الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 19 أغسطس، 2009

ماجدة الرومي والبحث عن الدفء



الكتابة عن ماجدة الرومي مخاطرة يتردّد الكاتب في خوض غمارها خصوصًا إذا كانت الكتابة لا تتناول فنّها بل شخصيّتها، وكذلك إذا كانت الكتابة تسعى لأنّ تقرأ هذه الشخصيّة بعيدًا عن تأثيرات كلمات أغنياتها والألحان. فكيف إذا كانت الكاتبة امرأة؟

لقد استطاعت هذه المرأة أن تحيط نفسها بسور عال من التعاطف، فالرجال يجدون فيها المرأة/الطفلة التي تحتاج إلى حمايتهم، والنساء يرين فيها الصورة الأنثويّة التي يرغبن في أن يكنّ عليها وكثيرات يعجزن عن ذلك فيطردن الفكرة من رؤوسهنّ. الهدوء، الخفر، الرزانة، الصمت، السمو، الطهارة، بعض كلمات تخطر على البال حين ترى إلى ماجدة وهي تتكلّم، وماجدة التي تتكلّم لا تشبه ماجدة التي تغنّي على المسرح، حتّى أنّ المرء يحار في أيّهما الأصيلة وأيّهما التي تؤدّي الدور. وهذا ما بدا واضحًا في الحديث الذي أجراه الإعلاميّ مارسيل غانم في أوّل يوم من هذه السنة مع ماجدة في برنامجه الحواريّ "كلام الناس"، وفيه بدت هشّة ورقيقة وخائفة، كأنّها ورقة في مهبّ الأسئلة والسياسة والأحزاب والمشاعر الإنسانيّة. وحين شعرت بالبرد، أحضروا لها مدفأة، ومعطفًا، فبدت كهرّة تبحث عن الأمان والدفء قرب موقد.


حياة ماجدة تؤكّد هذه الصورة، ففي البداية اهتمّ بها والدها، ثم وكلت أمرها إلى زوجها، وبعده إلى أخيها. حتّى في حياتها العلنيّة تبدو محاطة برجال الدين الذين تؤدّي أمامهم ترانيمها الدينيّة، ثمّ هناك الشعراء ورجال الإعلام الذين يقعون تحت سحر طفولتها، لتصل أخيرًا في بحثها عن الله إلى الاعتراف بأنّها تجد فيه الملجأ وتسعى إلى الوصول إليه عبر صوفيّتها المسيحيّة. ماجدة الرومي ليست أوّل فنّانة تدخل طفلة عالم الفنّ، ولكنّها لم تكبر فيه كإنسان كما كبرت فيه كمطربة. بقيت طفلة لا يصدّق الناس أنّها كانت زوجة وأنّها أمّ لصبيّتين، إحداهما تزوّجت منذ فترة قصيرة، وبالتالي لن تكون صورة ماجدة الجدّة التي تحمل حفيدها مقبولة في أذهان كثيرين لا يريدون لهذه الطفلة أن تنضج.


لا أحد يستطيع أن يؤكّد إن كانت ماجدة آمنة فعلاً في هذا الحيّز من مشهد حياتها، راضية به ولا تريد الخروج من إطاره، ولكن لا يستطيع كلّ مشاهد أو مستمع أن يتقرّب منها ليكتشف ذلك أو يتأكّد منه أو ينفيه، لذلك تبقى قراءة هذه الشخصيّة مرهونة بأقوالها وأفعالها وهي تجيب على أسئلة تعترف بأنّها لا تعرف ماذا تقول ردًا عليها، أو وهي تخفي وجهها عن الكاميرا كأنّها ترتكب إثمًا بالظهور العلنيّ والكلام في مواضيع ليست من الخبيرات فيه. ومع ذلك يغفر لها الجميع زلاّتها في التعبير عن أفكار مشوّشة تطال الدين والسياسة والحياة والمجتمع. ربّما لأنّها لا تحتمل النقد أو لأنّها تسبق الآخرين إلى نقد نفسها ورفض ما تقوله هي شخصيًّا ولذلك تعترف بأنّها لا تحبّ أن تشاهد نفسها في المقابلات التي أجريت معها.


حين كنت أتابع الحديث مع ماجدة خطرت على بالي صورة ريمي بندلي وهي تغنّي في القصر الجمهوري عهد الرئيس أمين الجميّل وهي تغنّي أمام سفراء الدول الأجنبيّة: اعطونا الطفولة، اعطونا السلام. شعرت بأنّ المرأة التي ترتجف من البرد في الاستديو وتتلعثم في الكلام أمام مارسيل غانم فيها شيء من تلك الطفلة البريئة التي اختفت عندما كبرت وسافرت ويئست من طلب السلام. لم يكن فيها ما يشبه فيروز وصباح حين كانتا تقفان أمام الإعلام وتنظران إليه وجهًا لوجه: الأولى كانت تُرهب من أمامها بهالة مجد لا تليق إلاّ بها، والثانية كانت تخيفهم بطاقة على الحياة لم تعط إلاّ لها. أمّا ماجدة فمن السهل أن نخاف عليها.


*صحيفة البلاد البحرينيّة - الجمعة 16 كانون الثاني 2009

ليست هناك تعليقات: