الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 31 مايو، 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (7) - اللوحات للفنّان العراقي ستار كاووش


 للعراقيّ ستار كاووش


61- كان يحلو لي أن أشبّه حبّنا ببيروت العتيقة ذات النكهة واللون والطابع
وكنت أكتب عن لقاءاتنا يوم الأحد صباحًا في مقاهيها التي لم تمتلئ بروّداها
بعد أن نمشي في شوارعها القديمة
ما رأيك؟
هل نستشير البلديّة خشية أن يسقط هذا الحبّ على رأسينا كما تسقط الأبنية وتنهار الشرفات؟
***
62- سؤال: ما الذي يجعلك مميزًا بين الرجال؟
جواب: ما أكتبه عنك
***
63- سؤال: هل الرجل الذي تكتبين له حقيقيّ أم متخيّل؟
جواب: وهل أرحام النساء أكثر خصبًا من عقلي؟
***
64- سؤال: هل يستحقّ ذلك الرجل ما تكتبينه عنه؟
جواب: وهل تسأل الينابيع من يستحقّ نعمة مياهها؟
***
65- سؤال: ألا تتعبين من الحبّ؟
جواب: عندما يصيبني مثل ذلك 
       أستريح  في محطّة العشق
       أو تحت فيء الصداقة
       أو عند ملتقى الشوق والرغبة
       وأكثر الأحيان في أحضان الشعر
***
للعراقيّ ستار كاووش

66-  لم أعاملْك يومًا كشعب عربيّ صابر على زعيمه
ولم أستسلم مرّة لرغباتك كما فعل بنو أمّتي مع رؤساء دولهم
ولم أكن خاضعة كي أثور الآن
فلا تخف أيّها الرجل على مكانتك
لأنّني أحسنت تمرينك على الحبّ
وأجدت تمرين نفسي على الحريّة
***
67- يخيّل إليّ أن الشعور الذي اسمه الحبّ ينتهي ما أن نكتشف وجوده.
قبله هناك الرغبة والهوس والشوق والحاجة أو التحدّي والمغامرة والبحث والاكتشاف،
بعده هناك المحبّة والصداقة والعِشرة والعادة أو الكره والحقد والضجر والحزن.
الحبّ لا يعيش طويلاً وهذا هو سرّه وإغراؤه.
 ***
68- أهديتني، يا صديقي العابر، محبرة وريشة وورقة وطاولة وكرسيًّا
وأعلنتني ناسكة في صومعة الكلمات، 
ثمّ رحلت وأنت مطمئنّ إلى أنّ كلماتي ستؤنسني.
***
69- قالت المرأة للمرآة: سأعمل على ترك الرجل الذي أحبّه لأنّه يتركني من أجل عمله الذي لا يحبّه!
***
70- اخرجوا وسهروا واعشقوا واسكروا
اخرجوا إلى الشوارع والحانات والملاهي وعيشوا
لا تدعوا الموتى يموتون أكثر من مرّة
"خزّقولي هالتياب السود
خزقّوا هالخوف والفرح يرجع"
أنجبوا أطفالًا آخرين
اكتبوا الشعر
ارقصوا على صوت الموسيقى الصاخب
أيقظوا النائمين التعبين
أزعجوا الساجدين العابسين
املأوا الساحات والميادين ضحكًا وأغنيات
فأنتم لا تعلمون متى يأتي السارق!
***
للعراقيّ ستار كاووش
للعراقيّ ستار كاووش

72- رجاء أيّها الشعراء
لا تكتبوا قصائد طويلة بعد الآن
فقد يغدر بي القتلة قبل أن أنهي القراءة

للعراقيّ ستار كاووش


الأحد، 27 مايو، 2012

مش رح يصيروا كبار

ضحايا القصف الإسرائيليّ على غزّة - فلسطين - 2009

مجزرة حولة - سورية - 2012



ما عادوا عَمْ يلعبوا
قدّام البواب
تفرفطوا متل ورقة ورد
يبست بهوني كتاب:
الزْغار ماتوا
ومِشْ رح يصيروا كبار.

لبسوا حرام الدفا
وتلفلفوا وراحوا
بالبرد شو بيحلا الغفا
بس هِنْ ما ارتاحوا
عم يندهوا وين الوفا
وباب العمر
كيف ضاع مفتاحو.

الزغار عن جدّ سرّبوا وماتوا
غلّوا بقلب الأرض وتخبّوا
جوّات حالن ع السكت فاتوا
وحزن الدني بعيونهن عبّوا.

عن جَدّ نزلت دموعن
عن جدّ احترقت وجوهن
عن جدّ دابت لعبهن
وبردت شموعن.

مش رح يصيروا كبار
مش رح يتعلّموا
مش رح يعشقوا
ومرّات رح يتألّموا
مش رح يجيبوا ولاد
ولا ينطروا الْعياد.

مش للحرب الولاد
للغنا
للرقص
لَشَوفةْ حال،
للغنج
للشيطنة
لَشغلة بال
انِبعدوا عن البيت
وطوّلوا المشوار،
للعب
والضحكة
وتَ يسألوا
ميّة سؤال،
وت يكبروا
ويختيروا،
مش ت يفلّوا
وبعدن كتير زغار
مش ت يموتوا
وما يصيروا كبار

السبت، 26 مايو، 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (6) - اللوحات لفان غوغ




43- قبلة لأسير يحلم بتقبيل السماء والنساء
قبلة لمخطوف لا يعرف وجه خاطفه ليتعلّق فيه باحتمال رأفة
قبلة لمريضة تاقت روحها لغير بياض السرير ورداء الممرّضة
قبلة لعجوز قد تغريه بأن يصالح الحياة
قبلة لثكلى تعانق التراب لعلّها تعيد إنجاب ولدها منه
قبلة لطفل قطعوا عنه حبل السرّة وربطوه بحبل المصل
قبلة لفتاة اغتصبها رجل اغتصبته الحياة
قبلة لفقير لها دفء الخبز الطازج
قبلة لطفلة صفعتها معلّمتها لأنّ الطفلة اشتاقت إلى حضن أمّها ولأنّ المعلّمة لم تجد من يحضنها
قبلة لمصروف من العمل قد تصرف عنه همومَه للحظات
قبلة لمهاجر يحلم برائحة الصعتر
قبلة لفنّانة ليس لها من يذكّرها بأن تتناول دواء الضغط
قبلة لشاعر لا يملك إلّا كلمات في بلاد تغتال الحالمين
قبلة لأرض تتهاوى قممها تحت أظافر الجرّافات وتتخم وديانها بنفايات الأغنياء
قبلة لعصفور وقف قبالة صيّاد جائع وأخرى لعصفورة تعلّم صغارها الغناء والعطاء
قبلة لطفل قضى في مجزرة بعدما رأى الموت في شكل جارهم الذي كان يحمل له الحلوى
قبلات قبلات قبلات
ما كنت أملكها لولا قبلتك!

44- عندما تعود بعد منتصف الليل من سهرتك مع أصدقائك،
حاول أن تحدث صوتًا يوقظني كي أصحو ونتشاجر
أحبّ أسلوبك في إسكاتي كي لا نزعج الجيران

45- كلّما وصلت رسالة إلى هاتفي الخلويّ ظننتها منك
فإذا بها إعلان عن تنزيلات مهمّة
ألست مهمّة كي تتنازل وتعلن لي عن اشتياقك إليّ؟

46- يحلو لي الكلام في فلسفة الثورة وأنا بين ذراعيك
ولا يحلو لي الحبّ إلاّ وأنا في عزّ الثورة
فما بالك اليوم مسالمًا؟

47-  سألها: هل تمارسين معي الجنس الآمن؟
سألته: هل تبحث معي عن وطن آمن؟

48- كن تلميذًا ساهمًا في الصفّ واحفر اسمي على طاولتك
كن مقاتلاً شرسًا في حرب سخيفة وارسم اسمي على حائط تحتمي به
اجلس خلف مكتبك وخرطش ملامح وجهي على مفكّرة مواعيدك
ولكن لا تكتبني على ورقة بيضاء مزدوجة ونظيفة.
جنَّ يا رجل وأعلنّي شعارًا لمرحلتك الجديدة
خربط نظام حياتك
إلغِ مواعيد عملك
إنسَ عمرك وتجاربك وخيباتك
وواجه بي حاسديك
أصرخ باسمي فلم أعد أطيق الهمس
إفتح شبابيك حياتك قبل أن يخنقني العفن وتنخر الرطوبة عظامي
لم أعد أطيق
أن تأسرني بين سطرين كتلميذ يكتب بخطّ جميل لترضى عنه أمّه.



49- تنتهي الطريق عندما يتعب صديقي العجوز من المشي.

50-  أنا وأنت. ضميران منفصلان يربطهما العطف ولا يؤلّفان جملة مفيدة.

51-  أنا أريد لكلماتي أن تبقى. أنت تريد لأفعالك أن تُمحى.

52-  لا تخيفني الوحدة. هي الفسحة التي نلتقي فيها في انتظار أن نلتقي.
ولذلك أهرب من الناس لأنّهم يحاولون منعي، عندما أكون معهم، عن التفكير فيك.

53- أنت جرحي المفتوح وأنا حَرَجك المفضوح.

54- ما من شغف بدوام جزئيّ.

55- الحبّ لا يقبل المشاركة، المحبّة لا تقبل الحصريّة.

56- لم تزعجني رؤية الرجل الذي كنت أحبّه، 
لأنني في كلّ بساطة لم أعد المرأة التي أحبّته.

57- من السهل أن تخلع ملابسك أمامي،
ولكن هل تستطيع أن تخلع الأقنعة عن أفكارك؟
ومن السهل أن أتركك تدخل إلى عمق جسدي، 
ولكن هل تسمح لي بالدخول إلى عمق قلبك؟

58- ابتسامتي بركة دمع

60- كنت مقتنعة بأنّني شاعرة
غير أنّ الآخرين يؤكّدون لي بأنّني لست سوى مجموعة من الأمراض النفسيّة والعصبيّة



الخميس، 24 مايو، 2012

"ليل ينبت تحت الأظافر" للشاعر الأميركيّ تيد كوزر


Ted Kooser


"ليل ينبت تحت الأظافر" للشاعر الأميركيّ تيد كوزر
نصوص اختارها وترجمها سامر أبو هواش 
منشورات كلمة - منشورات الجمل

     مع القصائد التي اختارها سامر أبو هوّاش للشاعر الأميركيّ المعاصر تيد كوزر (ولد عام 1939)، بدأت بقراءة النصوص قبل أن أطّلع على سيرة الشاعر في أوّل الكتاب. فقصائده القصيرة والسريعة النبض جذبتني وجعلتني أتنقّل بينها بسهولة وشغف. وحين عدت إلى مختصر سيرته كما يوردها المترجم وجدت أنّ الفكرة التي كوّنتها عن أسلوب هذا الشاعر هي ما ميّزته في بلاده وحيث تُرجم شعره: نصوص من الواقع المعيوش وعن مشاهدات كلّ يوم من دون أن تقع في التسطيح والخفّة. هذا ما جعل النقّاد يعتبرون شعر تيد كوزر شعبيًّا لا بالمعنى الجماهيريّ بل بالارتباط بيوميّات الناس العاديّين من دون "التلفسف" عليهم أو عرض عضلات لغويّ أو تباهٍ بصعوبة تعجز القارئ "الغريب" كما يصفه عن فهم ما يقرأ.
     لعلّ صورة الشاعر على غلاف الكتاب توحي برجل عامل أو مزارع أكثر ممّا توحي بشاعر نخبويّ يقيم في صومعة فكريّة لا يجرؤ كثر على الاقتراب منها. وسيرته توافق هذا التصوّر إذ يعيش الرجل في مزرعته، مع زوجته وكلبيه، ولا علاقة وثيقة له بعالم المثقّفين وأصحاب القرار المؤثّرين في ذائقة الناس. ومع ذلك استطاع أن يحوز شهرة حين عيّنته مكتبة الكونغرس عام 2004 "شاعر أميركا المتوّج"، قبل أن يثبت موقعه على الساحة الأدبيّة بنيله جائزة "بوليتزر" عام 2005.


   النصوص المختارة في هذه المجموعة تشي باهتمام الشاعر بالمسنّين والمرضى والموتى والفقراء، من دون أن تتّجه لغته نحو الثورة أو الوعظ أو النقمة، بل تنساب معترفة بحقائق الحياة، بكثير من الأسى على هشاشة الحياة، لكن من دون تفجّع أو استسلام.

يقول في قصيدة "اختيار قارئة":

سأختارها امرأة فاتنة
تجيء ماشية ببطء إلى قصائدي
في لحظات النهار الأشدّ وحدة.
قبل أن تغادر البيت
ستكون قد استحمّت
وسيكون شعرها مبلّلًا عند العنق،
وستأتي مرتدية معطفها الواقي من المطر،
وسيكون المعطف قديمًا ومتّسخًا
لأنّها لا تملك ما يكفي من المال
لكي تضعه في المصبغة.
هناك في المكتبة
ستنزع نظارتها الطبيّة
حين تجد أحد كتبي
ثمّ ستعيده إلى مكانه على الرفّ،
قائلة لنفسها:
"بهذا المبلغ من المال
أستطيع غسل معطفي".
وهذا ما ستقوم به.

هذا القرب من القارئ وتفهّم ظروفه ومعاناته يبدوان واضحين في مجمل قصائد الكتاب، بل يؤكّدان اعتراف الشاعر نفسه بأنّه يكتب والقارئ في باله، مخالفًا بذلك أكبر عدد من الشعراء الذين يؤكّدون أنّهم يبعدون القارئ عن ذهنهم. لكنّ الشاعر لا يكتب ليساير القارئ ويغريه بل ليعلن له عن انتمائه إليه وإلى واقعه ووضعه.
لذلك يمكن لنا أن نفهم وفرة أسماء العلم في القصائد التي تبدو كحكايات صغيرة تصوّر مشاهد من حياة الناس: سبعون عامًا على زواج نيلز وليديا، العمّ أدلر، عمّتي كاري، باربرا، المزارع نيلز بولسين، الأرملة لستر. يضاف إليها إصرار على تحديد الأمكنة والأزمنة من خلال العناوين: أوّل الثلج، دار قدامى المحاربين، عشيّة الميلاد، أغسطس، رحلة إلى الجبال، السكن بجوار دار إعادة تأهيل، الأرياف، حراثة ربيعيّة، ليلة صيفيّة، نهاية عطلة الأسبوع، عند أطراف الحقول، أضواء آخر النهار في منيسوتا، نهاية سبتمبر، نهاية العام، بداية العام، رسالة شتاء، يوم اثنين من مايو، ليلة في أغسطس، حول السياج في بداية مارس، أرجوحة شرفة في سبتمبر، رسالة في أكتوبر... هذه العناوين التي تتوزّع بين أسماء الناس والأمكنة والأشهر أو الفصول أو الساعات، تدلّ بشكل واضح على اهتمامه بما وبمن حوله، لا اهتمام العابر غير الملتزم، بل اهتمام من يعنيه الأمر: جدّه الذي يحتضر، عمّته المريضة، مأوى العجزة، ضريح طفلة، جنازة جدّته، ...



نقرأ في قصيدة "العجائز جدًّا":

العجائز جدًّا
لا يكفّون
عن إيذاء أنفسهم
يحرقون أصابعهم
بالمقالي الصغيرة،
ثمّ يقعون،
كالأشجار
ويهشّمون أوراكهم
بصوت مكتوم

ونقرأ في "قصّة شبح":

كانت حياتها بسيطة، وكان موتها عاديًّا،
فتاة خيطت إلى كفن ذات الرئة.
كانت مجرّد مريم أخرى، هناك في ألينوي،
وكان مجرّد أبريل آخر،
براعم "صريمة الجدي" انحنت في الصلاة
عينان منسيّتان،
ابتسامة منسيّة،
غرّة شعر منسيّة،
كلّ شيء راح.
لكن منذ سبعين عامًا
يضوع قبرها
برائحة الورد.

كم جميل أن يخلّد الشعر الناس العاديّين الذين ظنّوا أن لا أحد ينتبه إلى وجودهم!
في النتيجة ما من إنسان عاديّ!