الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

في قصور عاليه المهجورة منذ "حلّ السيف على الصيف" - بقلم ماري القصّيفي

عاليه - 1940

     "نواطير الثلج" عبارة من إحدى أغاني فيروز الرحبانيّة القديمة. و"حين حلّ السيف على الصيف" عنوان مجموعة شعريّة لرشيد الضعيف. والقصور المهجورة المهملة هي قصور حقيقيّة في شارع بشارة الخوري في عاليه. أمّا الذكريات فيرويها أيضًا نواطير حقيقيّون عاشوا في تلك القصور وعايشوا انقلاب الحياة فيها من أريستوقراطيّة "لبنانيّة" الطابع، إلى لون آخر من حياة أمراء الخليج العربيّ، فإلى طابع حياة المهجّرين الذين أفرزتهم الحروب في لبنان. هل تشهد انقلابات الأحوال في هذه القصور على أحوال الاصطياف في لبنان الأمس واليوم؟

*****
     هم ذاكرة الجبل ونواطير ثلجه. يعيشون حياة القرية تسعة أشهر ويولدون بعدها مدنيّين من الطراز الحديث، وتلازمهم هذه المدنيّة الطارئة ثلاثة أشهر قبل أن يلفّهم غطاء الضباب والشتاء فيمضون أيّامهم متذكّرين صيفًا حافلاً بالعجائب والغرائب ومنتظرين صيفًا آخر يعد بالعجائب والغرائب. إنّهم نواطير القصور والفيلاّت، يأتون من قراهم الهادئة ليحرسوا منازل كبيرة وفارغة يأتي إليها أصحابها في الصيف العابر سريعًا، فتمتلئ حياة وصخبًا وغناء ورقصًا وطعامًا وكحولاً. وفجأة يحلّ الصمت المريب ويرحل أصحاب البيوت الواسعة تاركين خلفهم رجالاً ونساء لا عمل لهم إلاّ حراسة ذكريات الصيف والتجوال في غرف خارجة من ثراء ألف ليلة وليلة، وشاهدة على طبقة من المجتمع عشقت الحياة وملأت الدنيا وشغلت الناس.


صفقات صيفيّة

     مدينة عاليه "عروس المصايف"، بدأ فيها الاصطياف عام 1885 حين أنشأ ميشال حبيب بسترس المصيف الأوّل، على ما يقول عفيف مرهج في مجموعته "إعرف لبنان". وفي مكان مشرف من هذه البلدة شارع شاهد على التغييرات التي طاولت المجتمع اللبنانيّ، وجعلته يرى ما لا يجب أن يُرى، فدفع ثمن الرؤية كما دفع ضريبة غياب الرؤيا.
     إنّه شارع القصور والفيلاّت التي بناها سكّان بيروت هربًا من الحرّ والصيف والرطوبة، وسلّموا مفاتيحها إلى نواطير من الجبل وقراه، فامتزجت حضارتان في مبنى واحد: في الطبقة الأرضيّة ناطور، هو المزارع والحارس وخادم أسرار الهيكل، وفي الطبقة العليا تجّار وأثرياء وفنّانون وصحافيّون وتجّار نفط، ينامون نهارًا ويسهرون ليلاً. ومن هذا التجاور نشأت علاقات حسن جوار رسمتها زيارات عجائز القصر المرتفع إلى حدائقه وجنّاته الخضراء، ورسّخها نزول أولاد الطبقة العليا ليلعبوا مع أولاد الناطور وأحفاده، قبل أن يغيب كلّ منهم في دنياه الخاصّة وعالمه ذي الهويّة التي لا تقبل الدرس.
     امتلأ الشارع الذي يحمل اسم أوّل رئيس للجمهوريّة بعد الاستقلال بالقصور والفيلاّت بعدما ارتفع قصر الشيخ بشارة الخوري على مكان مرتفع وواسع. وتمدّدت القصور على مساحات شاسعة تفصل بينها الممرّات والحدائق ما يوحي أنّها من عالم خياليّ أخضر ومنظّم، تستسلم للهدوء والصمت في أكثر أيّام السنة وتستيقظ في لحظة على أصوات العائدين إلى ملاعبها الخضراء ليتباروا في إقامة الحفلات ودعوة أكبر عدد من المغتربين والمقيمين والزعماء والفنّانين والصحافيّين متتبّعي أخبار هذه الطبقة المخمليّة، حيث يجتمع أهل الفكر بأهل المال في جوّ من الاسترخاء تفرضه الصيفيّة، ولا يشبه ما نعرفه عن أجواء بيروت وحفلاتها وسهراتها. ولكن أجواء المرح والسهر لا تعني أنّ أسياد القصور يغيبون عن العمل السياسيّ والصفقات الاقتصاديّة. فكم من اجتماع سريّ جرى على هامش السهرة، وفي بيت الناطور أحيانًا!وكم من اتفاق مصيريّ تقرّرت فيه مصائر شعوب ورؤوس!
كان هذا الشارع صورة طبق الأصل عن الميثاق الوطنيّ وأعرافه المتوارثة. فأصحاب القصور والفيلاّت هم في غالبيّتهم من الموارنة والمسلمين السنّة. أمّا النواطير فمن الموارنة والدروز. وكأنّ التوافق المارونيّ – السنيّ على المستويات العليا لم يرضِ إلاّ الطبقة الشعبيّة التي بقيت على تحالفاتها الجبليّة (جبل لبنان) بين الدروز والموارنة قبل أن تتغيّر الاتفاقات مع الاستقلال أوّلاً، ومع الحرب اللبنانيّة لاحقًا. وهكذا تجاورت في الشارع قصور وفيلاّت وبنايات فخمة بنتها عائلات لها تاريخ عريق، وتحلم بمستقبل متين كالقصور التي بنوها، وبهيّ كالفيلاّت التي احتاروا في زينتها، ومشرف كالأبنية التي رفعوها، وصار لها أسماء التصقت بها ولم تتغيّر في ذاكرة النواطير وإن صار لها مالكون آخرون أو بيعت من أشخاص لا علاقة لهم بتاريخ الشارع أو بأحلام مستقبله. وبقيت في الذاكرة قصور الشيخ بشارة الخوري وأخيه فؤاد وميشال شيحا وسامي شقير وآل الفرنيني وكتّانة وفتّال ومصابني، وفيلاّت العسيلي وتامر الألوسي (يذكر النواطير أنّه كان سفير تركيا في لبنان؟) وبنايات السعداوي وأبو الشلش والقصّار.

طبقات

     ويقول النواطير إنّ أصحاب هذه الأبنية أثرياء ومفكّرون وتجّار وسفراء، وجدوا عاليه مصيفًا قريبًا من العاصمة، ذا مناخ مميّز وجوّ هادئ فابتاعوا الأراضي (مّمن؟) وباشروا البناء. وكان لا بدّ من أن تُترك الأبنية في عهدة من يحرسها ويعمل في حدائقها، ما أوجد فرص عمل لعائلات كثيرة. وكان من المستحبّ أن يكون الناطور متزوّجًا ضبطًا للأخلاق وللاستفادة من بعض الأعمال التي بها الزوجة. وفي المقابل، من غير المستحبّ أن تكون عائلته كبيرة لئلاّ يثير الأولاد ضجيجًا وصخبًا ولو لشهر واحد في السنة، ما دفع بعضهم إلى ترك أولادهم خلال هذا الشهر في قراهم، ومنهم من وضعهم في مدارس داخليّة مجّانيّة. أتت هذه العائلات من قرى وبلدات تجاور عاليه، كشوريت ومرستي وأغميد ومجدل بعنا (الشوف)، ومن العبادية (بعبدا) ومن الكحّالة ورشميّا (عاليه). ولكن ذلك لا يمنع أن نجد ناطورًا من مغدوشة في الجنوب وآخر من راشيّا الفخّار وثالثًا من جبل الدروز. هؤلاء النواطير المسيحيّون والدروز تركوا العمل الزراعيّ المضني في أراضيهم ورغبوا في التسهيلات التي تقدّمها هذه الوظيفة الجديدة كتأمين مكان للسكن ومصاريف الكهرباء والماء والهاتف. حتّى أثاث المنزل كان غالبًا ما يتجدّد بما يتخلّى عنه أصحاب الطبقات العليا كلّما غيّروا الديكور والأثاث بما هو أجمل وأحدث. لذلك كان من الطبيعيّ أن يكون الأثاث النازل إلى الطبقة السفلى متنافر من حيث الحجم واللون والطراز، تعود كلّ قطعة منه إلى عهد ما، إلى مناسبة ما.

رائحة الأصل


     في فصل الصيف يتوافر الطعام بكثرة وبأنواع مختلفة وغريبة، توزّع على النواطير وعائلاتهم وعلى السائقين والمرافقين. وكم نعمت عائلات النواطير بالألبسة التي عتقت على أجساد أصحابها وبقيت جديدة وحديثة الطراز في نظر هؤلاء الجبليّين الذين ما كانوا ليعرفوا من المدينة إلاّ ما يصل إليهم عبر السيّارات والأزياء وتسريحات الشعر والأثاث وألوان الطعام. وهذه كلّها مظاهر مدينيّة بيروتيّة أو باريسيّة تزور عاليه وتحاول أن تنقل إليها عدوى الحداثة وتلبسها آخر الصرعات. إلاّ أنّ موسم الصيف قصير ولو طال، ومع رحيله يعود سكّان الشارع المعدودون إلى حياتهم وعاداتهم من دون أن تزول تمامًا آثار ما اختبروه. إذ لا شيء يمنع أن ترى الناطور محتفظًا بشرواله التقليديّ الجبليّ في حين تلبس زوجته المنتعلة مشّاية نيلون فستانًا حديث الطراز، باريسيّ التصميم والتنفيذ، تركته له "الستّ" قبل نزولها إلى بيروت. و"الستّ" نفسها تعرف أنّ زوجة الناطور تحفظ أسرارها ومشاكلها وتشهد على المعاملة السيّئة التي تلقاها من "الخواجه". وتعترف "الستّ في قرارة نفسها أنّ رائحة طبخة المجدّرة التي تحضّرها زوجة الناطور سترافقها إلى الصيف المقبل وتذكّرها بالبيت الذي أتت منه قبل أن تصير " سيّدة القصر".
عن صفحة عاليه بالبال على الفيسبوك

شتاء النواطير

     ومن الغريب أنّ أكثر هذه المنازل غير مجهّز بوسائل التدفئة، لأنّ أصحابها لا ينوون زيارتها في الشتاء مهما كانت الظروف والأسباب. ولا داعي للمزج بين الفصول ما دام لكلّ فصل أمكنته وطقوسه، وما دامت الإمكانات الماديّة تسمح بالانتقال إلى أماكن التزلّج في لبنان أو في الخارج. أمّا النواطير فالشتاء بالنسبة إليهم فرصة للعودة إلى حياة القرية عبر استحضارها إلى القصور. وعند ذلك تعود مشاغل الحياة بعد رحيل الصيف لتظهر في العجن والخبز وتحضير المؤونة وجمع الحطب للوجاق، ثمّ ينصرف الجميع إلى حياة كسولة لا يثيرها إلاّ تبادل الزيارات أو انتظار الأبناء الذين رحلوا عندما كبروا لأنّ حياة أهلهم النواطير ما عادت تكفي طموحهم ولا عادت ترضيهم المقارنة التي تفرض نفسها بين حياتهم وحياة أترابهم ابناء الطبقات العليا الذين توقّفوا عن اللعب معهم. مع رحيل الأبناء بقي النواطير العجزة ليحرسوا المنازل الفارغة إلاّ من صدى القهقهات والموسيقى ولينتظروا الثلج يغطّي المساحات الخضراء ويفرض هدوءًا قد يكون مخيفًا لمن لا يتذوّق طعم سكينته وصفائه.
     في تلك الأيّام الباردة كان النواطير ونساؤهم يلجأون إلى بيوتهم الصغيرة الدافئة، وفوق رؤوسهم غرف تئنّ من الوحدة والفراغ وترتجف الأشباح فيها من الصقيع يخترق الجدران ويقتحم النوافذ. وعندما يطيب للناطور العجوز المتدثّر بالملابس الدافئة أن يقوم بجولته التفقديّة في أرجاء القصر القاحلة لا يستطيع إلاّ أن يشعر بحنان غريب تجاه قطع الأثاث المتناثرة فوق البلاط الرخاميّ العاري. ثمّ يكتشف مدهوشًا، كما في كلّ جولة، كيف أنّه لم يفكّر مرّة واحدة في الارتياح فوق إحداها حتّى في غياب أصحابها. لقد كان يعي موقعه جيّدًا، ولكنّ شيئًا ما يجعله يتعاطف مع هذا الذي يحيط به، إذ يشعر بطريقة غامضة بأبوّته للمكان لا بامتلاكه. أليس هو وليّ أمره أكثر أيّام السنة والمسؤول عن ترتيب أوضاعه وحمايته؟ ألا يشعر مع رحيل أسياد المنزل بعودة الأمور إلى نصابها والحياة إلى طبيعتها؟
 
إلى عاليه على الطريق الدوليّة (عن صفحة عاليه بالبال على الفيسبوك)
حياة داخليّة 

     لا تغيب أماكن العبادة عن شارع بشارة الخوري. والنواطير يخبرون الحكاية على الشكل الآتي: الشيخ فؤاد بنى كنيسة في وسط الحيّ على اسم سيّدة البشارة شفيعة أخيه الرئيس. وبعدما اشترى الشيخ علي آل ثاني حاكم دولة قطر أرضًا وبنى قصرين، وبعدما اشترى ابنه الشيخ أحمد أملاك آل كتّانة، ارتفع في أوّل الشارع من جهة طريق الشام مسجد يعرف باسم باسم جامع الشيخ عليّ. وكانت الاحتفالات الدينيّة تتوقّف مع رحيل الصيف وضيوف الصيف. فالمسيحيّون الباقون قليلو العدد لا يشكّلون رعيّة، والمسلمون غير الدروز تركوا الجبل، فلمن تقام الصلاة؟ 
     في المقابل، يخلو الشارع من مدرسة لأنّ أولاد الطبقات العليا سيغادرون شتاء إلى مدارسهم في العاصمة أو في الخارج. أمّا أولاد النواطير فينزلون إلى وسط البلدة حيث المدرسة الرسميّة ومدرسة الراهبات و"المدرسة الوطنيّة" التي علّم فيها مارون عبّود. وكان ذلك من حسن حظّ ابناء النواطير ومن ساواهم مرتبة. لم تكن صورة المدرسة لتنسجم مع الدور المعطى للشارع ولا مع الهدف الذي جاء من أجله مالكوه وساكنوه. المكان يصلح لملاعب التنس والصالات الواسعة للحفلات، وما عدا ذلك فليس هذا الشارع مكانه ولا الصيف زمانه. كما غابت عن الشارع أماكن اللهو والمطاعم والملاهي والمقاهي. فمن يملك تلك القصور بحدائقها وملاعبها ووسائل الرياضة والترفيه فيها لا يحتاج إلى أماكن خارجيّة تؤمّن له ذلك إلاّ إذا كانت هذه الأماكن خارجيّة بالفعل، أي خارج حدود الشارع كبحمدون وصوفر وبيروت إذا لزم الأمر. 
     وكثيرًا ما تساءل النواطير لاحقًا عن هذا التواطؤ الضمنيّ بين مالكي هذا الشارع الذي حافظ على صورته ودوره ما داموا مقيمين فيه. وبعد رحيلهم الجماعيّ كأسراب الطيور لم يلتفت أحد منهم ليرى ما الذي حلّ بهذا الشارع أو بهؤلاء الناس الذين استمرّوا في التعريف عن أمكنة سكنهم كأنّ شيئًا لم يتغيّر مع أنّ الأشياء كلّها تغيّرت. والسؤال الذي لم يتوقّف النواطير عن طرحه هو: كيف عرف أصحاب تلك القصور وكلّهم من المتعاطين بالشأن العامّ المصير الذي كتب لشارعهم وللبنان؟ وإلاّ فلماذا باعوا ممتلكاتهم وهم لا يحتاجون إلى الأموال؟
     لا يعرف النواطير طبعًا الأسرار كلّها. وتساؤلاتهم قد تصل أحيانًا إلى حدّ المبالغة اعتقادًا منهم بأنّ أسياد تلك القصور يملكون كلّ شيء ويعرفون كلّ شيء. كما تلامس أفكارهم حدود السذاجة لأنّهم يصدّقون أنّ الأغنياء يبيعون لأنّ الأحوال تبدّلت، ورغبة في مزيد من الربح، ولا يصدّق النواطير أنّ اصحاب القصور يبيعونها من دون أن يتسبّب لهم انتقال الملكيّة إلى شخص آخر بمشكلة عاطفيّة أو بإزمة ضميريّة.


