‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون لبنانيّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون لبنانيّة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 فبراير 2020

من الريف اللبنانيّ الساحليّ: تجربة رائدة انطلقت حرّة واللغة جواز سفر (3 آب 2001)







نماذج من الحياة الثقافيّة في الريف اللبنانيّ الساحليّ
تجربة رائدة انطلقت حرّة واللغة جواز سفر
بين البحر والجبل ثمّ مكان تشرف منه على الأزرق الواسع من دون أن تطالك رطوبة الهواء أو تعلق بشفتيك ملوحة دبقة. أعلى من مستوى البحر، وقبل أن تصل إلى قمم الجبال، ثمّ مكان انطلق منه روّاد حملوا في أفكارهم وكلامهم سعة البحر وعمقه وامتداده، وسعوا عبر الكلمة للوصول إلى قمم تعوّض عن تواضع مناطق سكنهم. من هذا الريف الساحليّ انطلقت تجربة رائدة لم يتّفق أصحابها على إطلاقها ولم يخطّطوا لها بل ظهرت كما تظهر زهور الربيع، في كثرة وهدوء.
لا شكّ في أنّ رصد هذه الظاهرة، وملاحقة أسبابها، وتسجيل نتائجها، عمل جدّيّ دقيق. لكنّ الإشارة إليها هنا تهدف إلى لفت الانتباه إلى لغة شعريّة شعبيّة ظهرت في الزجل والشعر العاميّ، وصولاً إلى الأغنية اللبنانيّة، وهي اللغة التي نقلت أحاسيس الناس ورؤاهم وصوّرت الطبيعة والتقاليد والأعياد.
يتميّز الريف الساحليّ بطبيعة خضراء تغذّيه مياه جوفيّة وأنهار غزيرة تسقي الأشجار والمزروعات في طريقها إلى البحر. وبما أنّها منطقة زراعيّة، كان على سكّانها أن يضبطوا إيقاع أيّامهم بتغيّرات الطقس وانتظار مواسم الزرع والريّ والقطاف والحصاد، علمًا أنّ تنوّع المواسم الزراعيّة وغناها ما كانا كافيين ليستسلم ساكنو هذه البقعة الجغرافيّة لمتعة الاكتفاء والبحبوحة، فالأرض نفسها علّمتهم الحذر والتنبّه، إنّما من غير تشاؤم أو قلق. لذا كان عليهم أن يجدوا بعض الحرف أو الوظائف البسيطة يؤمّنون بواسطتها حاجاتهم الضروريّة إن رغبت الأرض في حرمانهم من بعض خيراتها. هذا النظام الحياتيّ أتاح لأبناء المنطقة الاحتكاك بالأرض والاستمتاع بفصول الطبيعة (وكانت آنذاك معتدلة في توزيع بردها وحرّها بلا تطرّف أو خداع، فالربيع كان ربيعًا والشتاء شتاء)، والتزوّد من ناحية ثانية ما تقدّمه المدينة من علم وانفتاح، خاصّة أنّ أهمّ المدارس الوطنيّة والإرساليّات الأجنبيّة توزّعت على طول هذا الريف الساحليّ الأخضر المستسلم لزرقتين: زرقة السماء وزرقة البحر.
وهكذا، كان هناك وقت للاحتفالات ومآدب الطعام والنزهات في البقاع الخضراء والسهرات تحت الدوالي والعرائش أو حول مواقد النار، وكانت الحكايات والأغنيات الشعبيّة أو النوادر والطرائف، أو الأحجيات والحزازير، وأخبار المهجر والغياب، كلّها فاكهة حلال يأكل منها الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال. وها هم الفنّانون أنفسهم حين يتحدّثون عن طفولتهم في هذه البلدات يشعروننا بأنّ عالمهم ذاك كان في إطاره الطبيعيّ أشبه بالجنّة المفقودة تحنو عليه الجدّات اللواتي يحسنّ سرد القصص. بيد أنّّه كان من الناحية الاجتماعيّة على النقيض تمامًا.

حين اللغة جواز مرور
كتب على أبناء هذه المنطقة أن يكونوا على قاب قوسين من كلّ ما حولهم من غير أن ينغمسوا في ما حولهم. صحيح أنّ المدارس كانت قائمة بينهم تلقي بظلال قبابها وأسوارها على بيوتهم وأراضيهم، إنّما لم يكن متوقّعًا أن يدخل أولاد صغار المزارعين والحرفيّين، إلاّ في ما ندر، إلى تلك المؤسّسات التربويّة التي خرّجت الأطباء والمهندسين والمحامين والقضاة وبعض السياسيّين من أبناء الطبقة الأريستوقراطيّة. لذا بقيت الدراسة مؤمّنة لأولاد الطبقة الوسطى في مدارس صغيرة ومتواضعة، في حين بقي طموحهم مشرئبًّا يسعى للدخول إلى حرم المدارس الكبيرة، فما دخلوها إلاّ متأخّرين وذلك عبر قصائدهم وأغنياتهم ومؤلّفاتهم التي صارت واجبًا مدرسيًّا مفروضًا على أبناء النخبة الماليّة والاجتماعيّة.
صحيح أنّ البحر كان يمتدّ تحت أنظارهم، يحلمون بالسفر عبره إلى أنحاء العالم بحثًا عن الثروة والجاه على عادة اللبنانيّين الطموحين، ولكنّ اللغة التي بدأوا يتذوّقون مجدها وغناها وجمالها أعطتهم الانطلاق وأمّنت لهم أجنحة سافروا بواسطتها إلى أكثر من قارة وحلّقوا فوق أكثر من محيط.
والصوت الذي لم يجد مكانه في عالم المدرسة البعيد المنال، انطلق من الأماكن الدينيّة (الكنيسة غالبًا) ليطلّ بعد ذلك من فوق المسارح والمنابر حاملاً الكلمات التي ضاقت بها الصدور. فكانت أصوات المغنّين والمغنّيات المنطلقة من قرى الريف الساحليّ وبلداته تجمع في نبراتها وأوتارها عنفوان الجبل الذي تستظلّه وامتداد البحر الذي تشرف عليه وحيويّة الاخضرار الذي تسبح في تموّجاته.
كانت الكلمة، في الدرجة الأولى إذًا، بطاقة خروج من عالم ضيّق يطلّ على الدنيا كمتفرّج متلقٍّ لا يفعل بل يخزّن انفعالاته منتظرًا الوقت الملائم لإطلاقها، فكانت حصّة هذا الريف الساحليّ الحصّة الكبرى من مبدعي هذا البلد كلمةً ولحنًا وفكرًا. والكلمة نفسها هي التي وصفت الطبيعة وعبّرت عن الواقع السياسيّ و"هوبرت" أمام المواكب الانتخابيّة وناحت في المآتم وزغردت في الأعراس. ولن يغيب عن البال أنّ هذه المنطقة شهدت في كثير من بلداتها معارك عسكريّة وانتخابيّة على مرّ أعوام طويلة قبل الاستقلال وبعده، بل من فترة ما قبل الانتداب، وسجلّت فيها مواقف وطنيّة لا تزال ذاكرة التاريخ اللبنانيّ تستعيدها في المناسبات: فبعبدا مثلاً كانت مركز المتصرفيّة قبل أن تكون مقرًّا لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة، وإنطلياس كانت مهدًا للعاميّات قبل أن تكون بلدة العائلة الرحبانيّة، وفي بشامون جرت "معركة" الاستقلال، بعدما انطلقت من الشيّاح مع الصحافيّ ( والنائب والوزير) ميشال زكّور مؤسّس جريدة "المعرض". ولم يكن ممكنًا أن تمرّ تلك الأزمات الوطنيّة من دون أن تترك أثرها في اللغة التي تمظهرت آنذاك في الزجل والأغنية والمقالة الصحافيّة، قبل ظهور وسائل الإعلام المرئيّة. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ الزجل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحريّة، معلنًا إصراره على التفلّت من قيود اللغة العربيّة الفصيحة وشروط موسيقاها وقواعدها، إلى كونه وسيلة التعبير العفويّة عن الرغبة في التميّز في الهويّة الحضاريّة.

الشعر يزنّر بيروت
قد يبدو صعبًا تحديد هويّات بلدات الريف الساحليّ الذي نتحدّث عنه. فالارتفاع عن سطح البحر مؤشّر لافت، ولكنّنا نقع أحيانًا على منطقة ساحليّة جغرافيًّا إنّما تشبه في طبيعتها ومسارها التاريخيّ قرى أكثر منها ارتفاعًا، كبلدة برج البراجنة، ومنها على سبيل المثال الصحافيّ رياض حنين وأحمد السبع صاحب جريدة "الهدى". ويمكننا كذلك الحديث عن منطقة تعلو إلى ما فوق خمسمئة متر وتبقى كذلك صالحة لاعتبارها معنيّة بالبحث، كبلدة شملان التي ترتفع عن البحر سبعمئة متر، وهي مسقط رأس المؤرّخ فيليب حتّي. وكذلك يمكن حصر الحديث ببلدات قريبة من بيروت، لكن ذلك لا يعني أنّ بلدات أخرى بعيدة عن العاصمة لم تعرف حركة فكريّة أو ثقافيّة كالتي نتحدّث عنها. فبطرّام مثلاً ( ترتفع عن سطح البحر مئتين وخمسين مترًا) هي قرية المفكّر شارل مالك والدكتور إيلي سالم، والدكتور فيليب سالم، و"البربارة" (مائتا متر) بلدة الشاعر القرويّ رشيد سليم الخوري، وبلدة "عمشيت" (مئة وعشرون مترًا) ومنها على سبيل المثال أدباء كأديب لحّود وعفيفة كرم وإلهام كلاّب البساط وفنّانون كروميو لحّود ومارسيل خليفة، و"بصاليم" (ثلاثمئة متر) بلدة الشاعر موريس عوّاد، وكذلك "جون" (ثلاثمئة وخمسون مترًا) وهي بلدة الفنّانَين نصري شمس الدين وحسن علاء الدين (شوشو) أو الدبيّة (خمسمئة متر) بلدة آل البستاني ومنهم المعلّم بطرس واضع المعاجم ومنشئ المجلاّت، وسليمان معرّب ألياذة هوميروس، وعبدالله صاحب "قاموس البستان" وسواهم من الأدباء والصحافيّين، وهي البلدة التي اعتادت فيروز، حين كانت لا تزال نهاد، أن تمضي الصيف فيها لدى جدّتها من آل البستاني. لكنّ كثافة الإنتاج الفنّي والأدبيّ وكثرة المبدعين الذين انطلقوا من المنطقة المشرفة على بيروت تجعلنا أكثر اطمئنانًا إلى حصر صفة الريف الساحليّ المبدع في منطقة تمتدّ من بلدات تحيط ببعبدا وصولاً إلى كفرشيما امتدادًا إلى إنطلياس. ومعروف أنّ ما نقصده بالإبداع هنا ينحصر في الناحيتين الفنيّة والشعريّة اللتين أطلقتا تيّارًا إبداعيًّا لبنانيًّا ذا نكهة خاصّة لم يسبقه ما يماثله. ولا تزعم هذه المقالة بالطبع الإحاطة بكلّ الأسماء التي لمعت في سماء الكلمة واللحن والصوت، فكيف يمكنها الإحاطة بالمبدعين في ميادين الفكر والعلم والسياسة واللاهوت والاقتصاد وهم أكثر من أن يحصيهم قلم، خاصّة بعدما أتيح العلم للجميع وكثرت المدارس وقامت الجامعة اللبنانيّة التي تفرّعت لاحقًا لتفيد منها الفئة الكبرى من المجتمع اللبنانيّ.
قد يثير هذا الكلام حفيظة البعض من الذين يجدون فيه إجحافًا في حقّ كثر من مبدعي البلد، إلاّ أنّ الإضاءة على منطقة معيّنة وتيّار شعريّ فنيّ مميّز لا تعني أبدًا التعتيم على مناطق أخرى ذات تجارب مختلفة ولغة مميّزة. ولكن لا يسع أحدًا أن ينفي دور البلدات المشار إلى بعضها، والتي كانت تستحقّ التفاتة ولو سريعة.
إنّ المركزيّة السياسيّة والإداريّة التي كانت لبيروت ساهمت في إقامة أحزمة لم تصل إلى مرحلة البؤس عهدذاك، ولكنّها كانت تعيش في تواضع اقتصاديّ يوفّر الضروريّات الحياتيّة، أمّا مؤونتها فذاكرة تغذّيها صور الحياة التي تشعّ في غير مكان وأمام سواهم من الناس. لذا كان على أبناء هذه الأحزمة أن يجدوا مخرجًا لهذه الصور المتراكمة، فكانت اللغة التي نقلوا بواسطتها عالمهم أمام الطبقة الثريّة في الدرجة الأولى، والتي كانت تطرب لسماع هؤلاء يتحدّثون عن معاناتهم وقصص حبّهم وتفاصيل حياتهم اليوميّة. ومن المثير أن نستعيد الآن عناصر اللوحة الاجتماعيّة وهي تتكامل حين يصفّق أرباب الطبقة الثريّة لمجموعة من شعراء الزجل تتراشق بالكلام، أو لمطربة فقيرة الأصول تصدح بصوت فيه كلّ الحزن والعتب، أو لشاعر باللغة اللبنانيّة ينقل تعابير أهل القرى وأسماء الحيوانات وأدوات الزراعة. بل من اللافت كيف أنّ اللبنانيّين في المغتربات كانوا يستدعون الشعراء والمطربين والمطربات ليستمعوا منهم إلى وصف عالم يتعايش فيه الفقر والشرف، البدائيّة والبراءة، الأميّة والطموح، والمفارقة أنّ ذلك العالم كان هو نفسه الذي هرب منه هؤلاء المغتربون للبحث عمّا لا يشبهه.
المهرجانات وجوقات الزجل
انطلقت الحركة الفنيّة اللبنانيّة مع أبناء الريف الساحليّ وتغذّت المهرجانات من مشاعرهم وأفكارهم، فكان منهم الشعراء والملحّنون والمطربون والمطربات والممثّلون والممثّلات، الذين كانوا الروّاد ويعود إليهم الفضل في تأسيس المعاهد الفنيّة والجامعات المتخصّصة وإن لم يدرسوا هم أنفسهم في مدرسة أو جامعة، ما يدلّ على انفتاحهم ورغبتهم في إتاحة الفرصة لمن يأتي بعدهم للإفادة من العلم والدراسة إلى جانب الموهبة الفطريّة. ومع ذلك فإنّ المهرجانات الفنيّة التي أعطت لبنان سمعة طيّبة وجذبت إليه أنظار العالم المتمدّن إنّما تدين لهؤلاء الروّاد بانطلاقتها (الأخوان رحباني، صباح، عصام رجّي، فيلمون وهبي، روميو لحّود، وديع الصافي، نصري شمس الدين...) كما أن حفلات الزجل، خاصّة زمن الفرق الكبيرة، كانت تستقطب حضورًا كثيفًا وما برح الناس إلى اليوم يردّدون أبياتًا قالها شحرور الوادي أو طانيوس عبده القصيفي أو علي الحاج وسواهم.
ذكر منير وهيبة الخازن في كتابه "الزجل" مجموعة كبيرة من الشعراء المعروفين والمغمورين وكثر منهم ولدوا وعاشوا في هذا الريف الساحليّ، وحول ذلك يقول في مقدّمة القسم السادس المخصّص لشعراء عصر الانبعاث (1800- 1900): " ما أن أطلّ القرن التاسع عشر حتّى انتشرت المدارس في القرى اللبنانيّة انتشارًا عظيمًا تحمل النور إلى أقصى البلاد، فاتّسع مع النور ميدان الزجل وظهر شعراء نفضوا عن الفنّ غبار السنين، وعملوا بنشاط على توطيد دعائمه ورفع لوائه عاليًا". وكان لبلدات وادي شحرور وبدادون وبعبدا والشويفات وكفرشيما وسوق الغرب والكحّالة وبتاتر حصّة ذات ثقل بالنسبة إلى باقي البلدات والقرى اللبنانيّة. ولكن عصر النهضة (1900- 1950) يتابع الخازن أعطى الزجل اندفاعًا جديدًا بعدما "قام أصحابه يؤلّفون الجمعيّات الزجليّة والفرق المسرحيّة وينشئون الجرائد والمجلاّت" (ص 220). ونلاحظ أنّ أكثر الصحف والمجلاّت التي تعنى بالزجل اتّخذت بيروت عاصمة لها ما عدا مجلّة السبعلي لصاحبها أسعد السبعلي إذ صدرت من طرابلس. ومن الجوقات أشار الخازن إلى جوقة شحرور الوادي وجوقة زغلول الدامور وجوقة الرابطة العامليّة وجوقة الأرز وجوقة شمال لبنان وجوقة حسّون الزجل وجوقة كبار الزجل. كما أحصى الخازن في النصف الأوّل من القرن العشرين 131 شاعرًا زجليًّا من الذين عرف إنتاجهم الشعري، وكان من بين هؤلاء نحو ثلاثين شاعرًا ينتمون إلى الخطّ الريفيّ المطلّ على الساحل البحريّ.
والطريف في الأمر أنّ الشعراء الزجليّين، ولو كانوا من خارج هذا الريف الساحليّ، علموا عصرذاك أنّ انطلاقتهم الحقيقيّة إنّما من هذه المنطقة ولا يتمّ الاعتراف بهم إلاّ إذا دخلوا في جوقاتها أو تباروا معها أو غنّوا من على منابرها. كانت ذائقة الناس النقديّة في المنطقة مؤهّلة للحكم على ما يقال وينشد ويغنّى، كانوا كلّهم في نسب متفاوتة شعراء زجل. ومن لا يجيد "القول" منهم كان ناقدًا مخيفًا يلتقط الخلل ويعيب الصورة التي سبق واستعملت، ويسخر من الكلمة الركيكة الأثر، ويتأذّى سمعه من الصوت المتعب العاجز. ولا يزال الأبناء في هذه المناطق يستمعون إلى آبائهم وأجدادهم يردّدون في ساعات الصفاء أبياتًا قيلت في حفل الغداء الذي تلا عمادة فلان، أو في عرسِ آخر، أو في استقبال زعيم الحزب أو نائب المنطقة، أو في مأتم شابّ غدر به الموت، أو في صبحيّة أحد الشعانين... وكلّ تلك الأبيات لشعراء لم يسمع بهم أحد ولم تسجّل أسماءهم كتب التاريخ والمراجع.

الريف الساحليّ في خبر كان
عندما تكون هذه البقعة من الريف الساحليّ خضراء بطبيعتها، غنيّة بمواردها، قريبة من المدينة وأعلى منها في الوقت عينه، تجذب السيّاح والمصطافين، مسوّرة بتقاليدها من ناحية ومنفتحة على الآخرين من ناحية ثانية، تتفاعل مع الأوضاع السياسيّة من دون أن تنغمس في ألاعيبها، عفيفة إلى حدّ النسك، وراغبة في المتعة حتّى الاستسلام لأيّ عابر طريق، فذاك يعني أنّنا أمام منطقة واعدة، خصبة المواهب، جريئة الفكر والمشاعر، تذهب إلى أقصى حدود التطرّف في القول والعمل. وكيف لا يظهر كلّ ذلك في لغة خاصّة مميّزة ما فتئنا حتّى اليوم نبني على أساساتها ونتغذّى من جذورها؟
أمّا المستقبل فعلى صورة الحركة الثقافيّة في لبنان الذي نعرفه جميعًا. احتلّت الأبنية الشاهقة المساحات الخضراء، واحتلّ الأبنية من لا وقت لديه لرؤية البحر أو الجبل، واحتلّت سطوح الأبنية الصحون اللاقطة الجاذبة كلّ ما يجري في العالم إلى صحن الدار. وكان على الريف أن ينسحب متراجعًا أمام المدينة الهاجمة سريعة وعنيفة، يرافقها زوال الطبقة الوسطى التي كانت صمّام الأمان اقتصاديًّا واجتماعيًّا والتي غذّت الحركة الفكرية الثقافيّة في لبنان. وبعدما كان الريف الساحليّ يطلّ على العالم من غير أن يكون من هذا العالم، صار العالم ملك يديه وصارت الكلمة تاريخًا نستعيد أمجاده في المقالات الصحافيّة التي تطمح إلى من يقرأها.

بعض من أثرى الحركة الثقافيّة في بلدات الريف الساحليّ
من بعبدا: من آل الملاّط الشعراء شبلي (شاعر الأرز) ونصري وفريد وتامر. وفي الشعر الزجليّ جرجي عبده ناضر وطانيوس عبده القصيفي وإميل رزق الله (اللويزة)، وفي الصحافة يوسف صالح الحلو وأسعد خالد الحلو...
من الحدث: طنّوس وفارس وأسعد الشدياق، يعقوب صرّوف (أحد مؤسّسي مجلّة المقتطف في مصر)، المؤرّخان ابرهيم فارس يزبك ويوسف ابرهيم يزبك، الشاعران جرجس خوري كرم وجورج يزبك، المدبّر في الرهبانيّة الأنطونيّة يوسف الشدياق منشئ مجلّة "كوكب البرية"، كما صدرت في البلدة جريدة "البيرق" لمؤسّسها سعيد فاضل عقل وجريدة "النصير" لصاحبها عبدو بك أبي راشد، وأقيمت فيها المطبعة الشرقيّة عهد المتصرّف مظفّر باشا (1902- 1917)...
من الشيّاح: الصحافيّ والنائب والوزير ميشال زكّور والحقوقيّ إدمون نعيم...
من كفرشيما: ناصيف وابرهيم اليازجي، شبلي الشمّيل، إدوار حنين، جورج الرجّي صاحب جريدة "الراصد". ومن الفنّانين: فيلمون وهبي ووليم حسواني وعصام رجّي وملحم بركات وحليم وماجدة الرومي وماري سليمان...
من وادي شحرور: سليمة أبي راشد (أوّل أديبة من الشرق في المهجر) وعبّود وفارس أبي راشد ونخله أسعد الحلو وكميل خليفة (كروان الوادي) وجوزف الفغالي (بلبل الوادي) والمسرحيّان أنطوان ولطيفة ملتقى والشاعران أنيس روحانا الفغالي ورفيق الفغالي...
من بدادون: أسعد الخوري الفغالي (شحرور الوادي) والفنّانة صباح...
من القماطيّة: الشاعر الزجليّ علي الحاج...
من الشويفات: الأديبة نجلا صعب...
من أنطلياس: الرحابنة...
نشر هذا النصّ في جريدة النهار – الجمعة 3 آب 2001

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

عن سيمون أسمر وطلال حيدر واجتياح القمم


القرنة السوداء - لبنان

   في خلال الحرب اللبنانيّة (الأهليّة أو حروب الآخرين...) ارتبط اسم سعيد عقل بحرّاس الأرز، وعند وفاته، حصرت مقالاتٌ كثيرة الحديث عنه بمواقفه السياسيّة من الفلسطينيّين وإسرائيل، ونزعت عنه صفة الشعر.
    فهل سعيد عقل شاعر أم خائن؟
   في ذكرى أربعين الرئيس حافظ الأسد عام 2000 ألقى الشاعر جوزف حرب قصيدة عُرفت باسم النشيد الدمشقي ومطلعها: بالأسود اتّشحتْ من بعدك المقل/ وما الكلام؟ عصت أقلامَها الجُمَلُ
إلى أن يقول: قلّ الرجالُ إلى حدّ لغيرك ما/ أشرتُ يومًا إذا ناديتُ يا رجلُ!
فهل كان جوزف حرب عميلًا للسورييّين؟
    وفي عام 2010، نال الشاعر شوقي بزيع جائزة قدرها ثمانون ألف دولار، وبُردة من الحرير والذهب، وذلك في مهرجان سوق عكاظ الشعريّ في السعودية، عن قصيدته "مرثيّة الغبار". وأوضح مصمّم البردة يحيى البشري أنّها خيطت من قماش الحرير والكريب، كما طرزت بنحو 3 كيلوغرامات من القصب الذهبي، وزيّنت بزخارف لكلمات متناثرة رسمت عليها عبارة سوق عكاظ، إضافة إلى مزيج مما قدمه الشاعر، حيث تم رسمها بالخط العربي الحر، بينما كانت الزخرفة العامة للبردة عربية مستوحاة من منطقة الحجاز، وبلغ مجموع ما استخدم من الأقمشة 8 مترات.
فهل ميّز شوقي بزيع بين راعي المهرجان الأمير الشاعر خالد الفيصل والنظام السعوديّ الوهّابي؟
    وفي العام 2019، ألقى الشاعر طلال حيدر قصيدة مدح فيها العاهل السعوديّ ووليّ عهده، في مناسبة العيد الوطنيّ للمملكة العربيّة السعوديّة، الذي احتُفل به في المتحف الوطنيّ اللبنانيّ. فعاد كثر إلى ينابيع شعره ورموا فيها حجارة التشكيك.
فهل طلال حيدر شاعر أم لا؟
   وهناك الياس خوري وحركة فتح، وزياد الرحباني والحزب الشيوعيّ، وحبيب يونس والتيّار الوطنيّ الحرّ، وجوليا بطرس والمقاومة، وماجدة الرومي و14 آذار، وموريس عوّاد واليمين اللبنانيّ، وكثر لا مجال لحصرهم من الذين ارتبط شعرهم بمواقف سياسية، بعضها صادق واضح، وأكثرها هادف مقصود...
    هذا في العلن...
    أمّا في السرّ،
   فثمّة شاعر "مقاوم" (ومترجم وناقد وصحافيّ) يستدين مبلغ خمسة ملايين ليرة لبنانيّة ليخرج والدته من المستشفى، لأنّ شقيقه المحامي الثريّ يرفض المساعدة، والصحيفة لا تدفع له راتبه... ثمّ يتبيّن أنّ الوالدة في البيت، وأنّ الشاعر سافر إلى قبرص ليرتبط مدنيًّا بصديقته الإعلاميّة.
    وثمّة كاتب "ثائر" يحتال على الناس بحجّة مرض السرطان وضعف عضلة القلب واضطهاد الإخوة، فيجمع المال من هنا وهناك، ثمّ يكتب عن رجال الدين المحتالين النصّابين.
   وثمّة شاعر "وطنيّ" يحصّل لقمة عيشه من تحبير الخطب لسياسيّين من أحزاب متناحرة، وحين يكتب شعرًا تكون الحريّة حوريّته والسيادة أميرةَ أحلامه والاستقلال حلمَه المنشود.
وهناك شاعر يخشى زوجته ويكتب عن الشجاعة، وشاعرة تريد تحرير الوطن في حين يوجعها أنّ الشيب طال شعر عانتها، وصحافيّ يقبض من إيران ويهاجم أذناب الخليج، وشاعر يهاجم شاعرًا لأنّ هذا الشاعر يهاجم شاعرًا آخر هو صديق الشاعر الأوّل...
   أين النقد من كلّ ذلك؟ ومن يحسم في مسألة الحريّة والوطنيّة والإبداع؟ وكيف نفصل كلّ ذلك عن انتماءات الطائفة والسياسة والحاجة الماديّة والرغبة في الظهور؟ وكيف ننظر إلى جوائز عربيّة يمنحها سلاطين وملوك وأمراء عرب يتغاضون عمّا يجري في اليمن؟
   فلنأخذ مثلًا ما كُتب عن سيمون أسمر غداة رحيله. فبمعزل عن التقديس والتدنيس، غاب عن كثر من الناقدين والمنتقدين أنّ تجربة الأسمر تزامنت مع الحرب اللبنانيّة التي اختلط فيها حابل الإبداع بنابل التجارة، وبيعت في خلالها الدماء البريئة والقضايا المصيريّة، وبالتالي لا يمكن عزلها عن تأثيرات الانحدار الذي سحب كلّ ما في البلد نحو مصير قاتم. كما غاب عنهم أنّ اتّهام الاسمر بإفساد الذوق الفنيّ العام هو اتّهام تصل نصاله إلى زكي ناصيف وروميو وبابو لحّود ووليد غلميه وناهدة فضلي الدجّاني وصونيا بيروتي ونضال الأشقر وغيرهم وغيرهم من الذين كانوا في عداد لجان التحكيم. فضلًا عن أنّ اتّهامه بأنّه أبعد عددًا من الموهوبين ما أدّى إلى انطفاء نجم بروزهم دليل على أنّ هؤلاء "المغيّبين" فشلوا في إثبات وجودهم من دون راع ومدير أعمال. من دون أن ننسى أنّ مدراء الأعمال حاجة صارت تفرضها الحاجة إلى صناعة النجوم وتسويقها في عالم يفرز يوميًّا آلاف الوجوه والأسماء والأجسام (عارضات الأزياء مثلًا)، وهذا ما تقوم عليه صناعة السينما والأغنية إليه في دول الغرب.
    أمام سلسلة المقالات والتغريدات والبوستات التي اجتاحت فضاء "حريّتنا"، عند وفاة سيمون أسمر وإعلان "وفاة" طلال حيدر الشعريّة، بدا اجتياح القرنة السوداء، وجرف الأشجار والغابات أمام سدّ بسري، وارتفاع جبال النفايات، مشاهد طبيعيّة تمرّ عابرة، كأنّ هذا الوطن المنتحر يكتب ورقة نعيه بيد غير راجفة أو متردّدة.
   ما أبرعنا في الرجم وما أسرعنا في النسيان، حتّى أنّنا نتغنّى بحريّة الصحافة ونتناسى أموال العراق وليبيا وسوريا وأميركا والمنظّمات الفلسطينيّة والسعوديّة والخليج وإيران، أموال حين أُقفلت منابعها أو شحّت احتجبت صحف وأقفلت دور نشر وجاع شعراء. ونحتفل بأعراس أولاد الزعماء ونتعامى عن أدوار أهليهم في السياسة، وننبهر بنجمات هوليود يرتدين فساتين بتواقيع مصمّمين لبنانيّين ونجهل أنّ وزارة التصميم التي أنشئت عام 1954، عهد الرئيس كميل شمعون، ألغيت عام 1977 لصالح مجلس الإنماء والإعمار!!!

الاثنين، 5 أغسطس 2019

من حريّة التعبير من فوق إلى حريّة "التبعير" من تحت...


بما إنّو فلت الملقّ...
وما دامت حريّة التعبير (بغضّ النظر عن مضمون التعبير وفحواه ورسالته ووظيفتو برقيّ المجتمع وحفظ كرامة الإنسان) تستقطب هذا الكمّ "المخيف" من التأييد، فلنعبّر ولنعبُر من التعبير إلى "التبعير" وباللهجة اللبنانيّة كمان، لغة المظاهرات المؤيّدة والأغنيات الثوريّة (من ثور):
ييي هودي المصابين بالتوحّد ليش أهلن ما بيخبّوهن بالبيت؟ مبسوطين فين؟ ليك ملّا مناظر هههههههههههههههه (حريّة تعبير؟)
يا الله هودي المصابين بالسرطان شو كترانين، شعرن بيضل يهرّ وجويوا الدني، شي بيقرّف (حريّة تعبير؟)
معقووووول؟؟؟ وين صرنا؟ هيدي الصانعة عم تاكل ع الطاولة مع معلّمينها، العمى شو إنن نَوَر، كيف إلن نَفس ياكلوا معا!!! (حريّة تعبير)
وهودي يللي بيحبّوا الحيوانات وبيدافعوا عنن؟؟؟؟ أكيد مرضى وبدن علاج، في أجمل من إنّو تحطّ هالكلب وتطرقوا دكّة وتجيب خبرو أو تخنق البسينة بالكيس؟ هههههههه (حريّة تعبير؟)
جمعيّة كفى لو بتكفّ عنّا شوي هالحركات، حاج تكبّر راس النسوان، إيه والله في نسوان بدن خبيط ليوم الخبيط ههههههه (حريّة تعبير؟)
يا حرام هههههه هيدي ابنا سقط بالفحص، وهيئتو حمار متل أهلو هههههه (حريّة تعبير)
الإسلام، يييي بتضلّ ريحتن طالعة لأنن ما تعمّدوا وما مرق علين الميرون ههههه (حريّة تعبير؟)
المسيحيي/ ييييي هودي بياكلو بشر وبيشربو دمن وبيقولوا هيدا المسيح علّمن هيك، دخلكن المسيح كان يحب المجدليّة أو يوحنا هههههه (حريّة تعبير؟)
هوي الدروز بيعبدوا العجل ههههههههه (حريّة تعبير؟)
هودي المعاقين ليش ما بيحطّوهن بشي مطرح وبيديروا علين الغاز وبيقتلوهن وبيريّحوا أهلن منن وبيوفّروا ع الدولة مصاري ههههه (حريّة تعبير؟)
وين الغلط يتحشّروا بالولاد؟ الولاد مهضومين وحلوين ههههههه (حريّة تعبير؟)
هيدي الناصحة قد البقرة مبسوطة بحالا نازلة ع البحر هههههههههه (حريّة تعبير؟)
هيدي المشلولة وبدّو مين يجرّها ع الكرسي إيه تروح تقعد بالبيت وتشتغل صوف حاج ملبّكا الله تبعنا وبدّها حقوق المعاقين كمان هههههههههه (حريّة تعبير؟)
هودي الشاذّين العمى بيلعّوا النفس، شوف أشكالن دغري بتعرفن، وقال شو بدّن حقوقن وبدّن يعبّروا كمان ويتزوّجوا، الله يساعد أهلن ع هالجرصة... وينك يا هتلر (حريّة تعبير؟)
دخلكن لشو عملوا دور العجزة؟ إيه كبّوا أهلكن فين وارتاحوا (حريّة تعبير؟)
القتل بحجة التجريب، 
الاغتصاب بهدف التحديث، 
السرقة بهدف المغامرة، 
تدنيس كل شي من أجل المتعة، 
تحطيم كل شي كرمال الما شي، 
تمسخر ع كل شي لأنّو ليش لأ، 
بهدلة كل شي لأنّو نحنا أحرار، 
ويلّا.... عاشت الفنون (فنون التجريح والتحجيم والعهر والهستيريا)، عاشت حريّة التبعير، مات لبنان

الاثنين، 22 أبريل 2019

مطر حزيران بلا قبعة وعصا - صحيفة النهار - 29 حزيران 2010



ليس في الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة ما يشير إلى سقوط المطر في حزيران، ربّما لأنّ الشتاء حين يرحل يلملم عباءات الغيم المغسولة بمياه السماء وينشرها على حبال الغسيل في أرض بعيدة تنتظر قطرات تروي عطش تربتها.
ومع ذلك، فحزيران هذا العام أنزل علينا ماءه المجبول بالغبار وتساقطت الأمطار وحولاً أتلفت الزرع ولوّثت زجاج النوافذ وحوّلت الطرق ساحات تزحلق تصطاد من لا يعرف كيف يثبت قدميه على الأرض. وتبيّن أنّ مطر حزيران لا يؤمَن له، فلا هو شتاء يعدك برجل ثلج يعتمر قبعة ويتّكئ على عصا يخلّفهما وراءه حين يذوب في الأرض مع أوّل خيط من خيوط الشمس، ولا هو صيف وكَيف وبساط واسع يمتدّ خارج الدار حيث كان القمر قنديل السهر. هو نوبات بكاء لا نفهم أسبابها، مزاجيّة سماء لم نعد نعرف ماذا تريد من أبناء الأرض، فورة أعصاب لا مهدّئ لها. وحين يتوقّف المطر فجأة عن الهطول نكتشف أنّ الطقس لم يعد طقسنا وأنّ مزروعاتنا أتلفت وثمار أشجارنا تساقطت ومواسمنا بارت ومنتجعاتنا خلت من روّادها. أمّا ألسنة الناس فلا تردّد إلاّ لازمة واحدة: "لم تعد الأمور كما كانت عليه. حتّى الطبيعة تغيّرت وما عاد فينا نوثق فيها". صحيح، لم تعد الأمور على حالها: موسم الشتاء كان بلا ثلج، وموسم الربيع كان بلا زهر، وموسم الصيف يصل بلا شمس، كأنّنا في خريف دائم لا يريد أن ينتهي، بل يزداد ضبابه كثافة مع احتمال حرب يتمنّى نشوبها كثيرون لتصفية حسابات شخصيّة. ولكنّ الطبيعة لا تقتل نفسها بنفسها والحرب لا تقع من تلقاء نفسها، الإنسان عدوّ ذاته مذ وعى ذاته.
تحكي سيّدة في حيّنا وتقول: حين كانت المرحومة أمّي تجلس على هذا المقعد قبل عشرين سنة كانت تقول إنّ الشمس في أوّل يوم من الصيف تغيب خلف قصر الشرتوني. الآن صارت الشمس تغيب أبعد بمبنيين، تتابع السيّدة وهي تشير إلى الاختلاف في موقع مغيب الشمس، وتسأل نفسها بصوت مرتفع: شو عم يصير بالدني؟ من يخبرها أنّ كلّ واحد منّا صار محور الأرض، تدور الأرض والكواكب والنجوم حوله، وهو مشغول بنفسه عمّا حوله؟
حين كتب جبّور الدويهي روايته عن حمّام الدمّ في ليالي الشمال الحزينة، وضع لها عنواناً معبّراً هو "مطر حزيران". وعلى الغلاف الخارجيّ الأخير لها وبحسب القرار الظنيّ في قضيّة الاعتداء على أمن الدولة الداخليّ الحاصلة في مزيارة، قضاء زغرتا، بتاريخ 16 حزيران 1957، نقرأ: "كانت السماء ترسل رذاذًا من المطر... وبسبب المطر أخذ الناس يدخلون إلى الكنيسة من بابيها الجانبيين الشماليّ والجنوبيّ، وأمّا باقي الموكب فدخل من الباب الغربيّ الملوكيّ المواجه لساحة البلدة، وما إن بدأ الموكب بالدخول إلى الكنيسة حتّى حصلت ضوضاء بين الحضور وأطلق طلق ناريّ في خارج الكنيسة كان الإشارة والشرارة الأولى للكامنين في داخل الكنيسة وفي الساحة وعلى السطوح، فشهروا أسلحتهم وأخذوا يطلقون النار على خصومهم، ودام إطلاق النار زهاء العشرين دقيقة فقتل وجرح مئة وبعض المئة من الناس وهرب القسم الأكبر من المعتدين وألقي القبض على البعض منهم".

كان ذلك في أعالي الشمال، غير أنّ الكبار في بلدتي يقولون إنّهم لا يذكرون أنّ المطر تساقط في مثل هذا الوقت من السنة، ولكنّهم يشيرون إلى مطر نزل في آب مرّة منذ زمن بعيد، إذًا "معقولة تشتّي بآب" كما يغني وائل كفوري. أمّا حزيران فيبدو أنّه احتفظ بمطره لحيث كان عليه أن يغسل الدم بعد صوت الرصاص المنهمر كالشتي كما وصفه المصوّر الأرمني في الرواية المشار إليها.
ماذا يحمل مطر حزيران هذا العام، وهو المتسلّل يومًا والمقتحم يومًا آخر ودائماً بلا برق ورعد، فضلاً عن حوادث التزحلق والاصطدام وخربطة مشاريع الاحتفالات والمهرجانات؟ وكم ضحيّة يجب أن تسقط قبل أن نكتشف أنّ انعدام الرؤية لا يكون دائماً بسبب الضباب؟ وكيف سيكون صيفنا الموعود بالنفط على شواطئنا التي صارت أملاكًا خاصّة، في حين تغرق مدننا في عتمة انقطاع الكهرباء وتزدحم السيارات على طرقنا بسبب ورش الإعمار العشوائيّة أو حوادث السير القاتلة؟ وأيّ مصدر للرزق سيكون لنا بعدما فقدنا اعتدال فصولنا واستقرار مواسمنا السياحيّة اللذين كانا فخرنا ولا فضل لنا إلاّ في تخريبهما وتشويههما؟ أسئلة لا تنتظر أجوبة مقنعة أو منطقيّة، فحين يبدأ الخلاف على نفط لم يظهر بعد، ونهمل ثروة مائيّة تروي عطش الشرق ونتركها تذهب إهداراً إلى بحرنا الملوّث، لا يعود يهمّ إن سقط المطر في حزيران أو نشبت الحرب في تمّوز أو نجح تلامذة لبنان بالجملة، فالمهمّ: وين السهرة الليلة؟

* صحيفة النهار - 29 حزيران 2010

الأربعاء، 10 أبريل 2019

لولا نيسان 1975...(النهار - الثلاثاء 13 نيسان 2010)

بوسطة عين الرمّانة
هل أصابا الهدف؟


يبدو أنّهما أصابا الهدف

هل بقيت حياتهما كما هي؟؟؟

     
بعد صبيحة الثالث عشر من نيسان من العام 1975، لم يعد العالم هو نفسه، لم يعد لبنان هو لبنان الذي أُخبرنا عنه، ولم تعد حياة أيّ واحد منّا كما كانت عليه، حتّى الذين كانوا أجنّة في أحشاء أمّهاتهم، والذين ولدوا بعد ذلك التاريخ بكثير، والذين سيولدون بعد أجيال، كلّهم، كلّنا، محكومون بما جرى في ذلك الأحد. وإذا كان ترابط الكائنات ودورة الطبيعة يعنيان أنّ سقوط ورقة عن شجرة في الصين يغيّر كينونة العالم، فكيف إذا انطلقت نيران الرشّاشات وسقطت ضحايا وانفجر ما كان يختبئ في الضمائر والصدور ليجرف كلّ شيء أمامه؟ هكذا تتغيّر مصائر الأمم والأفراد في كلّ مكان وكلّ زمان.

     لولا ما حدث في مثل هذا اليوم عندنا، لكان كثيرون أحياء لا شهداء، وأحرارًا لا أسرى، وأصحّاء لا معوّقين، ومقيمين لا مغتربين، وعاقلين لا مجانين، ولكان كثيرون اختاروا مدارس وجامعات غير تلك التي أجبرتهم الحرب على ارتيادها، ولكان كثيرون أقاموا في بيوت بنوها وأثّثوها لا في بيوت هجّروا إليها، ولكان كثيرون ارتبطوا بغير الذين شاءت الحرب أن يرتموا في أحضانهم ليهربوا من الغربة والوحدة والموت. لولا ذلك النهار لكان كثر من الناس اختاروا البلدان التي هاجروا إليها بدل أن يهربوا على أيّ مركب أو طائرة إلى أيّ بلد يمنحهم حقّ اللجوء إليه ويبيعهم الأمان مقابل مبالغ كبيرة من الضرائب، ولكان كثيرون أنهوا علومهم بدل أن يلتحقوا بالأحزاب، واختاروا أعمالاً لا علاقة لها بالسياسة، ولكانت الأرض ملأى بالأشجار لا بالمقابر، والأثير عابقًا بأغنيات الحبّ والصداقة لا بأناشيد للثورة والوطن والموت.

