الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

أيلول بالدمع مبلول - من مجموعة أشبهكَ كدمعتين (2014)



1 أيلول 2014
ممتلئة نعمةَ وجودك، فكيف تجد الكلمات مكانًا؟

***

2 أيلول 2014
دعنا نغرقُ في الضحك
قبل أن يجرفَنا سيلُ الدموع

***

3 أيلول 2014
أطالبك بسحب "لايكاتك" عن صفحتي على الفيسبوك
فأنا أرغب في قطع العلاقة مع غيابك

***
4 أيلول 2014
كيف أغفو وأنا لا أعرف بعدُ عددَ الأزرار في قميصك الأزرق الجديد؟

***

5 أيلول 2014
ياقة قميصك تنقصها اللياقة
كيف لا تحيد عن درب لهفتي؟

***

6 أيلول 2014
أراقب الخطّ الذي تلتقي عنده شفتاك الغافيتان،
وأسخر من العلماء الذين يؤكدون أنّ الأرض تدور حول خطّ وهميّ.

***

7 أيلول 2014
لا لرائحة البارود
لا للدم المتخثّر
لا لعفن الملاجئ
نعم لزهرة حديقتنا
نعم لرشفة القهوة من شفتيك
نعم... أقبل

***

8 أيلول 2014
عشرون عامًا من الوجع
أربعون عامًا من الحرب
ثلاثون عامًا من الخيبة
خمسون عامًا من الانتظار
مئة عام من الهزائم
وقُبلةٌ
قبلة أولى منك
بدأ الله يعتذر بها منّي 

***

9 أيلول 2014
"
الآن الآن وليس غدًا"
باطن يدي اليسرى يضرع كي يصير حضنًا لقبلتك

***

10 أيلول 2014
حدث ذات أحد أن أضاء رجل شمعة في محراب العشق، فذابت المرأة وهي تهمس له:
أنا امرأة لا إلهة، أنا امرأتك أنت!

***

11 أيلول 2014
مرّات بيهرب النوم مش ت يروح بسهر ويرقص وينبسط
مرّات بيهرب من عيون كلّا دمع، وبيقول ما بدّي إغرق فين
ومرّات بيهرب من تخت واسع وفاضي ولا مرّة عرف شو يعني عجقة الحبّ
ومرّات بيهرب من حالو، وبيقول: أحلامي كوابيس ما بدّي بقا شوفا
ومرّات بيهرب من الليل يللي ما عاد للعشّاق والشعرا والنسّاك 
ولكن كلّ مرّة بيوصل ع الباب بيسأل حالو: لوين بدّي أهرب؟ خلّيني إرجع بلكي بلاقي شي إمّ بعدها بتعرف تغنّي لطفلها ت يحبّ النوم.

                                                         ***

12 أيلول 2014
قالت لي الفراشة التي تفضّل أن تحترق على أن تقول السرّ:
كوني قصيدته لا ملهمته!

***

13 أيلول 2014
أن تكون وحيدًا يعني، ومن دون أدنى شكّ، أنّ ثمّة شخصًا آخر، وحيدًا مثلك، ينتظر، مثلك تمامًا، أن تلتقيا... 
لا أعرف إن كان الأمر سيعزّي نفسك أم سيعرّيك أمامها؟ 

***

14 أيلول 2014
مجموعة كلمات أنا
ولكن لا يكفي أن تعرف كيف "تفكّ الحرف"
كي تركّب منّي جملة مفيدة

***

15 أيلول 2014
للشجرة جذور كثيرة
وأغصان كثيرة
وطيور كثيرة
وسُحب كثيرة
لكنّها تستند إلى جذع واحد...
أنت

***

16 أيلول 2014
بيضلّ يحكيني بالقلق الوجودي
ومش حاسس بوجودي
بيحكي بفلسفة الموت وأنا رح موت ع بوسة 
بيحكي عن مفهوم الله والله عم يضحك علينا
بيحكي عن الحياة والوطن والناس والطبيعة والحزن...
أف شو بيحكي...
بس آخ.. شو بيحكي حلو 

***

17 أيلول 2014
لا أعرف إن كنت أحبّك
أو إن كنت أحبّ أن أحبّك
أو إن كنت أحبّ أن تحبّني
لكنّي واثقة من أنّني أحبّ أن أمضي ما تبقى من عمري وأنا أحاول أن أعرف الجواب...