أسماء ووجوه

     يتذكّر النواطير أنّ أوّل قصر بيع هو قصر الشيخ بشارة الخوري وقد اشتراه الأمير الكويتي الشيخ عبدالله مبارك الصباح. ولأنّ طبيعة الحياة العربيّة الصاخبة لا تنسجم مع طبيعة الحياة في القصور المجاورة، يتابع النواطير، باع ميشال شيحا وسامي شقير أيضًا قصريهما من الأمير الكويتيّ، واشترى الشيخ خليفة بن عيسى منزل آل تامر. وكنّا ذكرنا أنّ الشيخ أحمد بن علي آل ثاني اشترى قصر آل كتّانة، وهكذا توالت عمليّات البيع: اللبنانيّون يبيعون والعرب يشترون. وكان من الطبيعيّ أن تتغيّر طبيعة الحياة في الشارع وتختلف هويّة الضيوف والفنّانين الزائرين. الأسماء كثيرة يستعيدها النواطير الذين انتقلوا مع انتقال الملكيّة من شخص إلا آخر. ويخشى السامع أن يختلط الوهم بالحقيقة أو أن تختلط الوجوه بالأسماء وبالقصور والمناسبات. ولكنّ النواطير يؤكّدون أنّهم يعرفون حكاية الفنّانة صباح مع الأمير عبدالله مبارك ويذكرون مرافقتها اللبنانيّة التي سافرت معها إلى الكويت، والتفاصيل التي أخبرتهم بها عند عودتها. ويتذكّر النواطير أنّهم شاهدوا سامية جمال وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومريم فخر الدين وفهد بلاّن وطروب ومديحة كامل ونجيب حنكش ومحمّد عبد الوهاب. ويحاول بعضهم استعادة المزيد من أسماء الضيوف فتضيع الأسماء وتحضر الوجوه ويروح هؤلاء في عمليّة وصف لن توصل إلى نتيجة. فما يطلقونه من صفات على ممثّلة أو مطربة كانت مغمورة في ذلك الوقت وصارت مشهورة يصحّ على كثيرات. وذاك المطرب الذي كان يحمل عوده باستمرار ليس من السهل تحديد هويّته، والطريف أنّ هؤلاء النواطير المراقبين لا يحفظون أسماء شعراء أو مفكّرين أو فنّانين غير عرب أو سياسيّين غير لبنانيّين من الذين كانوا يُدعون لزيارة القصور زمن عهدها اللبنانيّ وقضاء بضعة أيّام في ضيافة أصحابها. وإذا كان الأمر مفهومًا ومتوقّعًا نظرًا إلى غربة النواطير الثقافيّة عن هذه الأجواء الراقية فكريًّا والبعيدة تمامًا عمّا يشغلهم ويعنيهم، فمن المثير أن نعرف أنّهم متى التصقت بذاكرتهم حادثة طريفة أو حكاية أريد لها أن تكون سريّة يندفعون إلى حفظها وتناقلها من أوّل الشارع حتّى آخره. ولذلك فإنّ ما يجري في الصيف يبقى محفوظًا بعناية لسهرات الشتاء الطويلة. وكم استعيدت هذه الأخبار خلال الحروب وبعد التهجير حتّى حفظها الأبناء والأحفاد شاهدة على مرحلة مميّزة من تاريخ الجبل ولبنان.


بين العود والبيانو

     كان النواطير إذًا يراقبون كلّ ما يجري ولا يعرفون إن كان عليهم أن يحفظوه في ذاكرتهم. ولكن كيف كان لهم أن يتغاضوا عن الأجواء المفعمة بروائح العطور التي كانت مميّزة وصارت مع الوقت قويّة وعنيفة؟ وهل كان في إمكانهم ألاّ ينتبهوا إلى الحفلات الصاخبة تستمرّ حتّى الصباح مع ما يرافقها من حالات سكر أحيانًا وما تستتبعه من مشاكل؟
     كانوا يراقبون ويخافون في الوقت نفسه، ولكنّه الخوف الذي لا يستدعي الهرب بل المزيد من المراقبة كمن يراقب عاشقين في لحظاتهما الحميمة ولا يستطيع أن يحوّل ناظريه عنهما مع علمه بأنّ ما يفعله ليس من حقّه. ولذلك كان النواطير يرسلون أولادهم إلى قراهم البعيدة كي يبقوا بمعزل عن هذه الأجواء المختلفة عمّا يعرفونه. 
     ويتحدّث النواطير عن التغيير الذي أصاب الشارع بعد عمليّات البيع معترفين بأن لا شيء بقي كما كان: رائحة العطر صارت أقوى، والملابس صارت أكثر ألوانًا، وانتشرت روائح التوابل من أصناف الطعام العربيّة يتذوّقونها بعد الأصناف الأجنبيّة السابقة، واحتلّ صوت العود آذانهم طاردًا منها صوت البيانو. وكانت الأميرات العربيّات يختلفن اختلافًا كبيرًا عن سيّدات المجتمع اللبنانيّ بعاداتهنّ وطلباتهنّ وأذواقهنّ، والأمراء كانوا ربّما أكثر كرمًا من اللبنانيّين، ولكن بقي في النواطير الذين عاصروا عهدين من المالكين ما يذكّرهم دائمًا بأنّ في هذا القصر أو ذاك ما لم يستطع أن يرحل مع رحيل أصحابه.

