الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 14 أغسطس، 2009

على بوّابة الموت



وجد الشرطيّ مكانه على تقاطع الطريق، احتلّ المتسوّل نقطة تمركزه عند ناصية الشارع، جلس السجين على طرف الفراش في زنزانته، اختبأ الجرذ في مكانه الآمن، أمّا الغريب فلم يجد إلاّ بوابة الموت يقف عندها ويقرع في ثقة لكي تفتح أمامه طريق الخلاص. المقيم تحت الحصار لم يعد يريد الحصار، سئمت نفسه الوعود والوعيد، وبات يكره الحياة محاصرًا لا بالأعداء بل بالخائنين، وصار يريد الموت لأنّ الميت يجد حفرة يرتاح فيها ولأنّ الموت يرحّب بالجميع، بوّابته واسعة ومشرّعة تفتح ذراعيها لمن لا مكان له. فمن الواضح أنّ الذين يموتون لا يموتون إلاّ لأنّ الحياة لم تقدّم لهم مقعدًا يجلسون عليه، ولا سرير ينامون فيه، ولا نافذة يقفون إليها ويردّون تحيّة عابري الطرق والعصافير وأوراق الأشجار والريح.
البيت يضيق بالأحياء، أمّا المقابر فتتسع للجميع، ينامون كلّهم في حفرة واحدة، لا يريدون فيها خزائن أو مقاعد أو أسرّة أو طاولات للكتابة، يكفيهم التراب يغتسلون به في غربة الطريق، ويأكلونه ويشربونه وينامون فوقه وتحته وإلى جانبه. الميت حين يموت لا يهتمّ بشكله ولا بتسريحة شعره ولا بمن رُمي فوقه على عجل، كلّ ما يريده هو أن يهيلوا عليه الحفنة الأخيرة من التراب كي تحلّ عتمة الرحِم، غير أنّ الموتى كثيرون وبوّابة الموت لا تُغلق في وجه أحد ولا دوام رسميًّا لها ولا عطلة أعياد ولا تقفل حدادًا.
في حفرة الموت يقيم الرجال والنساء والأطفال جنبًا إلى جانب، فلا الكبار في السنّ يتقدّمون على سواهم، ولا النساء يختبئن خجلاً، ولا الأطفال يبتعدون عن مجالس الكبار. كلّهم في حفرة الموت متساوون، لهم لون التراب ورائحة البرودة وصمت القبور.
لا يموت إلاّ الذين لا أمكنة لهم، يموتون من الغربة فيرحلون، أو يمشون على الطرقات، أو يتيهون في الغابات، أو يغرقون في النسيان، أو ينزلون إلى أعماق البحار ليناموا في محّارة لا تتسع إلاّ لهم. يموت الناس عندما يتعبون من الحياة، يقفون تحت الطائرات وهي تلقي ما في أحشائها من حقد، أو يتوقّفون عن تناول أدويتهم، أو يقومون بثورة يعرفون أنّها لن توصلهم إلاّ إلى بوّابة الموت. فمن يؤكّد لنا أنّ الأبطال لم يصيروا أبطالاً إلاّ في غفلة منهم، وهم إنّما كانوا يريدون أن ترديهم رصاصة رحمة تنقذهم من يأسهم فحكم عليهم بالبطولة، والبطولة عبء وهمّ وجماهير وضجيج؟
على بوّابة الموت اليومَ ازدحام، وحفّارو القبّور يعرفون أنّ بين الموتى أحياء تظاهروا بالموت بعدما تعبوا من التظاهر ضدّ الموت، ولكن لا الأحياء يريدون أن يفصحوا عن أنفسهم ولا الحفّارون قساة لدرجة أن يفضحوا أمرهم، فتركوهم وكلّلوهم بحفنة تراب لم تعد تنبت غارًا.
***
صحيفة البلاد البحرينيّة - الجمعة 2 كانون الثاني 2009

ليست هناك تعليقات: