‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاهِد اجتماعيّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاهِد اجتماعيّة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 يناير 2026

الأميرة العارية والشعب المتلصص



  اللايدي غوديفا Lady Godiva شخصيّة إنكليزيّة حقيقيّة عاشت في القرن الحادي عشر، وعُرفت بحبّها لأعمال الخير ومساعدة المحتاجين. وكان زوجها ليوفريك، أحد أقوى النبلاء الإنكليز في تلك المرحلة لكنّه على عكسها كان يفرض ضرائب باهظة على الناس. وكانت هي تلحّ عليه كي يخفّف الأعباء عن شعبه. ولكي يرتاح من إصرارها طلب منها أن تخرج عارية على حصانها وتعبر شوارع المدينة كي ينفّذ طلبها. وهذا ما فعلته. فوافق على تخفيض الضرائب.

يُقال إنّ شخصيّتَي اللايدي وزوجها حقيقيتان، لكن طلب الزوج منها أن تخرج عارية غير صحيح تاريخيًّا. وأنّ هذه الأسطورة ظهرت في مرحلة تعود إلى ما بعد وفاة الأميرة بكثير. ولكن ما يعطي الأسطورة أهميّة إضافيّة هو تصرّف الناس حيال هذا الأمر. هنا تنقسم الآراء فالبعض يروي أنّها هي التي فرضت على الناس أن يلزموا بيوتهم ويسدلوا الستائر، في حين رأى آخرون أنّ الناس حين عرفوا بشرط الأمير عليها وأنّ ما تفعله هو من أجلهم، انسحبوا إلى بيوتهم وأخلوا الشوارع ولم ينظروا إليها احترامًا له وتقديرًا لما تفعله من أجلهم.
وفي سنة 1897، رسم الفنّان جون كوليير اللوحة التي تمثّل مرور الأميرة التي أسدلت شعرها الطويل على جسمها في محاولة لستره عن العيون.
في بيروت، وفي الليلة التي تفصل بين العامين 2025 و 2026، خلع شابّ متحوّل ثيابه في أحد مطاعم بيروت، لا حبًّا بعمل الخير، ولا من أجل تخفيف الضرائب وردّ ودائع الناس، ولكن فقط من أجل ممارسة حريّته/ها. وفي المقابل كانت الأعين المتلصّصة تلتقط المشهد بجوع شديد، وكاميرات التلفونات توزّعها في لبنان وأنحاء العالم.
كانت الشراهة بادية في عيون المتفرّجين، والابتسامات تعبّر عن فرحِ مَن وجد كنزًا. في حين كان العريّ المتمثّل بجسد حائر يقف متحديًّا واثق الخطوة.
السؤال عن تصرّف الشاب المتحوّل مشروع، لكنّ الأسئلة عن رغبة الناس في رؤية الحدث مشرّع على كثير من الاحتمالات، أبسطها مخيف.
أوّلًا، لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعيّ في تعويد أعيننا على مشاهد متنوّعة: أشلاء جثث وعارضات أزياء، دماء ودمار ثمّ بيوت فاخرة لفنّانات وفنّانين، رُضَّع بين النفايات وأولاد الأثرياء على مدرّجات التزلّج... تناقضات كثيرة لا تثير أيّ تساؤل. إذ يدوم تأثير الصورة لدقائق معدودات قبل أن تحذفها صورة أخرى تثير ضجّة لا تغيّر نظامًا ولا تحدث فرقًا.
ثانيًا، الجسد سلعة إن تعرّى ولوحة إعلانات إن ارتدى لأكبر مصمّمي الأزياء. هكذا ينظر الناس إلى العراة، وهكذا ينظرون إلى مرتدي آخر صيحات الموضة. أمّا أجساد المرضى والمعوّقين والمقرورين من البرد فنلتفت إليها بين وقت وآخر، وفي زمن الأعياد بشكل خاصّ.
ثالثًا: لعلّنا مدعوون إلى دراسة ظاهرة التلصص فينا كلّنا، فنحن أيضًا نتعرّى حين نكتب، ونتعرّى حين ننشر صورنا بأوضاع مثيرة، وإذا كانت الكتابة تقرّبنا من دواخل الناس لنفهمهم ونفهم أنفسنا، فعمّ نبحث حين ننشر صورنا أو ننظر إلى صور تقترب من العري ولا جمال فيها؟

الخميس، 18 سبتمبر 2025

النكّيشة

 

الصورة من الإنترنت

النكّيشة

كلمة جديدة أدخلها الواقع الاقتصاديّ المتردّي، والفساد المستشري في الدولة، وغياب أيّ حل لمشكلة النفايات: "النكّيشة". رجال ونساء وأطفال يفتّشون في جبال النفايات ومكبّاتها عمّا يمكن الاستفادة منه.

هو مشهد جديد على شاشة حياتنا. كنّا نراه عبر محطّات التلفزيون ومواقع الإنترنت في بلدان العالم الفقيرة، وكنّا نستغرب كيف تصير النفايات مصدر رزق، ونشكر حظّنا الذي جعل الصور بلا رائحة.

اليوم، المشهد على مقربة رمشة عين، و"تنشيقة" أنف. والنكّيشة يقيمون على مقربة منّا، ويتجوّلون في أحيائنا، ويحفرون بأيديهم العارية وأظافرهم السوداء تلال النفايات التي نرميها بلا فرز لأنّنا بتنا نعرف أن لا أمل بإعادة تدويرها، في غياب أيّ خطّة حكوميّة لحلّ هذه المأساة البيئيّة والصحيّة.

هويّة النكّيشة الفقر، وجنسيّتهم العوز، وطائفتهم الجوع، ومذهبهم في الحياة البقاء على قيد الحياة. لكن ذلك لا يعني أنّهم لن يتشاجروا على براميل القمامة أو علب الكرتون وصناديق الخشب وقناني البلاستيك. فهنا أيضًا البقاء للأقوى على فرض سلطته على قُمم الزبالة، تمامًا، كما هي الحال في قِمم الدول. وإذا كانت البلدان الكبرى تنقّب عن النفط والغاز والمعادن النادرة الثمينة، فالنكّيشة يبحثون عن وسيلة لتأمين الطعام... الطعام الذي قد يكون هو نفسه المرمي حديثًا، ولا يغري الهررة والكلاب التي باتت تجد جمعيّات وأفرادًا يهتمّون بها.

وأرضنا التي كانت خصبة بمياهها وثمارها وحبوبها، ينكش الفلّاحون تربتها فيفور الخير، صارت أرضًا تفوح منها روائح كريهة. وبلادنا التي كان البحّارة يعرفون من بعيد أنّهم اقتربوا منها بمجرّد تنشقّهم عطور اللزّاب والأرز والسنديان والحور والصفصاف أمست بلاد النتانة والعفونة والقذارة.

النكّاشة هنا. لكنّهم لا يعلمون أنّ ثمّة من هم مثلهم. نحن الذين ننكش تاريخ وطننا بحثًا عن ومضات مجد فتزكمنا روائح الدمّ المخثّر من حروب لمّا تنته بعد، وننكش لاوعينا فتصفعنا أيدٍ كنا نظنّها تمسح دمعنا، وننكش ماضينا فتخرج منه أشباح تعرقل سيرنا نحو مستقبل النكش فيه من التراب وإلى التراب يعود.

 

الأحد، 7 مارس 2021

المجتمعات المريضة (2011)


Grey's Anatomy


صار الجلوس أمام شاشات التلفزيون أقرب إلى الجلوس في عيادات الأطباء أو في أقسام الطوارئ في المستشفيات أو أمام أبواب غرف العمليّات الجراحيّة. ولو كان التلفزيون قادرًا على بثّ الروائح كما يبثّ الصور لوجدنا أنفسنا مزكومين بروائح المطهّرات والمخدّر ممزوجة بإفرازات الأجسام والجراح.
فإذا أخذنا مثلاً المحطّات التلفزيونيّة الأرضيّة في لبنان، نجد أنّ البرامج الطبيّة المتخصّصة تحديدًا بالعلاج التقليديّ أو الطبيعيّ أو البديل، صارت تحتلّ فترات بثّ طويلة تشعرنا بأنّنا لن نعجز مع قليل من المتابعة على تبادل الوصفات الطبيّة عبر "الإيميل" وإعطاء النصائح لمن نعرفهم من المرضى. فلكلّ محطّة طبيبها الخاصّ (فضلاً عن منجّمتها)، أو معالِجُتها المتخصّصة، وكلّهم يغسلون أدمغتنا وأمعاءنا بنصائح يختلط فيها الغرب بالشرق، والحديث بالقديم. كلّ ذلك وجمهور المشاهدين عاجز عن الفهم أو التمييز بين ما تقوله "مريم نور" أو ينصح به "زين الأتات" و"نقولا قيماز" أو تعلن عنه شركة "أمانة كير" ثمّ جاء برنامج "لازم تعرف" متزامنًا مع برنامج "الأطباء" المنسوخ عن الأصل الأميركيّ. وفي أكثر الأحيان تختلط الوصفات وتتشابك التعليمات فيتحوّل العلاج الذي اخترعه المريض سمًّا زعافًا.
أمّا إذا انتقلنا إلى المحطّات الفضائيّة العربيّة فنجد في انتظارنا "الدكتور فيل"، و"الدكتور أوز" الضيف الدائم في برنامج "أوبرا" التي تستضيف فضلاً عنه أطباء آخرين وفي مجالات مختلفة، و"دكتور هاوس"، و"الأطباء" الأميركيّين، ولن ننسى مسلسل "إي آر" المتخصّص في ما يجري في قسم الطوارئ، وGrey's Anatomy وغير ذلك من المعلومات الجادّة على المحطّات العلميّة أو التعليقات الساخرة في البرامج الكوميديّة، فضلاً عن برامج الحوار العربيّة في الصبحيّات وبعد الظهر ومساء. غير أنّها كلّها تشعرك بأنّك كيفما قلّبت المحطات فستجد حتمًا طبيبًا يقدّم لك رأيًا في حالتك النفسيّة أو ما قد يتعرّض له جسمك.
لا اعتراض على واجب التوجيه والتحذير والتوعية، والبرامج الوقائيّة أفضل بما لا يقاس من نشرات الأخبار التي تنقل انتشار وباء أو ظهور مرض، والمثل عندنا يقول: درهم وقاية خير من قنطار علاج. والأطباء كانوا في تاريخ البشريّة عناصر أساسيّة منذ المجتمعات البدائيّة حيث ارتبط عملهم بالسحر والشعوذة لأنّهم قادرون في رأي الناس على طرد الأرواح الشريرة التي تسبّب الأمراض. وسيبقى للأطباء هذا الدور الأساس ما دام الإنسان عرضة للأمراض، وما دام المرضى يقاومون الموت، وما دامت الحياة غالية على قلب كلّ إنسان. ولكن كم من طبيب عالج بلفتة حنان وخفّف الألم بابتسامة، وهذا علاج بسيط وسحريّ في الوقت نفسه على كليّات الطبّ أن تلحظه في مناهجها.
ولكن ما يلفت الانتباه في كثرة هذه البرامج هو دلالتها على كثرة الأمراض. فما كانت هذه الأحاديث الطبيّة لتجد الصدى والإقبال لو كان الناس أصحّاء أو مطمئنّين إلى أنّ أنظمة الحياة المعاصرة لن توقعهم في شرك الأمراض النفسيّة والجسديّة. فمما لا شكّ فيه أنّ المجتمعات هي المريضة لا الأفراد، والأنظمة الغذائيّة هي الموبوءة لا الأشخاص، ولذلك كانت المعالجة الجماعيّة الإعلاميّة هي الحلّ بعدما بات من المستحيل معالجة كلّ فرد على حدة، لكثرة ما انتشرت الأمراض وتنوّعت الأعراض.
فحين نجد طبيبًا نفسيًّا يعالج في بثّ مباشر حالة مراهقة مدمنة على المخدّرات، وتمارس الدعارة لتأمين حاجتها منها، نفهم أنّ الحاجة أمّ الاختراع، وحاجة المجتمع كلّه للتخلّص من أمراضه هي التي تدفع إلى مثل هذا النوع من العلاج العلنيّ الصادم بعدما كان الأمر محصورًا في العيادات وداخل جدران الصمت والعيب والممنوع. ومن الطبيعيّ أن يزعجنا ويثير خوفنا امتلاءُ شاشاتنا بهذا الكمّ من الأمراض والشذوذ والإدمان والشراهة في الأكل والتدخين. ولكنّ الحلّ ليس في إسكات الجهاز وتعتيم الشاشة كي نوحي لأنفسنا بأنّ الأمور على ما يرام، لأنّنا على صفحة الشاشة السوداء سنرى انعكاس صورتنا وهي، إن كنّا صادقين مع أنفسنا، لا تختلف كثيرًا عمّا كنّا نشاهده قبل أن نضغط على زرّ إطفاء التلفزيون.

الأحد، 15 مارس 2020

كيف يجد الناس أوقات فراغ؟ (2009)





     يحلو للناس أن يتحدّثوا في مرارة عن أوقات فراغهم واصفين إيّاها بأنّها مضجرة وطويلة وعقيمة.
     أوقات الفراغ – إن وجدت – ليست كذلك. هي فرصة للراحة والراحة ليست عيبًا أو مضيعة للوقت أو كسلاً غير منتج، هي استراحة محارب صارع لوقت ما الناس والطبيعة والعمل وقبل ذلك كلّه صارع نفسه، فاستحقّ وقتًا يستعيد فيه نشاطه واندفاعه قبل أن يعود إلى ساحة الصراع.
    ومع ذلك، وعلى الرغم من أهميّة أوقات الراحة وضرورة البحث عنها، أجدني أسأل نفسي كيف يجد الناس أوقاتًا لما يتّفقون على اعتباره مخصّصًا "للفراغ"؟
    المطالعة (كتب، مجلاّت، صحف، إنترنت، وفي أكثر من لغة)، الرياضة، الموسيقى، التأمّل، الصلاة، الخدمات الاجتماعيّة، المشي في الطبيعة، اللقاءات العائليّة والصداقات، التسوّق، الاهتمام بجمال الجسد ونظافته وأناقته، زيارة المتاحف، مشاهدة الأفلام والمسرحيّات، متابعة النشاطات الثقافيّة والفنيّة، الأعمال المنزليّة، الأشغال اليدويّة، الرسم، العمل في الحديقة، الكتابة، السفر، وغيرها وغيرها من الاهتمامات والنشاطات والهوايات ألا تكفي كي يمتلئ هذا الفراغ الهائل في أوقاتنا وعقولنا؟
     كيف يضجر بعض الناس في حين أنّ البعض الآخر لا تكفيه ساعات الليل والنهار لكثرة أعماله وهواياته ونشاطاته؟ كيف يجدون دقيقة فراغ واحدة، إن لم تكن للراحة التي أعود وأؤكّد أنّها ليست وقت فراغ بل امتلاء من عطايا الكون والحياة والبشريّة يتابع بعدها الإنسان عطاءاته في سبيل الكون والحياة والبشريّة؟
     كم يثير غضبي أولئك الذين يصمّون آذاننا طوال الوقت بالتذمّر من الضجر والملل والفراغ! كم هم طفيليّون مزعجون فارغون هامشيّون! وكم يحلو للحياة أن تستغني عنهم!
     ولكنْ،
    هل يستطيع الناس وعلى اختلاف طبقاتهم الاجتماعيّة والثقافيّة أن يؤمّنوا بأنفسهم ولأنفسهم ما يملأ فراغ أوقاتهم فلا يتحوّل "قتل الوقت" الهواية المجانيّة الوحيدة المتاحة لهم؟ أم على الحكومات أن تسعى لتأمين ما يملأ فراغ الناس بما يلذّ ويفيد ويريح؟ وفي غياب أيّ تخطيط حكوميّ في أيّة دولة عربيّة لمحاربة الفراغ الهدّام، على الإنسان العربيّ أن يكون خلاّقًا فـ"يخترع" ما يملأ أوقات فراغه بغير الإدمان على الكحول والمخدّرات والجنس، وبغير التلفزيون والرسائل القصيرة السخيفة إلى محطّات الأغنيات والفيديو كليب، وبغير الثرثرة على الإنترنت، وبغير التنزّه بين الصحون والطناجر في المجمّعات التجاريّة الضخمة.
    حكوماتنا سعيدة بحالة الخمول الذهنيّ التي نغرق فيها، ودولنا تتباهى بأنّنا شعب يحبّ الحياة (أيّ الغناء والرقص والسهر) ولذلك لا بدّ أن يستجيب القدر ويقبل المطرب الصاعد بالصعود على أكتافنا ليصل إلى قمّة النجاح. وكي لا نقع في التعميم المضلّل لا بدّ من التنويه ببعض الزعماء الذين ملأوا الفراغ في أوقات شعوبهم بخطب سياسيّة طويلة تذكّر (وهل هناك مجال للنسيان؟) بإنجازاتهم في سبيل الخير العامّ (عوضًا عن دُور الأوبرا)، وبصور نسائهم وبناتهم الأنيقات في الحفلات الخيريّة للفقراء (عوضًا عن معارض الفنون التشكيليّة)، وبنقل حيّ لمآتم الشهداء ونقاشات مجالس النوّاب (عوضًا عن المهرجانات الموسيقيّة العالميّة).
     في المدارس علّمونا أن نملأ الفراغ في جملة ما بالكلمة المناسبة، ولكنّهم مع الأسف لم يعلّمونا كيف نملأ أوقاتنا بالأنشطة المناسبة وكيف نضع برنامجًا للعطلة كما نضع برنامجًا للدراسة والعمل.

السبت، 14 مارس 2020

بيوتنا الفنادق ومحطّات الانتظار (2015)



     صارت البيوت أماكن للنوم القليل، القلِق، ولو لم يكن النوم فيها قليلاً وقلقًا لكانت البيوت أشبه بالقبور حيث النوم الطويل والهادئ.
     بيوتنا اليوم محطّات يلتقي فيها أفراد يحاولون أن يؤسّسوا لجماعة تتقاطع مواعيدها على عجل: العائد من المدرسة والعائد من الجامعة والعائد من العمل والعائد من السهرة والعائد من السفر. يصل كلّ منهم، فيأكل، ويستحمّ، ثمّ يغيّر ملابسه قبل أن يغادروا جميعًا إلى حيث يتابع الواحد منهم حياته كفرد منفصل عن الجماعة.
      كانت البيوت مأوانا، ثمّ صار العيش في المأوى أكثر حياة وحيويّة.
     وكانت البيوت قليلة الأثاث والآلات، يملأ فراغَها ضجيجُ الأولاد وثرثرة النساء ومشاريع الرجال، ومع الوقت أضحت شبيهة بالمحال التجاريّة أو معارض المفروشات أو المتاحف حيث الكلام قليل أو ممنوع أو يسيء إلى حرمة المكان.
     في تلك البيوت، تسابقت ربّات الحياة إلى شراء أكبر عدد من الأواني المنزليّة، وكن يفتخرن بامتلاك دزينات من الصحون والطناجر والأكواب، وينتظرن مناسبات الأفراح والأحزان ليخرجنها من الخزائن ويعرضنها أمام الضيوف. أمّا اليوم فالمطاعم هي الحلّ العمليّ والأنيق والسريع لمختلف المناسبات، ما أدّى إلى تحويل الأواني أدوات زينة تعرض ولا تستعمل. وبعدما كان الإنسان لا يرضى باستقبال الضيوف إلاّ في بيته، وكلّ ما سوى ذلك إهانة للمضيف والضيف، بدأ يتباهى بأنّه دعاهم إلى أفخم مطاعم البلد، وهو يعرف أن لا أحد سيعتب عليه.
     طربت بيوتنا لزغردات الفرح، ورقصت على أنغامها، وامتلأت زواياها سعادة عربشت على الجدران والسقف وأزهرت في أصص الورد وإلى جانب الفلّ والزنبق والمنتور. لكنّ صالات الأفراح في الفنادق والمطاعم أو تلك المقامة حديثًا إلى جانب دور العبادة أضحت البديلة الفاقدة خصوصيّتها وهويّتها. فالمكان العام ملك الجميع، ولن يحفظ صورهم أو دموعهم أو ضحكاتهم، وحين شُرّدت ذكريات الفرح والشوق من البيوت أمسى من السهل أن تخرب البيوت وتغلق أبوابها. ولذلك عجزت إحدى الأمّهات عن تذكّر الصالات التي شهدت حفلات زفاف أولادها إذ تمّت كلّ واحدة في مكان مختلف. أمّا البيت فلم يكن له إلاّ دموعها عندما كانت تذرفها في كلّ مرّة تعود إليه من عرس فتجده حزينًا ومتروكًا ومطعونًا.
     كانت بيوتنا تبكي على موتانا، وتتمسّك بهم تحت جوانحها حتّى اللحظات الأخيرة، وتبقي في حناياها وجوه المعزّين الصادقين. أمّا اليوم فيذهب الجميع إلى الصالة المبرّدة والباردة والواسعة والفارغة إلاّ من مجموعات المقاعد المتشابهة، المملّة، الباهتة، الممتصّة انفعالات آلاف الرجال وآلاف النساء. وهناك في الصالة المحايدة المتفرّجة سيمرّ الراحلون مرور العابرين في المطارات الغريبة، ثمّ يمضي كلّ إلى وجهته الأخيرة. فالناس يولدون في المستشفيات ويموتون في المستشفيات، أمّا البيوت فلصورهم المحكومة بالابتسامة والصمت.
     بيوتنا اليوم أماكن لبكاء اليأس وغضب الإحباط وتفريغ التعب. غرفها تشتاق إلى أحاديث تزعج الجيران وتثير غيرتهم وفضولهم، شرفاتها تحلم بسهرات لا تحمل ساعة يد، وأبوابها تنتظر من يقرعها وينتظر متلهّفًا كي يُفتح له، ومن الواضح أنّ اشتياقها لن ينطفئ، وحلمها لن يتحقّق، وانتظارها لن يثمر.
     لم تبق للبيوت ذاكرة. فلا أحد يقول اليوم: هذا كرسيّ جدّي المفضّل، وهناك كانت تغفو جدّتي، وعلى تلك الكنبة جلس زائر عزيز، وإلى تلك النافذة اتكأت أمّي يوم انتظرت عودة أخي من السفر، وتلك الخزانة إرث من عمّتي، وغطاء المائدة الملوّن يعيد إلى المخيّلة ولائم واحتفالات. فتغيير الديكور أمر يوميّ وعادي، والتخلّي عن الأغراض العتيقة بحجّة التخلّص من "الكراكيب" حاجة مفهومة وضروريّة. والطريف أنّ المقعد العتيق الذي كان يحبّه الجدّ العجوز رمي مرذولاً، وعندما اقتضت الموضة أن يشتري الناس أثاثًا عتيقًا من أسواق "البرغوت" التي تشتريه من الفقراء وتبيعه من الأغنياء، عاد المقعد إلى صدر المنزل في فخر وإباء. وغطاء السرير الأبيض المطرّز الذي جعل الشابات اليافعات يسخرن من جدّتهنّ المتمسّكة به وألححن على أمهنّ كي تتخلّص منه، عاد من "الأرتيزانا" معزّزًا مكرّمًا ذا قيمة ونسب.
     ذاكرة البيوت موزّعة اليوم سلعًا في الأسواق: صور للبيع، حقائب للبيع، مقاعد للبيع، أكواب شاي وفناجين قهوة وكؤوس عرق للبيع، حكايات للبيع، تاريخ للبيع. ولعلّ الحرب التي شرّدت الناس من بيوتهم ساهمت إلى حدّ بعيد في التخلّي الطوعيّ عن كلّ شيء بدلاً من أن يُنهب كلّ شيء ويُحرق كلّ شيء. هذا فضلاً عن أنّنا أحفاد تجّار لم نرث منهم إلاّ حبّ البيع والشراء مع أنّهم كانوا يملكون أمورًا أخرى مهمّة أيضًا. فالحرب التي أحرقت الصور والأثاث علّمتنا أن ننسى كي نستطيع أن نعيش، والتخلّص من الذكريات بداية النسيان. لكنّ عمليّة التنظيف هذه، تنظيف الذاكرة من الألم والحزن، أسكنتنا القلق والخوف. فلا ثوابت نتمسّك بها، ولا شيء أكيدًا ونهائيًّا، ولا سلام شاملاً وعادلاً، ولا مستقبل واضحًا، ولا حياة أكيدة، ولا منزل ذا هويّة، فلمَ إذًا لا نرمي القديم، ولمَ لا نتخلّص من التاريخ، الخاصّ منه والعامّ، ما دام التغنّي به لم يورثنا إلاّ الخسارة والحسرة؟
     كانت البيوت أرحامًا نتكوّن فيها ونولد أبناء حياة، وأعشاشًا نغرق في دفء الرعاية فيها ثمّ نخرج منها لنحلّق في سماوات الوجود، ومعابد نقيم فيها مع الله تحت سقف واحد، وحين أردنا سلخ جلودنا، تحوّلت البيوت فنادق للهاربين من أنفسهم والناس، ومطاعم للوجبات السريعة، وبيوت خلاء نقضي فيها حاجتنا ثمّ نمضي.

الجمعة، 13 مارس 2020

من شفقة الأرض إلى محبّة السماء (2010)


أين تقف الإنسانيّة اليوم من كلمات مثل الشفقة والرحمة والتعاطف والتآخي والمساعدة والحنان، وغيرها من المفردات التي تحاول أن تشرح علاقة الإنسان بالإنسان أوّلاً ثمّ بسائر كائنات الطبيعة ومخلوقاتها وعناصرها؟
لا شكّ في أنّ اللغات الممتلئة معاجمها بالكثير من هذه المفردات والمرادفات تحاول أن تستعيض بالكلمات عن الأفعال، وتحاول أن تجد لكلّ نوع من أنواع هذه المشاعر، أو لكلّ درجة منها، اسمًا أو صفة، لعلّ الإنسان - وفيه ذلك الجانب المظلم الشرّير- يجد في إحداها متعته الروحيّة واكتمال توازنه العاطفيّ ونموّه الفكريّ وأمانه الجسديّ. وعلى رغم أنّ الكلمات كثيرة في معجم العطف البشريّ لا يزال الإنسان بعيدًا عن فردوسه المفقود، تائقًا إليه، غريبًا في ليل هذا العالم، تائهًا عن إيجاد الدرب إلى سعادة تنبع من داخله وتصبّ في داخلخ بعد أن تغسل الكون من أحزانه ومآسيه.
يقول الفيلسوف الألمانيّ شوبنهاور إنّ الشفقة هي أساس الأخلاق. وهو في ذلك يؤكّد أن لا مجال لقيام مجتمع أخلاقيّ ملتزم إلّا إذا كانت الشفقة هي الرابط الذي يشدّ الناس بعضهم إلى بعض. ولعلّ السؤال الحقيقيّ هنا هو: هل يشفق الناس على بعضهم أم على أنفسهم؟ الديانة اليهوديّة، على غرار ما دعت إليه الشعوب القديمة (قانون حمورابي مثلاً)، تؤكّد على التعامل بالعدل، أمّا المسيحيّة فتدعو إلى المحبّة: أحبب وافعل ما تشاء. لذلك يميل كثير من المفكّرين المسيحيّين واللاهوتيّين إلى استبعاد كلمة الشفقة باعتبار أنّها تقلّل من قيمة المحبّة التي تصل إلى حدّ بذل الذات والفداء، وهذا ما لا يمكن أن تصل إليه الشفقة. في المقابل تركّز الديانة الإسلاميّة على الرحمة: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، لذلك لا ترد صفة "الشفوق" بين أسماء الله الحسنى. أمّا المجتمعات المدنيّة العلمانيّة فارتكزت على مفهومَي الحقوق والواجبات.
ولكن في اللاوعي الجماعيّ، يرفض المحتاجون الشفقة باعتبار أنّ فيها فوقيّةً وسلطة يمارسهما القويّ القادر على الضعيف العاجز، وهي تكاد تساوي بين الناس والحيوانات، إذ يمكن أن يشفق الناس في سهولة على حيوان جريح أو طائر مكسور الجناح أو وردة ذابلة، كما يشفقون على إنسان فقير أو مريض أو عاجز أو معوّق، وكما يشفق النهار على الليل فيكون الشَفق. أمّا الرحمة فأعلى مستوى إذ تشيع حولها جوًّا من المصالحة بين العلى والأرض (يا ابن داود ارحمني، صرخ أعمى العهد الجديد، فأبصر) أو بين الداخل والخارج إذ تنطلق من الرحم لتمدّ حبل خلاص لمن يحتاج الرحمة. ولكنّ للمحبّة شأنًا آخر إذ تكون بين متساويين يتبادلان العطاء ولا فضل لأحدهما على الآخر.
قد يكون العالم في حاجة إلى الشفقة حين يعجز عن الوصول إلى المحبّة السامية. فهي في البداية شفقة الإنسان على الجزء العاجز الضعيف المريض منه، لتصل بعد ذلك إلى الآخر. ومن الممكن أن تكون ممارسات الشفقة التي وصلت إلينا عبر تاريخ البشريّة نوعًا من حبّ البقاء أو ضرورة اجتماعيّة اكتشف الإنسان أهميّتها خلال مسيرته من عزلة الكهف إلى دفء الجماعة إذ فهم أنّه إن لم يشفق اليوم فلن يجد من يشفق عليه غدًا. ولهذا ربّما كان الكرم العربيّ مع ما ارتبط به من ضيافة وحسن استقبال حاجة ماسّة فرضتها ظروف الصحراء حيث لا مأوى ولا دولة ولا حماية. فكان على القبيلة أن تستقبل التائهين المسافرين وتشفق على المحتاجين لأنّ المستقرّ اليوم هو طريد الغدّ، والآمن اليوم هو الضائع غدًا.
لا شكّ في أنّ الأرض تحتاج إلى شفقتنا على ناسها وحيواناتها وسائر الكائنات فيها وإلّا فلن تكون الأرض أرضنا، أمّا إذا رغبنا في تحويل الأرض سماء فليس أمامنا إلّا المحبّة التي فيها فرح وتفاؤل لا الشفقة المرتبطة بالعوز والعجز. فمن منّا لا يشعر بالإهانة حين يسمع أحدهم يقول له: أنا أشفق عليك؟ ومن منّا لا يصير في السماء السابعة حين يقول الآخر: أنا أحبّك.
النهار - كانون الثاني 2010

الثلاثاء، 10 مارس 2020

في أسبوع الآلام، فلنشكر مخفّفي الآلام (18 نيسان 2018)



