الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 31 يوليو 2010

من الريف اللبنانيّ الساحليّ: تجربة رائدة انطلقت حرّة واللغة جواز سفر





(بيروت قريبة وبعيدة في الوقت نفسه)

نماذج من الحياة الثقافيّة في الريف اللبنانيّ الساحليّ
تجربة رائدة انطلقت حرّة واللغة جواز سفر
بين البحر والجبل ثمّ مكان تشرف منه على الأزرق الواسع من دون أن تطالك رطوبة الهواء أو تعلق بشفتيك ملوحة دبقة. أعلى من مستوى البحر، وقبل أن تصل إلى قمم الجبال، ثمّ مكان انطلق منه روّاد حملوا في أفكارهم وكلامهم سعة البحر وعمقه وامتداده، وسعوا عبر الكلمة للوصول إلى قمم تعوّض عن تواضع مناطق سكنهم. من هذا الريف الساحليّ انطلقت تجربة رائدة لم يتّفق أصحابها على إطلاقها ولم يخطّطوا لها بل ظهرت كما تظهر زهور الربيع، في كثرة وهدوء.
لا شكّ في أنّ رصد هذه الظاهرة، وملاحقة أسبابها، وتسجيل نتائجها، عمل جدّيّ دقيق. لكنّ الإشارة إليها هنا تهدف إلى لفت الانتباه إلى لغة شعريّة شعبيّة ظهرت في الزجل والشعر العاميّ، وصولاً إلى الأغنية اللبنانيّة، وهي اللغة التي نقلت أحاسيس الناس ورؤاهم وصوّرت الطبيعة والتقاليد والأعياد.
يتميّز الريف الساحليّ بطبيعة خضراء تغذّيه مياه جوفيّة وأنهار غزيرة تسقي الأشجار والمزروعات في طريقها إلى البحر. وبما أنّها منطقة زراعيّة، كان على سكّانها أن يضبطوا إيقاع أيّامهم بتغيّرات الطقس وانتظار مواسم الزرع والريّ والقطاف والحصاد، علمًا أنّ تنوّع المواسم الزراعيّة وغناها ما كانا كافيين ليستسلم ساكنو هذه البقعة الجغرافيّة لمتعة الاكتفاء والبحبوحة، فالأرض نفسها علّمتهم الحذر والتنبّه، إنّما من غير تشاؤم أو قلق. لذا كان عليهم أن يجدوا بعض الحرف أو الوظائف البسيطة يؤمّنون بواسطتها حاجاتهم الضروريّة إن رغبت الأرض في حرمانهم من بعض خيراتها. هذا النظام الحياتيّ أتاح لأبناء المنطقة الاحتكاك بالأرض والاستمتاع بفصول الطبيعة (وكانت آنذاك معتدلة في توزيع بردها وحرّها بلا تطرّف أو خداع، فالربيع كان ربيعًا والشتاء شتاء)، والتزوّد من ناحية ثانية ما تقدّمه المدينة من علم وانفتاح، خاصّة أنّ أهمّ المدارس الوطنيّة والإرساليّات الأجنبيّة توزّعت على طول هذا الريف الساحليّ الأخضر المستسلم لزرقتين: زرقة السماء وزرقة البحر.
وهكذا، كان هناك وقت للاحتفالات ومآدب الطعام والنزهات في البقاع الخضراء والسهرات تحت الدوالي والعرائش أو حول مواقد النار، وكانت الحكايات والأغنيات الشعبيّة أو النوادر والطرائف، أو الأحجيات والحزازير، وأخبار المهجر والغياب، كلّها فاكهة حلال يأكل منها الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال. وها هم الفنّانون أنفسهم حين يتحدّثون عن طفولتهم في هذه البلدات يشعروننا بأنّ عالمهم ذاك كان في إطاره الطبيعيّ أشبه بالجنّة المفقودة تحنو عليه الجدّات اللواتي يحسنّ سرد القصص. بيد أنّّه كان من الناحية الاجتماعيّة على النقيض تمامًا.

حين اللغة جواز مرور
كتب على أبناء هذه المنطقة أن يكونوا على قاب قوسين من كلّ ما حولهم من غير أن ينغمسوا في ما حولهم. صحيح أنّ المدارس كانت قائمة بينهم تلقي بظلال قبابها وأسوارها على بيوتهم وأراضيهم، إنّما لم يكن متوقّعًا أن يدخل أولاد صغار المزارعين والحرفيّين، إلاّ في ما ندر، إلى تلك المؤسّسات التربويّة التي خرّجت الأطباء والمهندسين والمحامين والقضاة وبعض السياسيّين من أبناء الطبقة الأريستوقراطيّة. لذا بقيت الدراسة مؤمّنة لأولاد الطبقة الوسطى في مدارس صغيرة ومتواضعة، في حين بقي طموحهم مشرئبًّا يسعى للدخول إلى حرم المدارس الكبيرة، فما دخلوها إلاّ متأخّرين وذلك عبر قصائدهم وأغنياتهم ومؤلّفاتهم التي صارت واجبًا مدرسيًّا مفروضًا على أبناء النخبة الماليّة والاجتماعيّة.
صحيح أنّ البحر كان يمتدّ تحت أنظارهم، يحلمون بالسفر عبره إلى أنحاء العالم بحثًا عن الثروة والجاه على عادة اللبنانيّين الطموحين، ولكنّ اللغة التي بدأوا يتذوّقون مجدها وغناها وجمالها أعطتهم الانطلاق وأمّنت لهم أجنحة سافروا بواسطتها إلى أكثر من قارة وحلّقوا فوق أكثر من محيط.
والصوت الذي لم يجد مكانه في عالم المدرسة البعيد المنال، انطلق من الأماكن الدينيّة (الكنيسة غالبًا) ليطلّ بعد ذلك من فوق المسارح والمنابر حاملاً الكلمات التي ضاقت بها الصدور. فكانت أصوات المغنّين والمغنّيات المنطلقة من قرى الريف الساحليّ وبلداته تجمع في نبراتها وأوتارها عنفوان الجبل الذي تستظلّه وامتداد البحر الذي تشرف عليه وحيويّة الاخضرار الذي تسبح في تموّجاته.
كانت الكلمة، في الدرجة الأولى إذًا، بطاقة خروج من عالم ضيّق يطلّ على الدنيا كمتفرّج متلقٍّ لا يفعل بل يخزّن انفعالاته منتظرًا الوقت الملائم لإطلاقها، فكانت حصّة هذا الريف الساحليّ الحصّة الكبرى من مبدعي هذا البلد كلمةً ولحنًا وفكرًا. والكلمة نفسها هي التي وصفت الطبيعة وعبّرت عن الواقع السياسيّ و"هوبرت" أمام المواكب الانتخابيّة وناحت في المآتم وزغردت في الأعراس. ولن يغيب عن البال أنّ هذه المنطقة شهدت في كثير من بلداتها معارك عسكريّة وانتخابيّة على مرّ أعوام طويلة قبل الاستقلال وبعده، بل من فترة ما قبل الانتداب، وسجلّت فيها مواقف وطنيّة لا تزال ذاكرة التاريخ اللبنانيّ تستعيدها في المناسبات: فبعبدا مثلاً كانت مركز المتصرفيّة قبل أن تكون مقرًّا لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة، وإنطلياس كانت مهدًا للعاميّات قبل أن تكون بلدة العائلة الرحبانيّة، وفي بشامون جرت "معركة" الاستقلال، بعدما انطلقت من الشيّاح مع الصحافيّ ( والنائب والوزير) ميشال زكّور مؤسّس جريدة "المعرض". ولم يكن ممكنًا أن تمرّ تلك الأزمات الوطنيّة من دون أن تترك أثرها في اللغة التي تمظهرت آنذاك في الزجل والأغنية والمقالة الصحافيّة، قبل ظهور وسائل الإعلام المرئيّة. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ الزجل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحريّة، معلنًا إصراره على التفلّت من قيود اللغة العربيّة الفصيحة وشروط موسيقاها وقواعدها، إلى كونه وسيلة التعبير العفويّة عن الرغبة في التميّز في الهويّة الحضاريّة.

