.

أنا الآن لا أعرف "عاليه" التي عرفتها طفلة ومراهقة وشابّة. لا أعرف أحدًا فيها، لا أعرف كيف صغرت قصورها وضاقت شوارعها وقصرت قامات أبنيتها. هل تشيخ الجدران كما يشيخ البشر؟
في "عاليه" عرفت الصداقة التي ظننت أنّها لا تغدر، والحبّ الذي آمنت بأنّه لن يزول، والسياسة التي لا تعرف التحجّر والتقوقع، والجيرة التي لها صباحًا رائحة القهوة بحبّ الهال، وعصرًا طعم قرعة "المتّي" الدوّارة من يد إلى يد. (هل تشبه سياسة وليد بك قرعة "المتّي"، متى فرغت من عصيرها أعادها إليك لتملأها؟)
ما لنا والسياسة ووجع الرأس؟
في "عاليه"، تعرّفت على العرب الذين يأتون عائلات عائلات ليقيموا في قصور يملكونها أو يستأجرونها من لبنانيّين فضّلوا الذهاب إلى أوروبا.
في "عاليه"، حصلت على أوّل قبلة، وشاهدت لأوّل مرّة في السينما فيلمًا مصريًّا وكان لفريد الأطرش (العصبيّة الدرزيّة؟ نوعًا ما! لقد تحمّست جدّتي لاصطحابي إلى السينما بعدما أخبرها جيرانها (الدروز؟) عن الفيلم وأشادوا به)، وتحرّرت لأوّل مرّة من سلطة الوالدين لأمارس دلالي على جدّين عجوزين. ألست أولى الحفيدات؟
حين أمرّ في الشارع الذي أحفظ تفاصيل دروبه وحجارة فيلاّته وقصوره وأبنيته، أكتشف كم تغيّرت الأمور. أحاول أن أبحث عن الماضي في منزلّ جدّي العتيق فلا أجده، أحاول أن أستعيد رائحة خبز الصاج فأعجز، أحاول أن أتنفّس فأختنق.
كانت "عاليه" مصيفًا للنخبة البيروتيّة والعربيّة، وكانت الحياة عندما تنفجر فيها مع أوائل الصيف تعد بتدفّق الفرح في شرايين المدينة الخارجة من تحت لحاف الثلج. الازدحام والحركة اللذان عرفتهما "عاليه" بعد الحرب لا علاقة لهما بالحياة التي كانت فيها قبل ذلك. ثمّة عطر ناقص، ثمّة نكهة ناقصة، ثمّة لمسة ناقصة، ثمّة جوهر ناقص.
من لم يعرف "عاليه" عهدذاك لن يفهم إن قلت إنّها كانت هي التي تشبه لبنان ما قبل الحرب لا بيروت. وأعتقد أنّ كتابة تاريخ هذه المدينة من الناحية الاجتماعيّة والسياسيّة والفنيّة سيكشف الكثير عن دور هذه المدينة في تاريخ لبنان.
ولكن من يفكّر في التاريخ وعلم الاجتماع والموسم موسم أراكيل ومصطافين وعابري مقاهي؟

الاثنين، 25 يوليو، 2011

النساء والأزمة الاقتصاديّة

إيل ماكفرسون: عارضة أزياء وسيّدة أعمال
سيّدة أعمال منهمكة


من لا يملك مالاً لا يخاف من الأزمة الاقتصاديّة، ومن لا يعمل لا يخشى البطالة، ومن لم يعتد حياة الرفاهيّة لا يزعجه أن ينام في العراء. ونحن، والحمد لله - أقصد في عالمنا العربيّ – وضعنا ثرواتنا في أيدي مجموعة من الناس اختارت أن تتحمّل عنّا هموم البورصة وتقلّبات الأسعار وانهيار الأسواق الماليّة وخسارة الأسهم، أمّا نحن الأكثريّة الساحقة أو المسحوقة – لا يهمّ – فقد ارتحنا من هذه الهموم وانصرفنا إلى مسائل وجوديّة أكثر أهميّة.
ومع أنّنا لا نملك أسهمًا ولا عقارات ولا ودائع مصرفيّة لا يسعنا إلاّ متابعة ما يجري في هذا العالم، على الأقلّ لإرضاء فضولنا العلميّ ومواكبة مجريات الأحداث. ولذلك علمنا أنّ التقرير السنويّ لمنظّمة العمل الدوليّة يتوقّع أن تؤدّي الأزمة الاقتصاديّة إلى زيادة نسبة النساء العاطلات عن العمل إلى 22 مليونًا في العالم في عام 2009، مع العلم أنّ التقرير يذكر أنّ عدد النساء العاطلات عن العمل في العام 2008 كان 1,2 بليون امرأة من أصل 3 بلايين شخص في العالم. ونستطيع أن نستنتج بناء على هذه الأرقام أنّ أمورًا كثيرة ستتغيّر نتيجة لذلك، سترتفع مثلاً نسب الانتحار والإدمان والأمراض والانهيارات العصبيّة، وفي طبيعة الحال، وكما يحصل بعد كلّ حرب أو نكسة أو أزمة، سترتفع كذلك نسبة الدعارة، لأنّ النساء اللواتي اعتدن تحصيل المال لن يستطعن القبول بالمتغيّرات المفروضة عليهنّ وسيلجأن إلى مختلف الأساليب للإبقاء على الحدّ الأدنى من مدخولهنّ.
لقد أجبرت الحياة العصريّة النساء العاملات، وخصوصًا في الشركات الكبرى والمصارف والمؤسّسات الماليّة على اتّباع نمط حياة مترف ولو بالدَين. وصارت المرأة في هذه القطاعات مجبرة على الالتزام بصورة نموذجيّة متكاملة وكاملة الصفات تحتّل الكماليّات مساحتها الواسعة: شقق فخمة وسيّارات حديثة وأزياء أنيقة ومجوهرات ثمينة وعمليّات تجميل وتلبية دعوات اجتماعيّة ورحلات سياحيّة، وكلّ ذلك بالتقسيط المريح والفائدة العالية. وهذه المرأة العصريّة التي جاهدت طويلاً لتحقيق ذاتها في العمل ولإثبات وجودها كعنصر فاعل في المجتمع لن ترضى بالتخلّي عن مكتسباتها بالسهولة التي يظنّها النظام الاقتصاديّ الجديد، وبالتالي ستحاول التمسّك بما امتلكته بدءًا من الحريّة التي حقّقتها في حياتها الشخصيّة وصولاً إلى الاكتفاء الماديّ لا بل الثراء الذي جعلها كائنًا مستقلاًّ لن يرضى بالعودة إلى زمن العبوديّة.
ومن جهة ثانية، يفرض واقع المرأة البيولوجيّ على المؤسسّات والشركات التي تجد نفسها مجبرة على صرف القسم الأكبر من موظّفيها أن تضع النساء في أعلى القائمة. وقد تبدو الأسباب عنصريّة وغير مقبولة إلاّ أنّها عمليًّا وفي حساب الربح والخسارة حجّة في أيدي أرباب العمل وربّاته إذا جاز القول، أي حتّى ولو كان القيّمون على العمل نساء أيضًا: فمشاكل الحمل والأمراض النسائيّة وعطل الأمومة وأمراض الأولاد ومشاكل سنّ اليأس ورعاية الوالدين المريضين وصعوبة التوفيق بين العمل والواجبات المنزليّة، كلّها التزامات مشروعة ومحقّة وطبيعيّة إلاّ أنّها في ميزان الحسابات تؤثّر سلبًا على أداء المرأة الوظيفيّ، ما يجعلها أكثر عرضة لقرارات الصرف ما دام الوضع الاقتصاديّ على شفير الهاوية. ومن سخرية الوضع أنّ النساء اللواتي يتمّ إنقاذهنّ أوّلاً عند الكوارث الطبيعيّة، مع الأولاد والعجزة والمرضى، هنّ اللواتي يتمّ التخلّص منهنّ الآن لينجو الوضع الاقتصاديّ من الغرق.
الفساد الأخلاقيّ الذي كان السبب في الأزمة الماليّة سيولّد فسادًا من نوع آخر سيفكّك العائلات ويشرّد الأولاد ويدفع بالنساء والرجال إلى خيارات قد لا تخطر في البال وكلّ ذلك في سبيل ما يظنّونه حبّ البقاء، ولكن ليس على قيد الحياة كما يفترض أن يكون عليه الأمر بل على قيد فترٍ من مستوى اجتماعيّ مخادع كسراب في صحراء.

الأحد، 24 يوليو، 2011

رسالة أخيرة ككلّ سابقاتها


منطقة عمّيق - لبنان


كلّ رسالة كتبتها إليك كانت الرسالة الأخيرة.
وفي كلّ واحدة منها وداع ووعد بعدم الاتّصال وعدم الكتابة وعدم الردّ على الهاتف وعدم انتظار الرسائل عبر الهاتف أو البريد الإلكترونيّ. ولكن كلّ هذه الوعود بعدم فعل شيء كانت توقعني في العدم الحقيقيّ، في الفراغ، في الموت كأن لا هواء خارج هذا الانتظار، كأن لا حياة.
وكنت أعرف، وكنت تعرف أنّني لن ألتزم بوعودي ولن أنفّذ تهديداتي، لا لأنّني عاشقة تبحث عن حبيب، ولا لأنّني مشتاقة أحتاج إلى إشباع حاجتي من الآخر، ولا لأنّك إنسان لا يستغنى عنه من حيث الكرم والجمال والحنان، بل لأنّني أحبّ أن أخبرك ما خطر على بالي.
هكذا بكلّ بساطة أتصل بك عندما تخطر على بالي فكرة ما: مشروع نزهة أو مشروع كتابة أو مشروع ثورة، ولكن المهمّ أنّك وحدك من أرغب في إشراكه في الأمر.غالبًا ما كنت لا تجيب لانشغالك في عمل ما أو لوجودك مع أحد الأشخاص، ولكنّك كنت تعرف أنّ "جنونًا" ما في طريقه إليك، وأنّ إلحاحي في الاتّصال يعني أنّ الفكرة رائعة كما أصف أفكاري دائمًا ولا تحتمل التأجيل كي لا يبهت لمعانها ورونقها ويمرّ أوان نشرها.وغالبًا ما كنت تسخر أو تضحك أو تغضب لأنّني لجوجة لا أطيق الانتظار ولا أقبل النقاش، ولكنّني لم أكن أصغي إلى ما تقوله أو تفعله. كنت أسترسل في عرض فكرتي كطفلة تتباهى في ثوب العيد أمام رفيقاتها، وأشبعها شرحًا وتفنيدًا وتحليلاً كأنّك تلميذ لن يفهم الدرس من المرّة الأولى.وعندما كانت الأمور تحتدم وترفض مشاركتي في فكرة جميلة من أفكاري كنت أقرّر أنّك لا تستحقّ نعمة ذكائي وبالتالي لن أتصل بعد اليوم ولن أكتب إليك وستكون هذه المرّة الأخيرة التي نتكلّم فيها. وكنت دائمًا أنجح في عدم احترام قراراتي.
******
يا صديقي العابر، في معاركي اليوميّة، الدونكيشوتيّة ربّما، يبدو أن لا مكان لك ولا دور.أنت تريد ثورة لا يتّسخ فيها قفّازاك الحريريّان الأبيضان لا من الحبر ولا من الدم.وأنا؟... يغلي الدم في عروقي ويفور الحبر في قلمي. وعندما أكلّمك عن كلّ ذلك يصيبني الإحباط لأنني أشعر بطعم الهزيمة وأنا ما زلت أطلق فكرتي الأولى.
بربّك قل لي من أين لك كلّ هذه القدرة على إحباط العزائم، وتقويض الانتصارات، وتشويه الحقائق، وتنفيس الاحتقان، وعرقلة الثورات؟ ومن أين لك هذه الصلابة في الصمود أمام محاولات التغيير والتجديد والتحديث؟
مشكلتي معك أنّني أعرف أنّ فيك القوّة التي لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ ولكنّك تطمرها تحت أطنان من الابتسامات المهذّبة، واللياقات الاجتماعيّة، وأحاديث المجاملة، والمواقف الرماديّة الباهتة. ومع أنّي أعرف كلّ ذلك ما زلت أقبع على سفح بركانك الخامد وأنتظر فورة مفاجئة يحرّكها غليان ما.

الخميس، 21 يوليو، 2011

أزمة نقد أم نهاية مرحلة؟



هل كانت الثقافة العربيّة تنتظر سقوط الأنظمة الديكتاتوريّة كي تصفّي حسابات قديمة مع أسماء صارت، والبعض يتّهم التبعيّة الفكريّة والنقد الاستنسابيّ بأنّهما هما اللذان صيّراها، رموزًا لا يُسمح إلّا للأتباع والمريدين بالاقتراب من حرمها المقدّس؟ سؤال يفرض نفسه على متابعي الصفحات الثقافيّة الحافلة هذه الأيّام بمقالات "نقديّة" – متناقضة – لا توفّر أحدًا من سلاطة قول وقسوة موقف، وغالبًا من دون تبرير منطقيّ يقنع القارئ بصوابيّة هذا الرأي أو خطأ ذاك. ولعلّ النموذج اللبنانيّ يعطي فكرة عن هذا الواقع في كونه يختصر الحالة العربيّة ويعبّر عن متغيّراتها.
البداية مع الأخوين رحباني. فبعد وفاة منصور الرحباني، بدا كأنّ مجد عاصي ومنصور فقد هالته وسمح بأن تتناول الأقلام إنتاجهم نقدًا لا يتّكئ أغلبه على خلفيّة موسيقيّة أو فكريّة أو شعريّة. صحيح أنّ العائلة الرحبانيّة حرّكت منذ البداية أقلامًا تطنب في الإعجاب الساذج لمجرّد ركوب الموجة أو تجنح نحو الإساءة المجّانيّة خوفًا من تيّار شعريّ وموسيقيّ جديد، لكنّ انفصال زياد عن العائلة ثمّ انفصال فيروز عن عاصي ووفاة هذا الأخير، جعلت العالم الرحباني مادة مغرية للتداول، عدا تسريبات من هنا وهناك أطلقها صحافيّون وشعراء أصدقاء للعائلة تؤكّد مساهماتهم في كتابة نصوص أو الإيحاء بأفكار. غير أنّ وجود منصور منع استفحال هذا المنحى في مقاربة إنتاج الأخوين، وخصوصًا حين راح كثيرون يسعون إلى تمييز ما لعاصي وما لمنصور . وأتت مرحلة ما بعد الأخوين لتفتح سجلّات اختلط فيها الخاصّ بالعامّ (نسب ابن دلال طليقة زياد، توزيع الميراث الرحباني، حصّة فيروز، قيمة أعمال أولاد منصور، انتماءاتهم السياسيّة)، من دون اعتبار للإرث الفنّي الكبير وإيصاله إلى الأجيال الجديدة للتعلّم منه لا لعرضه في متحف أو رفعه على منصات التبخير.
صحيح أنّ من طبيعة النقد أن يتمتّع بمساحة واسعة من الحريّة تسمح له بعرض الإنتاج الإبداعيّ على العقل لكن العرض لا يعنّي التعرّض الانفعاليّ لأمور لا تمتّ للعمل بصلة أو تحويل العمل مناسبة لتصفية حسابات. ولنأخذ مثلاً رأيين نقديّين يختصران المسألة. ففي مقالة عبده وازن عن مسرحية "دون كيشوت" للأخوة رحباني (الحياة، 3/7/2011) نقد عارضه تمامًا رأي صفوان حيدر (السفير، 9/7/ 2011)، فكيف يعرف قارئ النصّ إن كانت المسرحيّة فاشلة (بحسب وازن) أو ناجحة (بتأكيد حيدر)؟ فعن هبة طوجي بطلة العمل رأى وازن أنّها عجزت "عن إعطاء شخصية دولسينايا ملامحها الحقيقية، المأسوية والكوميدية، وبدت تمثل بصوتها الصارخ، إضافة الى غنائها الصارخ الذي جعلها تبدو عاجزة أيضاً عن استخدام طاقة هذا الصوت، الذي قال عنه مرّة أسامة أنّه سيبدأ مرحلة جديدة من الغناء". ثمّ تابع "ولعلّ من الواجب على هبة أن تلتحق بمعهد للغناء تتعلم فيه أصول الغناء والأداء الغنائي، فقوة الصوت (السوبرانو) لا تكفي لتصنع منها مغنية ناجحة". أمّا حيدر فكتب في ما يشبه الردّ: "جاء صوتها البديع وأداؤها المسرحي الرشيق ترسيخاً وتأكيداً لهذا التألّق"، فبدت "كتلة مشتعلة بالحيوية الكلامية والجسدية والغنائية. وقد أدّت هبة دورها بنجاح كبير وجاء صوتها باهراً ومدهشاً بتعدد طبقاته وارتفاعاته وانخفاضاته". وعن أداء رفيق علي أحمد كتب وازن: "وكانت هذه اللعبة «التضخيــــمية» تليـــــق بدون كيشوت نفسه الذي أدّاه – ويا للأسف – الممثل الكبير رفيق علي أحمد، في أسلوب خطابي حتى كاد صراخه يذكر بصراخ أنطوان كرباج في المسرح الرحباني. ورفيق علي أحمد يعلم جيداً أنّ هذا ليس أسلوبه وهذه الإطلالة ليست إطلالته، هو الممثل الذي طوّع الأساليب ونجح في توظيفها لا سيما في أعماله المونودرامية و "الحكواتية"، فجاء ردّ حيدر: "أما أداء رفيق علي أحمد ففيه قد اكتملت معالم الشخصية الأحمدية التمثيلية منذ ثلاثة عقود وتوضحت مظاهرها المميزة الساخرة والمتهكمة التي كانت مستترة في بعض جوانبها في مسرحياته السابقة". والأمر نفسه يصحّ على الكوريغرافيا التي كانت بحسب عبده وازن "شبه مدرسية، عادية جداً ولا جديد فيها، لا تخييلاً ولا حركة ولا رقصاً ولا دلالات. وبدا الراقصون على عادتهم في رؤية مروان، يقفزون و «ينطنطون» أكثر مما يرقصون"، أمّا بحسب صفوان حيدر فالكوريغرافيا والرقص يأخذان "بألباب عيوننا وقلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وإيقاعات تصفيقنا". وفي الختام هل أخفق أبناء منصور كما رأى وازن مؤكّدًا على "الركاكة والهشاشة اللتين وقعوا فيهما" أم نجحوا كما يصرّ حيدر "في تجديد مسرحة هذا العمل على صعيد الشكل والمضمون. إنها الرؤية الاخراجية الجديدة قلباً وقالباً والانتاج المثقف والمسرحة والتأليف الدرامي والغنائي والموسيقي التجديدي والمتألق والباهر، تأليفاً وتلحيناً وتوزيعاً وغناء"؟
بعد الرحابنة، أتى دور سعيد عقل المحتفل بأعوامه المئة على وقع كلمات ترفعه إلى مستوى مجد لبنان أو تنزل به إلى دركات الجحيم المتهاوي إليه الوطن المشرذم. فعبّاس بيضون سخر من تاريخ سعيد عقل (السياسيّ والنفسيّ) ومن طريقة الاحتفاء به (السفير الثقافيّ 8 تمّوز 2011) وجاء في ختام مقالته: "سعيد عقل وصل إلى المئة. صعد الدرجات كلها ووصل منهوكا. لقد وصل ونال جائزته قداساً. ما أشق الطريق ما أخفّ الجائزة". أمّا محمّد علي فرحات فله رأي أقلّ حدّة (الحياة، 9 تمّوز 2011): "القداس يتعدّى البعد الديني، على أهميته، الى إعلان علاقة بين الكنيسة المارونية وشعر سعيد عقل المنذور لمجد لبنان". وفي الحالين، ما علاقة القدّاس التكريميّ وهو شأن دينيّ بحت وخاصّ في الحكم على تجربة سعيد عقل الشعريّة؟ وهل القدّاس إن كان موضوعًا يستحقّ الكتابة عنه (أشار إليه أنسي الحاج وعبد وازن كذلك) هو جائزة خفيفة بحسب تعبير بيضون ما استدعى اعتراض المركز الكاثوليكيّ للإعلام أم مهمّة بحسب فرحات؟ وهل شعر سعيد عقل جميل كما وصفه فرحات في قوله" كلمة سعيد عقل الشعرية معلنة الجمال، المتهادية، المفاخرة بنفسها، المعلّمة من حيث هي نموذج، المكتفية بذاتها، لا تحتاج منافسة مثيلاتها في العالم"؟ أم لن يبقى من آثاره إلّا عبارة واحدة استشهد بها بيضون في كلامه على عقل (القاتل لشدّة هيامه بنفسه كما ورد في النصّ) وهي أنّ على كلّ لبنانيّ أن يقتل فلسطينيًّا؟ في رأي يشبه الردّ على أنسي الحاج (جريدة الأخبار) في قوله: "سعيد عقل عنصري؟ نعم، إذا كان العنصري هو الفاقد أمانه في محيطٍ ساحق لا يشبهه. إذا كان في نظر المختلف هو عنهم يشكّل "خطراً...عنصريّة المغبون، عنصريّة فرديّة دفاعيّة ولّدتها عنصريّة الأكثريّة". أمّا عبده وازن فيرى أنّ شعر سعيد عقل "العربي الفصيح هو الذي صنع مجده، لا شعره العامي ولا أفكاره التوهيمية ولا ادعاءاته التي لا حد لها" وأنّه "كان ولا يزال الشاعر الاقل مبيعاً في لبنان والعالم العربي"، ولكن أليس التساؤل مشروعًا عن فائدة هذا المجد العربيّ إن كانت النهاية في أحضان الطائفة، وهو أمر يذكّر بنهاية أحمد فارس الشدياق المختلف في شأنها، وهل تمنّع العرب عن شراء مؤلّفاته سببه لبنانيّة عقل المتطرّفة أم مستوى لغته الأنيقة ومعانيه الصعبة، علمًا أنّ الجمهور نفسه يستمع إلى قصائده الفصيحة المغنّاة وكلماته اللبنانيّة الشعبيّة ولا يعرف على الأرجح أنّ سعيد عقل هو صاحب قصيدة "شام يا ذا السيف"، وأغنية "مشوار جينا عالدني مشوار".
أنسي الحاج، اسم آخر مهدّد بنزع نصبه من الساحات الثقافيّة، وبعيدًا عمّا إذا كان رأيه صائبًا أم متجنيًّا في كتاب عقل العويط "وثيقة ولادة"، لا يمكن تجاهل أنّ المقالات النقديّة التي دافعت عن "شعر" العويط كانت تردّ على ما كتبه الحاج ولو لم تشر إليه بالاسم أكثر ممّا كانت تعرض ما جاء في الكتاب ومنها: مقالات لعبده وازن (الحياة) ومحمدّ علي شمس الدين (السفير) وإيلي عبدو (الأخبار)، وذلك طبعًا بعد مقالة عقل العويط في ردّ مباشر وواضح (النهار). ولذلك كان التركيز في " المقالات/الردود" على شعريّة النصّ الذي كتبه العويط، في رفض أكيد لما وصف به الحاج الكتاب: الإكثار من صيغة قول الشيء وعكسه وما بينهما، عدم المعادلة بين التكثيف والإلهام، الثرثرة التي تسيء إلى البلاغة. ففي مقالة عبده وزان إصرار على أنّ عقل العويط "يشعرن" سيرته، فوردت كلمات: شعر وشاعر وقصيدة 37 مرّة في نصّه، وفي مقالة محمد علي شمس الدين: 16 مرّة، وفي مقالة إيلي عبدو: 18مرّة بينها استعادة لعبارة "يشعرن سيرته" الواردة قبل ذلك في نصّ عبده وازن، كما يؤكّد إيلي عبدو على "التكثيف" في نصّ عقل العويط، ليردّ تهمة عدم التكثيف التي وصف بها أنسي الحاج لغة صاحب "وثيقة ولادة".
لم ينج أدونيس كذلك من وضع حدّ لسلطته الثقافيّة بعدما "تأخّر" بحسب البعض في مواكبة الثورة السورية، أو "أخطأ" في رأي آخرين في المراهنة على شخصيّة الرئيس السوريّ. وتوزّعت الردود على رسالته التي نشرتها "السفير" بين رافض لمبدأ الخوف على الثورة من الإسلام (اسكندر حبش/السفير، خالد صاغية/ الأخبار، رضوان السيّد/ الحياة) ومعترض على الإساءة إلى الديمقراطيّة (نصري الصايغ/ السفير) أو اختزال المثقّفين السوريّين بأدونيس (حسام عيتاني/ الحياة)، ومتحفّظ على مكتوم أو "لامقال" في الرسالة (جان عزيز/ الأخبار)، ومقتنع بأنّ الرسالة "لم تكن أفضل إبداعات أدونيس ولن تُضاف إلى أعماله الكاملة" (ساطع نور الدين/ السفير).
ما الخلاصة من كلّ ذلك؟ النقد ضروريّ ولا جدال في الأمر خصوصًا في هذه المرحلة الانتقاليّة للشعوب العربيّة. غير أنّ المخاوف على النقد (وهو علم قبل كلّ شيء، ووسيلة لا غاية) يجب أن تسبق القلق على الإنتاج الفكريّ والأدبيّ والفنّي، بسبب تعامل أكثر النقّاد في الصحف من خلال معطيين: الأوّل أنّ المتلقّي العادي لا يقرأ إلّا صحيفة واحدة وبالتالي لن يقارن بين نصّ نقديّ وآخر، والثاني أنّ المقالة النقديّة تتوجّه إلى اثنين لا ثالث لهما: صاحب العمل الإبداعيّ والناقد في الصحيفة المنافسة.

Iron masks - Marie Kossaifi - Translated by Linda Eid


Marie Kossaifi

سقوط الأقنعة الحديديّة

Translated by Linda Eid

A Mask drops every day from a face, so you think that face will finally look the way it really is, but the truth is deeper than to be reached with the naked eye, because every mask hides another mask in a silly and slow and endless game. Every day, we discover that the naked face is more embarrassing than the naked body, because it holds the truth of the creature that exists behind that interface, decorated differently with every occasion, and with a different gown with each season.

However, when the iron mask drops it is hard for a persono not to hear the sounds of it banging and claning on the floor, or not to see the face hiding behind and how much it has taken from the rigidity of the iron that stuck against it for a lifetime. When other masks fall it is another case; some fly like feathers and cotton, and some are torn apart like old paper, and others are folded and wrapped. But the Mask of Iron is different, it does not fall on its own, but requires special equipment and methods of treatment which are not required for others, and requires time and patience and expertise, but the sound of it falling and rolling on the ground it worth all the time needed to lift its rusted joints from what the days have left on it.

The Iron mask is both thick and heavy and it disturbs its holder, but it remains a lighter weight for him to keep rather than looking in a mirror that reflects the true image of his face. And the longer he hides behind it the more he hates it, and the more he hates it the bigger is his desire to take cover by it, and days pass and he is spinning in this vicious circle empty from everything but his empty days.

Are we at the stage of the fall of the iron mask? Perhaps the era of globalization and speedy spread of information through the media helped to break down some of the sculptures and removed masks off the faces of many, but the nature of human is intertwined with fear and it refuses to take off what it thinks is its fence and defense, with fear of becoming vulnerable. And as soon as one mask falls another one is made up, and we may spend all our lives with people who we would not know for what they truly are even if we thought the opposite. This is why it seems those people who are "real/authentic" are very rare.

"Fakes" are the ones who put their masks hiding their truths, even if they were good (and that is the extreme malice and hypocrisy). While "real" people show themselves in the light of day as they are: mean-spirited or selfish or arrogant or cynical, or perhaps the opposite, but they do not fool us nor "weaken themselves" while they are strong, they pretend courage while they are afraid, do not play the romantics while their hearts are ponds full of dirt and filth. You trust them, and you feel you know how to deal with their good deeds and bad deeds, but the "Fakes" they are the others who sting you when you do not expect.

There is something repugnant in the “fakes”, that makes me feel that they come from other planets, gray and dead, or as if they were sticky creatures with unpleasant appearance, or as if they were heavy creatures disfiguring earth and ruining the beauty of its nature, or as if there is a big gap between their inside and their outside. The "fakes" resemble each other in a monotonous and boring way, they do not have passion nor recklessness nor romanticism. They wear the same iron masks, made in the same mold, painted with the same color, and they move according to the same rhythm, and they don’t surprise us. Oh my God, how ugly “fakes” are and how many they are! However,sometimes, in moments of fatigue from my existence, I wish that those iron masks would stay on the faces of their holders, for they, despite their ugliness and coldness and the absence of most of their features, they remain a thousand and thousand times, more beautiful than what you discover behind them.

الاثنين، 18 يوليو، 2011

الحاجة أمّ الاختراع والفقر أبوه



يوم تضيق الدنيا بالإنسان، وتخلو جيبه من ثمن عشاء أولاده، يجد نفسه مجبرًا على البحث عن اللقمة في أيّ مكان، وبأيّ وسيلة، ومهما كان الثمن. فالكرامة وعزّة النفس والأنفة تمسي كلمات جوفاء لا معنى لها ولا قيمة لأنّها لا تسدّ جوعًا ولا تدفئ مقرورًا.

على طرقات لبنان الرئيسيّة، وعندما يزدحم السير، تهجم مجموعة من الرجال والنساء والأطفال على السيّارات المتلاصقة ليطلبوا من سائقيها أو سائقاتها المال: فيهم المتسوّل، وفيهم المريض المعوّق، وفيهم العجوز الذي تدلّت من عنقه لوحة من الورق المقوّى تعلن أنّ أولاده طردوه من البيت ويطلب ثمن ربطة خبز، وفيهم بائع العلكة، وبائع قناني المياه الباردة، وبائعو الساعات والمحارم الورقيّة وكلّ ما خفّ حمله وخطر على بال أحد هؤلاء فسبق الآخرين إلى بيعه. أمّا الصغار فيحاولون تنظيف السيّارات بخِرق متّسخة لكثرة ما استعملت ما يحوّل الزجاج بقعًا كبيرة من الخطوط السوداء، فيعلو صراخ السائقين ويرتفع زعيق الزمامير، لعلّ الأولاد يبتعدون. أمّا آخر ما تفتّقت عنه عبقريّة الحاجة فهي: التبخير! فعلى تقاطع الطرقات الرئيسيّة قبل فرن الشبّاك في ضاحية بيروت ثمّة كهل يحمل مبخرة ويتجوّل بين السيارات عارضًا على من فيها أن يبخّرهم من صيبة العين ولطرد الأرواح الشريرة. يبدو المشهد غاية في السورياليّة ما يجعلنا نحن الناظرين إليه نتساءل إن كان ثمّة كاميرا خفيّة ترصد ردود فعل الناس. ولكن الرجل المندفع في عمله والذي يحاول الاستفادة من توقّف السير عند الإشارة الضوئيّة ليبخّر أكبر عدد من الزبائن لا يعير تساؤلاتنا شأنًا. تواطأ الجميع في ما بدا لهم لعبة أو مزحة أو حالة جنون، فمنهم من كان يضحك ومنهم من كان يطرح عليه الأسئلة مستفهمًا وهو يستعجل الانصراف قبل أن تنطلق السيّارات. سائق سيّارة الأجرة التي كنت فيها، سألني أو سأل نفسه في صوت مرتفع إن كان ما يراه واقعيًّا ثمّ استطرد: الناس جنّوا بهالبلد!

هل هو جنون أن تبيع الناس دخانًا أبيض يتصاعد من مبخرة تراثيّة؟ ربّما، وربّما هي الحاجة، وربّما هو الاحتيال، غير أنّ أحدًا لن ينكر على الرجل إبداعه عندما خطرت على باله فكرة التبخير في بلد يؤمن أكثر من فيه بالكواكب والنجوم والأبراج والتبصير وفكّ المكتوب والشعوذة وصيبة العين والحسد والخرزة الزرقاء، ولا تخدعنّكم كثرة الكنائس والمساجد والمزارات، فالاقتتال الطائفيّ والمذهبيّ الذي خبرناه ونخشى عودته لا علاقة له طبعًا بالإيمان. الأخوان رحباني في مسرحيّة "المحطّة" جعلا "فيلمون وهبي" يبيع دخّان القطار المنتظر في القدّاحات، فلماذا لا يبيع الرجلُ الناسَ وهمَ الخلاص من الشرّ بحركة بسيطة من المبخرة؟

يحتار الناس في التعامل مع البائعين المتجوّلين ومع المتسوّلين بين الحذر والريبة والشعور بالشفقة والرغبة في المساعدة. أكثر الناس يعتبر هؤلاء جواسيس وعملاء ومحتالين فيرفض إعطاءهم أيّ مبلغ، ولكن ثمّة من يتبرّع ليريح ضميره وخصوصًا بعد الخروج من مطعم فاخر أو بعد شراء أغراض ثمينة، كأنّ هؤلاء يحاولون إرضاء الكون ليغضّ الطرف عن إسرافهم في الطعام والشراب والتسوّق. أمّا التجاهل الذي يأتي بعد الحركة العفويّة في إقفال السيّارة من الداخل ورفع الزجاج فهو الحلّ الملائم للكثيرين: لم نر ولم نسمع، ننظر إلى الأمام، نتابع الحديث على الهاتف أو مع من معنا، نغيّر المحطّة الإذاعيّة وندعو الله كي يتغيّر لون الإشارة قبل أن تصل تلك المرأة العجوز وتحرجنا.


لا نعلم عمّا سيتفتّق ذهن الناس بعد ذلك، ولكنّ بلدًا لا يمنع التسوّل بتأمين حاجات الناس ولا يؤمّن شيخوخة الناس ولا يردع المحتالين لا يستطيع أن يحرم الناس من وهم الدخان الأبيض في حين أنّ كلّ ما حولهم دخان أسود.

الأحد، 17 يوليو، 2011

بلد المربّعات الأمنيّة ولا أمان فيه


تماثيل للجيوش من الصين القديمة



في مسرحية "الشخص" للأخوين رحباني، يصرخ المسؤول الأمنيّ في وجه بائعة البندورة التي اقتحمت ساحة الاحتفال حيث يمرّ موكب "الشخص" الذي يرمز إلى صاحب السلطة: ممنوعة الوقفة بالساحة، ابعدي يا بنت ابعدي يا بنت.


هذا ما يقوله لي المسؤول الأمنيّ في كلّ مرّة يطرق على باب بيتنا ولكن من دون لحن أو إيقاع ومن دون أن أجرّ أمامي عربة لبيع البندورة. حتّى صرت أعرف ما أن أرى اللباس العسكريّ أنّه سيطلب منّي أن أبعد سيّارتي من أمام البيت لأنّ زعيمًا كبيرًا سيعبر بالقرب منّا. وفي كلّ مرّة كنت أسأل المسؤول: هل أركن سيّارتي هناك؟ فيقول:لأ، ما فيكِ، هون؟ لأ، هون؟ لأ، أين أضعها إذًا؟ فيقول لي ما معناه: روحي مطرح ما بتروحي، المهمّ تروحي من الساحة. ابعدي يا بنت ابعدي يا بنت. طبعًا هو لم يقل ذلك، بل كان يقول مهدّدًا: إن لم تبعدي سيّارتك فستأتي القاطرة للقيام بذلك. ولكن يا سيّدي السيّارة في موقف خاص أمام بيتي مباشرة، وأنتم أخليتم الشوارع المحيطة بنا في كلّ الاتجاهات ولمسافات طويلة فأين نضع كلّ هذه السيّارات؟ غير أنّ الرجل لا يعنيه الموضوع، المهم أن تنفّذ الأوامر. ولكن يا سيّدي. هناك وسائل أخرى لاستهداف حضرة الزعيم، وأماكن أخرى قد تفخّخ وأنتم لم تعيروها اهتمامًا، وحولنا عشرات مستوعبات النفايات التي لم تنظروا إلى ما في داخلها، وعشرات ورش البناء وقرب كلّ واحدة منها غرف لعمّال من جنسيّات مختلفة وأنتم لم تفتّشوا واحدة منها، وفي الإمكان أن تملأ بأطنان من المتفجّرات، وأنتم غافلون لأنّكم مشغولون بشحن السيّارات التي لم تعرفوا أين أصحابها، كما أنّكم لم تفتّشوا بيوتنا وحدائقنا التي يمكن تفخيخها، وثمّة قصور وبيوت مهجورة تصلح للمراقبة والتفجير وكان عليكم أن تبدأوا بها أوّلاً. ولكنّ المسؤول الأمنيّ يرفض في كلّ مرّة البحث معي في منطق الأمور الأمنيّة فالمطلوب منه التنفيذ لا التفكير، وعليّ أنا كذلك أن أنفّذ ثمّ أعترض.
تخيّلوا معي بلدًا فيه هذا العدد من النوّاب الحاليّين والسابقين، والوزراء، والجنرالات، وزعماء التيّارات والأحزاب، وكلّ واحد منهم يملك بيتًا في المدينة، وآخر في الجبل، وآخر على البحر، وآخر على الثلج، وكلّها يجب أن تحاط بحراسة مشدّدة وأن تقطع الطرق التي حولها وأن يمنع وقوف السيّارات إلى جانبها، نعم، تخيّلوا معي بلدًا كلّ مسؤول سياسيّ أو عسكريّ فيه يخشى الاغتيال، وكلّ مسؤول سياسيّ أو عسكريّ له مربّعات أمنيّة تزنّر أمكنة إقامته وإقامة أولاده وأحفاده وتمنع الاقتراب منها. نعم، تخيّلوا معي عدد السيّارات التي يجب إخفاؤها كلّما مرّ زعيم، وعدد المرافقين والحرّاس الذين لا يطلب منهم التفكير بل تنفيذ الأوامر وقولوا لي بعد ذلك: نيّال من له مرقد عنزة في جبل لبنان.
أحيانًا تغيم في بالي صورة هذا البلد ولا أعرف كيف أحدّد هويّته: هل هو ملهى كبير، فيه يرقص الناس ويسكرون لينسوا همومهم؟ أم هو ثكنة كبيرة، فيها أنواع من السلاح تنتظر متى تفتك بالناس؟ أم هو معبد كبير، يُقدَّم فيه الناس ذبائح باسم الدين وهو منهم براء؟ أم هو مسرح دمى كبير، تشابكت خيوطه المتّصلة بكلّ ما جرى ويجري في العالم؟ ربّما هو كلّ ذلك وأكثر، وهذه هي مأساته التي تغيّب تحت سوادها خصوصيّة هذا البلد.

الجمعة، 15 يوليو، 2011

عن روايتي: كلّ الحقّ ع فرنسا بقلم ميشال مرقص







الصور للأستاذ ميشال مرقص

عن رواية ماري القصيفي "كل الحق عَ فرنسا":

"حيدٌ مرجانيٌّ" رائع يُلوّن حكايات العشق وأنفاس العاشقين
وخزائنُ حربٍ تفضح "حكايات لبنانيين" واستخفافهم بالوطن
بقلم
ميشال مرقص
متلهّفة رواية ماري القصيّفي "كلّ الحق على فرنسا". متداخلة تتسارعُ أخبارُ "فرسانها"، من دونِ التنازلِ عن الحبل السريري لها، الذي يربطُ بينَ سُرّة عشق روز وموت ورده في غموضٍ أرادتْ منه الكاتبة أن يكون عصبَ الرواية، فيما تداعياتِ الأحداث تنتقلُ من العام إلى الخاص ومن ثمَّ إلى تفاصيل دقيقة وشخصياتٍ متنافرة تجمع في ما بينها مسلّمة "الغاية تبرّرُ الوسيلة".
فعلى مدى قرنٍ مستفيض في السنوات، ومن بوّابة القرن العشرين حتى رتاج القرن الحادي والعشرين، تمزجُ القصيّفي بين اخبار عائلاتٍ شتتتها الحربُ وباعدت بين بطونها وأفخاذها من الأولاد حتى الأحفاد، ومن ربوع الوطن إلى مجاهل الغربة. يختصرون حكايةَ وطنٍ "مجنونٍ" لم يعِ بعدْ هويّته الحقيقية، ويضع تاليًا الحق على فرنسا الدولة التي انتُدبتْ عليه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وإلى نهاية الحرب العالمية الثانية، إثر خروج جيوشها، قبل قليل من حلول النكبة في فلسطين وانفتاح ابواب هذا الوطن، لاستقبال أبناء النبكة واحتضانهم حتى تداخلهم في العصب المصيري للبلاد، وتشكيلهم "قضية" يائسة يختلفُ اللبنانيون حولها في مقاربةٍ لتضييع هويّتهم، أسوةً بإخوانهم الفلسطيين الذين اختلطوا بالمجتمع الحاضن حتى التزاوج والاقتتال.
"الحق على الطليان"، أو "الحق على فرنسا"، مدخلان إلى عالم الهروب من تحمّل المسؤولية، لكنّ القصيفي حصرتْ في الثانية مأساة الفتاة المتفتحّة الأنوثة التي كانتْ تغفى على حكايات الغرام المكتوبة، فتتقمّص شخصياتِ العاشقين في ذاتها، لتجد نفسها ذات يومٍ في أحضان ضابطٍ فرنسي لمْ يُقدّم لأم ورده أوراق "إطلاق حاله"، فظنّتْ أنّ العسكري الآتي من وراء حدود الوطن ومن مسافات البحار يحملُ الخلاص إلى بيتها (الوطن)، لتسعد وعائلتها بالمال الذي يجنيه ابنها حبيب من بيع المخدرات (مخالفة القوانين والفساد في ظل جيوشٍ محتلّة) يحميه الضابط الفرنسي، مرتشيًا بـ"روز" وبالمال طبعًا، ما أتاح لحبيب توسيع إطار التهريب ليدخل لاحقًا، ليس فقط السجون "المحلية"، بل أيضًا أحد سجون أميركا (ص 183)، ويصير خرّيج سجون. ولمْ تكترث أم حبيب بمصير روز مع الضابط "المنقذ"، ومن ثمّ "الضباط" المتناوبين، بعد سفر الصهر الأجنبي الافتراضي، إلى زوجته وأولاده. ويبدو أن عائلات السهل، حيثُ أم حبيب تستسهل العلاقات خارج أطر مؤسسة الزواج، فلا أحد يتناول الآخر بكلام سوء، "الأمور تُصبح عادية ومشروعة متى أراد الناسُ ذلك. والناس قرروا عهدذاك أن ما حدا أحسن من حدا، وما حدا فوق راسو خيمة، والله يُستر على جميع الناس" ( ص 28 وص61).
إنّها "العصفورية" في رواية القصيفي، "كل الحق على فرنسا"، حيثُ تصف تشييد "المدينة"، أي مشفى المختلّين عقليًا أو المعوقين عقليًا، من سبعة أبنية، كلٌّ منها يختصُ بنوعٍ من "الجنون"، وكل بناء شيّدته دولة (ص 87) ما يوازي الدول السبع التي توافقت عام 1860 على وضع نظامٍ سياسي لمتصرفية جبل لبنان على أساس طائفي، كلٌ منها يحمي أبناء طائفة أو مذهب، فيميلون مع الدولة الحامية مثل دوّار الشمس، في التوافق والاختلاف وحتى التقاتل والاستنزاف في الأرواح، وفي المقامرة على الوطن بكل مكوّناته. ويشكل كلٌ من هؤلاء، نزلاء في قسمٍ من أقسام العصفورية الكبرى. وهكذا يبقى وطن رواية القصّيفي موزّعًا بين فرقاء وانتماءات خارجية، ومواطنين متحجّرين في تلك الانتماءات لا يقوون على التلاقي، وفي ظنّهم أنّ منْ يحميهم هو الأقوى... وعندما تتلاقى مصالح الحامي مع مصالح الخصم يسقط الجميعُ ضحايا فيكون الحق على فرنسا، لا أحد يتحمّل مسؤولية تدمير البلد، طالما يجد الجميع مؤيدين لهم يُبرّرون سلوكياتهم الخرقاء غير المسؤولة والتي هي بحكم سلوكيات نزلاء العصفورية.
وقائع سوسيولوجية
وتحليل نفسي دقيق
تنطلق ماري القصيفي من العام إلى الخاص وغلوًّا إلى الخاص الخاص جدًّا... وأحيانًا بالعكس. لكنّها تلتقطُ الإطارَ الروائي بمنظار عالم الاجتماع. تدرس الخلايا الاجتماعية الصغيرة سواء على صعيد العيلة، المجتمع المحلّي، الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الطباع والطبائع، الاختلاف بين الطوائف والمذاهب، الاختلاف بين الأحزاب والتيارات، المشاكل الناتجة عن الزواج المابين طائفي أو مذهبي، أو على صعيد التفكك الأسري، الحب خارج نطاق الزواج، قبوله أو رفضه أو تقويمه في المجتمعات.... بلوغًا إلى العادات والتقاليد والأعراس والعمادات والمآتم (ص 50 - 51) والملابس وحتى مستلزمات التجميل، وبخاصةٍ المآكل والمشروب الذي يترافق مع نوبات الزجل، وغيرها وغيرها من انماطٍ جديدة أفرزتها الحربُ الداخلية.... فالرواية تشكّلُ عنصرًا أساسيًا في الواقع الاجتماعي اللبناني ووثيقة في درس علم الاجتماع كأسلوب وطريقة من جهة، أو لدرس واقع مجتمعٍ محليٍّ من جهةٍ ثانية. تعرضُ للكثير من المنسيات، حرم الكنيسة (ص 88)، وفاة المتزوّجة من مسلم، حيثُ يضع حبيب مبلغًا من المال في يد الكاهن ويقولُ له عن شقيقته: "كانتْ متزوجة واحد مسلم، كتّر البخور" (بالعامية صفحة 137).، وغيرها من التفاصيل.
في هذا الإطار، وباختصار، تحلّلُ القصيّفي نفسيات أبطال روايتها بدقّة متناهية، وتدخل مدرسة التحليل النفسي (البيهافيورية)، وتقارب التصرف والسلوك بعينٍ ثاقبة، كأنما تحملُ كاميرا ملوّنة وثُلاثية الأبعاد. حتى أنّها لا تغفل التغيّرات الفيزيولوجية الدقيقة في الأجسام: "ترتدي الشورت الذي يُظهر استعداد فخذيها لبدانةٍ ليست بعيدة" (ص 246). او للدلالة على حميمية علاقة جنسية: "فقط تلك المياه التي تسيلُ منها ذكّرتها بما كانَ يحدثُ معها حين كانتْ تقرأ روايات تُحرّك جسدها وتُذيبُه بين طيّات الكتاب (ص19)، أو "تألّمتُ ... كما لو أنّني عذراء في ليلة عرسها" (ص 220)، على أنّ التعميم ليس حتميًا.
ولا تُعابُ الدَّقةُ في التفصيل، ولا التنوّع الحيوي المكثّف، فماري القصيفي تكتبُ روايةً لا قصّةً، والرواية تتناولُ مجتمعًا من المجتمعات في أبعاده ومفاهيمه كلِّها، وتكويناته السوسيولوجية، وقناعاته، ومكوّنات حياته اليومية. وهي لمْ تنسّ حتى الأمثال الشعبية الرائجة في تلك المكوّنات الاجتماعية المترامية بين سهل البقاع، والشوف، وضواحي بيروت، والأشرفية والمرفأ وجونيه وكسروان حتى جرده...وبين عناصر الفسيفساء الطائفية والحزبية الرائجة...
لوحات شاعرية
استخدمت القصيّفي نسيجها الروائي بخيوطها الشاعرية، فلم تبتعد عن شفافيتها في الواقع النفسي والعاطفي، ولم تترك شُرفات قصائدها بعيدةً، بخاصّةٍ في وصف حالات العشق عند روز أو وردة لا سيّما لدى تجربتها الأولى (ص 19 و20). إنها شاعرية بامتياز، أخرجت اختلاجات العشق إلى ملامس اللوحة السوريالية مع ما ينتجُ عن تلك الاختلاجات من بصماتٍ تؤيّد الاندماج التام أو الانسحاق حتى تلاشي الذات في قبولٍ يمهّدُ له عمق الاشتياق أو بُعدُ تحقيق الرغبة. ولا تنسى عند إقفال أبواب الرواية، إسدال ستائر العشق الرافض أن يُهاجر ولو ليكتب قصّة حبّ يستوردها الوطن بدل أن يُصدّرها.
لكنّ القصيفي في عرضها الروائي أيضًا، لم تبتعد كثيرًا عن نسيج الشعر، على قربٍ من عاميةٍ أحيانًا تنقل كلام الناس كما هو في واقعهم. بل تتحوّلُ تلك الشاعرية إلى "قَرْصٍ" يستبطنُ رفض الراوية لتلك الوقائع المزيج من اجتماع واقتصاد وسياسة ودين و...، أو انها تُشيرُ إلى تنافر الوقائع ذاتها مع المعايير المتعارف عليها، وتلجأ إلى تهكّمٍ يقارب السخرية، من واقعة أو تصرّف. ورغمَ ذلك لا يُنفّر أسلوب القصيفي من تلك الاختلالات الاجتماعية بل يتشرّبها كأنما باتتْ من مقوّمات حياة اللبنانيين الذين أخذوا يَتقبّلون كلّ شيء مخالف على أنّه واقع له ما يُبرّره. فالحروب العبثية تقود إلى نسيج اجتماعي وعادات وسلوكيات اجتماعية وجودية في "تصرّفاتٍ ما كانوا ربّما يقومون بها لولا خوفهم من الموت". فيقبل الجميع بها: "انتحارُ وردة ومخدّرات حبيب وطلاق جولييت ومعاشرة نجيب جارته"، ويبررون سلوكياتهم كأنما صارت انتصارًا على القيود التي سجنتهم ضمن أدبياتٍ مزيّفة نتجت عنها حروبٌ باتوا هم وقودها."إلا أنّ الحروب تجعلُ الناس يتهافتون على الحياة وملذّاتها ويُحلّلون لأنفسهم ما كان السلام يُحرّمه. (صفحة 176) أو تسأل "ما قصّةُ هذه الرغبة المستجدة عند النساء؟" لتُجيب "ذلك يعني أنّ رجالاً كثيرين أحبّوا غير زوجاتهم". (ص 315).
سخرية إنتقادية
سُخرية القصيفي انتقادية بإمعان. قليلُها عندما تعرضُ لاختلاف الطبائع لدى الأخوة : "البطن بستان، يقولُ الناس حين يرون الاختلاف في طبائع الأخوة والأخوات. كلّهم خرجوا من رحمٍ واحد، وانطلقوا من غرفةٍ صغيرةٍ واحدة ومع ذلك لا أحد منهم يُشبه الآخر..." (ص 194). كأنما هي لا تقبل بالمسلّمة: لماذا الأم "الرحم" وليس الأب الوالِد من (فعل) ولدَ؟ هو عند وفاته لمْ يتكلّم أحدٌ عنه! ربما لكثرة "الوالدين"! ثمّ تورد القصيفي ما تقوله جولييت عن زوج عشيقة شقيقها نجيب: "زوج الجارة مقاتل على الجبهة ولم يجرؤ على قتل نجيب؟ أبهذا المقاتل ستربح القوّات الحرب؟ حلو كتير"... ولا تترك زاد (ماري القصّيفي) أحدًا من شرّها، فهذه جولييت لا تُصلّي إلا كما علّمها الكاهن "الذي يُحب الجنرال (عون) والذي صارت مدمنة على المشاركة في قداديسه". (ص 239). ويزيد التهكّم المأساوي أمام مصائر وطنية تُنذرُ بالمأساة "ربّما لأن التراب صار فعلاً أغلى من الذهب وخصوصًا في المناطق المسيحية التي تشهد زحمة سماسرة وتجار وغرباء، أو على الأرجح لأنه لم يعدْ يساوي شيئًا في نظر من يبيعون ويُهاجرون". (ص 303)... وكلامها عن نتائج الحرب: "بعد أنْ يفني الباقون بعضهم حين لا يجدون من يقتلونه وما يحرقونه". (ص329).
اللون الروائي المحلّي
وبما أنّ الفنّ الروائي لا يغفلُ الإطار الطبيعي العام، والألوان المحلية لم تنسَ الكاتبة تغيّراتٍ حصلت في هذا الإطار لا سيّما التغيّر المناخي الذي يقفلُ الرواية على مناخٍ صحراوي، قد يجمعُ بين الإطار الطبيعي ومسرح أحداث الرواية. او استخدام تقنيات المعلومات، او الاستعانة بأخبار خارجية لها دلالتها مثل إنقاذ عمّال مناجم في التشيلي "خرجوا من رحم التراب بعد شهرين من معاناةٍ على عمق 700 متر"(ص 261)...
لكنّ "زاد" التي قادت تحرّياتٍ طويلة لتربط بين موت روز الذي اوردته في الفصل الأول من الرواية، وسببُ شُربها الديمول. تقودونا بسلاسةٍ حول هذا المحور إلى النهاية. وتُبرزُ صورًا ورديةً لروز ضحيّة الضابط الفرنسي، أو ضحيّة أمّها الراغبة في حماية ابنها من السجن. وترافقت تلك السلاسة الأنثوية مع لقاء الجيل الثاني المهاجر الذي يحمل معه دفتر ذكرياتٍ من أخبار روز، ويرغب في الوقتِ ذاته أن يستثمر في بلدٍ نشأت فيه علاقة ما بين ناجي وروز، يقارب علاقةً ما خارج أدبيات الزواج على أنّها الواقع الأفضل في مقابل تدخل "رجال دين" لفبركة زواجين خلال الرواية، الأول (ص 44 عم ناجي) بقي صوريًا بعدما اقتحمته "روز" العشيقة، والثاني (ص 101) أدّى إلى الهروب من "عصفوريةٍ" خاصّة كادت تجني على ثمرته الوحيدة ...
وتزدادُ سلاسة التعبير عندما تشعرُ زاد بأنها تقمّصت فعلاً مشاعر "روز" وشعرتْ بأنّ شرايينها باتت تنبض بحب ناجي أو تكاد... لكنها بعد أن تنشّقت هواء تلك الليلة "المشوبة" عادت إلى فراشها تداعبُ أحلامها. فقد سرقتها الأيامُ لتكتبَ قصّة روز وليس قصّتها التي عاشت حياة بطلتها من دونَ أنْ تُقدم على شرب السمّ. لكنّها تاليًا تقدمّت بها السنون.
عُجالةٌ ما، أربكت النصَّ الروائي في الفصلين الأخيرين. قد تكون نتجت عن استكمال الرواية قبيل دفعها إلى الطباعة. فبين ذكر آخر تاريخ في الرواية، أو آخر حدث قد يكون الحرُّ الشديد الذي انتهى بداية كانون الاول 2010 وصدور الرواية في شباط 2011، وقتٌ قصير. كما انَّ النص الروائي يعرض في البدايات أسماء الشخصيات في صورةٍ متعبة. إلى مقاربة العامية احيانًا والتحليق الشاعري الوقّاد في كثيرٍ من الأحيان. وقد يُؤخذُ على الكاتبة التعريجُ في زواريب كثيرة متداخلة غير واضحة المعالم للقارئ، إلا بعد أن الانتهاء من جلاء متاهاتها. لكنّ تناول الشخصيات في لوحاتٍ منفصلة يوضح تلك الصور... ويُبرر المتاهات. كما تشير اللوحات إلى ذكاءٍ حاد، لا سيّما في تدرّجها غير المرتبط جدّيًا بالحدث، فتأخّرت لوحة "ناجي" عن لوحةابنه "سامي"...
ففي الواقع، وعلى رغم التشبّع في التفاصيل الضرورية لاستكمال الواقع الاجتماعي، نجد الكاتبة تمرُّ في محطاتٍ كثيرة سريعًا وتلحظ أمورًا أساسية تلميحًا، ربما تحاشيًا لتطويل أو لتقول للقارئ "أنا أعرفها" لكنّ وقتها لم يحن بعد للتوسع بها... بخاصةٍ اللمحات السياسية.
"كلّ الحق على فرنسا" تختلجُ فيها "أنوثة" ماري القصيفي، في غربة العواطف الملتزمة، وتدافع حمم الحبّ المتفلّت من قيود الالتزام، حيث يأتي فجأةً لا أحد يقدرُ على تجاوز حتميّته... وهي أيضًا رسالةٌ سياسية بامتياز لوطن جرفته الأهواء أيضًا خارج الالتزامات الحتمية على أنّه وطن. وتخلصُ الكاتبة بحزنٍ إلى أن الحق ليسَ على الآخرين بل على أبناء الوطن "الحقُّ على اللبنانيين أولاً وآخرًا. الآن يغازلون تركيا بعدما حكمتهم أربعمئة عامٍ، ولا يتكلّمون إلاّ الفرنسية مع أنّ فرنسا لم تكن أمًّا حنونًا لهم... ثمّ تحمّس بعضهم لمصر... وغيرهم فضّل إسرائيل وأميركا، ثمَّ أتى دور العراق والسعودية وسوريا وإيران، كلّ ذلك تحت غطاء قضيّة اسمها فلسطين، في حين يقتل الفلسطينيون بعضهم"... في جلاءٍ واضحٍ ومرير بأن لا دور للبنان هذا الوطن الصغير...
"كل الحق على فرنسا" رواية ماري القصيفي، (دار سائر المشرق- بيروت – 2011 في 330 صفحة)، تستحق القراءة بتمهّل والاستمتاع بما تكشفه من نمنمات الحياة في لبنان على مدى قرن أفقده هويته وشتّت أبناءه، بعدما قُتل كثيرون وقودًا لمطامع من التحق بكل تلك الدول الغازية.
***
نشر جزء من هذه المقالة في صحيفة "الجمهوريّة" اللبنانيّة في تاريخ 8 تمّوز 2011


الأربعاء، 13 يوليو، 2011

ياسين رفاعية مستعيداً بيروت الستينات


صحيفة الحياة - الأربعاء، 13 يوليو 2011
انها الرواية الحادية عشرة للكاتب ياسين رفاعية، عدا ما كتبه في القصّة القصيرة والشعر وقصص الأطفال ونصوص في العشق، غير أنّ أجواء «من يتذكّر تاي» (دار الخيال) وإن لبست ثوب الرواية بقيت أقرب إلى مجموعة نصوص «رفاق سبقوا»، الصادرة عام 1989 عن دار الريّس، فكلا الكتابين يتّكئان على ذاكرة تقاوم عبور الرفاق والزملاء بالكتابة عنهم، أو إليهم، إذ إنّ الشعراء والروائيّين والسياسيّين الذين يستعيدهم ياسين رفاعية في كتاباته يزدادون حضوراً بقدر ما تتراكم السنون ورداً فوق أضرحتهم. فأمين نخلة وفؤاد شهاب ومعين بسيسو وصلاح عبدالصبور وخليل حاوي رفاق سبقوا فاستحقّوا وقفة تقدير في كتاب سابقٍ له طابع الذكريات، وكان لا بدّ من استذكار آخرين كأكرم الحوراني وسامي الجندي وغسّان كنفاني وغادة السمّان وكمال ناصر وأبو يوسف النجّار وكمال عدوان وعصام محفوظ وحسين حيدر ومرّة ثانية أمين نخلة ومعين بسيسو، فكانت هذه الرواية التي تدور أحداثها في بار بيروتيّ زمن هزيمة حزيران (يونيو) 1967، تديره ساقية مصريّة أطلقت على نفسها اسم «تاي».
هي ابنة باشا مصريّ أغضب المافيا الصقليّة التي كان يتاجر معها بالمخدّرات، فانتقم منه زعيمها باغتصاب وحيدته أمام عينيه. وحين أراد الباشا الانتقام لشرف ابنته قُتل، ما دفع الفتاة التي فقدت والدتها بعد هذه المأساة، للهرب إلى لبنان والعمل في أحد البارات تحت حماية رجل أمن كان صديق دراستها في القاهرة. وفي هذا البار، التقت مجموعة الشعراء والصحافيّين والسياسيّين، وأمام «تاي» المثقّفة والمتخصّصة في الفلسفة، دارت الأحاديث عن فلسطين والهزيمة وتخاذل الحكّام العرب، ونوقشت قضايا فكريّة عميقة، وطرحت موضوعات عن الأدب والحبّ والحزن، ورويت حكايات عشق أبطالُها هؤلاء المتردّدون على البار والمتردّدون في حزم أمر عشقهم الذي لا أمل له: غسّان كنفاني يعاني من حبّه لغادة السمّان، أمين نخله الستينيّ يعشق فتاة شاميّة في السابعة عشرة من عمرها، عصام محفوظ خانته حبيبته مع أعزّ أصدقائه، الشعراء الفلسطينيّون يذوبون في عشق فلسطين. وفي خضّم هذه الأجواء الفكريّة الموزّعة بين اليأس من الواقع العامّ وبعض التفاؤل في خلاص يحمله الحبّ، كانت قصّتا عشق تحاولان أن تشقّا طريقهما إلى نهاية سعيدة: تاي ترضى بالزواج من جارها الشابّ السعوديّ الذي يصغرها بكثير من الأعوام، والراوي الذي يحبّ «شيرين» وهي فتاة درزيّة، ترفض الارتباط به لأنّ طائفتها الصغيرة تخاف على نفسها من الانقراض إن تزوّج أتباعها من غير مذهبهم، فتقول: «نحن طائفة صغيرة، ولا نريد أن تتشتّت هذه الطائفة في زيجات من خارجها» (ص11).
يؤكّد الكاتب في ختام الرواية «الواقعيّة» وفق وصفه أنّ أحداثها جرت بين عامي 1967 و1973 وأنّ الأسماء والأمكنة كلّها حقيقيّة. غير أنّ «شيرين» بدت غريبة عن كلّ الذين يحيطون بها، كأنّ مخيّلة الكاتب أنجبتها لتنقذ الرواية من رتابة السرد التأريخيّ وتكرار أفكار تستعاد في البار كلّ ليلة، ولتضفي جانباً عاطفيّاً متفائلاً وخصوصاً حين تركت زوجها وعادت إلى حبيبها، فينتصر الحبّ الحقيقيّ على زواج المصلحة؛ أو كأنّ حقيقة وجودها نابعة من مكان وزمان مغايرين، فأتى بها الكاتب (الراوي) إلى مكان الرواية وزمنها ليعطيها صفات وتصرّفات تميّزت بها امرأة علّمت من تحبّه على صغر سنّها بالنسبة إليه كيف يأكل بالشوكة والسكّين. أمّا سرد الأحداث فيدلّ على أن الكتابة تمّت على مراحل، أو على مرحلتين على الأقلّ. ولعلّ النصّ القديم الذي كتب في مرحلة قريبة من الأحداث الحقيقية، أعيد النظر فيه في ضوء معطيات حديثة. فالعبارة الأولى تقول لنا إنّ الرواية تكتب في الوقت الحاضر «الحمرا، غير حمرا هذه الأيّام. يوم كانت شعلة بيروت ومركزها الرئيسي»، ولكن حين نقرأ في الصفحة التالية وصف الهزيمة نشعر كأنّ العبارة من بدايات عهد الكاتب بالكتابة أو هي مقصودة لتعبّر عن لغة تلك المرحلة «فما حصل يعجز عن حمله عالم عربيّ بكامله. كأنّه جمل ذو سنامين، برك... على ركبتيه، وأصبح عاجزاً عن النهوض». ثمّ يطالعنا في الصفحة 34 تعليق الشابّ السعوديّ «طارق» على موضوع العمل في الإعلانات، فيقول: «فالعالم الآن تحت سيطرة الإعلان. خصوصاً إذا كان الإعلان ذكيّاً في عرض المعلن عنه. مثلاً يعرضون أمامك امرأة جميلة جدّاً ورجلاً وسيماً وأنيقاً وكلاهما بصحّة جيّدة وهما يدخّنان نوعاً من السجائر ثمّ هذه العبارة الغليظة «التدخين يضرّ بصحّتك وهو الأساس في أمراض السرطان». ومعلوم أنّ تحذير وزارات الصحّة من مضار التدخين لم يخطر على بال أحد في نهاية الستّينات وبداية السبعينات، وهو زمن الرواية الذي لم يخطر لأحد فيه أن يصارع من أجل الدولار، إذ لم يكن ثمــّة خـــوف على العملة المحليّة، فتأتي هذه العبارة «في عالم المال، عالم الصراع على الدولار» (ص160) في غير سياق النصّ.
والرواية التي كتبت بمشاعر جيّاشة وقعت مرّات في فخّ الانجراف العاطفيّ، فلم تنتبه إلى بعض المغالطات في حبكة الأحداث وجنحت إلى الغلوّ في الانفعال ووقعت في الكثير من الأخطاء اللغويّة والإملائيّة. فالفصل الخامس مثلاً يبدأ بما يأتي: «في زيارتي الثانية لشقّة تاي التقيت عندها بضابط أمن لبنانيّ قدّمته لي: صديقي مفيد، هو الذي يهتمّ بي، ويجلب لي إقامتي السنويّة»، ثمّ دعته تاي إلى الجلوس فجلس قريباً منهما، وبعد حديث ودّي بين الراوي والضابط، ووصف دقيق لشخصيّة «مفيد» يختفي الرجل من الصورة بلا مبرّر أو تفسير، إذ يستمرّ الحوار بين تاي والراوي حول صحّتها و «طارق» الذي طلب منها الزواج، ويُنسى أمر الضابط تماماً، فلا نعرف كيف خرج أو إن كان موجوداً خلال الحديث ولم يدل برأيه فيه. وفي الصفحة 68، وخلال اعتداء الوزير على «ريتا» الصحافيّة التي أحبّها الشاعر معين بسيسو، نفاجأ بأنّ الوزير ترك مسدسه تحت وسادته، وأنّ الفتاة حين استيقظت من أثر المخدّر خطر في بالها أن تسرقه وتنتقم لشرفها، ثمّ انتبهت إلى أنّها لا تعرف كيف تستعمله. وفي الصفحة 102، لا يقنعنا الكاتب/ الراوي وهو صحافيّ وروائيّ وصديق الشعراء بأنّه «ضعيف في الشعر ولا يحفظ منه سوى أبيات قليلة، ينساها ثمّ يتذكّرها، وحين أسمعه «طارق» بيتاً متداولاً لعنترة بن شدّاد: «ولقد ذكرتك والرماح نواهل»... صاح به: الله... الله... ما أجمل هذا الشعر. وفي الصفحة 153، تشبيه يسيء إلى صورة الحبّ، ففي وصف ما فعله هجر شيرين بقلب الراوي نقرأ: ما فعل الجمر بهذا القلب الذي يتلوّى كلحم الخراف المشكوك بأسياخه فوق الجمر الملتهب تصعد رائحته مشتهاة.
أمّا ما ورد سهواً من أخطاء: سوى شيئاً واحداً (ص19)، يأتي يوماً تصطاد فيه السمك (ص 38)، أن يسهرا معاً ويسبحان ويتناولان الطعام (ص 43)، أحببتُ أخيها (ص 48)، وهو بعد طالباً جامعيّاً (ص 53)، والذين كان منهم رجالاً استشهدوا... من كلّ بيت من هذه البيوت سقط شهيداً (ص 62)، كان يردّنا عن بعضنا خجلاً أصيلاً (ص 105)، فبانَ صفّين من اللؤلؤ (ص106)، كأنّها برقاً اشتعل (ص 123) أنتما الآن شهوداً عليّ (ص 133)، وكم خدعا رجال وفنّانين وسياسيّين (ص 140)، فلا داعي طبعاً للتأكيد بأنّها تعبّر عن رغبة في استباق الوقت وكأنّ الكاتب، وذاكرته معبّأة بأصدقاء سبقوه إلى حيث لا ألم ولا خيبة، وقلبه ملتاع من غياب أحبّة تركوه في غفلة من الزمن، يسرع فيتسرّع خشية أن يغريه نداء العبور فيلبّي متناسياً أنّ لديه الكثير بعد ليكتبه ويقوله. فياسين رفاعية حين يتذكّر يشبه من أتيح له الانتقال في آلة الزمن إلى الماضي، فشغلته لهفته عن أيّ أمر آخر. وعذره أنّ في صدره قلباً لم يعرف غير الصداقة والحبّ وكلاهما ترك له ألم الفراق وأمل اللقاء.

الثلاثاء، 12 يوليو، 2011

من احتراف الحزن إلى الحريّة



صرنا شعبًا يحترف الحزن والمآتم وانتظار الحياة في الساحات العامّة.
صرنا خبراء في تحضير دفن على السريع، وحشد الجماهير في ساعات، وصناعة الأعلام من مختلف الألوان وصياغة المراثي وكتابة الخطب الملتهبة.
صرنا نرتدي الملابس السوداء استعدادًا لموت آت بلا شك.
صرنا نبكي مسبقًا لئلاّ يغدر بنا الوقت بين دفن وآخر ولا نجد المجال للنحيب.
منذ أعوام وأعوام ونحن نبكي، حتّى صرنا لا نخجل من الكاميرات المتلصصة على عيوننا والملتقطة حركاتنا والمسجّلة كلماتنا.
صرنا نستغرب إن مرّ شهر ولم نسمع فيه انفجارًا يغتال رمزًا أو صوتًا أو قلمًا مع من تيسّر وجوده في اللحظة نفسها.
لا ندري إن كانت الحريّة تستحقّ كلّ هذا الدمع.
لم نعد ندري إن كان الوطن يستحقّ كلّ هذا الدم.
لا نعرف إن كانت الكلمات المرمية على جوانب الطرق تستحق كلّ هذه التضحيات.
نبكي على أشخاص لم نلتق بهم يومًا وجهًا لوجه، ولم نتبادل معهم الأحاديث، ولم نلق عليهم تحيّة ولو عابرة.
نبكي على رجال ونساء نراهم عبر الشاشات ونسمع أصواتهم عبر الهواء، ولا يعرفوننا، ولم يسمعوا بأسمائنا ولم يروا وجوهنا ولن يعرفوا شيئًا عن دموعنا.
ونبكي على رجال ونساء مجهولين، مجرّد أسماء نسمع أنّ أصحابها صاروا في لحظة سوداء شهداء أبرياء.
ومع ذلك، لا نرحل ولا نقبع في الزوايا ولا ننتحر يأسًا. نمسح دموعنا ونتابع أعمالنا وحياتنا، ونحبّ وننجب الأولاد ونرسلهم إلى المدارس ليتعلّموا ويكبروا ويموتوا على قارعة الطريق ونلمّ أشلاءهم ونجمعها قطعة قطعة ونستمرّ في مشاجراتنا اليوميّة السخيفة كأنّ شيئًا لم يكن، كأنّ الحياة لم تغدر بنا، كأنّ الموت لم يمرّ بنا، كأنّنا نرفض الاستسلام والرضوخ.
نحن شعب التناقضات.
لا ندرس تاريخ بلادنا لأنّ ثمّة خلافًا سياسيًّا على كتابة التاريخ، ومع ذلك نموت من أجلها وندخل التاريخ.
لا نحسن الاحتفاظ بأرضنا فنبيعها ومع ذلك نموت من أجل الأرض.
نحن من برج التراب ومع ذلك فالسماء لا تتسع لأحلامنا وطموحنا.
نبيع الكتب والنساء ونشتري البنادق.
نسهر ليلة في ساحة الحريّة وليلة في الملهى الليلي.
نكتب بالقلم نفسه قصيدة الحبّ وبيان الثورة.
نمارس التجارة والصلاة والوطنيّة بالحماسة نفسها.
نملك أكبر مجموعة من الطوائف في أصغر بقعة من الأرض وعددًا لا يحصى من الكنائس والمساجد ومزارات القدّيسين والأولياء ونتقاتل باسم الدين.
نهدم الآثار ثمّ نشتري بقاياها بأغلى الأثمان.
نكتب المطوّلات عن الثقافة لكنّنا لا ننشد الأغنيات الوطنيّة ولا نستمع إلى الموسيقى الكلاسيكيّة إلاّ عند الموت.
على شاشاتنا مذيعات شبه عاريات ومذيعات محجّبات.
في أرضنا مقابر جماعيّة ومدافن شهداء وقدّيسين.
في سمائنا طيور عابرة وطائرات عدوّة.
في مياهنا أوراق شجر ونفايات سامّة.
نحن شعب لا يعرف قيمة الأشخاص والأشياء إلاّ بعد أن يفقدهم ويفقدها، ولا يعترف بالخطأ إلاّ بعد أن يتكبّد الخسائر الفادحة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تناقضاتنا وأخطائنا وعيوبنا، نقول لمن ينتقدنا: على الأقلّ، عندنا الحريّة للاستفادة من التناقضات والحريّة لارتكاب الأخطاء والحريّة للتعلّم من العيوب، وهذا ما لا تستطيع شعوب كثيرة أن تدّعيه.
نحترف "الحزن والانتظار"؟ ربّما.
غير أنّ في حزننا غضبًا وفي انتظارنا أملاً. والآتي سوف يأتي.