الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

ربيع جابر يطارد أطياف الحرب



لا يهمّ أن يحفظ القارئ أسماء الناس والأمكنة في رواية «طيور الهوليداي إن» لربيع جابر (دار التنوير)، وليس أمراً أساسيّاً أن يسجّل في ذاكرته أدقّ التفاصيل عمّا جرى لسكّان البناية التي تدور فيها وحولها أحداثٌ متشابكةُ الأزمنة لكنّها تصبّ كلّها في بداية الحرب اللبنانيّة أو ما صار يعرف بحرب السنتين (1975- 1976). فما جرى في بناية «أيّوب العبد» التي يعرفها الناس بـ «المبرومة» بسبب شكلها شبه الدائريّ يمكن أن يحصل في أيّ بناية أخرى، وما حصل في «الأشرفيّة» حيث تقع البناية حصل ما يشبهه في سائر المناطق اللبنانيّة، وما عاناه سكّانها الأصيلون أو المهجّرون إليها ومنها حصل لسواهم من اللبنانيّين وسائر المقيمين على الأرض اللبنانيّة. فما من بيت في تلك الحرب الأهليّة لم يختبر التهجير والخطف والتعذيب والهجرة والموت والإعاقة، وما من عائلة كانت بمنأى عن الآثار النفسيّة والجسديّة والاجتماعيّة لكلّ ذلك، حتّى ولو كان أفرادها في المهجر. الحدث هو المهمّ في الرواية، بل الأحداث، و «عندما تحدث الأشياء تحدث إلى الأبد. لا تقدر بعد ذلك أن ترجع في الزمن إلى الوراء وأن تبدّل مكانك، أن تختار هذه النقطة بدل تلك النقطة، هذه الحياة بدل تلك الحياة، هذا القدر بدلاً من ذلك القدر. تحدث الأشياء مرّة واحدة إلى الأبد. هذا مرعب، فظيع، وقاتل، لكن ماذا تفعل» (ص 254).
ولكن من هو هذا القارئ الذي يتوجّه إليه ربيع جابر؟ هو الذي يريد أن يعرف أكثر عن تلك الحرب، أن يواكب يوميّاتها، أن يرى من خلال الكلمات والأسطر كيف وقعت المعارك ساعة بساعة ومن قضى فيها ومن نجا منها. هو قارئ مستقبليّ إذاً، يقرأ كما لو أنّ ما بين يديه كتاب تاريخ لا يعرف أبطاله أو مجرميه فلا يضيق نفساً وهو يعاين عن كثب معاناة الناس الذين كان واحداً منهم. هي كتابة للتاريخ وليست عن التاريخ، تقرأها أجيال لم تولد بعد، وتريد أن تكتشف سيرة شعب تقاتل أبناؤه بعنف وشراسة بلا سبب مفهوم ومن دون نتيجة، ومع ذلك استمرّوا يبحثون عن أسباب جديدة لقتال جديد. وهي بسبب كلّ ذلك كتابة فيها الكثير من المخاطرة، يخوضها صاحبها غير عابئ بجماهيريّة لا يمكن أن تلتهم بسهولة رواية من 674 صفحة في مجتمع ليست القراءة فيه هواية مفضّلة، وفيها جداول بدوام تقنين الكهرباء (51) وثبت بأسماء البارات والفنادق والمومسات (ص62 و87)، ووصف لأغراض التتخيتة (العليّة) (ص 102)، وخريطة توزيع الحواجز مع أسماء القتلى (ص 108)، وأسماء السينمات والأفلام (135ص) وأسعار العملات وأسماء السيّارات (ص138)، والكثير من التقارير البوليسيّة عن سير المعارك وأسماء المخطوفين، ومقالات من الصحف، وسرد لعناوين كتب وأسماء مجلّات وروزنامات (ص181)، وصفحات منسوخة حرفيّاً من مخطوطات وكتب قديمة، ولائحة بأسعار المواد الغذائيّة... فهل يكتب ربيع جابر لمتعة الكتابة غير معنيّ بإغراء القارئ وجذب اهتمامه أم لا يزال يراهن على قرّاء، مهتمّين بيوميّات معارك لم تنته بسرعة فتحوّلت حرباً، وراغبين في متابعة حيوات الناس الذين توالوا على شقق الطبقات السبع التي يتكوّن منها المبنى ولا تشبه في أيّ شكل من الأشكال نعيم السموات السبع؟
المصعد الكهربائيّ في «المبرومة» معطّل في شكل شبه دائم، لذلك لم يكن سهلاً على سكّانها الوصول إلى بيوتهم من دون أن يتلاقوا ويتعارفوا. هذا الواقع انعكس على قارئ الرواية الذي أجبره الكاتب على السعي خلف السكّان والتنقّل مثلهم بين الشقق في شكل عشوائيّ كما كانت القذائف تفعل. ومن شقّة إلى شقّة، بدءاً من الطابق الأرضيّ حيث الناطور الذي يضرب زوجته، وصولاً إلى الطابق السابع ذي الشقق الأربع، مروراً بالطبقات الأخرى بينهما والمؤلّف كلّ منها من شقّتين، ارتفعت مداميك الرواية في جزءين أساسيّين، ينتهي الأوّل منهما بتبنّي إحدى عائلات المبنى طفلة تُركت على باب المستشفى، وكانت رائعة الجمال وهادئة ودائمة الابتسامة، فأدخلت الحياة على «المبرومة» وأخرجتها من متاهة الحرب حين ليّنت أكثر القلوب قسوة ورسمت ابتسامة على وجوه أشدّ المقاتلين شراسة. بينما ينتهي الجزء الثاني بالعثور على جثّة الناطورة «راغدة زغلول» والدة المخطوفة «كوليت» مهترئة في خزّان المبنى، ووصول إحدى الفتيات المقيمات فيه (مسيحيّة طبعاً) إلى أميركا حيث يقيم حبيبها المسلم الذي سبقها إلى هناك بعدما عافت نفسه الحرب.
هي رواية السقوط: سقوط الهوليداي إن، سقوط الدامور، سقوط تلّ الزعتر والكرنتينا، سقوط الجميع في اليأس، سقوط الإنسانيّة إلى درك الإجرام، سقوط الشعارات المخادعة، ولا ارتفاعَ إلّا لطيور تقيم في الفندق الذي شهد معارك شرسة بين جانبَي العاصمة والذي لا يزال خراباً، وطائرات تحمل الناس إلى أوستراليا واليابان وقبرص وفرنسا وأميركا هرباً من الجحيم اللبنانيّ، ترافقهم بركات الكاتب المتضامن مع رحيلهم أفراداً وعائلات، إيماناً منه بحقّ الإنسان في البحث عن حياة لائقة تضمن له الأمان والكرامة والعمل والحبّ. أمّا الآخرون العالقون في رمال الواقع اللبنانيّ المتحرّكة، فتعلّموا التعايش مع سلْمٍ يعرفون في قرارة نفوسهم أنّه هشّ فحاولوا الاستفادة منه قدر الإمكان.
في الطابق الأرضيّ يتابع آل «زغلول» حياتهم بعد اختفاء الابنة «كوليت» وموت الأم «راغدة» فتستلم الابنة «فريدة» مهمّة التنظيف تحت أنظار المخطوفين المعلّقة صورهم على الحيطان. ومن الطابق الأوّل هاجر آل «زخّور» إلى فرنسا مع ابنهم «ريمون» الذي أصيب بحروق بالغة وهو يقاتل ليلة سقوط «الهوليداي إن»، وغادر الصهر المسلم «سليمان» شقّة آل «ثابت وشرارة» التي اختبأ فيها طيلة حرب السنتين، في حين أوهمت زوجته «ليديا» الجميع بأنّه طلقها والتحق بالمنطقة الغربيّة، ولكن عند سقوط تل الزعتر والتهديد بمعاقبة من يؤوي «الغرباء» خاف على زوجته التي استشهد إخوتها الثلاثة، فغادر البيت. من الطابق الثاني، خرج «ألبير سمعان» لزيارة عائلته في قبرص ولم يعد بعدما اختبر على طريق المطار رعباً مهيناً، أمّا آل «صعب» فحاولوا التأقلم مع أقربائهم الذين تهجّروا من الدامور ولجأوا إليهم. في الثالث، آل «عطيّة» اليهود المهجّرون من وادي أبو جميل ينصهرون في المجتمع الجديد على رغم رائحة الجثث في مخيّمات الفلسطينيّين، وفي الشقّة المقابلة يحاول «لويس الخوري» الاستمرار في الحياة بعد وفاة زوجته ومقتل ابنه «شارل» بعد خطفه وانصراف ابنه «جرجي» إلى المخدّرات وتصفية الأسرى. في الرابع، السيّدة «حبيب» تنضمّ إلى جمعيّة للمطالبة بالمخطوفين بعد اختفاء ابنها «كارلوس» ويسمح زوجها لابنته «حلا» بالسفر إلى أميركا حيث خالها، وهو لا يعلم أنّها تريد الالتحاق بحبيبها «رضا حيدر» الشيوعيّ السابق. في الخامس، آل «زيدان» يقرّرون مغادرة البناية إلى مكان أفضل، وآل «طانيوس» ينشغلون بالتجارة. وفي السادس شقّة غارقة في الغبار والذكريات لـ «آل العبد» أصحاب البناية المسافرين، وشقّة آل «هاينيكين» التي هرب إليها من الغربيّة آل «معلوف». أمّا في السابع فأربع شقق صغيرة يقيم فيها: السيّد «موراني» مع ابنته التي فقدت أمّها/طليقته وأتت لتقيم معه، آل «بدّور» المتأقلمون مع الحياة على رغم إعاقة ولدهم، آل «الحويّك» المشغول بالهم على شقيق الزوجة «بشارة» المصوّر في جريدة «النهار» والذي يتهدّده الخطر بحكم عمله، آل «عازار» الذين نبغ منهم مقاتل شرس اسمه «سعيد» صفّى جميع من صادفهم خلال المعارك ما عدا الأطفال، وهو الذي ابتسم للطفلة «مرغريتا» التي تبّناها أهله.
في ازدحام هذه العائلات، وتلاحق حكايتها واستعادة أخبار جيرانٍ هربوا إلى بيروت الغربيّة، يتداخل السرد والوصف بلغة غنيّة تتخلّلها أساليب الرسالة العاطفيّة والتأريخ الجافّ والتقارير العلميّة، وحين ترد الصور البيانيّة تبدو عابرة وإن غير عفويّة، كأنّ الكتابة عن الحرب لا تحتمل الشعر. ولافت كيف يختار ربيع جابر صوره من عالم الحيوان (هل الحرب إنتاج غريزة بهيميّة؟): سيلان الدم على الوجه «كأنّ بزّاقة تجرّ بطنها على خدّه» (ص101)، «ساكتة كسلحفاة» (ص119)، «كلمات يابانيّة تشبه أثراً تتركه قوائم الطيور مطبوعاً في باحة موحلة» (ص127)، «طنين الوقت الذي يعبر بليداً ويترك أثر بزّاقة رطبة على صحن الشاي» (ص623). كما يلفت أنّ أكثر المشاهد المؤثّرة هي التي يؤدّيها رجال لا نساء حتّى ولو كنّ أمّهات مفجوعات أو مريضات: كمشهد والد «سعيد عازار» وهو يبحث عن ابنه قبل أن يعرف أنّه التحق بالأحزاب، ومشهد تصفية المخطوف على يد خاطف ينتقم لخطف أخيه، ومشهد الدكتور «معلوف» يقاوم بالاغتسال رائحة الجثث المنبعثة من المخيّمات.
في الصفحة 551 من الرواية، يستعيد الكاتب، وهو يروي حكاية انتقال آل «حبيب» من عين الرمانّة إلى الأشرفيّة، مقطعاً ورد في الصفحة 10 يعطينا فكرة عن حياة هذه العائلة. غير أنّه في الاستعادة يبدأ بعبارة: «كيف مرّ الزمن؟» كأنّ الحياة في البناية التي اسمها «المبرومة» تدور كحجر الرحى حول نفسها قاتلة الوقت وطاحنة مصائر الناس. وناس الرواية منساقون سلبيّون، يخوضون الحرب حين تفرض عليهم ويتحوّلون مقاتلين بلا قضيّة أو هدف، لا فرق إن كانوا من «الشرقيّة» أو «الغربيّة»، وتجمعهم رغبة في انتصار وحيد هو الهرب حين تسمح الظروف، وعندها فقط يعودون بشراً يصعب الاقتناع بقدرتهم على ارتكاب المجازر.
ولكن ماذا بعد الكتابة للتاريخ؟ هل تستطيع رواية الحرب والسلم هذه أن تغرينا بالعودة إليها بحثاً عن مواقف إنسانيّة خالدة أو شخصيّات آسرة. سؤال تصعب الإجابة عنه قبل أن نترك مسافة بيننا وبين المصوّر الصحافيّ الذي ماتت أمّه في غيابه، وسكّان البناية الذين تسمّموا من مياه الخزّان الذي غرقت فيه الناطورة، والمقاتلة الجميلة التي بتروا ساقيها من الحوض بعد إصابتها في معركة «الهوليداي إن»، والمخطوفين العالقين بين العودة والغياب، أو ربّما بعد أن يرمّم فندق تنزل فيه الطيور آمنة، ويتنقّل الناس حوله من دون أن يلتفتوا إليه.

الخميس، 29 سبتمبر 2011

من محبرة الليل (3)

منحوتة لرودان
1- أعظم قصيدة غزل هي تلك التي نظمها رجل في لحظة وهو بين ساقي امرأة جميلة

أمّا أجمل قصيدة حبّ فهي تلك التي لا يزال رجل يبحث عن كلماتها بعدما أمضى العمر كلّه في رفقة امرأة ذكيّة.
***
2- مقياس حريّة المرأة ليست في السرعة التي تخلع بها ملابسها
بل في سرعة ارتدائها حين تكتشف أنّها تستحقّ رجلاً أفضل من ذلك الذي ينتظرها متأهّبًا في السرير.
***
3- لا تعتبي على رجل يدير لك ظهره بعد أن ينتهي من ممارسة الجنس معك،
فهو يترك لك فرصة الحصول على متعة لن يعرف كيف يوصلك إليها ولو قدته بنفسك.
لا تعتبي عليه... ولا تبقي معه.
***
4- لا تندمي على أيّام أمضيتها مع رجال لم يستحقّوا رفقتك،
ولا تنسي فضلهم في تهذيب ذوقك.
***
5- في مرحلة ما من عمرِكِ، سيكون عدد ضحكاتك النابتة بين تجاعيد وجهك على عدد الدمعات التي حفرت أثلامًا فيه.
عند ذاك ستكتشفين كم صرت حكيمة.

حين يصير التقليد اجترارًا


ليس صحيحاً أنّنا نبتكر ونخترع ونجرؤ حيث لا يجرؤ الآخرون. فما يجري في حياتنا الاجتماعيّة، وما يصدر من إبداعاتنا، لا يدلاّن إلاّ على الغرق في التقليد، ولكن ليس بهدف المحافظة على العادات بمفهوم التراث والفولكلور، بل خوفاً من الابتكار والتجديد. ومتى أوحى بعضنا لمن حوله بأنّه أتى بجديد نكتشف بعد وقت أنّ هذا "الجديد" جديد عندنا وقديم عند من سرقت منه الفكرة.
تخيّلوا معي أن يجرؤ عروسان على الكتابة على بطاقة الدعوة إلى عرسهما العبارة الآتية: "ولمن يرغب لائحة الهدايا في مكتبة فلان"! (وليس في المصرف لتسديد نفقات عشاء المدعويّن). أجل، ما الذي يمنع من أن يفعل عروسان مثقّفان ذلك، على الأقلّ في سنة الاحتفال ببيروت عاصمة عالميّة للكتاب، وأن يحلما بمكتبة تستقبلهما في منزلهما الزوجيّ وتسبق الطناجر والصحون والثريّات والسجّاد والبرّاد والغسّالة وغير ذلك من حاجات المنزل، الضروريّة بلا شكّ، ولكن هل تلغي دور الكتاب وقيمته؟ أو تخيّلوا معي عروسين يجرؤان على الإلحاح على المدّعوين كي يصطحبوا أولادهم إلى العرس والسهرة، لأنّهم فرح العيد وبهجة المناسبة، وذلك بدلاً من أن يجد بعضهم الوقاحة الكافية ليكتب على بطاقات الدعوة "نوماً هنيئاً لأولادكم" كي ينبّه حضرة المدعوّين إلى أنّ أولادهم، فلذات أكبادهم، غير مرغوب فيهم، ومع ذلك مطلوب من ملبّي الدعوة أن يقولوا للعروسين: بالرفاه... والبنين.وتخيّلوا أن تجرؤ عائلة أحد المتوفّين على الكتابة على ورقة النعي: من لم يزر فقيدنا في حياته، ولم يساندنا في الشدائد والمرض فلا يكلّفنّ نفسه عناء المشاركة في دفنه. أو أن يقول أحدهم في المأتم: أيّها الأحبّاء، الكنيسة تعلن الحداد على المسيح لثلاثة أيّام لأنّها تؤمن بقيامته من الموت، ونحن، عائلة الفقيد، لن نتصرّف في شكل وثنيّ كأن لا قيامة عندنا، لذلك فلن نرتدي اللباس الأسود ولن نعلن الحداد إلا لثلاثة أيّام.وتخيّلوا أن تجرؤ والدة على تعليق ورقة على باب بيتها الخارجيّ، تعلم فيها الجيران بأنّها تعتذر عن عدم قدرتها على استقبال أحد بعد ظهر كلّ يوم مدرسيّ لأنّ بيتها صغير والأولاد مكبّون على فروضهم وأمثولاتهم وبحوثهم، وهي لا تريد أن يلهيهم شيء عن واجباتهم المدرسيّة.وتخيّلوا أن يجرؤ أحدكم ويسأل مواطناً لبنانياً يناقش في السياسة، وهو يصخب ويثور ويؤكّد وينفي ويهدّد ويتوعّد ويشرئبّ، عن آخر كتاب قرأه في الفكر السياسيّ، أو عن آخر مقالة موضوعيّة، أو عن آخر دراسة علميّة تبيّن بالأرقام والوقائع والتواريخ والمقارنة مواقف هذا الزعيم أو ذاك القائد من هذه المسألة أو من تلك القضيّة.وتخيّلوا أن تحملوا كتابًا لمريض، ونكتة لحزين، وألاّ تستدينوا لتقيموا عرسًا لن يرضي أحدًا، وألاّ يكون عندكم خادمة آسيويّة لا تحتاجون إليها فعلاً.
إنّ أكثر أنواع التصرّفات والمبادرات التي نضعها تحت عنوان الجرأة هي من نوع الوقاحة أو التحدّي أو بهدف "خالف تُعرف"، أو "الإبحار عكس التيّار"، أو نشر الفضائح، أو إثارة المشاعر والغرائز على مختلف المقاييس. أمّا الجرأة التي تعلّم وتربّي وتضع نصب عينيها أهدافًا واضحة بنّاءة فلا نزال بعيدين منها، ولذلك نستسهل تقليد البرامج والشخصيّات والأزياء والديكور والهندسة وتسريحة الشَعر وكتابة الشِعر، وصولاً إلى "تقليد" الأوسمة لمستحقّيها بعد موتهم لأنّنا نريد أن نقلّد الدول الراقية في تكريم المبدعين.
ولذلك فأكثر مدّعي الجرأة يفضّلون أن يرفعوا أرقام حساباتهم المصرفيّة، على أن يرفعوا أصواتهم في وجه الظلم، وأن يرفعوا سقوف قصورهم، على أن يرفعوا سقف مطالب الناس المحقّة، وأن يرفعوا من قيمة أنفسهم في نظر الناس على أن يرفعوا رؤوسهم أمام من يتذلّلون له.

الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

لست قدّيسة


مريم المجدليّة
جهنّم!
أخيرًا وجدت مكاني المفضّل الذي لا يوجد فيه أحد سواي!
هناك، تحت، لا فرق أين، سأكون أخيرًا وحدي، لن يزعجني أحد، لن يكلّمني أحد، لن أضطرّ للإجابة على أحد، ولن أصلّي كلّ أحد!
كلّ الناس صاعدون إلى السماء ما عداي:
القدّيسون والطوباويّون والمكرّمون والأولياء ورجال الدين من مختلف الطوائف والمذاهب والرتب والمقامات، والراهبات والمحجّبات والشيخات، والمتجدّدون بالروح وأنقياء القلوب والودعاء والأصوليّون والمبشّرون والملتحون وفاعلو الخير وناشرو السلام ومقدّمو البرامج الدينيّة والمرتّلون والمنشدون، والفرسان والزنابق والطلائع وأعضاء الأخويّات والجمعيّات الخيريّة...
الزعماء والرؤساء والملوك والأمراء والسياسيّون وقادة الجيوش، والإعلاميّون والمعلنون والجنود والأطبّاء والمهندسون والمحامون، والمطربون والمطربات والراقصون والراقصات والممثّلون والممثّلات والممرّضون والممرّضات الرياضيّون والتلاميذ والمعلّمون والكشّافة...
الشهداء والمرضى والمعاقون والأسرى والمعتقلون والسجناء والمخطوفون، والمتطوّعون في الصليب الأحمر والهلال الأحمر وكاريتاس ودور الأيتام والعجزة والمبرّات، والحزبيّون والأنصار والمؤيّدون والمتقاتلون على مختلف الجبهات...
الأمناء العامّون والمدراء العامّون والرؤساء العامّون، والعاهرات والقوّادون والمدمنون والمنتحرون والعراة والشاذّون...
الآباء والأمّهات والإخوة والأخوات، والعجزة والرضّع،
وسائر خلق الله (أعتذر لعدم تمكّني من رؤية الجميع بسبب الازدحام على طريق السماء)، وكلّ كائن بشريّ ولد وعاش ومات منذ فجر التاريخ،
كلّ واحد من هؤلاء صاعد إلى نعيم الفردوس لأنّه لم يؤذ نملة، ولم يرتكب خطيئة، ولم يتفوّه بكلمة مهينة، وحين أسمعهم يتحدّثون عن أعمالهم ومآثرهم وتضحياتهم ومعاناتهم، وحين يعظون في شؤون المحبّة والعفّة والفقر والطاعة والعائلة وطيبة القلب ونظافة الكفّ ونقاء السريرة والصبر والفرح، أخجل من نفسي إذ أكتشف كم أنا خاطئة! يا إلهي! كم أنا خاطئة! ثمّ أفرح لأنّني وجدت مكاني المفضّل حيث لا يستطيع الشيطان نفسه (الملاك سابقًا) أن يزعجني لأنّ كلّ مملكة تنقسم على نفسها تخرب، أو ربّما لأنّني الزبونة الوحيدة في ديار البلاء الخالية، إلاّ منّي.
كلّ واحد منهم عمل في سبيل نشر الإيمان القويم ومصلحة الوطن وخير البشريّة والمحافظة على البيئة، كلّ واحد "قلبو أطيب من التاني" ويحبّ الجميع ولا يريد الشرّ لأيّ إنسان، ولا يتمنّى المرض والموت لأيّ كان. لا أحد زنى، لا أحد عبد ربّين، لا أحد سرق، لا أحدّ قصّر في واجباته، لا أحد اشتهى مقتنيات غيره....إلاّ أنا.
نعم، أنا الآثمة الوحيدة، والمجرمة الوحيدة، والحاقدة الوحيدة، واللئيمة الوحيدة، والكارهة الوحيدة، والمعتدية الوحيدة، والغاضبة الوحيدة، وكلّ الآخرين ملائكة تشعّ الهالات فوق رؤوسهم وتغنينا عن الكهرباء وضوء الشمس ونور القمر.
نعم، أنا الكاذبة الوحيدة، والمخادعة الوحيدة، والشريرة الوحيدة، والعاهرة الوحيدة، والظالمة الوحيدة، والسارقة الوحيدة، والكافرة الوحيدة، وكلّ الآخرين مظلومون وضحايا وأبرياء ومساكين، فطوبى لهم لأنّ لهم ملكوت السماوات.
نعم، أنا كلّ ذلك وأكثر ممّا أخجل من ذكره، ومستعدّة لدفع ثمن أخطائي وخطاياي والإقامة في سجن إفرادي شاسع وهادئ وصامت وفسيح، بعيدًا عن الازدحام على طريق السماء حيث يسلّم الناس على بعضهم في محبّة وشوق وابتسامة: وينكن ما عدنا شفناكن؟ وحيث الغناء والفرح والضجيج وتبادل التحيّات في صوت عال كي يسمع من ليس له أذنان سامعتان.
نعم، ومن على صفحة الصحيفة أعترف بآثامي وذنوبي وأتحمّل مسؤوليّة الشرّ في العالم: الظلم والفوضى والغباء والعهر والنميمة والحقد وكلّ ما يمتّ إلى ذلك بصلة. فمن غير المعقول أن تقع كلّ هذه الأفعال من دون فاعل! لا يعقل ألاّ يكون أحد قد ارتكب كلّ هذه المآسي والفظائع والمجازر والتعديّات والسرقات وتخريب المؤسّسات ونشر الأمراض وتعنيف الأولاد وتضليل المراهقين وتعذيب السجناء واغتصاب القاصرين والقاصرات وإطلاق الشائعات وبيع المخدّرات.
وحدي ارتكبت كلّ ذلك. وكلّ الآخرين، كلّكم، أبرياء لا دم على أيديكم ولا افتراء على ألسنتكم! فاصعدوا كلّكم إلى السماء مكافأة لكم، وسأنزل وحدي إلى الجحيم وأنا أردّد: الحمد لله لأنّني لست قدّيسة! الحمد لله لأنّني لست قدّيسة!
*****
لحظة تأمّل
طلبت منّي أمّي أن آخذها لزيارة مار شربل في "عنّايا"، فقلت لها: يا قدّيسة أمّي، لو بقينا في زبدين - جبيل لهان الأمر، ولكنّ والد جدّي أصرّ على المجيء إلى بعبدا فبعدنا عن أرض القدّيسين، فاطلبي من مار شربل أن يزورك في بيتنا لأنّ المواصلات عنده مؤمّنة مجّانًا، أمّا نحن الخطأة فسندفع مبلغًا محترمًا ثمن تنكة البنزين (أمّي لا تعرف كلمة صفيحة، ولكنّها تعرف أنّي عاطلة عن العمل).

