الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 31 أكتوبر 2014

باردٌ...هواءُ تشرين الأوّل (أشبهكَ كدمعتين - 2014)


1 تشرين الأوّل 2014
منتصف الليل بتوقيت القلب (1)
أنتَ على صفحتكَ 
وأنا على صفحتي
ألا يمكن لصفحتين أن يكوّنا سريرًا؟

***
لا أحتمل حبًّا بلا مشاكسة ونقاش ...
الحبّ الهادئ يشبه الحلوى الذائبة...

***
7 تشرين الأوّل 2014
سأحذف كلّ اللايكات عن صفحتك 
لأعيد قراءتك 
لأستعيد دهشة الإعجاب الأولى
لأنعديَ منك شعرًا
لأعيّد معك عيد ميلادنا

***
11 تشرين الأوّل 2014
العمر بيخلص والحبّ ما بيخلص

***
17 تشرين الأوّل 2014
سامح الله من يتّهمني بأنّني أنتظر رجلًا كاملَ الصفات
أبدًا، 
أنا أقبلُ بنصفِ رجل...
نعم، نصفِ رجلٍ ونصفَ إله...

***
20 تشرين الأوّل 2014
قصائد الوداع التي تكتب في هدأة هذا الليل
لن يمحوها النهار ...


الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

المسيحيّون اللبنانيّون بعد أربعين عامًا على حرب 1975

وادي قنّوبين

     حين انطلقت شرارة الحرب الأهليّة عام 1975، قيل إنّ فوفو ونونو (في إشارة إلى أنّ الشابّ المسيحيّ مدلّل غنّوج) لن يقفا في وجه الفلسطينيّين والأحزاب الوطنيّة... لكنّ فوفو ونونو فاجأا العالم، وجعلا الحربَ تطول، والمسيحيّين يصمدون.
     لكنْ... لكن في تلك المرحلة لم تكن الأركيلةُ سيّدةَ الساحات، ولم تكن المساعِداتُ الأسيويّاتُ يجمعن الغسيل الوسخ عن الأرض، ولم تكن المخدّراتُ مخدّاتِ الأحلام السعيدة وصولًا إلى الموت السريع، ولم يكن الشذوذ الجنسيّ موضة، ولم تكن النكات السمجة والبذيئة آخرَ صيحة في عالم الحوار وعِلم الكلام، ولم تكنِ الأمّهاتُ رائداتِ نوادي الرياضة والتدليك...
     في تلك المرحلة،
     قبل جينز البطريرك الراعي، وأغنيات الأب فادي تابت، وفضائح الرهبان الجنسيّة والماليّة، كان نسك الأودية والقمم ينجبُ ثورةَ المطران الأحمر غريغوار حدّاد وفلسفة المستقيم الرأي شارل مالك وفكرَ العالِم يواكيم مبارك وشعرَ اللاهوتيّ ميشال الحايك... وقداسة الشهداء.
     في تلك المرحلة،
     قبل إطلالات ميشال الحايك ومايك فغالي وليلى عبد اللطيف ومازن مكتبي وديمة صادق ومريم نور وتيتا لطيفة وأرزة الشدياق وماريو باسيل وجو معلوف وفادي وكارين ومايا دياب ومريم كلينك عبر شاشات محسوبة على المسيحيّين، كانت برامج فؤاد افرام البستاني وإيلي صليبي وعادل مالك وجان فيّاض وجان كلود بولس وكميل منسّى ورياض شرارة ونجيب حنكش وميشال معيكي ومي منسّى وشارلوت وازن الخوري وجاندارك فيّاض ونهى الخطيب سعادة وكابي لطيف، تؤنسُ ليلَ الناس وتنيرُ عقولهم...
     في تلك المرحلة،
     قبل "جسد" جمانة حدّاد (العلمانيّة الملحدة) كان (ت) هناك "شعر" أنسي الحاج (عاشق القدّيسة ريتا ومترجم نشيد الأناشيد) ويوسف الخال (مترجم الكتاب المقدّس)، وقبل متسوّلي شارع الحمرا كان هناك صحافيّون حوّلوا المقاهي منابرَ، وشعراءُ حوّلوا الأرصفة قصائدَ، وقبل حجابٍ يُخفي الوجوه كانت تنّورة "الميني جوب" تكشف الساقين ...
     في تلك المرحلة،
     قبل جبران باسيل وستريدا جعجع وميشال فرعون ونقولا فتّوش، كان الأخوان رحباني وزكي ناصيف ووليد غلمية وروميو لحّود يبنون لنا وطنًا شامخًا، ذكيًّا، عفيفًا، هادئًا،...
     في تلك المرحلة،
     قبل أن يصيرَ خروجُ التلامذة للنزهة تحت الأشجار نشاطًا تربويًّا تفتخر المدرسة بإنجازه، كان المسيحيّون يتبادلون قصص التدريس تحت سنديانات عتيقة تنشر فيئَها على كنائسَ تحضن العِلم... وكنّا مقتنعين بأنّنا معلّمو معلّمي العالم، كما أقنعنا أنطون سعادة وسعيد عقل، لا تلامذة أغبياء أمام مفتّش تربويّ من أميركا (أميركا نفسِها التي تفتّت بلادنا) أو فرنسا (فرنسا نفسِها التي استعمرتنا) نرجوه كي يزور مدارسَنا، ليعلّمنا كيف نعلّم...
     في تلك المرحلة،
     قبل أن يأسرَ المسيحيّون أنفسَهم بين نفقَي نهر الكلب وشكّا، كانت بعلبّك قِبلة مهرجاناتٍ أنشأتها السيّدة الأولى زلفا شمعون، وكانت صيدا حكايةً من حكايات سعيد عقل، وكانت صورُ أميرةُ البحار جرنَ معموديّةٍ خرجت منه أليسار، وكانت طرابلس عاصمةَ الشمال حيث القلب، لا عاصفةً تحمل غبارَ التعصّب وتذروه في عيون الإنسانيّة...
     في تلك المرحلة،
     وقبل أرحامٍ على صورة سوبرماركت أطفال، كانتِ النساء يُنجبن رجالًا وأخواتِ رجال، وقبل أثداءَ تشرئبُّ بالسيليكون، كانت الصدور تدرّ حليبًا صافيًا، وقبل رؤوس محشوّة بسخافات التلفزيون وترّهات التحاليل السياسيّة عبر تويتر وواتس آب، كانت العقولُ تحلّق بحثًا عن المعرفة...
     في تلك المرحلة، كان فوفو ونونو وأترابُهما أطفالًا عندهم جدّاتٌ يُحكنَ الكنزات ويحكين القصص لا جدّاتٌ مدمنات فيسبوك، وكان عندهم أجدادٌ يزرعون الوعر، لا أجدادٌ يزرعون الطرقاتِ جيئة وذهابًا من الضجر، وكان عندهم آباء وأمّهات يجلسون قربهم عند الصلاة والدرس لا آباء وأمّهات غارقون في قضايا الخيانة والطلاق وتحديد نسب كلّ ولد من الأولاد...
     في تلك المرحلة، فاجأ فوفو ونونو العالم بصمودِهما...
    أمّا اليوم، فرجاءً لا تضعوا في رأسيهما أنّ الحربَ لعبةٌ سهلة، وأنّ البندقيّةَ خفيفةُ الحمل، وأنّ لبنانَ وطنُ الرسالة، بل حمِّلوهما جوازَي سفر (الشهادة المدرسيّة والجامعيّة أمر بسيط)، ليرحلا إلى بلد آمن، أو على الأقل أقنعوهما بأنّ هذا الوطن لا يشبه في شيء ما كان عليه منذ أربعين عامًا... وأنّنا - ما لم نُطلقْ ثورة روحيّة تربويّة اجتماعيّة فكريّة ثقافيّة -  لن "نبقى هون مهما العالم قالوا"... وأنّ لبنان مش "راجع يتعمّر" على قياس لبنانَ أجدادهم، وأنّ الوقوف على أطلالِ "مجد لبنان أعطي له" يتطلّبُ رِجلين ثابتتين على أرض صلبة... لا جناحَي طائرة تحمل الراعي وخرافَه بعيدًا عن مزارات شربل ورفقا والحرديني... ومتاحفِ جبران ونعيمة والريحاني... وأرزات بشرّي وجاج الباروك...

الاثنين، 27 أكتوبر 2014

إلى شهيد صار الليلة شاهدًا...


النقيب الشهيد جهاد الهبر



من أجلكَ كتبَ عاصي الرحباني على لسانِ ابنتِك التي لن تتزوّجَ لتنجبَها: بيي راح مع هالعسكر... راح وبكّر     
من أجلكَ غنّتْ فيروز: نايم ع تلّة بتضلّ تصلّي ومغطّى بعلم لبنان     
من أجلكَ هتفتْ صباح: محبوبي جندي بالجيش     
من أجلكَ صدحَ وديع الصافي: يا بني بلادك دمك عطيها         
ومن أجلك يبكي اللهُ الليلةَ، فتقولُ حبّةُ الترابِ في أرضِنا لأختِها:
فلنشربْ دمعَ إلهِنا المسكوبَ حزنًا، ولنحوّلْه أنهارًا وينابيعَ ترنّمُ ليلَ نهارَ اسمَ من سينامَ بيننا إلى الأ
***
قالتْ أمُّك لمريمَ العذراء: اغسلي جراحَه بالنيابةِ عنّي، ولا تتركيه يجوع...
قال أبوك ليسوعَ: هو أخوك الصغير، لن أعاتبَك لأنّك تركته يواجهُ موتَه وحيدًا كما حصل معكَ... لكنّي أطلب منك الآن أن ترعاه في انتظارِ أن أنضمَّ إليه!
فقالتْ مريمُ لابنها: لا تلُم نفسَك، يعرفون في قرارة نفوسهم أنّ العملَ كثيرٌ والذين يساعدونك قليلون...
***
الرصاصةُ التي أصابتك خجِلةٌ من دمك، الأرضُ التي عانقت وقوعَك خجِلةٌ من عينيك، الأرزُ الذي سمع شهقتَك الأخيرةَ خجِلٌ من وجعِك، لبنان الذي يخاف أن يصرعَه الخنزير مرّة جديدة خجِلٌ من عزمك... 
إلى متى سيحيا هذا الوطن على دماءِ من يشبُهك شجاعةً وعشقًا؟ 
***
لم تعدْ بلدتُك، يا صغيري، اسمًا مجهولًا على خريطة صغيرة... صار لها مَزارٌ اسمُه مدفنُك... ولن يكونَ أهلُ بلدتِك اليومَ مجرّدَ أناسٍ يستيقظون للعمل وينامون من شدّة التعب... باتوا أهلَ الشهيد، وأقرباءَ البطل، ورفاقَ الشاب الشجاع... كلّهم صاروا أمَّك وأباك وإخوتَك... يبكون... كما يبكي الله: عجزًا وغضبًا وحزنًا وألمًا وخوفًا... وصرتَ إنت الحكاية... يحملها المهاجرُ معه، ويخبّئها المقيمُ في صدره، ويرويها جرسُ الكنيسةِ كلّما وُجِدَ ساعِدٌ يشدّ الحبل، لتسمعَ التلّاتُ القريبة أنّ شابًا التحقَ بالجيش شهيدًا... وحين قتلوه صار شاهدًا على خوفِنا وتخاذلِنا وصمتِنا وخجلِنا... وعلى الغدر والتعصّب والجهل والحقد... حين قتلوه عادَ إلينا ميتًا ليوقظَنا من موتِنا.



الأحد، 5 أكتوبر 2014

الإعلاميّة كابي لطيف تستضيفني عبر أثير مونت كارلو


رابط المقابلة عبر مونت كارلو

http://mc-d.co/1xsINP6

غياب المعلّمين عن الصفوف: حاجة أم ترف؟


     لا نستطيع أن نفصل التربية عن المجتمع، وليس من المنطقيّ أن نطلب الشيء وعكسه من الناس، وخصوصًا حيث يتمّ تعليم المنطق، أي المدرسة.
     ففي مجتمعنا اللبنانيّ مثلًا، وهو نموذج عن المجتمعات العربيّة، ولو مع بعض الاختلافات، يُطلب منّا، خصوصًا في المدارس الملتزمة دينيًّا، أن نعلّم احترام العائلة، ومواساة المحزون، وعيادة المريض، وإنجاب الأولاد ورعايتهم. لكن إن حدث وتغيّب معلّم أو معلّمة عن الصفّ لأحد هذه الأسباب، تقوم القيامة وينسى الجميع تعاليم الإنجيل والقرآن، ويصير ضبط الصفّ هو الهدف الأسمى ( لا التعليم ولا التربية، بل ضبط الصفّ بأيّ ثمن).
     لا يغيب عن بالي وأنا أكتب هذه الأسطر أنّ هناك من يدّعي المرض، ومن يميت أقرباءه، أي من يستغلّ ذلك للتهرّب من العمل. لكن، كم يمكن أن يدوم ذلك ويتكرّر مع الشخص نفسه، وبالتالي من السهل كشف الكذب والخداع، خصوصًا أنّ مجتمعنا ضيّق ولا تخفى شاردة ولا واردة.
     
     تبقى مسألة مرض المعلّمين، وهي ذات وجهين: التوعّك الفجائيّ، والمرض الطويل الأمد.

في الحالة الأولى، يجب أن تحسن المدرسة تحضير برنامج طوارئ مفيد وناجع ولا يربك سير الأمور. وهنا يمكن الاستفادة من أنشطة في المكتبة والمسرح والملعب لا ترتبط بمحور أو درس أو لغة، بل تتناول كلّ ما له طابع الثقافة المتنوّعة، كالسينما والتلفزيون والموسيقى والأغنيات والمباريات، بل ما الذي يمنع من تخصيص غرفة للرقص، نعم للرقص الحرّ، فليرقص التلامذة المتخشّبون وليحرّكوا أجسادهم ولينفّثوا عمّا في داخلهم، مهما كان نوعه. وهذا يتطلّب إعداد القيّمين على المسرح والمكتبة والنظّار، ليحسنوا ضبط الأمور وإدارة الصفّ، فلا يحدث التلامذة ضوضاء تزعج الصفوف الأخرى، وفي الوقت نفسه، يستفاد من غياب المعلّم أو المعلّمة، لتعويض نقص ثقافيّ، فضلًا عن إمكان تمرير دروس شفويّة في التهذيب واللياقة وحسن التصرّف... المهمّ ألّا تكون وظيفة الناظر بوليسيّة تقضي بالمراقبة والتأنيب ورفع التقارير وإنزال العقوبات... فالتربية شأن جماعيّ يبدأ من مدخل المدرسة إلى كلّ زاوية من حرمها.
في الحالة الثانية، أي عند الغياب الناتج عن مرض قد يتطلّب التعافي منه وقتًا طويلاً،  لا بدّ من اتّخاذ إجراء آخر طبعًا، يقضي بتعيين بديل فوريّ. وهناك قوانين تضبط هذا الأمر تختلف بين مدرسة وأخرى وبلد وآخر، وهذا ليس موضوعي الآن.
خبرتي في المدارس جعلتني شاهدة على مواقف سخيفة، تبدو فيها الإدارة عاجزة أمام غياب شخص واحد، وليوم واحد، عن جعل حصص التعليم ذات فائدة... فتضطرّب الأمور، ويختلط الحابل بالنابل، ويعلو الصراخ، وتتوالى الاتصالات الهاتفيّة: يا إلهي! فلانة غائبة! ماذا نفعل؟ كيف نتصرّف؟ ماذا سيقول الأهل؟ ماذا نفعل بالأولاد؟ ماذا نعلّمهم؟
     ماذا نعلّمهم؟ ماذا نعلّمهم؟
    يا جماعة التربية! هؤلاء الأولاد يحتاجون إلى كثير من المعارف والمعلومات وطرائق التفكير والتحليل، والتعليم لا ينتهي. فكيف لا يجد شخص بالغ، مربٍّ، ما يقوله لأطفال أو مراهقين، خلال خمسين دقيقة أو مئة دقيقة؟ أو حتّى ما يفعله معهم؟ 
     تنظيف الصفّ وترتيبه...
     تزيين الألواح الجداريّة...
    المجتهدون يساعدون الأقلّ مستوى منهم...
    الرسم....
    عرض مواهبهم الغنائيّة والتمثيليّة...
    زيارة الحديقة...

    غياب المعلّمين حاجة تفرضها ظروف المرض (مرضهم أو مرض أي فرد من أفراد العائلة)، أو الموت وتقبّل التعازي... وإن لم نسمح للمعلّم بأن يكون إلى جانب عائلته وأهله فلن يكون إلى جانب أولاد الآخرين...
     هل يكثر أحدهم من الغياب من دون عذر؟ فتّشوا عن علاقته بالإدارة، أو افرضوا غرامة ماليّة على كل يوم غياب غير مبرّر... لكن حرام أن نظلم الجميع، وعيب أن يبدو غياب معلّمة أو معلّم كارثة تربويّة لا أحد يعرف كيف يواجهها.
     على فكرة، لا شيء يمنع المدراء والمسؤولين والموظّفين ورؤساء الأقسام من المساعدة، وذلك قبل أن تُطلب المساعدة من الأهالي المتطوّعين، وهي فكرة لها محاذيرها في مجتمعنا، حيث أنّ بعض الأهل يحتاجون هم أنفسهم إلى تربية...

السبت، 4 أكتوبر 2014

الدروس الخصوصيّة بين استقالة الأهل ومصلحة المعلّم


1- يُقال: إنّ التلميذ لا يصغي في الصفّ ويحتاج إلى دروس إضافيّة بعد الظهر!
     أمّا أنا فأقول: التلميذ أذكى من أن يعاقب نفسه بمدرسة قبل الظهر وبالدرس مع معلّمين بعد الظهر، فيخسر بذلك يومه كلّه، ولا يجد الوقت ليرتاح أو يلعب أو يمارس هواياته مع أصدقائه.
     وهو يلهو في الصفّ لأنّ الدرس أضجره أو أتعبه أو لم يجد فيه ما يعنيه أو أنّه يعاني من صعوبات تعلّمية لا تُحلّ بدروس إضافيّة. وما دامت الإدارة لا تحاسب والأهل لا يسألون، فلماذا لا يكون التعليم الخصوصيّ وسيلة رزق شريفة ومشروعة ولا يعاقب عليها القانون؟

2- يُقال: إنّ الأهل لا يجيدون تدريس هذه المادة أو تلك، لذلك يجب الاستعانة بمدرّس خصوصي!
     أمّا أنا فأقول: حين كانت الأميّة منتشرة بين الأهل، كانت الحكمة والمحبّة تجتمعان لتعوّضا على الأولاد ما نَقُص عند أهلهم. وكم سمعنا عن أمّهات أميّات جلسن قرب أولادهنّ، عند المذاكرة، وتظاهرن بأنّهن يعرفن الدروس واللغات، وكان الأولاد يصدّقون ادّعاءات الأمّهات ويدرسون...
     لكنّ أمّهات اليوم (طبعًا الآباء مشغولون)، وفي غياب المحبّة الذكيّة بالفطرة، والحكمة التي ترذل الأنانيّة، يُجدن لغات كثيرة إلّا لغة التربية، ويحملن شهادات كثيرة خلا شهادة الأمومة (لا الولادة)... فلماذا لا يطلبن مساعدة معلّم (قد) تسقط منه سهوًا أجوبة الامتحانات أثناء المراجعة؟

3- يُقال: إنّ الدروس والفروض المنزليّة واجبات لا غنى عنها!
     أمّا أنا فأقول: إنّ التلميذ لا يمكن أن يحتمل أكثر من حصص المدرسة، ومتّى علّمناه طريقة التفكير، انتفت الحاجة إلى دروس بيتيّة... يكفي أن نثير حشريّة التلميذ للمعرفة، وأن نقدّم له مادّة يعرف أهميّتها في حياته ودورها في مستقبله، وأن نجعل التعليم متعة وفائدة، وأن نعوّده على البحث والمطالعة، حتّى تكون المدرسة قد أدّت دورها. أمّا بعد الظهر فللعائلة واللعب والرياضة والفنون والراحة... سبع حصص تكفي وتزيد... ولا داعي لحمل حقيبة تقطع الظهر من البيت وإليه...

4- يُقال: إنّ التلميذ يعاني من صعوبات تعلّمية ويجب تحويله إلى قسم خاصّ!
     أمّا أنا فأقول: كلّ تلميذ حالة خاصّة، أكان مقصّرًا في دروسه أو متفوّقًا فيها... فالمجتهد أيضًا يتعب ويضجر... وليراقب المعلّمون أنفسهم حين يكونون في ورش العمل كيف يضجرون ويتعبون ويتثاءبون وينعسون وينامون... فكيف يكون حال تلامذة في مرحلة نموّهم الجسديّ وهم يجلسون لسبع حصص على الأقلّ على مقاعد خشبيّة تُيبّس أجسادهم الطريّة وتجمّد عقولهم الطفلة؟
     فهل يُعقل أن يكون نصف الصفّ من ذوي الحالات الخاصّة (مشكلات عائليّة وعقد نفسيّة...) والنصف الثاني من ذوي الحالات الخاصّة الأخرى (أولاد معلّمين ومسؤولين وأهل نافذين...)؟

5- يُقال: إنّ التعليم رسالة والمعلّم رسول عليه أن يضّحي بوقته وصحّته ويصبر على المتعلّمين!
     أمّا أنا فأقول: التعليم رسالة ورُسُلُها معلّمون وإداريّون وأهل... فلماذا على المعلّم وحده أن يضّحي؟؟؟ الأهل مستقيلون في أغلب الأوقات، ويتركون مسؤولية أولادهم على المدرسة قبل الظهر وعلى "الخادمات" ومعلّمي الدروس الخصوصيّة بعد الظهر... وإدارات المدارس، خلا بعض الاستثناءات، لا تُسلَّم لمربّين بل لمؤتمَنين ماليّين، عليهم تحقيق الأرباح الماديّة، لذلك يعاملون الأهل وأولادهم كزبائن. فلماذا يرفض المعلّم عروضًا مغرية للتعليم، علمًا أنّ الأهالي يهرعون إلى من يطلب السعر الأعلى والأغلى على اعتبار أنّه لا بدّ أكثر براعة من سواه؟

     في النتيجة، بين مصلحة المعلّم واستقالة الأهل وغياب المراقبة الإداريّة الخبيرة والصارمة... صار الطالب اللبنانيّ طالب قُرب الوزير وواسطة المدير، وخود يا بلد ع تعتير...
لفت انتباه:
       قبل أن أستلم مهمّة تنسيق الدورس، وحين كنت معلّمة، طلبت منّي والدة أحد التلامذة أن أساعده في دروسه، وتدفع لي ما أريد. استدعيت ابنها، وفي حضورها، اتفقت معه على أن يدرس وحده بعد الظهر المدّة التي يجب أن أكون في رفقته، على أن يأخذ هو قيمة الأجر الذي عرضته عليّ الوالدة، ويقدّم لي في اليوم التالي في الصفّ دفتر أعمال البيت وكيف درس... وافق التلميذ على أن يحاول أمام ذهول أمِّه من الخطّة التي وافقت عليها مرغمة. 
     نجحت الخطّة، درس التلميذ وحده، قبض المبلغ من أمّه، ونجح في آخر السنة.
     في السنة التالية، درس وحده، ولم يكن ثمّة أجر، لأنّه اعتاد الدرس ولم يعد يخشاه... صار يعرف كيف يدرس...
    

الخميس، 2 أكتوبر 2014

لارا أبو شقرا قشّوع: تلميذتي التي علّمتني




      حين أكتب عن نجاحات تلامذتي السابقين، ثمّ عن أفراحهم بالزواج والأولاد، أهتف: يا إلهي! هل مرّ الوقت بهذه السرعة! لكنّي  حين أكتب عن رحيل أحدهم أشعر بالتقدّم بالعمر والعجز ... وأكاد، أكاد أشعر بما يشعر به أبوان يفقدان أولادهما واحدًا بعد الآخر...
      خلال أكثر من عشرين عامًا من العمل التربويّ تحت أصوات القذائف ورماد الحرائق، وبين رصاصة وأخرى، فقدت عددًا من التلامذة، بسبب المرض أو حوادث السير أو الإصابة في الحرب أو الانتحار... ودائمًا شعرت بالتقصير كأنْ كان في إمكاني أن أقول كلمة تغيّر مجرى حيوات كثيرة شهدت على يناعة عمرها وهشاشة صمودها...
     واليوم وأنا أكتب عن رحيل لارا، الدكتورة لارا، الهادئة اللطيفة، وحيدة والديها، والدة طفليها، أكتب عن رحيل عمر وزمن ومرحلة وابتسامة...
     كانت لارا مع أترابها الزملاء من أوائل التلامذة الذين نسجت معهم، بسبب عمريَ الفتيّ، عهدذاك، علاقة فيها الكثير من جديّة التعليم ولكن فيها الكثير من الأحلام والمشاريع والمخطّطات والرحلات... لذلك بقي كثيرون منهم أصدقاء حتّى اليوم، وإن أبعدتهم ظروف البلد إلى خارج البلد...
     كانت الحرب قائمة، حين اصطحبت لارا وزملائها إلى مهرجان الكتاب في إنطلياس، وكان ذلك يوم عيد المعلّم... وكانت المفاجأة أنّ تلامذتي أهدوني مجموعة أنسي الحاج التي صدرت عامذاك "كلمات كلمات كمات"، لأنّهم يعرفون أنّني أحبّ أدبه، ولأنّني كنت أضع نصوصه بين أيديهم ليعملوا فيها دراسة وتحليلًا...
     وكلمات أنسي الحاج التي تزيّن مكتبتي حتّى الآن بالإهداء اللطيف والجميل، تعيد تذكيري بما كنت أردّده لتلامذتي دومًا: نقرأ لنحيا، ونكتب لنبقى...
     ولارا التي انضمّت البارحة إلى عالم أنسي الحاج، باقية مع كلماته في بالي وقلبي... وكنت، مذ عرفت بصراعها مع المرض، تابعت أخبارها من بعيد، بواسطة أصدقائها، عازفة عن محاولة سؤالها أو سؤال والدتها "جاين" التي كانت زميلتي في التعليم، عن تلك المعركة الرهيبة التي تخوضها الطبيبة اللامعة مع سرطان تعرف خبثه ولؤمه وكيف يجد وسائل ينتشر عبرها في الجسم.
     ولكن بقدر حزني على لارا ، أحزن لأنّ طفليها لن يتذكّرا كم كانت أمّهما هادئة ودائمة الابتسامة وذكيّة وشفّافة ومثقّفة، وأجزم بأنّ المرض لم يهزم شخصيّتها القويّة ولا روحها الأنيقة... وحزينة أكثر على ثكل والدة نذرت عمرها لوحيدتها، وعلى مرارة والد كان يتمنّى لو افتداها بعمره...
    اليوم شعرت بالعمر الذي مضى، شعرت بالموت يقترب تفجيرًا بالأطفال، وسرطانًا يقتات من خلايا الجسد، وقهرًا حين نكتشف هشاشة ما نحن فيه وعليه...
  ركض ركض ركض...  كلمات، كلمات، كلمات... نركض لنصير كلمة في قاموس المعنى، وننسى أن نعيش...
     لكنّ لارا عاشت وهذا ما أراه في ابتسامتها وهي تواجه المرض مسلّحة بالحبّ... وهذا ما تعلّمته منها بعدما صيّرتها الشجاعة على مواجهة الألم معلّمتي، بعدما كانت تلميذتي...