الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 31 أغسطس، 2009

هل تثبت الخلجنة أمام التحديّات؟


من المنطقيّ أن تضع الأزمة الاقتصاديّة الخليج العربيّ أمام تساؤلات جديّة عن قدرته على مواجهة التحديّات على مختلف مستوياتها، فإذا القينا نظرة إلى المستقبل القريب ووجدنا العالم قد وضع يده على مصادر جديدة للطاقة، لا بدّ من التساؤل: هل سيبقى الخليج مقصدًا للتجارة والإعلام؟
أطرح هذا السؤال وفي بالي الهجمة اللبنانيّة، على سبيل المثال، على الخليج، وتحديدًا على جانب واحد على الأقلّ من جوانب الخلجنة، وهو الأغنية. فبعد تسابق محموم للغناء باللهجة الخليجيّة وصولاً إلى أكثرها محليّة، يبدو السؤال مشروعًا إن كانت هذه الفورة تهدف فعلاً إلى البحث عن أساليب فنيّة جديدة ولغة جديدة وإيقاع جديد أم هو مجرّد بحث عن مموّل ومنتج وسوق ومستمع يملك القدرة الشرائيّة.
لقد بدا الأمر في مرحلة الفورة الاقتصاديّة كأنّ كلّ ما يصدر في الخليج جميل ورائع ويستحقّ الاهتمام والتبنّي، من الصحافة إلى الرواية إلى المسلسل التلفزيونيّ إلى الأغنية إلى أنواع الطعام إلى العطر إلى ما كلّ ما يتّصل بخصوصيّة هذه المملكة أو تلك الإمارة. ولم يكن ثمّة مجال للغربلة في ظلّ الثروة الاقتصاديّة وحاجة سائر شعوب المنطقة إلى أسواق. أمّا الآن فيبدو الأمر كلّه أمام استحقاقات مهمّة ودقيقة، لا أعرف فعلاً إلى أيّ حدّ يعيها الخليجيّون ويرسمون الخطط لمواجهتها. فمع تداعيات الأزمة الاقتصاديّة العالميّة ووصولها إلى دول الخليج، وبدء ترحيل العمّال والموظّفين غير الخليجيّين بعد الاستغناء عن خدماتهم، وهو أمر مفهوم ومتوقّع، لا بدّ من ترقّب ما ستؤول إليه الأمور وكيف ستستطيع "الخلجنة" أن تقاوم انفكاك الناس عنها. إذ لا يغيب عن بال المفكّرين الخليّجيّين أنّ الحركة العمرانيّة والمؤسّساتيّة والخدماتيّة قامت على تضافر جهود كثيرين من خارج أبناء الخليج، وتطبّعت بطبعهم وتبنّت أساليبهم من دون أن يترافق ذلك مع فكر خليجيّ واضح يحدّد الأطر العامّة لهذه الإنجازات أو يضع بصمته عليها، فأتت هجينة من كلّ لغة ولون ولم تصبّ في بوتقة واحدة.
وقد يكون من الأهميّة بمكان أن نسأل إن كان هناك هويّة خليجيّة واحدة جامعة يصحّ أن يحملها كلّ أبناء الخليج أيًّا تكن دولهم وممالكهم وإماراتهم. وإن كانت الخلجنة السعوديّة هي نفسها الكويتيّة أو الإماراتيّة أو البحرينيّة أو القطريّة؟
في بالي وأنا أطرح هذه التساؤلات ما كنت أسمعه من اللبنانيّين قبل الأزمة وما صرت أسمعه بعده. وحين أقول اللبنانيّين لا أقصد أن أحصر الأمر بهم بقدر ما أنقل ما أنا شاهدة عليه كوني لبنانيّة، وأكاد أجزم أنّ الأمر يصح على غيرهم ممّن استفاد من البحبوحة الخليجيّة وممّن بدأ يخشى على مصيره بعد الأزمة العالميّة.
فقبل أشهر كانت العبارة الأكثر تداولاً: لقد حوّل العرب الصحراء جنّة. اليوم صارت: إمبراطوريّة قامت على رمل لا على صخر. وأنا حين أسمع ذلك من مدراء أو موظّفين أو عمّال أعطي الأمر أهميّة لأنّ ما يقوله الناس عفو الخاطر ومن دون دراسات وإحصاءات مؤشّر معبّر لا يجوز التغاضي عنه. ولعلّ الفضائح التي بدأت تنتشر في وسائل الإعلام الغربيّة والعربيّة عن ممارسات شاذّة في أكثر من عائلة حاكمة دليل على تغيّر ما لا بدّ من ترقّب نتائجه.
خلال الحكم العثمانيّ، توجّه الناس إلى مصر بحثًا عن الحريّة والعمل، وبقي من آثار تلك المرحلة صحف ودواوين وأفلام وأقلام ومسرح. وحين ازدهر لبنان قبل الحرب توجّه المضطهدون في بلدانهم إليه طمعًا بالحريّة والعمل، وكانت النتيجة حركة ثقافيّة أنتجت عقائد ومهرجانات ومسرحيّات وأغنيات ودور نشر. وقبل وقت تحوّل الناس إلى الخليج بحثًا عن الأمن والعمل، والسؤال الآن هل ستكون النتيجة مجرّد أبراج تلعب فيها الرياح أم ثمّة ما سيبقى للمستقبل عن مرحلة ازدهار لا بدّ من أن تنتقل إلى مكان آخر انصياعًا لحركة التاريخ وتغيّرات الأزمنة وتحوّل المصالح؟

الأربعاء، 26 أغسطس، 2009

حقيبة هيفا والحقيبة المدرسيّة (2009)





من يقنع "يارا" بعد اليوم بأن ترتدي زيّها المدرسيّ الرماديّ الذي يحزن نفسها، وبأن تحمل حقيبتها المدرسيّة الثقيلة التي أحنت ظهرها، بعدما شاهدت في الصحيفة صورة "هيفا" وهي ترتدي معطف الفرو الثمين وتحمل حقيبة يد نادرة، ثمنها 150 ألف يورو.
أنا، بداية، أوافق "يارا" رأيها في أنّ "هيفا" امرأة رائعة الجمال وخفيفة الظلّ، ولا أجد أيّ مشكلة في عملها الفنيّ ما دام محصورًا ضمن هاتين الصفتين أيّ الجمال وخفّة الظلّ. أمّا في ما عدا ذلك، فلا أعتقد أنّ "يارا" أو "هيفا" ترضيان بأنّ أعطي تلك المرأة الجميلة صفات ليست من حقّها. لا بل أجزم بأنّ "هيفا" نفسها تعرف قبل سواها قيمة خامتها الصوتيّة ومستوى أدائها التمثيليّ، وهي لم تدّع، بحسب أقوالها في المرّات التي سمعتها فيها تتكلّم عن هذا الموضوع، بأنّها أكثر من امرأة جميلة تحبّ الغناء والتمثيل والحياة. ومع ذلك لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ "هيفا" ظاهرة خاصّة استحوذت عند انطلاقتها، ولا تزال، على اهتمام الصحافة أجديّةً كانت تلك الصحافة صارمةً حازمة أم لاهية متواطئة مشجّعة.
ولكنّ هذه الظاهرة نفسها هي التي تجعل الواحد منّا يتساءل، عند رؤية صورها في أسبوع الموضة في باريس، عمّا يخطر على بال المراهقات وهنّ ينظرن إلى هذه المرأة الجميلة التي لم تحمل حقيبة مدرسيّة تقطع الظهر ومع ذلك صارت تحمل أغلى حقيبة يد في العالم. والجواب البديهيّ هو أنّ كلّ فتاة تتمتّع بقسط من الجمال ستقول في نفسها: ولماذا التعب والدرس ما دام جمالي قادرًا على تحقيق هذه المكاسب؟ أمّا الفتاة التي تعتبر نفسها دون مستوى الجمال المطلوب فستفكّر: ولماذا الدرس والتعب ما دام شكلي سيعيقني عن تحقيق هذه المكاسب؟ وفي الحالين، سنجد أنفسنا أمام تداعيات هذه الظاهرة الجميلة التي تنشر حولها، عن قصد أو عن غير قصد، مفاهيم استرخاص الفنّ والطموح لأنّ صاحبة هذه الظاهرة، وكثيرات سواها، استطعن الدخول إلى عالم الشهرة ببطاقة سحريّة اسمها الجمال ولونها الدلال وأرقامها السريّة تفتح المجال لتحصيل المال.
قد يحلو للمدافعين عن هذا النمط النسائيّ أن يروا في "هيفا" الفتاة الفقيرة المعذبة التي ابتسمت لها الحياة أخيرًا وأتى أمير الأحلام لينقذها من براثن العوز فأهداها معطفًا نادرًا من فرو الشانشيلاّ الثمين، وحقيبة يد من جلد تمساح نادر يعيش في المياه المالحة. وأنا لا أستطيع أن أخالفهم الرأي علمًا أنّ ثمن ذلك هو قتل حيوانات بريئة واستخدام فروها وجلدها زينة، فضلاً عن تعذيب فتيات مراهقات بأحلام الثراء السريع، فمن حقّ الفقراء أن يتمتّعوا بما يمكن المال أن يشتريه، ومن حقّ الناس أن تكون لهم أذواقهم الخاصّة في الفنّ والأناقة، ولكن ما لا يمكن أن يقبل به عاقل هو أن ترجح دفّة هذا النوع من الفنّ وهذا النوع من الأناقة على حساب العِلم والبيئة ومشاعر الناس. فأبسط شروط الفنّ مراعاة الظروف الحياتيّة والاقتصاديّة للناس والإحساس معهم بأزمة اقتصاديّة تهدّد الدول والبيوت، خصوصًا إذا كان هذا الفنّان عرف الفقر وعانى الحرمان.
وبالعودة إلى "يارا" المجتهدة والذكيّة والتي كانت تجد لكلّ وسيلة إقناع نقدّمها لها جوابًا منطقيًّا لاذعًا تكاد تقنعنا فيه بأنّ الحقيبة المدرسيّة الثقيلة القبيحة لن تؤمّن لها في السهولة نفسها حقيبة يد لها قفل ماسيّ من العيار الثقيل ولا يوجد منها إلاّ ثلاث في العالم، فقد ختمت النقاش الساخن ببراءة طفلة حالمة حين سألتني: هل تعلمين ما هي الحقيبة التي لا يوجد مثلها في العالم وأرغب في الحصول عليها؟ وأمام صمتي وجهلي أوضحت وهي تبتسم: حقيبة "ماري بوبنز".
و"ماري بوبنز"، لمن لا يعلم، هي المربيّة التي تحمل حقيبة سحريّة في فيلم موسيقيّ يحمل الاسم نفسه وهو من بطولة الممثّلة جولي أندروز.
شاهدوه مع أولادكم لتستعيدوا طفولة بدأت تفتك بها صور ممثّلات لم يتصالحن مع طفولتهنّ بعد.


الاثنين، 24 أغسطس، 2009

ألف نسخة من كتاب في ألف سنة



منذ نحو أسبوعين صدرت في باريس الترجمة الفرنسيّة لرواية الكاتب الأمريكيّ بول أوستر الجديدة "وحيدًا في العتمة". ومع نهاية الأسبوعين كانت النسخ كلّها قد نفدت، وتعمل دار "آكت سود" التي نشرت الرواية المترجمة على إصدار نسخة جديدة. أمّا الخبر الأهمّ في هذا الموضوع فهو أنّ عدد النسخ التي نفدت هو 80 ألف نسخة!
لا أعرف كم بلغ عدد النسخ التي بيعت في الولايات المتحدّة من الكتاب نفسه، وفي الحقيقة، لا أرغب في معرفة ذلك، على الرغم من أنّ الأمر لا يكلّف أكثر من كبسة زر على لوحة مفاتيح "اللابتوب"، ولكن يكفي أن أتذكّر أنّ من يطبع ألف نسخة من كتابه في لبنان سينتظر ألف سنة من الجهل قبل أن تنفد كتبه من السوق، وعندها سيعذرني القارئ إن لم أرغب في معرفة كم باع السيّد أوستر من روايته الجديدة في بلاده قبل أن تصل أصداؤها إلى فرنسا حيث تهافت الناس على شرائها.
"لنعدْ إلى الأرقام. يقول «التقرير العربيّ الأولُ للتنمية الثقافيّة لعام 2007» (صدر عن مؤسّسة الفكر العربيّ) إنّ 27،8% من العرب لا يقرأون ولا يكتبون، وإنّ الأمّيّة الثقافيّة (وهي في خطورة الأمّيّة الأولى) إلى ازدياد بسبب انحسار القراءة والمتابعة العلميّة. ويذْكر التقرير أنّ 27 ألف كتاب فقط صدر في الوطن العربيّ عام 2007، أي ما يعادل كتاباً لكلّ 12 ألف مواطن عربيّ، وهي نسبة مريعة إنْ علِمْنا أنّ النسبة في إنكلترا هي كتاب لكلّ 500 مواطن، وأنّها في إسبانيا كتاب لكلّ 700 مواطن. وإذا كان معدّلُ طبع أيّ كتاب عربيّ هو 3000 نسخة، وكان عددُ العرب 332 مليوناً، فذلك يعني أنّ هناك نسخةً واحدةً فقط لكلّ 110 آلاف عربيّ، أيْ إنّ النسبة، ويا للكارثة، هي 0،0009%."
هذه الأرقام وردت حرفيًّا في كلمة للدكتور سماح ادريس رئيس تحرير مجلّة الآداب ألقاها في ندوة «المجلات الثقافيّة في الوطن العربيّ» على هامش معرض الكتاب العربيّ في الدار البيضاء في المغرب، ونشرت في صحيفة "الأخبار" البيروتيّة، وعنوانها "معوّقات المجلّة الثقافيّة العربيّة المستقلّة". والأرقام المخيفة التي نقلها صاحب دار نشر عربيّة عريقة عن تقرير عربيّ - أي لا صهيونيّة فيه ولا أمبرياليّة ولا استعمار – يجب أن تجعلنا في مواجهة مع أنفسنا كقرّاء وككتّاب وخصوصًا أنّنا في بيروت نحتفل هذه السنة بالكتاب وفي القدس بالثقافة.
يقول بعض الدارسين في معرض الردّ على هذه الأرقام إنّ العرب يقرأون ولكنّهم لا يشترون الكتب بل يتبادلونها بحيث أنّ كتابًا واحدًا يتنقّل من يد إلى يد وبالتالي قد يقرّأه عشرات الأشخاص، أي، يضيف هؤلاء المدافعون عن صورتنا العربيّة الثقافيّة، إنّ هذه الأرقام غير معبّرة ونحن شعب يهوى المطالعة ولا يترك الكتاب من يده. لا أعرف إلى أيّ حد يقتنع هؤلاء بصحّة دفاعهم، وإذا كان هذا التبرير صحيحًا في القرى النائية، أو كان يصحّ حين كانت المواصلات صعبة ووسائل الاتصالات غير موجودة، فلا أدري إن كان يصحّ اليوم في عصر المكتبات والإنترنت وانخفاض سعر الكتاب مقارنة مع أسعار باقي الكماليّات والضروريّات. ولكي نفهم بالمقارنة عدم الدقّة في الحديث عن عجز العرب عن شراء الكتب فيستعيرونها، يكفي أن نتذكّر أنّ اللبنانيّين مثلاً يستوردون أكثر من 500 طن من الشوكولا سنويًّا، وأنّ معدّل ما تصرفه عائلة مكوّنة من أربعة أشخاص أسبوعيًّا يتراوح بين دولار وثلاثة دولارات (يمكن شراء كتاب بهذا السعر)، وأنّ بعض أصناف الشوكولا يصل سعر الكيلوغرام منها إلى مئة دولار، وأنّ شركة لبنانيّة واحدة تصدّر إلى الدول العربيّة ما يقدّر بـ2500 طن من الشوكولا الصناعيّ. هذا فضلاً عن أنّنا نحصر هدايانا بالمجوهرات والملابس والعطور والأزهار وعلب الحلويات ونادرًا جدًّا ما يفكّر أحدنا في تقديم كتاب هديّة. ومع ذلك ما زلنا نجد في السيرة الذاتيّة لمن يتقدّم للعمل كلمة المطالعة في خانة الهوايات.
وأكثر ما يؤسف له أن ينظر الناس إلى من يطالع بشغف نظرات سخرية واستخفاف، وخصوصًا بين تلاميذ المدارس وطلاّب الجامعات، إذ يُعامل هؤلاء "المثقّفون" معاملة قاسية ويُنبذون وتطلق عليهم تسميات جارحة تجعلهم أمام خيارين إمّا المطالعة سرًّا كأنّهم يرتكبون خطيئة وإمّا القبول بالانعزال مع ما يفرضه ذلك من توتّر نفسيّ غير مسموح به في مثل هذه الأعمار. وقد واجهت خلال عملي التربويّ الكثير من هذه الحالات في شكليها المتطرّفَين، ولكن مع الوقت انحسرت موجة المطالعة تدريجيًّا ولم يعد أحد من التلاميذ يرغب في أن يكون "خارج العصر"، أو من الـ"neards" بحسب اللقب السائد حاليًّا بين المراهقين ويطلقه الكسالى على المجتهدين للحطّ من شأنهم وإذلالهم، ما يدفع هؤلاء المرذولين إلى الكذب على زملائهم وادّعاء الكسل والتظاهر بعدم الجديّة وإهمال الواجبات المدرسيّة كي لا يصاب الواحد منهم بلعنة الاضطهاد ويبقى "وحيدًا في العتمة" بحسب عنوان رواية بول أوستر.
* صحيفة البلاد البحرينيّة - الأربعاء 11 آذار 2009

كيف تسرق في المدارس حقوق الأدباء والشعراء؟



لا شكّ في أنّ حلم كلّ كاتب أو شاعر أن يكون مادة للدراسة في المناهج التربويّة، يتعرّف التلاميذ إلى كتاباته ويحلّلون إنتاجاته ويحاولون الوصول إلى عمق أفكاره وخفايا شخصيّته وفرادة أسلوبه. وإذا كان شعراء العصور الغابرة وأدباؤها لن يطالبوا بحقوقهم الفكريّة بعدما سقطت هذه الحقوق بمرور الزمن، فمن أبسط قواعد اللياقة والاحترام أن ينال مبدعو هذه الأيّام ما يستحقّونه عملاً بالقوانين العالميّة وخصوصًا أنّ الكتاب المدرسيّ، لمن لا يعلم، وحيث لا كتاب موحّدًا أو رقابة كما في لبنان، مزراب ذهب.
أوّلاً، من المهمّ أن يعرف المعنيّون بأنّ دور النشر لا تستشير الكتّاب عند اختيار نصوصهم، ولا تسألهم رأيهم في تقرير أيّ منها يصلح للدراسة ولا كيف يجب أن تدرّس ولا في أيّ عمر أو صفّ أو مرحلة، ولا يعنيها أن تتعاون معهم، وهم أحياء يرزقون، في ما يجب أن يكتب في النبذة عن حياتهم، أو في ما يقصد بذلك البيت أو تلك العبارة أو ما هي مناسبة كتابة النصّ وظروف وضعه. ولقد سبق للشاعر أنسي الحاج أن نشر في صحيفة "النهار" مقالة في هذا الخصوص اعترض فيها على طريقة تحليل نصّ له اختير في كتاب مدرسيّ، وأكّد أنّه لا يوافق على أن يتمّ كلّ ذلك من غير موافقته أو علمه، واعتبر أنّ في الأمر إساءة لحقوق المؤلّفين وطالب من الدولة آنذاك أن تتدخّل لوضع قوانين تحمي الأدب والأدباء من سطو واضعي الكتب المدرسيّة على نصوصهم. وثمّة تجارب أخرى وقعت مع كتّاب وصحافيّين آخرين، إذ تمّ اختيار مقالاتهم المنشورة في الصحف، وتمّ التصرّف فيها لتلائم المحور المطلوب درسه أو الهدف الذي اختيرت لأجله من دون استئذان المؤلّفين أو دفع بدل ماديّ في مقابل ذلك. ومن يعرف نسبة الأرباح التي تحقّقها دور النشر من الكتاب العربيّ المدرسيّ يفهم لماذا يحقّ للمؤلّفين أن يطالبوا باحترام حقوقهم الماديّة والمعنويّة. أمّا من أين تأتي هذه الأرباح فإليكم تفصيل ذلك:
في أكثر المدارس يختار المنسّقون عن مادة اللغة العربيّة الكتاب المطلوب بعد نيل حصّة محترمة من الأرباح التي تحقّقها الدار من هذه المدرسة أو تلك، وذلك بحسب عدد التلاميذ وعدد الشُعب، وبالتالي بحسب عدد النسخ المباعة، وثمّة أسلوب آخر يقوم على إغراء المنسّق بضمّ اسمه إلى أسماء مولّفي الكتاب. وأحيانًا، تتدخّل المصالح الخاصّة والعلاقات الاجتماعيّة لتفرض على المدرسة كتابًا آخر في السنة التي تلي، فترمى كلّ النسخ السابقة ويستعاض عنها بالجديدة مع ما يفرضه ذلك من أعباء ماديّة تلقى على كاهل الأهل إذ لا يستطيع الأخ الأصغر أن يأخذ كتاب أخيه المترفّع صفًّا، فضلاً عن تغيير الأسلوب وطريقة مقاربة النصوص بين كتاب وآخر ما يعرّض التلاميذ للضياع والتشتّت وكره اللغة العربيّة. يضاف إلى ذلك أنّ دور النشر تعمل على إصدار طبعة جديدة كلّ سنة بحجّة التصحيح والتعديل والتنقيح، وتفرض على المدرسة ألاّ تقبل إلاّ بها، وعند التحقيق في النسخ الجديدة، يتبيّن أنّ التغيير طال بعض المفردات والصور أو تكبير الخطّ، ما يجعل ترقيم الصفحات يختلف بين نسخة وأخرى وبالتالي يعجز المعلّم عن ضبط إيقاع الصفّ عندما يقول: النصّ صفحة كذا، إذ تقوم القيامة بين التلاميذ الذين يملكون نسخًا قديمة وجديدة ولا يجدون النصّ المطلوب. إنّنا نتكلّم في هذا المجال عن أعداد هائلة من الكتب التي تتلف، الأمر الذي يوقع خسائر بيئيّة جسيمة بسبب أطنان الورق المهدورة، ناهيكم عمّا يدفعه الأهالي من أموال وعمّا يواجهه التلاميذ والمعلّمون من تباين في طرائق العمل والمنهجيّات. أمّا أصحاب النصوص فخاسرون ماديًّا إذ لا ينالون ثمن نصوصهم ولن يجدوا في التلاميذ زبائن محتملين يهرعون إلى المكتبات لشراء مؤلّفاتهم، ومعنويًّا إذ يكرههم التلاميذ ويكرهون الساعة التي يدرسون فيها الأدب العربيّ.
عند نهاية العام الفائت، علمت بالصدفة أنّ نصًّا كتبته في صحيفة "النهار" عنوانه: "عولمة الأمراض"، وضع على لائحة النصوص المعتمدة للتلاميذ الذين يتقدّمون لامتحان الشهادة الفرنسيّة الرسميّة، وقبل ذلك، وبالصدفة كذلك، وصلتني ورقة امتحان من مدرسة رسميّة تمتحن التلاميذ في نصّ آخر لي، وفي إحدى الجامعات، فرع الترجمة، نقل الطلاّب نصًّا آخر من نصوصي إلى لغة أجنبيّة، فتلقّيت التهنئة على اعتبار أنّني حقّقت إنجازًا أدبيًّا محترمًا. ولم يعلم أحد أنّ عشائي في تلك الأيّام كان "الخبّيزة". و"الخبّيزة"، لمن يرغب في مزيد من المعلومات، نوع من النبات ينمو بين شقوق الأرض وينتشر كيفما كان وأينما كان ولا يحتاج رعاية أو عناية، والفقراء يصنعون منه أنواعًا مختلفة من وجبات الطعام لتوفّره في كثرة وسهولة. ثمّ دخلت هذه النبتة في قاموس أمثالنا الشعبيّة، فصرنا نقول ساخرين لمن يتبجّح بالشهرة والمجد طوال اليوم وهو فقير معدم إنّ عشاءه لن يكون إلاّ "خبّيزة"، إذ إنّ الليل ستّار العيوب والفضائح والمستويات. ونقول في المقابل عمّن يملك مالاً كثيرًا ولا يسأل كيف ينفقه: "اللي معو بهار بيرشّ عالخبّيزة". وأنا طبعًا ممّن يصحّ عليهم المثل الأوّل، ولله الحمد.
* صحيفة البلاد البحرينييّة - الجمعة 27 شباط 2009

إلى الياس خوري "الحردان"


كتب الياس خوري، الروائيّ والصحافيّ اللبنانيّ، مقالة في ملحق "النهار" الثقافيّ (السبت 23 آب 2008) عن شعور يشبه الحزن وهو ليس الحزن، ويشبه الغضب وهو ليس الغضب، ويشبه مشاعر كثيرة كالخواء واليأس والغربة وعدم الرغبة في فعل شيء، ولم يجد طريقة لتقريب كلّ ذلك من فهمنا سوى تشبيه ذلك الشعور بـ"الحَرَد"، كما نقول في لغتنا العاميّة اللبنانيّة عن تصرّف الطفل الذي ينزوي في مكان ما و"يحرد" في انتظار أن تأتي أمّه وتراضيه.
وربط كلّ ذلك بمقدّمة تحدّث فيها عن صعوبة الكتابة الأسبوعيّة، لأنّ الكاتب يكتب مرّات لأنّ عليه أن يكتب ولو كان "حردانًا"، أي لو كان فارغًا وحزينًا وغاضبًا ويائسًا ولا يريد أن يفعل شيئًا سوى الانزواء في انتظار "الأمّ" التي تراضيه وتصالحه مع العالم والحياة وتخرجه من عزلته.
صحيح، ماذا يكتب الكاتب الملتزم بمقالة أسبوعيّة أو عامود يوميّ إن كان لا يجد ما يكتبه أو إن كان لا يريد أن يكتب؟ هكذا بكلّ بساطة! أعتقد أنّ القضيّة كلّها تتمحور حول سؤالين أساسيّين عن الكتابة: لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ فإن كنّا نكتب لأنّ القارئ ينتظر مقالتنا فلن نجد ما نكتبه لأنّ كلّ قارئ ينتظر شيئًا ما ولن نرضي كلّ القرّاء. وإن كنّا نكتب لأنّ عندنا ما نقوله ونكتبه، فسنكتب كلّ يوم، لأنّه من غير الممكن ألاّ نجد ما نقوله في عالمنا المليء بالصراعات والتساؤلات، وفي حياتنا المليئة بالتناقضات والأوهام.
لا أصدّق أنّ إنسانًا ما لا تخطر على باله آلاف الأفكار يوميًّا. ولكن كم من الناس يجرؤ على التعبير عن هذه الأفكار بأيّة وسيلة أتيحت له، ويعود ذلك طبعًا لأسباب أهمّها أنّنا تعلّمنا أن لا جديد تحت الشمس، وأنّ الأفكار تتشابه في النهاية، ومن أنا لأكتب أو لأقول رأيي، ومن سيقرأ ما أكتبه ومن سيسمع ما أقوله، ومن يهتمّ بي أصلاً ليكلّف نفسه العناء لإيجاد وقت ليفعل ذلك.
لا شكّ في أنّ الياس خوري الذي كتب هذه المقالة كان لا يزال تحت تأثير خسارة صديقه محمود درويش، وهو كتب ذلك بعد أسبوع واحد على وفاة ذلك الشاعر "النظيف". ومن حقّه أن يطرح التساؤلات حول الكتابة والأفكار والحزن وما يشبه الحزن وليس هو. وكلّ من حمل قلمًا أو ريشة أو إزميلاً أو آلة موسيقيّة مرّ بهذه الأوقات من التساؤلات المحقّة والمشروعة والمفهومة، لأنّها هي التي تعطي الأدب والفنّ أبعادهما الإنسانيّة وتسمو بهما وبالمتلقّي نحو سماوات جديدة ليس بالضرورة أنّها ستكون أكثر زرقة وصفاء.
الياس خوري لم يكن يشكو من ندرة المواضيع التي تصلح للكتابة، ولا من الخوف من اجترار أفكار سبق له أن كتب عنها وعالجها، لأنّ الموضوع نفسه لا يمكن أن يعالج بالطريقة نفسها ولو كان ذلك بقلم الكاتب نفسه. إذ إنّ الكاتب (أو أيّ مبدع) لا يعود هو نفسه بعد كتابة النصّ أو رسم اللوحة أو تأليف المعزوفة أو نحت التمثال، لأنّ من لا يتغيّر بعد كلّ عمل إبداعي له لا يمكن أن يغيّر أحدًا من الناس. غير أنّ الياس خوري، ربّما، كان يطرح التساؤل الأزليّ الأبدي عن جدوى كلّ ذلك الإبداع حين يرحل الذين نحبّهم ونرى في رحيلهم صورة رحيلنا الآتي لا محالة.
علينا أن ننسى الناس والتاريخ والنقد عندما نخلو إلى ذواتنا ونحاول أن "نخلق" كائنًا من الكلمات أو النغمات أو الألوان أو الأشكال. علينا أن ننسى كلّ شيء آخر سوى ما نحن في صدد التعبير عنه، وإلاّ فلن نجد كلمة جديدة، ولا فكرة جديدة، ولا معالجة جديدة، ولا مقاربة جديدة. جديدة؟ لا جديد تحت الشمس، وفي الوقت نفسه كلّ شيء جديد تحت الشمس إن نحن عبّرنا عن رؤيتنا له، وما من رؤية (ورؤيا) تشبه الأخرى.
وإلى الياس خوري "الحردان" أقول، ولو متأخّرة: لن ينتهي زمن الحَرَد، ولكن لن ينتهي زمن الكتابة، ما دمتَ تكتب، وما دمتُ أقرأ.

الأحد، 23 أغسطس، 2009

العويط والقصيفي...ليل اليأس ونهاره

الشاعر الكويتيّ نشمي مهنّا (وضّاح)
"ما الذي يدعونا لانتظار مقال أسبوعيّ بعينه؟
نادرة هي المقالات الصحافيّة التي تستحقّ منّا الانتظار، فـ"الهذر" الكتابيّ هو الأعمّ الأشمل في ما نقرأ يوميًّا، حتّى بتنا بلا شغف ولا لهفة ولا أمل في ما يكتب أو يكتب.
لكن "الندرة" تلك عصمتنا من الكفر بالانتظار، وسرّبته إلى نفوسنا.
عقل العويط في ملحق "النهار" الثقافيّ، وماري القصيفي في "ثقافتها" هما اختيار شخصيّ لا يشترط - بالضرورة الإلغاء، ولا هو هوى في النفس يرى تكسير أقلام أخرى، قد يكون غيابها لخلل في الذاكرة. لكنّهما - وفي كلّ الأحوال - محرجان لأصحاب "الهذر، ومدمّران إذ يلحّان على من يتابعهما المقارنة والتفضيل، فالاكتفاء والاستغناء، ثمّ الشغف والانتظار.
لبنانيّة عقل العويط وماري القصيفي كونيّة، ذات وجع إنسانيّ، وعيّنة صادقة من "آه" لم تلتزم حدود جغرافيّتها، ولم تحترم سيادة الهمّ المحليّ، خارقة في تمرّدها جدار مساءاتنا المطمئنّة، وصباحاتنا المتثائبة، تقترب كمقطع طوليّ وعرضيّ من حالنا: وهن سماءاتنا، انخفاضها بعدما ملّت انتظار أرواحنا، ضيق فضاءاتنا، تقطّع أنفاسنا، تقوّس ظهور أحلامنا، زيفنا الشعبيّ وكذبنا الرسميّ، خرابنا، فساد حكوماتنا، فساد ذممنا، فساد مجتمعاتنا، توهاننا، نموّ طفليليّات تسلّقت ساق دولنا للوصول إلى قلبها و...
ماري بلغتها الشعريّة تلطّف الغضب أحيانًا، وعقل العويط الشاعر يعرّي الكلمات، ينفخ فيها الهلع، ويطلقها وحوشًا في مدائننا الصامتة، وهو في نهاية أمر الكتابة لا يكترث إن لم تصطد له غافلاً، بل، حتّى وإن عادت - هذه الغاضبة - والتهمته.
في "المقالين"...لا تتبيّن أنثى ماري، ولا شاعر العويط، كلاهما يحسن الخلع، والتبرّؤ، والانقلاب، وكلّ منهما مجرّتان تحافظان على شروط الجاذبيّة، وقداسة الانشطار (شاعر: كاتب مقال) و(كاتبة: أنثى بلغة شعريّة)، لكن، إن توقّفنا متأمّلين في رابعة "النهار"، ألن نلحظ في البعيد، العميق، هناك، ماء خفيًّا ينساب بين طبقات المجرّتين؟!
لنحاول، في المرّة المقبلة: هي معلّمة الحرف الأبجديّ، وهو أستاذه الكافر بجدواه...."

من مقالة للشاعر الكويتيّ نشمي مهنّا
* مجلّة الطليعة - 16 تمّوز 2004

تاريخ الموارنة ما بين الثابت والمتحوّل


كنيسة في جبيل



قبل المجمع المارونيّ المفترض عقده قريبًا (؟)، لا بدّ للكنيسة المارونيّة من وقفة تأمّل تسترجع فيها تاريخها وتقرّر في ضوء أحداثه ما هو الثابت وما هو المتحوّل في عقيدتها وانتمائها ورموزها وسياستها وفكرها، وإلّا فستبقى المارونيّة عباءة فضفاضة كعباءة الساحر تخبّئ تحتها ما يحتاج اليه العرض أمام الجماهير فيخرج من تحتها الطريف والغريب والجميل والمخيف، لا كعباءة الكاهن التي من الواجب أن تكون في سواد قماشها رحم الإنسان الجديد، وفي بياضها أمام المذبح ثوب العمادة الطاهر للولادة الثانية.
تبيّن كتب التاريخ التي تسجّل حكاية الموارنة تبيانات فاضحة في الميول والأهواء، تخضع المادة العلميّة التأريخيّة لمزاج كاتبها وميله السياسيّ، بل تفعل أكثر من ذلك إذ تكشف في شكل فاضح التغيّرات السياسيّة والتحالفات المتناقضة التي كان الموارنة طرفًا فيها على مرّ عصور وجودهم في هذه البقعة من الأرض. وصار من الواجب اليوم، على أبناء هذه الطائفة، أن يقرّروا وفي خطوة ثابتة ومصيريّة موقفهم النهائيّ من شتّى التحديات التي يتعرّضون لها. فإذا كان الموارنة خائفين على وجودهم في هذا الشرق، فعليهم أن يعلنوا ذلك في وضوح وصراحة، احترامًا لأبناء الطائفة أوّلًا، ولسائر الطوائف المسيحيّة المرتبط وجودها حكمًا بوجودهم، ولسائر الطوائف الإسلامية التي تتحمّل، في شكل او آخر، المسؤوليّة عن الخوف المارونيّ خصوصًا، والمسيحيّ عمومًا.
بات علينا أن نعرف فعلًا إن كنّا كموارنة عابرين في هذا البلد، أم ثابتين فيه، وذلك بصرف النظر عن تحالفات زعمائنا مع السنّة أو مع الشيعة أو مع الدروز. ولم يعد مسموحًا أن تتغيّر كتب تاريخنا بتغير المراحل، فحين نكون في حالة خوف على المصير نخفي تعاملنا مع الغرب، وخصوصًا مع الفاتيكان وأوروبا، وحين نشعر ببعض اطمئنان نعلن ذلك ونتباهى به ونبحث عن الوثائق التي تؤكّد حدوثه، ونوزّع الكتب التي تتحدّث عن "إخلاص" الموارنة لحاضنيهم الغربيّين واستعدادهم لمدّ جيوشهم الغازية أو المخلّصة بمئات الألوف من المقاتلين الموارنة الأشدّاء، وذلك لحماية الدين والأرض. ومرّات تكون المارونيّة أمّة متكاملة المكوّنات، مكتفية بنفسها ولا تحتاج الى أحد سواها، ثمّ تتغيّر المعطيات ويصبح الموارنة بشحطة قلم أبناء هذا الشرق وحماة اللغة العربيّة وأخوة متضامنين مع أخوانهم في الوطن والأمّة.
خلال الحرب اللبنانيّة أصدر بعض المفكّرين مؤلّفات تنظر الى تاريخ الموارنة الغارق في القِدم من خلال نتائج آنيّة لحرب داخليّة تشابكت فيها الأوضاع المحليّة بالظروف الإقليميّة بالتغيّرات العالميّة. فجاءت هذه الكتابات ضيّقة الأفق، خاضعة لعوامل نفسيّة فرضها الخوف على الحياة والمصير، ما جعل هؤلاء الدارسين يبحثون في التاريخ المارونيّ عن محطّات البطولة والإبداع والانتصارات، وربطوها، من غير وجه حقّ، بمعارك تجري في الشوارع أمام بيوتهم، تختلط فيها المصالح وتتعارض. فأتت هذه المؤلّفات منطقيّة حينًا وانفعاليّة حينًا آخر، كأنّها تدوّن بتأثير اتفاقات وقف اطلاق النار التي لا يمكن أن يختصرها رقم أو بفعل عامل الخوف من القصف والخطف والموت. وليس بهذا الأسلوب يكتب تاريخ الأمم والشعوب والطوائف، فكيف إذا كان الدارسون رجال دين وتاريخ فكر ممن كان لهم التأثيران السياسيّ والدينيّ اللذان ما انفكّت عرى روابطهما على الرغم من وصيّة المعلم: ما لقيصر لقيصر وما لله لله؟ ولذلك كان الموارنة مرّة مع قيصر ومرّة مع الله. بل حاولوا أن يتلاعبوا بالواقع ويعملوا على التوفيق بين قيصر والله، أو أن يكونوا رسل سلام بينهما، ولكنّ ذكاءهم خانهم أكثر من مرّة، ما جعل الطائفة تدفع أثمانًا غالية بسبب التذاكي الذي لم يحسن وضع الأمور في نصابها الصحيح.
إنّ من يقرأ الأدبيّات المارونيّة التي صدرت خلال الحرب ويقارنها بمؤلّفات كتبت قبل ذلك، أو بمقالات تكتب حاليًّا، يلاحظ في سهولة مطلقة حال الانفصام في الشخصيّة المارونيّة، كأنّ هذه الطائفة تراهن على قصر ذاكرة الناس، أو على أنّ أحدًا لا يقرأ، وإن قرأ فلن يفهم، وإن فهم فلن يحفظ، وإن حفظ فلن يحاسب، وإن حاسب فلن يقسو، وإن قسا فإلى حين. ولذلك ليس غريبًا أن تجد رجل الدين المارونيّ نفسه، يتّخذ مواقف سياسيّة متناقضة تفرضها مصالح بعض رجال الكنيسة أو مخاوف الناس أو ضبابيّة الموقف العامّ، وما على المؤمنين الخاشعين إلّا أن يقولوا: آمين. وليس غريبًا ولا مستهجنًا كذلك أن تصدر دراسات عن الفكر المارونيّ عبر التاريخ وضعها لاهوتيّون وآباء ورهبان تضع في فصل واحد أعلامًا فكريّة من أمثال خرّيجي المعهد المارونيّ في روما في القرنين السابع عشر والثامن عشر كجبرائيل الصهيوني وابرهيم الحقلاني ويوسف السمعاني وغيرهم، ثمّ الشيخ موريس الجميّل والدكتور منوال يونس ومؤسّس "الندوة اللبنانيّة" ميشال أسمر، وفجأة الأحزاب التالية: الكتائب والأحرار والكتلة الوطنيّة وحزب الاتّحاد الدستوريّ، وحرّاس الأرز والتجمّع العسكريّ الزغرتاويّ ولو كان التيّار العونيّ موجودًا خلال الحرب لورد ذكره بطبيعة الحال.
لن تستقيم أمور الطائفة المارونية ما لم توضع مقدراتها في عهدة علماء وأدباء ومفكّرين من ذوي الثقافة والاختصاص. فالفكر هو الذي يوجّه السياسة والاقتصاد والتربية وهو الذي يقرأ الماضي قراءة نقديّة منطقيّة وهو الذي يستخلص العبر والدروس وهو الذي يخطّط للمستقبل لأنّ له القدرة على الاستشراف والاستنباط والتحليل والتصويب، بعيدًا عن الانفعال والمزاجيّة والمصالح الضيّقة، وهو الذي يملك الجرأة على دراسة أسباب الخوف والانعزال والتقوقع أو نتائج الانفتاح والانصهار والذوبان. وما لم يحصل ذلك، وما لم تعد عبارة "عالِم كمارونيّ" الى معجم المصطلحات العربيّة والعالميّة، فلن يبقى للموارنة إلّا أن يتذكّروا أنّهم كانوا فلّاحين روّضوا الصخر وزرعوا الوعر، ثم صاروا علماء أيقظوا الشرق على ضجيج مطبعة قزحيّا قبل حملة نابليون بونابرت بمئتي سنة بحسب تعبير الدكتور فؤاد افرام البستاني، فهل يقبلون اليوم بتحوّل دورهم الى الخدمات: أمصرفيّة كانت أم ترفيهيّة أم فندقيّة؟
*صحيفة النهار - الجمعة 27 شباط 2009

السبت، 22 أغسطس، 2009

موتي يا أمّاه قبلي

Helen Van Meen 2008
(عن الراحلين باكرًا)

أصلّي يا أمّاه كلّ ليلة كي تموتي قبلي.
حين كنت صغيراً، كنت أراقب خوفك عليّ وتعلّقك بي، وأخاف عليك منهما؛ وأسال نفسي: ماذا ستفعل إن أصابني مكروه؟ ورحت أصلّي كي ترحلي قبلي، لأنّ فكرة بقائك بعدي موجعة إلى حدّ الانكسار والهزيمة والعجز.
وحين صرت رجلاً، خفت على شيخوختك من الألم الذي يعمي العينين، ويحرق القلب، ويكسر الظهر، وأخذت أصلّي كي تعبري قبلي إلى الجهة الأخرى.
كيف سأحتمل يا أمّي وأنا أنظر إليك، من صورتي الموضوعة فوق طاولة الدار، ليلَ ثوبك الحزين؟ وكيف تريدين مني أن أبتسم داخل الإطار، والإطار الذي كان يحيط وجودك قد انكسر، وتفتّت أضلاعه، وتناثرت أجزاؤه؟ وكيف أرضى أن تصيري كتلة معجونة بالإحساس بالذنب والعجز عن الفهم؟
أيّتها الملكة المكلّلة بنبضات خوفك عليّ، والمتّشحة برداء قلقك على وجودي، والمزيّن وجهك بصفرة الهمّ والسهر، أرجوك لا تدعيني أرحل قبلك.

*صحيفة النهار

أبحث عن عمل غير مجّانيّ



أكتب في كبريات الصحف منذ أكثر من خمس عشرة سنة ولم أقبض قرشًا واحدًا فاكتشفت أنّ الزاوية في الشارع للتسوّل تؤمّن ربحًا صافيًا يعطيك الأمان أكثر من أيّ شهرة تحقّقها الزاوية الأسبوعيّة في الصحيفة.
ونشرت كتابًا لم أستفد منه بقرش مع أنّ الآراء أجمعت على الإشادة به والتنويه بأفكاره ولغته. فاكتشفت أن العمل في المنزل ونشر الغسيل على السطوح تحت أشعة الشمس الساطعة أكثر صحّة من كتابة تعمي النظر وتحني الظهر.
وعملت في المجال التربويّ لأكثر من عشرين عامًا، فلا الذين علّمتهم اعترفوا لي بالفضل ولا المؤسسات التربويّة احتملت أن أصاب بالمرض.
ولذلك أنا أبحث عن عمل يؤمّن لي دخلاً كافيًا.
وبما أنّي لا أجيد سوى الكتابة والقراءة، ولا أملك مواهب فنيّة ولا أجيد العلاقات الخاصّة وفاشلة تمامًا في العلاقات العامّة، فليس أمامي سوى العمل في المجالات التالية:
أنا مستعدّة لإعطاء دروس خصوصيّة لأولاد الأثرياء الذين لا وقت عند أهلهم لمتابعة دروسهم لأنّهم يعلمون أنّ أولادهم سينجحون في الحياة مهما كان مستواهم المدرسيّ. فقد تعبت من تعليم أولاد الفقراء مجّانًا بعد الدوام المدرسيّ لمساعدتهم على النجاح ثم يختفون بعد ذلك ولا أعود أعرف عنهم شيئًا.
وأنا مستعدّة لكتابة التقارير والخطب لمن يرغب من السياسيين والأمراء والزعماء لأنني قرّرت أن أمارس الكذب والخداع وإعطاء الوعود وإثارة العواطف والتصفيق. وبما أن هؤلاء المسؤولين لا يحسنون تأليف جملة مفيدة فأنا أعرض عليهم لغتي ومعلوماتي في مقابل المال.
وأنا مستعدّة للعمل في مجلاّت الفضائح الاجتماعيّة والأخبار الفنيّة والحفلات ذات الوجوه المتشابهة. فأنا أملك مخيّلة خصبة وأجيد نسج الحكايات وأحسن تأليف القصص والمبالغة في الوصف وأبرع في التعليق على الصور. وبما أنّ هذه المجلاّت "قابرة الفقر" فلماذا لا أعمل فيها مقابل راتب محترم؟
وأنا مستعدّة لتأليف الأغنيات للمغنّين والمغنيات، فما دام المطلوب هو "صفّ الكلام" وتكرار المعاني والصور والتركيز على روي يتكرّر كي يظنّ الناس أنّ هذا الذي يقال شعر، وبما أنّني سمعت أنّ ثمن هذه الكلمات المصفوفة باهظ عند من تقف وراءه شركة إنتاج ثريّة، ولا يقدّر بثمن عند من يقف وراءها ثري منتج، وبما أنّ ما كتبته قدّر بالكلام ولم يؤمّن تكاليف الحبر الذي به كتب، فكّرت في تأليف الأغنيات السخيفة وتحصيل المال لدفع تكاليف التأمين والاستشفاء.
وأنا مستعدّة للعمل في شركات الإعلانات. فقد سمعت أن بعض الشركات يدفع مبالغ كبيرة في مقابل جملة أو كلمة فيها إيقاع و"لعب على الكلام"، وبما أنّي ألعب بالكلمات منذ طفولتي فلماذا لا أجرّب حظّي وأعمل في إحدى هذه الشركات التي غالبًا ما يسرق العاملون فيها الأفكار من الخارج و"يعرّبونها".
وأنا مستعدّة للعمل مع المؤسسات التي تحضّر الأعراس في تأليف بطاقات الزفاف ومع مؤسسات دفن الموتى في صياغة أخبار النعي وكلّ ذلك بأساليب جديدة وتعابير مبتكرة تثير الفرح أو البكاء لا فرق. المهمّ أن أقبض ثمن كلماتي.
وأنا مستعدّة للعمل مع أيّ حزب يدفع لي مالاً لا بل مستعدّة للإيمان بمبادئه والمناداة بها. ولذلك أعرض على من يهمّه الأمر أن أؤلّف للحزب نشيدًا يهزّ المشاعر، وأنظم له أغنيات تثير العواطف وتضاعف عدد المناصرين وأكتب له شعارات على الحيطان تجذب اللامبالين وتثير غيرة الأحزاب الأخرى. ولكل أمر من ذلك ثمن.
غير أنّي الآن أنظر إلى موضوع العمل من زاوية أخرى. فلماذا هذا الإصرار على التعامل بالكلمات؟ ألم تكف التجارب السابقة؟ لماذا لا أعمل في مجالات أخرى تؤمّن لي دخلاً ثابتًا ولو متواضعًا؟ لماذا لا آخذ خطوات جريئة تعفيني من التفكير والتحليل والتأليف والقراءة والكتابة؟
لماذا لا أعمل مثلاً في غسل الصحون في المطاعم التي لا تعدّ ولا تحصى. إنّه عمل يؤمّن لي الانعزال الذي أفضّله على التعامل مع الناس، ويبعدني عن الحاجة ولا يسمح لي ببناء قصور من الرمال على شواطئ الأحلام والرغبات؟
ولماذا لا أعمل بائعة في دكّان صغير، محدود الزبائن، محدود الطموح، لا مجال فيه إلا لرؤية الشارع من خلف زجاج يسمح لي بمراقبة الناس والسيّارات وتأليف القصص عنهم. لا، لا يعني ذلك أنّي سأعود إلى الكتابة لتسجيل تلك القصص بل سأحتفظ بها لنفسي وأتسلّى.
ولماذا لا أعمل في كنس الشوارع مع العمّال الآسيويين والأفارقة؟ فأنا أهوى المشي على الطرقات، والتعرّض للشمس والمطر بلا خوف على تسريحة الشعر أو الملابس السريعة العطب. وبما أن أحدًا لا ينظر إلى وجه كانس الشارع، بل يحفظ الناس لون بزّته الخضراء ومكنسته ولا يعنيهم من يكون، فأنا أريد الآن أن أعبر على الطرقات بلا انتظار ولا انتظام.
ولماذا لا أعمل مع قاطفي المواسم وزارعي الأرض ورعاة المواشي؟ فأنا أحبّ الشجر والمطر والبراعم ورائحة التراب، وأحبّ أن أعيش على إيقاع الفصول وأن أتغيّر مع تغيّرات الطقس وأن أبرد في مواسم البرد وأن أتصبّب عرقًا في مواسم الحرّ وأن أنام مع حلول الليل وأن أصحو مع طلوع الضوء، وأن أكتفي بما يُشبع وبما يستر. وما دمت لا أحصل الآن، وبعد آلاف وآلاف من ساعات العمل والتقيّد بالأنظمة والقوانين والمواعيد، إلاّ على ما يشبع وما يستر والباقي يدفع لتسديد فواتير لم تؤمّن لي الأمان ولا الرفاهيّة، فلماذا لا أترك كلّ شيء وأتبع هذا النداء؟
يقولون لي: "أنت تعملين اسمًا" وتحقّقين شهرة حين تكتبين وتنشرين كتاباتك. فأردّ: لا الاسم ولا الشهرة دفعا فواتير المستشفى حين مرضت.
يقولون لي: تحقّقين متعة ذاتيّة، وتعبّرين عن آرائك. فأجيب لا متعتي حمتني من خيبة الأمل ولا آرائي غيّرت وجه التاريخ.
يقولون لي: تحسدين الفقراء والمعوزين والمتعبين من الأعمال الشاقة. فأقول: بل أحسد من لا ينتظر كلمة شكر لأنّه صار يملك من الحكمة ما يجعله يكتفي بأداء عمله دون زيادة أو نقصان ثم يقبض أجره وينصرف إلى بيته، وأحسد من لم يُطعن في الظهر لأنّه كان ذكيًّا فلم يستند في حياته إلاّ إلى الحائط. وأحسد الذين يحسنون تقييم عملهم بالمال ويجيدون المطالبة به والدفاع عنه. وأحسد من يؤمّن له عمله متعة العمل بحدّ نفسه ومهما كان نوعه، والاطمئنان النفسيّ والتقدير الماديّ.
وبناء على كلّ ما تقدّم، أكرّر القول إنّي أبحث عن عمل مربح ومثمر ماديًّا، ولا يدفعني إلى طلب المساعدة من الأهل أو من أحد الأصدقاء. فعلى من يملك فكرة حول هذا الموضوع، أو من يعرف طريقة يساعدني فيها على تحصيل المال الذي أستحقّه أن يمدّني بهما في أسرع وقت ممكن، شرط ألا يكون ذلك على علاقة بالكتابة أو بالقراءة.
* صحيفة الرأي العامّ الكويتيّة

الفنّانون والأطبّاء والسياسة


تظهر إلى العلن علاقة الفنّانين المصريّين والسوريّين بالسياسة، وليس الأمر جديدًا كما قد يخيّل إلى بعض القرّاء، بل قديم يعود إلى عهود الاستقلال والقضيّة الفلسطينيّة. في حين كان الفنّان اللبنانيّ يرفض إجمالاً الخوض في هذا المجال ويفضّل أن يبقى بعيدًا عن الشأن السياسيّ ليحصر واجبه القوميّ بالأغنيات الوطنيّة التي تليق بكلّ عصر وكلّ زعيم.
وإذا كان عادل إمام ومحمّد صبحي أكثر الأسماء بروزًا في الوقت الراهن على الساحة الفنيّة المصريّة، ودريد لحّام ومنى واصف على الساحة الفنيّة السوريّة، فذلك لا يعني أنّ هؤلاء يختصرون اهتمام أهل الفنّ المصريين والسوريين بالسياسة. ولا نزال نذكر في لبنان جولة الممثّلة ناديا لطفي على المخيّمات الفلسطينيّة بعد حرب 1982 واجتياح إسرائيل بيروت.
قبل مرحلة 8 و14 آذار لم يكن الفنّان اللبنانيّ المخضرم يميل إلى التعبير عن رأيه الصريح في الموضوع السياسيّ، فنأى وديع الصافي والرحابنة وفيروز وصباح وزكي ناصيف وإيلي شويري على سبيل المثال عن الصراعات الداخليّة واكتفوا بأغنيات تدعو إلى الوحدة الوطنيّة والسلام، وقد يكون الفنّانان سميرة توفيق وملحم بركات هما الوحيدين اللذين خرجا عن قاعدة الحياد حين غنّت الأولى للرئيس الأسبق سليمان فرنجيّة، والثاني للرئيس السابق إميل لحّود. وكان من الطبيعيّ في سنوات الحرب أن تدفع الأحزاب المتناحرة بعقائدها وطروحاتها المواهبَ الشابّة إلى تبنّي مواقفها السياسيّة في شكل غير ملتبس، فكان زياد الرحباني ومارسيل خليفة وأميمة الخليل وباسكال صقر نماذج عن ارتباط الفنّ بالواقع السياسيّ المستجدّ. أمّا اليوم فالصورة أكثر وضوحًا، والفنّانون الملتزمون بالتيّارين المسيطرين باتوا معروفين ومحسوبين على زعماء واتجاهات.
غير أنّ للأطبّاء في لبنان شأنًا آخر لا أحسب أنّه يوجد في أيّ بلد عربيّ آخر، على الأقلّ بمثل هذا الوضوح. فأطباء لبنان غارقون في السياسة إلى حدّ أنّهم لا يتردّدون في إعلان مواقفهم أمام مرضاهم، ما جعل عددًا من المرضى يتحوّل من طبيب إلى آخر لا بحسب براعة هذا الأخير أو اختصاصه بل بحسب ميله السياسيّ. والحجّة في ذلك أنّ كون الطبيب من الجهة السياسيّة نفسها أقلّ إثارة للتوتّر النفسيّ الذي ليس من المفروض وجوده بين الفريقين، ثمّ كيف يثق المريض برأي طبيّ لطبيبه إن كان اختار الجهة الخاطئة لإدارة شؤون البلد؟ فمن يخطئ في علاج الوطن لن ينجح في علاج المواطن، على رأي هؤلاء المرضى.
والأطبّاء على عكس أصحاب المهن الأخرى، قادرون بحكم احتكاكهم بالناس على تقديم الخدمات اليوميّة الملحّة من معاينات مجانيّة وأدوية ومساعدات طبيّة، وهذا ما لا غنى للمواطن عنه في كلّ لحظة من حياته، في حين لا ينسحب الوضع نفسه على المحامين والمهندسين وسواهم. ولذلك نجد أطباء كثرًا في المجلس النيابيّ والحكومة حاليًّا، ومرشّحين أكثر على لوائح الأحزاب للانتخابات. وما دامت الدولة لا تؤمّن لمواطنيها الدواء وكلفة الطبابة، ففي وسع الأطباء أن يسلكوا هذه الطريق السريعة للوصول إلى السلطة، من دون أن نقصد بهذا أنّهم غير مؤهّلين للعمل في الشأن العامّ.
وهذا ما دفع وسائل الإعلام، في عزّ الحمّى الانتخابيّة، إلى نبش سجلاّت الأطباء والبحث في ملفّاتهم عن أخطاء طبيّة عرّضت مرضاهم للخطر والموت على ما ذكرت بعض البرامج التلفزيونيّة والمقالات، حتّى أنّ أحد الأصدقاء الظرفاء علّق على الموضوع قائلاً: إذا كان هذا الطبيب قد تسبّب بكلّ ذلك فعلاً فعلينا أن ننتخبه كي ننقذ الناس من الموت، فلعلّه في البرلمان أخفّ خطرًا منه في المستشفى.
ولكن ما بين المزاح الذي يخبّئ الجدّ، والجدّ الذي لا يريد أحد الإشارة إليه ثمّة مخاوف من أن تتحوّل رسالة الطبيب الإنسانيّة رسالة ملغومة تنفجر في وجه المريض إن كان ذهنه خلال عمله منصرفًا إلى الشأن السياسيّ المتوتّر. وعند ذلك ستصحّ تسمية "أطباء بلا حدود" على أطباء لبنان، الذين أزالوا الحدود بين واجباتهم الإنسانيّة وحقوقهم المدنيّة.

يوم اللغة الأمّ




تدعو منظّمة الأونيسكو العالم للاحتفال بيوم اللغة الأمّ في 21 شباط من كلّ عام. وإذا كانت كلمة "يوم" عنت الحرب عند العرب قديمًا، فقيل: أيّام داحس والغبراء، وأيّام البسوس، فلعلّ الوقت حان كي نعيد التذكير بهذا المعنى لأنّ "يوم اللغة الأمّ" هو حرب مفتوحة لا هدنة فيها ولا صلح يبدو قريبًا من فرض شروطه على المشاركين فيها، لأنّ المعركة الكبرى هي أن يحدّد العرب أوّلاً عن أيّ لغة أمّ يتحدّثون، وبعد ذلك يسهل الاحتفال بيوم النصر.
فهل اللغة الأمّ هي العربيّة المكتوبة، أم اللهجة المحليّة التي يسمعها الطفل من فمّ أمّه منذ لحظة تكوّنه، أم هي في خليط اللغات التي يسمعها الأطفال من أفواه الخادمات الأسيويّات وهنّ من مختلف الجنسيّات، أم هي لغة المدرسة وهي أكثر من لغة وتحمل أكثر من هويّة، أم هي لغة المراهقين الخاصّة التي ابتدعوها وتعايشوا معها وصارت لغة الحبّ والجنس والسهر والتواصل مع العالم الخارجيّ أم هي لغة الأفلام والأغنيات التي اعتادت آذان الناس سماعها منذ اللحظة الأولى لاحتكاكهم بعالم المرئيّ/ المسموع؟ عن أيّ "لغة أمّ" نتحدّث ونحتفل؟
لا شكّ في أنّ اللغة العربيّة الفصحى التي نستعملها في الكتابة تواجه تحديّات كبيرة، وجاء عصر الإنترنت وسهولة التواصل مع هذه الشبكة التي تهيمن عليها اللغة الإنكليزيّة وهي اللغة الأكثر استخدامًا في العالم، ليحصرا اللغة العربيّة الفصحى في خانة الأدب والشعر ويربطاها بطبقة المثقّفين، ومع أنّ ثمّة بلدانًا عربيّة تفرض تعلّم العلوم باللغة العربيّة إلاّ أنّ المتعلّمين يعرفون أنّهم يتعلّمون ترجمة عن أصل أجنبيّ سيعودون إليه إن تابعوا تخصّصهم، والبعثات العربيّة إلى الجامعات في الخارج تؤكّد ذلك. غير أنّ اتّهام الفصحى بالتقصير عن مجاراة العاميّة التي نتكلّم فيها يبدو أحيانًا مبالغًا فيه، فحين نرى أهلنا الأميّين يتابعون نشرات الأخبار والمسلسلات التي تعتمد اللغة الفصحى ويفهمونها ويتفاعلون معها نعرف أنّ هذه اللغة ليست بالصعوبة التي يحاول البعض إلصاقها بها، وحين نجد العرب، مسيحيّين ومسلمين، يستخدمون اللغة الفصحى في صلواتهم وترانيمهم وأناشيدهم الدينيّة، نكتشف أنّ هذه اللغة لا تزال في لاوعي شعوبنا حاضرة وقريبة من متناول فهمهم واستعمالهم.
غير أنّنا لا نستطيع أن نتجاهل الكمّ الهائل من المفردات الذي طعّم هذه اللغة على مرّ العصور: بيزنطيّة وفارسيّة وآراميّة وسريانيّة وعبريّة وإسبانيّة وتركيّة وهندية ويونانيّة وفرنسيّة وإنكليزيّة، بفعل الترجمة والتجاور والتلاقح والاحتكاك والهيمنة، وبقدر ما زادت هذه المفردات الأجنبيّة اللغة العربيّة غنى وقرّبتها من شعوب مختلفة وأدخلت إليها معاني جديدة، بالقدر نفسه غرّبتها عن جذورها وسمحت بالتلاعب بكثير من التراكيب والاشتقاقات والأساليب الكلاميّة. وهذا من طبيعة التفاعل بين اللغات والحضارات، وهذا يدلّ في شكل أو آخر على قدرة اللغة العربيّة على التماسك والصمود في غياب أيّ سلطة لغويّة، ولا شكّ في أن ارتباط هذه اللغة بالديانتين المسيحيّة والإسلاميّة ساعد إلى حدّ كبير على ذلك.
شخصيًّا، أميل إلى اعتبار الاحتفال بيوم اللغة الأمّ هو الاحتفال بلغة أحلامنا وأحاديثنا مع جدّاتنا وأطفالنا وتأوّهاتنا وأوجاعنا وتهويداتنا وأعراسنا ومآتمنا، وهي بالتأكيد ليست اللغة المكتوبة، أي ليست العربيّة الفصحى الجامعة، بل تلك العاميّة التي نتوارثها بلا قواعد أو شروط ما يجوز وما لا يجوز. 
ربّما ليس هذا ما كان يجب أن تكون عليه الأمور، ولكن هذا ما آل إليه الوضع وبات من الصعب جدًّا معالجته في ظلّ الانقسامات العربيّة التي شرذمت الشعوب سياسيًّا وطائفيًّا ما انعكس تلقائيًّا على اللغة التي هي نتاج اجتماعيّ نفسيّ معبّر عن واقع الناطقين بها. يضاف إلى ذلك غياب المجامع اللغويّة، وهيمنة اللغات الأجنبيّة واللهجات المحليّة على الإعلام والإعلان، وضعف ملكة اللغة الفصحى، وعجز الأساليب التربويّة عن تعليمها بوسائل إيضاح حديثة أو عبر مناهج أكثر حيويّة ومعاصرة ولو عبر دراسة نصوص تراثيّة أصيلة. 
وأسمح لنفسي بالإشارة إلى تجربة خاصة قمت بها حين كنت في مجال التربية، إذ جعلت التلاميذ يقومون بمقارنة نقديّة بين قصيدة غزليّة عذريّة لجميل بن معمر المعروف بجميل بثينة وأغنية لزياد الرحباني بصوت "سلمى مصفي" عنوانها "ما منيحة الرسالة" تتحدّث عن رفض المرأة لنظريّة الغزل العذريّ والمبالغة في البوح العاطفيّ وممّا فيها: "ما منيحة الرسالة/ ولا الحبّ الخيالي/ بصفحة وحدة 12 مرّة حبيبي/ وحاكي عن نهاية وعن عيشة باليي/ ليه دايمًا إيديي/ شعري أو عينييّ/ ليه ما بتحكي عن غير إشيا موجودة فيي/ حبّك مش حقيقيّ/ إنسى يا صديقي/ إذا هيدا إحساسي/ شو تركت للأهالي؟" وكانت المشاركة ممتازة وخصوصًا بعدما استمع التلاميذ للأغنية وقام فريق منهم بإعداد فيديو كليب عنها جمعوا فيه بين العصرين الجاهليّ والحديث.
الاحتفال باللغة الأمّ إذًا يتطلّب ثورة في الأساليب التعليميّة، وجرأة للخروج من المألوف، وقدرة على الاستفادة من فنون العصر وعلومه لجعل اللغة العربيّة لغة حياة لا أسيرة مناهج ومعاجم، وفي صراحة لست متفائلة بتحقيق ذلك.

وظلم ذوي القربى



الغريب لا يؤلمك غدره. العابر لا يؤذيك إلاّ متى تعلّقت فيه آمالك والرغبات. ولذلك يبدو الانكسار عنيفًا حين تأتيك الصفعة ممّن أعطيته خدّك ليطبع قبلة السلام والإخاء. أنت لا تبكي إلاّ متى خانك الودّ الذي اتّكأتَ عليه واثقًا مطمئنًّا إلى أنّك في الحضن الآمن حيث لا تحتاج إلى سلاح أو درع.
كان شابًا لمّا يبلغ الثلاثين من عمره، حين أطلق ذلك الشاعر الجاهليّ الذي ولد في البحرين صرخته المدويّة التي لا يزال صداها يتردّد حتّى اليوم، وتختصر حكمة الأعمار كلّها:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّد
فأيّ جرح ذلك الذي أصاب طرفة بن العبد؟ ولماذا يكون الإرث الماديّ الزائل هو دائمًا ما تُغتال من أجله الصداقات وتُحلّ بسببه روابط الدم؟ أعمام طرفة الذين طمعوا بإرث أخيهم وخافوا على ثروته من ثورة ابنه الشابّ وفورة الطيش فيه وجاروا على أمّ طرفة "وردة" أخت الشاعر المتلمس، كانوا على يقين من أنّهم يفعلون الصواب ويحمون الفتى من جنوح أهوائه وانصرافه إلى اللهو والخمر والنساء، ولكن من يستطيع أن يعلم أيّ كلام قيل وأيّ لغة استعملت وأيّ حوار دار ما جعل الشاعر يكتشف أنّ ظلم الأقربين الذين هم أولى بالمعروف أكثر قسوة وإيلامًا من أيّ جرح جسديّ قد يصاب به الإنسان؟ وإذا كان ذنب طرفة هو طيش الشباب فبأيّ ذنب يؤخذ سواه؟ أوليس قول هذا الشاعر هو ما خطر على بال الأديبة مي زيادة حين قادها ابن عمّها إلى مصحّة الأمراض العقليّة ليضع يده على إرثها؟ أليس في كلّ بيت حكاية من هذا النوع؟
لعلّنا نحن في هذا الشرق العربيّ نعرف أكثر من سوانا طعم الألم متى تسبّب فيه شقيق أو جار أو قريب. ربّما لأنّنا نعلّق أكثر من سوانا آمالاً على روابط الأخوة وحرمة الجيرة ومحبّة القريب، إن على الصعيد الشخصيّ أو على الصعيد الوطنيّ. ولا أعتقد أنّ ثمّة شعوبًا أخرى تتغنّى، كما نفعل في كلّ مناسبة، بالعلاقات الوديّة وباحترام الحدود وبعدم التدخّل في شؤون الآخرين. يعترف غيرنا بالمصالح ويتصرّفون على أساسها، ولا يملأون خطبهم وبياناتهم الرسميّة بمشاعر الودّ وحرارة العواطف، واستذكار الماضي الجميل والاستشهاد بكلام الكتب المقدّسة. نحن نفعل كلّ ذلك، ثمّ نفاجأ بأنّ ذلك الصديق خاننا وتلك الجارة اعتدت على أرضنا وتلك الدولة تحلم بضمّنا إلى ممتلكاتها. وكم تتشابه الحالة العامّة مع الحالات الخاصّة في كلّ بيت وعائلة!
حين سئل السيّد المسيح: من هو قريبي؟ أعطى مثلاً عن رجل وقع ضحيّة اللصوص الذين انهالوا عليه ضربًا، وتركوه بين الحياة والموت. فمرّ به رجل دين من طائفته ولم يلتفت إليه، ثمّ مرّ رجل يساعد رجل الدين في الهيكل وتابع طريقه، غير أنّ رجلاً غريبًا عن ملّته وقومه دنا منه وضمّد جراحه ونقله إلى مكان آمن. فمن يكون القريب في تلك الحالة؟ سأل يسوع تلاميذه.
القريب هو من اقترب منك وانحدر إليك في هاوية يأسك ليرفعك بعدما ظننت أنّك لن تقوم من عثرتك. والأهمّ من ذلك أنّه لم يطلب أجرًا ولا وسامًا ولا مكافأة، ولم يبق ليصمّ أذنيك ليل نهار بأنّك لولاه لكنت الآن في حفرة آلامك تلعق جراحك. ربّما كان ذلك أفضل لك من أن يرفعك على صليب عطائه ويتوّج رأسك بإكليل فضله، ويطعنك في جنبك في كلّ لحظة ليتأكّد من أنّك ما زلت على قيد الحياة.

الجمعة، 21 أغسطس، 2009

مستر داروين، لماذا لم يكن جدّي غزالاً؟



في مثل هذا الشهر (12 شباط) ولد منذ مئتي عام تشارلز داروين. وبعد سنوات من الدراسة والمراقبة والتحليل أعلن المستر داروين أنّ جدّنا الأوّل كان قردًا، وهكذا صار عندنا نظريّة علميّة اسمها نظرية التطوّر والارتقاء والانتخاب الطبيعيّ. وبغضّ النظر عن الحقيقة العلميّة وتعارضها مع الدين أو تكاملها معه، لا أستطيع سوى أن أسأل مستر داروين: أما كان في استطاعتك أن تعبث بنتائج أبحاثك قليلاً وتجعل أجدادي يتحدّرون من سلالة الغزلان لا القرود؟ صحيح أنّ القرد في عين أمّه غزال، غير أنّ لجان التحكيم العالميّة لا تقبل بهذه العواطف، وتحتاج إلى حقائق علميّة مثبتة. ولو أعلنت يا مستر داروين انتماءنا إلى الغزلان لكان الإنسان ارتاح، والقرد كذلك، وهنا بيت القصيد.
منذ أيّام وصحيفة نيويورك بوست تعتذر من قرّائها لأنّها شبّهت الرئيس الأميركيّ باراك أوباما بالشمبانزي وذلك في رسم كاريكاتوريّ يسخر من خطّته الاقتصاديّة. وإذا كان اختيار القرد في ردّ الصحيفة لا يهدف إلى تمييز عنصريّ، فإنّ الناس ربطوه باللون الأسود وإفريقيا، وبالتالي رفضوه واعترضوا عليه. ولو كان المشبّه به غزالاً أو عصفورًا أو أسدًا أو فيلاً، هل كان المعترضون اعترضوا؟
تجعلنا هذه المواضيع على تماس مع مفهوم الجمال وكيف زرعت في وجداننا طبقيّة معيّنة يتوزّع عليها الناس والحيوانات والنباتات وسائر موجودات هذا الكون. وإذا كان من الملحّ أن تعتاد عيوننا الجمال وترقى ذائقتنا إلى مستوى اكتشافه وتقديره فلا بدّ كذلك من أن نسمح لأنفسنا بهامش من التساؤل يجعلنا ننظر إلى من وما حولنا في طريقة واعية، بعدما كنّا خاضعين لمقاييس جمال مفروضة علينا فرضًا، وتتغيّر طبعًا للعصور والمجتمعات. فإذا كان النحول الشديد مطلوبًا اليوم، فلقد كان امتلاء الجسم لا بل ميله إلى البدانة من شروط الجمال والإغراء عند العرب وكذلك في عصر النهضة الأوروبيّ كما يبدو من خلال آثار تلك المرحلة. وينسحب ذلك على ألوان البشرة والشعر والعينين وشكل الأنف، وصولاً إلى كلّ ما يحيط بنا.
لا أستطيع في إطار هذا الموضوع أن أمنع نفسي عن التساؤل إن كانت نظرة الناس إلى السيّد المسيح ستختلف لو صوّرته الأيقونات والأفلام قصير القامة، ممتلئ الجسم، أسمر البشرة، وهل كانت السيّدة العذراء ستكون أقلّ حنانًا لو كانت تشبه أمّ أيّ واحد منّا: ممتلئة الخصر، عريضة المنكبين، سوداء الشعر والعينين، سمراء ككلّ بنات هذا الشرق ونسائه. لا شكّ أنّ كثيرين سيجدون صعوبة في التخلّص من موروثات طبعتها في ذاكرتنا تراكمات أكثر من ألفي سنة جعلت السيّد المسيح وأمّه العذراء لا يشبهان أبناء هذه المنطقة، كأنّ ذلك سيغيّر في طبيعة رسالتهما ويشوّه دورهما. قد يقول البعض إنّ المقصود هو جعل الجمال الداخليّ يفيض على الشكل الخارجيّ ولذلك تأتي صور القدّيسين والقدّيسات على هذا الشكل من الجمال الروحيّ. ولكن هل يعني ذلك أنّ الجمال الداخليّ لن يفيض إلاّ بأسلوب بعض الرسّامين وتبعًا لبعض المدارس الفنيّة ومحصورًا في عرق دون غيره؟
يعيدنا ذلك إلى المستر داروين الذي "اختار" حيوانًا ظريفًا غير أنّه بالتأكيد لا يملك ملامح الجمال التي اعتدنا عليها أو كما علّمونا أن نراها، لذلك، ربّما، رفض الناس نظريّته ووجد فيها كثيرون مادة للسخرية والإهانة: إهانة للناس الذين حرموا من مسحة الجمال، وإهانة للقرد حين اعتبروه رمزًا لدونيّة الطبيعة وقبح مخلوقاتها. لقد ظلم مستر داروين هذا الحيوان حين جعله وحده الأصل الوحيد لهذا الإنسان الذي يبدو أحيانًا وبحسب الصفات التي حفرت في لاوعينا ولم نعرضها على المنطق والعقل: حكيمًا كالحيّة، أو وديعًا كالحمامة، أو شجاعًا كالأسد، أو سريعًا كالغزال، أو محتالاً كابن آوى، أو صاحب ذاكرة كالفيل، أو غبيًّا كالحمار، أو حرًّا كالطائر، أو لئيمًا كالتمساح، أو رقيقًا كالفراشة، أو أصيلاً كالحصان، أو ذا نظر ثاقب كالصقر...في حين أنّ المطلوب منه أن يسمو بإنسانيّته لعلّه يلامس الرحمة الإلهيّة.
* صحيفة البلاد البحرينيّة - 21 شباط 2009

الأربعاء، 19 أغسطس، 2009

ماجدة الرومي والبحث عن الدفء



الكتابة عن ماجدة الرومي مخاطرة يتردّد الكاتب في خوض غمارها خصوصًا إذا كانت الكتابة لا تتناول فنّها بل شخصيّتها، وكذلك إذا كانت الكتابة تسعى لأنّ تقرأ هذه الشخصيّة بعيدًا عن تأثيرات كلمات أغنياتها والألحان. فكيف إذا كانت الكاتبة امرأة؟

لقد استطاعت هذه المرأة أن تحيط نفسها بسور عال من التعاطف، فالرجال يجدون فيها المرأة/الطفلة التي تحتاج إلى حمايتهم، والنساء يرين فيها الصورة الأنثويّة التي يرغبن في أن يكنّ عليها وكثيرات يعجزن عن ذلك فيطردن الفكرة من رؤوسهنّ. الهدوء، الخفر، الرزانة، الصمت، السمو، الطهارة، بعض كلمات تخطر على البال حين ترى إلى ماجدة وهي تتكلّم، وماجدة التي تتكلّم لا تشبه ماجدة التي تغنّي على المسرح، حتّى أنّ المرء يحار في أيّهما الأصيلة وأيّهما التي تؤدّي الدور. وهذا ما بدا واضحًا في الحديث الذي أجراه الإعلاميّ مارسيل غانم في أوّل يوم من هذه السنة مع ماجدة في برنامجه الحواريّ "كلام الناس"، وفيه بدت هشّة ورقيقة وخائفة، كأنّها ورقة في مهبّ الأسئلة والسياسة والأحزاب والمشاعر الإنسانيّة. وحين شعرت بالبرد، أحضروا لها مدفأة، ومعطفًا، فبدت كهرّة تبحث عن الأمان والدفء قرب موقد.


حياة ماجدة تؤكّد هذه الصورة، ففي البداية اهتمّ بها والدها، ثم وكلت أمرها إلى زوجها، وبعده إلى أخيها. حتّى في حياتها العلنيّة تبدو محاطة برجال الدين الذين تؤدّي أمامهم ترانيمها الدينيّة، ثمّ هناك الشعراء ورجال الإعلام الذين يقعون تحت سحر طفولتها، لتصل أخيرًا في بحثها عن الله إلى الاعتراف بأنّها تجد فيه الملجأ وتسعى إلى الوصول إليه عبر صوفيّتها المسيحيّة. ماجدة الرومي ليست أوّل فنّانة تدخل طفلة عالم الفنّ، ولكنّها لم تكبر فيه كإنسان كما كبرت فيه كمطربة. بقيت طفلة لا يصدّق الناس أنّها كانت زوجة وأنّها أمّ لصبيّتين، إحداهما تزوّجت منذ فترة قصيرة، وبالتالي لن تكون صورة ماجدة الجدّة التي تحمل حفيدها مقبولة في أذهان كثيرين لا يريدون لهذه الطفلة أن تنضج.


لا أحد يستطيع أن يؤكّد إن كانت ماجدة آمنة فعلاً في هذا الحيّز من مشهد حياتها، راضية به ولا تريد الخروج من إطاره، ولكن لا يستطيع كلّ مشاهد أو مستمع أن يتقرّب منها ليكتشف ذلك أو يتأكّد منه أو ينفيه، لذلك تبقى قراءة هذه الشخصيّة مرهونة بأقوالها وأفعالها وهي تجيب على أسئلة تعترف بأنّها لا تعرف ماذا تقول ردًا عليها، أو وهي تخفي وجهها عن الكاميرا كأنّها ترتكب إثمًا بالظهور العلنيّ والكلام في مواضيع ليست من الخبيرات فيه. ومع ذلك يغفر لها الجميع زلاّتها في التعبير عن أفكار مشوّشة تطال الدين والسياسة والحياة والمجتمع. ربّما لأنّها لا تحتمل النقد أو لأنّها تسبق الآخرين إلى نقد نفسها ورفض ما تقوله هي شخصيًّا ولذلك تعترف بأنّها لا تحبّ أن تشاهد نفسها في المقابلات التي أجريت معها.


حين كنت أتابع الحديث مع ماجدة خطرت على بالي صورة ريمي بندلي وهي تغنّي في القصر الجمهوري عهد الرئيس أمين الجميّل وهي تغنّي أمام سفراء الدول الأجنبيّة: اعطونا الطفولة، اعطونا السلام. شعرت بأنّ المرأة التي ترتجف من البرد في الاستديو وتتلعثم في الكلام أمام مارسيل غانم فيها شيء من تلك الطفلة البريئة التي اختفت عندما كبرت وسافرت ويئست من طلب السلام. لم يكن فيها ما يشبه فيروز وصباح حين كانتا تقفان أمام الإعلام وتنظران إليه وجهًا لوجه: الأولى كانت تُرهب من أمامها بهالة مجد لا تليق إلاّ بها، والثانية كانت تخيفهم بطاقة على الحياة لم تعط إلاّ لها. أمّا ماجدة فمن السهل أن نخاف عليها.


*صحيفة البلاد البحرينيّة - الجمعة 16 كانون الثاني 2009

ليلى كرم والموت قبل الموت

ليلى كرم وفريال كريم


  (19 آب 2009) 
     حين أتلقّى نبأ وفاة فنّان لبنانيّ، أتساءل في سرّي بأسى: هل اختارت رضا خوري أن تنسى الناس قبل أن ينسوها؟
     رضا خوري، أيقونة المسرح اللبنانيّ وقعت ضحيّة مرض الألزهايمر وهي في عزّ عطائها وشبابها، وماتت وهي لا تعرف أحدًا ممّن حولها. وحين أجريتُ تحقيقًا عنها لملحق النهار الثقافيّ شعرت برهبة النسيان وأنا أرى إلى عينيها التائهتين، أما اليوم وأنا أكتب عن ليلى كرم فأصحّح لنفسي شعورها السابق وأقول: بل هي نعمة النسيان.
     قلّة من الفنّانين بقيت إلى جانب ليلى كرم، الممثّلة القديرة، وساعدتها في مرضها الذي أوقعها في العوز والعجز. أمّا الدولة فكانت غائبة كعادتها حين لا يكون ثمّة صوت انتخابيّ سيغيّر المعادلة ويقلب موازين القوى. مشكلة ليلى كرم، بل مشكلة كلّ فنّان أصيل وأصليّ، هي في أنّه يصدّق نفسه حين يقول في المقابلات التي تجرى معه: تكفيني محبّة الجمهور. ولكنّ الجمهور يا ستّ ليلى مش عايز كده. ولولا العائلة البيروتيّة الكريمة التي ساعدتك في محنتك الأخيرة لما كنت وجدت مستشفى يستقبلك. ولكن هل تعلمين أنّ المستشفيات تضع في غرف المرضى تلفزيونات لتخفّف عنهم معاناة المرض وتكونين أنت بأدائك الرائع من بين الذين يبلسمون الجراح؟
     صار الكلام عن حقوق الفنّانين مزحة ثقيلة بعدما رحل أكثر الفنّانين الأصيلين، والآخرون يملكون من المال والعلاقات العامّة والخاصّة ما يجعل الدولة تستعطفهم وتطلب حقوقها منهم. ولذلك كان التمثيل الرسميّ في مأتم ليلى كرم شاهدًا على طبقيّة تتعامل بها الدولة مع الفنّانين، وهي الطبقيّة نفسها التي جعلت وسائل الإعلام تتعامل مع خبر موتها بخفّة وتسرّع وفي كلمات مختصرة لا تفي حقّ تلك التي ملأت أمسياتنا بكاء وضحكًا أيّ: حياة.
عاصي الرحباني عالجته الحكومة السوريّة التي عالجت كذلك وديع الصافي، وليبيا قدّمت منزلاً لصباح التي كانت تشير في أحاديثها الأخيرة إلى مساعدات ماليّة تتلقّاها من أميرة كويتيّة صديقة. ثلاث قمم فنيّة لم تجد في بلادها إلاّ حفّارات التفتيت تريد أن تسوّي بها الأرض وهي خلقت لتسمو وتعلو. وغيرهم عدد لا يحصى من الكبار الذين لاذ كلّ منهم عند الشدّة والشيخوخة في حضن عائلة كان يهملها رغمًا عنه لإرضاء "الجمهور الحبيب" و"لإعلاء شأن الوطن".
     ليلى كرم ماتت مليون مرّة قبل أن تموت، وحين كنت أصادفها عند طبيب الأسنان الرسّام الفنّان الذي كان يعالجها مجّانًا كما كانت تخبرني، كنت أكتشف كيف يموت الإنسان من الغبن والخيبة والخجل لاضطراره إلى قبول مساعدة ولو أتت من صديق.
     ليلى التي انضمّت إلى أديب حدّاد (أبو ملحم) وسلوى حدّاد (إم ملحم) وإيلي صنيفر وهند أبي اللمع وأنطوان ريميوالياس رزق وابراهيم مرعشلي ومحمّد شامل وعلياء نمري وسواهم، بكاها في مأتمها آماليا أبي صالح (بدور) وليلى حكيموجهاد الأطرش وليليان نمري وخالد السيّد وأنطوان كرباج وصلاح تيزاني (أبو سليم) وسواهم، ولكنّ السؤال الحقيقيّ هل كانوا يبكون ليلى كرم أم يبكون أنفسهم؟

* صحيفة البلاد البحرينيّة - 9 كانون الأوّل 2008

ليلى كرم في مشهد دراميّ من أدائها (الرجاء الضغط على الرابط)

الاثنين، 17 أغسطس، 2009

محتلّ عقليًّا



احتّلت شياطين الليل عقله، وضجيج النهار أتلف أعصابه فصار في عُرف اللغة "مختّلاً عقليًّا"، بعدما قفزت النقطة واستقرّت فوق حاء حياته.
حين أطلق النار على العمال في الورشة المجاورة لمنزله العتيق لم يكن يرى إنسانًا أو اثنين أو ثلاثة، كان يرى جرّافة وجبّالة باطون وأعمدة ترتفع على أشلاء الأشجار.
حين حمل مسدّسًا وخرج ثائرًا لم يكن يريد أن يقتل آباء تنتظرهم عائلاتهم في شوق ولهفة، كان يريد أن يقتل صوت المطرقة وهي تنزل على المسمار في إيقاع رتيب: طاق، طاق، طاق... "إخرسي يا بومة تقرع صدري".
كان يريد أن يعود الصمت الذي كان قبلهم، أن تعود السكينة التي كانت قبل أن يكتسحوا الحيّ ويقتلعوا الأشجار ويحفروا الأرض ويرفعوا الجدران، أن ينام في هدوء بعيدًا عن ثرثرة العمّال الذين ينامون في الورشة، وشجارهم حول مواضيع تافهة، والأغاني السخيفة التي يبثّها ترانزيستور قديم مشوّش الصوت والإيقاع.
قتلهم ولم يرتح من الضجيج فقتل نفسه ليهرب من أزيز الرصاص والصراخ والعويل.
من أين تأتي كلّ هذه الأصوات؟ في الليل أصوات غريبة من مختلف الإذاعات والمحطّات التلفزيونيّة تتشابك فوق رأسه وهي تقفز من منزل إلى منزل ومن شرفة إلى شرفة ومن نافذة إلى نافذة، وأحاديث الساهرين على شرفات الصيف (كم يكره الصيف!) وأصوات الغناء من المطعم المقابل، وأبواق السيّارات وأزيز الفرامل على الإسفلت المحدودب لألف سبب وسبب. وفي النهار، بائعون متجوّلون، شجار الجارات والأولاد، أصوات مقدّمات البرامج الصباحيّة، هدير السيّارات وشتائم العمّال في الورش المنتشرة كحساسيّة جلديّة أثارتها الشمس الحادّة.
ما كلّ هذا الضجيج؟ ومن أين للناس هذه الطاقة على الكلام والكلام والكلام كأن لا شيء آخر يفعلونه في هذه الحياة. والكلام يحفر كلومًا عميقة في روحه، فيصرخ من الألم ويركض إلى الخارج ليسكت الجميع ويعيد الهدوء إلى الحيّ الذي ولد فيه يوم كان فيه بساتين وعيون مياه ودروب ترابيّة.
هو لم يكن يريد القتل، بل الصمت التام كي يستطيع أن ينام وما ذنبه إذا كان الناس لا يسكتون؟ هو لم ير وجوه ضحاياه ولم يعرف أسماءهم ولم يعرف شيئًا عن حياة كلّ واحد منهم، ولا عدد الأولاد الذين ينتظرون رجوعهم إلى البيت، ولا ثأر شخصيًّا بينه وبينهم، ولكنّ عقله المحتّل لا يتركه يرتاح ولا يدعه ينام، فكان عليه أن يفعل شيئًا ما لتكفّ الأرض عن الدوران والحياة عن التوالد والحركة عن الحركة.
لم يفكّر في ورشة الإعمار، ولم يتذكّر أغنية وديع الصافي: عمّر يا معمّر العمار، ولم يخطر على باله مستقبل البلد، ولا رغبة الناس في العمل لتأمين حاجات عائلاتهم، ولم يعنه أنّ الناس ينظرون إليه على أنّه غريب الأطوار لا يحبّ الكلام مع أحد، أو أنّ الأولاد يسخرون منه حين يسكتهم وهم يلعبون في الشارع أو في مواقف السيّارات، فكلّ ما يرغب فيه هو يوم من الهدوء والسكينة ليستطيع أن يحرّر عقله من المحتّلين الغاصبين بدءًا من أهل البيت والجيران وصولاً إلى رجال السياسة ونسائها ومقدّمي البرامج ومقدّماتها والمغنّين والمغنّيات.
أيّها الجلاّد والضحيّة، كلّنا محتّلون عقليًّا، كلّنا "مطووشون" من الضجيج، كلّنا مشاريع جلاّدين وضحايا في الوقت نفسه. فليحذر كلّ واحد منّا من الآخر!
***
صحيفة البلاد - 26 تشرين الثاني 2008

لكم أسمهانكم ولنا أسمهاننا



صحيفة البلاد - 30 تشرين الأوّل 2008

مهما تأخّر نشر هذا النص فسيبقى صالحًا للقراءة ولو كان مسلسل أسمهان التلفزيونيّ قد انتهت حلقاته مع نهاية شهر رمضان، إذ أنّ مسلسل نشر الفضائح والدعاوى القضائيّة لا شكّ مستمرّ في عرض متواصل جاذبًا المزيد من المهتمّين والمتابعين والمستفيدين.
فالمسلسل المشار إليه، وبعدما أثار عواصف من التساؤلات والاتهامات وأسقط الأقنعة عن كثير من الوجوه، سيبقى علامة فارقة في تاريخ الدراما التلفزيونيّة، حتّى أنّه قد يقال لاحقًا في معرض الحديث عن تاريخ المسلسلات التلفزيونيّة ما معناه: ما قبل مسلسل أسمهان وما بعده.
1- بين الفن والتأريخ
وقع المعنيّون بالمسلسل من كلا الطرفين في إشكاليّة العلاقة بين الفنّ والتاريخ وقد فشل كلّ فريق في الدفاع عن آرائه ودحض آراء الفريق الآخر وذلك لسبب بسيط هو أنّ الجميع انطلق من بداية ليست هي البداية. ففي حين ينظر القيّمون على المسلسل إلى أسمهان بمنظار فنيّ، ينظر إليها أفراد العائلة وأهل الجبل من المعترضين على المسلسل بمنظار عائليّ بحت، وهذا الصراع وقع فيه قبل ذلك أخوها فؤاد حين كان يهاجم أسمهان الفنّانة ويفتخر بالأميرة آمال بطلة جبل العرب. إذًا الانطلاقة من مفهومين مختلفين لمعالجة قضيّة هذه المرأة لن توصل إلى أيّ مكان كأنّ كلّ فريق يتحدّث عن امرأة مختلفة لا علاقة للواحدة بالأخرى إلاّ من حيث بعض المعلومات وبعض التشابه وبعض التفاصيل.
أسمهان نفسها كانت تعيش هذا الصراع، فهي المرأة الأنثى أسيرة التقاليد، وهي الفنّانة وهي الابنة والشقيقة والأم والزوجة والمطلّقة والبطلة والجاسوسة وسيّدة القصر والخائفة من الموت والمنتظرة الموت، المحاطة بالمغرمين والأزواج والمعجبين والباحثة في الوقت نفسه عن الحبّ والصداقة. وإذا كانت هي نفسها لم تستطع حسم هذه الصراع فكيف ستستطيع المحاكم أن تفصل في هذا الأمر وتحكم إن كانت المرأة التي تحدّث عنها المسلسل هي أسمهان أم أمّ كاميليا، أو هل هي ابنة فهد وشقيقة فؤاد أم ابنة علياء وشقيقة فريد، أو هل هي زوجة الأمير حسن أم زوجة علي بدرخان أم زوجة أحمد سالم، وهل هي صديقة أحمد التابعي أم عميلة الإنكليز أم ابنة الجبل، وهل هي سوريّة أم لبنانيّة أم مصريّة أم فرنسيّة أم بريطانيّة؟
عن أيّ أسمهان سيدور الكلام في المحاكم؟ وهل سيحاكمونها هي أم يحاكمون عائلتها أم يحاكمون قَتَلتها أم يحاكمون من نبش التراب عن قبرها وأعادها إلى الحياة بعدما دفنها النسيان والإهمال؟ ولكن السؤال الأخطر هو هل تحاكم كاميليا والدتها التي تركتها لتنصرف إلى الفنّ، وهل يحاكم آل الأطرش الأميرة التي تركت الأمير لتكون نجمة تشعّ بعيدًا عن عالمهم؟
المسلسل عمل فنيّ كأيّ عمل فنيّ آخر، يعالج قضيّته النقّاد لا القضاة، ويحلّل مضمونه وأسلوبه الصحافيّون ودارسو الفنّ لا المحامون والمدعون العامّون، وهو مادة للدراسة الفنيّة لا للدعاية والاستغلال والربح. وإلاّ لصار من الواجب محاكمة كلّ كاتب وفنّان ورسّام ونحّات وموسيقيّ ومخرج لأنّهم لم ينتجوا أعمالاً وثائقيّة، أو لأنّهم لم يتعلّموا فنّ الترميم ليصلحوا ما يمكن أن تكون الحياة قد أفسدته، علمًا إنّ الفساد من طبيعة الحياة البشريّة.
المخرج والمنتج والممثّلة ليسوا مؤرّخين ليحاكموا على هذا الأساس، وليسوا محققّين في جريمة ليطلب منهم الاستقصاء والتحرّي، وليست وظيفتهم بالتأكيد تبييض سجل أحد أو تشويه سمعة أحد، إنّهم يقرأون قراءة خاصّة بهم حكاية امرأة، وهذا هو الفنّ لمن لا يعلم. وإذا كان التاريخ نفسه قد عجز عن أن يكون موضوعيًّا في أيّ حادث جرى منذ بداية الخليقة، وإذا كان التحقيق قد عجز عن كشف الكثير الكثير من الأسرار والجرائم، فهل يطلب من مخرج ومنتج وممثّلة مهما بلغت براعتهم أن يعرفوا كلّ الحقائق وأن يظهروها كما هي؟ وقد يكون السؤال الأصعب: هل يرغب المطالبون بالحقائق في نشر الحقائق؟
2- فؤاد وفريد وحسن
فؤاد الأطرش شخصيّة تصلح بذاتها لتكون موضوعًا لمسلسل لما فيها من تناقضات تستحقّ الدراسة والتحليل، لأنّه شخصيّة نموذجيّة نجدها أنّى التفتنا وكيفما نظرنا. ففي كلّ بيت هناك فؤاد الأطرش الذي يعاني من أكثر من مأزق: فهو كبير العائلة ومطلوب منه أن يكون وليّ أمورها، وفي الوقت نفسه لا يملك الموهبة التي يملكها شقيقه وشقيقته مع ما يعني ذلك من احتمال الغيرة غير الواعية والشعور بالنقص والدونيّة، ويعاني من انفصال والديه ما أجبره على ترك بلده وعشيرته ودفعه إلى أخذ دور الوالد وهو يحتاج إلى من يرشده ويحضنه. ولقد أبدع الممثّل فراس ابراهيم في تجسيد هذه التناقضات بغض النظر عن الحقيقة التاريخيّة والمعلومات التي تريد العائلة أن تتوارثها. فؤاد الأطرش إنسان بكلّ ما في الطبيعة البشريّة من حبّ وحسد، من رغبة وترفّع، من كبت وبوح، من حنان وغضب. ولذلك استطاعت هذه الشخصيّة أن تطغى على من سواها وتفرض نفسها وتوقع المشاهد في حيرة: هل فؤاد محقّ في قسوته على أسمهان التي تتصرف بهذه الطريقة المتحرّرة، أم ظالم في معاملته شقيقته المضطربة العواطف والمتناقضة الأهواء. فؤاد هو كلّ رجل شرقيّ إن نظر الرجل الشرقيّ إلى حقيقته في مرآة ذاته، هو الذي يريد الشيء وعكسه في الوقت نفسه، وفي أغلب الأحيان لا يعرف ماذا يريد.
ولذلك ربّما بهتت شخصيّة فريد أمام شخصيّة فؤاد، فبدا الفنّان الشابّ مأخوذًا بنفسه وفنّه، لا يتدخّل إلاّ متى احتدمت الأمور. طبعًا لا يستطيع أيّ واحد منّا أن يعرف كيف كان الحال بين الأخوة، أو كيف كانت شخصيّة فؤاد فعلاً، غير أنّ عائلته تستطيع أن تفتخر بالشكل الذي أظهره المسلسل لأنّه بدا إنسانًا مثلنا، مثل أيّ شقيق نعيش معه، مثل أيّ والد نعيش معه، ولعلّه الشخصيّة التي ستنطبع في أذهان أكثر من سواها بعدما كان قابعًا في غياهب النسيان، لا لأنّه "شرير" كما قد يظنّ البعض بل لأنّه إنسان حقيقيّ واقعيّ.
والغريب في الأمر أنّ الرجل الذي لم ينجب، أيّ فريد، لم يجد من يعترض بهذه الحدّة على تصويره وإظهار نقاط ضعفه وهي أمور قد يعتبرها كثر سلبيّة ومعيبة. ولكن ما أنجبه فريد من ألحان لا يستطيع طبعًا رفع دعاوى ولا أن يجري مقابلات أو أحاديث تلفزيونيّة.
أمّا العجيب الغريب في الأمر فهو الاعتراضات على شخصيّة الأمير حسن، فلو كان الرجال المعترضون نساء أو على الأقلّ لو كانوا يفهمون نفسيّة النساء لاستنتجوا أنّ الأمير حسن استطاع أن يأسر قلوب العذارى والأمّهات، لقد أظهره المسلسل شهمًا ووفيًّا وكريمًا ومنفتحًا سابقًا عصره، واستطاع الممثّل فهد عابد بجاذبيّة شكله وحضوره وأدائه أن يجعل الأمير حسن بطلاً من أبطال الحكايات، تحلم به النساء ويرغب الرجال في التشبّه به. أمّا ما طالب به حفيده في حديث تلفزيونيّ من إظهار مرحه وعلاقاته الاجتماعيّة فغير منطقيّ إذ إنّ المسلسل هو عن أسمهان تحديدًا ولن يظهر الأمير حسن إلاّ بالشكل الذي يخدم العمل الفنيّ والبناء الدراميّ وبطريقة توضح التأثير الذي تركته مسيرة أسمهان عليه. ولعلّ مشهد الوداع عقب محاولة انتحار أسمهان واحد من المشاهد الأكثر رومنسيّة في تاريخ المسلسلات التلفزيونيّة. فعلام يعترض المعترضون؟ أمّا الإيحاء بأّنه قد يكون هو من أمر بقتل أمّ ابنته فهو من طبيعة الحدث والجريمة والزمان، ولا ننسى أنّ الملوك والأمراء على مرّ العصور، وصولاً إلى الأميرة ديانا، لن يتردّدوا في حسم أمرهم متى وقع الصراع بين العقل والقلب، بين الواجب والعاطفة، بين مصلحة الجماعة والمصلحة الشخصيّة. وفي الأدب والسينما والتاريخ قصص لا تحصى عن هذا الصراع الذي تفرضه طبيعة العمل على المعنيين بالشأن العام والراغبين في الوقت نفسه في الاستمتاع بحياة شخصيّة خاصّة.
3- من إيميلي إلى آمال إلى أسمهان: ثلاثة أسماء لامرأة مجهولة
إنّنا نحكم على أسمهان ونحاكمها بمقاييس عصرنا الحالي وننسى كم كان عمرها حين تزوّجت وحين أنجبت وحين عملت في الفنّ وحين ماتت. فما أسهل أن يطلق المرء الأحكام وهو ممدّد على كرسيه أمام التلفزيون في كسل وخمول ويقرّر أنّ فلانة عاهرة أو قدّيسة وما أهون على التاريخ أن يكتب الأسماء ويمحوها تبعًا لمقتضيات المرحلة. ماري أنطوانيت كانت طفلة حين أُمرت بأن تحكم فرنسا، والتاريخ يحاكمها كما لو كانت ناضجة حكيمة صاحبة خبرة وتجارب، وأسمهان كانت مراهقة حين أخذت قرارات مصيريّة غيّرت مجرى حياتها، وكثيرات من اللواتي يحكمن عليها اليوم لا يجرأن على اتّخاذ موقف واحد من مواقف تلك السيّدة التي عاشت وماتت في مرحلة منطبعة بصرامة التقاليد الدينيّة والعائليّة والاجتماعيّة. أيّة درزيّة اليوم تستطيع أن تقوم بجزء بسيط ممّا قامت به تلك الدرزيّة النازلة من جبل العرب لتمارس حريّتها، كما فهمتها، أنوثتها، كما اكتشفتها، وطنيّتها، كما زُرعت فيها، فنّها، كما وُهبته، صداقاتها مع الرجال والنساء كأنّها تسبق عصرها بمراحل.
حين بدأت أسمهان عملها الفنيّ خافت من أهلها في الجبل، واليوم بعض أهل الجبل يدافع عن صورتها كفنّانة وأميرة، ويرفضون أن تكون صاحبة حياة صاخبة، مع أنّ أحد معمّري القرية حيث قصر زوجها قال في حديث تلفزيونيّ (ووافقه الجميع): كنّا نراها تجلس مع الضبّاط الإنكليز أمّام القصر. أيّة امرأة درزيّة سواها كانت لتجرؤ على فعل ذلك؟
ويعتب العاتبون لأنّ أسمهان بدت مدمنة على التدخين والكحول، عظيم. إنّها امرأة رغبات، ولكن لماذا لم يعترضوا حين ظهرت وهي تأكل بشهيّة في شقّة التابعي أو في المطعم المصريّ مع أحمد سالم أو حين ارتدت أفخر الملابس، أو حين رغبت في جمع المال والحصول على شقّة خاصّة بها، أمّ أنّ للطعام والأزياء والشقق شأنًا آخر؟ وهل تكون "القداسة" التي يريدون أن توصم بها أسمهان محصورة بموضوعي التدخين والكحول؟ هل شاهد هؤلاء الأفلام المصريّة التي تصوّر تلك المرحلة أو التي صوّرت في تلك المرحلة وكيف كانت السيكارة والكأس موجودتين في أكثر المشاهد؟ ألم يلاحظ المعترضون أنّ أسمهان في بيت الأمير حسن أو في حضوره لم تكن تحمل السيكارة والكأس؟
لو أرادت أسمهان أن تكون كما يريدون لها أن تكون لبقيت في الجبل، وأنجبت المزيد من الأولاد ولماتت في صمت في ليلة باردة إلى جانب الموقد. ولكنّها لم تكن كذلك. ولن تكون مهما حاول أفراد عائلتها أن يفعلوا. هي نفسها لم تعلم من كانت: هل هي إيميلي الفرنسيّة أم آمال السوريّة أم أسمهان المصريّة؟ قد تكون كلّ هذه الشخصيّات وسواها ممّا نجهل حقيقته. هي نفسها لا تعرف. ولذلك بقيت حياتها مجهولة لتلائم موتها الغامض.
لن يستطيع القضاء أن يعيد للأميرة كاميليا الأطرش جنبلاط الأم التي لم ترغب في أن تكون أمًّا، ولن يعيد القضاء للأمير فيصل الوالد الذي فرض عليه أن يكون والدًا لأخويه قبل أن يكون والدًا لأولاده. أمّا نحن فلنا "أسمهاننا" التي اكتشفها كثيرون بيننا لم يسمعوا باسمها قبل المسلسل، فأحبوها خلاله وبعده وهرعوا إلى شراء أغانيها والبحث على المواقع الإلكترونيّة عن المزيد من تاريخها وأسرار حياتها.
وإذا كان ممدوح الأطرش قال مرّة للمصريّين: خذوا أم كلثوم واتركوا لنا أسمهان، فنحن نقول لآل الأطرش: خذوا أسمهانكم واتركوا لنا أسمهاننا التي دفعت شاعرًا كبيرًا كأنسي الحاج كي يكتب عنها وهو الذي ارتبطت بعض نصوصه بصوت فيروز حتّى ظننا نحن المغرمين به أنّه لن يكتب عن سواها من المطربات.

الأحد، 16 أغسطس، 2009

مجرّد رجل آخر


Luis- Rupture

"أيّ وهم أنت عشت به/ كنت في البال ولم تكن"

الأخوان رحباني

عدت يا صديقي رجلاً، مجرّد رجل آخر في لائحة طويلة من الأسماء الباهتة.
لم أعد أذكر لون عينيك، ولا ماذا كنت ترتدي في لقائنا الأخير، ولا في أيّ مقهى شربنا القهوة وتناقشنا في ما لا يعنينا من أمور الناس والبلد.
صرت أخطّط للاتصال بك، أنظر إلى الهاتف وأطرح السؤال الذي صار تقليديًّا: لماذا أتعب نفسي وأحاول مرّة أخرى كسر جليد الملل، وعن أيّ شيء سنتكلّم: عن عملي؟ لا يعنيك الموضوع! عن صحّتي؟ لو كنت مهتّمًا لاتّصلت لتطمئنّ عنّي؟ عن حالك؟ ومتى كنت صادقًا في إخباري عن أحوالك؟ عن اشتياقي إليك؟ منذ زمن لا أذكر بدايته لم تعد تحبّ أن أخبرك كم أنا مشتاقة إليك لأنّك وفي كلّ بساطة: تعلم ولا داعي لتذكيرك بذلك كلّ يوم.
ومع ذلك، أضغط على الرقم الذي يرسم لي اسمك على الشاشة، فأتخيّل شجارًا لا بدّ أن يقع. أمحو الرقم، وأترك الهاتف جانبًا، وأعود إلى عملي.
لا يعنيني اليوم إن اتصلت أم لا، لا أنتظر رسائلك القصيرة التي كانت صلاتي الصباحيّة التي أبدأ بها نهاري، لا أهتمّ إن التقينا أم لا، إن مرضتَ أم لا، إن سافرتَ أم لا، إن متَّ أم لا. فما أنت سوى رجل من ملايين الرجال في هذا العالم، ولن أعتبر نفسي مسؤولة عن حياة أو موت أيّ واحد منهم.
أنت لا شكّ تذكر أنّني لا أحبّ الفراق على مراحل، ولا الانفصال بجرعات صغيرة من الابتعاد، ولا أنصاف الحلول، ولا المراحل الوسطيّة من أيّ علاقة، "لا أريد من الحبّ سوى البداية" يقول محمود درويش، أو "النهاية" أقول أنا. أحبّ العنف والشغف اللذين يرافقان البداية ويضعان الشمع الأحمر على النهاية. أحبّ القلق والترقّب والانتظار والشجار والمشاكسة والأسئلة والغضب والحزن والتوتّر والتساؤل والعتاب والخصام والنقاش، ومع ذلك قد أدخل لأيّام في صمتي الضبابيّ الفسيح وأرحل بعيدًا في عوالمي الداخليّة راغبة عن أيّ اهتمام بأيّ شيء أو أيّ أحد. أمّا أنت فمنظّم كالفصول الأربعة ولكن على روزنامة لا تواكب الانحباس الحراريّ ولا تقبل بتغيّرات المناخ.
كم صرت مضجرًا يا صديقي! كنت تثير رغبتي فصرت تثير مللي، فلم يعد عندك شيء جديد تقوله أو تفعله، ولم تعد مفاجآتك تدهشني، بل صارت تصرّفاتك متوقّعة كصدور الصحيفة في اليوم التالي لا ككتاب شعر لا نعرف متى نكتشفه، وأقوالك منتظرة في مواعيدها المحدّدة كدقّات ساعة الحائط العتيقة في بيتنا لا كدقّات القلب المزاجيّة.
أنا آسفة يا صديقي العجوز، ولكنّك لم تعد تتحدّى عقلي كما كنت تفعل، ولا مخيّلتي كما كنت تفعل، ولا عاطفتي كما كنت تفعل، ولا جسدي كما كنت تفعل، ولا كتابتي كما كنت تفعل. أنا آسفة فعلاً، إذ يحزنني أن تعود إلى ما كنت عليه قبل أن تعرفني: مجرّد رجل آخر!

السبت، 15 أغسطس، 2009

لئلاّ يقطع العلم ظهورهم


صحيفة "النهار" - الأربعاء 4 شباط 2004

كان من المتوقّع أن يرفع العلم رؤوسهم، فإذا به يحني هاماتهم حتّى لتكاد تلامس الأرض!
وكنّا ننتظر أن يحرّر العلم أرواحهم وعقولهم، فإذا به يقيّد أجسادهم ويعوق حركتهم فتتكبّل انطلاقتهم وتذبل نظراتهم!
هذا ما تبدو عليه صورة التلاميذ المتوجّهين إلى مدارسهم وهم يرزحون تحت ثقل حقائب حشيت كتبًا ودفاتر كم نتمنّى لو يعلق في أذهان حامليها ربع ما فيها. حقائب تتطلّب نخبة من رافعي الأثقال معلّقةٌ على ظهور أطفال يطالب الجميع بمنعهم عن العمل كأنّ "العتالة" ليست عملاً مرهقًا، وتلتفّ أحزمتها حول أكتافهم فتنقطع ظهورهم وتلوى أعناقهم، ويصابون بتشوّهات لا علاج لها ولا شفاء منها. أهذا ما أرادوه حين قالوا إنّ العلم في الصغر كالنقش في الحجر؟ وأيّ نقش أبقى من ذاك الذي يحزّ على اللحم، ويترك آثاره على الجلد، ويحفر حفرًا في العظم، ويدمي الجسم، ويذلّ الروح؟ ألم يوسم العبيد بعلامات نقشت بالحديد والنار ليتعلّم حاملوها أنّهم مملوكون لمن دفع ثمنهم؟ ألا يقال من علّمني حرفًا صرت له عبدًا؟ ها هو العبد يلسعه حزام الحقيبة المدرسيّة يومًا بعد يوم! وها هم تلاميذ المدارس في لبنان، يحملون على صغر أجسامهم حقائبهم فتنقطع ظهورهم تحت ثقل الكتب، ويدفع أهلوهم على تواضع رواتبهم الأقساط المدرسيّة فتنقطع ظهورهم تحت ثقل الهموم، ولو سألنا عن كيفيّة المعالجة تنصّل الجميع من المسؤوليّة.
******
كانت الأمّ تبكي في صمت وتجد صعوبة في إخراج المحارم الورقيّة من حقيبة يدها الفارغة وفي فهم ما يقوله الطبيب. ولم تصدّق أنّ آلام الظهر التي عانى منها ابنها منذ أسابيع والتي ظنّت أنّ سببها انصرافه إلى لعب كرة السلّة والتعرّض لمجاري الهواء البارد، تعود في الواقع إلى حقيبة المدرسة التي ألوت عموده الفقريّ وتسبّبت بتشوّه فيه قد يستدعي إخضاعه لعمليّة جراحيّة دقيقة. وأخذت تفكر في طريقة تشرح لابنها الذي يكره المدرسة ويفضّل أن يلعب بكرة السلّة أنّ المدرسة حرمته من اللعب. هي نفسها لا تفهم، فكيف سيفهم هذا الصغير؟
في الواقع لن يستطيع هذا المراهق لوم أحد. فالمناهج التربويّة تفرض على المدارس مجموعة من الموادّ التعليميّة. والمدارس المتنافسة لتحقيق أعلى نسبة نجاح بين زميلاتها تفرض على تلاميذها أن يشتروا مجموعة من الكتب والدفاتر لمادة واحدة (الكتاب ودفتر التطبيق ودفتر الصفّ ودفتر البيت)، وعلى التلميذ أن يحملها كلّها إلى الصفّ كي تراقبها المعلّمة. ودور النشر التي لا تبغي إلاّ البيع والربح تخترع كتبًا ونماذج، منها ما هو للامتحانات الرسميّة ومنها ما هو للقراءة ومنها ما هو للكتابة ومنها ما هو للتمرين. والمسؤولون عن المواد لا يريدون أن "تزعل" منهم دور النشر فيطلبون من تلاميذهم شراء هذه الكتب إن أرادوا النجاح في الامتحانات. وهكذا يخرج التلميذ المسكين من بيته كمن يذهب إلى ساحة القتال حيث ستدور المعركة الحاسمة بين العلم والجهل، وعلى عتاده وعدته يتعلّق مصير التربية في لبنان. لذا عليه أن يتسلّح بالكتب والدفاتر (في اليوم سبع حصص على الأقلّ، ولكلّ حصّة كتاب ودفتر على الأقلّ) وحافظة الأقلام وأوراق الأبحاث وكتب المطالعة في اللغات الثلاث (نحن ناس مثقّفون!) وملابس الرياضة وأغراض النشاطات اللاصفيّة والسندويشات (فلا قدرة شرائيّة لدى الجميع على شراء الطعام من مطعم المدرسة) وقنينة المياه (لأنّ المياه في المدرسة قد لا تكون صالحة للشرب).
لا أعرف إن كان أنيس فريحة لا يزال مصرًّا على التأكيد لـ"رضا" أنّ مدرسة اليوم أحسن، ولكنّ الأهلين الذين يرافقون أولادهم إلى المدرسة ليحملوا عنهم ولو إلى مسافة ثقل الحقيبة يقولون: رزق الله على مدرسة تحت السنديانة. ثمّ ينتبهون إلى أنّهم لم يحملوا هذه الكميّة من الكتب يوم كانوا تلاميذ، ومع ذلك هم مقتنعون بأنّهم كانوا أوسع معرفة وأكثر عمقًا من أولادهم حين كانوا في مثل أعمارهم. فلمَ حشو الحقائب والرؤوس؟
مشكلة ذلك المراهق الذي قد يخضع لعمليّة جراحيّة أنّ والديه لا يملكان المال الوفير وإلاّ لفعلا كما فعل والدا زميلته اللذان اشتريا لها نسختين من كلّ كتاب، واحدة تبقى في المدرسة وأخرى في البيت.
*****
ما هي الحلول؟
على الدولة إعادة النظر في كثافة الموادّ التي على التلميذ درسها وخاصّة في المرحلتين الأساسيّتين الأولى والثانية، وعلى إدارات المدارس مراعاة توزيع الحصص الدراسيّة على نحو يريح التلميذ من أعباء وأثقال تفوق قدراته الفكريّة والجسديّة، وعليها برمجة الفروض في شكل متوازن ومعتدل. وعلى أفراد الهيئة التعليميّة الإفادة من ساعات التدريس (واليوم الدراسيّ طويل) لإتمام بعض الفروض التطبيقيّة بحيث لا يحمل التلميذ الكثير من كتبه ودفاتره إلى المنزل، وإلاّ لحقّ لأولياء التلاميذ أن يسألوا عمّا يفعله أولادهم طوال النهار في المدرسة إن كانوا يحتاجون في الليل إلى وقت يعادل دوام النهار لإنهاء واجباتهم المدرسيّة؟ وعلى التلاميذ أولاً وآخرًا أن يتعلّموا كيف يطالبون بحقوقهم.