      13 نيسان 1975 ليس منفصلاً في طبيعة الحال عمّا قبله وجعل تركيبة لبنان ما هي عليه، بلدًا تحكمه الجغرافيا وهو مقتنع بأنّه يصنع التاريخ. ولكنّ التغيّرات الجذريّة واستمرار تداعيات ذلك اليوم هما ما يجعلانه محطّة حاسمة في تغيير مسار الوطن وتقرير مصير المواطنين. من هنا أهميّة ألا ننسى ذلك اليوم وما نتج عنه من هزائم لبعض الأفرقاء وانتصارات لآخرين. والدعوة إلى عدم النسيان هي محاولة لتعليم الأجيال الجديدة أنّ الحرب قد توصل قلّة من الأشخاص إلى مراكز المسؤوليّة والقيادة ولكن على جثث من ارتضوا أن يكونوا وقودًا لها، أو راحوا ضحيّتها من غير ذنب. ولعلّ المؤسّسات التربويّة والجمعيّات الأهليّة في المجتمع المدنيّ مطالبة بتخصيص هذا اليوم لتنظيم زيارات لمعوّقي الحرب، وأمّهات الشهداء، وأهالي المخطوفين، وبيوت المهجّرين، والقرى المزروعة ألغامًا، لعلّ جيل الشباب يتذكّر أنّ "الحرب بالنظّارات هيّنة" كما يقول المثل الشعبيّ، وأنّ من شلّت أطرافه وينتظر من يتعطّف عليه ويمسح له أنفه لم يربح من الحرب سوى المعاناة، وأنّ الأمّهات لم يحصدن من بطولات أولادهنّ سوى كلمات التعزية المجّانيّة، وأنّ أهالي المخطوفين يموتون كلّ يوم مئة مرّة وهم يحاولون أن يتخيّلوا مصائر أولادهم فيعجزون، وأنّ المهجّر لم يترك أرضه وبيته فحسب بل حياة وحضارة وجيرة وتاريخًا وتراثًا، وأنّ الأرض المزروعة ألغامًا لا ينبت فيها إلاّ الأطراف الاصطناعيّة.

     نحن الذين استيقظنا صبيحة ذلك الأحد وعلى أهدابنا بقايا من أحلام المراهقة والعشق والنجاح، تمطّينا في أسرّتنا الدافئة ونحن نستمتع بكسل عطلة الأسبوع، تناولنا فطورنا الشهيّ في طقس ربيعيّ جميل، استمعنا إلى زقزقة العصافير قبل أن تخفت أصواتها مع رنين أجراس الكنائس "تذيب روح الله في المتعبين"، كما يصفها الياس ابو شبكة، جلسنا نخطّط لمشروع يوم الأحد قبل أن نعود غدًا الاثنين إلى المدارس، ولم نكن نعلم طبعًا أنّ هناك من قرّر ألاّ تعود حياتنا إلى ما كانت عليه، وأنّ كلا منّا سيجد نفسه مرغمًا على أن يسير في دروب خطّتها له القذائف العشوائيّة ورسمتها الرصاصات الطائشة، وسيكون له لغة ذات مفردات غريبة ومصطلحات جديدة، وستُفرض عليه حياة لا تشبه قطعًا حياة أهله الذين لم يحدسوا بما سيكون عليه مستقبل أولادهم، ولا تشبه حتمًا حياة أولاده الذين حين يستمعون عرضًا إلى أخبار الحرب والقصف والخوف يتصرّفون كأنّهم أمام فيلم سينمائيّ لا يموت فيه الممثّلون بل يقبضون رواتبهم وينتقلون للعمل في فيلم آخر. وهذه هي معاناتنا اليوميّة مع الحرب وعلينا أن نجعلها كلّ يوم رسالة سلام، على الأقل مع أنفسنا.

الخميس، 1 نوفمبر 2018

ضحكات لتزيين شجرة العمر العتيقة (2015)




في مئويّة الحرب الكونيّة الأولى، تمنيّت لو يهجم الجراد ويأكل جبال النفايات. وفي الذكرى الأربعين للحرب اللبنانيّة، تذكّرت كم قرأت كتبًا وصحفًا ومجلّات كي أهرب من صورة الحرب وأصواتها. وما بين التمنّي والذكرى، وكي لا يبقى التأفّف من الحرّ والرطوبة لغةً وحيدة، وجدت في خياطة الأحرف الأبجديّة على مخدّات صغيرة وسيلتي لكتابة حكاية صيف 2015.
بدت الأثواب والشراشف والأقمشة القديمة نوعًا من النفايات التي تحتاج إلى تدوير، كي لا تضاف إلى ما يرمى ويتكوّم ويرتفع، جاذبًا عدسات الكاميرات كما يجذب الصراصير والفئران والجذران والأفاعي والنمل والذباب والبعوض... والعصافير... فاخترت أن أحوّلها حشواتٍ وأغلفةً وأحرفًا، أحملها إلى التلامذة الصغار مع بداية السنة الدراسيّة الجديدة.
كنت، مع كلّ قطبة، أحاول رتق ذاكرة مثقلة بالوجع، ولكنّي مع إنجاز كلّ مخدّة كنت أرى وجوه الأولاد وهم يتراشقون بها بعد الانتهاء من كتابة الإملاء بها. لعلّني أردت تذكير نفسي أنّ تغيير الأشياء هوايتي ووظيفتي، وأنّ المثل اللبنانيّ السخيف الذي يقول: شرايتو ولا تربايتو، لا يشبهني...
كان كثيرون حولي يسردون أخبار رحلاتهم السياحيّة، ومغامرات السفر والسهر والبحر، وينشرون صور الأولاد والأحفاد والأعراس والحفلات، وكنت أنا ع عتاب البواب، مع الإبر يللي عم تحيّك تكّايه وتحيّك حكايه، كما يقول الأخوان رحباني وتغنّي فيروز.

بصمت وهدوء، أرسم للأولاد عالمًا لا نفايات فيه ولا صراعات حزبيّة ولا مساومات على مناصب، عالمًا لا علامات فيه ولا تقييم أو تقويم، عالمًا يلعبون فيه لينتقموا لموت أترابهم في سائر أصقاع الأرض... بصمت وسكون، أقصّ الملابس القديمة، ناثرة عنها الذكريات التي علقت بها، والمناسبات التي شهدت عليها، وأعيد صياغتها بأحرف ملوّنة يمسكها أولاد سيكون لهم معها ذكريات جديدة ومناسبات سعيدة. بصمت وسكينة ألعب بالإبرة والخيطان، فيمرّ الحرّ، ويمرّ الوقت، وتمرّ مصيبة النفايات، ويمرّ موت الموتى، ولا يبقى في البال سوى ضحكات أطفال أستعيرها لأزيّن بها شجرة العمر العتيقة.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

اشتروا لبنان ولا تشتروا أمراء الحروب فيه - 2000


 إلى الملوك والأمراء والرؤساء والحكّام العرب:
اشتروا لبنان ولا تشتروا أمراء الحروب فيه

