الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 31 ديسمبر، 2015

... ثمّ قلْ ما تريد



قبل أن تضاف إلى سنوات عمري سنة جديدة
قل لي إنّي ما زلت شابّة جميلة.
قبل أن تعلن ساعة منتصف الليل انتهاء عام وبدء عام
قل لي إنّي أصلح لكي أكون امرأة أحلامك.
قبل أن يطلق الناس الأسهم الناريّة في ليلة العيد احتفالاً بالعيد
قل لي إنّي المرأة المناسبة في المكان والزمان المناسبين.
قبل أن تكسر النسوة الصحون والأقداح الزجاجيّة ليتخلّصوا من شرّ السنة الراحلة
قل لي إنّي أيقونتك المرفوعة فوق مذبح أحلامك.
قبل أن يتعتع الفرح العقول ويطلق الألسنة بكلام لا تعرف صدقه من كذبه
قل لي إنّي ابتسامتك الدائمة وفرحك النابع من عمق أعماقك.
قبل أن أعتاد الضجر والوحدة واليأس والحزن قل لي
إنّ السنة القادمة ستكون أجمل من السنة الراحلة.
قبل أن يطلّ صباح اليوم الأوّل من السنة الجديدة
قل لي إنّ كلّ يوم من حياتنا سيكون يومًا أوّل من سنة جديدة، قبلها سهرة عيد وبعدها أمل أكيد.
قبل أن تبحث لي عن هديّة ثمينة
قل لي إنّي هديّة السماء إليك.
قبل أن تقرأ كلماتي
قل لي الكلمات التي أنتظرها لكي لا أقول أنّني أنعشت ذاكرتك وما كلماتك سوى صدى كلماتي.
قبل أن تنتهي السنة
قل لي كوني بخير لأكون بخير.
قبل أن يلتقي عقربا الساعة عند منتصف الليل ويتعانقا في حنان
دعنا نلتقي أوّلاً ثم قل لي ما تريد.

الأحد، 13 ديسمبر، 2015

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن

وادي القدّيسين في قنّوبين

في مغارة الميلاد، "أرسل الله ابنه الوحيد نورًا للأمم"، وبالتالي لم تكن ثمّة حاجة إلى إضاءة تستهلك مقدّرات الطبيعة. وأدفأت الحيوانات الطفل الإلهيّ الذي وضع على القشّ الدافئ فلم تكن ثمّة حاجة إلى تدفئة مركزيّة تسبّب إهدارًا في الطاقة. ولم تكن الأرض تنشد إلاّ السلام، كأنّ الأمور الأخرى كانت متوافرة ولم يكن من الداعي طلبها. الخشب الموجود كان يكفي لبناء هيكل سليمان والصلبان على عدد المغضوب عليهم، والمياه الموجودة تكفي لعمادة من يرغب في الولادة من الروح بعدما ولد من الجسد، والتربة الموجودة يرسم عليها المسيح علامات الأزمنة لمن يعرف أن يقرأ، ويضعها على عيني الأعمى فيرى. أمّا اليوم فيبحث الناس عن المياه والخشب والتراب ومصادر الطاقة، وهم يعرفون أن لا سلام على الأرض ما لم يجدوا حاجتهم من هذه العناصر التي لا وجود للحياة بالشكل الذي نعرفه من دونها.

في مغارة بيت لحم، وصل المجوس، علماء الفلك في بلاد فارس، ولم تكن في بالهم المفاعلات النووية ولا القضاء على بني إسرائيل، كانوا يثقون بأنّ السماء وعدتهم بما هو أهمّ وأجمل وكانوا يريدون أن يكونوا شهودًا لا شهداء، وبأنّ الثروات التي يملكونها ليست ملكًا خاصًا بهم وحدهم، بل هي ملك الجميع. ووصل الرعاة البدو وهم يعرفون أنّ وجودهم في مكان واحد مع ملوك المجوس لا يعني أنّ الشيوعيّة هي التي انتصرت بل المحبّة، وأنّ فقرهم لا يعفيهم من المسؤوليّة عن مصير هذا العالم، وأنّ دعوتهم إلى هذا حضور هذا "المؤتمر" لا تعني أنّهم سيحصلون تلقائيًا على حصصهم من هدايا الميلاد.

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن، لا تزال البشريّة مجدّة في سعيها نحو الخلاص.

هناك من يبحث عنه في هذه الأرض، وغالبًا ما يعني ذلك خلاصه هو ولو على حساب البشريّة، فيتلف غلاله كي لا يهبط سعرها في السوق، أو يقتل ليختبر سلاحًا جديدًا، أو يبيد شعوبًا في سبيل بقاء شعوب أخرى.

وهناك من يبحث عن هذا الخلاص في السماء فيهملون الأرض وما عليها ومن فيها، وحتّى هؤلاء ينقسمون فريقين: فريق يستثمر أمواله في الفضاء بحثًا عن مستعمرات جديدة وشعوب غريبة ولا يلتفت إلى أهل بيته، وفريق يؤمن بأنّ كلّ شيء باطل ولا يستحقّ هذا العالم إلاّ أن نعبر فيه سريعًا ومن دون أن نتعلّق بأيّ شيء فيه.

وفي مختلف تلك الحالات لم تصل البشريّة إلى مدينتها الفاضلة ولم تستعد بعد فردوسها المفقود.

في قمّة كوبنهاغن سيطلب الأثرياء من الفقراء أن يستحمّوا أقلّ ليملأوا هم أحواض السباحة في قصورهم ومنتجعاتهم، وأن يناموا باكرًا ويوفّروا الطاقة الكهربائيّة ليسهروا هم تحت أشّعة ثريّاتهم الكريستال، وأن يمتنعوا عن قطع الأشجار لتدفئة غرفهم الصغيرة ليملأوا هم مواقد تضفي جوًّا شاعريًّا على شاليهاتهم الغارقة في دفء "الشوفاج".

ونحن من يتابعون أخبار تلك القمّة المصيريّة والتي ستكون كلفة مصاريف الوفود والوقود فيها باهظة، إذا علمنا أنّ الحرارة خلال أيّام القمّة ستراوح بين درجة واحدة وسبع درجات، فسنسأل أنفسنا ببراءة: لماذا تمّ اختيار بلد بارد ومكلف في حين كان ممكنا عقد القمّة في بلد معتدل الحرارة يوفّر التدفئة أو التبريد لآلاف المشاركين من رؤساء ومرافقين وموظّفين ومراسلين؟ هذا طبعًا فضلاً عن مصاريف الفنادق والتنقّل ووجبات الطعام.

إنّ قمّة تبدأ بمثل هذه المبالغ الخياليّة من المصاريف على آلاف العلماء، من أجل التفكير في إنقاذ كوكب الأرض ستجعل العالم مغارة علي بابا لفئة من الناس تريد أن تبيع سيّارات وأسلحة، ومغارة الإنسان البدائيّ لفئة أخرى لا تعرف إلاّ أن تكون مستهلِكة ومستهلَكة.

ولكنّها، أيّ القمّة، لن تجعلنا قطعًا قريبين من مغارة الميلاد حيث استطاع طفل صغير وامرأة بسيطة ونجّار نشيط (بالتأكيد لم يقطع في حياته من الأشجار ما تسبّب بخطر على البيئة) ومجموعة رعاة مع حيواناتهم، وثلاثة علماء فقط، أن ينقلوا البشريّة إلى عهدها الجديد.

* جريدة النهار - الثلاثاء 8 كانون الأوّل 2009

السبت، 12 ديسمبر، 2015

أجواء ميلاديّة -1: الجارات في زمن العيد



(2010)
الجارات منطلقات إلى الكنيسة، ولا واحدة منهنّ تخاطب الثانية.
فالمشكلات العالقة لا تترك مجالاً لكلمة صباح الخير أو لسؤال عن الصحّة.
يمشين متباعدات في الجغرافيا وبسببها ومتحدّات في التاريخ الرازح تحت أعوام من الخصام.
كلّ واحدة تراقب الأخرى، وتعاين ثيابها وتصرّفاتها وتتمنّى لها أن تتعثّر وتقع أرضًا لتشمت بها وتسخر منها.
يصلن إلى الكنيسة،
يبحثن بعيونهنّ الفضوليّة عن المقاعد بحيث لا تجلس الواحدة إلى جانب الثانية،
يتوزّعن الأماكن ويبدأن بالصلاة من أجل السلام في العالم.
يدعو الكاهن الناس للاعتراف بالخطايا وتصفية الضمير في مناسبة الأعياد،
لا تشعر الواحدة منهنّ بأنّها معنيّة بالدعوة: فبالها مرتاح ونيّتها صافية وقلبها طيّب،
غير أنّ ذلك لم يمنعها من مراقبة جاراتها اللواتي لم يتوجّهن إلى الكاهن للندم أمامه عمّا اقترفنه من ذنوب في حقّها.
يتسابقن عند تناول القربان المقدّس لتكون الواحدة منهنّ في أوّل الصفّ،
يتدافعن بالأكتاف من دون أن يتبادلن نظرة تفضح اعتراف العين بوجود كائن آخر على مقربة التفاتة وجيرة بيت.
يتناولن القربان خاشعات وهن يتمتمن بكلمات لا أحد يعرف إن كانت صلاة شكر أو طلب انتقام.
ينتهي القدّاس المبارك وتخرج الجارات من أمام مائدة الربّ مستعدّات لجولة جديدة من المعارك المصيريّة لإثبات الوجود على شرفة متنازع عليها، أو على قطعة أرض لا تتّسع لمدفن، أو على موقف سياسيّ اتّخذه الأزواج وتبنّته الزوجات، ولكن هذا لا يمنع من أن يحصل العكس في بيت من البيوت حين تأخذ الزوجة المتمكّنةُ من رقبة زوجها القرارَ والمبادرة وتجبر زوجها المسكين على الانصياع.
إنّها ذكرى الميلاد الذي تمّ منذ أكثر من ألفي سنة،
والجارات لسن معنيات به لأنّه موضوع قديم عفا عنه الزمن، أمّا الشجار الذي حصل مع الجارة البارحة فلا يمكن العفو عنه مهما كلّف الأمر.

الخميس، 3 ديسمبر، 2015

عمّتي إميلي روزنامة الأعياد

سليم وإميلي يراقبان سرب طيور

يكاد أربعون عمّتي إميلي يقترب والكلمات لا تزال تهرب منّي، كما تهرب فرحة الأعياد من قلوب الحزانى. لعلّني رأيت في موتها تمرينًا على موت صرنا نخشى أن يحصد كبار العائلة، وهذا ما يجعلني أحاذر الاعتراف برحيلها، لعلّها تبقى بعد أكثر...
عمّتي روزنامة الأعياد التي سقطت آخر ورقاتها منذ أكثر من شهر، وجارور الحلويات الذي أغلق إلى الأبد، عمّتي المريضة الأنيقة رحلت، والليلة، ليلة عيد البربارة لا حلويات من صنعها ولا مائدة تستعدّ لعيد الميلاد.
لكأنّ الأعياد بلا أمّهات ليست أعيادًا. أو كأنّ الأولاد يكبرون فجأة حين تموت الأمّهات، والأحفاد يغادرون الطفولة على عجل حين تموت الجدّات. أو كأنّ نكهة الأطعمة لا تعود هي نفسها، ورائحة البيت تفقد الكثير من خصوصيّتها.
عمّتي ليست صغيرة، لكنّ أوجاعها هي التي كانت كبيرة، وهذا ما يبكينا ونحن نتذكّر حياتها ومعاناتها وهي لا تعرف أنّها مصابة بالسرطان الذي ترافق مع غسل الكلي.

لكنّي الليلة أكتب وأنا أرى إلى أمّي تغالب دموع الحزن على المرأة التي كانت ابنة حميها وزوجة أخيها في الوقت نفسه، وتزرع الحبوب في صحون الفخّار بركة تستعيض بها عن شجرة العيد.
أكتب لعلّ عمّتي تعود ولو قليلًا، فتداعب رأس زوجها الذي أقفلت الجلطة الدماغيّة مسار الحكايات فيه، وتعدّ الحلوى وهي تدّعي الصراخ والغضب على الأحفاد الذين يملأون البيت صخبًا وعيدًا، وتنشغل بالإعداد لعرس صغيرها عمر.
أكتب، لعلّ طعم السكّر يعود إلى الحلوى، ولعلّ المرأة التي صمتت تخرج من صورتها لتفتح الباب لأحفادها وأولاد الجيران المتنكّرين، ولعلّها تصطحب معها أحبّاء كثرًا رحلوا ولا يزالون يقيمون في جراح الذاكرة.
غير أنّني مع كلّ كلمة أكتشف كيف تصير الكتابة مزراب الدمع...