الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 30 أغسطس 2014

القارئ حين يعيد كتابة النصّ 14


يتابع "سيّد الدهشة" الغوص في عالمي الكتابي،

باحثًا عمّا لا أراه أنا نفسي

ومخرجًا إيّاه في حلّة جديدة ... تفاجئني قبل سواي!







الأربعاء، 27 أغسطس 2014

القارئ حين يعيد كتابة النصّ 13


يتابع "سيّد الدهشة" رحلته في عالمي الشعريّ...
يتاجر بوزنة الفنّ التي أعطيت له... بسكينة النسّاك وتواضع القدّيسين 










القارئ حين يعيد كتابة النصّ 12


يتابع "سيّد الدهشة" رحلته في عالمي الشعريّ...
من يستطيع أن يطفئ سراجًا تمدّه يد الله بزيت مقدّس؟











القارئ حين يعيد كتابة النصّ 11



يتابع "سيّد الدهشة" رحلته في عالمي الشعريّ...
لا أعرف كيف أشكره...
ولا أعرف متى يضجر أو يتعب...
لكنّه مع كلّ لوحة تزيّن كلماتي وتتزيّنُ بها
أكاد أسمع الله وهو يقول للكون: كنْ
أليس هذا فعلُ الكلمة الذي كان منذ البدء؟









السبت، 23 أغسطس 2014

أدعيةُ الخصب لتمّوزَ العجوز (من مجموعة أشبهك كدمعتين 2014)



22 تمّوز 2014
في حديقة منزلنا، 
على عشب بلّله العشق
أنا مليونا امرأة عراقيّة ستختن
هل لك أن تمنحهنّ الشهقة الأخيرة؟
 ***

23 تمّوز 2014
"
أن تكون أو عمرو حدا ما يكون"
هذا هو الحلّ البسيط لتلك المسألة المعقّدة
الحلّ الوحيد والعادل والشامل
 ***
29 تمّوز 2014
عم ضلّ قاعدة بصفحتك ناطرة ت تطلّ
خايفة شي نهار تطوي الصفحة عليي 
وروح معس بين اللايكات والتعليقات 

الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

ضبابُ حزيران (من مجموعة أشبهكَ كدمعتين 2014)



4 حزيران 2014
يدُك، يدُك الجميلة الرقيقة
ليتها لا تكتب على جسدي الليلة 
ليتها تعزف!

7 حزيران 2014
إنت والصبح متّفقين عليي 
بس تفتح عينيك بيطلع الضو!
***
8 حزيران 2014
الضبابةُ فستانُ عرسي
والغيمةُ طرحتي 
والعريس هواء
***
9 حزيران 2014
كتبت مرّة: لا شيء كالحبّ يجعلنا نتصرّف بغباء
اليومَ أضيف: لا شيء كالحبّ يجعلنا نخاف، متى وجدناه صورةً طبق الأصل عن أكثر أحلامنا صدقًا!
***
11 حزيران 2014
في بداية علاقتنا شغله الهمّ الفلسطينيّ... فانتظرت معه أن نرجع يومًا إلى القدس العتيقة
بعد ذلك، صارت الحرب اللبنانيّة شغله الشاغل... فانتظرت معه يرجع يتعمّر لبنان...
الآن، يقلقه الوضع السوريّ والانهيار العراقيّ... فماذا أفعل؟
***
14 حزيران 2014
ليلة السبت:
قميصك الأزرق يناديني نحو الأعمق
***
15 حزيران 2014
الكاتب أكثر الناس وحدة، يتركه الناس بسهولة، لاقتناعهم بأنّه قادر على خلق أشخاص آخرين ليحكي معهم
***
16 حزيران 2014
مذ تعلّمت الأبجديّة وأنا أكتب عنك وإليك
*** 
17 حزيران 2014
ماذا لو كان ما أشعر به نحوك ليس حبًّا؟ ماذا لو كان أكثر؟
***
18 حزيران 2014
طالع ع بالي فلّ... لعندك 
***

23 حزيران 2014
طالع ع بالي اليوم نتخانق ت ردّلك كلّ بوسات مبارح، وتردلّي كلّ الغمرات
***

25 حزيران 2014
بسببك صرت أريد أن أتعلّم من أين تؤكل الكتف
كتفك التي أطيّبُها بقبلتي 
ولا أثقلُ عليها بهَمّي
***
26 حزيران 2014
أنا كتير بحبّ إمّك، أكترْ ما إنت بتحبّها يمكن، 
ع الأكيد أكتر، 
ومِش مُهمّ هيي تحبّني أو لأ
بحبّها كتيرْ لأنّها بيومْ من الإيّام طلبتلك وقالتلك: 
الله يبعتلكْ بنت تعذّبك مِتْلْ ما عَمْ تعذّبني 


الاثنين، 18 أغسطس 2014

نهاية المسيحيّين أم احتضار الإسلام؟




    كتبت منذ أيّام عن حاجة المشرق إلى زعيم مسيحيّ جديد، ينقذ هذه البقعة من العالم من أحاديّة مقيتة، ويُبقى أهل الأرض في بيوتهم وأرضهم. لكنّ توالي الصور التي تصرّ دولة داعش - أيًّا كان من أطلقها وأسّسها وموّلها واستفاد منها - على توزيعها ونشرها نشرًا للرعب والاشمئزاز، بات يستدعي المطالبة بمخلّص ينقذ المسلمين من دينهم إن كان هذا هو دينهم، أو إن كان بيئة حاضنة تسهّل ولادة ديكتاتوريّين بالشكل الذي رأيناه خلال عهود "استقلال" حلا للدول العربيّة أن تناله وتحتفل به... أو بروز مفتين يصدرون كلّ يوم رأيًا صادمًا لا سلطة شرعيّة تضع حدًّا لشذوذه ولاإنسانيّته...
     أعرف طبعًا أنّ الإجرام لا دين له ولا جنس ولا قوميّة (عنوان مقالة سابقة)، وأعرف بالتأكيد جرائم المسيحيّين، والمسيح منها براء، في حقّ الهنود الحمر وشعوب أميركا اللاتينية وأفريقيا السوداء وفلسطين، والاضطهاد الذي تعرّض له العلماء حين رفضت الكنيسة أفكارهم، وحرق النساء بتهم الشعوذة والسحر، وأعرف بما لا يقبل النقاش أنّ الحربين العالميتيّن الأولى والثانية أبطالها ومجرموها مسيحيّون، وأنّ البيئة الحاضنة للقنبلة الذريّة بيئة مسيحيّة وإن كانت متصهينة... وأعرف أنّ في الفاتيكان فسادًا، وأنّ في أميركا عهرًا، وإلى آخر هذه المعزوفة... لكن إلى هذه الدول يهاجر شبابنا طلبًا للعلم، وزعماؤنا طلبًا للاستشفاء والراحة والاستجمام... لماذا؟ لأنّ العلم في بلاد "الكفّار" هذه صار هو الدين الأوّل، ولأنّ الحنكة جعلت العقل المفكّر في منظومة هذه الدول يعتمد مبدأ إعطاء الشعوب نمط حياة يبعدهم عن السياسة، ولو مخدّرين بوهم ديمقراطيّة وحريّة... ومع ذلك فالحلم أجمل من الكابوس قطعًا، وهذا ما نعانيه نحن... كابوس مرعب كأنْ لا نهاية له... (موضوع مقالة سابقة)
     العِلم في تلك البلاد كان دائم الحضور ليلتقط ما يعجز الدين عن تأمينه وهو كثير... وحين وجد الناس في حضن الدولة (ولو ظلمت سواهم) ما يؤمّن لهم أبسط أمور حياتهم، تراجع الدين ليصير علاقة شخصيّة بين الفرد والله. أمّا الدول العربيّة وطبعًا هي - ما عدا لبنان - إسلاميّة الأنظمة والتفكير والقوانين، فماذا قدّمت لشعوبها؟ فلا الدين بقي بريئًا من الموبقات والشرور والفساد، ولا الدولة استطاعت أن تؤمّن العدالة الاجتماعيّة ليغرق الناس في نعيم، ولو وهميًّا، ليهدأوا ويستكينوا... وحين يبقى التفكير القبليّ سائدًا تحت غطاء دولة لا أحد يؤمن بها، لا بدّ أن نصل إلى الهاوية التي نحن فيها الآن...
     لا بدّ من أنّ ترحيل المسيحيّين حاصل، ومن الواضح أنّهم يئسوا وأن لا أحد يريد منهم البقاء هنا، لا الدول الأجنبيّة ولا الدويلات العربيّة ولا الشعوب الإسلاميّة، لكن الإسلام ما مصيره؟ وكيف سيفهم دارسو التاريخ لاحقًا كيف أنّ هذا الدين كان غطاء للتكفيريّين والأصوليّين وشذّاذ الآفاق والمرتزقة والخونة والجواسيس وأصحاب العقول المريضة، وسط صمت تامّ من شعوب مسلمة خرجت إلى الشوارع لإسقاط رئيس ولم تخرج إلى الشارع لإبقاء شركائهم المسيحيّين والنصارى والأرمن والكورد والأزيديين في أرضٍ كانوا فيها قبل غيرهم...
وحين تنتشر على صفحات الفيسبوك دعوات شيعيّة لهدم الكعبة لأنّها في عهدة الوهّابيّين، تقابلها دعوات سنيّة لهدم أماكن الحجّ الشيعيّة، وحين تنتشر صور بيع النساء غير المسلمات، وختان الذكور غير المسلمين، وهدم الكنائس وحرق الأديرة، وتهجير الناس،  فذلك يعني أنّ الإسلام نفسه في مأزق وليس مصير بعض المسيحيّين مهما كثر عددهم.
     محاكم التفتيش الإسبانيّة قامت بفظائع مشابهة، لكنّنا اليوم في عصر الصورة، والصورة في يد مصوّر بارع يعرف كيف يحرّك الإعلام وكيف يدير اللعبة، وإن كانت هوليود تحتاج إلى سنوات لإنتاج فيلم عن فظائع حرب فيتنام، فإنّ الناس اليوم، ومن بيوتهم، قادرون على إنتاج عشرات الأفلام عن فظائع ترتكب على مدار الساعة في أيّ بقعة من العالم، حتّى اعتادت العيون منظر الرؤوس المقطوعة، والأشلاء المنهوشة... وقست قلوب الأطفال حتى صارت حجارة لن تكون يومًا صالحة لبناء صرح جديد جميل...
     نعم، الأمر مؤامرة صهيونيّة أميركيّة سعوديّة إيرانيّة... من أجل الغاز والنفط وغير ذلك، لكن الشعوب التي تنساق كقطيع ثيران هائج خلف فتاوى وخلفاء وأمراء هل تعرف شيئًا عن دينها؟ وماذا علّم رجال الدين في المساجد والمدارس غير البغض والرفض والتبعيّة العمياء ومحاربة رجال الفكر؟ وإذا كان الدين الإسلاميّ ليس فيه الآن فقهاء واعون ولا سياسيّون محنّكون، فما مصيره وهو الذي يجمع الدين والدنيا في كتاب واحد؟ وماذا بعد أن يرحل كلّ من ليس مسلمًا؟ وماذا بعد أن تخلو الأرض للسنّة والشيعة؟ وماذا بعد أن ينتهي قتالهما؟ وبغض النظر عن المنتصر، فكيف سيبقى الإسلام دينًا وقد ربطوه - بلا أدنى ممانعة جديّة واعية حكيمة قادرة منفتحة - بالقتل والذبح والاغتصاب والسبي والختان وقطع الأيدي والصلب والدعارة والنكاح والحوريّات والانتحار؟
     سيرحل غير المسلمين، وقد تكون نهايتهم حتميّة هنا: موتًا أو طردًا، لكن السؤال الحقيقيّ ما هو مستقبل الإسلام؟ وإلى كم فيلم يحتاج المسلمون لكي تمحى من أذهان الناس الفظائع التي تقضّ مضاجع من ليس على دينهم وتطرد النوم من عيونهم قبل أن تطردهم فعلًا من أرضهم؟ من دون أن ننسى نقمة العرب على هوليود التي أنتجت أفلامًا مدى تاريخها، تشوّه صورة العربيّ، في حين أنّ الواقع اليوم، الواقع العنيف، يظهر تلك الأفلام ساذجة بلهاء عديمة الخيال بالمقارنة مع ما يحصل الآن...

     الإسلام اليوم في حاجة إلى شهداء من نوع آخر، لا لمقاومة إسرائيل والمسيحيّة الغربيّة المتصهينة أو الأنظمة العسكريّة والدكتاتورية، بل لاتّخاذ موقف فكريّ ناقد يضع حدًّا لكلّ مهزلة تلبس لباس الدين، وتعتمر عمامة الفِقه، وتطلق لحية الجهاد... شهداء يعتذرون من الفكر العلميّ العلمانيّ، وقبل ذلك من كلّ مفكّر مسلم متنوّر حورِب واضطُهد وسُجن وعُذِّب وقُتل... لأنّه رأى هذه النهاية قبل حصولها... 

الأحد، 17 أغسطس 2014

أزهار للنصف الثاني من أيّار (من مجموعة أشبهكَ كدمعتين 2014)



21 أيّار 2014
لن ألهيَك عن عملك في مثل هذه الساعة من الليل
سأكتفي بالجلوس معك 
وأنا أتخيّل طاولة المكتب سريرًا!
***

26 أيّار 2014
مع أنّ الفراغ يهدّد كرسيّ الرئاسة، 
ومع أنّي جارة قصر بعبدا،
ومارونيّة عنيدة،
لن يغريني شيء بمغادرة حضنك!

القارئ حين يعيد كتابة النصّ 10

يا ربّ أعطِ الصديق الذي يرسم كلماتي بريشة محبّته كلَّ محبّتك









السبت، 16 أغسطس 2014

زعيم مسيحيّ جديد أو فلنرحل



     "كان ذلك في بداية عهدي بالكتابة في الصحف، وكنت لا أزال أكتب باسم مستعار هو مي م الريحاني، حين طالبت البطريرك المارونيّ، عبر صحيفة "الديار" بأن يُنزل الحرم الكنسيّ بالزعيمين المارونيّين المتقاتلين عهدذاك ميشال عون وسمير جعجع. إذ كنت، ولا أزال، أؤمن بأنّ الكنيسة المارونيّة لم تفعل ما يجب فعله في سبيل بقاء الموارنة في هذا الشرق، وبالتالي بقاء المسيحيّين فيه على اختلاف مذاهبهم وطقوسهم وبلدانهم" (الموارنة مرّوا من هنا - بألم ماري القصيفي - 2008 - دار مختارات)
     بهذه الكلمات يبدأ ذلك الكتاب الذي جمعت نصوصه من مشاهدات وحوادث جعلتني أرى أنّ الأخطاء التي ترتكب بحقّ أفراد، أنا منهم، ستؤدّي إلى خطيئة مميتة يدفع ثمنها الجميع... هل كنت أتنبّأ؟ قطعًا لا. كنت أرى كما يرى سواي، لكنّي اخترت ألّا أسكت... وحين قرأ المعنيّون الكتاب، جماعة ميشال عون غضبوا لأنّني ساويت جنرالهم بمدّعي "الحكمة"، وجماعة سمير جعجع استشاطوا غيظًا لأنّني وضعت زعيمهم في جملة واحدة مع عدوّه اللدود "المجنون"، وغضب الإكليروس لأنّني لم أر بينهم "المخلّص". وما بين الجنرال والحكيم، اللذين لا ولدَ ذكر لهما، ورجال دين يؤمن كلّ منهم بأنّه المسيح المنتظر، تنتهي سلالة كتبتُ عنها في الكتاب نفسه: "ومن المفارقة الساخرة في قراءة التاريخ أنّ الموارنة كانوا يصعدون سلّم المجد حين كانوا في الأودية، وصاروا الآن ينحدرون إلى درك الانحطاط بعدما رفعوا الصروح على أعلى القمم" (صفحة 8).
     لا يزال الزعيمان المارونيّان، منذ حرب الإلغاء (1990)، يعملان على إلغائنا، كلّ منهما مرهون لزعيم آخر يجلس خلف الشاشة، ولم يكن ينقصهما إلّا بطريرك ببنطلون جينز وذقن حليقة في زمن العباءات واللحى الطويلة حتّى تكتمل لوحة الانهيار. والنتيجة هجرة جماعيّة لمسيحيّي المشرق، وغيبوبة يُغرق أنفسهم فيها من يعجزون عن الرحيل.
     هل لا يزال ممكنًا إيجاد زعيم ينقذ هذا المجتمع المسيحيّ المريض، يكون بطلًا وقدّيسًا في الوقت نفسه؟
     هل زعيم كهذا قادر على إيقاظ المجتمعِ من غيبوبته الفكريّة والروحيّة، السائرِ في نومه نحو هاوية سحيقة؟
     نحن في حاجة إلى زعيم مسيحيّ، مارونيّ أو كاثوليكيّ أو أرثوذكسيّ أو إنجيليّ، يقول لنا:

     أنا زعيمكم لأنّي اخترت أن أموت عنكم لا أن أختبئ في قصري!
     أنا زعيمكم لأنّ بيتي يشبه بيوتكم!
    أنا زعيمكم لكنّي لا أفهم في الاقتصاد وأريد معي عشرين خبيرًا اقتصاديًّا، ولا أفهم في التربية وأريد معي عشرين خبيرًا تربويًّا، لا أفهم في الحرب وأريد معي عشرين خبيرًا عسكريًّا، لا أفهم في الزراعة وأريد معي عشرين خبيرًا زراعيًّا، لا أفهم في الإعلام والإعلان وأريد معي عشرين خبيرًا في التواصل الإعلاميّ ودور الإعلان، لا أفهم في الاستشفاء وأريد حولي عشرين عالمًا وطبيبًا...
     أنا زعيمكم وأريد أن ألتقي بالتلامذة لأسألهم: ماذا يعلّمونكم في المدارس، وبالمعلّمين لأسألهم: هل أنتم أحرار لتعلّموا الحريّة؟
    أنا زعيمكم وأريد أن أجتمع بطلاّب الجامعات لأسألهم: ماذا تريدون منّي أن أفعل لكم كي لا تهاجروا؟
    أنا زعيمكم وأريد أن أتحاور مع أهل القرى والجبال لأعرف ماذا يحتاجون كي يبقوا في قراهم وجبالهم.
    أنا زعيمكم وأريد أن أقول للكهنة والرهبان والراهبات: ما لكم لكم وما ليس لكم لن يكون لكم... فإمّا نحن مجتمع نسكيّ لا نريد شيئًا من متاع الدنيا ومُتعها، أو نحن أبناء هذا العصر ونريد أن نحيا فيه بشروطه ونحارب بسلاحه...
    أنا زعيمكم وأريد أن أسأل الشاب المسيحيّ: أنت مقاوم ولو كنت "فاليه باركنغ"، أنت مقاوم ولو كنت "دليفري مان"، أنت مقاوم ولو كنت حارسًا شخصيًّا في شركة أمن... لكن يمكنك أن تكون بطلًا إن أردت أن تكون أكثر... وسأكون مِثالك...
    أنا زعيمكم وأريد أن أسأل الشابّة المسيحيّة عن قضيّتها ومسؤولياتها وعمّا تعرفه عن تاريخ بلادها وأنهار بلادها وجبال بلادها وسهول بلادها وحدود بلادها، وماذا فعلت لتعطي صورة عن مسيحيّتها في وجع التعصّب والجهل؟
    أنا زعيمكم الذي يعرف متى تبدأ رسالته ومتى تنتهي، الذي لا يريد شيئًا لنفسه ويريد لوطنه كلّ شيء، الذي يعرف أنّ مسيحيّته لا تغرّبه عن المشرق، ولا تغريه بغرب أسير مصالحه، ولا تبعده عن الجغرافيا، ولا تنسيه التاريخ، ولا تلعثم لسانه بلغات لتنسيه لغته...
    أنا زعيمكم الذي لا علاقة تربطه بإسرائيل لأنّه يعرف أنّ إسرائيل تريد قتل المسيحيّة بعدما قتلت المسيح، وتريد محو وطن الرسالة لأنّه عكس صورة العنصريّة المنغلقة فيها، ولا علاقة له بالسعوديّة ومصر وإيران وسوريا وفرنسا وروسيا وأميركا والفاتيكان إلّا بقدر ما تعمل هذه الدول على بقاء مسيحيّي المشرق أسيادًا في أرضهم وبيوتهم، لا أهل ذمّة، ولا تابعين ولا عبيدًا ولا عملاء...
    أنا زعيمكم الذي تتلمذ على فكر الفلاسفة وتخلّق بأخلاق القدّيسين وتشرّب البطولة من أنهار تشقّ الجبال لتنفجر عطاء وخصبًا...
    أنا زعيمكم لأطلب منكم أن تعتصموا في بيوتكم كي يعود الجنود والعسكريّون إلى بيوتهم سالمين من الغدر والخيانة والخطف... وأن تقطعوا الطرقات بأجسادكم لا بالدواليب المشتعلة كي تقطعوا الطريق على الأصوليّة الغبيّة فلا تصل إلى نسائكم وأولادكم...
   وإلّا فلنرحل كلّنا عن هذا البلد. فلنحزم حقائبنا ونمضي لأنّ سوانا يتسلّح بالأحزمة الناسفة، والأفكار الناسفة...

***
     هل ثمّة رحم أنجبت رجلًا يقول هذا الكلام، ولا يكون عبد شهواته ولا أسير رغباته ولا رهين ماضيه؟ هل ثمّة أمّ علّمت ولدها كيف يكون شجاعًا وحكيمًا وعاشقًا وشاعرًا؟ هل ثمّة أمل لمسيحيّي المشرق بنجمة جديدة تدلّنا على بيت، فيه رجلٌ يشبه المسيح ونسّاك الصحراء وحبساء صوامع الأودية، وفيه شجاعة أسرى السجون الإسرائيليّة والسوريّة، وفيه ظرف الفنّانين وجنون المحبّين وفرح الأطفال؟ هل نؤمن نحن بأنّ بيننا من لا يشبه هذا الطقم السياسيّ المهترئ كأسنان عجوز في مأوى رخيص؟
     وإنْ لا... إن ليس أمل بوجود رجل كهذا بيننا، فلنرحل الآن! فليرحل من بقي لأنّ من صادر قرار المسيحيّين ومن يتحدّث باسمهم ومن يدّعي تمثيلهم، أوصل المسيحيّين وسواهم إلى هذا الخواء الروحيّ والفراغ السياسيّ والعهر الاجتماعيّ والغباء التربويّ والجهل الإداريّ... وساهم في ولادة داعش وأخواتها... فلنرحل ولنترك المشرق لمغيبٍ لا أحد يعلم متى يبزع النور من رحمه! 

الخميس، 14 أغسطس 2014

إيلي خوري حامل ملفّات الأرض إلى كمبيوتر السماء!



     عزيزي إيلي!
     هل ورد في اللغة العربيّة أنّ المعلّمة تكون ثكلى كذلك حين تفقد أحد تلامذتها؟ لا تُعدِ السؤال إليّ وأنت تقول مبتسمًا - لا أذكر أنّني رأيتك غير مبتسم: أنتِ معلّمتي! أجيبي أنتِ!
     كيف أجيب يا عزيزي وفي الحلق غصّة، وفي القلب جرح، وفي البال ألف سؤال وسؤال؟
     يا إيلي! من سيحصي عليّ أنفاسي الفيسبوكيّة بعد الآن؟ ولمن ستكون أوّل "لايك" على جملة أو نصّ بعدما كنت تسبق غيرك في الإعجاب والمشاركة؟ وهل صار الرثاء، رثاء الشباب، موضوعًا جديدًا نصبّ فيه غضبنا ونقمتنا وتساؤلاتنا؟
     بين يديك يا إيلي الصاعد إلى السماء في مركبةِ أحلامك السريعة ملفّاتٌ كثيرة: ملفّ المسيحيّين في هذا الجزء من العالم المتروك للحديد والنار، ملفُّ الكهنة، ووالدُك منهم، وكيف اختلط قمحهم القليل بالكثير من الزؤان، ملفّ الوطن وكيف يتطاير أمام عواصف الصحراء ككثيب رمل بعدما كان جبلًا يتحدّى الأعاصير، ملفّ هذا الوطن الذي شبع دماء... ومن غيرُك يا إيلي قادر على ترتيب هذه الملفّات في كمبيوتر السماء بعدما ضاقت به الأرض؟ من سواك يولي هذه المسائل الاهتمامَ الكافي، بمحبّةٍ تعلّمها من أمّه، وحكمةٍ أخذها عن أبيه، وشجاعةٍ عرّفه عليها شقيقه، وشفافيّة تميّزت بها شقيقته؟ ولو لم تكن كذلك لما كانت موضوعاتي الأثيرة عندك تلك التي تعالج قضايا الوطن والطائفة والتربية والمجتمع...
     لم ينتهِ عملك هنا يا إيلي، إلّا ليبدأ هناك: أخبرِ الله عن كنيسته وما يصيبها، وأنت عشت في كنف أب كاهن يحفظ كلّ ألمٍ في قلبه، حتّى أتى رحيلك المفاجئ ليحمّل هذا القلبَ ما هو فوق طاقة البشر... أخبرِ الله عن حزننا وفقرنا وتشرّدنا وخوفنا واضطرارنا إلى الهجرة كي نكسب لقمة العيش... أخبر الله عن رجال يتاجرون باسمه وأحزاب تدّعي ملكيّته... أخبر الله عن رحلتك في هذه الأرض، متنقّلًا من مكان إلى مكان باحثًا عن الأمان والاستقرار...
     ولكنّ عملك الأصعب يا إيلي أن ترسل من حيث أنت سلامًا لفكر أبيك المشتّت، وسكينةً لقلب أمّك المفجوعة، وطمأنينة لبال أختك التائهة من دونك، وفرحًا لأخيك العريس وعروسه الجميلة اللذين شهدتَ على حبّهما وشاركتهما الإعداد لزواجهما الذي لم يمضِ على الاحتفال به أسابيع... وساعدني، ساعدني، وقد صيّرتك السماء الآن أكثر فهمًا منّي، وأكثر حكمة وأكثر محبّة، كي أفهمَ موتَك، وموت كثيرين من الأطفال والشبّان والشابّات... وساعدنا، ساعدنا كلّنا، كي نحبّ الحياة أكثر، كي لا يصير العنف مشهدًا يوميًّا عاديًّا، تبدأ به نشرات الأخبار وتنتهي به، كي نتعلّمَ أنّ الموت هو الشواذ لا القاعدة، وأنّ الموظّف أهمّ من الوظيفة، وأنّ العامل أهمّ من العمل، وأنّ الإنسان أثمن من الوقت، وأنّ الأطفال أغلى من التراب، وأنّ للفرد قيمةً فريدة من نوعها، كما كنت أنت...

    إيلي خوري! أراك الآن تبتسم وتحفظ رسالتي في ملفّ كمبيوترك، مع رسائل أصدقائك وزملائك ومحبّيك، وتمشي بين أهل السماء فخورًا وأنت تقول لهم: أرأيتم؟ لم أعبر من هناك كأني لم أكن... لقد عشتُ قليلًا لكنّي سأحيا طويلًا...

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

أين الله؟ أين الله؟

أنا مع والديّ في شعنينتي الثانية

     منذ زمن بعيد، تعلّمت أنّ الناس يهربون من وجعنا... مذ غاب والدي عن الوعي وهو يرى الطبيب يسحب، قبل أن يسري مفعول البنج الموضعيّ، قضبان الحديد من رجلي... ومذ كانت أمّي تهرب خارج الغرفة وهي تبكي وتقول: ما عاد إلي قلب إسمع صوتها عم تصرخ من الوجع...
     منذ ذلك الحين وأنا أعرف أنّ الناس يهربون من وجع الآخر، لأنّهم أكثر ضعفًا من مساعدتك على حمله وتحمّله. لذلك كان الامتحان الذي جعلت الجميع يخضعون له هو أن أواجهم منذ اللقاء الأوّل بالحديث عن ألم ما، أيّ ألم، أيّ وجع، أيّة معاناة، أيّة مشكلة، وكانت النتيجة دائمًا واحدة...
     في مسرحيّة جبال الصوان، يقول الأخوان رحباني ما معناه: حامل الحزن بيهربو منّو الناس، بيخافو يعديهن...
      حامل الحزن وحيد، على درب آلام طويلة، مهما سخر وضحك وهزئ وشاكس. حزنه يصرخ في طرائفه ونكاته، ووجعه يستغيث بين ضحكة وضحكة، وجراح روحه تشقّ صحراء وحدته ليعانق شمسًا ولو حارقة... لكنّ الناس، أقرب الناس، يعجزون عن تحمّل آلام روحك، لأنّهم عاجزون عن سبر أغوار نفسك...اسألوا عائلة روبن وليامز!
     علاقتي مع الفيسبوك وتويتر والمدوّنة أثبتت لي ذلك بطرق أخرى مغايرة... الناس يقرأون ما تكتب لكنّهم لا يرون عينيك المتورّمتين من البكاء، يرونك تضع هههههههههه، ولا يعرفون أنّ إصبعك ربّما ضغط على الحرف وتشنّج من الغضب، تنقل لهم خبر فجيعة فيضعون لك "لايك"... معهم حقّ، لا ألومهم. لا أحد قادر على احتمال ألم الآخرين. لكلّ صليبه وألمه ومعاناته...
     الشاعرة الصديقة ليلى عيد تعاني من آثار الجلطة الدماغيّة، وهي في مركز إعادة التأهيل. لم أزرها وقد لا أفعل، رائحة المستشفيات تعيدني إلى البياض الذي يحاصر المريض... أهرب من وجعي لا من وجعها، من ذاكرتي لا من واقعها، من رؤية عجزي لا عجزها... فأعتب على ذاتي الكبيرة وأهدّئ من روع ذاتي الصغيرة، من خوف الطفلة التي كنتها وأقول لها لا بأس، لا تخافي من الوجع بعد الآن...
حاولت الليلة أن أحكي لصديق عن هذه الأمور، لكنّ الصديق له ألمه، فكيف أسمح لنفسي بمضاعفة وجعه، فأهرب إلى المزاح، لأرى أمامي ليلى عيد تبكي وحيدة في غرفتها بعدما انفكّت من حولها حلقة العُوّاد والزائرين، فكيف أضع "لايك" لحالتها؟؟ أودّع الصديق الحبيب وأتركه لألمه، وأعود لألمي، لعلّ ليلى تغفو قليلًا...
     ليل المستشفيات لا يشبه أيّ ليل آخر في أيّ مكان... مرّات كثيرة، أزور الطفلة التي كُنتها لأجد وسادتها مبلّلة بالأسئلة... مأساة المريض أنّه لا يعرف الأجوبة: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ إلى متى؟ أين الله؟ أين الله؟

     بين ليلى التي تعبر الآن من المرض إلى التعافي وصديقي الذي يعبر الآن إلى الشطر الأخير من القصيدة، أعبر أنا في أروقة المستشفيات فأرى الألم ساهرًا يتنقّل من غرفة إلى غرفة ليقضّ مضاجع المرضى... أخاف أن يراني فأهرب إلى الغيبوبة كما فعل والدي وإلى خارج ذاتي كما فعلت أمّي... وأنا أسأل: أين الله؟ أين الله؟ 

أقفلوا الحدود وافتحوا الملفّات (2)


     لا شكّ في أنّ بين المطالبين بإقفال الحدود مع سوريا مَن كان ينثر الأرزّ على جنودها يوم دخلوا كقوّات ردع بناء على طلب المسيحيّين... ولا شكّ في أنّ هؤلاء المطالبين أنفسهم يؤمنون بأنّ الدولة اللبنانيّة متماسكة وقويّة وحكيمة لدرجة تمكّنها من اتّخاذ قرار دقيق كهذا، دقيق في بُعده الإنسانيّ وفي حساباته السياسيّة... فإذا كانت الدولة هكذا فعلًا فهي قادرة بالتالي على تأمين الكهرباء والمياه وتصحيح الامتحانات وضمان الشيخوخة وطبعًا ضبط موضوع المخيّمات الفلسطينيّة والنازحين السوريّين واللاجئين العراقيّين... وعرسال وطرابلس والضاحية الجنوبيّة...
     إنّ دعوات من نوع على كلّ لبنانيّ أن يقتل بحسب المواسم، فلسطينيًّا في مرحلة وسوريًّا في مرحلة ثانية... ودعوات لإغلاق الحدود لا تعبّر إلّا عن خواء فكريّ وعجز عن رؤية ما هو أبعد من اللحظة التي نحن فيها، ولا تبنى الأوطان بهذا الأسلوب... لذلك قلت سابقًا: لو كان الصراخ يؤسّس وطنًا لكانت العصفوريّة أعظم الأوطان...
     إغلاق الحدود موجّه ضدّ الفقراء... فالأغنياء (وبينهم معارضون وأتباع النظام) سبق وحلّوا ضيوفًا معزّزين مكرّمين واشتروا بيوتًا كبيرة وشققًا فخمة وشاليهات حديثة، وهم يصرفون المال بسخاء أينما توجّهوا فحرّكوا عجلة الاقتصاد الصدئة... والفقراء مضطهدون حيثما كانوا، في بلدهم قبل أيّ مكان آخر... "المعتّر بكلّ الأرض دايمًا هوّي زاتو"...
أقرّ وأعترف بخوفي الشخصيّ والوطنيّ من الأعداد الهائلة لسوريّين لا أحد يعرف الخيّر منهم مِن الشرير، وأعي جيدًا صعوبة مقاربة هذا الملفّ في ظلّ أوضاعنا المترديّة، لكن هل يكون الحلّ بإطلاق دعوات عنصريّة قاسية وعامّة؟ وماذا نفعل بالسوريّين أقرباء اللبنانيّين، وأكثر العائلات موزّع بين البلدين؟ وهل أعطى السياسيّون للقوى الأمنيّة الضوء الأخضر ليعالجوا هذا الملفّ، فلا يكون الوضع الاجتماعيّ للنازح السوريّ هو المقياس الذي نقيس عليه إرهابه، فيصير المقيمون في الأبراج الشاهقة ملائكة قريبة من السماء، والملتصقون بالأرض حكمًا شياطين أفلتتهم جهنمّ علينا؟
     وإذا كان المسيحيّون هم الأكثر خوفًا، فهل وحّدوا كلمتهم أوّلًا لإقفال بيت المحبّة حيث يدّعي رجلٌ أنّ العذراء تقيم فيه؟ وهل وحّدوا كلمتهم لمحاربة الفساد في كنائسهم وإيجاد فرص عمل للشباب فلا يهاجروا؟ وهل وحّدوا كلمتهم لدعم الجيش وهم اليوم عزّل؟ وهل وحّدوا كلمتهم لانتخاب رئيس مسيحيّ مارونيّ لا يجعل الفراغ حالة طبيعيّة عاديّة؟ من السهل إطلاق الأحكام والدعوات من خلف شاشة اللابتوب، لكنْ ما تفضحه هذه الشاشات مؤشّر خطير إلى وجود أنواع من الأصوليّات المذهبيّة والانقسامات الوطنيّة والعنصريّات المقيتة تجعل ولادة داعش بيننا أمرًا طبيعيًّا... ومتوقّعًا إن لم يكن متأخّرًا...






الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

أقفلوا الحدود وافتحوا الملفّات (1)


     حسنًا!! أنا كذلك مع إقفال الحدود مع سوريا ومنع دخول النازحين منها، لا بل مع طرد الذين سبق وأتوا وإجبارهم على أن يعودوا إلى بلدهم، أو أن يرموا أنفسهم في البحر...
     من زمان أنا مع إقفال الحدود مع سوريا... مذ كان رجال السياسة يحجّون إليها لشراء مناصب، ونساء البيوت يقصدنها لشراء القطنيّات...
     وأنا كذلك مع طرد الفلسطينيّين والمصريّين والأثيوبيّين والفلبينيّين والسري لانكيين والسودانيّين والبنغلادشيّين وكلّ من يحمل جنسيّة غير لبنانيّة، بل كلّ من يحمل جنسيّة أجنبيّة مع جنسيّته اللبنانيّة، أو يتخلّى عن جنسيّته الأجنبيّة...
     وأكثر... أنا مع طرد كلّ اللبنانيّين اللاجئين إلى دول العالم وإعادتهم إلى لبنان، ليعمل الرجال في البناء والورش والمعامل عوضًا عن السوريّين، وعلى محطّات الوقود والمطاعم بدل المصريّين، وفي تنظيف الطرقات مكان العمّال الآسيويين، ولتعمل النساء في البيوت والفنادق والمستشفيات ودور العجزة وأيّ مكان توجد فيه عاملة عربيّة أو أجنبيّة...
     ونعم! بلدنا لم يعد يحتمل لجوءًا ونزوحًا وعمالة أجنبيّة... موافقة طبعًا و"أكيد أكيد أكيد"... ونعم أنا مع إغلاق الحدود الآن الآن وليس غدًا، خصوصًا أنّنا لم نفتحها لأسباب إنسانيّة بحتة... ولكن هل نفتح في المقابل السجلّات القديمة ونرى من استفاد من الوجود السوريّ في لبنان ومن ساير وخاف وسكت وقبض وارتشى وباع وبيع؟ هل نفتح ملفّات الصحافيّين وأساتذة الجامعات والموظّفين؟ هل نفتح حسابات المصارف لنرى المبالغ التي يملكها من تعامل مع ليبيا والعراق وحركة فتح وسوريا ومصر والأردن والمخابرات الأميركيّة والروسيّة والبريطانيّة والفرنسيّة والإسرائيليّة؟ هل نفتح تحقيقًا مع الذين يوظّفون عمّالًا غير لبنانيّين ونسألهم عن سبب خيانتهم الوطنيّة؟
     دعونا من الماضي، فلنقفل الحدود الآن ونمنع السوريّين من العبور لأّنّ بينهم إرهابيّين وأصوليّين، ولكن هل سنفتح صفحات الصحف والمجلّات لشعرائهم وكتّابهم ومفكّريهم غير الإرهابيّين وغير الأصوليّين؟ هل نفتح المستشفيات على الأقلّ للمرضى والجرحى والحوامل والأطفال؟ هل سنتّفق مثلًا على أن نسمح للمسيحيّين بالعبور ولغير المسيحيّين بالعودة من حيث أتوا، ونقيس الاضطهاد بمقيس الطائفة؟ هل سنمنع السعوديّين والكويتيّين والعراقيّين كذلك من دخول بلدنا، فاحتمال أن يكون بينهم إرهابيّون وارد طبعًا؟ هل سنسأل السوريّين المجنّسين كيف ساعدوا مواطنيهم؟ هل سنسأل السوريّين القوميّين ماذا فعلوا لأبناء أمّتهم؟ هل سنسأل الكنائس ماذا فعلت لمسيحيّي العراق؟ ومن نسأل عن الإزيديّين المتروكين للوأد؟

     صحيح أنّ لبنان أصغر من أن يتّسع لكلّ الناس الهاربين إليه، وأعجز من أن يعرف كيف يدير شؤونه (هو) وشجونهم (هم)، لكنّ اللبنانيّين أنفسهم، الذين لم يتّفقوا على دعم الجيش، ولم يتّفقوا على رئيس للجمهوريّة، ولم يتّفقوا على أن يتّفقوا... لن يتّفقوا للحظة في وجه مَن سيغلقون أبواب مدنهم وحدود بلادهم، بسبب الخوف من الآخر اللبنانيّ، ما يجعلهم يعتقدون أنّهم عند الحاجة سيجدون في أعداد السوريّين الكبيرة عاملَ دعمٍ طائفيّ ومذهبيّ... ومن حسن حظّ اللبنانيّين أنّ السوريّين غير موحّدين وإلّا لكانوا أخذوا البلد بلا مشورة أحد...

في مغازلة النوم


    أعتقد أنّ الإنسان ولد لينام... وإلّا لما كان الحرمان من النوم طريقًا للجنون... ولما كانت مختبرات العلماء والأطبّاء تعمل ليل نهار لينام إنسان يجافيه النوم... النوم العميق، الجميل، النوم الذي يفترش الأمان، ويلتحف السكينة، النوم الذي لا كوابيس فيه ولا أحلام، النوم الذي يتسلّل إلى العينين والفكر، فينتظم النَفَس، وترتخي العضلات، فيغرق النائم في "سابع نومة"، وهو مطمئنّ إلى أنّه لن يستيقظ على صوت انفجار، أو زمّور سيّارة، أو شجار جارين... النوم الذي وإن كان يشبه الموت، غير أنّه ليس هو... وإن كان يشبه السفر، غير أنّه ليس هو، وإن كان يشبه الطيران غير أنّه ليس هو...
     هو النوم الذي ينسيك الحبّ والحزن والتعب والتفكير والقلق... هو النوم الذي يحضنك لتعود طفلًا تعرف أنّ الملائكة تحرس نومك، لا أمّك ولا والدك ولا حبيبك...
     يغفو الطفل بعد أن يولد بقليل... كأنّ رحلته من رحم أمّه أرهقته، فكيف لا ينام عقل أرهقه التفكير والتحليل والحلم؟ كيف لا يرتاح جسد أرهقه الوجع؟ كيف لا يرتاح قلب أتعبه الحبّ؟
     ما عاد الأطفال ينامون على أصوات الجدّات وتهويدات الأمّهات... يتثاءبون نعسًا لكنّ وسائل التواصل الحديثة توصل إليهم موتًا يخيف النوم فيهرب... وكلّنا أمام الموت والنوم والحبّ أطفال...
     لم تعد راحة الضمير الفرديّة مقياس النوم... فما يجري حولنا مسؤوليّة جماعيّة تقضّ المضاجع وتطرد النعاس الرقيق اللطيف الحنون... كأنّ الواحد منّا يشعر بمسؤوليّته عمّا يجري في أقصى بقعة من الأرض، ويكتشف في اللحظ ذاتها أنّه هشّ، سريع العطب، عاجز، ضعيف، ناقص، ساذج... وأنّه لن يكون سوى مشاهد محايد، لا يقدر سوى أن ينفعل، لا أن يفعل...
     والمنفعل لا ينام، أعصابه مشدودة وحواسّه متأهّبة وتفكيره مشلول... الفاعل يتعب وينام، أمّا المنفعل فيضطرب ويتقلّب على فراش كالإبر، الفاعل جسد مرهق، والمنفعل روح مراهقة. الفاعل يغفو قبل أن يصلّي، والمنفعل يضرع إلى السماء كي يغمض جفناه ولو للحظات...

     جدّتي كانت تردّد: يللي ما بيعمل خير، نومو خير... لا أعرف ماذا نفعل، نحن الساهرين، كلّ ليلة؟ لماذا نعمل ونتعب إن كنّا لن نجد القدرة على نوم يجدّد نشاطنا؟ لماذا نكتب عن النوم ونحن نفكّر في الموت؟ لماذا نخاف من النوم كأنّنا لن نصحو منه؟ هل لأنّنا لا نثق حتّى بالنوم ونخشى أن يغدر بنا؟