    تسري إشاعات في لبنان مفادها أنّكم تدفعون للمسؤولين فيه، في كلّ مرّة تتدهور الأوضاع، ملايين الدولارات كي يتّفقوا وكي يتنازل كلّ منهم عن مطلب من مطالبه. أرجو ألّا يكون الأمر صحيحًا لأنّ الذين يستفيدون من ثرواتكم يملكون من المال ما يجعلنا نحسدهم على ما يرمونه من فضلات على موائدهم، في حين أنّنا، نحن المواطنين العاديّين، لا نملك ثمن حلم جميل.
    ولذلك أقترح عليكم أن تشتروا لبنان، أرضًا وشعبًا، فذلك أوّلاً أرخص ثمنًا لأنّ الشراء بالجملة يختلف طبعًا عن الشراء بالمفرّق، وثانيًا لأنّكم بذلك تضمنون الانتهاء من قضيّة لبنان مرّة واحدة ونهائيّة.
    إنّ شراء لبنان عمليّة رابحة مئة في المئة:
    فطبيعة لبنان، أو ما تبقّى منها، مزراب ذهب: المياه التي تذهب هدرًا تستطيعون استغلالها أحسن استغلال لأنّكم تعرفون قيمة نقطة المياه، والأشجار التي نحرقها تعرفون قيمتها لأنّكم تشترونها من عندنا بأثمان باهظة بسبب السماسرة اللصوص، والجبال التي نحوّلها رمالًا تعرفون قيمتها لأنّكم تعرفون كيف هي الحياة فوق الرمال. ألم يقل الكبير أنطوان كرباج عند عودته إلى لبنان في أجواء حرب تهين كرامة الإنسان والفنّان: أنّكم حوّلتم الصحراء جنّة ونحن نحوّل الجنّة صحراء.
    والأماكن الأثريّة في لبنان مزراب ذهب: قلاع وحصون وقصور لا نعرف كيف نحافظ عليها، بل نحوّل بعضها زريبة للماعز، وبعضها ملتقى ليليًّا للمدمنين والعاهرات، وبعضها نبيعه قطعًا في الأسواق السوداء. أمّا أنتم فعلّمتمونا كيف يبني الإنسان فوق الرمل أبراجًا تتحدّى الطبيعة وتشمخ فوق السحاب.
    والأماكن الدينيّة مزراب ذهب: فعندنا كما تعلمون عددًا من الطوائف والمذاهب ولكلّ منها قدّيسون وأولياء، ولكلّ منهم معبد أو مزار أو ضريح، وإلى جانبها مطاعم ومحلاّت لبيع الشموع والزهور والمناقيش والبخّور والتذكارات، وهكذا تستقطبون المتعطّشين إلى الصلاة والتأمّل من كلّ أنحاء العالم.
    والفنادق مزراب ذهب، وكذلك المستشفيات، والمدارس، والملاهي الليليّة، والمسابح والمصارف وشقق الدعارة ومراكز الدراسات وسواها من الأماكن التي يدفع فيها الناس أموالهم وهم ممنونون شاكرون.
    ونحن فضلًا عن ذلك نجيد لغات الأرض كلّها وعندما يعجز اللسان نستخدم سائر أعضاء الجسد، فالمهم ألّا يزعل منّا أحد، وألّا تتوقّف الاستثمارات، إذ إننا كما تعلمون بعدما انتهينا من تصدير الأدمغة بدأنا بتوزيع البنات والصبيان على المحتاجين في كلّ أنحاء العالم.
    ونجيد كذلك الضيافة والطبخ واستعمال الأعشاب وتحضير الأرواح والتبصير وكتابة الرقي والأحجبة وتقديم المسرحيّات وإنتاج المغنّين والمغنيّات والراقصين والراقصات والأفلام، وعندنا أصوليّون ومتحرّرون، وعندنا محجّبات وعراة، وأغنياء ومتسوّلون، وزعماء ومرافقون، كلّ ذلك في بقعة صغيرة "تجمع بين الساحل والجبل" ولبنان يا أخضر حلو" و"ألله معك يا بيت صامد بالجنوب".
    أيّها الحكّام: أرجوكم اشتروا لبنان! وما دامت احتمالات الحروب والتقسيم واردة فلماذا لا تتقاسموننا بينكم، فلكلّ منكم أصدقاء في لبنان يتمنّون أن يعملوا بإرشاداتكم وتوجيهاتكم، وما دام الجميع عندنا يعمل بناء على توجيهاتكم فلماذا لا تختصرون الطريق ويكون في بلدنا (على سبيل المثال وكما كان الحال أيّام العثمانيّين): سنجق الرياض، وسنجق الدوحة، وسنجق دبي، وسنجق المنامة، وهكذا نعيش في أمن وسلام وبحبوحة و"بيرجع يتعمّر لبنان، أحلى ممّا كان" وذلك نظرًا لما حققتموه في بلادكم ولشعوبكم.
   أرجوكم اشتروا لبنان وسنكون كلّنا من أتباعكم المخلصين، فما دمتم تدفعون لنا أقساط المدارس وفواتير الاستشفاء فسنخدمكم أحسن ممّا يخدمكم زعماؤنا ورؤساؤنا وقادتنا، على الأقل نحن لا نكذب ولا نخون.
    اشتروا لبنان واسمحوا لنا أن نعيش في سلام. ولا تشتروا زعماءه، فالشعب والأرض أرخص بكثير.  

الخميس، 16 أغسطس 2018

فلتكن لكم نهاية تلك التينة يا أشباه المسؤولين في بلادي! (2016)


يا أيّها الذين عيّنتم أنفسكم زعماء على بلادي ومسؤولين فيها،
فلتحلّ عليكم، وعلى نسائكم وأولادكم وأحفادكم وذريّتكم كلّها في الوطن والمهجر،
لعناتٌ بعدد أكياس النفايات في بلد الأرز واللبان، بما فيها من حفاضات أطفال، وفوط صحيّة، ومحارم ورقيّة، وعلب أدوية، وخِرق مضرّجة بدماء المرضى وملوّثة بأوساخهم وقيحهم،
لعناتٌ بعدد الفيروسات والميكروبات التي أصابتنا وتصيبنا بسبب سياساتكم المتوارثة،
لعناتٌ بعدد الجراثيم الموجودة في مياهنا الموبوءة وهوائنا العليل،
لعناتٌ بعدد أدوية الأعصاب التي أدمنّاها بعدما أدميتم قلوبنا،
لعناتٌ بعدد الضحكات المتبادلة بينكم سرًّا عند اتّفاقكم علينا،
لعناتٌ بعدد قذائف الحرب التي دمّرتنا، ورصاص الفرح بعد كلّ خطاب لأحدكم،
لعناتٌ بعدد الصفقات التي أثرتكم وأفقرتنا، ورفعتكم وأذلّتنا،
لعناتٌ بعدد المرّات التي سألنا أنفسنا فيها عمّا إذا كانت الكهرباء من الدولة أم من المولّد،
لعناتٌ بعدد الطلبات التي قدّمها شبّاننا وشاباتنا إلى السفارات للهجرة،
لعناتٌ بعدد الأسماك المريضة عند شواطئنا، والطيور المهدّدة في سمائنا، والأشجار المقطوعة والمحروقة في أرضنا المستباحة،
لعناتٌ بعدد الأغنيات الهابطة، والفيديوهات السخيفة، والمسلسلات الممجوجة، ونشرات الأخبار البلهاء، والبرامج الحواريّة المستعادة حواراتها سنة بعد سنة، والضحكات الفاقعة المرفقعة في برامج التقليد والنكات والسخرية، والخطب السياسيّة المخادعة،
لعناتٌ بعدد اللايكات على صفحات أتباعكم المغشوشين بكم، والبوستات المؤيّدة سياستكم الغبيّة، والتغريدات الصادحة بتمجيدكم والدفاع عنكم،
لعناتٌ بعدد الموتى على أبواب المستشفيات، وعلى الطرقات، وبعدد ضحايا العنف والخطف والاغتصاب والجرعات الزائدة.
***
اللعنة عليكم، مرارًا وتكرارًا، لأنّكم تعلمون ما تفعلون، ولأنّكم، على مثال التينة التي لعنها المسيح، مخادعون خبثاء، تُتعبون الأرض، وحين تغطّيكم الأوراق الخضر الزاهية تكونون بلا ثمر!
اللعنة على دماء في عروقكم وشرايينكم تمتصّ دماءنا، وعلى شرّ معشّش في رؤوسكم يريد أن يكسر رؤوسنا، وعلى طمع في جيناتكم يخنق طموحنا،
اللعنة على نسائكم الساكتات السيليكونيّات المتواطئات الموطوءات،
اللعنة على أولادكم حاملي جرثومة السلطة والتسلّط، والمحمولين فوق أكتاف أتباعكم،
اللعنة على أحفادكم الموعودين بالمال السهل والمطمئنّين إلى مجد لا يزول،
اللعنة على عشيقاتكم وصبيانكم، وحرّاسكم ومرافقينكم،
اللعنة على قصوركم وفيلّاتكم ومنتجعاتكم وشاليهاتكم ويخوتكم وطائراتكم الخاصّة ومربّعاتكم الأمنيّة ومشاريعكم غير المشروعة.
***
نعم، اللعنة عليكم، أمسِ واليوم وغدًا، وإن كنّا نعلم أنّ المسيح طلب أن نبارك لا أن نلعن.
لكن ألا يجب على المؤمن أن يستعيذ من الشيطان ويمقت أعماله ويهدم الهيكل الذي تحوّل مغارة لصوص؟ "ولا عجبَ. لأنّ الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور" (رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس 11: 14)... أو إلى سياسيّ لبنانيّ تحت الأضواء!

