الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 28 يناير 2014

الموارنة بين قنديل الكاز وبئر النفط

من أقدم الصور لمزار السيّدة العذراء في  حريصا - لبنان


قبل وزارة الزراعة، كان الموارنة يروّضون الوعر ويحوّلون الجبال جلولًا...

قبل وزارة الصحّة، كان الموارنة يلجأون إلى الرهبان والراهبات القديّسين والقدّيسات طالبين  الشفاء...

قبل وزارة التربية، كان الموارنة يتحدّون العثمانيّين ويهرّبون إلى الشرق أوّل مطبعة، ويعلّمون الفتيات والصبيان القراءة والكتابة...

قبل وزارة العمل، كان الموارنة يعملون في المعامل والمصانع وتجارة الحرير وتجارة الكشّة...

قبل وزارة الخارجيّة كان الموارنة يتمثّلون في الخارج بالأدباء والشعراء والمفكّرين...

قبل وزارة الطاقة كان الموارنة يدرسون ويسهرون على قنديل كاز نمرو 4...

موارنة اليوم يزرعون الريح، ويتعالجون على نفقة زعيم المحلّة، ويربّون أولادهم على الحلم بالهجرة، ويأنفون العمل اليدويّ، ويتناسون المغتربين... 

فهل صار النفط هو طاقة الأمل الوحيدة في ليل فكرهم، ونحن شهود على ما أنتجته "حضارة" الذهب الأسود وملحقاته؟

موضوعات ذات صلة:

السبت، 25 يناير 2014

للجبل عندنا خمسة فصول"... استرجاع سرديّ أم تبصّر رؤيويّ؟؟!! - بقلم باتريك رزق الله





     "للجبل عندنا خمسة فصول"... استرجاع سرديّ أم تبصّر رؤيويّ؟؟!! 

بقلم باتريك رزق الله

     هل انتهَتِ الحربُ اللبنانيّةُ بفصولها الدمويّة؟ هل عاد المسيحيّون فعلاً إلى الجبل؟ هل أصبحْنا مواطنين نمارسُ مواطنّيتَنا بحضارةٍ ورقيّ؟ هل انتقلنا من المنطق العشائريّ إلى منطق الدّولة؟ عن هذه الأسئلة حاولَتْ ماري القصّيفي الإجابةَ في روايتِها الجديدة "للجبل عندنا خمسة فصول" التي استرجعَتْ فيها مشاهدَ وأحداثًا من حربِ الجبل.

     الأسبابُ المحليّةُ والإقليميّةُ للحربِ، كما فصولُها السّياسيّةُ، غابَتْ عن الرّواية. لكنّ تبعاتِها الآنيّةَ حضرَتْ بقوّة وعلى نحوٍ ممنهج ومدروسٍ في تعليقات الرّاوية سلوى أبو مرعي عن أحداثِ الزّمنِ الحاضر. إنّه الزّمنُ المتسلسلُ والمتواصل. دائرةٌ من فراغٍ مصيريّ، أو قلْ كابوسًا موحشًا يعيشه اللبنانيّون في يوميّاتِهم.

     إنّ الرّوايةَ بأبعادِها الحضاريّةِ والاجتماعيّةِ والثقافيّة، تطرح إشكاليّاتٍ مصيريّةً عديدةً عن الواقعِ الحالي والمستقبل. وهذا ما يجعلنا نسأل: أهي استرجاعٌ سرديٌّ واستحضارٌ لأحداثٍ حصلَتْ في الماضي، أم تبصّرٌ رؤيويٌّ لأحداثٍ ستحصلُ في المستقبل؟ لا أعتقدُ أنّ ماري القصّيفي توخَّتْ حفظَ الذّاكرةِ الدّمويّة لتلك الحربِ المشؤومةِ في الرّواية. أو أنّ لديها ثأرًا مع طرفٍ شاركَ في الحربِ أو مع آخر، فتجرّأتْ على ذلك في الرّواية. لا أعتقدُ ذلك على الإطلاق. لكنّني على يقينٍ أنّ لديها ثأرًا مع الحاضرِ مستمدًّا من الماضي. هو ثأرٌ مع اللادولة، واللاقيم، واللاحضارة. وأنا على يقينٍ أيضًا أنّ لديها حقدًا عميقًا على الذّاتِ العامّة، واللاإنسانيّةِ في لبنان. فالوحشيّةُ في روايتِها سلوكٌ مجتمعيٌّ عام. كذلك الكراهيّة. والحربُ عندها ليسَتْ نزاعًا واضحَ المعالمِ والأسباب. إنّها ميلٌ فطريٌّ إلى القتل، واعتداءٌ دائمٌ على الكرامةِ البشريّة، بقدريّةٍ أبديّةٍ غارقةٍ في اللونِ الأحمر، لونِ الدم.

     يبدو لي في الرّوايةِ أنّ الموتَ حكمٌ جماعيٌّ سرمديٌّ في لبنان بأوجهٍ مختلفة. هو الموتُ النّفسيّ. والموتُ المعنويّ. والموتُ الجسديّ. موتُ الحجر، وموتُ البشر، وموتُ الأحلام. هو الموتُ يكادُ يتسلّلُ إليك مرّاتٍ كثيرةً من مشاهدِ الرّواية، يستحضرُهُ حشد هائلٌ من المفرداتِ الموحشةِ والقاتلة. فتشعرُ بالاختناق، وطبعًا بالخوفِ والتمرّد. إنّها نتيجةُ البراعةِ في السّرد، والدقّةِ في رسمِ مشهديّةٍ واقعيّةٍ أليمة.

     من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضرِ إلى الماضي، نجحَتْ ماري القصّيفي في السّير بالقارئ بين أروقةِ الزّمن في اندماجٍ وصفيٍّ كليّ، بين الدّاخل والخارج، بين الأماكن والشخصيّات. ولبنان الأمس عندها كما لبنان اليوم، بلا أفقٍ، بلا مستقبل. أمّا الفرد، فعلى الدّوام، بلا مشروع، وبلا هُويّة. يخاصمُ، يقاتلُ، يعقدُ الصُّلحَ، ويسامح. كيف؟ ولماذا؟ لا جواب. كيف بدأتِ الحرب؟ وكيف انتهَتْ؟ لا جواب.

     "للجبل عندنا خمسة فصول" قبضٌ على حربِ الجبلِ في ذكراها الثّلاثين. إنّها جدلٌ غيرُ مباشِرٍ مع الذّات. أرادتْهُ الكاتبةُ حوارًا واعيًا وصريحًا، يستلهمُ منه القارئُ أفكارَهُ النّقديّة. فلا تكادُ تنتهي من القراءةِ حتّى تنطلقَ في رحلتِكَ التأمليّة عن ال"أنا" الفرد، والـ"هو" الوطن. تطرحُ الأسئلةَ وتعجزُ عن فكِّ الجواب.