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

عن حريّة السعوديّات وشقيقاتهنّ



حريّة المرأة السعوديّة ليست هدفًا بل وسيلةٌ لتحرير المجتمع كلّه من الجهل والتعصّب والظلم. أعرف أنّ سعوديّات كثيرات يعرفن ذلك، الخوف (من) و(على) الشريحة الكبرى من النساء اللواتي يتناسين (أو يجهلن) أنّ الحريّة مسؤوليّة. والمفارقة أنّ البلد الذي لم يسمح للمرأة بعد بقيادة السيّارة أعطاها دورًا تمثيليًّا في الحياة السياسيّة. وتفسير ذلك بسيط: فقيادة السيّارة شأن يطاول الحياة العائليّة والاجتماعيّة ويمكن أن يثير تغيّرات في العلاقات الأسريّة لا تريد الحكومة أن تتلهّى بتفاعلاتها ونتائجها. في حين يأتي القرار المهمّ (من فوق) بأن يقود الرجل سيّارة المرأة ليوصلها إلى حيث تُسمِع صوتها وتعطي رأيها وتحدث الفرق. ومن المنطقيّ أن يكون صوتها هناك أهمّ من بوق السيّارة في الشارع، مع الإشارة إلى أنّ المرأة اللبنانيّة قادت السيّارة قبل سواها من شقيقاتها العربيّات ومع ذلك لم تصل إلى المجلس النيابيّ أو الوزارة إلّا بالوراثة عن أبيها أو زوجها أو لكونها محسوبة على فلان أو فلان من الزعماء، تدلي بصوته لا بصوتها.

التغيّرات لا بدّ آتية، في السعوديّة وسواها. حركة المجتمع ليست هبة من أحد، إنّها ميزة طبيعيّة فيه. والعبرة في أن تتّعظ المجتمعات من تجارب سواها وتتعلّم منها.

حركة تحقير المرأة

( نشر هذا النصّ إثر مقتل المغنيّة سوزان تميم)

الصورة التي نشرتها المجلّة الإلكترونيّة "إيلاف" يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2008 للمغنيّة سوزان تميم وهي مذبوحة سُحبت عن الموقع في اليوم التالي مع الاعتذار من القرّاء. ليت الأمر بالنسبة إلى ذاكرتنا في مثل سهولة كبسة الزرّ التي محت الصورة عن الشاشة. ولكن يبدو أنّ هذا هو الثمن الذي علينا أن ندفعه إن أردنا أن نرى أكثر ونسمع أكثر لنعرف أكثر، غير أنّ الجميلة التي اعتدى عليها الذئب في غابة المال والأعمال، والأميرة النائمة في انتظار قبلة الأمير، ستبقى لغزًا لا يريد أحد أن يحلّ عقدته.
من الذي أوصل سوزان تميم إلى هذه "الصورة"؟ حريّة الصحافة أم حريّة المرأة أم "حريّة" ممارسة السلطة؟ وهل نضع الحقّ في ما أصاب الصبيّة على التحرّر ونقول أنّ ذلك هو ما أوصلها إلى المصير الذي رأيناها فيه؟ وهل نستغلّ هذه الجريمة البشعة لنطلق النظريّات حول حريّة المرأة وحدود هذه الحريّة وشروطها وقوانينها؟ لا شكّ في أنّ كثيرين فعلوا ذلك وسيفعلون وسيلقون اللوم على عمل المرأة وخصوصًا في المجال الفنيّ، وينسى هؤلاء ما كنّا نراه صغارًا في أفلام فاتن حمامة (قبل أن نقرأ الروايات التي صارت أفلامًا) حين كانت الاعتداءات تقع في الحقل وفي القرية ومع الفلاّحات البسيطات وفي زمان الأبيض والأسود قبل أن تتلوّن مخيّلتنا بألوان القصص وحكايات النجوم والمشاهير.
ولكن ما يدعو إلى التفكير، بعيدًا عن هذه القضيّة بالتحديد، هو وهم الحريّة لا الحريّة في حدّ ذاتها. فأن تتحرّر المرأة العربيّة من سلطة والدها لتقع تحت سلطة صديقها الثريّ لا يعني أنّها حقّقت ذاتها وأحلامها. فما دامت المرأة تحتاج إلى الرجل، أيّ رجل، كي يغدق عليها الأموال، ويحمل إليها الهدايا، أو في كلّ بساطة كي يؤمّن لها قوت يومها، فذلك يعني أنّها ليست حرّة بعد. فخلع الملابس أسهل أنواع التحرّر، ألا تخلع الأشجار أوراقها مع هبوب الريح؟ وممارسة الجنس أسهل أنواع التحرّر ألا تتكاثر الحيوانات وتتناسل لأنّها تمارس الجنس أيضًا؟ والصراخ في الشوارع والتعبير عن الرأي أسهل أنواع التحرّر، ألا تصرخ العواصف في الليل؟ ألا يصدر البحر الهائج أصواتًا تعبّر عن ثورته؟ والبركان؟ ألا يقذف الحمم تعبيرًا عن غليانه؟
الحريّة شيء مختلف تمامًا، ولا تكون إلاّ في الترفّع عن الأمور الماديّة إلى درجة الزهد بمتاع الدنيا، أو الاكتفاء الماديّ حتّى لا تضطر المرأة إلى اللجوء إلى أحد، أيًّا يكن هذا "الأحد". فالانتقال من ذراعي رجل إلى ذراعي آخر لا يعني أنّ المرأة حرّة تستطيع أن تفعل ما تشاء، والمتاجرة بالمخدّرات لا تعني أنّ المرأة حرّة وتستطيع العمل في أيّ مجال، والتبادل الذي تدّعي بعض النساء أنّه من طبيعة الحياة لا يعني أنّ المرأة حرّة تستطيع أن تقدّم جسدها في مقابل المجوهرات، أو أفكارها في مقابل الطعام، أو رفقتها في مقابل الملابس وعمليّات التجميل وما تؤمنّه من علاقات عامّة وشهرة.
وما لم تفهم المرأة أنّ اكتفاءها الماديّ من دون أن تكون "مديونة" لأحد هو السبيل الوحيد لتحقيق ذاتها، فستبقى عالة على المجتمع وستبقى أسيرة ولو كانت قيودها من ذهب. ولن يغيب عن البال أنّ العبوديّة عبوديّة أكانت لربّ العمل أم لربّ البيت، والأسر أسر أكان ذلك في المنزل الوالديّ أو الزوجيّ أو في الشركة أو المعمل أو المدرسة أو الجامعة، والارتهان ارتهان أكان ذلك من أجل زعيم أم من أجل ثوب أم من أجل سرير.
تتساءل النساء في عالمنا العربيّ عن سبب حرمانهنّ من حريّتهنّ، ويلقين اللوم على الرجل. معهنّ حقّ، ولكنّ الرجل الذي تهرب منه المرأة كوالد هو الصديق الذي تلجأ إليه الجارة، والزوج الذي تهرب منه المرأة بسبب عنفه هو الرجل نفسه الذي ترتمي عشيقته عند قدميه، والأخ الذي تهرب منه المرأة لقسوته هو نفسه الشاب الذي تتحرّش به صديقتها. ولأنّ الرجل يعرف ذلك، ولأنّه يعرف أنّ المرأة العربيّة لم تتصالح بعد مع نفسها وعقلها وجسدها، ولأنّه يعرف أنّها أسيرة رغباتها قبل أن تكون أسيرة رغباته وأنّها تحتاج إليه طوال الوقت في حين يحتاج هو إليها لبعض الوقت، لأنّه يعرف كلّ ذلك لم تستطع المرأة أن تحقّق ذاتها بل لا تزال تمعن في تحقير هذه الذات وإذلالها.

الاثنين، 26 سبتمبر 2011

من أجل بقاء الجامعة اللبنانيّة

Yohanna Demouget

نشرت هذه المقالة في صحيفة النهار، الاثنين 15 كانون الأوّل 2003، وبما أنّ التاريخ يعيد نفسه خصوصًا عند الشعوب التي لا تتعلّم من أخطائها، يمكنني في سهولة أن أعيد نشرها مع احتمال إضراب جديد في الجامعة اللبنانيّة، في مقابل موسم جديد حافل من البرامج التلفزيونيّة والصراعات السياسيّة على حساب التربية والتعليم.

***

من الجامعة اللبنانيّة إلى أكاديميّة النجوم "ستار أكاديمي"

صحيح أنّ الجامعة اللبنانيّة مقفلة بسبب إضراب الأساتذة، لكنّ "ستار أكاديمي" فتحت أبوابها، والدروس فيها تتواصل أمام كاميرات ترصد كلّ حركة وكلّ كلمة وكلّ إشارة.

وصحيح أنّ سبعين ألف طالب لبناني ينتظرون العودة إلى الصفوف، لكنّ ستة عشر مشتركًا من جنسيّات عربيّة مختلفة يتابعون دروسهم في انتظار تألّق نجم منهم، في حين تلاحق تفاصيل حياتهم اليوميّة ملايين العيون القلقة، المترقّبة، المنتظرة، الباكية شوقًا أو تأثّرًا، فلمَ الخوف إذن على التربية في لبنان؟

لا يعني هذا الكلام أنّ على "المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال" أن تعمل على حلّ مشكلة الجامعة اللبنانيّة، ولا أحد ينتظر منها بالطبع أن تفعل ذلك، بل نتوقّع منها أن تعسى إلى إنجاح البرنامج، أيّ برنامج، بكلّ الوسائل المتاحة، ومهما كانت الظروف التي ترافق الإعداد له وعرضه. إنّما لا يمكن أن تمرّ مناسبتا إضراب الجامعة وافتتاح عروض "الأكاديميّة" من دون التوقّف عندهما.

فحين تنافس الجامعات الخاصّة الجامعة الوطنيّة وتنمو على حسابها وتكبر وتزدهر، وحين تنافس التلفزيونات الخاصّة تلفزيون الدولة بعدما استولت على تاريخه وذاكرته ومحفوظاته، وحين يجلس المواطن الممنوع عن جامعته أمام التلفزيون ليتابع دروس الحالمين بالشهرة والمجد والوقوف على المسارح، حين يحصل كلّ ذلك لا نستطيع إلّا أن نلقي اللوم على أنفسنا.

لا شكّ في أنّ الطالب في الجامعة اللبنانيّة يحسد أولئك الذين أنعمت عليهم السماء بصوت جميل (؟) يسمعه المسؤولون في حين بحّ صوته من الصراخ في الشارع مطالبًا بالعودة إلى صفّه، من دون أن يعيره أحد أيّ اهتمام. وهو يغار من أولئك الذين نخصّص لهم ساعة من الوقت كلّ ليلة لنكتشف خلالها كيف يأكلون وكيف ينامون وكيف يتشاجرون وكيف يتخاطبون وما لون ملابس نومهم وموعد استحمامهم ونصائح ضيوفهم – وكثر منهم من خرّيجي الجامعة اللبنانيّة – في حين يمرّ الخبر عن الإضراب في نشرات الأخبار سريعًا ومختصرًا.

المشكلة ليست في عرض برنامج هو نسخة لبنانيّة عن أصل أجنبيّ، فعشرات الهواة يشاركون في نسخه الموزّعة على أكثر من بلد ويطمحون إلى النجوميّة. وهذا أمر جدّ مقبول ومفهوم، ونفهم كذلك أن يشارك في أكاديميّة الفنون طلاّب من دول عربيّة جامعاتها الوطنيّة موجودة ومفتوحة الأبواب. أمّا أن نفتح نحن اللبنانيّين أكاديميّة لبضعة طلاّب ونصرف عليهم ثروات طائلة ونبني لهم غرف تدريس نموذجيّة فأمرٌ يعجز المنطق عن قبوله في وقت ينتظر الطلاّب الجامعيّون عودة المسؤولين من عطلهم، وفي وقت تهدّد المدارس الخاصّة بالتوقّف عن التدريس ما لم تحلّ مشكلة صندوق التعويضات للمعلّمين (في 2011 هناك زيادة على الأقساط).

هنيئًا لنجوم "ستار أكاديمي" فثمّة سبعون ألف طالب لبنانيّ يحسدونهم ويتعلّمون منهم. والعدد إلى ارتفاع.

السبت، 24 سبتمبر 2011

ليس حبّا هذا الذي تصفه الروائيّات العربيّات


خوان ميرو

الرواية النسائيّة العربيّة لا تتحدّث عن الحبّ، ولا تتحدّث عمّا يصاحبه من حنان وأمان وتفاهم ووضوح وحريّة وقوّة ومعرفة. فما يوجد الآن في أسواقنا الأدبيّة حالات مرضيّة خطيرة مقتنعة بأنّها قصص حبّ وعشق.
وإذا كان من المتوقّع وجود هذه الحالات المرضيّة في المجتمع النسائيّ العربيّ فلا يعني ألاّ تسلّط الروايات الأضواء على شخصيّات نسائيّة عاشت قصص حبّ حقيقيّة وتصلح كي تكون قدوة ومثالاً. صحيح أنّ الأدب ليس دروسًا في علم الاجتماع وحسن التصرّف ولكن يجب أن يفتح ذراعيه لروايات تبيّن أنّ ثمّة نساء عرفن الحبّ المجبول بالكرامة والتحدّي والمواجهة والقدرة على النجاة من سطوة الأحلام أو قسوة الكوابيس.
نعم، المرأة العربيّة أسيرة التقاليد، ولكنها كذلك تستغلّ هذه التقاليد لمصلحتها ساعة تريد.
نعم، المرأة العربيّة ضحيّة الرجال، ولكنّها الضحيّة التي تستلذّ ألمها وتستعذب معاناتها وتستفيد من صورتها هذه لتنصرف إمّا إلى الكسل والاتكاليّة أو إلى استدرار العطف وكسب التأييد.
وعندما لا تفعل ذلك، تمضي حياتها وهي تتحدّى كلّ ما حولها لتثبت لغيرها قبل نفسها أنّها تملك من الإمكانات ما يجعلها تستحقّ أن تكون مساوية للرجل.
ليس حبًّا هذه الانهيارات العصبيّة وحالات الجنون وتدمير الذات. ليس حبًّا هذا الشعور المترافق مع الخوف والقلق والحذر والاختباء والهرب. ليس حبًّا هذا الذي يدمّر المرأة ويضعفها. ليس حبًّا ذلك الشعور الذي يجعل المرأة "تشعر" بأنّها جميلة، إنّه وهم الحبّ المخادع كسراب الصحراء. الحبّ يجعلها فعلاً جميلة، جسديًّا وروحيًّا وعقليًّا، لا يوحي لها بأنّها جميلة، ولا يصوّر لها أنّها جميلة، ولا يوهمها بأنّها جميلة. الحبّ يحوّلها، يغيّرها، يقوّيها، فلا تتحطّم بعده ولا تيأس ولا تصغر قيمتها في عين نفسها، ولا تضعف. الجنس يفعل ذلك، ربّما. التعلّق المرضيّ بالآخر، الخوف من الوحدة، الخوف من العمر، الخوف من كلام الناس، الخوف ممّا تظنّه هزيمة...ولكنه ليس قطعًا الحبّ كما أعرفه وأعرّفه.
الحبّ لا يسلب المرأة إرادتها بل يلبسها درعًا يحفظ إرادتها من الانكسار أمام صعوبات الحياة.
الحبّ لا يدجّن المرأة ولا يأسرها في قفص ولو من ذهب بل يطلق أفكارها وعواطفها ويعلّمها أن تطير وتحلّق.
الحبّ لا يعطّل عقل المرأة بل يوقظ فيها قدرات ذهنيّة وإمكانات فكريّة كانت لا تعرف أنّها موجودة فيها.
وكلّ ما سوى ذلك أضغاث أوهام وبقايا حكايات علقت في الذاكرة من عهد الطفولة ولم تكن فيها المرأة تفعل سوى الانتظار، تنتظر الساحرة لتحضر لها ثوبًا، وتنتظر الأمير ليوقظها بقبلة، وتنتظر شعرها ليطول لتمدّه حبل خلاص. وفي كلّ هذا الوقت ماذا تفعل هي: تبكي أو تنام فلا تقرأ كتابًا ولا تتعلّم حرفة ولا تنتج عملاً.
وانسحب هذا الانتظار على كامل حياتها، فصارت تنتظر الشاب كي ينهي علمه، والرجل كي يجد وظيفة، والمتزوّج كي يطلّق امرأته، والمريض نفسيًّا كي يتعافى، والفقير كي يصبح غنيًّا، والغنيّ كي ينظر إليها، والمقاتل كي يعود من الحرب، والصيف كي تغري عريسًا يتسكّع على شاطئ البحر، والمسافر كي يرسل إليها دعوة للحاق به....ثمّ جاءت المسلسلات المكسيكيّة حيث صارت بائعة الأزهار الجميلة تنتظر الثريّ ليلتقطها بسيارته الفخمة، ثمّ أتى دور الرواية الخليجيّة حيث تقع الفتاة عبر شبكة الإنترنت على من يلقي حولها شبكته ليصطادها.
أمّا العِلم والفكر فلا مكان لهما في القاموس الأنثويّ ولا وقت لهما في غرفة الانتظار البيضاء.