الثلاثاء، 18 يوليو 2017

ما في شي تغيّر من 2014 ويمكن من قبل

الخطايا السبع

3 آب 2014
إلى بعضكنّ وبعضكم:
يا جماعة/ فلسطين مش موضة، غزّة مش شعار، سوريا مش لعبة، العراق مش موقف لحظة، وليبيا مش برميل نفط، عرسال مش قضية بلّشت مبارح والجيش مش غنيّة وفيديو كليب... المواضيع كلّها متشابكة ومترابطة، فيها الفقر المدقع، وفيها العهر السياسيّ والفساد الماليّ والخيانة، والتجارة والديكتاتورية، وعسكر ع مين وعكسر لمين، وميّة مصيبة وفضيحة
يعني مش اليوم لأنو في فايسبوك وتويتر وغيرن صرنا بدنا نركب الموجة وحدة ورا التاني وننزل ببعضنا وعظ وإرشاد
وكتابتي أنا بالتحديد مش ع الطلب، يعني ما حدا بقا يراسلني ت يسألني ليش ما كتبت عن غزّة، وليش ما جبت سيرة حلب، وليش ما دعيت لجمع مساعدات لمسيحيي الموصل، وليش ما حطّيت شعار للجيش وليش ما بحكي سياسة وباخد موقف
الموقف الوحيد يللي رح آخدو هوّي من يللي بعد بيتفلسفوا عليي:
_ واحد علماني، وع شوي ملحد، بيدعي للحرية الجنسيّة، وبرمضان بيصوم ت ما تزعل إمّو
_ وحدة سهرانة بالزيتونة بي، وبتدعم الجيش بشعار ع الفيسبوك وكانت مبارح عم تسبّ للعسكري بس وقّفها ع الحاجز وما شالت عويناتها يللي كل ميلة منن قد بوز المدفع، وما نزّلت القزاز كرمال المكيّف
_ واحد قاعد آخر الدني وصورتو بالمايوه ع البيسبن ببيتو الفخم، ونازل فيي رسائل عن الكيان الصهيوني وضرورة محاربتو وأنا هون تحملّت أربعين سنة حرب بسبب المؤامرة الصهيونيّة والغباء اللبناني والبغاء العربي|
_ واحد ما بدّو نساعد العراقيين، وواحد ما بدو نستقبل السوريين، وواحد ما بدو ينسى شو عملو فينا الفلسطينيين...
وغيرن وغيرن، ما بيعرفو خريطة فلسطين، ولا بيعرفو تاريخ لبنان، ولا بيعرفو وين النفط ووين الغاز
يا جماعة في ولاد عم تنقتل، وفي فقر وقهر وحزن وخوف، في أوبئة وفي أمراض، في جهل وتطرّف وجهاد ونكاح وموت بالجملة، في تهجير واغتصاب وصور مرعبة عن وحشيّة الإنسان، في وضع مش طبيعيّ، وكلّ يللي هامم بعض الناس بوست أو تعليق كتبتو أو ما كتبتو!!! وإذا أنا مزوّجة أو عزباء، ولمين عم بكتب حبّ!
عم بكتب حب ضد الحرب، حب ضد القرف، حبّ ضد البشاعة، حبّ ضد التطرّف، حب ضد الجهل، حبّ ضد الأنانية، عم بكتب حبّ لكلّ حدا ومش لحدا، ون كان لحدا ما حدا دخلو... إنتو إلكن الشعر مش الشاعرة، والرواية مش الروائيّة
وبصريح العبارة في كتير ناس ما عاد إلي خلق يطلعو قدّامي ولو بالصدفة، ت ما شوف جهلن وعصبيّتن وصورن، وإذا بدّكن تعرفو أنا مع مين، أنا مع حالي وضد الكل!
يا عمي العمر قصير شو جابرني ناقش ناس ما خصّا بيللي بكتبو!! ويللي بدّو يجاهد ويحارب ويقاوم ويدافع يروح ع الجبهات وما في أكتر منن ببلادنا! بس رجاء ما حدا يوعظني!!
انتهى البيان...

***

4 آب 2014
بخصوص الجيش والشعب البليد: (بالإذن من زياد الرحباني)
يا جماعة ما فيكن تكونو مع الجيش وحسابكن بالدولار لأنو ما بتوثقو بالليرة اللبنانيّة/ وما فيكن تكونو مع الجيش وضدّ بعضكن/ وما فيكن تكونو مع الجيش وضد البيئة/ وما فيكن تكونو مع الجيش وما تقولولو وين عم يغلط مش تسايرو، ولكن مش هوّي وبعزّ المعركة...
أنا مع الجيش ولكن مش مع يكون العسكري خادم عند مرت الضابط، وشوفير لولاد الضابط ومنظّف سجّاد عند حماة الضابط
أنا مع الجيش ولكن مش مع إنو العسكري يسبّ ع الطرقات وياكل بزر ع الحاجز ويكبّ زبالة ع الأرض
أنا مع الجيش مش لأنو عم ينقال إنو جيش المسيحيين متل ما كانو الفلسطينيين جيش السنة
أنا ما بحبّ الأنظمة العسكريّة، بس كمان ضد ديمقراطية الحمير...
ولا بطيق البدلة الوحدة ولو كانت ع جسم طبيب أو كاهن أو تلميذ مدرسة...
أنا مع الجيش مش لأني بدي قائدو يجي رئيس جمهورية، (بخاف عليه يكون أقلّ من فؤاد شهاب)
ولا لأني مع حزب الله، لأنو الله تبع حزب الله مش هوّي زاتو الله يللي أنا بآمن فيه وبلا ضحك ع الدقون (إلهي مات وقام وإله المسلمين لم يمت ولم يقم)، بس هنّي أحرار بإيمانن وأنا حرّة بإيماني، وإذا بدّن يحاربو بسوريا كمان هني أحرار وما إلي معن شي... والشيعة يللي بعرفن وبحبّن بيشبهوني وما بيشبهو ولا رجل دين...
ولا لأني ضد السنة بمخيم نهر البارد أو بعرسال أو بحيالا مطرح تاني، لأنو السنة يللي بعرفن وبحبّن ما خصّن لا بالله وبلا سنتو، وكمان بيشبهوني وما بيشيهو ولا رجل دين...
بس لمّا بسمع إنو وليد جنبلاط يللي هجّر مسيحيّة الجبل معترض ع تهجير مسيحيّة الموصل، وبس يضل نبيه برّي رئيس مجلس النواب مدى الحياة، وبس سعد الحريري وحسن نصرالله بيخاطبو الناس من ورا الشاشات، وبس سمير جعجع وميشال عون بيتقاتلو ع كرسي رح يسوّس خشبا (لأنو مش من خشب الأرز الشهير)... وبس فكّر للحظة بأنو راسي معقول يطير بسيف داعشيّ بأيّا لحظة، ولأنو طبعًا المسيحيين ما معن سلاح وإذا صار معن رح يوجّهو ع بعضن، وبس فكّر إنو الوضع هالقد دقيق وما عاد خيار مترف تكون مع الجيش بل خيار وحيد، فما بيعود في داعي للحكي والجدل العقيم، وبلا شعارات فاضية أكيد متل يافطات البلديات يللي كلا أخطاء لغوية وصفّ حكي، وبلا أغنيات صارت أكتر من عديد الجيش
لازم يكونو الكلّ مع الجيش ت يصير الجيش للكلّ، وما بيقدرو جماعة 14 آذار يكونو اليوم ضد الجيش وبـ 14 آذار الشهير وزّعو الصور إنو الجيش معن وعم يشارك بانتفاضة الاستقلال ويفتح الحواجز أمام الناس يللي عم يعطوهن زهور...
يمكن الجيش بدلة (وأنا بكره البدلة) بس ما بيقدر يكون بدلة ع قياس كل حدا منكن...
وللحديث صلة...
ورح نشوف كم حدا رح يضهر من الصفحة اليوم
وللبيان حرّر...

***

7 آب 2014
(بهيديك المرحلة كان في عليي هجمة وعظ وإرشاد مسيحي ع وطني كرمال هيك كان الحكي موجه لهالفئة من النسوان، وطبعا هالحكي بيصحّ ع غير المسيحيات وما بيصحّ ع كل المسيحيات)

عزيزتي المرا المسيحيّة يللي محمّسة للجيش إنت وعم تتحمّصي ع البحر، يا ريت حدا بيشرحلك شو عم إكتبلك لأنو أكيد ما بتفهمي عربي:
وقت يللي كان في خدمة عسكريّة لولادك عملتي مليون واسطة ت تهرّبين منها ع أساس ولادك ما بيحملو بهدلة
وقت يللي بنتك حبّت عسكري بالجيش كنتي رح تنتحري لأنو مش كلاس ولأنو ما بيحكي لغات ولأنو إمّو بتعمل كشك، وكان جوابك لبنتك: يا مامي لو ع القليلة ضابط كان عندو شوفير
وقت يللي إبنك مشي مع المحشّشين والحراميي كانت فرحتك قدّك لأنو أصحابو ولاد زعما
وقت يللي إبنك شلح تيابو وكبّن ع الأرض ت تلمّن الخادمة كان في شب من عمر إبنك عم يموت ت إبنك ينهرق ويتغنّج
وقت يللي كنتي قاعدة عند الكوافير عم تخبّصي بالحكي بالسياسة كان في مرا من عمرك عم تندب إبنها
وقت يللي كنت ناقعة إجريك بالمي قبل البيديكور كان في عروس عم تزفّ عريسها للموت
وقت يللي ولادك كانو نايمين للضهر كان في ولاد ناطرين تابوت بيّن
عزيزتي المرا المسيحية يللي عبّيتي حيطك شعارات للجيش، ودّي إبنك ع الجيش بعدان تفلسفي... احملي مكنسة ونضّفي بيتك قبل ما يخطر ع بالك تحملي قلم وتكتبي (وأكيد ما بتخيّلك رح تحملي سلاح)
عزيزتي المرا المسيحيّة، في كتار بنات ونسوان ماتوا وعاشوا كرمال قضيّة (يمكن صحّ يمكن غلط بس ع القليلة كان عندن قضيّة) فيكي، قبل ما تشلحي وتنزلي ع البحر، تشرحيلنا شو هي قضيّتك اليوم؟
هيدا مش امتحان موضوع إنشاء، ما تخافي... ع الأكيد إنت وحدك الناجحة...
وللبيان حرّر...


مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.