الأربعاء، 22 يناير 2014

ماري القصيّفي الروائية تكتب بتقنيّة "المفهوم الرفيع" HD "للجبل عندنا خمسةُ فصول" - بقلم ميشال مرقص

الأستاذ ميشال مرقص في حفل توقيع كتابي "للجبل عندنا خمسة فصول"

ماري القصيّفي الروائية تكتب بتقنيّة "المفهوم الرفيع" HD "للجبل عندنا خمسةُ فصول"
ذاكرة مغتصبة بألوانٍ جميلة حزينة 
لا أروع من أسلوبٍ ينقلُ الواقع والوقائع في حاضنةِ الشعر
بقلم ميشال مرقص
***
تُقاربُ الأديبة ماري القصيّفي روايتها الثانية "للجبلِ عندنا خمسة فصول" بتقانة "المفهوم العالي" (HD) متفوّقةً على تقنيّة الأبعاد الثلاثة، فللرواية الثانية مخزونٌ كبيرٌ من المعلومات، تُتعبُ الكاتبَ والقارئَ معًا، لكنّها تحفظُ في مرآةِ التاريخِ كمًّا هائلاً وغنيّا من الزوايا الحادّة لحالاتٍ شائكة وشخصيّاتٍ موتورة وعقائد أو توهّماتٍ تسقطُ تحتَ أول انهيارٍ في تُربةِ الأساسات. وهي أتقنتْ روائيّة "المفهوم العالي" (أش دي) على غرار قفزته التقنية في عالمي التلفزيون والفيديو لناحيةِ نقاء العرض الصوري، واللون المحلّي ووضوحِ الألوان بجُرأةٍ لم تتوقف عندَ محرّم ولا تتراجع أمام ما يُمكن أن يُشكّلَ تهديدًا، لحوادثَ لا تزالُ تجرحُ الذاكرةَ وتنحرُ الوئامَ كلما ابتعدَت في المسافةِ الزمنية. إذ ليسَ ما يُضيمُ جرح الوطنِ، بل جروحًا لدى الناس المُشتتين في وطنٍ يستقيلُ من ذاكرتِه، وفي مجتمعٍ ينوءُ بصدق التاريخ فيبتكر ذاكرةً مشوّهةً ويُصدّق أنّه إذا كذبَ يُمكنُ لعينِ الضميرِ ألا تثقبَ ذاكرةَ قايين...
وأمام الفصولِ الخمسةِ للجبل، تجدرُ المقاربةُ في خمسةِ فصولٍ أيضًا:
1- عرض الرواية والنفاق السياسي والوطني
2- الأمراض الإجتماعية والأهداف الإصلاحية أو الهادفة 
3- مرايا الألم
4- الحب والزواج والطلاق والعلاقات الحميمة
5- براءة اللغة وهدير الكلمة
1
يتناولُ العرضُ التاريخيُّ وقائعَ من الحربِ اللبنانية الداخلية بين أفرقاء الصراع السياسي والطائفي والمذهبي. وتنحصرُ الأحداثُ حول الحرب في جبل لبنان – بل في قسمٍ منه أي جبل لبنان الجنوبي وبخاصّةٍ بين قضائي عاليه والشوف وتهجير المسيحيين من هذا القسم من جبل لبنان. وهي تستعيدُ جذور هذا الخلاف إلى ما قبل مئة وعشرين سنة إلى مجازر 1860 والتي استُكمِلتْ حتى الشام في ما تأخّرتْ – إثرَ الحرب اللبنانية - من القرن العشرين إلى الحادي والعشرين لتعود وتشتعل في الشام وتمتدُ لتحرق سوريا كلّها... فليس ما يروي "تراب البلدين سوى نهرٍ طويل من الدماء" لا تكتبُ الأديبةُ الروائية التاريخ، بحسب مفهومه الحديث، - رُغمَ إتقانها أصوله - بل هي تعرضُ بانوراما تاريخية من شُرفةِ الذات، ومن وثائق حيّة وشهود نبتت جذورهم في بُركِ الدماء وامتدت غصونهم الوارفة لتُغطّي بشاعةَ أسوأ ما يُمكنُ أنْ يحصل في تاريخِ وطنٍ قيلَ إنّْ أنبياء الله أنشدو جماله وبخوره وعطوره وجمال نسائه من ملحمة جوبيتير وأوروب إلى "جميلة" نشيد الأناشيد ... بلوغًا إلى أليسّار وعشتروت ... وتسعى بخفّةِ ظلِّ وغزارة معرفة إلى إبراز إشكالية الإنصهار الاجتماعي في تلك البقعة من الأرض الجميلة، باعتمادها التاريخ المتعاكس والتطور المتناقض في مشهدية سينمائية تُقارب الحركة العبثية في إبراز التناقض بين متعايشين سلبيين لم يتمكن جمالُ الزيفِ من دفنِ حقدٍ "تقمّص" من جيلٍ إلى جيل كأنّه بُركانٌ يستفيقُ فجأةً من ثباتهِ ويصهرُ جماجمَ الألفة والوفاق في ثأرٍ جنبلاطي قديم وصدئ من المير بشير الثاني الكبير، وكراهية لم يستطع الشعر أن يلمّعها كي لا تبدو وقحة، رغم ما أيقظها من بشاعاتٍ ...
تلعبُ الأديبة ماري القصيفي لعبتها الأدبية برشاقة في سلسلةٍ جيوميترية حجمية كأنما فصولها أهراماتٌ متواصلة ما بين قممها وقواعدها. المرحلةُ الواحدة هرمٌ والمراحل أهراماتٌ تتداخلُ الرؤوس اللاحقة بالقواعد المتسعة السابقة. ولا تتوقف. الخيطُ الماسكُ يعقدُ طرفه في داخل قمّة الهرم الأول إلى منتصف قاعدة الهرم الأخير... فلا ينتهي القارئ من واقعة توقفت الأديبةُ عندها في بابٍ من أبواب فصلٍ ما، بل يعودُ ويلتقي تتمةً لها في بابٍ لاحق من فصلٍ آخر أو من الفصل ذاته. وقد أوجبَ تطوّرُ المشهد البانورامي عرضَ اللوحاتِ المتناقضة، حيثُ التاريخُ كانَ مشهدًا جميلاً مع نمو الأولاد والصبايا من طوائف مختلفة لا سيّما بين مسيحيين ودروزٍ ... لا تختلف بناتٌ مسيحيّاتٌ مع شباب أو صبيانٍ من طائفة الموحدين ... حيثُ العشقُ والحبُّ والحميميات البريئة أو غير البريئة تحصلُ ... لكنّ الحبّ يسقط عند عتبة الزواج المحظّر... من هذا الواقع الجميل – المؤلم، يتخذ التطوّرُ المُدني في عاليه أم المصايف كما قيلَ فيها، مسلكًا غيرَ سويٍّ بل هو واقعٌ أكثرُ باطنيّة من باطنيّة سكانِ المنطقة... وجهاء سياسيون وأثرياء يتملّكون عقاراتٍ ليبنوا فيها قصورًا وفيلاّتٍ يقطنونها صيفًا ...فيما تبقى فارغةً للنواطير وعائلاتهم من سكّان المنطقة معظم شهور السنة ... الأخيرون، رجالاً ونساءً يتنعمون من خيرات أهلِ الدار... سواء من الثياب والعطور للنساء وهي تكاد تكون جديدة، وأثاث بيوت وثياب وغيرها من عتاد للنواطير ... لكن الشرخ المعيشي – الإجتماعي لا يزالُ قائمًا... لمْ يُسعف النمو العمراني والانخراط السكاني المؤقت، في رتقِ الفجوة المُهلهلة، لا عموديًّا ولا أفقيًّا...كأنما المالُ لا يختلطُ مع الفقر، وكأنَّ الأخيرَ ينتظرُ فرصةً لينقضَّ على الثروة ... حتى بعدما هجر اللبنانيون فيلاتهم وباعوها من أثرياء عربٍ وتوجهوا إلى منطقة الكسليك وبلداتٍ متنية ... لم يتوّرع النواطير وعائلاتهم من السطو على أثاث القصور تلك.
منذُ الصفحة الأولى تُرتبُ الراوية مدخلاً لا تتضحُ معالمهُ إلاّ في أواخر الفصلِ الخامس... الأخير. فتلبُّسُ الأديبة ماري القصيّفي شخصيتين وربما ثالثة في رؤيوية روائية ذاتُ أبعادٍ إشعاعية، يَبدأ بتكوين شخصيّة إبنة خالة مي م. الريحاني، وينتهي بشخصيّة دانيال المثلّث الحالات أيضًا، مرورًا بشخصيّة سلوى. الأخيرة يقولُ لها الطبيبُ النفسي:"يا سلوى أنتِ تلقينَ صعوبةً شديدةً في الحديث، ربما في الكتابة تنطلقين بحرّيةٍ في خفايا ذاتِكِ بعيدًا عن مراقبة أحدٍ". هي سلوى تكرهُها أمّها، تُلقي عليها عبء الاهتمام بشقيقها التوأم الذي سلبتْ ذكاءه وهي في رحم الحياة، وهي تحمّلت مشقات النزوح إلى دير القمر وأنقذتها، في الخفاء، امرأةٌ ذاتُ منديلٍ أبيضَ... وهي نزيلة دير الصليب في خدمةِ النزلاء والاهتمام بأخيها... وهي عاشقة لـ"دانيال" المهووس بالقضيّة المسيحيّة، رغم ارتباطه، وهي المشغولُ بالُها على شقيقها المأخوذ بكاسيتات الزجل يَصْفَنُ إلى المتبارين، بعيدًا عمَّا شوهّه شاعرٌ آخر حمّلَ شاعريتهُ حقدًا لا يليقُ بشاعر ولا بالشعرِ... وهي تريدُ أن تُعيدَ بناء بيتٍ تهدّم، لتفرحَ بالعودة ...وتُريد أن تتذكَرَ فسطانَ عرسٍ لم تلبس مثله في حياتها...وهي أدفأت ثلاثة رجالٍ ليستعيدوا ذواتهم فاتهمتْ بالبغيّ ... وفاجأتْ دانيال المغروم بها بأنّها ليستْ كما أغرضت الشائعات، ولا تزالُ عذراء... لكنّ عقلها الباطني - وهو يعيشُ في حالات الحرب وما قبلها، جمالياتِ السلم والاطمئنان-، توقّفَ عندَ تلك المحطّات... وعندما تأخذُ عنها إبنةُ خالتها مي م. الريحاني عناء إنهاء الرواية، فلأنَّ سلوى ضحيّة اغتصابٍ همجي خلال الحرب أمام شقيقها المتخلّف عقلاً، ونحرِ الأخير أمامها ... ما يوضحُ حديث الطبيب لها... وتُمسكُ الرواية هذا السرّ حتى مقاربتها النهاية لتفتحَ على سرٍّ آخر يتعلّقُ بسبب كره أمّها لها.... ويهتُكَ صنميّة الطقوس...
تأتي الروايّة كما تقولُ الراويةُ:"لتُنظّفَ جروحَ ذاكرتي بهواءٍ لا يُشبهُ غيره في أيِّ مكانٍ آخر، وأنْ أعيدَ إلى عينيَّ ألوانَ الفراشاتِ، وإلى أذنيَّ طنين النحلِ، وإلى قدميّ الحافيتين ملمسَ تُرابٍ لو أُتيحَ لكلِّ حبّةٍ فيه أن تحكي، لأخبرتْ قصصًا عن عشق الإنسان للأرض وكرهه للإنسان الآخر"...(ص 30) فالثقلُ يرجعُ إلى أحداثٍ عايشتها بل عاشتها الراويةُ – الكاتبة، وهي في "التنظيف" كأنّما تبحثُ عمّا يُحدثُ صدمةً في الذاكرة، فلا تُفضي إلاّ على جمالاتٍ تُبهجُ بلا أثمان، فالطبيعةُ تحملُ عشقَ ذاتها في روعةٍ إنسانية، لكنّها تفقدها بسبب كره الناس لبعضهم... هو الزيف السلوكي والمؤانسة الخادعة والسياسة الجوفاء المبنيّة على الأحقاد الدفينة، فيتمُّ قول الشاعر(زفر بن الحارث الكلابي): وقدْ ينبتُ العشبُ على دمنِ الثرى/ وتبقى حزازاتُ النفوسِ كما هي لا يُمكنُ لروائيّة تتدفّقُ الذكرياتُ العاطفيّة في كيانها ويُطبقُ على صدرها منها، إلاَّ أنْ تتوقف "عن قراءتها" (ص 275)، ومنها تُطبقُ جفنيها لتتراءى أمامها " المساحة الممتدة أمام ذلك البيت، بخليط الكنبات الموزعة على جنباتها والزهور المزروعة في علب الحليب المجفّف..." أمام هذه الجماليات التي يختزلُ غلاف الرواية بساطتها، لا تغفلُ الكاتبةُ عن سبب الحرب في الجبل، وهو سببٌ رئيسٌ تتدرّجُ منه أسبابٌ ثانويّةٌ تافهةٌ ... لأنّه المسؤول عن عدم الانصهار بين سكّان الجبل، وهو "الحقد"... "أتذكّر ما قاله وليد جنبلاط لغسّان شربل في كتاب – أين كنتَ في الحرب؟ - إنّه حين انتصرَ في الجبل أخذ بثأر بشير جنبلاط" (ص 88)، علمًا أنَّ ما يقولهُ جنبلاط ليسَ منزلاً، فالثأرُ تمَّ في عهدِ بشير الثالث، وبمساعدة قناصل، ووعود وتطميناتٍ لم يلتزم بها الدروز، بل كانت وعودًا لتطمين المسيحيين فيذهبُ رجالهم إلى العمل في الحقول والزرع، فيسطو الدروزُ على قراهم وبيوتهم قتلاً وذبحا ونهبًا وحرقًا من الجبل إلى راشيا إلى زحلة ... (د. مارون رعد - لبنان من الإمارة إلى المتصرفية – دار نظير عبّود - 19993) نكوثٌ في العهود والوعود، وربما من أجل هذا السبب قيل "تعشّى عند الدرزي ونام عند الماروني"، والتفسيرُ واضحٌ... 
ولا تُخفي الأديبةُ الأعمال المُخلّة بالأدب التي ألحقها أفراد من القوّاتُ اللبنانية بأهالي القرى الدرزيّة، أو وعد رفعت الأسد إلى إيلي حبيقة بعدم السماح بسقوط دير القمر، واتفاق أمين الجميّل مع السوريين "أعطيكم الجبل فاتركوا لي المتن" (ص 141)، وكشف أحد الأطباء اللبنانيين في باريس عن إستشفاء قاتل نقيب الصحافة رياض طه في أحد مستشفياتها، أو الحديث عن مؤامرة "نحنُ ضحيّة مؤامرة حاكها الجميع ضدّنا"، في الصفحةِ ذاتها... فالجميع كانَ مجبرًا على ما يقومُ به " يا ست سلوى يللي كان عم يقتل كان مجبور يقتل، ويللي كان عم يموت كان مجبور يموت. هيك بلّشت الدني وهيك رح تخلص" (ص 144) وغيرها من حالات الحرب القذرة ... في الجبل ... فحينَ سقطتْ بحمدون " سقط الجميعُ في امتحان العِشرة والقيادة والزعامة" (88) أو "ولم يكن أحدٌ يعرفُ، حتى الست (نبيهة) نفسها، أنّ الخبزَ والملحَ لن يقدرا على مقاومة نداء الدم". (100) و "نحنُ هنا قد نسمع في ايّة لحظة من يُذكّرنا بكلام طليع حمدان: أتركْ جبلنا وفل يا جاني... ناسي دروز الجبل ع الدم سكراني...(134)