***

18 أيلول 2014
باردٌ هذا الصباح
كقلبِ أمّ دفنتِ البارحةَ بعضَ قلبها

***

19 أيلول 2014
أحبّكَ 
إلى آخر "نعم" تقولُها عروس

***

20 أيلول 2014
حسنًا، أعترف
أعترف وأنا في كامل عشقي 
بأنّ القصيدة التي لم تكتبها بعد
هي التي تشدّني إليك!

***

21 أيلول 2014
قميصك الأزرق
حين يكون سماءً أصير غيمةً
غيمةً تتحرّش بالريح 
وحين يكون بحرًا أصير لؤلؤةً
لؤلؤةً تداعب حلم صيّاد

***

22 أيلول 2014
أصابعك
أصابعك التي قد تنزعُ الشوكٓ عن الوردة... ولا تتألّم
تصرخ وجعٓها متى لامسها شوقُك إليّ! 

***

23 أيلول 2014
في غيابك 
أشاكس صبيان الحيّ...
أوقظ الناس من قيلولة الصيف... 
أسخر من صغيرات الجارة البخيلة...
أكتب على زجاج السيّارات: أرجوك اغسلني...
أمدّ لساني لكاهن البلدة...
أكسر وردات أمّي...
أرسم على الحيطان بأقلام التلوين...

***

24 أيلول 2014
سأصمت الآن
ستصير كلماتي، كلماتي كلّها، في أناملي
الآن، حين تلقي رأسك في حضني!

***

25 أيلول 2014
يمكن تكون المشكلة كلّها إنّي ولا مرّة وقعت بالحبّ...
كنت دايمًا طير من الحبّ، طير وحلّق، 
بس بالآخر كنت أوقع، أوقع منيح، أوقع بالخيبة... 

***

26 أيلول 2014
قالت لي المرآة: أنا هنا إن أردتِ الكلام..

***

27 أيلول 2014
أنا كتير بحبّ إمّك، أكتر ما إنت بتحبّها يمكن، ع الأكيد أكتر، ومش مهمّ هيي تحبّني أو لأ
بحبّها كتير لأنّها بيوم من الإيّام طلبتلك وقالتلك: الله يبعتلك بنت تعذّبك متل ما عم تعذّبني 

***

28 أيلول 2014
الآلهةُ اختراعُ نسوةٍ ذهبَ رجالُهنّ إلى الحرب

***

29 أيلول 2014
في هذه اللحظة بالذات
في هذا المكان الافتراضيّ الذي يشبه مرّات الجنّة ومرّات الجحيم
واسمه شبكة التواصل الاجتماعيّ
نسيت أين أنا
وكدت أكتب على صفحتك حالتي الآن:
حبّنا جميلٌ، جميلٌ جدًّا، كطفل لن ننجبه

***

30 أيلول 2014
أن يرتدي مريضان زيًّا موحّدًا لا يعني أنّ وجعهما واحد! 



الخميس، 18 سبتمبر 2014

"للجبل عندنا خمسة فصول" لماري القصيفي المعتقدات ألعوبة بشرية تجعل المواجهة بين الجميع ولا خلاص - جوزف باسيل



15 أيلول 2014 - صحيفة النهار

     "للجبل عندنا خمسة فصول" لماري القصيفي (316 صفحة، دار سائر المشرق) رواية ما لا يُنسى أو ما يجب ألاّ يُنسى، لأن الاعتبار في العِبَر الواقعية، ولأن التسامح كالتغاضي لا يحل المشكلة، بل يعاودها، ولا مستقبل يبنى إلا بالاعتبار بالماضي حتى لو كان اطلال منازل وذكريات بشعة مؤلمة.
     كتبت مذكرات عن حرب الجبل وبقيت الذاكرة والقصة والرواية، قاصرة كلها عن مأساة الناس ورعبهم. والإخبار عن المشاهد المرعبة في حرب الجبل يدفع بالقارئ – المشاهد الى دير الصليب، فكيف بمن عاناها؟ ففي دير الصليب "تجتمع ضحايا الهشاشة البشرية وعبثية الله في مسرحية طويلة".

     حوادث الرواية تثير شجون أهل الجبل وتعود بهم الذكرى الى مآسي التهجير الى دير القمر، بعدما تخلوا عن بيوتهم وأرزاقهم. انها مأساة ثلاثية البعد؛ قتل وتهجير وقطع أرزاق. "البهدلة" و"الشرحطة" كلمتان ملطفتان عن المأساة الكبيرة. ففي حمأة القتل الغرائزي لم تفد الجيرة ولا الصداقة ولا الرفقة في الحزب الواحد الذي يعتدي، ولا شفاعة لكبير أو زعيم او قائد، "وحدها أدوات القتل سائدة لا ترحم ولا تأخذ بالأسباب التخفيفية".
     الرواية عن فتاة، سلوى، امضت ثلاثين سنة في دير الصليب مصابة بالشيزوفرينيا تتلبس شخصيات الآخرين، بعدما أكلت "معركة الجبل اجزاء من عقلها وشوهت روحها"، قضت عليها "السطوة" التي تفاقمت بسبب العجز عن تغيير ما جرى او محو آثاره. ان السطوة في عجزنا أمام لعنة تنزل بنا.


رواية الصوت العالي
     تقول القصيفي بصوت عال ما قاله كثيرون همساً: ان الخبز والملح لن يقدرا على مقاومة نداء الدم. نحن دفعنا الثمن بسبب غباوة المسيحي وغضب الدرزي والغباوة قاتلة كالغضب. الغباوة تفرض نفسها من جديد على الجميع، "فالمسيحيون الذين يحيطون بي في بحمدون يبيعون الارض من الشيعي والسني والخليجي نكاية بالدرزي، والمسلم يشتري الآن نكاية بالدرزي الذي فضّل أن يهدم بيوت المسيحيين على أن يلجأ اليها الشيعة. والدرزي ينسى أنه سيكون الضحية التالية في هذا المشرق، بعد المسيحي، إلاّ اذا كان يراهن مرة جديدة على اليهودي!".

     لخّص أبو جورج البحمدوني فلسفة التعايش لدى المسيحيين بأنها مبنية على النسيان بسبب الضعف. النسيان يلئم الجروح على زغل فلا تشفى، وتبقى عرضة للتقيّح، فتنز قيحاً. اثبتت تجارب الشعوب ان المصارحة، فالمصالحة، أثبت من التغاضي والتسامح، و"عفا الله عما مضى"... ثم نكرر المأساة.
     هذا يقود الى سؤال طرحته العامة من مسيحيي الشوف، باستثناء المتحزبين: لماذا نريد كلنا ان يصالحنا الدروز ونحن لم نتصالح مع ماضينا وأخطائنا، ولم نطوِ صفحة الحرب بيننا كمسيحيين؟!".


روايتان في رواية
     لا تكاد تعتبر ان الرواية انتهت بانتهاء ما ترويه سلوى عن مأساتها حتى يفاجئك راوٍ جديد بقصة تعيد ترتيب الحوادث وتصوّب الإبهام في بعض النواحي فتقلب الموازين، فكأنك عدت تقرأ الرواية من بدايتها باتساق ووضوح، ويفك الابهام – أي عقدة الرواية – الذي طغى متمثلاً بكره الأم لابنتها وعطفها على توأمها الساذج.

     الراوية هي بطلة الرواية، لكنها ليست كاتبتها. هي المأساة. بهذه الصفة تروي وقائع، ولا تسرد حكاية. خمسة أسداس الرواية هذيان إمرأة في دير الصليب، والسدس الأخير هو قصة الرواية.
ليست الشيزوفرينيا في الرواية، بل في حياتنا، وليست في سلوى، بل في المجتمع المنقسم على نفسه والمشوّه بأفكاره ومبادئه.
     تستند الرواية الى مشاهدات الطبيبة السويسرية جوزيان ومراسلاتها الى طبيب الاسنان الفرنسي أريك، كما تستند الى روايات الذين عاشوا المآسي وبقوا احياء، والى رواية انطوني خيرالله الذي قضت حرب الجبل عليه بعدما قضت على أهله جميعاً، ثم قضى سلم بيروت على إرث والده، ملاذه في حرب الحياة بعد حرب البقاء، اذ استولت "سوليدير" على متجر والده في باب أدريس مقابل مبلغ من المال "لم يكفه سوى لتسديد قسط سنته الجامعية الأولى". هكذا سقط اللبنانيون الابرياء، ولا سيما المسيحيون منهم ضحايا الحرب والسلم معاً فكانوا الخاسرين في الحالين.
     وإنما للمآسي في الحرب والسلم أشكال وصور مختلفة في القضاء على المرء، وهو ما يفعله الانسان بأخيه، ثم يقول: قضاءً وقدراً.