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

سلوى بكر في حديقة «الصفصاف والآس»


صحيفة الحياة - الجمعة 23 أيلول (سبتمبر) 2011
إن كان من شروط الرواية أن تتخطّى المئة صفحة على الأقلّ، خصوصاً إذا كانت من القطع الصغير، فرواية «الصفصاف والآس» لسلوى بكر الصادرة عن الهيئة المصريّة العامّة للكتاب ليست كذلك (94 صفحة). وإن كان من شروطها حشد أكبر عدد من الشخصيّات التي توضع تحت مجهر التحليلين النفسيّ والاجتماعيّ، فالرواية المشار اليها لا تفي بالمطلوب، وإن كانت الرواية عرضاً لغويّاً يجمع بين أساليب كلاميّة مختلفة ومن ضمن تقنيّة مغايرة، فما نحن في صدده ليس قطعاً كذلك. أمّا إن كان العمل الروائيّ هو ذلك الذي ينقل قارئه إلى عالم آخر، مع ما يستدعي ذلك من الوصول إلى تحديّات ذهنيّة وحالات عاطفيّة ومستويات خياليّة، فتكون الرواية قد لامست هدفها ولكن من دون التعمّق فيه أو إعطائه حقّه. ففي الصفحات القليلة التي تكوّن هذه القصّة، يمكننا العودة إلى مرحلة مجيء نابوليون بونابرت إلى مصر، والتعرّف إلى عائلة الشيخ خليل البكري، نقيب الأشراف، الذي تغاضى عن علاقة ابنته بالقائد الفرنسيّ في سبيل تحقيق مصالحه، وحين رحل الفرنسيّون تنكّر لابنته وتركها عرضة للقتل. ونستطيع كذلك أن نعاين تفاصيل الحياة اليوميّة في تلك المرحلة التي شهدت احتكاكاً آخر بين الشرق والغرب، وبين الإسلام والمسيحيّة، ولكن هذه المرّة في ديار العرب، بعدما كانت المرّة الأولى في الأندلس. وذلك من خلال ما دوّنه المؤرّخ عبدالرحمن الجبرتي (1756- 1825) الذي عاصر الحملة الفرنسيّة على مصر وكتب عن التغيّرات الحياتيّة والاجتماعيّة والحضاريّة التي نتجت من الوجود الفرنسي في بلاد النيل. ومع كلّ ذلك يبقى شيء ناقصاً، ونعتب على الروائيّة التي لم تذهب بالمتخيّل إلى آخر المشوار طلباً لمزيد من الدهشة والإبهار، ولم تستغلّ التاريخ كمسرح لحدث لافت بقدر ما استقت منه معلومات تقريريّة جافّة، ولم ترسم لشخصيّاتها أدواراً أكثر تأثيراً وبقاء.
زينب ابنة الشيخ البكري تفقد يوماً بعد يوم ثقتها بنفسها نتيجة معاملة أمّها وأبيها له: فالأمّ تجد ابنتها سوداء قبيحة نحيلة لن تجد من يطلبها للزواج، والأب منشغل بحياته الخاصّة مع الجواري والغلمان فلا يكاد ينتبه إلى وجود ابنته، فاستعاضت الفتاة معنويّاً عن هذا التهميش بشقيقها الذي يروي لها ما يجري خارج حدود البيت وخصوصاً في ما يتعلّق بعلوم الفرنسيّين واختراعاتهم، وجاريتها «مال» التي تسبغ عليها بعض حنان واهتمام. ولكن حين تنال الفتاة حظوة في عين بونابرت وتصبح عشيقته، برضا والدها التاجر ورغماً عن أمّها التي اعتبرت الفرنسيّين كفرة قذرين، تنقلب حياتها رأساً على عقب وتجد نفسها محطّ إعجاب واهتمام وعلى تماس مع تقاليد غريبة وعادات مثيرة تدفعها إلى المقارنة بين المصريّين والفرنسيّين في مختلف شؤون الحياة وطرائق المعيشة. ولعلّنا نفهم طبيعة هذا النوع من العلاقات من خلال ما نقلته «زينب» عن امرأة شاميّة كانت تحتمي بالفرنسيّين لأنّ زوجها عميل لهم فتقول: «إذا رغب الإنسان في أن يعرف مصر من الأمصار فعليه أن يعرف نساءها وطعامها» (ص49)، ونضيف: وأن يغري رجالها بالمناصب، لأنّ ذلك ما يسهّل الجلوس إلى موائد الطعام والاحتكاك بالنساء والضرب بعرض الحائط بتقاليد كانت إلى حين من المقدّسات. ولا يخفى أنّ كلّ علاقة تولد في ظلّ احتكاك حضاريّ تصلح للكتابة عنها، خصوصاً متى كانت بين مستعمِر ومستعمَر، بغضّ النظر عمّن يحمل الحضارة الأكثر تأثيراً، كما حصل على سبيل المثال بين اليونانيّين والرومان، والعرب والبيزنطيّين أو العرب والفرس أو العرب والإسبان، والأوروبيّين والهنود الحمر، والألمان والفرنسيّين، والفرنسيّين واللبنانيّين، والبريطانيّين والهنود، والإسرائيليّين والفلسطينيّين. بل يمكننا الوقوع اليوم على مئات القصص عن علاقة جنود القوّات الدوليّة التابعة للأمم المتحدّة بالسكّان المحليّين في جنوب لبنان مثلاً وكيف انتهت، وفق الانتماءات الطائفيّة، إلى مصائر تتنوّع بين الارتباط والتصادم.
كان في إمكان رواية «الصفصاف والآس» أن تذهب إلى ما هو أبعد من نمطَي السرد والوصف وسيطرة اللغة المحكيّة. فطبيعة العلاقات المنسوجة (أو المقطوعة) بين شخوص الرواية تصلح لكتابة أدبيّة عميقة، وتحليل نفسيّ أكثر عمقاً، خصوصاً شخصيّة الأمّ التي أراها شخصيّة نموذجيّة تختصر واقع النساء اللواتي لا يملكن زمام الأمور ويخشين التغيّرات فيوحينّ لأنفسهنّ بأنّ ما هنّ فيه هو الوضع المثاليّ. أمّا اللغة التي أرادتها الكاتبة واقعيّة فمن الممكن أن تعيق الاستمتاع بالقراءة كونها تقف أكثر من مرّة حاجزاً أمام انسياب الفهم والاستيعاب، خصوصاً مع سوء توزيع علامات الوقف التي لم تعط حقّها من الاهتمام. ولا أعتقد أنّ الحاجة كانت ماسّة إلى حدّ ربط الرواية كليّاً بلغة المؤرّخ الذي استقيت منه المادة التأريخيّة أو لغة العصر الذي تجري فيه أحداث القصّة.
نشير أخيراً إلى أنّ «الصفصاف والآس» اسم حديقة عامّة أنشأها أحد أثرياء المماليك، كان الناس يقصدونها للترويح عن النفس، وشهدت تغيّر الأحوال في مصر، مروراً بالفرنسيّين وعودة إلى العثمانيّين، وهو ما اختصرته جارية «زينب» قائلة: «مسكينة يا مصر. كلّ يوم في حال. لكن حال أنيل من حال» (ص80). أمّا نهاية الرواية فتتزامن مع نهاية الفتاة التي تكاثر عليها الرجال الذين حاكموها بعدما تبرّأ منها والدها فجذبوا ضفائرها السوداء، تلك التي أثارت إعجاب بونابرت، ولفّوها حول رقبتها لخنقها. وهي لقطة موفّقة تحيلنا على صورة معاكسة في إحدى حكايات الأطفال للفتاة التي كانت جديلتها الذهبيّة الطويلة حبل خلاصها من البرج حيث سُجنت. ولكن من قال إنّ قصص الأطفال لا تخدع الفتيات الصغيرات؟ ومن قال كذلك إنّ حوار الحضارات يؤدّي إلى نتيجة إيجابيّة إن كان المتحاورون ليسوا على مستوى متقارب كي لا نقول متساوياً من حيث المعرفة والقوّة والحريّة والرغبة المتبادلة في الحوار؟ ولعلّ السؤال الأهمّ هو: ما هو تعريف الهويّة في ظلّ الاحتكاك الحضاريّ المتولّد عن استعمار أو انتداب أو احتلال أو فتح أو حملة أو تهجير؟

الخميس، 22 سبتمبر 2011

"شويّة سرطان"


حين أسأل صديقاً التقيته بعد غياب عن صحّته، أتوقّع أن أسمع منه: معي شويّة كوليسترول، معي شويّة سكّري، معي شويّة ارتفاع بالضغط. أمّا أن تقول لي فتاة جميلة في عمر المراهقة حين سألتها عن أحوالها وكنت أقصد طبعًا أحوال الدراسة والحبّ والمغامرات: "معي شويّة سرطان"، فذلك ما لا يمكن أحد توقّع سماعه، خصوصًا أنّ أحدًا منّا لا يخطر في باله أن يسأل من هم في عمر الصبا والجمال عن صحّتهم. فالمفروض أن يكونوا في صحّة ممتازة، لولا... هالشويّة سرطان.
لعلّ الفتاة أرادت بجوابها المرفق بابتسامةِ من تقبّل الأمر منذ زمن أن تخفّف عنّي هول ما سأسمعه، أو أن توفّر عليّ المزيد من الأسئلة عن الدراسة والصداقات، فاختصرت عليّ الطريق وصفعتني بعبارة لم تخفّف السخرية فيها من عنفها وقسوتها. وكيف لا يكون الأمر كذلك، وكلمتان اثنتان استطاعتا أن تضعاني أمام احتمالات الهشاشة والزوال؟
"شويّة سرطان"، ألا تصلح هاتان الكلمتان عنوانًا لرواية تصف معركة فتاة شابّة مع مرض خبيث اغتصب جسمها، ولم يهرب كما يفعل المغتصبون عادة بل احتلّ حياتها وحياة من يحيط بها ساخراً، هازئاً، لئيماً، بشعاً، عنيفاً، شامتاً، عنيداً؟ ولماذا لم توجد بعد في آدابنا وفنوننا روايات وقصائد ولوحات وأغنيات وفيديو كليب وأفلام ومنحوتات عن المرض، أيّ مرض، وعن المرضى، مختلف أنواع المرضى، وكلّنا يعرف حكايات المبدعين مع أمراضهم أو أمراض أقربائهم وأصدقائهم؟ ولماذا تبقى الإشارة إلى الألم مجرّد عناوين كبيرة جوفاء وشعارات فارغة ورموز شعريّة وصور خياليّة، كأنّ الموضوع كلّه مجرّد حالات هلاميّة أو احتمالات معاناة، لا أحد يريد الاعتراف بوجودها حقيقة؟ فالقضايا الكبيرة ليست تلك الوطنيّة والقوميّة والأمميّة فحسب، فثمّة ملايين المرضى الذين يحملون قضيّة الحياة في كلّ ثانية من أعمارهم، ويحاربون من أجلها بكلّ خلية من خلاياهم، ومع ذلك فلا أحد يأتي على ذكر معاركهم وبطولاتهم إلاّ في أيّام معدودة في السنة ووفق روزنامة عالميّة: يوم السيدا، يوم السرطان، يوم السكّري، يوم الإلزهايمر، يوم التلاسيميا، يوم الإنفلونزا... ومن يوم ليوم يموت في أسرّة المرض ملايين الناس، في وقت ينشغل من حولهم بالقضايا "الكبيرة": محاربة أميركا (العدو الأكبر) والقضاء على إسرائيل (السرطان الذي ينخر جسم الأمّة) والعمل لتحقيق الثراء والوصول إلى أعلى المراتب. أمّا مرضى السرطان الذين ترتفع نسبتهم في شكل مخيف بين الأطفال واليافعين، والمدمنون، وضحايا الانهيارات العصبيّة، والمصابون بأمراض القلب والكلي والدم، وشهداء المستشفيات (هؤلاء وحدهم يستحقّون يوم حداد وطنياً) ضحايا الإهمال والجهل والفساد، فما من نظرة إلى عوالمهم الممزّقة بين الألم والأمل، والكفر والإيمان، والاستسلام والمقاومة، وما من خطّة دعم متكاملة علميّة وإعلاميّة وطنيّة تساعدهم وتساعد عائلاتهم، معنوياً ومادياً، على تحمّل المرض في انتظار الانتصار عليه.
ولذلك فـ"هالشويّة سرطان" ستصير حتمًا خلايا إرهابيّة قاتلة مزروعة في جسم الفرد فتقضي عليه، وفي تماسك العائلة إذ تعرّضها لأقسى امتحان، وفي الانتماء إلى الوطن الذي يشعر أبناؤه بالمذلّة عند استعطاء العلاج والعناية.
أكتب هذا الكلام وفي بالي تلك الأمّ التي رمت نفسها من على سطح البناء حيث تقيم لأنّها لم تعد تستطيع العناية بثلاثة أطفال مصابين بالسرطان، وذلك الأب الذي أخفى عن عائلته إصابته بالمرض كي لا يضطر إلى تحمّل كلفة العلاج وفضّل الموت في صمت وبطء، وذلك الشابّ المنتظر كلية تزرع في جسمه وتنقذ حياته، وتلك السيّدة المصابة بالإلزهايمر ولا يعرف أولادها كيف يتعاملون مع حالتها. أمّا الصبيّة "اللي معها شويّة سرطان" فلا تزال تنتظر أن تصير موضوعاً لأغنية أمل أو لرواية عن البطولة، قبل أن يحوّلها التجاهل عنواناً لقصيدة رثاء.

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

من شفقة الأرض إلى محبّة السماء


أين تقف الإنسانيّة اليوم من كلمات مثل الشفقة والرحمة والتعاطف والتآخي والمساعدة والحنان، وغيرها من المفردات التي تحاول أن تشرح علاقة الإنسان بالإنسان أوّلاً ثمّ بسائر كائنات الطبيعة ومخلوقاتها وعناصرها؟

لا شكّ في أنّ اللغات الممتلئة معاجمها بالكثير من هذه المفردات والمرادفات تحاول أن تستعيض بالكلمات عن الأفعال، وتحاول أن تجد لكلّ نوع من أنواع هذه المشاعر، أو لكلّ درجة منها، اسمًا أو صفة، لعلّ الإنسان - وفيه ذلك الجانب المظلم الشرّير- يجد في إحداها متعته الروحيّة واكتمال توازنه العاطفيّ ونموّه الفكريّ وأمانه الجسديّ. وعلى رغم أنّ الكلمات كثيرة في معجم العطف البشريّ لا يزال الإنسان بعيدًا عن فردوسه المفقود، تائقًا إليه، غريبًا في ليل هذا العالم، تائهًا عن إيجاد الدرب إلى سعادة تنبع من داخله وتصبّ في داخلخ بعد أن تغسل الكون من أحزانه ومآسيه.

يقول الفيلسوف الألمانيّ شوبنهاور إنّ الشفقة هي أساس الأخلاق. وهو في ذلك يؤكّد أن لا مجال لقيام مجتمع أخلاقيّ ملتزم إلّا إذا كانت الشفقة هي الرابط الذي يشدّ الناس بعضهم إلى بعض. ولعلّ السؤال الحقيقيّ هنا هو: هل يشفق الناس على بعضهم أم على أنفسهم؟ الديانة اليهوديّة، على غرار ما دعت إليه الشعوب القديمة (قانون حمورابي مثلاً)، تؤكّد على التعامل بالعدل، أمّا المسيحيّة فتدعو إلى المحبّة: أحبب وافعل ما تشاء. لذلك يميل كثير من المفكّرين المسيحيّين واللاهوتيّين إلى استبعاد كلمة الشفقة باعتبار أنّها تقلّل من قيمة المحبّة التي تصل إلى حدّ بذل الذات والفداء، وهذا ما لا يمكن أن تصل إليه الشفقة. في المقابل تركّز الديانة الإسلاميّة على الرحمة: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، لذلك لا ترد صفة "الشفوق" بين أسماء الله الحسنى. أمّا المجتمعات المدنيّة العلمانيّة فارتكزت على مفهومَي الحقوق والواجبات.

ولكن في اللاوعي الجماعيّ، يرفض المحتاجون الشفقة باعتبار أنّ فيها فوقيّةً وسلطة يمارسهما القويّ القادر على الضعيف العاجز، وهي تكاد تساوي بين الناس والحيوانات، إذ يمكن أن يشفق الناس في سهولة على حيوان جريح أو طائر مكسور الجناح أو وردة ذابلة، كما يشفقون على إنسان فقير أو مريض أو عاجز أو معوّق، وكما يشفق النهار على الليل فيكون الشَفق. أمّا الرحمة فأعلى مستوى إذ تشيع حولها جوًّا من المصالحة بين العلى والأرض (يا ابن داود ارحمني، صرخ أعمى العهد الجديد، فأبصر) أو بين الداخل والخارج إذ تنطلق من الرحم لتمدّ حبل خلاص لمن يحتاج الرحمة. ولكنّ للمحبّة شأنًا آخر إذ تكون بين متساويين يتبادلان العطاء ولا فضل لأحدهما على الآخر.

قد يكون العالم في حاجة إلى الشفقة حين يعجز عن الوصول إلى المحبّة السامية. فهي في البداية شفقة الإنسان على الجزء العاجز الضعيف المريض منه، لتصل بعد ذلك إلى الآخر. ومن الممكن أن تكون ممارسات الشفقة التي وصلت إلينا عبر تاريخ البشريّة نوعًا من حبّ البقاء أو ضرورة اجتماعيّة اكتشف الإنسان أهميّتها خلال مسيرته من عزلة الكهف إلى دفء الجماعة إذ فهم أنّه إن لم يشفق اليوم فلن يجد من يشفق عليه غدًا. ولهذا ربّما كان الكرم العربيّ مع ما ارتبط به من ضيافة وحسن استقبال حاجة ماسّة فرضتها ظروف الصحراء حيث لا مأوى ولا دولة ولا حماية. فكان على القبيلة أن تستقبل التائهين المسافرين وتشفق على المحتاجين لأنّ المستقرّ اليوم هو طريد الغدّ، والآمن اليوم هو الضائع غدًا.

لا شكّ في أنّ الأرض تحتاج إلى شفقتنا على ناسها وحيواناتها وسائر الكائنات فيها وإلّا فلن تكون الأرض أرضنا، أمّا إذا رغبنا في تحويل الأرض سماء فليس أمامنا إلّا المحبّة التي فيها فرح وتفاؤل لا الشفقة المرتبطة بالعوز والعجز. فمن منّا لا يشعر بالإهانة حين يسمع أحدهم يقول له: أنا أشفق عليك؟ ومن منّا لا يصير في السماء السابعة حين يقول الآخر: أنا أحبّك.

النهار - كانون الثاني 2010

الاثنين، 19 سبتمبر 2011

الكتابة لا تغيّر الواقع


بيغماليون للنحّاتة روزي برايس

الكتابة لا تغيّر الواقع: بهذه الصرخة أعلن الإيطاليّ روبرتو سافيانو (28 عامًا) يأسه من قدرة الكتابة على تغيير أيّ شيء، وذلك بعد كتابه الأوّل "غومورّا" الذي يفضح فيه الكثير من ممارسات المافيا الإيطاليّة التي أهدرت دمه عقابًا له. وفي أواخر القرن التاسع عشر، صرخ شاب آخر اسمه آرثور رامبو (32 عامًا): "ينبغي تغيير الحياة. هذه الحياة الرتيبة التقليديّة لم تعد تناسبنا. نريد شيئًا آخر غيرها". وصارت هذه الدعوة شعارًا اتخذه الطلاب الفرنسيّون قبل الانطلاق في ثورتهم في ستينيّات القرن الماضي. وبين هاتين الصرختين وما نتج عنهما، يقف السؤال المشروع الذي طرحه الكاتب الإيطاليّ المعاصر ولم يستطع الشاعر الفرنسيّ الراحل أن يجيب عليه: نعم، ينبغي تغيير الحياة، ولكن هل تستطيع الكتابة ذلك؟
ثورة الطلاب الفرنسيين استغلّتها أجيال كثيرة في شمال الأرض وجنوبها لتغيّر العالم بالقتل والخطف والجنس والمخدّرات، فنشأت في مختلف أنحاء العالم حركات ثوريّة، هناك من يسمّيها عصابات، تريد تغيير "هذه الحياة" ولكن رامبو الذي دعا إلى التغيير لم يترك مع وصيّته كتيّبًا يشرح كيف يجب أن يتمّ ذلك، ففسّر الثوريّون كلامه بالشكل الذي ناسبهم. وعندما وصل الأمر إلى الإيطاليّ الشاب سافيانو، قرّر تغيير العالم بالكتابة، فعرف كتابه الشهرة، وتحول فيلمًا مرشّحًا لجوائز، أمّا الكاتب فتحوّل رهينة لكتابه، أسيرًا في منزله، محاطًا بالمرافقين، معزولاً عن الناس، مهدّدًا بالقتل بطريقة لم يسبق أن عرفها العالم بحسب تهديد المافيا له، فصرخ قائلاً: "لم أعد أرى سببًا واحدًا لمواصلة هذا النمط من الحياة، سجين ذاتي وكتابي ونجاحي. تبًّا للنجاح! أريد الحياة، أريد بيتًا وامرأة أتعرّف عليها، وأقع في غرامها. أريد أن أجلس إلى أصدقائي في المقهى...أريد التجوّل في الطرقات والدخول إلى مكتبة أختار منها كتابًا يجذبني وأتصفّحه. أريد أن أتنزّه برفقة أمّي من غير أن تخاف عليّ. أريد أن أجلس في الشمس وأن أسير تحت المطر. أريد أن أتحدّث إلى الناس من غير أن أتحدّث عن نفسي كما لو كنت حالة مرضيّة. أتطلّع إلى الوراء ولا أرى إلاّ وقتًا ضائعًا يستحيل استرجاعه. الكتابة لا تغيّر الواقع".
الكاتب الإيطاليّ لم يعد يريد تغيير العالم، لقد جعله الخوف يحلم بالعودة إلى العالم الذي كان يعرفه ولو كان فيه مافيا وعصابات وقتل ورشوة. لم يعد يريد تغيير الحياة، صار يريد تغيير حياته هو لعلّها تعود إلى ما قبل الكتاب، إلى ما قبل الشهرة، إلى ما قبل إهدار الدم. ولكن هل علينا فعلاً أن نكتفي بتغيير حياتنا الخاصّة ونتناسى الهمّ العامّ والشأن العامّ، والأحلام التي رافقت مراهقتنا وأوهمتنا بأنّنا قادرون على تغيير المجتمع والعالم، ومحو الفقر، وتحقيق العدالة، ومكافحة الأوبئة والأمراض، ومحاربة الظلم، والقضاء على الديكتاتوريّة؟ وهل نقنع أنفسنا بأنّ قنبلة واحدة على خليّة إرهابيّة أسرع في التغيير من كلّ كتب العالم، حتّى الدينيّة منها؟
محقّ روبرتو سافيانو في قوله إنّ الكتابة لا تغيّر الواقع، ولكنّها بلا شكّ غيّرته هو وهذا على ما أعتقد هدف الكتابة. لذلك كنت ولا أزال أؤمن بأنّ كلّ حديث عن قدرة الفنّ والأدب على التغيير هو من باب المبالغات المَرَضية. فإذا كانت كل الفنون والآداب منذ فجر التاريخ المعروف قد أوصلتنا إلى هذا العالم المريض، فهذا يعني أنّ الفنون والآداب قد عجزت عن التغيير ولم تستطع أن تحقّق المدن الفاضلة إلاّ في الكتب واللوحات والموسيقى والأفلام. ومحقّ أرثور رامبو في قوله إنّه ينبغي تغيير الحياة، ولكن حياة كلّ منّا، على حدة وفي هدوء وفي صمت مفكّر، وإلاّ فكلّ تغيير باطل وآنيّ وهشّ وسريع الزوال. فلنكتب ونبدع في أيّ شأن آخر، لأنّ العمر أقصر من أن نضيّعه في تغيير سوانا، ومتّى تغيّر كلّ واحد منّا، تغيّر العالم.