لكنَّ الصورة القاتمةَ تلك، لم تنحصر بمنطقة لبنانية واحدة، ولا بين طائفتين متمايزتين، بل إن الحرب الأهلية في لبنان، أظهرت إلى العلن ما كان يُخفيه قعرُ بركِ الماء ذات السطوح النقيّة، حتّى إذا ما حُرّكت مياهها حتى القعر ظهر العِكْرُ والتراكمات.... نبت الحقدُ إلى خارج القلوب بين أهل المذهب الواحد، والقرية الواحدة والبيت الواحد ... وتعمَّمّ الفسادُ والقتلُ والهدمُ والسرقةُ ... لكن يقيني أن الكاتبةَ كانتْ لا تريد أن تستبدل صورةَ الجبل الهانئ بين طائفتين من أركانه، حملتها وهي في مراهقتها... لكنَّ ما حصل ليس سوى نتيجةٍ للنفاق السياسي بين الأفرقاء الأساسيين من جيل الاستقلال وما بعده... وهو نفاقٌ مردّه إلى حالات المجتمع المزيّفة والتي تشير إليها المؤلّفة بجُرأة ويقظة لافتة إلى كونها تنخرُ هيكل المجتمع...
ولا تنحصرُ الرواية لدى ماري القصيّفي، في إطار السرد من أجل السرد... هي واقعُ حياةٍ بمكعباتها وقببها ووهادها ... بجمالاتها وقباحاتها... بإشراقها وعتمتها ... والعملُ الروائي ليس سوى مجالٍ فسيح لنقل الواقع، والسعي إلى تحصين المجتمع من أمراضه غير السويّة... ناقلو الأمراض الاجتماعية هم "كبارُ القوم" المسؤولون عن سلامة المجتمع وحصانته وتحصينه، أذكرُ بعض الوجوه والحالات في سياق الرواية فالمونسونيور "الذي تحدّثَ طبعًا عن حنان الأم وقسوة التهجير"، وهي حالاتٌ تقليدية في تأبين الميت ورثائه..." لم يمد يده ليُعزّي كنّتنا السوداء، إذ اعتقد أنّها الخادمة، بل مدَّ يده ليتناول المغلّف من وكيل الوقف الذي كانَ جميل قد أوكلَ إليه مهمّة إكرام الكهنة" (ص 30). فالسياقُ الروائي يُبطنُ لدى القصّيفي الازدراء والنقد معًا وإن بأسلوب قصصي هادئ. ولا يقلُّ عن المونسونيور ضِعةً إلا المختار مزوّر التواقيع. تقولُ سلوى (ص28) "ثمّ علمتُ أنّ المختار زوّر توقيعنا وقبض المستحقات، مستغلاً جهلي في هذه الأمور" وتعني مستحقات إعادة إعمار البيت. ولا يقلُّ عنهما فسادًا من يُفترض أن يكونوا ضمير المجتمع "الشاعر والصحافي والمعلّم والسياسي"، كأنّما استقال الجميع من مكاناتهم ورسالاتهم السامية المميّزة، وتعدّوا على إختصاص الآخرين. ومن حيثُ لا تُشير الكاتبة، تعني ما سبق أن ذكرته أمثالٌ خرافيّة عن غرابٍ أرادَ أن يُقلّد مشية الحجل ففشل ونسي مشيته، وضفدعٍ خطر له أن ينتفخ مثل ثورٍ... تُشير في صفحة 13 " حتى أن الممثلات والمذيعات يكتبنَ، والصحافيين والمعلمين يكتبون، والسياسيين يستكتبون الجميع"... فباتَ ما يُكتبُ إمّا هزيلاً وإمّا مأجورًا... وعندما تسقطُ الكلمة يسقطُ الوطن...وتنهارُ الأخلاقُ... تنهار الأخلاق؟ أجل عندما تتحوّل مناسباتٌ دينيّة، مثل عيد مار يوسف، في 19 آذار، إلى مناسبة لتكريس طقوسٍ وثنية، واحتفالاتٍ ليس لها بالدين صلة... يسكرون عند المختار، ولا يعودُ أحدٌ يعرفُ الآخر، وتسقطُ معالم عيد "الطهارة" في اختلال الأخ المخمور، يقيمُ علاقة جنسية مع زوجةِ أخيه، وهذه – في سواد العتمة- تظنّه زوجها – ثمّ تحملُ إثم السِفاح والمحرّم طوال عمرها وتقضي على جمالاتٍ في حياة ابنتها..." يمكنُكِ أنْ تبدأي روايتكِ بالقول، إنّ خالتكِ نامتْ مع رجلين في ليلة عيد القديس الذي لمْ ينمْ مع غمرأة" (ص 312)... وهذا الفساد في الأعياد والتقاليد، والاستضافة في بيوت جبلية قديمة تتساوى فيها مجالاتُ استخدامها، ربما تُخبّئُ وراء جدرانها حالات إجتماعية لا تزال تنعكسُ في سلوكيات اللبنانيين جميعهم ... وبمثل هذا الخداع في المجتمع يثأر شربل وساميا فهما (ص 60) "عاملا الجميع بمثل الخداع الذي يُسيطر على حياتنا كلّنا".
3
يطول الحديث ولا ترتوي الكتابةُ عن رواية ماري القصيّفي "للجبلِ عندنا خمسة فصول" – فهي مرايا حقيقية للألم، ألم جسدي ينبع من دماءٍ تسيل ولا ترتوي الأرض، ومن مدافنَ لا يعرفُ من في باطنها، وقتلى لا تُعرفُ أينَ قبورهم "هل يعرف أحدٌ أين هي هذه القبور يا خواجه أديب"؟ (ص 56)، وخيبةٍ من مراهقة جميلة، وفساد يعم المجتمع، ووفاقٍ ينهار وصفاءٍ تُعكّره بندقية ومدافع، وامرأة أجنبيّة تُصلّي ليبقى حبيبها، فيُستجابُ لها جزئيًّا إذ يتحوّل زوجها إلى امرأة فلا تنفع الصلاة! إلى عولمة السرقة والجريمة كما حصل في باريس مع "أنطوني الناجي من المذابح اللبنانية". الرواية لا تُهملُ تفاصيل الألم لدى سلوى والعم أديب، والشقيق جوزف...وغيرهم ... ولا تُهمل مأساة السوريين الحديثة.
4
ولعلَّ الحالة الأهمّ، لدى القصيّفي، الحب والزواجُ. فهي كما في المجريات المهمّة للرواية، تتركُ رأيها أو الحالة الأساسية إلى الفصل الأخير. "أفلتتْ منّي قهقةٌ مدويّةٌ، فالتفتُّ إليهِ لأتناولَ شفتيه، كأنّي أستردّه من أوراق سلوى، وأعيدُهُ حبيبي وزوجي ووالد بناتي وشريكي في كلِّ شيء، وقبلَ كلِّ ذلك، الرجلُ الذي لا يُبكيني بل يشربُ دموعي عندما تُبكيني قصصُ عائلتي، والذي يُثيرُ رغبتي فيه كلّما أضحكني. (ص 312). والأروعُ "أينما كنتُ مع دانيال (زوجها) يتأسّسُ وطنٌ (...) تاركًا العتمةَ ومقبِّلاً الضوء" (ص 313)...هذه الحالة الزوجية الناصعة – كما تصف حالتها في الصفحتين المذكورتين- هي بعكس ما تدرّج من حالاتٍ عبر الرواية، فشربل وساميا انتظرا 12 سنة ليتطلّق شربل من زوجته الخائنة، ثم أشهر إسلامه وتزوّجا. "ما عاد أمامهما حلٌّ آخر! العمرُ يمضي ملتهمًا صحّة شربل وأعصاب سامية، وزوجتُه ترفض الموافقة على الطلاق، بل تعمل المستحيل مستعينةً بأصدقائها المطارنة كي تُبطل كل قرار يصدر عن المحكمة هنا، وكي تُجبره على دفع النفقة. أشهر إسلامه وكتبا كتابهما عند الشيعة"!(ص58) و" تصوّري أن أحد الكهنة هو الذي حثَّهما على عدم الانتظار أكثر من ذلك، ونصحهما بالزواج عند المسلمين مؤكّدًا لهما أن عشرات الموارنة يلجأون إلى هذا الحل يأسًا من الانتظار والضياع بين لبنان والفاتيكان". (ص59) وتُبدي الكاتبة آراء لها في حالاتٍ اجتماعية باتت تُشكلُ انحرافًا عُضالاً في المجتمع:" نحنُ وهم لسنا من العائلات الكبيرة الراقية التي لا تلتفت إلى موضوع الاختلاف الطائفي، وقد يُمكن فصل الدين عن الدولة، لكن من المستحيل فصل الدين عن الحب والزواج"... وتتابع متهكّمةً من الأحزاب العلمانية:"إن أصدقاءنا إشتراكيون في الحب... لكنهم متى أرادوا الزواج عاد كلٌّ منهم إلى أحضان طائفته".... و"لم نشعر ولا مرّةً بأن لقبلاتنا طعمًا طائفيًّا مميّزًا"... وترى بطريقةٍ فيها إنتقادٌ موجعٌ:" البنات اللبنانيات الذكيّات لم يعدنَ يحتجنَ إلى الزواج، واللواتي يرغبنَ في الزواج ساذجات لا يحكين سوى عن التسوّق. قد يصلحنَ للحمل والانجاب، لكن قطعًا ليسَ لتحمّل المسؤوليات وتربية الأولاد". (ص 39) وإذ تعتبر من حسن الحظ " أننا من طائفة مسموحٌ فيها لفتاتين أن تختبرا الحياة مثلنا". تنتقد التحوّل المخيف لتلك الحرّية الخلاّقة التي صارت حرّية خلاّقة صار فوضى مدمرّة لا منطق لها ولا حس بالمسؤولية، وتقاليدنا تحوّلت قيودًا بلا رؤية مستقبلية".
ولا يُمكن إلاّ التوقف، لدى القصّيفي، عند إيرادها علاقاتٍ حميمة تنتهي إلى نثرِ بكارة الفتاة، فهي في روايتيها، (الأولى: كل الحق على فرنسا)، أوردتْ أول لقاءٍ بين ضابط فرنسي متزوج مع فتاةٍ لبنانية دون العشرين، في مشهدٍ رومانسي بمستوى الورمانسية العابرة من باريس، وبين لقاء دانيال الصحافي اللبناني المتزوّج من إمرأةٍ ثيّب، وسلوى العذراء وهي في الخمسين من عمرها، وهو لقاءٌ سريعٌ لم يشربا حتى زجاجاتي البيرة خلاله... وكان ما سال من دماء تلك العذريّة هو الدم الجاري من تلك الحرب العبثيّة "أرى إلى الشرشف الأخضر المبقّع بدم بكارتي، فأرى جبلاً أخضرَ ينزف (ص 24)...وللتحليلٌ مشارف لا تتسعُ للتفصيل هنا...
5
مهما كتبتُ عن الرواية الثانية للأديبة ماري القصيفي، أشعرُ وكأنني أكتبُ في عُجالة... فالردهةُ المليئةُ بالمرايا المتعاكسة والسحرية لا تنتهي مساحات ومسافات. يُزيّنها أسلوبٌ رشيقٌ ممتلئ حيوية ونبضًا متناغمًا مع الوقائع. لكن أتوقف عند الديناميّة السردية، وعدم إغفال أدق التفاصيل في البيئة المحلّية واللون المحلّي. فالرواية كما سبق وبدأتُ هي بتقنيّة "أش دي"، الصورة المكثفّة بالألوان، وبالحركة التفصيلية الدقيقة الخالية من فراغاتٍ هوائيّة. ومن دون الحصر أتوقف عند وصفها للنساء الدرزيات (ص-189) "عند الغروب، تخرجُ صاحبات المناديل النظيفة كمياه الخلق، (الله!) ليمضينَ بعض الوقت في شرب المتّه في منزل إحدى الجارات، ولو كانتْ مسيحيّة". أو قولها "وأضع فراشي قرب "اليوك" الذي تُغطيه ستارة رقيقية ناصعة البياض تشي (هذه الـ تشي) بوجدود مزيدٍ من الوسائد والأغطية واللحف ..." (ص 87) – أو وصفها للشاب المحارب وهو يطيّر ماء (يبوّل) بعكس اتجاه الريح، أو كلامها عن الأرض وعن أجواء ليلة عيد مار الياس، أو وصفها لحالاتٍ نفسيّة لا سيما لرغبة سلوى في إقامة علاقة حميمة واكتشافها عمر جسدها في مرآة الفندق، سلوكيّات العاشق بعد الانتهاء من علاقة حميمة في سرعة... أو ...أو.... لا نهاية في رواية القصيّفي من اللون المحلي، والحركة، ونقل الواقع ونقل الشغف ورسم الحقد والغضب، وإيراد الأمثلة السائرة، وذكر الفنانين والصحافيين والأدباء والمراجع بطريقة غير تقليدية، هي طريقة ماري القصيفي وأسلوب مي م. الريحاني ....والأهم أنّها تفيضُ في حسّها عن الآخرين. هي الماضي والحاضر والمستقبل. هي المتكلّم والمخاطب والغائب، هي اللون والهمسُ والبكاءُ. هي الحنانُ والغضبُ والحسرة. هي الواقع والخيال والسوريالي، هي الارتباط والتجاوز والانتقاد... هي الخرافة والتقليد والأعجوبة، في مقابل التطور والواقع الملموس والثقة ... هي العاشقة والخائنة والزوجة الناصعة في السعادة...
روايتان، محورهما الأديبةُ ذاتها في شخصيّاتٍ مختلفة، قد تتجاوز الثالثة محورية الأنا... الأنا عندما تنوء بأحمال الواقع وأثقاله. الأنا تتنزّه عن تناقضات ما تحمله الروايات من تناقضات ... أكرّر. لا أستطيع أن أذكر الجماليات القصيّفية كلّها. فإلى "للجبل عندنا خمسة فصول"... والتوقف عند جمالياتٍ نخسرها ونفقدها، لعلّها تبقى في شاشة الذاكرة كما تقول ماري القصيفي.
"لكنّ الوجع الحقيقي هو المُقيم في ذاكرتي المُغتصبة" – تقولُ سلوى بو مرعي...