    لمَ لا يكون أسبوع الآلام مناسبة لتحيّة معالِجي الآلام، وتحديدًا الممرّضات والممرّضين؟ لمَ لا نحوّل أناشيد الوجع صرخة تقدير لعطاءات هؤلاء الذين نبحث عنهم في حياة المسيح، فنجدهم في الذين ساعدوه سرًّا، فمسحوا وجهه، وبكوا معه، وحاولوا أن يسعفوه برشفة ماء؟
    يقال الكثير عن دور المعلّم في بناء المجتمع، عن الطبيب صاحب الرسالة الإنسانيّة، وعن رجل الدين حامل الرسالة السماويّة، وعن سواهم من المشاركين في بناء المجتمع، لكن حين يقع كلّ هؤلاء أسرى المرض، يقرعون الجرس طالبين من يعطيهم جرعة دواء مسكّن، أو يمدّهم بأوكسجين ينقذهم من الاختناق، أو يمسح أنوفهم وينظّف مؤخّراتهم.
   هي مهنة لا تنال حقّها من التقدير. ليس لها عيد وطنيّ، ولا مهرجانات خطابيّة أو حفلات تكريم، ولم تعط حقّها في المسلسلات والأفلام والمسرحيّات والروايات (مرّات كثيرة أسيء إليها عرضًا وتصويرًا)، ولا ينال العاملون فيها رواتب تكافئ عطاءاتهم وتعبهم.
    أتحدّث عن الذين اختاروها طوعًا، لا عن الفتيات اللواتي اخترنها وسيلة للزواج من طبيب، ولا عن الشبّان الذين فشلوا في كلّ مجال فلجأوا إليها.
   أتحدّث فقط عن الذين انتسبوا إليها وهم يعرفون أنّ عليهم أن يحترفوا الابتسامة الصادقة، وأن يُخفوا تعبهم ومرضهم وحزنهم وفقرهم، وأن يقاوموا النعاس، وأن ينتقلوا من غرفة إلى غرفة وهم يبجثون لكلّ مريض ومريضة عن كلمة مواساة مناسبة، وعبارة تشجيع جديدة، وضحكة رنّانة تريد أن تطرد شبح الموت عن أسرّة كثيرة.
   فلنتحدّث فقط عن الذين لم تعتد أعينهم تكرار المشاهد نفسها، فلم تقسُ قلوبهم، عن الذين لم تتخدّر آذانهم من الأنين والبكاء، فلم تتحجّر ضمائرهم، عن الذين يهنّئون مريضًا لأنّ أمعاءه قامت بواجبها، عن الذين يبتسمون، عن الذين يلقون النكات والطرائف، عن الذين يرندحون أغنية أو يرنّمون ترتيلة، عن الذين يخجلون حين تدسّ في جيبهم إكراميّة تعرف أنّها لا تليق بتعبهم، لكنّها طريقتك الوحيدة لتشكرهم بثمن فنجان قهوة.
     عن هؤلاء نتحدّث، ولهم نطالب بأن يكون راتبهم أعلى قيمة من أيّ راتب آخر، لعلّ مجموعات كبيرة من الشبّان والشابات تقدم على اختيار التمريض مهنة ورسالة، يعيشون منها بكرامة ويخدمون بواسطتها بمحبّة.
    في أسبوع الآلام، فلنشكر مخفّفي الآلام، أولئك الذين يسهرون على المرضى، أولئك الذين يخدمون الأطفال والعجزة والمعوّقين، أولئك الذين يرون الإنسان في أصعب حالاته: حين يكون ضعيفًا، متروكًا، وحيدًا، يائسًا، متّسخًا، غاضبًا، ممدّدًا على سرير الانتظار، معلّقًا على صليب المعاناة، بين معاملات التأمين ووزارة الصحّة وصندوق المحاسبة، ومع ذلك يسعون كي لا يروا فيه سوى إنسان قائم من الموت، ومنتصر على المرض.
    في أسبوع الآلام، تحيّة لهؤلاء القدّيسين الصامتين، حافظي الكرامات، محتملي الأمزجة العكرة، ومتلقّي الملامة حين يخطئ الطبيب!

الخميس، 27 فبراير 2020

أنا ومي شدياق والإعاقة و"الرأي العام البغل" أيضًا وأيضًا...(2015)



     مي شدياق ليست صديقة واقعيّة ولا افتراضيّة، وأكاد أجزم أن لولا مقالة لي سابقة عن الرأي العام البغل نفسه، والتي نشرتَها شدياق على صفحتها، ما كان اسمي ليعني  لها شيئًا. وعدا عن أنّ إحدانا لا تعرف الأخرى إلّا من خلال ما نكتبه، فثمّة أمور كثيرة تفرّقنا، فأنا لست قوّاتيّة، ولست من مناصري جعجع، ولست من جماعة 14 آذار (ولا 8 آذار) ولا علاقة لي لا من قريب أو بعيد بالسياسة السعوديّة أو آل الحريري... فضلًا عن أنّ تركيبة شخصيّتي ومجموع عناصر تكويني الاجتماعيّ والنفسيّ والعائليّ والتربويّ والتعليميّ لا تمتّ بأدنى صلة لما هي عليه مي شدياق... لا بل كان لي مآخذ على أدائها الإعلاميّ، كتبت عنه في مقالة "الإعلام حين يبتعد عن الاحتراف والمهنيّة". وكان لي دعاء عبّرت عنه في مقالة ثانية بعنوان "إلى مي شدياق، مرّة جديدة".
     
    وما كنت لأكتب عن الهجوم الشرس التي تتعرّض له اليوم لو بقي موضوع الاعتراض على كلامها محصورًا برأيها السياسيّ أو موقفها ممّا جرى في القنيطرة السوريّة. لكن أن تصل الأمور إلى التعرّض لوضعها الصحيّ و"إعاقتها"، فأمر يدعو إلى التأمّل والتحليل، لا من باب الدفاع، ومي لا تحتاج إليّ في هذا الأمر، ولا من باب التضامن بين "معوّقتين" بحسب المقاييس التي بنى على أسسها مهاجموها الأشاوس حملتهم عليها، بل لمحاولة فهمِ كيف يجبرك التطرّف على مواجهة ما لم تكن تعرف أنّه فيك... خوف لدرجة العزلة فالانعزال...
    حين قرأت على صفحات التواصل الاجتماعيّ ما قيل لها وعنها، تساءلت عمّا قالته مي أو صرّحت به حتّى انحدر كلام المدافعين عن الشهداء إلى هذا الدرك. فبحثت عن كلمتها وقرأت ما يلي:

لقد أصابتني حالة من الإنقباض وأنا أتنقلّ بين الشاشات اللبنانية التي تتسابق لنقل وقائع تشييع جهاد عماد مغنية في روضة الشهيدين…
“الموت لاسرائيل، الموت لأمريكا”… تبجيلٌ بالمقاومة، أعلام “حزب الله” وسط جموع غفيرة وصراخ “لبيك يا نصرالله لبيك حزب الله”، “لبيك خميني” الخ الخ الخ…
اكيد نحن لسنا في لبنان… فلا إشارة واحدة تدلّ على أنّ الموقع في لبنان.
ما المقصود عندما تنقل كل شاشات لبنان باستثناء واحدة التشييع مباشرة على الهواء؟
هل شرّع لبنان دولةً ومكونات سياسية وشعبية مشاركة “حزب الله” في المعارك في سوريا؟
هل أعلنّا الحرب على اميركا؟ هل أعلنّا الحرب على التحالف الغربي المناهض للنظام السوري؟ هل أعلنّا الحرب على دول الخليج؟
ما خلفية هذا المشهد، هل هو لهث وراء زيادة نسبة مشاهدين هم أصلاً غير مكترثين بهم ولديهم شاشاتهم التعبوية ليل نهار؟!
اسرائيل عدو: نعم
القتيل لبناني: نعم
القنيطرة سورية: نعم
العملية نذير شؤم على لبنان: نعم
على ماذا تهلّلون إذاً؟
لبنان ضائع في مهبّ الريح، ولم يعد لدى الذين يُفترض بهم أن يكونوا أكثر إدراكاً الوعي الكافي للتمييز بين السبق الصحافي الآني والخطوة الناقصة غير المحقّقة للمكاسب على المدى الطويل.
ماذا كان يفعل “الشهيد” في القنيطرة السورية مع قائد الحرس الثوري الايراني؟ هذه المنطقة وبحسب الصحف اليوم ، منطقة سورية “واقعة ضمن مثلث الحدود المعقدة والملتهبة بين لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا”.
عال… هي منطقة سورية صرف إذاً… هل النقل المباشر استسلام واقرار بدخول لبنان بكلّ فئاته طرفاً في الحرب الدائرة في سوريا الى جانب محور النظام السوري البعثي وايران و”حزب الله”؟ هل دفنّا سياسة النأي بالنفس الى غير رجعة؟
هل علينا أنْ نقرّ أنّ “حزب الله” نجح في استدراج السلطات والإعلام في لبنان الى الخانة التي يريد زجّه بها؟
هل في هذا الاطار علينا فهم دخول القوى الأمنية الى معظم البؤر الأمنية في لبنان باستثناء تلك التابعة لـ”حزب الله”؟
هل علينا أنْ نفهم أنّ تعديّ المحامين السوريين على المحامين اللبنانيين في مصر كان مشروعاً لأنّ اللبنانيين تجرّأوا وتطاولوا على جيش بشار الأسد وكانوا بحاجة الى تأديب؟
الله يستر… إذا لم ننتفض على ما يحصل وبسرعة، سيتمّ جرّنا جميعاً الى وحول حرب، كثيرون على حدّ علمي، يعتبرون أنّه يجب أن نكون فيها على المقلب الأخر…
متى تأتي ساعة الصحوة؟
كثر يعتبرون أنّ ما حصل في القنيطرة الاحد سيكون بالتأكيد نقطة تحول في الصراع المفتوح بين “حزب الله” وإسرائيل.
يقولون: هي مواجهة مباشرة غير مسبوقة على الأرض السورية، بين المقاومة وما تمثله، والعدو الاسرائيلي وما يمثله… من دون وسطاء أو وكلاء.
فهل علينا بدورنا أن نسأل: هل ستبقى هذه المواجهة المباشرة في سوريا أم تنطلق شرارتها من لبنان ويكون على الشعب الليناني بأسره دفع ثمن لا يريده؟!
الله يسترنا… متى ساعة الصحوة؟!
***********************
في المقابل، نشرت شدياق الردود التي توالت على تعليق للصحافيّة غدي فرنسيس، وكانت على الشكل التالي:
غدي فرنسيس
January 19 at 9:29pm ·
مي شدياق، صباطو لجهاد مغنية
بيساوي كل قنوات لبنانك يا واطية

Like · Share
4,995 people like this.
364 shares
Abed Fawaz wen tale3 sawta 3a aya mazbale ?
January 19 at 9:29pm · Like · 14
Ezdi Safi
هي الشهيده الحيه بسبع رؤوس
January 19 at 9:31pm · Like · 35
ماهر الدنا
وين عم تحكي القمورة؟
January 19 at 9:31pm · Like · 4
Jad Souria
شو قالت هالشاضومه؟
January 19 at 9:33pm · Like · 7
Mahdi Sal
كلبة ما بينعملا قيمة
January 19 at 9:33pm · Like · 9
Hassan Dughman
لاتهذي بدنك بهيك زباله
January 19 at 9:34pm · Like · 12
Hanna Nicolas Helou maza natawaka3 min 3ahera
January 19 at 9:36pm · Like · 10
Ebaa Karfoul
هلأ كنت عم فكر بهالعاهرة
January 19 at 9:41pm · Like · 16
Jehad Shehab
عيب يا جماعه العاهرات بيخجلوا ينسبوها الهن
January 19 at 9:58pm · Like · 15
Leo Nakad c est une pute qui ne vaut pas le sou
January 19 at 10:01pm · Like · 7
Raed Anwar Hamadeh
حرام ليس عليها عتب..لقد تعرضت لحادث اليم أصاب دماغها بضرر كبير..شفاها الله
January 19 at 10:05pm · Like · 21
Wes Assaf
معاقه من قبل الحادث.
January 19 at 10:14pm · Like · 15
Saeed Jaber
صباطو ،، لا لا كتير هيك
قصدي صباطو كتير فيها

January 19 at 10:27pm · Like · 15
Fida Assaf
حيوانة كل عمرها رخيصة .هيدي قال دكتورة وبتعطي دروس بالجامعات.بزيادة عليا كم كلب متلا ينهشوا فيا .ما رح قول تفههه لان حتى البزقة ضيعانة فيا
January 19 at 10:38pm · Like · 17
نشوان جديد
واطيي وحيطا واطي ولك هي شماعة القرف
January 19 at 10:39pm · Like · 11
Hussein Mahmoud
مي شدياق مش صباط الشهيد بيسوى راسك ولك أرخص صباط بمحل خي حسين مونس بيسواكي كلك قصدي اللي باقي منك وكل مين شد على مشدك يا معاقة
Hussein Mahmoud's photo.
52 mins · Edited · Like · 130
Seleno Abou Radi
مالها المعاقة العاهرة بالمشبرحة
January 19 at 10:52pm · Like · 9
Georges Nehme
الحية الشهيدة. Menopause intellectuel
23 hrs · Like · 11
Tabet Bazzi
شريرةٌ وما في حدا يربكي
انت لستِ ب عاره او مومس
بل أنتِ تتمنين ذالك ولن يحصل.
..See More
22 hrs · Like · 14
Jessy Sassine Noun
العهر بيخجل قدامك يا معفنة عهر ... يلعنك الشيطان ما بكرهو قدك يا جاهلة ومدعية ومصدقة كذبتك ... انت وشهاداتك وكل مين بشد عمشدك كتير عليكن تنكبو بالزبالة ... تفه
19 hrs · Like · 30
Rima Jamous
ما في داعي نعلق عالموضوع طوني فرنجيه عطاها الجواب لي بتستاهلوا مدام بلاستيك
15 hrs · Like · 44
Lina Zammar
يا حقيرة يا سافلة ليس لك مكان سوى في المرحاض ....اللهم دون شماتة قليل يلي صابك يا عاهرة
14 hrs · Like · 30
Najib S Maddah
وبعد...
11 hrs · Like · 4
Mohamad Sadi
حبيت
4 hrs · Like · 3

*******
1- لا أعرف ما هي مناسبة الحديث عن الإعاقة هنا. فمواقف مي شدياق كانت هكذا قبل محاولة اغتيالها، وهي لم تخجل بها ولم تتراجع عنها. وهذا شيء يسجّل لها لا عليها. ولم أكن أعرف أنّ لحزب الله أو للحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ أو للتيار العونيّ مواقف من المعوّقين، تقضي بمنعهم من التعاطي في الشؤون العامّة، أو إبداء الرأي أو ممارسة حقوقهم في السياسة والاجتماع...علمًا أنّ أحدًا لم يهاجم تلفزيون المستقبل الذي لم ينقل وقائع تشييع الشهداء.
2- ولم أكن أعرف قبل أن أقرأ هذه الردود وسواها أنّ الشهداء يموتون كي تبقى هذه الشريحة من الشتّامين الذين لم يجيبوا على شدياق في السياسة والحرب ووضع البلد بل في أمرين يعودان بنا إلى العصر الجاهليّ: أي جنس المرأة (عاهرة، مومس، ...) والإعاقة الجسديّة... وبسبب هذين الأمرين كان وأد البنات الذي حرّمه القرآن.
3- ولكن ما صرت أعرفه أنّ عليّ أن أعيد قراءة كتب أنطون سعادة، فلا شكّ في أنّني فهمتها على غير معانيها الأخلاقيّة. وأن أعيد النظر في قائمة "الأصدقاء" على صفحات التواصل الاجتماعيّ عندي كي لا أفاجأ بأنّ من يضع لي "لايك" على جملة شعريّة عن الحبّ، قد يغضب منّي يومًا بسبب رأي سياسيّ لا يعجبه فينهال عليّ بالصفات والنعوت...
4- وما صرت أعرفه على الأكيد أنّني - وأنا المصابة بشلل الأطفال - سأواجَه يومًا بأنّ اعتراضي على الأداء المسيحيّ (المارونيّ تحديدًا) الفكريّ والروحيّ والسياسيّ والاجتماعيّ سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء...وأنّ النقد الذي أمارسه في الأدب والشعر حين لا ينال رضا أصحاب العلاقة سيكون سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ آرائي التربويّة التي قد لا تعجب كثيرين سببها أنّني امرأة (ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ رفضي لسياسة حزب الله والمستقبل والحزب الاشتراكيّ والكتائب والقوّات والعونيّين والمردة ومن لفّ لفهم سببها أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء... وأنّ كلامي على الجهل العربيّ والتعصّب الدينيّ وقصر النظر السياسيّ سببه أنّني امرأة (أي ساقطة وعاهرة) وأنّني عرجاء...
5- فيا أيّها الرأي العام البغل - بحسب تعبير السوريّ القوميّ الاجتماعيّ الأمين الأديب سعيد تقي الدين - غباءُ العلمانيّين أوصلنا إلى بغاء الطائفيّين، واعتبارُ "الصبّاط" قيمةً لا يجوز المسّ بها جعل عقولنا في مستوى الأرض، وتركُ المجال للناس، كلّ الناس، للتعبير (بحجّة الحريّة) وإبداء الرأي (ع أساس الكلّ بيفهم ومثقّف وبيعرف يقرا ويكتب) أوصلنا إلى ديمقراطيّة الجهل...
6- فحين يحصل ستاتوس غدي فرنسيس عن مي شدياق على نحو ستة آلاف لايك، ويتشاركها نحو أربعمئة شخص... ولا يقرأ سوى عدد قليل ما يكتبه المفكّر علي حرب عن نهج حزب الله فذلك يعني أنّ الشلل ليس في رجلي ولا الإعاقة في جسد مي شدياق بل في كل هذه التركيبة اللبنانيّة التي تُحتضَر ولكن من دون أن يكون ثمّة أمل في أن تحيا سوريا. 

     

السبت، 7 ديسمبر 2019

من سيشتري كتابًا عن الفقراء؟ الجمعة 19 كانون الأول 2008



حين دعا أنسي الحاج إلى الحريّة الجنسيّة، فهم الناس كلامه خطأً، وانطلقت ثورة هي أقرب إلى العهر منها إلى المصالحة مع الجسد، فتحرّرت النساء من ملابسهنّ وتخلّص الرجال من رجولتهم، وبدأ عصر الأجساد العارية في أماكن، والمحجّبة في أماكن أخرى. أمّا الحريّة الحقيقيّة، أكانت في الفكر أم السياسة أم الجنس أم الدين، فلا تزال تبحث عن مكان لها في عالم اعتاد استيراد الأفكار وترجمة الشعر ونسخ الروايات وتقزيم الله.
منذ أن كان في صحيفة «النهار»، وأنسي الحاج يدعو إلى الكتابة عن الفقر، وحين كنت لا أزال أعمل في المجال التربويّ، استفدت من هذه الكتابات واستعنت بما اختاره من أقوال عن الفقر، وصنعت منها لوحة جداريّة كبيرة مع صور عن الفقراء في لبنان والعالم، وعلقتها على أحد جدران المدرسة كي يراها التلاميذ. فما كان من المرشد الروحيّ في تلك المدرسة الكاثوليكيّة وهو كاهن لم يسمع باسم أنسي الحاج ولا بسواه من الشعراء والأدباء إلا أن طلب نزعها لأنّها تؤلم النفوس البريئة وتسرق منها فرح الأعياد. 
ما أخشاه من دعوة أنسي الحاج إلى كتابة روايات عن الفقر تحوّل الأمر إلى عكس ما أراده، فتبدأ المتاجرة بآلام الناس وأوجاعهم وأمراضهم وفقرهم، ويتحوّل الفقراء إلى سلعة في مزاد علنيّ كبير يتنافس الشعراء والأدباء في تسجيل أعلى نسبة ربح فيه.
أليس هذا ما حصل مع موضة الحريّة الجنسيّة، فصارت الروايات مشرحة ملأى بالأعضاء الجنسيّة بلا جمال أو حياة؟
أوليس هذا ما حصل مع موضة الأغاني الوطنيّة حين كتب الشعراء للبنان وعن لبنان كميات من القصائد والأغنيات يفوق عددها عدد سكّان لبنان؟ 
أوليس هذا ما حصل للجنوب المسكين حين انهالت عليه الأناشيد والتحيّات والدواوين والروايات حتّى فاق عددها عدد القنابل التي رمتها إسرائيل على ترابه؟وفلسطين، ألم يحوّلها بعض تجّار الكلمة إلى موضة على الجميع ارتداء كوفيّتها وإلا كانوا أعداء العروبة والقضيّة؟
الحرب اللبنانيّة نفسها لم تستفزّ الشعراء والأدباء بعد لكي يكتبوا عنها من الناحية الإنسانيّة العميقة بدل تلك اليوميّات والمذكّرات والبيانات الحزبيّة، وكلّها يشير إلى مواقف متّخذة سلفاً من ذلك الحزب أو تلك الطائفة، ولا تقبل النقاش أو النقد أو وجهة النظر الأخرى.
منذ فترة وأنا أحاول «إهداء» مجموعة نصوص تصلح للغناء وتدور حول مواضيع الفقر والأمراض والوحدة والطفولة المشرّدة والهجرة، ولم تجد هذه النصوص أذناً صاغية، ولو كانت تقدمة منّي ولا تبغي ربحاً سوى الانتقال بالأغنية إلى مكان آخر غير الذي صارت إليه اليوم.
من سيشتري كتاباً عن الفقراء يا أستاذ أنسي؟ الأغنياء؟ بالطبع لا. الفقراء؟سيفضّلون عليه الرغيف. الفقر لا يجذب الأموال أو الشهرة أو الترجمة إلى لغات الأرض، السياسة قد تفعل والجنس بالتأكيد يفعل، والاقتتال الطائفيّ موضوع مربح، أمّا الفقر فلا يجلب إلاّ الفقر كما المال يجرّ المال.
في مقالة لي في صحيفة «البلاد» البحرينيّة، تحدّثت عن الفقر في بلاد لا أعرف إن كان فيها متسوّلون أو فقراء، وقلت تحت عنوان «من ليس له يطلب منه» ما معناه أنّ وسائل الإعلام تطلب من الفقراء احترام البيئة وعدم الهدر في المياه والطاقة الكهربائيّة. ولكن الفقراء لا يقرأون الصحف، والكتابة عن الفقر للمرتاحين إلى أوضاعهم وفي أوضاعهم، قد تجعل صاحب المؤسسة يقول لك: توقّف عن هذا «النقّ»، الجمهور مش عايز كده، وإن لم تصدّقني تذكّر كيف ماتت ليلى كرم.

الأربعاء، 7 أغسطس 2019

عن الحريّة والمسؤوليّة والبنى التحتيّة


Nicolas_Poussin_-_La_Peste_à_Ashdod

خيانة الوطن ليست وجهة نظر! صحيح، وكذلك الحريّة والجمال والحقّ والخير والعدالة واحترام الآخر.
وخيانة الوطن لا تنحصر في التعامل مع العدوّ – في وضعنا هو حتمًا العدوّ الصهيونيّ والفكر الداعشيّ – بل في تبنّي كلّ ما يتعارض مع رسالة هذا الوطن، وما يعرّض المجتمع (وهو هشّ طريّ العود سريع العطب) لخضّات لا يحتملها في وضعه الراهن.
لذلك، بدت مواقف مرسيل خليفة من النشيد الوطنيّ، وباتريك مبارك من رئيس الجمهوريّة والسيّد حسن نصرالله، واللبنانيّين من مشروع ليلى ثمّ الفرقة الهولنديّة، وسواها كثير، مشاهد ساذجة من مسرحيّة صيفيّة التهينا بها جميعنا. وغدًا، حين يبدأ فصل المطر والبرد، وينتهي موسم المهرجانات، وتفتح المدارس أبوابها ويعود المغتربون إلى أوطانهم الآمنة، تغرق الحريّة في نوم شتائيّ طويل، وننشغل نحن عنها بتدبير وقود التدفئة وتأمين أقساط المدارس.
1- فلأبدأ بالقول إنّني آخر شخص يمكن أن يقبل بتدخّل الكنيسة (خصوصًا في وضعها الحاليّ) في شؤون الفنّ والتعبير وحريّتهما، لكوني إحدى ضحايا هذا التدخّل المقيت، وقد دفعت ثمنه غاليًا من سمعتي واستقراري الماديّ وإنتاجيّ الأدبيّ. لذلك لا يمكن أن أقبل أن يَمنع (أو يعترض أو ينتقد) أيّ مرجع دينيّ، مهما علا شأنه، أغنيةً، أو مهرجانًا، أو كتابًا، أو لوحة... لكن يحقّ له ذلك – كأيّ إنسان آخر - إن انطلق موقفه من الفكر والعقل والجمال لا من محرّمات الدين.
2- لبنان ليس بلدًا علمانيًّا، ولو تظاهر مئات وآلاف العلمانيّين مطالبين بالزواج المدنيّ (كأن ليس في العلمانيّة سواه). وبالتالي، فهذا البلد محكوم بتسويات طائفيّة (ولو كاذبة)، ومحاصصة مذهبيّة (وإن كانت ماديّة/ماليّة في الأساس). وإن كان أحد لا يزال يصدّق أنّ الأمر يمكن أن يكون غير ذلك في المدى المنظور، فليذهب لمحاربة طواحين الهواء حيث الهواء نظيف، والطواحين منظر خلّاب معطاء. ما يعني في النتيجة إنّ أيّ نشاط فنيّ أدبيّ سيكون دومًا تحت رقابة أهل الدين، وليس بالضرورة من رجال الدين الذين قد يكونون أكثر تسامحًا وتفهّمًا من أبناء طوائفهم المتزمّتين.
3- في الإذاعة اللبنانيّة لجنة مراقبة على الأعمال والأصوات، وأمام هذه اللجنة غنّت فيروز وعزف عاصي ومنصور وزكي ناصيف وغيرهم وغيرهم، ولم تكن هذه اللجنة دينيّة الطابع، ومع ذلك، كانت تضع معايير ومقاييس على الفنّان أن يلتزم بها ويحترمها. فالرقابة إذًا مطلوبة، ليس من الدين، بل من أهل الاختصاص. فلنفترض أنّ ثمّة لجنة مكوّنة (على سبيل المثال طبعًا) من كميل سلامة ورفيق علي أحمد ومروان الرحباني وعبيدو باشا وعايدة صبرا ومروان نجّار وروجيه عسّاف ونضال الأشقر ووليد مسلّم ومحمود شريح وفايق حميصي وفوّاز طرابلس... تشرف على المهرجانات وترفع التوصيات، هل كان أحد شكّك بمصداقيتها أو ذوقها أو احترامها الحريّات في حال ارتأت أنّ هذه الفرقة أو تلك، هذه الأغنية أو تلك، لا تلائم الذوق الفنيّ العامّ ولا ترتقي به؟
4- لا يغيب عن البال طبعًا أنّ كلّ جديد مثير للتساؤلات وعرضة للرفض. فجبران خليل جبران حورب واضطهد ومنعت كتبه في المدارس، والأخوان رحباني هاجمتهم الصحافة واعترض نقّاد على موسيقاهم وكلمات أغنياتهم، ومجلّة شعر أحدثت ثورة... لكن هل يمكن القول عن هذه النماذج الأدبيّة أنّها شوّهت الذوق العام وسخرت من القيم الروحيّة وأهانت مقدّسات الآخرين، وهل كانت ظروف البلد والمنطقة والعالم كما هي عليه اليوم؟
5- فلنترك الدين جانبًا، هل يوافق الفكر السوريّ القوميّ الاجتماعيّ على هذا الفنّ المثير للجدل؟ فهؤلاء السوريّون القوميّون علمانيّون يفصلون بين الدين والدولة، وقد دعاهم زعيمهم في «الصراع الفكريّ»، إلى الأخذ بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، بمعنى يترافق فيه الأدب والحياة «فيكون لنا أدب جديد لحياة جديدة فيها فهم جديد للوجود الإنساني وقضاياه» (ص 69). هذا الأدب يجب أن يكون «الواسطة المُثلى لنقل الفكر والشعور الجديديْن، الصادريْن عن النظرة الجديدة، إلى احساس المجموع وادراكه إلى سمع العالَم وبصره فيصير أدبًا قوميًّا وعالميًّا لأنه يرفع الأمّة إلى مستوى النظرة الجديدة ويضيء طريقها إليه، ويحمل، في الوقت عينه، ثروة نفسيّة أصليّة في الفكر والشعور وألوانهما إلى العالم» (ص 69)؟ (من مقالة لمحمود شريح في صحيفة الأخبار)
وتشير الأمينة هيام محسن إلى نصيحة قدّمها أنطون سعادة لزكي ناصيف على هامش إحدى السهرات التي أقيمت في منزلها في الحدث، فقد "انتحى سعادة بزكي جانبًا على الشرفة الغربيّة للبيت، المطلّة على بحر من أشجار الزيتون وخلفها المطار فالمدى الأزرق، وتحدّث إليه ونصحه بأن تكون أغانيه فرحة وتحكي الحبّ والقرية والطبيعة، بحسب ما أخبرنا الرفيق زكي. وأمّا النصيحة فأسّست للنهج الجديد الذي ابتدعه زكي فنيّاً ".
6- وهل يوافق على هذا النوع من الفنون الماركسيّون وهم الذين يضعون الفنّ في خدمة المجتمع، فيقول أحد كتّابهم آلان وودز: " يجب على الفن العظيم أن يهتم بالقضايا العظمى. لا يمكن للفنان الحقيقيّ ألا يبالي بمصير الرجال والنساء الآخرين. إنّ الخاضعين والموافقين على كلّ شيء، الذين يكتفون بأن يتبعوا، مثل الغنم، آخر صيحات الموضة، لا يمكنهم أبدًا أن ينتجوا فنًّا أو أدبًا عظيمًا.
7- ليس من المنطق في شيء، والوضع اللبنانيّ، بخصوصيّة تركيبته ووضعه، على شفير الهاوية، أن يلهي أولياء الأمور الناس بمسائل يمكن تأجيلها: كقيمة النشيد الوطنيّ وأصالته (هذا أمر تقوم به الشعوب المرتاحة إلى وضعها)، أو مهرجانات تشرذم ولا تجمع. وإذا كان من مصلحة البعض أن نلتهي بهذه الأمور لتمرير ما هو أخطر وأدهى، اين أهل الفكر عندنا لا يتصدّون للفعل وردّة الفعل؟
8- الخوف على صورة لبنان في الخارج مشروع في حال الحديث عن الفساد والنفايات والأمراض المتفشيّة وانهيار البنى التحتيّة، أمّا أن تكون حريّة التعبير هي التي شوّهت صورة لبنان فنكتة سخيفة، وكلّنا رأى كيف كافحت الشرطة الفرنسيّة أصحاب السترات الصفراء، وكيف يعامل الجنود الأميركيّون السجناء في المعتقلات!
9-  إنّ شعبًا يحتفي بأكبر صحن حمّص وأطيب صحن تبّولة وأجمل شجرة ميلاد وأطول أركيلة لا يمكنه أن يكون الحَكَم الفنيّ، وإنّ جمهورًا لا يحبّ المسرح ويعشق المهرجانات لا يعوَّل عليه في تقرير قيمة الجمال، وإنّ أهلًا يطلقون النار ابتهاجًا بنجاح أولادهم في البريفيه لا يحقّ لهم أن يعطوا رأيهم النقديّ في ما يجب أن يُغنّى، وإنّ رجل دين تحوم الشبهات حول علاقاته السياسيّة لا يؤتمن على الحقّ، وإنّ إعلامًا ينادي بالحريّة وهو مرهون لأنظمة ودول لا يصلح لكي يكون مرشد الجمهوريّة.
10-   لماذا لم يدعُ الدعاة إلى التضامن مع مشروع ليلى، المدافعون عن حريّة التعبير، إلى وقفة احتجاج تدعو إلى حلّ أزمة الكهرباء والنفايات، وتأمين الطبابة المجّانيّة، والمطالبة بضمان الشيخوخة، وتحديث مناهج التربية والتعليم، وحفظ حقوق الأدباء والفنّانين؟
11-   في هذا البلد
حيث يسخر دعاة الحريّة من المسيح ويخافون من ذكر رئيس الجمهوريّة أو صهره،
وحيث يهزأ الهازئون من الدين ولا يجرؤون على الإشارة إلى السيّد حسن نصرالله،
وحيث تلتصق الشاعرة البائسة برئيس التحرير ثمّ تطالب بالحريّة الجنسيّة
وحيث البعوض والذباب والفئران والحشرات أكثر من جماهير المهرجانات
وحيث الحريّة لم تسمع بالمسؤوليّة،
في هذا البلد
خلّص نفسك كجُرذ عرف - قبل القبطان - أنّ الباخرة تغرق.    

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.