الشعر يزنّر بيروت
قد يبدو صعبًا تحديد هويّات بلدات الريف الساحليّ الذي نتحدّث عنه. فالارتفاع عن سطح البحر مؤشّر لافت، ولكنّنا نقع أحيانًا على منطقة ساحليّة جغرافيًّا إنّما تشبه في طبيعتها ومسارها التاريخيّ قرى أكثر منها ارتفاعًا، كبلدة برج البراجنة، ومنها على سبيل المثال الصحافيّ رياض حنين وأحمد السبع صاحب جريدة "الهدى". ويمكننا كذلك الحديث عن منطقة تعلو إلى ما فوق خمسمئة متر وتبقى كذلك صالحة لاعتبارها معنيّة بالبحث، كبلدة شملان التي ترتفع عن البحر سبعمئة متر، وهي مسقط رأس المؤرّخ فيليب حتّي. وكذلك يمكن حصر الحديث ببلدات قريبة من بيروت، لكن ذلك لا يعني أنّ بلدات أخرى بعيدة عن العاصمة لم تعرف حركة فكريّة أو ثقافيّة كالتي نتحدّث عنها. فبطرّام مثلاً ( ترتفع عن سطح البحر مئتين وخمسين مترًا) هي قرية المفكّر شارل مالك والدكتور إيلي سالم، والدكتور فيليب سالم، و"البربارة" (مائتا متر) بلدة الشاعر القرويّ رشيد سليم الخوري، وبلدة "عمشيت" (مئة وعشرون مترًا) ومنها على سبيل المثال أدباء كأديب لحّود وعفيفة كرم وإلهام كلاّب البساط وفنّانون كروميو لحّود ومارسيل خليفة، و"بصاليم" (ثلاثمئة متر) بلدة الشاعر موريس عوّاد، وكذلك "جون" (ثلاثمئة وخمسون مترًا) وهي بلدة الفنّانَين نصري شمس الدين وحسن علاء الدين (شوشو) أو الدبيّة (خمسمئة متر) بلدة آل البستاني ومنهم المعلّم بطرس واضع المعاجم ومنشئ المجلاّت، وسليمان معرّب ألياذة هوميروس، وعبدالله صاحب "قاموس البستان" وسواهم من الأدباء والصحافيّين، وهي البلدة التي اعتادت فيروز، حين كانت لا تزال نهاد، أن تمضي الصيف فيها لدى جدّتها من آل البستاني. لكنّ كثافة الإنتاج الفنّي والأدبيّ وكثرة المبدعين الذين انطلقوا من المنطقة المشرفة على بيروت تجعلنا أكثر اطمئنانًا إلى حصر صفة الريف الساحليّ المبدع في منطقة تمتدّ من بلدات تحيط ببعبدا وصولاً إلى كفرشيما امتدادًا إلى إنطلياس. ومعروف أنّ ما نقصده بالإبداع هنا ينحصر في الناحيتين الفنيّة والشعريّة اللتين أطلقتا تيّارًا إبداعيًّا لبنانيًّا ذا نكهة خاصّة لم يسبقه ما يماثله. ولا تزعم هذه المقالة بالطبع الإحاطة بكلّ الأسماء التي لمعت في سماء الكلمة واللحن والصوت، فكيف يمكنها الإحاطة بالمبدعين في ميادين الفكر والعلم والسياسة واللاهوت والاقتصاد وهم أكثر من أن يحصيهم قلم، خاصّة بعدما أتيح العلم للجميع وكثرت المدارس وقامت الجامعة اللبنانيّة التي تفرّعت لاحقًا لتفيد منها الفئة الكبرى من المجتمع اللبنانيّ.
قد يثير هذا الكلام حفيظة البعض من الذين يجدون فيه إجحافًا في حقّ كثر من مبدعي البلد، إلاّ أنّ الإضاءة على منطقة معيّنة وتيّار شعريّ فنيّ مميّز لا تعني أبدًا التعتيم على مناطق أخرى ذات تجارب مختلفة ولغة مميّزة. ولكن لا يسع أحدًا أن ينفي دور البلدات المشار إلى بعضها، والتي كانت تستحقّ التفاتة ولو سريعة.
إنّ المركزيّة السياسيّة والإداريّة التي كانت لبيروت ساهمت في إقامة أحزمة لم تصل إلى مرحلة البؤس عهدذاك، ولكنّها كانت تعيش في تواضع اقتصاديّ يوفّر الضروريّات الحياتيّة، أمّا مؤونتها فذاكرة تغذّيها صور الحياة التي تشعّ في غير مكان وأمام سواهم من الناس. لذا كان على أبناء هذه الأحزمة أن يجدوا مخرجًا لهذه الصور المتراكمة، فكانت اللغة التي نقلوا بواسطتها عالمهم أمام الطبقة الثريّة في الدرجة الأولى، والتي كانت تطرب لسماع هؤلاء يتحدّثون عن معاناتهم وقصص حبّهم وتفاصيل حياتهم اليوميّة. ومن المثير أن نستعيد الآن عناصر اللوحة الاجتماعيّة وهي تتكامل حين يصفّق أرباب الطبقة الثريّة لمجموعة من شعراء الزجل تتراشق بالكلام، أو لمطربة فقيرة الأصول تصدح بصوت فيه كلّ الحزن والعتب، أو لشاعر باللغة اللبنانيّة ينقل تعابير أهل القرى وأسماء الحيوانات وأدوات الزراعة. بل من اللافت كيف أنّ اللبنانيّين في المغتربات كانوا يستدعون الشعراء والمطربين والمطربات ليستمعوا منهم إلى وصف عالم يتعايش فيه الفقر والشرف، البدائيّة والبراءة، الأميّة والطموح، والمفارقة أنّ ذلك العالم كان هو نفسه الذي هرب منه هؤلاء المغتربون للبحث عمّا لا يشبهه.
المهرجانات وجوقات الزجل
انطلقت الحركة الفنيّة اللبنانيّة مع أبناء الريف الساحليّ وتغذّت المهرجانات من مشاعرهم وأفكارهم، فكان منهم الشعراء والملحّنون والمطربون والمطربات والممثّلون والممثّلات، الذين كانوا الروّاد ويعود إليهم الفضل في تأسيس المعاهد الفنيّة والجامعات المتخصّصة وإن لم يدرسوا هم أنفسهم في مدرسة أو جامعة، ما يدلّ على انفتاحهم ورغبتهم في إتاحة الفرصة لمن يأتي بعدهم للإفادة من العلم والدراسة إلى جانب الموهبة الفطريّة. ومع ذلك فإنّ المهرجانات الفنيّة التي أعطت لبنان سمعة طيّبة وجذبت إليه أنظار العالم المتمدّن إنّما تدين لهؤلاء الروّاد بانطلاقتها (الأخوان رحباني، صباح، عصام رجّي، فيلمون وهبي، روميو لحّود، وديع الصافي، نصري شمس الدين...) كما أن حفلات الزجل، خاصّة زمن الفرق الكبيرة، كانت تستقطب حضورًا كثيفًا وما برح الناس إلى اليوم يردّدون أبياتًا قالها شحرور الوادي أو طانيوس عبده القصيفي أو علي الحاج وسواهم.
ذكر منير وهيبة الخازن في كتابه "الزجل" مجموعة كبيرة من الشعراء المعروفين والمغمورين وكثر منهم ولدوا وعاشوا في هذا الريف الساحليّ، وحول ذلك يقول في مقدّمة القسم السادس المخصّص لشعراء عصر الانبعاث (1800- 1900): " ما أن أطلّ القرن التاسع عشر حتّى انتشرت المدارس في القرى اللبنانيّة انتشارًا عظيمًا تحمل النور إلى أقصى البلاد، فاتّسع مع النور ميدان الزجل وظهر شعراء نفضوا عن الفنّ غبار السنين، وعملوا بنشاط على توطيد دعائمه ورفع لوائه عاليًا". وكان لبلدات وادي شحرور وبدادون وبعبدا والشويفات وكفرشيما وسوق الغرب والكحّالة وبتاتر حصّة ذات ثقل بالنسبة إلى باقي البلدات والقرى اللبنانيّة. ولكن عصر النهضة (1900- 1950) يتابع الخازن أعطى الزجل اندفاعًا جديدًا بعدما "قام أصحابه يؤلّفون الجمعيّات الزجليّة والفرق المسرحيّة وينشئون الجرائد والمجلاّت" (ص 220). ونلاحظ أنّ أكثر الصحف والمجلاّت التي تعنى بالزجل اتّخذت بيروت عاصمة لها ما عدا مجلّة السبعلي لصاحبها أسعد السبعلي إذ صدرت من طرابلس. ومن الجوقات أشار الخازن إلى جوقة شحرور الوادي وجوقة زغلول الدامور وجوقة الرابطة العامليّة وجوقة الأرز وجوقة شمال لبنان وجوقة حسّون الزجل وجوقة كبار الزجل. كما أحصى الخازن في النصف الأوّل من القرن العشرين 131 شاعرًا زجليًّا من الذين عرف إنتاجهم الشعري، وكان من بين هؤلاء نحو ثلاثين شاعرًا ينتمون إلى الخطّ الريفيّ المطلّ على الساحل البحريّ.
والطريف في الأمر أنّ الشعراء الزجليّين، ولو كانوا من خارج هذا الريف الساحليّ، علموا عصرذاك أنّ انطلاقتهم الحقيقيّة إنّما من هذه المنطقة ولا يتمّ الاعتراف بهم إلاّ إذا دخلوا في جوقاتها أو تباروا معها أو غنّوا من على منابرها. كانت ذائقة الناس النقديّة في المنطقة مؤهّلة للحكم على ما يقال وينشد ويغنّى، كانوا كلّهم في نسب متفاوتة شعراء زجل. ومن لا يجيد "القول" منهم كان ناقدًا مخيفًا يلتقط الخلل ويعيب الصورة التي سبق واستعملت، ويسخر من الكلمة الركيكة الأثر، ويتأذّى سمعه من الصوت المتعب العاجز. ولا يزال الأبناء في هذه المناطق يستمعون إلى آبائهم وأجدادهم يردّدون في ساعات الصفاء أبياتًا قيلت في حفل الغداء الذي تلا عمادة فلان، أو في عرسِ آخر، أو في استقبال زعيم الحزب أو نائب المنطقة، أو في مأتم شابّ غدر به الموت، أو في صبحيّة أحد الشعانين... وكلّ تلك الأبيات لشعراء لم يسمع بهم أحد ولم تسجّل أسماءهم كتب التاريخ والمراجع.