الجمعة، 17 يناير 2014

رسالة من كندا لرينيه الحايك لا تنتظر جوابًا




    ثمّة نضج واضح في رواية رينيه الحايك الصادرة مؤخّرًا عن دار التنوير، حيث تنساب اللغة بلا فذلكة أو رسائل فكريّة وأخلاقيّة مباشرة، وتجري الأحداث بتلقائيّة جعلتنا الحرب اللبنانيّة نرضخ لها، وترتسم الشخصيّات في البال والقلب بلا استئذان أو إزعاج.
     هي رواية من روايات الحرب إذًا... وطبعًا! وهل يخيّل لعاقل أنّنا سنكتب عن أمر آخر ونحن نقترب من الذكرى الأربعين للحرب اللبنانيّة، وأكثرنا لم يعرف كيف تكون الحياة بلا حروب؟

    أتوقّف في قراءتي السريعة للرواية عند المحطّات التالية:
1-  هي رواية جنوبيّة في موسم هجرة الرواية اللبنانيّة نحو الشمال، أي أنّ أحداثها تقع في الجنوب عشيّة الاجتياح الإسرائيليّ للبنان وخلاله، كأنّ الحايك تعيد توجيه الاهتمام إلى أنّ الحلّ يأتي من هناك، لأنّ المعركة الأساس هناك.
2-  قد تكون هذه الرواية هي الأولى، بحسب علمي طبعًا، التي تصفّ بعمق وتفصيل حياة المسيحيّين الشيوعيّين المنتمين إلى جبهة المقاومة اللبنانيّة، وتبرز موقفهم المعادي لإسرائيل، ووقوع بعضهم في الاعتقال والأسر. وهذا يزيل عن الصراع مع إسرائيل الطابع الإسلاميّ، ويبعد تهمة العمالة عن المسيحيّين كطائفة.
3-  تعيد الرواية التذكير بدور الجدّين في حماية الأرض والعائلة، كأنّ الحايك حين جعلت الحرب تقتل ابنهما الطبيب، وترحّل زوجته الشابّة إلى كندا حيث أهلها، تاركة لحمويها ثلاثة أطفال، أرادت، أي الكاتبة، أن تضع الحلول في أيدي الأجيال السابقة، بعدما فشل جيل الأبناء في حماية القضايا التي نادى بها، وترك للأحفاد الدمار والغربة واليتم.
4-  تبدو العلاقة بالأرض، من خلال العمل الزراعيّ فيها، مهربًا لكثير من الأزمات الماديّة والنفسيّة التي عانى منها شخوص الرواية.
5-   لم تظهر الهجرة علاجًا ناجعًا، إذ أضاءت الرواية على أنّ الحياة في كندا، وإن كانت بعيدة عن الحرب، ليست بالسهولة التي يتخيّلها الناس.
6-  تمجّد الرواية الشجاعة المترافقة مع المعرفة، من خلال شخصيّات الأحفاد الثلاثة (خصوصًا روبير وكاميليا). وأذكّر هنا بأنّ الرواية ترى الجيل الثاني، الذي واكب الحرب وشارك في عمليّاتها هو الخاسر الأكبر، في حين كان الجيل الأوّل مكتفيًا بالعمل بلا شعارات حزبيّة وأحلام تغييريّة كبرى، وبدا الجيل الثالث شاهدًا على خيبة من سبقه، فحاول الجمع بين الدراسة والعمل في الأرض... وإن كان الغامض لا يزال يرزح على مستقبلهم.
7-   تنظر الرواية بموضوعيّة، قد تبدو قاسية لبعض القرّاء، إلى دور الأمّ الشابّة الجاهلة، التي حين فقدت زوجها الطبيب (قتله في بدء الرواية قتل للأمل بمن ينقذ الناس من الموت)، وعجزت عن تدبّر أمرها، تركت أولادها ورحلت. وعلى الرغم من أنّها في رسائلها كانت تؤكّد على رغبتها في ضمّ أولادها إليها في كندا، ووعدت أكثر من مرّة بالمجيء لرؤيتهم، إلّا أنّ خبر زواجها من رجل أجنبيّ وإنجابها منه، جعلا الأرض والجدّة - وحتّى راهبات المدرسة الداخليّة- أكثر أمومة منها.
8-  لا تراهن الحايك على قدرة الحبّ على تخطّي الشرخ الطائفيّ في البلد، حتى عند اليساريّين.
9-  تذكّر الرواية بأنّ الإنسانيّة لا علاقة لها بدين أو جنس أو انتماء (فلسطينيّون يساعدون سكّان القرى، ووشاة من أهل البلد يسلّمون الإسرائيليّين المقاومين،...)
10-  تمجيد العلاقة الأخويّة أتى طبيعيًّا ومن ضمن السياق المتوقّع لمجريات الحياة، بعد مقتل الأب ورحيل الوالدة.
11- العبارات القصيرة توحي بضغط الحرب وتأثيرها على الناس.
12- الرواية مرصد كبير للواقع اللبنانيّ بوجوهه السياسيّة والاجتماعيّة والطائفيّة والزراعيّة (مصطلحات الأرض والمؤونة والمأكولات...) والتربويّة (مسألة التخصّص الجامعيّ..) 
     "رسالة من كندا" لرينيه الحايك التي تكتب وتنشر بلا صخب إعلاميّ، تعيد تذكيرنا بوقت كنّا نقرأ فيه روايات لا نريد تركها قبل أن نعرف ماذا ينتظرنا في الصفحة التالية...  

