الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 31 أغسطس، 2010

تحجّر القلب وتصحّر الأرض

زحلة
حراجل


غزير


حصرون

أرز الباروك


لم تصب أرضنا بالتصحّر إلاّ بعدما صارت قلوبنا حجارة صيّرت حجارتنا رمالاً. والقلوب المتحجّرة لا يحرّكها حريق غابة، والرمال المتناثرة لا يبنى عليها وطن. للصحارى التفتّت والتشرذم، فلا تثبت أرضها على حال حين تعبرها الرياح حاملة كثبانها من مكان إلى مكان، ولها القبائلُ المنتظرةُ رحمةَ السماء، والمتناحرةُ بسبب حفرة تجمّعت فيها المياه، والراحلةُ خلف غيمة تعد بالمطر. أمّا اطمئنان الشجرة المتجذّرة في الأرض فليس لها/ بل لها خشية العشب من الاجترار، وهدير الأنهر وتدفّق السواقي ليس لها/ بل لها اقتناع الأرض بما يفيض عن حاجة السماء، وبالتالي ليس لإنسانها نعيم الأمان من غدر الأيّام بل جحيم القلق على المصير. ولو لم تكن الصحراء كذلك لما هجرها ساكنوها يوم استطاعوا ليبنوا أوطانهم الجديدة حيث الجبال والأنهار والأشجار. غير أنّنا نحن اللبنانيّين الذين حوّلوا الجبال جلولاً، فعلنا عكس ذلك، وقبائلَ صرنا بعدما كنّا الوطن، وصيّرنا الترابَ المتماسك حبيبات رمل متفرّقة، والجبالَ الشاهقة مقالع ومرامل، والأرضَ التي كانت منبتًا للرجال والنساء مرتعًا لأشباه الرجال وأشباه النساء، والغاباتِ المعمّرة جمرات فوق أركيلة الجيل الجديد.

البقاع الأجرد والجنوب القاحل يقتربان من الجبل الشوفيّ الأخضر والشمال الخصب، في وقت يعمل أولو الأمر في الوطن على أن يصيّروه خنادق للسلاح ومنصّات للصواريخ وأراضي مزروعة ألغامًا، وأن يجمعوا المال للتسلّح لا للتشجير، وأن يشتروا الطائرات المقاتلة لا تلك التي تطفئ الحرائق، وأن يحرسوا الأرز بالبنادق لا بخراطيم المياه. ولا يبدو أنّ كثيرين في البلد على بيّنة من التغيّرات التي جعلت طبيعة لبنان على ما صارت عليه، وإلاّ لكان من أبسط الأمور أن يتمّ الإعلان عن حال طوارئ بيئيّة تدعو إلى تأسيس كتائب من الشبّان والشابات تعمل على حراسة الغابات والمياه كي لا نهدر الثانية في محاولات يائسة لإنقاذ الأولى، وفي كلّ الحالات الخسارة واقعة. ولكن لا شيء يوحي أنّ ثمّة معالجات جديّة في هذا الموضوع بدليل الاكتفاء ببعض الشعارات الإعلانيّة والأغنيات الفولكلوريّة والتصريحات الناريّة التي لا تطفئ لهيب الحرائق ولا تبرّد قلب الأرض. ويغيب كليًّا هذا الشأن المصيريّ عن طاولة الحوار (المصنوعة من خشب) وعن العناوين الكبيرة للصحف (المصنوعة من خشب). وإذا كان الرحبانيّان في مسرحيّة "صحّ النوم" شكرا الله على أنّ دولتنا من خشب ولم تغرق في البئر، فإنّنا صرنا نخشى على دولتنا من التخشّب بلا الحركة التي فيها بركة، أو من أن تطالها نيران صديقة وعدوّة، تأكل يابسها بعدما زال أخضرها.

من يخبر كارهي إسرائيل أنّ أكثر ما يقلق هذه الدولة العدوّة هو أن ترى أشجارنا تزحف خضراء باسقة نحو حدودها؟ ومن يشرح لأصدقاء سوريا أنّ أكثر ما يزعج هذه الدولة الشقيقة هو أن ترى تصحّر أرضنا يصل إلى بابها؟ ومن يُعلم أرباب التجارة أحفاد التجّار أنّ السائح الأجنبيّ والمصطاف العربيّ لا يأتيان إلاّ لأنّنا واحة في هذا الشرق العربيّ: واحة طبيعة غنّاء وواحة حريّة مسؤولة، ولن يجذبهما أيّ شيء آخر، هذا إن كنّا نملك شيئًا آخر؟ ومن يلفت المسؤولين إلى أنّ أكثر من ثلاثين ألف شابّ وشابّة تقدّموا بطلباتهم للالتحاق بقوى الأمن الداخليّ في حين لن تقبل الدولة منهم إلاّ أربعة آلاف، وأنّ هذه المرحلة بالذات مناسبة جدًّا لإنشاء فرق لحراسة الغابات والشواطئ والأنهار فتؤمّن العمل للراغبين فيه وتبعد شبح الهجرة عن البيوت وتحمي الطبيعة من عبث العابثين وحقد المتآمرين؟ فالعمل كثير والراغبون في العمل أكثر والناقص هو التنظيم والإدارة والتوجيه المهنيّ وتنمية الحسّ الوطنيّ لرصد حاجات المجتمع (لا السوق).

من عصر العنب والزيتون إلى عصور التحجر والتصحّر، انحدار إلى أسفل درجات التخلّف الحضاريّ، وإذا كانت الحيوانات، بدافع من غريزتها وحبًّا بالبقاء، لا تخرب أوكارها وحجورها وأعشاشها، فأيّ ذكاء وأيّ بُعد نظر هذان اللذان يدفعان الإنسان لتخريب بيته وبيئته؟
***
جريدة النهار - الثلثاء 31 آب 2010

السبت، 28 أغسطس، 2010

صوفر، عاليه، بحمدون،...صيف المرارة بعد طعم المتعة والرفاه

على طرف بحمدون (تصوير يارا هبر)
كروم في بحمدون لن تعطي خمرة لأنّها بيعت (تصوير يارا هبر)

فندق صوفر الكبير
بحمدون
اصطياف وأطياف

كانت رائحة الأراكيل تملأ الصدور والأنوف. صدور المدّخنين الساهرين وأنوف المارّين العابرين. وكان ثمّ ستار شفّاف وهو مزيج من ضباب تعرفه المدينة ويلتصق بوجهها في شكل شبه دائم ولا ترفعه إلاّ لمن ترغب في الاستسلام له، ودخان يتسلّل بين أعمدة المقاهي الصيفيّة يفضح نهم المستسلمين والمستسلمات إلى متعة التدخين ولذّة السهر. ولكنّ المدينة الغارقة في العتمة المضاءة أو الإضاءة الحائرة كانت تبدو لمن يقترب منها كعجوز متصابية تكثر من المساحيق ولا تنجح في إخفاء عمرها الحقيقيّ.
في اللحظة التي رفع فيها الضباب ستائره توقّفت سيّارة كبيرة تحمل حقائب سفر كبيرة، ونزل الرجلان اللذان كانا يجلسان في المقعدين الأماميّين، واقتحما ببياض دشداشتيهما ظلمة المدينة. ثمّ التفتا إلى النساء والأولاد المكوّمين في المقاعد الخلفية يغالبون التعب والنعاس، وفجأة سبق أحدهما الآخر متسائلاً إن كانت المدينة لا تزال تستحقّ كلّ هذا العناء.
ليس ما أرويه حكاية وهميّة، بل هو كلام يصحّ في كثير من مدن الجبال اللبنانيّة وقراها بعدما تبدّلت صورة الاصطياف فيها إلى شيء آخر لم يتّخذ اسمه بعد ولا صفته، ولكنّه يفرض نفسه بعنف وإصرار. لا شكّ في أنّ ثمّة كميّات كبيرة من الحنين في ما يكتب عن دور كان للبنان ويرغب الكثيرون في استعادته. ولكنّ الحنين الذي هو مجرّد وقوف على أطلال زمن بائد وفوق رمال مكان متحوّل، يظهر كم من الصعب لا من المستحيل أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، وأن نستعيد الألق الي أعطي لهذا البلد الصغير ولم يدم إلاّ لفترة تكاد لا تلحظ من عمر الوطن.
على مسافة قصيرة من بيروت مناطق اصطياف كانت منذ عهد الاستقلال وقبله مقصد المصطافين البيروتيّين والعرب. ثمّ مرّت الحرب عليها بأشرس أسلحتها وتركتها اشلاء وغبارًا. وها هي اليوم تحاول أن تنتفض وتستعيد شبابها على مثال طائر الفينيق السعيد الذكر والكثير الرماد. ولكن هذه المدن أشبه ما تكون الآن بعجوز زادتها الأيّام تشبّثًا بماضيها، تستعيده وتستحضره، ولكن لم تهبها السنون الحكمة لتفهم تحوّلات الزمن وتقلّبه.
عاليه وبحمدون وصوفر بلدات ذاقت طعم المجد والرفاه حتّى السكر، ثمّ دفعت ثمن أناقتها دمارًا وخرابًا، وها هي اليوم تستعدّ للدور الذي سيعطى لها كممثلّة قديمة منسية نفض الغبار عن صورتها مخرج شابّ كان يعشقها طفلاً. يقولون إنّ هذه البلدات وما يحيط بها لن تبقى قرى بل منتجعات سياحيّة راقية يغني الأثرياء عن الذهاب إلى أوروبا، ويقولون إنّ الفنادق ستحتلّ تلالها والقصور ستزهو فوق مرتفعاتها، ولأنّها قريبة من العاصمة لا داعي لإقامة أسواق تجاريّة فيها، يكفي أن تمتلئ بالمقاهي والمطاعم ليخرج إليها المصطافون في الأمسيات المنعشة.
إنّ البحث عن تاريخ الاصطياف في هذه المناطق تحديدًا يقودنا إلى حكاية واحدة هي حكاية بعض العائلات البيروتيّة الباحثة عن بعض الهواء البارد في بعض أمكنة الجبل. ولذلك فغالبًا ما نلتقي بالأسماء نفسها تنتقل بين المدينة والجبل مستفيدة من حيويّة الأولى وسكينة الثانية. وتحكي الكتب والسير عن هذه البلدات / المدن/ القرى/ بإعجاب واضح وتلتصق النعوت بكلّ منها معبّرة عن دور مميّز أجادت القيام به. وتقول الأخبار إنّ الفنادق والمقاهي والمنتزهات التي كانت تحتلّ الجزء الأكبر منها تخلو شتاء من الروّاد وتضيق بهم صيفًا. وبين انتظار الوجوه المطلّة ورحيل الحقائب الثقيلة تولد الحكايات وتنمو الطرائف والنوادر لتصير كلّها ذاكرة الجبل الذي يخشى عليه من عوارض الشيخوخة.
يقول أمين الريحاني في كتاب "قلب لبنان": " وهل في الجبل غير صوفر وعاليه للصحّة أو للراحة أو لشمّ الهواء أو للتفرّج على أعيان بيروت في لهوهم وعلى الكازينو مفخرتهم الكبرى؟". وهذا ما يؤكّده السفير نديم دمشقيّة في "محطّات من حياتي الديبلوماسيّة" حين يقول: "كان فندق صوفر يعتبر من أفخم الفنادق الصيفيّة في لبنان".
ولا تختلف صورة عاليه وبحمدون، ماضيًا وحاضرًا، عمّا كانت وصارت إليه جارتهما صوفر. صحيح أنّ بحمدون حديثة بعض الشيء بالنسبة إلى زميلتيها، ولكنّ محطّة القطار التي أقيمت فيها غيّرت اسمها ودورها، وصارت القرية، التي كانت تدعى "عين القرية" مدينة ضمّت في صباها نحو أحد عشر مطعمًا ومقهى وخمس دور للسينما وأكثر من ثلاثين فندقًا يصل عدد الغرف في بعضها إلى مئة وثلاثين غرفة.
أمّا عاليه فلا تعرف أن تلتزم صورة واحد، فهي مرّة مصيف أريستقراطيّ هادئ، ومرّة مجمّع سياحيّ صاخب، ومرّة مهرجان من الأصوات والوجوه والأسماء. ارتبط اسمها بكازينو "البيسين" وصارت مسارحها قبلة كبار المطربين والمطربات لا يبخلون عليها بالسهرات تمتدّ حتّى الصباح. كان فيها أكثر من عشرين مطعمًا ومقهى وما يزيد على ثمانية عشر فندقًا، فضلاً عن القصور والفيلاّت والشقق التي كان يتسابق على استئجارها القادرون على مستوى الحياة فيها من لبنانيّين وعرب.
الخريف يأتي باكرًا في هذه البلدات، والذين عرفوا طرقها وتآلفوا مع أشجارها يستطيعون أن يتخيّلوا الأوراق الصفراء يجمعها الهواء ويبعدها عن أذى الدواليب التي تدور ولا تبقي حالاً على حال. والذين يمرّون في العشيّات في الشوارع الخالية لا بدّ أن يستسلموا لخدر لذيذ يصيبهم وهم ينظرون إلى الغرف القليلة المضاءة التي تُضاعف من عتمة العتمة ولا تبدّدها. ولكنّ هذه اللوحة الجميلة لن تنسينا الصورة الحقيقيّة لواقع البلدات الثلاث ومصيرها المنتظر. فالزائر العربيّ الذي تساءل إن كانت المدينة الضبابيّة تستحقّ عناء السفر غادر الفندق مع عائلته بعد يومين من وصولهم. لقد كان الطقس حارًّا وازحام السير لا يحتمل وكذلك الغلاء، وأعلن أمام عامل الاستقبال إنّه لن ينصح أصدقاءه بزيارة لبنان. أمّا المدينة الضبابيّة فسكتت عن الكلام.

الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

القدّيسة سندريلّا

سندريلاّ العاملة المحظوظة
سندريلّا القليلة الحظّ

سندريلّا بعدما هجرها الأمير مع طفلها

سندريلّا تفكّر في المستقبل

سندريلّا تعلّم الصبيّ القراءة وهو يعلّم بنات جنسها الخضوع


     لا يمكن أن تكون سندريلّا على مثل هذا النقاء في القلب والطهر في النفس فضلاً عن امتلاكها فضائل الطاعة والفقر والعفّة وإلاّ لكانت راهبة في دير لا خادمة في بيت أبيها. هذا ما خطر لي حين أخبرني أحد الأصدقاء عن عمّته التي قيل عند انتشار خبر موتها: ارتاحت أخيرًا من خدمة أخوتها وأولادهم.
     ولا أعتقد أنّ أحدًا منكم لا يعرف امرأة واحدة على الأقلّ عاشت طوال حياتها تنتظر الأمير الجميل الذي ينقذها ممّا هي فيه وماتت عجوزًا لا ترفع رأسها عن الأرض، لتخفي على الأرجح ما تشعر به ويظهر واضحًا في ملامح وجهها ومياه عينيها. ولكن هل كانت تلك المرأة تشعر بالخيبة فقط أم أنّ أيّام التعب عجنتها بعرق الحقد وخبزتها على نار الغضب؟ يحلو للرومنطيقيين أن يقولوا لعلّها صارت قدّيسة تقيم فيها السكينة، شفيعة المحكومات بمصائر لم يكن للواحدة منهنّ رأي في تقريرها وتحمّل النتائج. فلنتخيّل لسندريلاّ سيرة حياة مختلفة عن تلك التي محت من أدمغتنا فكرة الرفض وفرضت علينا الخنوع.
     ماذا لو كانت سندريلّا مع كل ضربة مكنسة تمتلئ حقدًا، ومع كلّ قطعة حطب تحملها إلى موقد لا مكان لها قربه تزداد غضبًا، ومع كلّ إهانة تتلقّاها تشتعل رغبة في الانتقام؟ ماذا لو أنّ القهر جعلها هي الشريرة التي تمثّل دور الضحيّة، وكانت عند نهايات نهارات العمل والإهانة تنصرف إلى التخطيط لا إلى الحلم، وإلى تحضير المكائد لا إلى استحضار أرواح الساحرات الطيّبات؟ أكتب هذا التصوّر وفي بالي مجموعة من الأوانس والعوانس اللواتي فُرضت عليهنّ حيوات لا يُحسدن عليها: واحدة منهنّ خدمت والدتها لعشرة أعوام، وحين ماتت أمّها مرض والدها فخدمته لأكثر من عشرة أعوام أخرى، وحين توفّي، وجدت الوقت المناسب لتمرض هي، كأنّ الأعوام التي أكلت عمرها والحسرة التي التهمت شبابها لم تبق فيها ما يستحقّ الحياة. واحدة غيرها مات أبواها ومن بين مجموع أخوتها وأخواتها كان لها حظّ الاهتمام بأخوين عاجزين عقليًّا عن تدبّر شؤونهما، وثالثة هي البنت الوحيدة بين سبعة شبّان أمضت عمرها وهي تشرف على رعاية الوالدين ومن بقي عازبًا من الأخوة، ورابعة أرسلوها مع "جهاز" ابنة أختها.
     الأمثلة أكثر من أن تحصى وفي كلّ بيت حالة مشابهة. والحالات كلّها تجد حلولها في وزارتي العمل والشؤون الاجتماعيّة المطالبتين بمعالجة هذه الأوضاع بالتعاون مع سائر الوزارات. فضمان الشيخوخة حلّ يقي المتقدّمين في السنّ العوز ويحرّرهم من ذلّ الاتكال على مساعدة من يفرضون عليهم شروطًا تذلّهم، والقروض السكنيّة حلّ عمليّ للواتي لم يتزوّجن والمعروف أنّ هذه القروض تعطي الأوليّة للمتزوّجين. والمؤسّسات الدينيّة (كوننا في نظام طائفيّ) مدعوة كذلك للتعاطي وهذا الملفّ عبر رصد الحالات التي تستدعي الاهتمام بالعجائز وبمن يخدمهم.
     ومشكلتنا الأساسيّة هي أنّنا أمام هذا النوع من المشكلات ما زلنا عاجزين عن تحديد هويّتنا الحضاريّة: فالمفروض في القرية أن يتعاون الجميع (ولو عن غير محبّة بل لضرورات حياتيّة)، وعبر البلديّات والمجالس الاختياريّة، على مساعدة من يحتاج إلى مساعدة ، وفي المدينة من الطبيعيّ أن توجد مؤسّسات اجتماعيّة وحكوميّة ترعى شؤون المحتاجين إليها. أمّا نحن فلا نعرف إن كنّا قرويين أم مدينيين، أبناء دولة أم أتباع دين، إذ لم يبقَ من حياة القرية إلاّ مأكولاتها، ولم نأخذ من حياة المدينة إلاّ ملابسها، أمّا جوهر الأشياء فغائب في كلتا الحالين، ولا فرق بين علمانيّ ومتديّن.
     في أدبنا القصصيّ شخصيّات نسائيّة يتجاذبها التعقّل والجنون وتعيش على هامش الحياة. أكثرها يصحّ عليه ما نحن في صدده: نساء في منتصف العمر، عانسات أو أرامل أو مهجورات تركهنّ الأزواج ليرحلوا بحثًا عن حياة مختلفة خلف البحار، وفي كلّ الحالات هنّ ضحايا فرض عليهنّ المجتمع إطارًا يجمع بين السجن والعمل، حتّى ليصحّ أن نقول إنّهن محكومات بالأشغال الشاقّة المؤبّدة: العانسات لأنّهن لم يرضين بأوّل عريس، والأرامل لأنّهنّ بقين على قيد الحياة في حين "هوى جسر البيت"، والمهجورات لأنّهن لم يستحققن عودة الزوج إليهنّ. أمّا الأقاصيص التي تصوّر عالم المدينة فلا تضع هذه الشريحة من النساء إلاّ في عالم الخدمة المنزليّة أو الدعارة.
     والغريب أنّ أيًّا من الجمعيّات المتعاونة مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة لا تأتي على ذكر هذه الحالات التي لم يخفّف منها انتشار العلم وتوفّر العمل كأنّ الأمر من طبيعة وجود المرأة ( أن تخدم أهلها وأخوتها وأولاد أخوتها) فلا هي معنّفة ولا هي معوّقة ولا مدمنة مخدّرات ولا أمّ عزباء ولا في موقع من يحتاج إلى رعاية حكوميّة أو خاصّة ما دام أخوتها يؤمنّون لها الطعام والشراب والمنامة. أمّا اللواتي يعترضن على هذا الوضع فما عليهنّ إلاّ أن يطلبن شفاعة سانت سندريلّا!
***
النهار - الثلثاء 24 آب 2010

الثلاثاء، 10 أغسطس، 2010

إذا لم تكن هذه هي الحرب فما هذا الذي نحن فيه؟

ألوان أمين الباشا تتكامل/ ألواننا السياسيّة تتقاتل


أنا ابنة الحرب، وصرت أعرف أنّ لها وجوهاً كثيرة وصفات لا تحصى، وأنّها تملك من الأقنعة ما يجعلنا مخدوعين بها، فنعيش معها وفيها ونحن موقنون بأنّنا في سلم أهليّ وبأنّ الدنيا بألف خير. حرب أهليّة، حرب الآخرين، حرب بشعة، حرب التحرير، حرب الإلغاء، حرب المقاومة، حرب التصدّي والصمود، حرب باردة، حرب دفاعيّة، حرب وقائيّة، حرب مصيريّة، حرب اقتصاديّة، وكثير غيرها، ولذلك صرت أعرف أنّ ما نحن فيه، وإن لم يكن فيه قصف وتدمير، هو الحرب في أبشع صورها، لأنّ ما نحن فيه يقصف أعمارنا من الخوف في انتظار الحرب ويدمّر خلايانا العصبيّة حتّى صرنا نقول فلتقع الحرب لعلّنا نرتاح من همّ انتظارها. أليس من وجوه الحرب أن نبقى في حالة خوف من وقوعها فلا نفعل شيئًا سوى سماع البيانات والخطابات وقراءة التحليلات والدراسات ورصد التحرّكات والتجمّعات؟ أليس من علامات الحرب أن نلغي مشاريع السفر للسياحة كي لا "نعلق" في الخارج وننام في مطارات العالم، وأن نطلب من أحبابنا في الخارج أن يلغوا مجيئهم إلى لبنان كي نجنّبهم الموت أو على الأقلّ الخوف والبهدلة، وأن ننتظر ما ستطلبه السفارات الأجنبيّة من مواطنيها، وأن نستأجر منزلاً نقنع أنفسنا بأنّه بعيد عن ساحة المعركة، وأن نمتنع عن صرف ما في الجيب خوفًا ممّا سيحمله لنا الغيب؟ وقرشك الأبيض خبّيه للسبت الأسود الذي قد يمتدّ على كلّ أيّام حياتك. أليست هذه أهداف الحرب؟ ها هي قد تحقّقت.
البلد على كفّ عفريت (كما حاله دائماً): الإشاعات تملأه وتفيض إلى خارجه، والمجتمع منقسم بين من يفتّش عن قضيّة ليموت من أجلها، وبين من يفتّش عن متعته لأنّه شبع مقاومة وموتاً. مجتمعان متناقضان: واحد يضع الحجاب فوق الحجاب فلا تصل إليه وآخر صار يريد أن يخلع جلده بعدما خلع ملابسه. فكيف يكون حوار بين مجتمعين متناقضين إلى هذا الحدّ مع غياب من يصلح لتحكيم العقل؟ لذلك يبدو غياب أهل الفكر والعلم لافتًا في مجتمعٍ ترك المجال واسعًا للانفعالات والمشاعر وكلّها متفلّتة من ضوابطها، منساقة خلف غرائزها، ممعنة في التخريب بحجّة التجريب. من هنا يلفتنا انكفاء الأطباء وعلماء الاجتماع والبيئة والمحلّلين النفسيّين والفلاسفة والمهندسين والمحامين عن تعاطي الشأن العام تعاطياً علنيّاً فاعلاً إن لم يكونوا من العاملين في السياسة. صحيح أنّ ثمّة برامج تلفزيونيّة وإذاعيّة تخصّص حلقات كاملة لبحث مواضيع تتعلّق بالتلوّث وانتشار الأمراض والفساد، غير أنّ الكلام على الهواء يصير كلاماً في الهواء الذي يحمله إلى مكان آخر حتّى يتبدّد. هذه طبيعة العمل الهوائيّ التلفزيونيّ أو الإذاعيّ. البقاء للمكتوب، إن على لوحات من الآجر وبالخطّ المسماريّ أو على ورق البردي نسخها كاتب عجوز أو في الكتب أورقيّةً كانت أم إلكترونيّة. وكلّ كلام آخر هو نوع من الإعلان يرشدك إلى كتاب فيه العمق والتحليل والحلول، الهواء عابر/ وكذلك الهوى/ إن لم يحمل إليك لقاحاً يطعم ما فيك لتثمر.

حين أُسأل إن كنت استمعت إلى خطاب لرجل سياسيّ، أجيب: أفضّل قراءة ما قاله حين يُنشر. الخطب والمؤتمرات الصحافيّة تهدف إلى مخاطبة عواطفنا وانفعالاتنا الآنيّة ولا تترك للعقل مجالاً كي يناقش ويسأل ويسائل ولو مع نفسه. يؤخذ الإنسان أمام الخطباء/ خصوصًا إن كانوا يتمتّعون بالقدرة على جذب الشريحة الكبرى من المجتمع، تلك التي تعرف القراءة ولا تقرأ/، فتُؤخذ بأصواتهم وانفعالاتهم وغضبهم وحزنهم ومزاحهم وحركات أيديهم وتعابير وجوههم، لذلك يعجز أكثر المستمعين (غير المتخصّصين) عن استعادة الجزء الأكبر والأهمّ ممّا تابعوه لساعات. وحين تسألهم إن كانوا قرأوا ما قاله فلان أو فلان أجابوا لا لقد استمعنا إليه، ثم تكتشف أنّهم لم يسمعوا إلاّ ما كانوا يتمنّون سماعه. ما زلنا مجتمعاً "سمّيعاً" أكان ذلك في سوق عكاظ أم أمام أم كلثوم أم أمام شاشات التلفزيون وأثير الإذاعات. في الصحافة المكتوبة أمل في الخلاص ولو في عزّ هذه "الحرب" التي نحن فيها ولا ندري، حين تترك مجالات واسعة للعلم ليقول كلمته مقالاتٍ ودراسات وتحليلات ترصد ما يجري حولنا ونحتاج إلى ذوي الاختصاص ليشرحوه لنا في كتب ونصوص نعود إليها مرّة بعد مرّة. ولا يجوز في عصر الإحصاءات والمختبرات والجامعات أن يكون لما تقوله الأبراج زاوية يوميّة في الصحف، وصفحات كاملة لمن استقبل وودّع وصرّح، ولا تكون فيها صفحة يوميّة للعلوم والفلسفة على اختلاف مدارسها واهتماماتها. ولعلّنا مدعوون إلى خوض هذا النوع من الحروب (ضدّ الجهل والمرض والتلوّث) فننجو من حرب لا تقيم للعقل وزناً.
***
النهار - الثلثاء 10 آب 2010

السبت، 7 أغسطس، 2010

المال النفطيّ والصحافة وعود الكبريت



يكثر الحديث اليوم في لبنان (2008)، ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابيّة، عن المال المتدفّق على جيوب الزعماء ورؤساء الأحزاب والتيّارات، ليذهب جزء بسيط منها إلى جيوب الناس المطلوب منهم أن يهرعوا يوم الانتخاب لانتخاب النوّاب، النوّاب أنفسهم الذي دفعوا المال ودفعوا البلاد إلى الهاوية. ويتبارى صحافيّو المرحلة، بالنيابة عن زعمائهم، في سرعة فضح مصادر الأموال المشبوهة، ويتبارزون في من يتفوّق على الآخر في وضع مصطلح تخويّني جديد لم يخطر على بال أحد: فصار عندنا المال النفطيّ، والمال الوهّابيّ، والمال الفارسيّ، والمال الخليجيّ، والمال المفسد، ومال يهوّذا الذي خان المسيح، والمال الانتخابيّ، والمال الملوّث، وإلى ذلك من العبارات التي صحّت على الجميع وإن في مراحل مختلفة ونسب متفاوتة.
ولقد وضع الشاعر أنسي الحاج قلمه في الجرح وحرّك المواجع حين كتب عن ارتباط الصحافة بالمال وارتهانها لأنظمة ودول، وذلك في مقالته الأسبوعيّة في صحيفة الأخبار اللبنانيّة يوم السبت 29 تشرين الثاني 2008. وأنا إذ أوافقه الرأي في الكثير ممّا كتبه لا يسعني إلاّ أن أضيف بعض الأمور، وأنا أعرف أنّ الحديث عن هذا الموضوع لا يرتبط بتاريخ نشر النصّ ولا بتاريخ نشر هذا الرأي، لأنّنا كلّما اقتربنا من استحقاق ما، وفي لبنان عندنا كلّ يوم استحقاق، يتجدّد الحديث عن الفساد والمال والمصالح.
نعم، "لقد أفسد المال النفطيّ كلّ شيء. وعوض أن يحرّر الشعوب العربيّة والإسلاميّة الفقيرة من العوز والأميّة ركّزها في تخلّفها وذهب قسمه الأكبر متدفّقًا إلى الذمم يشتريها والأقلام يسخّرها والكبار يراودهم عن غرائزهم ويحني هاماتهم إذلالاً وتسوّلاً إلى أعماق الوحل". غير أنّنا لا نستطيع أن ننفي عن الذين باعوا أنفسهم وسخّروا أقلامهم وأحنوا هاماتهم تهم البغاء والزحفطونيّة والرغبة في الإثراء السريع والولع بالسلطة والمتسلّطين والتأهّب الدائم للانتقال من معسكر إلى آخر ما أن تتغيّر رياح السياسة وتنقلب موازين القوى. لم يكن المال النفطيّ ليفسد من ليس مستعدًّا وحاضرًا ومهيّأ للفساد.
ونعم، "صارت الصحافة اللبنانيّة تنتظر جرعاتها المنعشة إمّا من الخليج مباشرة وإمّا بواسطة رجاله اللبنانيّين"، غير أنّ هذه الجرعات كانت تميت الحريّة بقدر ما تعلي القصور الأنيقة وتشتري البيوت الفخمة في أوروبا واليخوت الضخمة والجياد الأصيلة. وفي المقابل كانت رواتب الموظّفين تبقى على حالها وتتهاوى قيمتها الشرائيّة مع الوقت والغلاء وارتفاع الأسعار.
على كلّ حال، متى كانت الصحافة عندنا لا تتلقّى الجرعات؟ وهي من كلّ جنس ونوع: تركيّة وفرنسيّة وبريطانيّة وأميركيّة وروسيّة قيصريّة ثمّ شيوعيّة ثمّ "بوتينيّة"، وخليجيّة عربيّة وخليجيّة فارسيّة ومصريّة وسوريّة وعراقيّة (هل نسينا المال العراقيّ خلال الحرب وبعدها؟). وماذا يفعل الصحافيّ اللبنانيّ، لا مالك المؤسّسة، حين يعمل في صحيفة ما ولا يقبض راتبه وإن حصّله فبعد نهاية الشهر بكثير أي بعد أن تستحقّ الفواتير ويسمع الإهانات؟ وهل نعتب عليه إن مدح من يدفع له قسط أولاده أو قيمة التأمين الصحيّ ويقيه شرّ العوز؟
نعم لقد أفسد المال النفطيّ الضمائر والقلوب، ولم يعد صاحب المؤسّسة الصحافيّة يشعر بحاجة الناس إلى الرواتب والعلاوات والمكافآت لأنّ المال الذي أنقذ مؤسساته من الغرق أغرقه في الاستزلام. فالمشكلة ليست في المال النفطيّ المتدفّق علينا أو الذي نهرع إليه بل في نفوسنا التي اعتادت التسوّل ولو في سبيل العربدة والسكر والميسر والتجارة بالكلمة والجسد والدين وكلّ ذلك تحت شعار كبير اسمه الحريّة. الشاري صار يعرف البضاعة ولم يعد في الإمكان خداعه، ولذلك فقول أنسي الحاج "حين يكتب أحدهم في جريدة عن السعوديّة أو الكويت أو قطر أو الإمارات تحسبه يتغزّل بالرقيّ في اسكندينافيا أو بأحدث آفاق الهندسة المعماريّة في نيويورك" لا يصحّ دائمًا لأنّ الناس صاروا يعرفون أنّ هذا الصحافيّ الذي يملك بيوتًا في بيروت ولندن وفرنسا ودبيّ ويغيّر سيّارته كلّ سنة لا يبيع كلامًا فقط. وأوّل من يعرف ذلك عنه أو عن سواه هم الذين يدفعون له ولسواه. الدول الخليجيّة ليست قَطعًا اسكندينافيا أو نيويورك، وتحتاج إلى الكثير من العمل والتخطيط لتصل إلى مستوى الرقيّ المطلوب، وأهلها أكثر من يعرف ذلك. ولكن المشكلة في ما نعرفه نحن اللبنانيين عن بعضنا ونخجل من البوح به حتّى أمام أنفسنا، وأهمّ ما نعرفه أنّ شرف الصحافة ليس بالتأكيد "زي عود الكبريت"، وخصوصًا في زمن عمليّات الترقيع.

الجمعة، 6 أغسطس، 2010

برلمانات الشباب والمستقبل المرهون


نهر الكلب - هنا ترك العابرون آثار مرورهم

نحاول في بلداننا العربيّة أن نعلّم تلاميذنا مبادئ الديمقراطيّة بدءًا من الدروس النظريّة في الصفوف وصولاً إلى الأعمال التطبيقيّة في الحياة. ولا يخفى على أحد أنّ هذه المحاولات لن تجدي نفعًا لأنّ تلاميذنا ما أن يخرجوا إلى العالم حتّى يكتشفوا فجأة أنّنا في واد والديمقراطيّة في واد آخر. وأسوأ ما في الأمر أنّنا نمارس الديكتاتوريّة والقمع ونحن نعطي دروسًا في الحريّة والمسؤوليّة والمشاركة في صنع القرار.
تجري منذ سنوات في لبنان محاولات لتقريب وجهات النظر عبر الحوار إن في وسائل الإعلام أو في الجمعيّات المدنيّة أو في المؤسسات الرسميّة، ولكنّها في أغلبها تدور في حلقة مفرغة وتقف دائمًا عند محاذير وممنوعات تارة بحجّة السلم الأهليّ وطورًا بحجة عدم المسّ بأسس الوفاق، وغالبًا بسبب الخوف من/ على الآخر. 
وقد تكون الجلسة النيابيّة التي أجاب فيها دولة الرئيس نبيه بري، رئيس المجلس النيابيّ، على أسئلة تلاميذ على عدد نوّاب الأمّة، خير دليل على أنّ الديمقراطيّة لا تهبط على مجتمع ما من أعالي السماوات بل هي هدف يحتاج إلى الكثير من الصبر والوقت، وسترتكب خلال مسيرة الوصول إليه الكثير من الأخطاء. ومن يعرف كيف تمّ التحضير للجلسة مع تلاميذ لبنان، أو من تابع وقائعها التي نقلت مباشرة على التلفزيونات المحليّة، يكتشف أنّ التلاميذ كانوا يلقون أسئلتهم كما يلقون دروسهم في الصفّ، وأنّ الأسئلة تعبّر عن هواجس المعلّمين والمسؤولين في المدرسة وعن رأي الوالدين أكثر ممّا تعبّر عن رأي التلميذ نفسه. وخير دليل على ذلك الاضطراب والتوتّر اللذان كانا يصيبان التلميذ إن استوضح دولة الرئيس برّي طبيعة السؤال أو هدفه قبل الإجابة.
فإذا كنّا نملي على تلاميذ في الصفوف الثانويّة ما يقولونه في "جلسة نيابيّة" شبابيّة هدفها تعليم أسس الديمقراطيّة والعمل البرلمانيّ، فهل نعتب على هؤلاء إن أُمليت عليهم لاحقًا مواقف لا تنسجم مع مصلحة البلد؟ وكيف لا يكون نوّاب الأمّة غدًا من الذين يقولون ما لقّنوه كالببغاوات؟
حين سألتُ تلميذة شاركت في الجلسة عن السؤال الذي كانت ترغب فعلاً في طرحه تبيّن أنّ سؤالها الشخصيّ يعبّر فعلاً عن هموم جيلها وبلغة جيلها، وعندما سألتها ولماذا لم تطرحي هذا السؤال إذًا قالت في اقتناع: لا أجرؤ، ماذا يفعلون بي في المدرسة إن لم أطرح السؤال المتفّق عليه؟
التلميذة خائفة من النظام المدرسيّ، والمدرسة خائفة من هيئة المجلس التي أعدّت الجلسة، والهيئة خائفة من رئيس المجلس، ورئيس المجلس خائف من زرع الأوهام في رؤوس الشباب عن ديمقراطيّة مثاليّة لا وجود لها على الأرض.
لا شكّ في أنّ التجربة مثمرة ومفيدة وتترك ذكريات لا تنسى في أذهان التلاميذ (هل هذا هو المقصود من اللقاء؟)، وكذلك كانت تجربة الطلاّب الجامعيّين الذين استضافهم الرئيس ميشال سليمان في القصر الجمهوريّ عشيّة عيد الاستقلال. ولكن ما لم يتعلّم المسؤولون أوّلاً عدم الخوف من أبناء الوطن، وعدم الخوف من صورة واقعنا المنقولة عبر وسائل الإعلام، وعدم الخوف من الأسئلة التي تتخطّى البروتوكول وخصوصًا متى أتت من جيل شابّ لا خبرة له ويريد أن يتعلّم، فسيبقى المستقبل مرهونًا لمن يحمي هذا المسؤول من صراحة أبناء الوطن.
حين كنت أتابع الحوار مع دولة الرئيس برّي، وأشفق على التلاميذ الخائفين من سلطة المجلس وسلطة المدرسة وسلطة الكاميرا وسلطة العائلة التي تراقب من المنزل، تمنّيت لو أنّ دولة الرئيس يقول لهؤلاء المراهقين: مزّقوا هذه الأوراق واطرحوا عليّ ما تفكّرون فيه فعلاً، كما فعلت فيروز مع أهالي "جبال الصوّان"، حين صرخت بهم: خزّقولي هالتياب السود.
ولكن الحياة السياسيّة شيء والمسرح شيء آخر ...ولو جمعهما التمثيل.
24 تشرين الثاني 2008


الخميس، 5 أغسطس، 2010

متى يحتار المستشار؟


من هو المستشار الأوّل؟ ومن كان أوّل زعيم عيّن مستشارًا؟ وعلى أيّ أساس يتمّ اختيار المستشارين؟
طبعًا لا أملك أجوبة على هذه الأسئلة. ولكنّها مقدّمة مقبولة للحديث عن دور المستشارين الذين في لحظة مصيريّة من حياتهم يحتارون في أيّ جواب يقدّمون: هل يعطون الجواب الصحيح أم الجواب الذي يريده طارح السؤال؟ وكم من رؤوس تدحرجت بسبب جواب أثار حفيظة الرأس الكبير ودفعه إلى قتل مستشاره الحبيب.
منذ فجر التاريخ المعروف والمستشارون يدفعون أثمانًا باهظة لأنّهم أشدّ حنكة من الحكّام الذين يطلبون رأيهم، وأكثر قدرة منهم على تحليل الأمور، وأوسع اطّلاعًا، وأبعد نظرًا، وأعمق فهمًا لنفسيّة الحاكم ونفسيّات المحكومين. ولكن في لحظة معيّنة، في لحظة مدّتها لحظة يقف المستشار على مفترق طرق ويتردّد في اختيار الجواب الذي يجب إعطاؤه. هو يعلم ما هو الجواب الصحيح ولكن هل يقوله في صوت مرتفع ويخسر رأسه المرتفع فوق كتفيه، أم يعطي الجواب الذي يعرف أنّ الحاكم يريد سماعه من فم مستشاره رغبة منه في الاطمئنان إلى وجود صوت آخر غير صوته يشير عليه بما يعلم أنّه يحتمل الخطأ وإلاّ لما استشار أحدًا منذ البداية.
في هذه اللحظة القصيرة - واللحظة دائمًا قصيرة للمحكومين- يعرف المستشار بحكم خبرته ومهاراته وحكمته أنّه خاسر في كلتا الحالتين. المهمّ كيف يحدّد المستشار الذكيّ حجم الخسارة ويقرّر إن كان سيدخل التاريخ برأس مقطوع لأنّه أغضب سيادة الحاكم أم بنفَس مقطوع لأنّه أغضب ضميره.
الحاكم الجبان والغبيّ هو الذي يخاف من مستشار شجاع وذكيّ. ولذلك فمن الطبيعيّ أن يكون عدد الحكّام الناجحين في التاريخ أقلّ بكثير من عدد الحكّام الفاشلين. وتعريف النجاح والفشل هنا مرتبط طبعًا بنظرة كلّ منّا إلى الدور الذي يجب أن يؤدّيه الحاكم وشروط هذا الدور الأخلاقيّة والفكريّة الاجتماعيّة والدينيّة والإنسانيّة. وكلّ هذه الأمور نسبيّة بالطبع، ومن يجده أحدكم زعيمًا ناجحًا وقويًّا قد يراه آخرون متسلّطًا غاصبًا ومجرمًا. وعندما يصل هذا الاختلاف في الحكم على الحكّام والقادة إلى المؤرّخين الذين عليهم أن يكونوا محايدين وموضوعيين نكتشف أنّه لا مجال إذًا للاتفاق على الحاكم المثاليّ الذي لن يوجد إلاّ في المدن الفاضلة وحكايات الأطفال.
في مسرحيّات الأخوين رحباني، لمستشار الحاكم دور أساس. قد لا يكون لنصائحه الأثر الكبير على سير الأمور في المملكة أو الرعيّة أو الوطن، ولكنّه يقول ما يجب أن يقال لعلّ أحدًا في آتي الأيّام يسمع ويستجيب. ولعلّ هذا الدور الأساس للمستشار بحسب رؤية الأخوين رحباني لسير الحكم يعكس طبيعة العمل السياسيّ والإداريّ في لبنان خصوصًا والعالم العربيّ عمومًا، إذ لا أحد ( ما عدا حالات خاصّة جدًّا) من رؤساء الدول أو الحكومات أو المجالس النيابيّ وسواهم من العاملين في الشأن العامّ سمح بأن يكون إلى جانبه مستشارون أكثر معرفة منه، لأنّ المعرفة قوّة تخيف هؤلاء الرؤساء والزعماء وتفقدهم الثقة بأنفسهم وقدراتهم، وهي قدرات مهما نمت وكبرت وتشعّبت تبقى محدودة وتحتاج إلى رأي ثان وثالث ورابع، كلّ في اختصاصه ومجاله.
"إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في إيطاليا عليك أن تعرف ماذا يجري في البرازيل"، بحسب ما يردّد نهاد قلعي في المسلسل الشهير "صحّ النوم"، وإذا أردت أن تعرف ماذا يجري على الصعيد العامّ فعليك أن تعرف ماذا يجري على الصعيد الخاصّ. أنظر إلى نفسك، فأنت كعربيّ مقتنع تمام الاقتناع ومؤمن أشدّ الإيمان بأنّك تفهم في كلّ شيء وتعرف كلّ شيء وخبير في كلّ الأمور وأذكى إنسان عرفه العالم. ومن المؤكّد أنّك تنقل هذا الإيمان إلى أولادك وأحفادك. وبالتالي ما حاجتك إلى من يشير عليك بأن تفعل كذا ولا تفعل كذا؟ وهكذا حاكمك! (أليس كما تكونون يولّى عليكم؟)، فهو يردّد: ومن هو حضرة الباحث الفلانيّ كي يظنّ أنّه قادر على أن ينصحني ويعطيني رأيه، فأنا لا أثق إلاّ بنفسي وبصديقتي وابني وصهري وابن عمّي، ولا أظنّ أنّ شهادات هذا الخبير وكلّ الكتب التي قرأها ستجعلني أثق بولائه الأعمى لي.
هذه هي كلمة السرّ: الأعمى، الولاء الأعمى، المستشار الأعمى الذي عليه ألاّ يرى (ولو رأى)، أن يكذّب عينيه، أن يقتلعهما إن دفعتاه إلى الشكّ. وإلاّ فلا مكان له في قصر الحاكم.
أيّها المستشار، إن أردت أن تبقى مستشارًا فلا تجعل لسانك منشارًا، واعمل كما نصح الوزير الملك في نصّ لجبران خليل جبران حين أشار عليه بأن يشربا من مياه البئر ليصيرا مجنونين كسائر أفراد الرعيّة. وإلاّ فستمضي عمرك أيّها الباحث وأنت تبحث عن لقمة العيش!

الأربعاء، 4 أغسطس، 2010

بيان المطارنة الموارنة لشهر آب اللهّاب

قنّوبين

"رحب المطارنة الموارنة في بيانهم الشهري بالاستقرار الذي نعم به البلد وقدوم السياح والمصطافين وابناء الوطن الذين يزورون بلدهم خلال موسم الصيف. وتمنوا للبنانيين أن يستفيدوا من فصل الصيف وأن تنتهي موجة الحر التي مرت قريبا".
- لم أكن أعلم أنّ الآباء الأساقفة يعملون في النشرات الجويّة، وأنّ بياناتهم الشهريّة تتطرّق لموضوع الطقس والاصطياف. وهذا أمر جميل وإن مفاجئًا. لذلك كان على البيان أن يستنكر قطع الشجرة في الجنوب لأنّ هذا العمل يسيء إلى البيئة ويمنع السيّاح والمصطافين وأبناء الوطن الذين يزورون بلدهم خلال موسم الصيف من الاستفادة من شجرة كان في الإمكان أن يقيموا تحتها "جلسة غداء وأركيلة". فـ"البيك نيك" من التراث اللبنانيّ، فكيف إذا كانت النزهة إلى الجنوب حيث " في يوم من الأيّام، اصطحبنا أبي في نزهة إلى البريّة، وكان الطقس جميلاً، وكانت العصافير تغنّي"...ثمّ بدأ القصف.
*****
"واستعرض الآباء الاوضاع في لبنان ورحّبوا بأصحاب الجلالة والسيادة والسمو الذي زاروا لبنان. وأشاروا الى ان لزيارتهم وقعًا جيدًا في قلوب اللبنانيين خاصة انهم اظهروا أنّهم يساعدون على تأمين الاستقرار".
- رائع أن نرحّب بالضيوف بعد مغادرتهم، هذا أمر جديد في قاموس الضيافة، ربّما لأنّ من احترق بالحليب بيصير ينفّخ على اللبن، لذلك صرنا نرحّب بالضيوف العرب عندما يغادرون ونطمئنّ إلى أنّهم لن يبقوا في لبنان طويلاً كما حصل مع الفلسطينيّين والسوريّين.
*****
"وعبّر المونسنور يوسف طوق الذي أذاع البيان، عن ألم الآباء لسقوط شهداء في صفوف الجيش والصحافة والمواطنين جراء الأحداث أمس، معتبرا أنّ هذه الأحداث إن دلت على شيء فعلى أن أعداء لبنان يتربّصون به شرا وبات لزامًا على اللبنانيين أن يجمعوا صفوفهم ويواجهوا المحنة يدًا واحدة."
- اليد الواحدة لا تصفّق يا آباء الكنيسة المارونيّة، وليس من المنطق أن تطلبوا من 18 طائفة ضرب 2 على اعتبار أنّ كلّ طائفة منقسمة إلى 8 و14، أن يكونوا يدًا واحدة. هذا أمر يحتاج إلى أعجوبة سماويّة، وإن لم تجترحوا أنتم هذه الأعجوبة فمن سيفعل؟

*****
"ودعا الآباء جميع اللبنانيين الى نسيان الخلافات وما يبعدهم ويركزوا على ما يجمعهم لان استقرار الوطن يرتكز على تقاربهم كما دعوهم الى تمتين أواصر المحبة".
- نسيان الخلافات أم تذكّرها ومعالجتها؟
- تمتين أواصر المحبّة بين من ومن؟

*****
أصحاب السيادة،
من غير المسموح أن ينتظر اللبنانيّون (بقلق أو بلهفة) خطاب السيّد حسن نصرالله، أو توجّهات وليد بك جنبلاط، أو اتصالات الرئيس سعد الدين الحريريّ، ولا يسألون عن موقف مجلس المطارنة لأنّه لا يقدّم ولا يؤخّر، ولأنّه أقلّ مستوى من عظة أيّ كاهن في أقصى الجرد، ولأنّه أضعف من أن يترك أثرًا في ظلّ الظروف الراهنة. ( أين هذا البيان من نداءات بكركي التي خضّت المجتمعين اللبنانيّ والعالميّ؟)
من الواضح يا أصحاب السيادة أنّ الأحداث تتخاطى قدراتكم، فبعضكم غاضب على غبطة البطريرك لأنّه لم يمت بعد ما أبعدَ عنهم مجد لبنان إلى الأبد، وبعضكم ينتظر بفارغ الصبر أن "يتشردق" غبطته بلقمة أكل أو يتعثّر بحجر في وادي القدّيسين، ليكون لبعض هذا البعض حظ الحلم بسيادة بكركي وسائر المشرق.
هذا طبعًا فضلاً عن انشغالكم بموضوع الأمانة العامّة للبطريركيّة وأمينها العام الذي قسم المطارنة بدل أن يجمعهم، ( من حيث تقرير مصير البلد: هل يمكن أن يكون لأمين عام بكركي وأمين عام حزب الله الدور الفاعل نفسه!!!)
عيب يا أصحاب السيادة. الرعيان بالوادي والقطعان عم يسبحوا بالبحر، للبرونزاج أو للرحيل عن هذا الشرق.
أمّا إذا كان الداعي لهذا البيان يأسكم من إصلاح الأمور، وعجزكم عن مجاراة ما يحصل فكان من الأفضل لنا ولكم أن تمتنعوا عن الإدلاء بأيّ بيان أو تصريح نظرًا لدقّة الوضع. فالصمت معبّر أكثر في هذه الظروف. وإذا كانت الرغبة في بثّ نفحة من التفاؤل والأمل كي لا يهرب المصطافون والسيّاح والمغتربون، فلا شكّ أنّكم يا أصحاب السيادة لم تعلموا بأنّ شركات الطيران تعاني من أزمة تغيير مواعيد السفر للمغادرين من لبنان، وأن مكاتب سيّارات الأجرة تستعين بسائقين إضافيّين لإيصال الناس إلى المطار قبل تفاقم الوضع في لبنان، ولأنّ الطقس الحارّ الذي أشرتم إليه لا يطاق في بلد لا كهرباء فيه ولا مياه...بل أزمة سير خانقة، وتصريحات مخيفة، وبيانات لن تدخل التاريخ.
ومع ذلك، فمجد لبنان أبقى من أن تهدّده اهتمامات صغيرة عند بعضكم، والبقاء الحضاريّ للموارنة أكثر منعة من أن تخفي معالمه رغبات دنيويّة زائلة عند كم واحد بينكم، لأنّ هناك من يصلّي، ولأنّ هناك من يعمل. فقط لو تعلمون.

الثلاثاء، 3 أغسطس، 2010

من شارع المتنبّي إلى سائر فروعه على الأراضي اللبنانيّة (عن انتشار العهر)