joseph.bassil@annahar.com.lb

   

الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

عن كتاب "لأنّك أحيانًا لا تكون" لماري القصّيفي - بقلم الشاعر والناقد لامع الحرّ


     تفاجئك ماري القصيفي في كتابها "لأنّك أحيانًا لا تكون" الصادر عن دار مختارات، بما تملك من حنكة وذكاء، وقدرة على اختراق الحواس، بلغة لا تتجاوز العادي والمألوف.
     شاعرة تعرف كيف تصل إلى الومضة، كيف تختصر الوصول إلى ما كان يسمّى بيت القصيد، إلى حفيف الشعر، وإلى صوته الخافت، زنداءاته الخفيّة، وإلى جماليّة تنحفر عميقًا في الوجدان، بأقلّ كلفة لغويّة ممكنة.
     في شعرها نقد للواقع، نقد بأسلوب بسيط لا فذلكة ولا امتطاء لصهوة الغامض المنفّر، بل عما جادّ على أن يأتي القول بكلّ ما فيه من مفردات عاديّة، وصياغة عاديّة، تجاوزًا للعاديّة التي لا تبثّ في القارئ أيّ شعور، أو أيّ إثارة، أو أيّ اهتمام.
     الشعراء ينتظرون عادة الحدث الاستثنائيّ، المفاجئ، وغير المنتظر ليكتبوا عنه، وليكون مصدر الوحي المسبّب للإبداع. أمّا ماري القصيفي فتتمكّن من تحويل الأحداث العاديّة جدًّا جدًّا في حياتها إلى نصوص مثيرة للانتباه، وإلى شعر يجعل القارئ يلتفت بانتباه إليه، وتدفعه إلى إعادة النظر في كثير من الأحداث التي مرّت في حياته، ولم يتمكّن من الاستفادة منها شعريًّا.
     ماري القصيفي شاعرة بامتياز، في كلّ ما كتبت. وتمثّل موضوعات قصائدها خروجًا على الموضوعات التقليديّة المعروفة. وكأنّها مقرّرة قبل الشروع في الكتابة أن تخالف نظم السير. أن تنأى عن كلّ ما يمكن أن يدنيها من التقليد، أن تبتكر مضمون نصوصها من الحياة، ومن التجربة التي تعيشها بكلّ ما فيها من حرارة أو برودة.
     شاعرة مغرمة بالتفاصيل الصغيرة التي تجعل منها ومضات شعريّة، تضيء كأنّها قناديل الشتاء في ليل خرافيّ عاصف، وتمضي في تجلّياتها غير مبالية، بما يحيط المكان من رياح عاتية.
     شاعرة لا تثرثر. لا تقول الشعر لكي تقول. بل لأنّ هناك عبقرًا ملحاحًا يدفعها لتدوين صورها الفنيّة، الماضية في نزعة الابتكار إلى حدّ الدهشة. 
     شاعرة يبتهج قارئها بما ينبعث من بريق عينيها اللتين تلتقطان الضوء، من على بعد، وكأنّها المغناطيس الذي يجذب إليه سحابة الجمال، ليصهرها بصفاء معدنه، وطهارة معبده، وأنوثة بنائه الرهيف.
     شاعرة تغرف من بحر، كأنّها امتلكت شرانق الحياة، وكأنّها تمتلك القدرة اللافتة على تحويل الموضوعات إلى صور فنيّة، تعطيها ما تعطيها من بهاء، يتألّق، ويتأنّق على كلماتها التي تصيب الهدف بمهارة الصيّاد المحترف، والمتمرّس، والقادر على الإمساك بطريدته. لكأنّه يمتلك الزمام، ويسيطر بشكل كامل على تواشيح المكان، ويحلّق في فضائه البعيد ممتطيًا صهوة الإبداع، التي لا تلين إلاّ لفرسانه الميامين.