الخميس، 16 يناير 2014

"للجبل عندنا خمسة فصول" في قراءة نقديّة للروائيّة هدى عيد

الروائيّة هدى عيد
عن دار سائر المشرق

     تصفية حساب مع ماضي حرب الجبل الأليم بكلّ تداعياته الاجتماعيّة / الإنسانيّة، النفسيّة والسياسيّة ... هو ما تفعله ماري القصيفي في روايتها الجميلة "للجبل عندنا خمسة فصول". تقول ماري القصيفي التاريخيّ الذي حفظته الذاكرة الشعبية عن حرب الجبل بين المسيحيّين والدروز، التاريخيّ الذي لم يُقَل بعد، والذي طويَ إمّا خجلاً وإمّا هربًا من المحاسبة، عسى الرَّاويةُ الموظّفة تتخفّف من ثقله ووجعه، لتحسن سيرًا، ومن خلفها الكاتبة، إلى التقدّم، وإلى معانقة المستقبل.
      توظّف الكاتبة راوية هي سلوى أنيطت بها مهمة كتابة رواية الحرب والحصار في دير القمر، والتهجير المخزي الذي كان، فتجعلها تعود إلى الأماكن المذبوحة تستقي من ذاكرة الناس المتلفعين بالصمت، أو بالسخرية المرّة حكاياهم، يتابعون حياتهم وهم ما عادوا ذواتهم، بعد أن دفنوا في صدورهم تاريخًا لا يموت.
     تنضمّ ماري القصيفي إلى رعيل الروائيين الذين كتبوا عن الحرب اللبنانية خلال أوقات متلاحقة من القرن الماضي وصولًا إلى حاضرنا كالياس خوري في "الوجوه البيضاء"، ونجوى بركات في "باص الأوادم"، وجبور الدويهي في "شريد المنازل"، لكنها تبقى أقرب إلى يوسف حبشي الأشقر في روايته "الظلّ والصدى"، لأنّها تسلّط الضوء مثله على مسألة الطائفيّة الدينيّة، وعلى التعصّب الأعمى الذي اشتعل حينها بين الدروز والمسيحيّين متجاوزين تاريخ الجيرة الطويل بفعل التحريض القوّاتي الدخيل في تلك الحقبة، ولا تنسى الإضاءة على الدور الفلسطينيّ والسوريّ في هذا المجال.
     من هذا الشريط الاجتماعيّ التاريخيّ ينهض المعيار الفنيّ للبنية الأدبيّة لرواية القصيفي حيث تروح تستجدي مرجعياتها عبر أشكال مختلفة من تقنيات القول، عنينا بها المذكرات للطبيبة السويسريّة عن تلك الحقبة، بعض الرسائل، بعض المدوّنات الفيسبوكيّة ليارا الدرزية، حتّى يستقيم لها المعيار الفنيّ للبنية الأدبيّة للرواية في محاولتها المستديمة للإحالة على المرجعي المسكوت عنه، وإعادة استقراء نطاقاته الجغرافيّة والزمنيّة والبشريّة، وكأنّها بذلك تسعى إلى تحوّيل الأدبيّ الفنيّ مرجعًا معرفيًّا أوّليًّا يقرأ من خلاله الجيل المسيحيّ الجديد خصوصًا، واللبنانيّ عمومًا دلالات الوقائعيّ الذي كان حقًّا، لا ما تمّ تظهيره فقط، لصالح السياسيّ المتواطئ على الشعبي المستكين.
     وإذا كانت شخصيّة البطلة قد تكشّفت عن هوية لا سَويّة، مختلفة عن الآخرين منذ ولادتها، فهي المتهمة من قبل أمها بتعديها على دماغ أخيها، فإنّما تتوسّل القصيفي عبر هذا التوظيف إلى فضح الواقع المرجعيّ غير المستوي ولا المستقيم لا ماضيًا ولا حاضرًا.

     بلغة جميلة سلسة وانسيابية تقول القصيفي روايتها هذه لتكون شهادة الضحايا الأحياء الذين لم تمتهم الحرب، لكنّها نقلت الدمار من خارج إلى دواخلهم، عساهم يجدون بذلك ذواتهم المجروحة، فيتمكّنون عندها من متابعة حيواتهم على أرض هذا الوطن الحزين .