الريف الساحليّ في خبر كان
عندما تكون هذه البقعة من الريف الساحليّ خضراء بطبيعتها، غنيّة بمواردها، قريبة من المدينة وأعلى منها في الوقت عينه، تجذب السيّاح والمصطافين، مسوّرة بتقاليدها من ناحية ومنفتحة على الآخرين من ناحية ثانية، تتفاعل مع الأوضاع السياسيّة من دون أن تنغمس في ألاعيبها، عفيفة إلى حدّ النسك، وراغبة في المتعة حتّى الاستسلام لأيّ عابر طريق، فذاك يعني أنّنا أمام منطقة واعدة، خصبة المواهب، جريئة الفكر والمشاعر، تذهب إلى أقصى حدود التطرّف في القول والعمل. وكيف لا يظهر كلّ ذلك في لغة خاصّة مميّزة ما فتئنا حتّى اليوم نبني على أساساتها ونتغذّى من جذورها؟
أمّا المستقبل فعلى صورة الحركة الثقافيّة في لبنان الذي نعرفه جميعًا. احتلّت الأبنية الشاهقة المساحات الخضراء، واحتلّ الأبنية من لا وقت لديه لرؤية البحر أو الجبل، واحتلّت سطوح الأبنية الصحون اللاقطة الجاذبة كلّ ما يجري في العالم إلى صحن الدار. وكان على الريف أن ينسحب متراجعًا أمام المدينة الهاجمة سريعة وعنيفة، يرافقها زوال الطبقة الوسطى التي كانت صمّام الأمان اقتصاديًّا واجتماعيًّا والتي غذّت الحركة الفكرية الثقافيّة في لبنان. وبعدما كان الريف الساحليّ يطلّ على العالم من غير أن يكون من هذا العالم، صار العالم ملك يديه وصارت الكلمة تاريخًا نستعيد أمجاده في المقالات الصحافيّة التي تطمح إلى من يقرأها.

بعض من أثرى الحركة الثقافيّة في بلدات الريف الساحليّ
من بعبدا: من آل الملاّط الشعراء شبلي (شاعر الأرز) ونصري وفريد وتامر. وفي الشعر الزجليّ جرجي عبده ناضر وطانيوس عبده القصيفي وإميل رزق الله (اللويزة)، وفي الصحافة يوسف صالح الحلو وأسعد خالد الحلو...
من الحدث: طنّوس وفارس وأسعد الشدياق، يعقوب صرّوف (أحد مؤسّسي مجلّة المقتطف في مصر)، المؤرّخان ابرهيم فارس يزبك ويوسف ابرهيم يزبك، الشاعران جرجس خوري كرم وجورج يزبك، المدبّر في الرهبانيّة الأنطونيّة يوسف الشدياق منشئ مجلّة "كوكب البرية"، كما صدرت في البلدة جريدة "البيرق" لمؤسّسها سعيد فاضل عقل وجريدة "النصير" لصاحبها عبدو بك أبي راشد، وأقيمت فيها المطبعة الشرقيّة عهد المتصرّف مظفّر باشا (1902- 1917)...
من الشيّاح: الصحافيّ والنائب والوزير ميشال زكّور والحقوقيّ إدمون نعيم...
من كفرشيما: ناصيف وابرهيم اليازجي، شبلي الشمّيل، إدوار حنين، جورج الرجّي صاحب جريدة "الراصد". ومن الفنّانين: فيلمون وهبي ووليم حسواني وعصام رجّي وملحم بركات وحليم وماجدة الرومي وماري سليمان...
من وادي شحرور: سليمة أبي راشد (أوّل أديبة من الشرق في المهجر) وعبّود وفارس أبي راشد ونخله أسعد الحلو وكميل خليفة (كروان الوادي) وجوزف الفغالي (بلبل الوادي) والمسرحيّان أنطوان ولطيفة ملتقى والشاعران أنيس روحانا الفغالي ورفيق الفغالي...
من بدادون: أسعد الخوري الفغالي (شحرور الوادي) والفنّانة صباح...
من القماطيّة: الشاعر الزجليّ علي الحاج...
من الشويفات: الأديبة نجلا صعب...
من أنطلياس: الرحابنة...
نشر هذا النصّ في جريدة النهار – الجمعة 3 آب 2001

الخميس، 29 يوليو 2010

فرقعوا مع المفرقعين

عيد الألوان في الهند

يدعوني الكتاب المقدّس كي أفرح مع الفرحين وأبكي مع الباكين. غير أنّ الله العزّ لاسمه لم يخطر على باله وهو العليم بكلّ شيء أنّك/ في لبنان/ قد تبدأ بالفرح مع الفرحين لينتهي بك الأمر باكيًا منهم، خصوصًا في ليالي المفرقعات حين تشتعل الدنيا فرحًا بمناسبات "وطنيّة" عظيمة كأن ينجح ابن الجيران في الشهادة في الدورة الثانية. ففي بلد قدموس والأبجديّة لم يفهم والدا هذا التلميذ إلاّ أنّ الإشعاع والنور لم يمكن أن يتولّدا إلاّ بالمفرقعات الناريّة الغير شكل والتي يوازي ثمنها بعض قسطه الذي لم يسدّده للمدرسة بعد. كلّ ذلك في ساعتين من القصف المتواصل. والله يستر من الشهادة الأعلى.

الأربعاء، 28 يوليو 2010

بلد العجائب



من أين لك أيّها المواطن اللبنانيّ الفقير كلّ هذا المال؟ تشتري أحدث الماركات العالميّة، تسهر في أفخم المطاعم، تملك ثلاث سيّارات رباعيّة الدفع (لك وللسيّدة حرمكم المصون ولولي عهد فقركم)، عندك خادمة وشاليه على البحر، أولادك في أرقى الجامعات، تنتظر العطلة لتسافر إلى فرنسا للسياحة والتبضّع، تجدّد أثاث منزلك كل بضع سنوات، يمارس أولادك مختلف أنواع الرياضات والنشاطات التي تحتاج إلى رعاية مصرف كبير ليؤمّن كلفتها، في كلّ ليلة عندك سهرة "على كاس"، وتتنقّل بين المهرجانات لتضع صورك على الفايس بوك ويعرف الناس "إنّك ما بتخلّي شي بعينك" وترسل أولادك كلّ ليلة إلى الجمّيزة. وكلّ ذلك بأقلّ من ألف دولار في شهر. صحيح أنّنا بلد العجائب. ليتك عزيزي اللبنانيّ الفقير تعطيني حكّة من فانوسك السحريّ أو تسمح لي بالوقوف معك لحظة واحدة أمام باب المعبد المشيّد على اسم المرحوم السعيد الذكر علي بابا.

الثلاثاء، 27 يوليو 2010

البلمند في سوق الغرب تذكّر المسيحيّين بدورهم في الشرق

عين المرج - منصوريّة بحمدون - تصوير يارا الهبر

كنيسة السيّدة في طرابلس

الجامعة اليسوعيّة

اليسوعيّة - بكفيّا


كاتدرائيّة مار جريس بيروت - للموارنة



أتوقّع أن يكون الحجر الأساس الذي وضع في سوق الغرب لجامعة البلمند أكثر من مجرّد حجر يسند خابية التعايش وأهمّ بكثير من حجر يخضّ مستنقع الحياة التربويّة الآسن. فمعرفتي المتواضعة بشؤون طوائفنا الكريمة تجعلني على ثقة بأنّ هذا الحجر الأساس سيؤسّس لمرحلة من التسابق المحموم على خطّ الجبل بهدف تأسيس مزيد من المدارس والجامعات. فلا شكّ في أنّ الموارنة نادمون حالياً لأنّهم لم يسبقوا الأرثوذكس، وغداً حين تقرّر رهبانية ما أن تبني جامعة على إحدى التلاّت ستلحقها أخرى منافسة "تربوياً" وتبني على تلّة مواجهة جامعة أخرى، والكاثوليك يبحثون عن مكان لم يصل إليه أحد قبلهم، والجامعات الخاصّة تعدّ العدّة للبحث عن أراض تصلح لإقامة فروع جامعيّة وصروح علميّة. وهذا كلّه مطلوب وجميل ومبارك.
قيل إن فتح مدرسة يغلق سجنًا، وفي لبنان نضيف إنّ فتح مدرسة يجرّ إلى فتح مدارس بحسب تاريخ لبنان. ولقد كان من الحكمة أن تتمّ هذه الخطوة الرائدة قبل اليوم، ولكن المثل الفرنسي، الذي يقول خير للأمور أن تحصل الآن من ألاّ تحصل أبدًا، يصحّ أكثر ما يصحّ هنا. ولو كنّا فعلاً أبناء من اخترعوا الحرف الأبجديّ ونشروه لكنّا نحن المسيحيين الذين هجّرتنا حرب الجبل قلنا: حوّلوا الأموال من صندوق المهجّرين الى مؤسّسات تبني لنا مدارس أكاديميّة ومهنيّة وجامعات ومستشفيات ونحن نبني بيوتنا. ولكن ما حصل هو أنّ الأموال التي دفعت لبناء البيوت أو ترميمها لم تبن أسس مجتمع متصالح مع نفسه والآخر والأرض، وكان على وليد جنبلاط الذي يقول إنّه يعرف المسيحيّين جيّداً أن يعرفهم أكثر، إلاّ إن كان تصرّف على أساس معرفته بهم جيّدًا. وما البيوت الجميلة والخالية من السكّان إلاّ لأسابيع الصيف القصيرة سوى الدليل الساطع على أن الكنائس التي يُحتفل كلّ أسبوع بإعادة بناء واحدة منها صارت تفترض وجود مدافن إلى جانبها بعدما كانت قديمًا تحتضن سنديانة والسنديانة تظلّل مدرسة. والمدافن لا تؤسّس مجتمعات حولها في حين أنّ المجتمعات المتعلّمة تجعل الكنائس منابر إيمان لا يتعارض مع الفكر ولا يحاربه. والأحياء الأحرار فكرًا وقولاً أهمّ من الموتى الذين يبرع أسياد المنابر في رثائهم. هذا إن كنّا نريد فعلاً أن نبقى في هذا الشرق.
بيروت لم تعد تتّسع، والضواحي فاضت بالسكّان، وصار من الواجب الالتفات نحو الجبال والأرياف والسهول الداخليّة. فيعود الناس إلى قراهم، وتخفّ أزمة السير على مداخل العاصمة وما تخلّفه وراءها من حوادث وضحايا، وتمتلئ بيوت الجبل بالناس والخير، ويتعلّم الأولاد في مدارس محترمة ويتابعون دراستهم في جامعات كبيرة ويبقون في قراهم وأرضهم ولا يرحلون. فسوق الغرب ستكون بلا أدنى شكّ فاتحة خير لسوق العمل في منطقة خصبة، بشرًا وأرضًا، وفيها كثير من الإمكانات إن أحسن القيّمون برمجة ذلك والتخطيط له. فبالعلم وحده خلاص من الكسل والبطالة والأصوليّات والبشاعة والعنف: علم التعامل مع الأرض، علم معالجة الناس، علم الحفاظ على البيئة، علم إدارة الدولة ومؤسّساتها، علم التفكير لا التكفير، علم المنطق لا توريث الانفعال. والجامعة المولودة من رحم هذه الرغبة في التعليم ستفتح المجال لجامعات ومسارح وندوات ثقافيّة ومختبرات علميّة ومصارف، فليس بالمهرجانات وحدها يحيا لبنان، وإن كانت تحيي قلب الإنسان، وهي مواسم فرح بعد فصول العمل، وليس كالجامعات ما يتيح فرص العمل.
بقي أمر واحد، كلّ مشروع جميل ومثمر سيثير حوله الأقاويل، وبنات شقيقتي: ميرا ويارا ورنا، الجامعيّات بنات عين المرج قرب بحمدون، هنّ أوّل العاتبات ولسان حالهنّ يقول: ألم يكن في الإمكان أن يفكّروا بذلك قبل الآن؟ وبقدر ما تحمل العبارة من أسف على فرصة عبرت للبقاء في بحمدون والدراسة في جامعة كبيرة في سوق الغرب، تشيع في الوقت نفسه جوًّا من الأمل في المستقبل. أليس مبشّرًا بالخير أن يحسد بعض المراهقين غيرهم على العلم في واحد من أرقى الصروح التربويّة؟
- النهار - الثلثاء 27 تمّوز 2010

الأحد، 25 يوليو 2010

مطلوب بائعة متعلّمة




تقدّمت فتاة في السنة الجامعيّة الأولى لتعمل بائعة في متجر راق للملبوسات في وسط العاصمة. وبعد مقابلة سريعة مع صاحبة المتجر خرجت من دون أن تحظى بالعمل الذي يساعدها في تأمين قسطها للجامعة.
والسبب الوحيد: لا تجيد الفتاة التكلّم بطلاقة باللغات الثلاث الأساسيّة: الإنكليزيّة والفرنسيّة و"العربي تحصيل حاصل"،
"وإذا كنت تعرفين لغة رابعة: إسبانيّة أو إيطاليّة أو إلمانيّة أو صينيّة، فالوظيفة لك لأنّ شكلك حلو ونحنا زبائنا مش مين ما كان".
هكذا قالت صاحبة المتجر.
نظرت الفتاة إلى إحدى المرايا الصقيلة الموزّعة في المتجر الفخم
ولاحظت أنّها ليست نيكول كيدمان في فيلم المترجمة،
والمكان ليس مركز الأمم المتحدّة،
وهي غير متخصّصة في اللغات،
ولا يوجد مُخرج يقول: آكشن كما في الأفلام.
فما يجري إذًا حقيقة،
لذلك عليها أن تهرب من أقرب مخرج للنجاة لتعود إلى الحلم.


السبت، 24 يوليو 2010

ما وصّينا ع خادمة بعد

قطاف الزيتون

أعتذر من ضيوفنا الكرام، فنحن لم "نوصِّ" على خادمة بعد. لأنّنا لم نقرّر بعد من أيّة جنسيّة نريدها أن تكون: فالسريلانكيّات للفقراء، ونحن ولله الحمد لم نصبح فقراء إلى هذا الحدّ، والأثيوبيّات "صاروا كتار وما بينعطوا وج" ويرغبن في إقامة صداقات مع أبناء جاليتهنّ، والفليبنيّات يتفلسفن ويتصرّفن كأنّهن هنّ ربّات المنزل، والقادمات من ساحل العاج يتكلّمن باللغة الفرنسيّة فقط ولا يعرفن كلمة واحدة باللغة الإنكليزيّة.
لذلك فعلى ضيوفنا الكرام أن يغضّوا الطرف عن الغبار في منزلنا، فنحن "ما إلنا جلادة ع التنضيف" وما صدّقنا أنّ زمن جدّي بو حسيب ولّى وخلصنا من قطاف الزيتون وإطعام الدجاجات، ولن نرضى إلاّ بخادمة كاملة الأوصاف، تعمل سبعة أيّام و24 على 24 وتفهم لغة: تيعا،تيعا.

الجمعة، 23 يوليو 2010

الأنانيّة





عندما يتمنّى أحدنا مثلاً
أن يربح في اليانصيب، 
ألا يعني أنّه يتمنّى في الوقت نفسه
أن يخسر كلّ الناس سواه؟


عندما يصلّي أحدنا كي لا يكون أحد
من الذين قتلوا في الانفجار،
أو قضوا في تحطّم الطائرة من أقاربه،
ألا يعني ذلك أنّه يقبل في قرارة نفسه
أن يموت كلّ الآخرين إلاّ من يعرفهم ويحبّهم؟


عندما يفرح أحدنا لأنّه نجا من وباء
هل يكون شاكرًا للوباء
لأنّه اختار سواه ولم يختره هو؟


هل يعرف الإنسان فعلاً
كيف يضع حدودًا بين محبّته لنفسه وبين أنانيّته؟
أم يحتاج الأمر إلى كثير
من الحكمة والسموّ والترفّع والمحبّة؟

الأربعاء، 21 يوليو 2010

تساؤلات نعرف إجاباتها




لماذا يسهل علينا أن نترك الأشخاص الذين نحبّهم من أجل العمل
ولا نترك عملنا من أجل من نحبّ؟

لماذا نقاوم المرض والطقس والصعوبات كي لا نتأخّر عن موعد العمل
ونترك الذين نحبّهم وحدهم في المستشفى بسبب العمل؟

لماذا لا نترك عملنا لنقضي بعض الوقت مع من نحبّهم،
مع أنّنا نعرف أنّنا سنترك العمل حين يموتون
لتقديم واجب العزاء بهم
أو لتقبّل التعازي برحيلهم؟

لماذا نرتبط بأشخاص لا نراهم بسبب انهماكهم في أعمالهم؟

لماذا يفرض علينا إصلاح العالم التضحيّة دائمًا بمن نحبّ؟

إذا كنّا نؤمن بأنّ العمل عقاب فلماذا نهرع إليه،
وإذا كنّا نؤمن بأنّه متعة فلماذا نتركه يقتلنا؟



الاثنين، 19 يوليو 2010

على هامش الحياة




أن تكون على الرصيف
يعني أنّك تملك القدرة على مراقبة ما يجري
في عرض الشارع
حيث يمرّ الناس
وكلّ منهم مشغول بالبحث عن موطئ قدم
ولا يرفع رأسه ليرى أبعد من أنفه
أو أعلى من جبينه،
أو حيث تتوالى السيّارات
وكلّ منها يبحث عن موقف مجّاني
وما من سائق يرى إلى أبعد من يافطة
تدعوه إلى ركن سيّارته هنا
وتعفي نفسها من المسؤوليّة عن أيّة سرقة.

أن تكون المتفرّج يعني أنّك تملك الحريّة
لاختيار من تنظر إليه وهو غافل عنّك،
ولدراسة أقواله
وتحليل أفعاله
وهو مشغول بالادّعاء
بأنّه يختار كلّ كلمة يقولها
وينتبه إلى كلّ فعل يقوم به.

الثلاثاء، 13 يوليو 2010

وطن من عمر أبنائه

وسط بيروت

نهر الدامور

كورنيش المنارة


جبيل



أرز الباروك


لا أعتقد أنّ ثمّ بلدًا آخر يرتبط تأسيسه كدولة / لا تاريخه كوطن/ واحتمال بقائه بعمر بعض أبنائه الذين صنعوا بعض مجده. لذلك نجد أنفسنا أمام رحيل مبدع في أيّ مجال من مجالات العلم والأدب والفكر نعيد طرح السؤال عن مصير لبنان بعده، كأنّ هذا البلد هشّ إلى درجة أنْ نخشى عليه من التفتّت ما أن يغيب هؤلاء الذين واكبوا تأسيسه منذ ما يقارب السبعين سنة.

فمنذ رحيل ميشال شيحا وميشال أسمر وميشال أبو جودة وموسى الصدر وكمال جنبلاط وكميل شمعون وصائب سلام ومجيد أرسلان وشارل مالك وعاصي رحباني وأمثالهم، ونحن نتساءل عن هذا اللبنان الذي صنعوه بالفكر والسياسة والكلمة، وعن قدرته على الصمود أمام تغيّرات مصيريّة تجعله في حالة دائمة من السعي الى تحديد الهويّة وتفعيل المؤسّسات واستباق التغيّرات في المنطقة. ولا أذكر أنّنا سمعنا أو قرأنا مثل ذلك في الدول الأخرى، فلا موت جمال عبد الناصر وأم كلثوم ونجيب محفوظ هدد صورة مصر، ولا اغتيال جون كينيدي وغياب ألفس بريسلي وأرنست همينغواي أخافا الأميركيّين على مصير بلادهم، ولا رحيل شارل ديغول وإديث بياف وجان بول سارتر جعل الفرنسيّين يسألون عن صورة فرنسا بعدهم. والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذه البلدان وسواها، غير أنّنا في لبنان نعيش دائمًا مع هاجس الزوال، كأنّ هذا الوطن مجرّد فكرة جميلة تجسّدت في موقفٍ سياسيّ وكلماتِ أغنية وتحليل مفكّر،وليس كيانًا صامدًا أطول عمرًا من أبنائه وأكثر ديمومة منهم.


ألذلك لا نستطيع مثلاً أن نتخيّل لبنان من دون فيروز وصباح ووديع الصافي؟ وهل لذلك كتبنا، في حينه، مخاوفَنا مقالاتٍ تسأل عن صورة هذا البلد بعد عاصي ومنصور وفيلمون وهبه وزكي ناصيف وتوفيق الباشا صانعي مجد الأغنية اللبنانيّة؟ قبل جبران خليل جبران ومقالته المعروفة عن الفَرق بين لبنانه ولبناننا، وبعده، كان ولا يزال راسخًا في بالنا أنّ هذا الوطن لا يشبه غيره من الأوطان، ولشدّة ما ربطه الأدباء والشعراء بالكتب المقدّسة وأعطوه صفات سمويّة، صارت الأرض قطعة من الجنّة يعيش فيها أرز الربّ وبدا ناسه أصحاب رسالة، يقبلون ما كُتب لهم ويتحملون الحروب والمجاعة والاحتلال ولا يثورون، كأنّ البلد بتركيبته السياسيّة القائمة على توازنات بين مختلف العناصر المكوّنة له يحتاج إلى دعائم من غير هذا العالم كي يبقى ويستمرّ. لا شكّ في أنّ الأدباء المهجريّين احتاجوا إلى هذا الوطن الحلم رفيقًا لهم في رحلة اغترابهم القسريّة، فبنوه على أرض من اشتياق ورووه بدموع الحنين وسيّجوه بأقلام تمتصّ نسغها من خرير مياهه ووشوشات نسائمه. ثمّ أتى الأخطل الصغير (1885) والياس أبو شبكة (1903) وصلاح لبكي (1906) وسعيد عقل وميشال طراد (1912) والأخوان عاصي ومنصور رحباني ( 1923 و 1925)، وغيرهم ممن ولدوا مع ولادة لبنان الكبير، وظهر إبداعهم مع إعلان استقلاله، ليساهموا في شكل أساس في ترسيخ هذه الصورة وتسويقها شعرًا وأغنيات. وليست مصادفة أن يكون معظم هؤلاء مسيحيين، فالمسلمون مطمئنّون إلى محيطهم والخليج ولا يبحثون عن جذور في السماء كما هي حال المسيحيين، والموارنة تحديدًا، على رغم كلّ ما يقولونه عن تباهيهم في كلّ مناسبة بمحافظتهم على اللغة العربيّة.

وإذا كنا نفهم الأسباب النفسيّة للمهجريّين في التمسّك بوطن ليس من هذا العالم، فليس بوسعنا إلاّ التساؤل عن دوافع المقيمين. فهل هم، على مثال المهجريّين، اعتبروا أن لبنان الذي يريدونه سيكون أكثر أمانًا وأطول عمرًا في الشعر ممّا سيكون عليه في الواقع، لا بل لا يمكن أن يوجد إلاّ في الشعر ومحال أن يتحقّق في الواقع؟ لا شكّ في أنّ الحرب اللبنانيّة أكّدت لكثيرين صحّة هذا الاعتبار. لذلك نجد أنفسنا مدفوعين دائمًا للبحث عن دور لهذا البلد يبرّر وجوده ويذكّر العالم بالحاجة إليه، فهو بوابةُ الشرق والغرب، وملتقى الحضارات، وأرض القداسة والقدّيسين، وسويسرا الشرق، ومهد الأبجديّة، ولبنان الرسالة. وحين يغيّب الموت أحد رموزه الإبداعيّة يصيبنا الهلع كأنّ جزءًا ممّا كان يشكّل هذا الكيان ضاع إلى الأبد. وسيبقى الأمر كذلك ما دام اللبنانيّ يطمئنّ إلى طائفته أكثر ممّا يطمئنّ إلى الدولة، وما دامت الدولة ملكًا لأفراد يصادر قويُّهم إدارةَ شؤونها، وما دامت هذه الشؤون غير منضبطة بنهج مؤسّساتيّ. لذلك مشروعٌ خوفنا على وطن نندبه كلّما رحل كبير من كباره، وفي الوقت نفسه مهينٌ بكاؤنا على أطلال مجد تركناه محنّطًا في متحف التاريخ ولم نزرعه مواسم خير لا تتعب من العطاء.
صحيفة النهار - الثلثاء 13 تمّوز 2010

الأربعاء، 7 يوليو 2010

أنا وأنت

منحوتة خشبيّة للفنّانة سلوى روضة شقير
لو كنت أنا أنت لكنت عشقتني

أجلس لأكتب لك
فأكتب عنك مستعينة بكلماتك
فأشعر كأنّني قلم في يدك
تكتب بي ما تشاء.

ظنّ الهواء أنّني أراقب مداعبته الشجرة
- وفي كلّ مداعبة بعض عنف -
فرمى في وجهي كمشة تراب أعمتني.


الثلاثاء، 6 يوليو 2010

قل لي من هم جيرانك أخبرك كيف هي حياتك


بيكاسو
فوضاه منظّمة

الجار قبل الدار، ويا جار الرضا، وجارك القريب ولاّ خيّك البعيد، والجار جار ولو جار، كلّها شعارات تسقط في الصيف، ويصير جارك ساكنًا بنصّ دارك، وجار الإزعاج والصخب والسهرات حتى الفجر، وقريباً منك حتّى أنّك ما أن تفتح عينيك مع إطلالة الصباح حتى تراه في ملابسه الداخليّة على الشرفة يتمطّى ويعرض عليك عضلاته. تحاول أن تغمض عينيك لتستعيد إغفاءة هانئة فيعتدي عليك من أذنيك بصوته وهو يعاتبك لأنّك ما زلت نائمًا ويأمرك بأن تضع الركوة على النار لأنّو صار الضهر، ثمّ ينطلق مغنيًّا وهو يحمل خرطوم المياه ليروي نباتات يفاخر بها: وينك يا جار شرّفنا عالصبحيّة، القهوة عالنار عم بتساويها هيي.

وهيي كانت. فتنطلق منك شتائم لم تكن تعرف أنّك تعرفها، وتلعن الساعة التي أتى فيها الصيف فاتحًا الشبابيك والأبواب، ناشراً الناس على السطوح والشرفات، موزّعًا الصبايا والشباب على الطرقات. وتندب حظّك قائلاً: رزق الله على الشتي والمدارس، حين كان الناس مضبوبين في بيوتهم، كافين الآخرين شرورهم وإزعاجهم، يختبئون من البرد والصقيع، وينامون باكرًا كي يذهبوا باكرًا إلى الأعمال والمدارس.
قل لي من هم جيرانك أخبرك كيف هي حياتك!

فإن كان جارك القريب يهوى كرة القدم فأنت الآن في جحيم من المباريات تجعل بيتك ملعبًا لا تغيب عنه الكرة.

وإن كانت جارتك التي تقيم فوق منزلك مهووسة بالنظافة فأنت محاط بغبار السجّاد ومغمور بفيضان المياه التي تنزل عليك من النوافذ والشرفات التي تُغسل كلّ يوم.

وإن كان قربك ورشة بناء فأنت بلا شكّ تحاول ليلاً أن تسرق لحظات للنوم بين برنامج تركي وآخر سوريّ، وتصحو صباحًا على قرقعة الآلات وشجار العمّال بلهجات مختلفة غامضة تحرّك فضولك العلميّ وميلك إلى التحليل فترغب في أن تفهم ماذا يقال. ثمّ تلعن نفسك لأنّك استسلمت لواقع الحال ونسيت أنّك لم تشبع نومًا يكفيك طوال النهار.

هذا كلّه سهل أمام سهرتَي الجمعة والسبت حين يحتفل جيرانك على التوالي بالأعياد والمناسبات التالية/ طبعًا ما عدا الحالات الطارئة: الأعراس، ذكرى الزواج، أعياد ميلاد الأولاد، أوّل قربانة، المعموديّة، عيد مار الياس، عيد الربّ، عيد السيّدة، عيد الصليب، عودة مغترب حبيب، النجاح في البريفيه، الحصول على عمل، الخروج من المستشفى، طرش البيت ودهان الأبواب والشبابيك، تجديد أثاث البيت، تغيير الديكور، آخر حلقة من البرنامج المشهور، الطلعة على الجبل، العودة من الجبل، السفر في رحلة استجمام، العودة من رحلة الاستجمام...كلّها مناسبات تستدعي الاحتفال وإطلاق المفرقعات الناريّة وبثّ الموسيقى الصاخبة، وإقامة الولائم ونصب معدّات الأراكيل. وأين يتمّ ذلك؟ على الشرفات أو في الحديقة، حيث يحتلّ التلفزيون مكانه مقتحمًا بأضوائه عتمة غرفتك، وبصوته العالي سكون ليلك، فارضًا عليك برامج تعذيب وتنكيل يستخدمها الجلاّدون في السجون العربيّة. وكأن لا يكفي كل ذلك، فتصلك رنّات الهواتف الخلويّة، ولكلّ منها صوت ونغمة وأغنية، وأصوات المغنيّات والمغنّين من أحدث الآلات، ولكلّ مراهق موسيقاه وأغنياته يسمعها ويسمعنا إيّاها من هاتفه أو مذياعه، ولكلّ صغير لعبة صاخبة مزعجة أو رغبة جامحة إن لم تلبَّ على عجل انفجر باكيًا (تخيّل أن يهوى ابن خمسة أعوام قرع الأجراس على أبواب الجيران طيلة اليوم).

والأنكى من ذلك أن تحاول بلياقة وتهذيب أن تلفت انتباه جيرانك إلى حاجتك إلى السكينة لتعمل أو تنام، إذ ستنهمر عليك أنواع من العبارات تشبه العيارات الناريّة تعيدك قزمًا في أرض العمالقة: ولو يا جار يللي ما بيعشق وبيسهر لشو حياتو؟/ ولو يا جار ضاقت بعينك إنّو نحنا مبسوطين/ ولو يا جار سكّر الأبواب والشبابيك وأدر المكيّف/ ولو جار يللي ما بيشعر مع فرح الناس ما بيكون من الناس/ ولو يا جار العمر بيخلص والشغل ما بيخلص/ ولو يا جار بتحطّ عقلك بعقل الولاد/ هذا فضلاً عن نظرات الغضب وكلمات السخرية من أولاد الجيران الذين تعلّموا في المدارس كلّ شيء إلاّ حسن التصرّف.
هل أنت محاط بمثل ذلك؟ أو بنصفه؟ أو بربعه؟ أنت إذًا على أتمّ الاستعداد لانهيار عصبيّ يجعلك تفقد آخر خلية سليمة من عقلك، وليس بمستبعد أن ترتكب حماقة تسكت فيها هذا العالم المجنون، وغالبًا ما تكون أنت ضحيّتها، لأنّك في النهاية تبحث عن الهدوء والصمت والراحة والنوم، ولو كلّفك ذلك معاداة مجتمع كامل.

جريدة النهار - الثلثاء 6 حزيران 2010