لم أعد أعرف هذا البلد. ولم أعد واثقة من أننّي ما زلت أقيم فيه كما هو في الواقع، إذ يخيّل إليّ أنّني صرت ابنة وطن غير موجود إلاّ في البال، ولن يبقى إلاّ هناك. أمّا هذا الـ"لبنان" فهو أشبه ما يكون بامتداد طبيعيّ لما عرف قديماً بشارع المتنبيّ. وهو امتداد حصل في لحظة تشظّ وقحة، إذ كان يكفي أن تتحدّ مصالح بعض رجال السياسة مع مطامع بعض رجال الدين كي يصير لبنان ما هو عليه اليوم: يصلح لأن يكون أيّ شيء ألاّ أن يكون وطنًا.
فأيّ وطن هذا الذي يتعامل نصف أبنائه، بالفكر أو بالفعل، مع إسرائيل، ويعمل نصفه الآخر لمصلحة سوريا، ولا أحد منهم يحبّ لبنان؟ وأيّ وطن هذا الذي يؤمن بعض شبابه بأنّ تاريخه بدأ مع تأسيس وسط المدينة وأنّ جغرافيّته تمتدّ من مونو وتنتهي في الجمّيزة، والبعض الآخر يؤمن بأنّ الموت في سبيل الأرض أجمل من الحياة عليها والزراعة فيها والبناء فوقها؟
فلنسمّ الأشياء بأسمائها، ثَمّ عهر في هذا البلد كسا بوقاحته وبشاعته وفجاجته كلّ شيء: السياسة والدين والتربية والصحافة والفنّ والطبّ والحياة الاجتماعيّة. ويكفي أن تسمعوا ما يقوله المغتربون الآتون من بلاد الحريّات لتعرفوا أنّ ما يرونه ويسمعونه في لبنان لا علاقة له لا بالحريّة ولا بالانفتاح ولا بالتقدّم ولا بالحداثة. فهؤلاء يحملون أولادهم وبناتهم بعد إقامة قصيرة في البلد ويهربون بهم عائدين إلى حيث توجد قوانين تخصّص للعهر شوارع وأمكنة وتترك للفكر كلّ الشوارع وكلّ الأمكنة.
لا أدري إن كان ما يجري على المسابح الخاصّة يوضع تحت خانة الرياضة أو الترفيه، ولا أعرف إن كان ما تنشره المجلاّت الإلكترونيّة عن العلاقات الجنسيّة المدفوعة الثمن والشذوذ من ضمن التسويق لصورة لبنان السياحيّ، ولست واثقة من أنّ ما يرويه سائقو التاكسي الذين ينقلون ليلاً القاصرين والقاصرات من وإلى الملاهي الليليّة لم يصل بعد إلى مسامع المعنيّين، ولا أجزم بأنّ الموظّف الذي يعيش أميراً مترفاً براتب لا يتعدّى الحدّ الأدنى بكثير لا يعرف في قرارة نفسه بأنّه حرامي، ولا أظنّ أن النكات الوقحة التي يحفظها الأولاد من برامج تلفزيونيّة ويتناقلونها تمتّ بصلة إلى التربية أو إلى حريّة الإعلام.
ولكن ما أعرفه جيّداً هو أنّ هذا الشرخ الهائل بين الأصوليّات الدينيّة والإباحيّة على مختلف مستويات مُتعها صار هوّة مخيفة ابتلعت العلوم والفنون وكلّ إصدارات الفكر. وحين تتفلّت الغرائز الدنيا من روابطها وتميل نحو طرفي النقيض من كلّ جانب من جوانب حياتنا لا يبقى مجال للنقد أو التحليل أو المنطق السليم.
نحن مجبرون دائماً على خيار من اثنين ولا مجال لثالث له حججه وبراهينه واحتمال صحّته: عون أو جعجع، الأصوليّة السنيّة أو الأصوليّة الشيعيّة، أميركا أو إيران، عملاء أو مقاومون، ورثة عاصي أو ورثة منصور الرحبانيّ، العري أو الحجاب، الوحي أو العقل، التراث أو الحداثة، الثابت والمتحوّل، معنا أو ضدّنا. كلّها بأسبابها ونتائجها أمور تستحقّ منّا التوقّف عندها في قراءة نقديّة واعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والنتائج غير القابلة للنقاش. وكلّنا معرّضون للانحدار إلى درك غرائزنا حين نسكت العقل ونناقش إنتاجاته بمنطق المحرّم والمحلّل.
وأكثرنا ممّن عاصر الحرب اكتشف فيه ذلك الميل إلى لغة العنف حين جرّته لغة الآخرين إلى ذلك، ولم يكن يعرف أنّها فيه وأنّه يملكها. ولكنّ التحدّي كان في ضبط هذه اللغة لتحويلها بطريقة ما طاقة إيجابيّة فاعلة. الحياة قائمة على ثنائيّات، ولكنّ الحياة نفسها هي العنصر الثالث الذي يتكوّن من برمجة هذه الثنائيّات بحسب مقتضى الأحوال. وما هو ملائم لواقع الحال اليوم قد لا يكون كذلك غداً، وما يصلح لهذا المكان قد يكون مدمّراً لسواه، وما ينفع الإنسان في هذه الظروف بالذات قد يؤذيه في ظروف مغايرة.
كم تبدو اللغة عاجزة حين تفشل في إيجاد توصيف لحالة كالتي نحن فيها، حتّى كلمة العهر تبدو في غير محلّها، لأنّ بعضنا يسيء إلى العهر نفسه حين يدّعي عكسه وهو يمارسه ولو خاشعًا في معبد، أو موجِّهاً فوق منبر، أو كأنّنا في استخدامنا الكلمة نهين من يعترف بكونه (ها) كذلك ويمارسه علناً وصراحة ونضمّه إلى قائمة من وصل إلى مرحلة مقيتة من الخبث جعلته يصدّق أنّه أفضل من سكّان شارع المتنبّي: قوّادين وعاهرات.
***
صحيفة النهار - الثلثاء 3 آب 2010

الأحد، 1 أغسطس، 2010

هل يحتاج الإرث الرحبانيّ إلى اتفاقًي الطائف والدوحة؟

الأخوان رحباني وفيروز



ربّما كان على الملك السعوديّ والأمير القطريّ والرئيس السوريّ أن يثيروا مع الرئيس اللبنانيّ موضوع الإرث الفنيّ الرحبانيّ، كونه قضيّة وطنيّة تعني اللبنانيّين جميعًا، وكذلك العرب وسائر بلدان العالم المعنيّة بهذا الفنّ. فالقضيّة ليست مجرّد قضيّة عائليّة كما يحلو للبعض أن يصوّر الأمر، بحجّة أنّ ذلك يحصل في سائر العائلات. فحين دمّرت طالبان إرثًا حضاريًّا يتمثّل في تماثيل بوذا، تحرّك العالم كلّه شاجبًا المسّ بإنجازات الحضارة التي صارت ملكًا للبشريّة ولم تعد ملكًا لدولة أو شعب، وحين يتهدّد الخطر وادي قنّوبين لن تكون الطائفة المارونيّة وحدها المعنيّة، وحين يُخشى على البيئة، أو حين يتعرّض أيّ معلم حضاريّ لأدنى تشويه أو أذيّة أو خطر أو سرقة أو تدمير، يجب أن نكون كلّنا معنيّين. 
والفنّ الرحبانيّ صار ملكنا كلّنا وإن كان القيّمون عليه أبناء العائلة وفيروز. وما يجري الآن معيب بحقّ الجميع، فمهما طال العمر بالسيّدة فيروز فلن تغنّي إلى ما لا نهاية، ومهما استفادت ماديًّا من أعمال زوجها وسلفها فالربح على المدى البعيد هو لأولاد منصور كونهم تزوّجوا وأنجبوا في حين يبدو حتّى الآن أن ورثة عاصي محصورون في الأبناء زياد وهلي وريما وكلّهم لا ورثة لهم حاليًّا بعدما أعلن زياد أنّ ابن طليقته دلال ليس ابنه وليس قطعًا وريثه.
هل هذا يعني أنّ على أولاد منصور أن يتنازلوا عن حقّ والدهم. بالطبع لا. ولكنّي لو كنت مستشارة لهم لنصحتهم بأن يصدروا البيان الذي أصدروه بصيغته القانونيّة المحقّة والعادلة ولأنهيته بالتأكيد على إصرار ورثة منصور على حفظ الحقّين الماديّ والمعنويّ لوالدهم، غير أنّهم يسمحون للسيّدة فيروز، وهي التي حملت الفنّ الرحبانيّ بصوتها، بأن تغنّي ما طاب لها الغناء وما دامت قادرة على الغناء، "لأنّنا نحن أولاد منصور لا نريد أن نحرم أنفسنا أو الناس من متعة الاستماع إليها قبل أن يتعب العمر صوتها. وبعد ذلك، أطال الله بعمرها وأعطاها الصحّة والعافية، نحتفظ بحقّنا الموروث عن والدنا والذي تضمنه لنا القوانين، في مطالبة أولاد عمّنا عاصي بحفظ هذا الحقّ واحترامه". 
ولكانت السيّدة فيروز ردّت بشكر أولاد سلفها على عدم الدخول في مشاكل قانونيّة، وهم الذين يعرفون أنّ لديها مسؤوليّات عائليّة كبيرة ملقاة على عاتقها وحدها، وعدم قدرتها على الاتكال إلاّ على نفسها وصوتها في تأمين حاجاتها ورعاية ابنها هلي. 
أمّا وقد وصلت الأمور إلى ما هي عليه، وأمام الحياد (العلنيّ على الأقلّ) الذي يحافظ عليه الياس الرحباني وأقرباء العائلة ومن رافق المسيرة الفنيّة الرحبانيّة كرفيق خوري وغازي قهوجي وهنري زغيب ووليم حسواني وغيرهم، صار من الواجب الوطنيّ أن يتدخّل رئيس الجمهوريّة المؤتمن على مقدّرات البلد وعلى صورته وتاريخه وحضارته ليضع حدًا لهذا الوضع الشاذّ، ولإسكات الأقلام التي تزكي سعير العداوة بين ورثة الرجلين اللذين زرعا حبًّا وصلحًا وسلامًا وغناء وأخوّة، وإلاّ بات من حقّنا، نحن المتضرّرين معنويًّا من كلّ ما يجري، أن نضع علامات استفهام كبيرة على الفنّ الرحبانيّ على اعتبار أنّ من لم يستطع أن يزرع المحبّة والتفاهم في عائلته لن يستطيع أن يبني وطنًا كذاك الذي زرعوه في عقولنا وقلوبنا.