                                                                                               

الاثنين، 13 يناير 2014

المرأة صاحبة القرار في رواية "هرّة سكيريدا" لرشيد الضعيف


     بعض الروائيّين تحوطهم هالة إعجابنا بهم، حتّى أنّنا نغالط أنفسنا ونكذّبها إن أوحت إلينا أنّ هذا العمل الجديد لذاك الروائيّ المخضرم لا يشبهه ولا يضيف إلى رصيده. هذا ما حصل معي وأنا أقرأ رواية رشيد الضعيف الصادرة أخيرًا لدى دار الساقي، إذ رافقني انطباع غريب، لا تفسير له ولا أدلّة، يوسوس في ذهني أنّ رشيدًا آخر كتب هذه القصّة، أو أنّ رشيد الضعيف أصدر متعجّلًا مسودّة عمل كان يمكنه أن يكون رواية جديدة وجيّدة تسجّل له كما عوّدنا وعلّمنا.
     فماذا تفعل الهرّة بين مواضيع كالإنجاب من خادمة آسيويّة، والحرب والخطف، والعلاقة الجنسيّة بين مراهقين يكتشفان جسديهما: واحد هجين وآخر مشلول في نصفه السفليّ، وأولاد بلا آباء، وحالات طلاق وهجرة؟ وهل تستحقّ أن تكون عنوانًا للرواية في حين أنّ دورها يختصر في الإصرار على طلب العطف من الخادمة "سكيريدا" التي وجدت في العناية بها ما يشبع حاجتها إلى الحنان، من دون أن يخفّف طبعًا من شهوتها الرجال؟
     وهل الهرّة، التي غاب ذكرها كليًّا عن مسرح الأحداث، رمز جنسيّ لارتباطها بالخادمة الشهوانيّة أم مشهد حنان عابر بين مشاهد القتل والتصفية والخطف؟ وعلاقة "رضوان" إبن "سكيريدا"، المجهول الأب، بالفتاة المشلولة التي تخلّى عنها أبوها لأنّه لم يحتمل عجزها الجسديّ، هل هي، أي هذه العلاقة، ثمرة غياب الآباء عن المجتمع كلّه، تاركين النساء يتدبّرن أمورهنّ بالتي هي أحسن؟
     لكلّ ذلك تبدو رواية رشيد الضعيف أنثويّة بامتياز: ماما أديبة، سكيريدا، الفتاة المشلولة، أمّها التي تملك صيدليّة، الفتاة الأخرى التي يحبّها رضوان ابن الخمسة عشر عامًا، والدة صديقه التي تعمل عند ماما أديبة وعند والدة الفتاة المشلولة في إعداد الطعام... وطبعًا الهرّة. كلّهنّ متحكّمات بقراراتهنّ، وكلهنّ يحقّقن رغباتهنّ على الرغم من العمر والإعاقة والوضع الاجتماعيّ. أمّا الرجال فغائبون ومغيّبون: زوج ماما أديبة مات، وأولادها مهاجرون، والد رضوان مجهول، والد الفتاة المشلولة جبان، أمّا الرجل الذي عقد زواجه على سكيريدا درءًا للفضيحة ثمّ طلّقها، وبعد خمسة عشر عامًا، كتب كتابه على الفتاة المشلولة التي حملت من "رضوان"، هذا الرجل "المنقذ" قُتل في عمليّة تصفية قام بها مسلّحون يمتهنون الخطف وطلب الفدية، ورضوان وصديقه خطفا واختفى أثرهما. فهل بات المجتمع في قبضة نساء لا يحتجن للرجال إلّا لإنجاب الأولاد، وبعقود زواج مؤقّتة؟



الأحد، 12 يناير 2014

نتاج السياسة الأميركيّة في "حيّ الأميركان" لجبّور دويهي



     حيّ الأميركان ليس مجرّد شارع أو زقاق أو ساحة في عاصمة شمال لبنان، طرابلس. هو نموذج عن الوطن كلّه، مذ حوّلته السياسة الأميركيّة الغبيّة، والسياسة اللبنانيّة الأغبى، من العلم إلى الدين، ومن الفكر إلى الغيبيّة، ومن الحريّة إلى التقوقع... وكلّ ذلك بسبب الفقر أوّلًا وأخيرًا. وحين أحصر الأمر بالسياسة الأميركيّة فلكي أختصر التدخّلات العربيّة (سوريّة، فلسطينيّة، مصريّة،...) والأجنبيّة (روسيّة، صينيّة، بريطانيّة، فرنسيّة...) التي تمارس ألاعيبها تحت مظلّة أميركيّة واحدة يحملها يهود العالم.
     هنا، غرب بيتي في الريحانيّة - بعبدا، حيّ للأميركان أيضًا، يقع بالقرب من خطّ تماس فصل بين بيروتين تقاتلتا من دون أن تعرفا لماذا بدأ القتال ومتى ينتهي وكيف. وكما في طرابلس، صار الحيّ المحسوب على ضاحية بيروت الجنوبيّة، شاهدًا على تحوّلات اجتماعيّة تؤكّد أنّ لبنان الذي رسمه الأخوان رحباني خرج من جغرافية المنطقة وتاريخ شعوبها... ولن يعود.
***
     بعدما انتهت مرحلة الأدب الجنوبيّ ثمّ البيروتيّ، بدأت الرواية اللبنانيّة منذ بعض الوقت تدير دفّة مركبتها في اتّجاه الشمال، لكن بعدما سبقتها الأصوليّة الدينيّة ناشرة العنف والإرهاب بين فقراء المنطقة الذين تُركوا خلال عقود طويلة رهائن إهمال الدولة والزعماء. فهل تنقذ الرواية المنطقةَ حين تواجهها بصورتها على مرايا الصفحات؟
     الرهان، بحسب الرواية، على الطفولة والفنّ، لا الحبّ: طفولة جعلت اسماعيل، ابن الخادمة، يعدل عن تفجير نفسه في العراق حين رأى، بين ركّاب الحافلة التي أُرسل لتفجيرها، ولدًا يشبه شقيقه؛ وفنّ جعل عبد الكريم، ابن المخدوم، ينأى بنفسه عن زعامات عائليّة فاشلة، وسياسات ضيّقة الأفق، ويعطف على اسماعيل ويحميه. وكلاهما، أي الطفولة والفنّ، أمام مأزق كبير بعدما حوّلتِ الحروبُ الأطفال ضحايا أو مجرمين، وبعدما صار المشهد الفنيّ الوحيد في المدينة هو ما تبثّه محطّة الأزياء النسائيّة ويتابعه الرجال...
     وقد تكون العزلة التي فرضتها على عبد الكريم العزّام الغربةُ إلى فرنسا، ثمّ الإقامة في بيت العائلة المحاصر بالأبنية الشاهقة، هي الخلاص الوحيد لمن اختار الفنّ الراقي الآتي من الموسيقى والرقص الكلاسيكيّين. أمّا خلاص اسماعيل فسيكون بالهرب والاختفاء بعدما صار أسير دولة تعتبره إرهابيًّا، وإرهابيّين يعتبرونه جبانًا خائنًا لأنّه رفض أن يكون انتحاريًّا.