عن صفحة عاليه بالبال على الفيسبوك

انقلاب الزمن

     قبل ثورة 1958 عاش الشارع مرحلة العزّ والترف، وخلال الثورة توقّفت فيه الحركة ثمّ عادت وانطلقت بعد عام 1960 واستمرّت حتّى عام 1966. ولكنّ حرب 1967 تركت أثرًا مباشرًا على الشارع وخفّت فيه عجقة المصطافين وحفلات الساهرين. بقي الأمر على هذه الحال مترافقًا مع تغيير في الهويّة حتّى بداية الحرب اللبنانيّة وامتناع اصحاب القصور الجدد عن المجيء إلى لبنان. وخلال الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت لجأ كثيرون إلى عاليه وأقاموا في هذه المنازل الكبيرة الفارغة التي تركها أصحابها. وخلال "حرب الجبل" خلا الشارع، الذي بقي يحمل اسم الرئيس بشارة الخوري، من النواطير المسيحيّين الذين هرب أكثرهم وهم يحملون مفاتيح قصور ليست لهم ويشعرون بالذنب لأنّهم تركوا خلفهم أمانة لم يستطيعوا الحفاظ عليها سليمة. أمّا عميدهم وأكبرهم سنًّا فقتل على بوّابة كنيسة سيّدة البشارة لأنّه لم يصدّق خبريّة الحرب والتهجير.
     وفي غياب النواطير احتُلّت القصور ونُهبت محتوياتها، وأقامت عائلات كثيرة في قصر كان يضيق على طموح أصحابه وأحلامهم. في المقابل، بقي أبناء النواطير الدروز أمناء على وظيفة ما زالت تؤمّن المسكن على الأقلّ وإن كانت تلك القصور عتقت وتآكلتها الأيّام كما أنهكهها الإهمال وشوّهتها الحروب. وفي المساحات الخضراء التي كانت تفصل بين قصر وآخر ارتفعت على جانبي الشارع أبنية جديدة تشبه ما يجري في هذا البلد وتختلف اختلافًا جذريًّا عن ماض مشبع بالأريستقراطيّة حتّى الثمالة وبرائحة البترول حتّى الاحتراق.
     أبو سليم وأسعد وعزيز وميشال وسعدالله وسليم والياس وشبلي وديب وحسين وعبد الكريم ومفيد وأبو قاسم وسواهم، رجال شهدوا على لحظة لقاء المدينة بالقرية وراقبوا كيف انتقل لبنان من أريستقراطيّة المفكّرين المؤسّسين ذوي الأناقة الباريسيّة إلى ترف الأمراء بالعباءات العربيّة، واتّعظوا حين شاهدوا قصص الحبّ تجرحها الخيانة، واكتشفوا كيف تزول الصداقات مع زوال الثروة، وكيف تقام حفلات الزواج تعويضًا عن مجد ضائع، وتعلّموا كيف تشوّه الحروب انتماءات الناس تبعًا للمصالح والأهواء. 
     لقد أصاب شارع الشيخ بشارة الخوري ما أصاب كلّ شيء آخر في لبنان: تجاور فيه القديم ذو التاريخ أيًّا تكن صفات عهوده مع الحديث المستحيل المتهوّر أيًّا تكن مبرّرات وجوده. وفي خضّم هذه العجقة الهوجاء ثمّة أطياف لرجال بملابسهم التقليديّة القديمة يعبرون الشارع وينظرون بحنان إلى شجرات زرعوها، وإلى حيطان رفعوها، وإلى منازل حرسوها. ربّما كانت قصورًا بالنسبة إلى سواهم، ولكنّها ستبقى بالنسبة إليهم / هم الذين يعرفون خبايا زواياها ومآسي سكّانها رغم الترف والجاه/ أماكن جاؤوا إليها هربًا من الفقر فخافوا فيها على أبنائهم ممّا يفعله المال.


ليست هناك تعليقات: