الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 29 يونيو 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (9)

مارك شاغال

81- المغامرة الحقيقيّة تنتظرك عند قفير النحل لا عند وكر النمل




Jack Vettriano


82- السلاح زينة الرجال العاجزين عن الحبّ ...
وكذلك حرق الدواليب وإطلاق بوق السيّارة والشتائم 
والمفرقعات الناريّة ومتابعة المباريات الرياضيّة ...

David Hokney

83- لماذا يقول الرجل لي دائمًا: أريد أن أنام معك؟
لماذا لا يريد أن يستيقظ معي؟


Kristamas Klousch


84- الكذب ملحٌ تضعه النساء على وليمة العشق ليطيب مذاق الرجل

Eugene Smith

85- جنوني هويّتي وهواي وهوايتي وهاويتي


ليليت

86- كيّ الثياب عمليّة شاقّة إلّا كيّ فستاني الذي جعلكه عشقك
كلّ تجعيدة فيه سطرٌ أعيد كتابة لقائنا عليه

Rick Wouters- 1912


87- نتناقش في أمور الفكر كعجوزين حكيمين
ونمارس الحبّ كمراهقين مشاغبين

الاثنين، 25 يونيو 2012

في ذلك الصيف! (النصّ الثالث والثلاثون من كتابي رسائل العبور - 2005)


Marc Chagall


كان صيف، وكان ليل، وكان مسرح ...
عندما دعاني إلى حضور تلك المسرحيّة الغنائيّة، في ليل المهرجانات التي "تنعجق" بها القرى والبلدات، في صيفٍ قدّر له أن يكون خاصًّا وعميق الأثرـ اكتشفت قمرًا ليس ككلّ الأقمار. كان البدر فوق خشبة المسرح بطلًا يعرف ماذا يريد أن يقول ولا يقول: ولكنّه تسمّر في مكانه أو هكذا خيّل إليّ، يراقبني وأراقبه، مبتسمين وعارفين وساكتين.
كان العمل المسرحيّ الآتي من عالم آخر يسعى جاهدًا لكي ينقلني إلى عالمه؛ وكنت متمسّكة بعالمي الجديد هذا، أكتشفه لا بل أتحسّسه وأسجّل لحظاته، كأنّي كنت أحدس بعدم ديمومته وباستعداده للزوال مع انتهاء الصيف. كانت رائحة عطره، والحركات العفويّة التي قد يقوم بها أيّ إنسان كان يمكن أن يجلس على هذا الكرسيّ، تحت هذا البدر، أمام هذا المسرح، بين هذه الحشود، كافية لجعل المشهد الذي أنا في قلبه شيئًا آخر لا أعرف كيف أصفه. ولكنّ العطر المتولّد منه، والحركة العفويّة التي يعبّر بواسطتها جسدُه عن ضيقه بالمكان، أو عن تفاعله مع ما كان يجري على الخشبة، أو عن تبرّمه من مشهد طويل وعاديّ، كلّها كانت مشاهد من نوع آخر، من فصل مسرحيّ دراميّ قدّر له أن يكون يتيمًا ووحيدًا وذا مشاهِدة واحدة هي أنا.
هو لم يكن يعرف بالطبع. هو لم يكن إلّا صاحب الدعوة التي أتت منتصف الصيف الذي سيكون عابرًا مهما طال. دعوة أثارت فيّ القلق والترقّب، كأنّي في امتحان أعرف صعوبة التفوّق فيه، إنّما لم يكن من الممكن عدم الخضوع له، عن رغبة أو عن تهيّب، ليس هذا هو السؤال، السؤال هو هل من الممكن ألّا أخضع نفسي التوّاقة إلى مثل هذه الليلة، لامتحان يثبت لي أوّلًا أنّني أستحقّ هذه الدعوة.
لم نكن وحيدين، ولكنّ ذلك لم يعنِ لي شيئًا. لم نكن اثنين خرجا في موعد، وهذا أيضًا ليس مهمًّا، المهمّ أنّني دُعيت ولبّيت الدعوة، والباقي ليس من شأن أحد، وليس من شأنه هو بالتأكيد.
ليلة المسرح: البلدة الصاخبة بالقادمين إليها لا يعنيها أن يكون الناس من المهتّمين فعلًا بالحركة المسرحيّة أو من الطارئين عليها. ما يعنيها هو أن تسجّل في ذاكرتها العميقة، لا حيث تسجّل الأحداث المهمّة التي لا يعرف التاريخ سواها، بل في العميق من الداخل الذي لا تطاله إلّا المشاعر العميقة والرغبات الصادقة، ما يعنيها هو أن تسجّل لقاءات مماثلة للذي عشتُه صيفذاك الذي لن يعود ولن أعرف ما يشبهه.
ليلة المسرح: والطرقات التي لا تلتقي بهذه الخيالات إلّا مرّة في السنة، لن يعنيها سوى أن يتجاور خيالان ويتداخل ظلّاهما إلى درجة الامّحاء واختفاء أحدهما في قلب الآخر. ولكنّها ستحفظ مرورنا وإن كان ظلّ كلّ منّا بقي بعيدًا عن الآخر، ستحفظ مرورنا فوق صفحتها وإن كان المرور الأخير في عرض لن يتكرّر.
كان كلّ شء مختلفًا. وجوه الناس في ليلة المسرح بدت أكثر إثارة، حتّى أولئك الذين جلسوا في المطاعم والمقاهي ينتظرون من يأكلونه قبل بدء العرض لم يزعجني وجودهم. بدا الأمر احتفاليًّا على نحو مثير. رائحة الطعام لم تبدُ في غير مكانها، وكذلك أصوات الباعة، وزمامير السيّارات المتسارعة للبحث عن موقف تركن إليه قبل سواها، بدا كلّ ذلك طبيعيًّا ويدهشني الآن كيف استعدتها كلّها مع أنّي كنت أعتقد ليلتذاك أنّي لا أنظر إلى شيء ولا أراقب أحدًا سواه. لكنّي أكتشف الآن أنّ المشهد كلّه كان على تكامل غريب حتّى أني كنت مضطرّة إلى التمسّك بكلّ تفاصيله وجزئيّاته، كأنّما غياب جزء منها تشويه كامل يطال اللوحة كلّها.

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

من كتابي "أحببتك فصرت الرسولة"


Ira Tsantekidou



ماذا أقول لرغبتي فيك حين تسألني عنك؟
وهي دائمةُ السؤال
كيف أشبع فضولَها
وأطفئ حاجتَها إلى معرفة أخبارك
على الأقلّ معرفة أخبارك
(أيّ حجّة)؟
بمَ ألهيها حين تثور فيّ وتتّهمني بالجبن والخجل والتردّد؟
رغبتي التي تعرفني منذ الطفولة
وأعرفها منذ اكتشفتُ وجودَها
قالت لي بالحرف الواحد:
ابحثي عنه
اهرعي إليه
ارتمي بين ذراعيه
وتوقّفي عن هذا الانتظار الأبله الذي لا يليق بك
لم أجبها
سكتّ لأترك لها حريّة الكلام
لعلّها تتابع أفعالَ أوامرها وتفضح ما أحلم به
ما أريد أن أفعله
ما أرغب مثلها في أن أفعلَه ولا أفعلُه ولا أترك لها الحريّة لتفعله
***
هذا الفعل/ هذا الانفعال/ هذا الاشتعال
هذا التوق للانصهار
هذه الرغبة المغرمة بعطشها وجوعها وحاجتها
كأنّها تخشى الامتلاء والاكتفاء فالانزواء
هذه الشهوة المقدّسة الشيطانة
التي تريد أن تريد
التي يعجبها أن تشتهي
التي يشعلها أن تُشتهى
التي تؤجّجها خشيتُها الانطفاء
التي ترتجف حين تصل
التي تحرق لحظة تحترق
التي تسيل لحظة تعطش
التي تغتسل بالضوء
التي تختبئ في العتمة
هذه الشهوة
هذه الرغبة
هذا التوق
هذا الاشتعال/ هذا الانفعال/ هذا الفعل



نصّ من مجموعة "أحببتك فصرت الرسولة" على موقع النشرة فنّ

Angelo Batti

اختار موقع النشرة فن، مشكورًا، وتحت عنوان أجمل ما قالوا:  نصّ "جسمكِ صار جسمي" ضمن باب أجمل ما قالوا وهذا هو الرابط

السبت، 16 يونيو 2012

عن الشعر والشعراء


Georgios Roilos (1867- 1928) - The Poets

1-  إذا فَسُدَ الشعراء فبمن ننقذ العالم؟

Alexandre Moffat


2-  أولاد جيرانك يشبهونك أيّها الشاعر أكثر ممّا تشبهك قصائدك!




3-   عزيزتي الشاعرة! 
     رتّبي بيتك أوّلًا قبل أن تحاولي إقناعي بأنّك شريكة الله في ترتيب العالم

Alfred Currier

                       4-  مذ عرفتك وأنا أتساءل عمّن يكتب لك قصائدك الجميلة



                         5-  يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لسواه ... في القصيدة فقط

Jean Cocteau by Romaine Brooks
 6- كيف يكون عند كاتبٍ ما أكثرُ من ألف صديق معجب على الفايسبوك ولا يبيع ألف نسخة من كتابه؟ 

الجمعة، 15 يونيو 2012

الكتابة بالسكّين


Alfredo Araujo Santo


1- العابر جبان مقتنع بأنّه شجاع، وأسير واثق من أنّه حرّ.
***
2- الإنسان
وعاء مملوء قيئًا وقيحًا وخراء وبولاً ومخاطًا وضراطًا وبلغمًا.
ومع ذلك يستطيع أن يحبّ ويصلي ويضحك ويبكي ويكتب الشعر ويعزف الموسيقى وينحت التماثيل ويرسم اللوحات. 
أمر يدعو إلى التأمّل والإعجاب والحبّ!
***
3- في لحظة ما أفكّر في أن
- أقلع كلّ أسناني وأضراسي
- أحلق شعر رأسي
- أستأصل ثدييّ
- أتخلّص من رحمي
لماذا؟
لأعيش طليقة.
***
Alfredo Araujo Santo

4- الصديق وقت الضيق، ضيقه هو ووقته هو وصداقتي أنا. هكذا علّمني صديقي العابر.
***
5- مجرّد فرق:
قال لي عنّي: أنت ذكيّة وعميقة التفكير وصاحبة أفكار وأحبّ رفقتك.
ثمّ قال لي عنها: أتعرفين؟ هذه هي الفتاة التي لو أردت الزواج لما تزوّجت إلّا منها.
***
6- الذي يداعب نفسه إنسان وحيد يظنّ أنّ يده كائن آخر يحبّه.
***
7- آثار الزمن
على حقائب اليد الجلديّة الأنيقة،
على أثاث المنزل الممتلئ حركة وبركة،
على وجه عانق الشمس واغتسل بالمطر،
على ظهر انحنى من العمل والعطاء،
على كتاب انتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل،
على كنزة صوفيّة حاكتها الجدّة،
على غطاء طاولة مبقّع من حفلة عرس،
على شعر أبيض يكلّل وجهًا تسكنه السكينة،
على كرسيّ عتيق مركون خلف الباب بعدما كان في شبابه يزيّن صدر الدار،
آثار الزمن هذه! لا تمحوها ولا تجدّدوها ولا تعالجوها ولا تخجلوا بها،
آثار الزمن هذه تعني أنّ الحياة مرّت من هنا.
***
Eric Fortune

8- لا يزالون يقتلون الفيلة ويصنعون من أنيابها فيلاً تذكاريّة.
لا يزالون يقطعون الأشجار الخضراء ويصنعون منها الورق ليرسم عليها الأطفال أشجارًا ويلوّنوها بأقلام خضراء.
لا يزالون يخطّطون لحروب بشعة تصلح للكتابة عنها ثمّ لتصويرها في أفلام جميلة.
إنّهم الناس.
***
9- أمر يدعو إلى التأمّل أن يكون الإنسان الذي أطلّ برأسه على الدنيا من ثقب ما بين مخرجَي نفايات الجسم متكبّرًا إلى هذا الحدّ! 


الأربعاء، 13 يونيو 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (8)


ميريل ستريب وروبيرت دو نيرو في فيلم
Falling In love



73- كفاية أنّك الغاية

***



74- لا يترك لي حزن الآخرين فرصة كي أجلس مع حزني
***

75- أبحث في تاريخي عن ابتسامة أشرقت بعدما اغتسلت بالدمع
***

76- عندما نلتقي بعد طول انتظار
لن أكون أنا أنا
ولن تكون أنت أنت
فلنرجُ أن يكون لنا حظّ بنيلوب وأوليس
فيعشق أحدنا الآخر من جديد
***

77- اليوم أيضًا قتلت قبل صياح الديك رجلَ البارحة
لأنّه لم يكن أنت
***

78- لو تمطر الآن فأجد حجّة كي أتصل بك لنتحدّث عن التغيّرات البيئيّة.
***

79- أعاد إليّ صديقي العابر هالة الإعجاب التي وضعتها حول رأسه منذ عرفته. قال إنّها صارت تزعجه وتقضّ مضجعه.
***

80- الرجل الذي أحبّه يحتاجني حين يكون مريضًا، فإن صلّيت كي لا يمرض توقّف عن الاتصال بي، وإن صلّيت كي يتصل بي بدوت كمن يتمنّى له المرض. من الأفضل إذًا أن أحبّ أحدًا سواه ليرتاح ضميري.

الثلاثاء، 12 يونيو 2012

الكتاب: سير لا يعرف الوصول


Vladimir Kusch


الكتاب رحلة فيها محطّات استراحة ولكنّ الوصول غير متاح. فما من كتاب أخير.
وهذا السير المتواصل المثير الممتع ليس آمنًا أو مطمئنًا، هو السير في الهواء أو على صفحة المياه، وأسهل ما فيه أن يكون كالسير على حبل لا شبكة حماية تحته. إذ كيف يمكن أن نقرأ كتابًا ولا نضع احتمالاً ولو ضئيلاً أنّنا لن نكون بعده كما كنّا قبله. وهذه مغامرة بل مخاطرة لا يقدم عليها أيٌّ كان.
لذلك أنظر بدهشة لا تفارقني إلى الذين يفتخرون بأنّهم مدمنو مطالعة ومع ذلك لا أجد ولو تغيّرًا بسيطًا يطرأ على شخصيّاتهم لا سلبًا ولا إيجابًا. أيُعقل ألّا يثير كتاب ما مللهم، أو إعجابهم، أو اشمئزازهم، أو رغبتهم، أو يحثّهم آخر على التفكير والتأمل وربّما يدفعهم إلى اليأس أو الرجاء؟
كثير من الذين يفتخرون بمئات القصائد التي يحفظونها عن ظهر قلب، ويتباهون بمكتباتهم التي تضمّ آلاف الكتب يشبهون هذا اللابتوب الذي أكتب عليه، خزّان معلومات لا ينضب، لكنّه آلة لن تتحوّل إنسانًا ينفعل ويتفاعل ويفعل، أو يعلّق ويعقل ويتعقّل.   
فكيف يمكن أن يبقى جبانًا أو حاقدًا أو محايدًا أو سطحيًّا أو باهتًا أو فاترًا أو مغرورًا أو نمّامًا أو أنانيًّا من يدّعي أنّه قرأ مئات الكتب القيّمة؟
وكيف يستطيع ألّا يهتمّ بالموسيقى والرسم والنحت والهندسة والفلك والسينما والمسرح والطبّ والطبخ من يذكّرك في كلّ مناسبة بأنّه زبون دائم في مكتبة معروفة؟
وكيف نصدّق أن هذا الذي يهوى المطالعة عديم الذوق، قذر الهيئة، غير أنيق، محاط بالبشاعة ويرتاح إلى الفوضى ولا يحسن ترتيب حياته أو تنظيم شؤونه؟
وهل من المنطقيّ أن تجتمع في شخص واحد هواية المطالعة مع "هوايات" صارت سائدة كتشويه الطبيعة وتلويث الهواء وهدر المياه وإزعاج الجيران وتدخين الأركيلة؟
فخلال رحلة السير الطويلة مع الكتاب، وهي لا هدف لها إلّا السير والاستكشاف، وإن لم يتغيّر شيء فيك صفحة بعد صفحة، وإن لم تكن اليوم إنسانًا أفضل من الذي كنته يوم أمس، فهذا يعني أنّك لست مؤهّلاً للمشاركة في مسيرة الحجّ المقدّسة للتبرّك بتجارب الآخرين. فلا تتعب نفسك بل لا تعتدِ على الكتاب وتدنّس حرمته واتركه للغبار كفنًا يحفظه في انتظار قيامة العقل.
***
(نشر هذا النصّ سابقًا على هذه المدونة في تاريخ 1 حزيران 2011 كجزء من ثلاثيّة بعنوان: وداعًا أيّها الكتاب!)

الجمعة، 8 يونيو 2012

مفكّرة المشي على الطرقات


ساحة الريحانيّة كما تبدو من بيتنا 


في أكثر الأيّام التي أنوي فيها البدء بنزهتي المعتادة أتردّد، لأنّ الفكرة الأولى التي تخطر على بالي هي: سيمضي النهار ولن أفعل شيئًا آخر. فأنا متى بدأت في المشي أعرف أنّ النزهة ستطول وتطول إلى حدّ أنّني أخشى أن أتأخر عن إنجاز أمور أخرى مطلوبة منّي.
ولكنّي على عكس أكثر الذين يمارسون رياضة المشي لا أفعل ذلك طمعًا بنعيم النحافة والليونة والرشاقة ولا خوفًا من جحيم ترقّق العظام وترهّل العضلات وكآبة النفس، بل رغبة في التقاط مشاهد لا بدّ أن تختلف وإن مشيت على الطريق نفسها، فكيف إذا دخلت في دروب وخرجت من أزّقة. فكما أنّ من غير الممكن أن نشرب من مياه النهر مرّتين فكذلك لا يمكن أن نرى المشهد نفسه مرّتين: لتغيّر في المشهد نفسه أوّلاً ولو في تفصيل واحد أو لتغيّر في مزاجي أو لتطوّر في أفكاري ولأنّ ما كنت أعرفه البارحة أضيفت إليه أمور جديدة اليوم.
ما من طرقات عندنا مخصّصة للمشي، ولكن بلدتي (بعبدا) لا تزال تحتفظ ببضع تجمّعات للأشجار يحلو للمحافظين على البيئة أن يسمّوها غابات، ولذلك أسرق في غفلة عن منشار الزمن وحفّارة الإعمار ساعات أتنقّل فيها بين طرقات البلدة الرئيسيّة والفرعيّة، هذا إن لم أرغب في التوجّه إلى الجبال أو القرى والبلدات البعيدة عن العاصمة بيروت. والمشي على الطرقات غير المخصّصة للمشي له ميزاته إذ لا يمكن ألاّ ألتقي بعشرات الناس سواي من المشاة أو السائقين الذين سيتوقفونني للتحيّة أو للدعوة إلى فنجان قهوة أو للسؤال عن الصحّة والعمل والأهل. فأنا متى اخترت المشي في البلدة عليّ القبول بشروطها الاجتماعيّة فأعود إلى المنزل محمّلة بتحيّات للأهل ووعود قطعتها بزيارة فلانة من الجارات أو فلانة من القريبات العجوزات.
ولكنّ الطبيعة شيء آخر، الأشجار وتغيّرات الفصول على أوراقها وأغصانها وأزهارها وثمارها، الهرر النائمة في كسل أمام المنازل الغارقة في الشمس والسكينة، نواطير الفيلاّت والقصور والبنايات الفخمة يتبادلون الأحاديث مستغلّين غياب أصحاب البيوت، حبال الغسيل على الشرفات والسطوح تشي بمستويات أصحابها الاجتماعيّة، مستوعبات النفايات التي عبثت الهررة والكلاب الشاردة بمحتوياتها ونشرتها على الطرقات ففضحت أسرار من تخلّص منها، أعقاب السجائر المرميّة من السيّارات، النباتات العنيدة التي شقّت طريقها إلى النور من فتحات ضيّقة في الحيطان والسلالم الحجريّة العتيقة، بقع خضراء من العشب البريّ اشرأبّت من بين أوراقها زهرات صغيرة ربيعيّة في فصل الشتاء، فأفكّر في قطافها ثمّ أتراجع وأقول في نفسي: إلامَ سأنظر غدًا إن مررت من هنا ولم يكن في المكان زهور؟
في طريق العودة من نزهتي التي غالبًا ما تحتلّ ساعات ما قبل الظهر، أفكّر في أنّ العالم صغير إلى درجة أنِ اختصرته أمامي بقعة من العشب والأزهار، وكبير بحيث أنّ البقعة الصغيرة نفسها قادرة على أن تفتح أمام عينيّ آفاقًا لا حدود لها.

"فأعود ولا شيء معي سوى كلمات" تنتظر أن أكتبها
.

الخميس، 7 يونيو 2012

عن رواية "ماكنة الخياطة" للأديبة مي منسّى




ماري القصيفي
صحيفة الحياة - الخميس ٧ يونيو ٢٠١٢
تتابع «مي منسّى» في رواية «ماكنة الخياطة» الصادرة عن (دار «رياض الريّس») عمليّة المصالحة مع ذاكرة تنوء بآلام عائلة عانت نوعين من الفصام: انفصام شخصيّة الابن الذي كان يعِد بأن يكون شاعراً كبيراً فإذا به ينتهي في مصحّ للأمراض النفسيّة، وانفصام الهويّة اللبنانيّة التي كانت تعد العالم بالأعجوبة الحضاريّة الجميلة فانتهى بها الأمر شظايا مجتمع وفتات بشر.
لا تخفي الروائيّة ملامح السيرة الذاتيّة عن روايتها غير أنّ الشأن الخاصّ لم يطغ على العامّ الذي بدا في خلفيّة الصورة العائليّة، فالحرب اللبنانيّة وتداعياتها وآثارها على البشر والحجر، ليست مجرّد إطار زمنيّ تجري فيه أحداث الرواية بل هي السبب في كلّ تغيير طاول حياة الناس، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا التغيير نحو الأسوأ أو نحو الأفضل.
لذلك تقدّمَ سيرُ الرواية على خطّي الخاصّ والعامّ في شكل متساوٍ، فكانت العائلة تغرق في العتمة حين تسدل ستائر البيت كي لا يرى الجيران ما يجري مع الشابّ المريض، وكان الوطن يغرق في ظلمة الحرب التي لم يبدُ أنّها ستعرف فجراً قريباً، وما توزُّع أفراد العائلة بين المصحّ والهجرة والتهجير، إلّا صورة معبّرة عن توزّع أبناء الوطن بين الغربة في الوطن والغربة خارجه.
ماكنة الخياطة التي كانت تملكها والدة بطلة الرواية وضاعت خلال الحرب صارت الهويّة. هي الآلة التي كانت الأم تخيط عليها فساتين بناتها الثلاث اللواتي كن محرومات من حياة مرفّهة ومحاطات بالكتب، فهي بالتالي الآلة التي كانت شاهدة على الفقر والحرمان، وحين أتيح للإبنة أن تبيع بيت والديها بكلّ ما فيه كانت على الأرجح تريد أن تتخلّص من صورة الفقر وصوت الآلة الرتيب يغنّي لليل طويل من المعاناة والعزلة. ولكن حين سألتها أمّها من على فراش المرض عن الماكنة، شعرت الابنة أنّ استعادة تلك الآلة العتيقة قد تكون مصالحة مع الماضي واعتذاراً من تلك الأمّ الحاضرة في تفاصيل حياة أولادها، ولولاها لما نجوا من معاناتهم مع مأساة العائلة ومآسي الوطن. وإن كانت الماكنة ضاعت في الواقع، ففي الرواية تصير عند امرأة من الجنوب ترفض التخلّي عنها. وفي الحالين، تطوى صفحة الماكنة في الحياة، لتفتح المجال لصفحات وصفحات في رواية تعتبر «مي منسّى» أنّها تعالج نفسها بها عبر تغميس ريشة قلمها بحبر ألمها ومعاناتها بين والد عسكريّ متشدّد، يحبّ اللغة الفرنسيّة، وأمّ ممرّضة وخيّاطة تحبّ جبران خليل جبران ابن بلدتها بشرّي، فكانت النتيجة ابناً فقد توازنه العقليّ، وفتيات ثلاث تختبئ الواحدة منهنّ في حنان الأخرى، لعلهنّ يجدن مجتمعات ما يعطيهنّ حصانة وخلاصاً.
لا تضع «مي منسّى» أقنعة في عملها الروائيّ، بل في أعمالها الروائيّة: عائلتها، طلاقها، عملها الصحافيّ كناقدة فنيّة، إصابة كتفها، أمومتها، حفيدتاها، ثقافتها الشاملة المتنوّعة، وحدتها، حديقتها الصغيرة، أحلامها وأفكارها وعواطفها، خيباتها العائليّة والعاطفيّة، آثار الفقر والحرب، كلّ ذلك موزّع في حنايا الرواية بلغة شعريّة إنّما غير خياليّة، كأنّ الشعر وسيلةٌ تجمّل بها واقعاً بشعاً، أو بابٌ للهرب من نثر الحياة. لكنّ اللغة الشعريّة على شفافيتها الجارحة وجمالها الغريب لا تخدع القارئ الذي يكتشف صفحة بعد صفحة كيف تصير الكتابة عيادة نفسيّة تفرغ فيها الكاتبة/ البطلة مخزونها من الألم في انتظار أن تزورها حفيدتاها اللتان تهديهما الكتاب، فتعود معهما طفلة تلعب وتغنّي وترسم، وتؤلّف معهما ثلاثيّاً قد يعوّض عليها طفولة لم تستمتع بها مع شقيقتيها، حين كان عنف الوالد ومرض الشقيق يحرمان الفتيات الصغيرات من أن يحلمن بالحبّ والأمان والاستقرار.
هل تبلسم الكتابة جراح الماضي؟ سؤال يفرض نفسه بعد قراءة الرواية التي تمعن في نبش الذاكرة، كما تنبش فتاة موؤودة التراب بيدين نحيلتين عاريتين، تعرف أنّهما وســـيلتها الأخيرة للحصول على جـــرعة هواء محــيية. بعض الكتابة جَلْد ذاتيّ، وبعضها ثأر من حياة تركت تلك الجراح التي تنزّ أسى ومرارة، وبعضها ولادة من رحم المعاناة. وقد تكون «ماكنة الخياطة» كلّ هذه مجتمعة.

المعاني الحسان في أدب بنت الريحان/ إعداد الأديب الأكاديميّ جمال السيّد

الدكتور جمال السيّد

محاضر في الأدب الإنكليزي بجامعة عدن وأديب من اليمن. صدر له:

عشاق الشريفات ، انتقام الشاعر، طاب يازين السمر،عيش بالمر نشوان.

ويصدر :حكمي وعاميون، القمندان: مجمرة الرومانسي ، المقامة اللحجية، نفخ الحقين (ديوان)، و"إمتاع القارئ والسامع بمناقب سيدي حامد جامع".

يقرأ في نصوص مدوّنتي ويعطي رأيه فيها دارسًا وناقدًا ومحلّلًا
موقع مدوّنته هو:
http://wadialmarifah.blogspot.com/

الاثنين، 4 يونيو 2012

لا بدّ من نهاية كي تصير الحكاية حكاية!



(Harold Knight (1874- 1961
قالت المرأة للمرآة:
النهايات! لا بدّ منها كي تكون ثمّة بدايات جديدة. النطفة تنهي رحلتها ليبدأ دور الجنين، والجنين ينتهي ليولد الطفل، والطفل ينتهي ليصير رجلاً، والرجل ينتهي عندما يزرع نطفة جديدة تنتظر موعد نهايتها. ولولا النهايات لما ابتدأ شيء جديد. أمّا قصص الحبّ، وحكايات العائلات، وروابط الدمّ، ومشاعر الصداقة، فكلّها مرصودة للنهايات التي لا بدّ آتية لتذكّر كلّ واحد منّا بأنْ: باطل الأباطيل وكلّ شيء باطل، وكلّ شيء زائل في الشكل الذي نعرفه ليتحوّل ويصير شيئًا جديدًا ينتظر تحوّلاته. أمّا الديمومة فعدوّة الطبيعة: هي الجمود الذي يولّد المستنقعات، والموت الذي لا حياة فيه إلاّ للحشرات والأوبئة والأمراض. فالديمومة إن لم تكن نابعة من غير هذا العالم حيث لا أزمنة ولا أمكنة ليست إلاّ التشبّث بزمان ومكان أقنعنا أنفسنا بأن لا حياة لنا خارجهما. الديمومة عدوّة الحياة المتجدّدة ما لم تكن لوجه الدائم السرمديّ.

يجب أن ينتهي الكاتب من كتابة الرواية مهما كثرت تفاصيلها وإلاّ قتلته شخصيّاتها، ويجب أن يضع الفنّان اللمسات الأخيرة على لوحته أو منحوتته أو معزوفته وإلاّ جنّ وهو يحاول أن يتوقّف عند مرحلة ما ويعجز. الأحلام إن لم تنته صارت كوابيس، والعرس إن لم ينته فلا ليلة حبّ، والمأتم إن لم ينته بالدفن هرب الناس من منظر الجثّة ونتنها، والعمل إن لم ينته فما من يوم سابع نستمتع فيه بما فعلناه. المشاعر نفسها يجب أن تنتهي ولو لم تنته فعلاً. فكلّ ما لا يتحوّل إلى ما هو أكثر جمالاً وحياة وإبداعًا يختنق في شرنقته لأنّه لم يتحوّل فراشة.

كنت دائمًا أكره من الأشكال الهندسيّة الدوائر والمثلّثات ولا أعرف لماذا. كنت أشعر بأنّ الدائرة لا نهاية لها وهذا ليس بالأمر السليم والطبيعيّ، فضّلت دائمًا المربّعات والمستطيلات التي كنت أجدها واضحة محدّدة ومتعادلة في الربط بين زوجين من النقاط. الدائرة تدور حول نقطة واحدة ولا تستطيع التفلّت منها، وفي المثلّث عنصر زائد يعوق الاثنين عن أن يكونا اثنين فقط ويقحم نفسه في ثبات علاقتهما. الدائرة حبل مشنقة والمثلث هرم الموت.

الموت نهاية لا بدّ منها، موت إنسان، نهاية مرحلة، خاتمة عهد، نسيان، تغيّر، تبدّل، تطوّر، كلّها مفردات وتعابير عاجزة عن جعل النهايات مرحلة أساسيّة لا بدّ منها ولكنّنا لا نحتفل بها ولا نعطيها حقّها من الاهتمام ولا ننتظرها. محمود درويش يقول: لا أريد من الحبّ غير البداية. ولكنّ البدايات لا تترك حكايات. وحدها النهايات تفعل. وحين كانت جدّاتنا ينهين الحكايات قائلات: هيدي حكايتي حكيتها وبعبّكن خبّيتها كنّ يعرفن أنّ حكايات جديدة ستبدأ مع هذه الخاتمة، ولو لم تنه الجدّات كلامهنّ لما ابتدأت الأحلام في مداعبة مخيّلاتنا منطلقة من عبّ عواطفهنّ حيث خبّأت الجدّات الحكايات كما كنّ يخبّئن المال والمجوهرات ومفاتيح البيوت.

وأنا تعلّمت باكرًا جدًّا أن أنتظر كلمة النهاية في حكاية كي يبدأ مشواري الخاص مع حكايتي الخاصّة. وانسحب الأمر على علاقات كثيرة نسجها العمر حولي وكانت تتشابه كحكايات الجدّات ووحدها كلمة النهاية هي التي كانت تفتح الباب واسعًا على حكايات لا يعرف بأمرها أحد ولا يحسن فهمها سواي. لذلك كنت أستعجل نهاية العلاقة كما كنت أستعجل الجدّة كي تخبّئ الحكاية في عبّ صدري حيث تنمو في دفء قلبي وتصل أغصانها إلى عقلي المتوثّب الباحث عن سرّ الأشياء وخفايا الأمور.

هل حان وقت كلمة السرّ؟ هل ستقول جدّتي الحياة العجوز: هيدي حكايتي حكيتها وبعبّك خبّيتها لأنصرف بعدها إلى استعادة الكلمات والمشاعر وصوغها في حكاية تنتهي ولا تموت نقيض ما يحدث في الواقع وكما كان يحصل دائمًا؟ أم هي حكاية مختلفة لا تشبه سواها، لأنّها تكتبني بقدر ما أكتبها؟

من الواضح أنّني كبرت على تصديق النهايات السعيدة غير أنّني لسبب لا أعرفه أشعر بسكينة غريبة وعميقة وحقيقيّة كأن لا شيء جديدا ومفاجئا في كلّ ما يحصل، أو كأنّني صرت مؤمنة بأن لا شيء ينتهي بل كلّ شيء يتحوّل.

صحيفة "النهار" - الثلاثاء 5 كانون الثاني 2010