     شاعرة عميقة الغور، تسمو بكلماتها إلى ما يشبه الحكمة، وتنساب وتندفع لتصل إلى زبدة القول الذي ينغرز في الأعماق عناوين لتجارب إنسانيّة تمتلك حدّة المعاناة، وصدقها، وما تبقّى منها من أثر، يتدافع كلمات، ويمطر صورًا، ويصول، ويجول، كأنّه حلم الشاعر الأخير.
     شاعرة تكتب بعقل بارد، ينبثق من تجارب لا تخلو من حرارة. لكنّها لا تستجيب لها. كأنّ الشعر لا يكمن في حرارة التجربة، بل في ما تبقّى منها بعد تلاشي الحرارة، وعودة العقل إلى صوابه الجميل. العقل البارد بعد هبوب عاطفة هوجاء بوصلةٌ تلتقط الجمال وتذهب به إلى نقطة الضوء، لينبلج نهارًا يشعّ عطرًا ووردًا وشعرًا جميلاً، يتلّوى على إيقاع نبض القلب، ويخفق كمن يعطي جرعة لمستغيث جريح.
     شاعرة تفيض رقّة وعذوبة. وتخترق مسامات جلدنا ببراعة ساحر حاذق، وتستنبط الشعر من دفء عمرها وغنى حياتها، وعمق صراحتها، ونبض عبقرها المتأهّب لسبر أغوار الجمال بحثًا عن لآلئه الثمينة.
     شاعرة تفتك بك. تحاصرك. تشبع شبقك الإبداعيّ. تلتهم الكلام وتسكنه، فيسكنها دافئًا، هادئًا، ساخرًا، وماضيًا، توشّحه نزعة تأمّل تزدهي برحابة أمدائها.
     لا تستطيع أن تفلت من نطاق نصوصها، مهما تقمّصت الزئبق. كأنّها القدر الجميل الذي كتب لك على حين غرّة، وكأنّها الحقل المدرار الذي فاجأك والأرض يباب، وكأنّك الأرض العطشى التي دهمها المطر، ليسقي غليلها بعد طول غياب. 
     ماري القصيفي مسكونة بالشعر. يفيض منها كبحيرة ماء في ليل عاصف،ويغزو حواسك، ليقول لك إنّ الإبداع هو هذه القطرات من الندى الذي ينسكب على الأعشاب، ويلامسها كما الحبيب، الذي يداعب امرأته الأولى.
     شاعرة تحملك على الانجذاب إليها منذ اللحظة الأولى، منذ النصّ الأوّل، منذ العطر الأوّل الذي يفيض، لينتشر في ثنايا الكتاب، كما الجنيّة التي تأسرك بحكاياها الآخذة من الخرافة دهشتها التي لا تعرف الذبول، وإن تعدّدت القراءة، لا بل تأخذ من القراءات المتكرّرة نسغها الذي يضيء نضارة وألقًا.
     شعرها كما الماء، يلامسك، لا ليخدشك، بل ليعطي وجهك شيئًا من الفرح الذي لم تعهده في شعرنا العربيّ العظيم.
     تكتب بماء السخرية التي لا تعرف العبث والناقدة التي لا تساوم على ما يساورها من معارف كما لو أنها وجه الصواب الوحيد. والقارئة لا لكي تُثني على ما قيل، بل لكي تناقض القول في أغلب الأحيان بقولٍ يشفّ، كحبيبات الضوء.
     تأتي بالقول المأثور، لا لتؤكّده، بل لكي تردّ عليه، لكي تمنحه حياة أخرى، لكي تعيد إليه شيئًا من النضارة المفقودة، ولكي تعطيه من لحمها ودمها بريقًا آخر، لا عهد له به. فالمثل الفرنسيّ الذي يسخر من غباء المرأة يصبح بين يديها القدرة على اكتشاف الآخر. تقول: "كوني ذكيّة واصمتي/ ففي صمتك تكتشفين الآخر".
     وتكثر الشاعرة من استخدام الأقوال التي تعارضها أو التي تبني عليها موقفاً آخر، لا لشيء إلاّ لتؤكّد إنّ الحقيقة ليست واحدة عند جميع بني البشر، بل تختلف من إنسان إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى. ولذلك علينا ألاّ نصدّق كلّ ما يقال. بل علينا أن نصدّق ما نراه بأمّ العين وعين العقل، وما نعيشه لحظة بلحظة. وإذا كان المثل الشائع يقول بأنّ الدم لا يصير ماء، فإنّ ماري القصيفي تقول: "أؤمن بأنّ الماء صار خمرة/ وأؤمن بأنّ الخمرة صارت دمًا/ وأؤمن كذلك بأنّ الدم يصير ماء".
     وإذا كان ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فكذلك "ليس بالقلم وحده يكتب الإنسان" فهناك من يكتب بإيقاع جسده، ومن يكتب على وتره، ومن يكتب بالألوان، ومن يكتب بصوته، ومن يكتب بعرقه ولحمه ودمه. وهذا ما يمثّل غوصًا في الحقيقة الإنسانيّة التي تتعدّد كيفيّة التعبير عنها، بتعدّد الشخصيّات والمواقف.
     وإذا كانت الأغنية الشهيرة لفيروز والتي كتبها نزار قبّاني تقول: "لا تسألوني ما اسمه حبيبي" كنعبير عن انغماس العاشق بالمعشوق، وعن تجلّيات الحبّ التي لا تنسى، وعن انجذاب الزهرة لعطرها الجميل، وعن زهو الحبيبة بأميرها الحالم، فإنّ شاعرتنا على العكس من ذلك تمامًا، فهي تحبّ وتنسى، لا لشيء إلاّ لأنّها تريد أن تنسى، وكثير من العشّاق أيضًا يتمنّون أن أن يتمكّنوا من النسيان: "لا تسألوني ما اسمه حبيبي/ لقد نسيت".
     وإذا كان أبو الطيّب المتنبّي يقول: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم" فإنّ الشاعرة لم تصدّق هذه الحكمة إلاّ بعد أن صادقت الرجل السعيد بجهله وغبائه: "لم أصدّق أنّ الجهلاء سعداء حتّى التقيت بك". والجاهل لا يمكنه أن يستحوذ على إعجاب امرأة بهذا القدر من الفطنة والخبرة والصراحة التي لا تزيد عن حدّ ما، وإن كانت جارحة.
"     لأنّك أحيانًا لا تكون" كتاب غنيّ بالصور الحيّة، النابضة، المتحرّكة، الصادمة، المؤثّرة، الصادقة، والنابعة من عبقر يكتنز جمالاً وافرًا، وفتنة محيّرة، وعالمًا يشعّ. وكأنّه الكوكب الدريّ الذي يستقيم إيقاعه مع ما ينبعث منه من نضارة تزداد لمعانًا كلّما ازددت فيها إمعانًا، ومن صورها اللافتة نختار:
حتّى ظلّي لا يرضى بمرافقتي في العتمة.
فيّ قوّة قادرة على تغيير وجه التاريخ/ غير أنّها عاجزة عن إحداث تغيير بسيط في الرجل الذي أحبّ.
يزعجني في موتي أنّني لن أستطيع الكتابة عنه.
أحسد دخان السيكارة/ المتصاعد دائمًا إلى فوق.
أشفق عليك لأنّك لا تملك نعمة البكاء.
أنا مرآتك لا امرأتك/ ولذلك تحبّ أن تكسرني لكي ترى نفسك في كلّ جزء منّي.
كلّ ذي عاهة جبّار/ والذين ليسوا جبابرة/ لم يكتشفوا عاهاتهم بعد.
أعرته المرآة التي تقول لي: أنت أجمل نساء الأرض/ ولكنّي نسيت أن أعلّمه كيف يحوّلها من المؤنّث إلى المذكّر.
في سوق الأغراض العتيقة/ سأفتح دكّانًا/ لبيع وعود الأصدقاء.
الصداقة المجروحة إناء مثقوب/ لا يصلح للاستعمال بل للعرض/ هل كان يتنبّأ؟
قبل كلّ لقاء/ اشعر كأنّني شهرزاد في الليلة الأولى.
عندما تغفو يدي في يدك/ يستيقظ الضباب/ ويختفي العالم.
أرغب في مائة عام من النوم/ لكنّي أخشى ألاّ أجدك عندما أستيقظ.
أجمع علب الكبريت من المطاعم التي نزورها/ قد تكون عيدانها وسيلتي الأخيرة/ لأبقي ما بيننا مشتعلاً. 
    ماري القصيفي شاعرة تتقن فنّ السرد، تعرض الحكاية بأقلّ ما يمكن من سطور، وتنهيها، لا بما يتلاءم مع النصّ السرديّ، بل بما يتلاءم مع ما يتطلّبه الشعر من ومضات تستلهم العبرة أو الحكمة أو الموقف الاستثنائيّ الذي لا يدور في خلد القارئ.
    والجميل في "لأنّك أحيانًا لا تكون" أنّ القارئ يغيب عن ذهنه ما إذا كانت النصوص نثريّة أم موزونة، فعندما تحضر الجماليّة بهذه القوّة، يغدو الاستغراق في هذه النقطة مسألة ثانويّة، لا تقلّل من القيمة الفنيّة، ولا تزيدها ثراء.
     واللافت ايضًا أنّها لو شاءت أن تكتب الموزون ضمن نمط شعر التفعيلة لاستطاعت، ولكن حسب ما يبدو أنّ هذا الأمر لا تفكّر فيه ولا يستوقفها، لكنّه يأتي لديها عند الخاطر، دون أن تتقصّد ذلك وتسعى إليه. ففي نصّ "عري وقشور" مقطع لو حذفنا منه كلمة واحدة، لأصبح موزونًا، تقول: إحذر تلك المرأة/ هي صوت صارخ/ في صحراء الحرمان/ تتلوّى تحت الرغبة/ تحترق فوق رمال اللذة/ هذا تحذير أم إغراء؟" والأصل: تحترق تحت شمس اللذة، حذفنا "شمس" لكي يستقيم الوزن.
    لكنّ إعجابي الشديد بنصّها لا يمنعني من القول إنّ هناك تأثيرات واضحة لبعض الشعراء، وهذا ليس عيبًا بالطبع، فهي تقول: "أيّها الرجل الجميل/ جميل أن أحبّ الحياة من أجلك فقط"، أمّا محمود درويش فيقول: "سيّدتي/ لأنّك سيّدتي أحبّ الحياة"، وتقول الشاعرة في مكان آخر: " أنت لا تحبّني/ أنت مغرم بحبّي لك" أمّا سعيد عقل فيقول: "أجمل من عينيك/ حبّي لعينيك".
     يهمّني جدًّا موضوع إتقان اللغة عند قراءتي لأيّ كتاب، ولذا أدقّق إذا كانت الشاعرة، أو الشاعرة، يمتلك لغته، لأنّها لا تساعد على التعبير السليم فحسب، بل تؤكّد عمق معرفة المبدع بروحها وأسرارها، وهذا ما يساعده على المزيد من العطاء الإبداعيّ الراقي. والدافع إلى مزيد من التدقيق يعود إلى أنّ أكثر الشعراء الشباب يخطئون كثيرًا في الصرف والنحو، وأحيانًا في الإملاء. أمّا ماري القصيفي فتمتلك لغتها، وتجيد التعبير عمّا تريد بدقّة متناهية. لكن فاتتها هذه الهفوة اللغويّة التي لا بدّ من الإشارة إليها، تقول: أمّا أن يكون كلّ منّا لوحده (ص 11) والصواب: إمّا أن يكون الواحد منّا وحده أيّ وحيدًا.
"     أيّتها الكتابة! أعطيتك نظري وعمري وكلّ الرجال الذين أحببتهم/ فماذا أعطيتني؟"

     لا بأس أيّتها الصديقة التي لم أعرفها أن تعطي الكتابة كلّ شيء. ولكن لا تنتظري في هذا الزمن المقلوب أن تعطيك شيئًا. ويكفي أن تجدي قارئًا أحبّك بكلّ صدق وعفويّة، وأنّ هناك ناقدًا قرأك وغاص في أغوارك، ووجد أنّ إبداعك استثناء قلّما نجده عند الآخرين والأخريات.

الشاعر لامع الحرّ - مجلّة الشراع