الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 31 أكتوبر 2009

في عالم سائقي التاكسي 1

صخرة الروشة - بيروت


في ازدحام السير الخانق، انطلق سائق التاكسي في الشكوى: دوران طوال النهار على الطرقات، غلاء بنزين في وقت ينخفض السعر في العالم، زبائن مزاجيّون (أكثرهم نساء)، غلاء وأقساط مدارس، لا قانون مفروضًا لتنظيم السير، زحمة سيّارات. كان من الواضح أنّ الرجل على شفير الانهيار.
من عادتي أن أطلب من مكتب التاكسي حين أتّصل كي يرسلوا سيّارة أن يكون سائقها من النوع الصامت كي لا يكلّمني طوال الطريق، وألاّ يسمعني أغنيات أو نشرات أخبار. الشرط الأوّل سببه أنّني أعترف برغبتي في الإصغاء إلى قصص الناس، وبالتالي فإن بدأ السائق في الكلام فسأنجرف حتمًا في الحديث مع ما في ذلك من استفهام واستيضاح وإسداء نصائح وتقديم مشورة. أمّا سبب الشرط الثاني فهو أنّني لا أحتمل أن يفرض عليّ الرجل رأيه السياسيّ حين يختار المحطة التي تذيع نشرات الأخبار، ولا أحتمل ذوقه الفنيّ إن قرّر أن يسمعني أغاني حديثة من اختياره. ولكن من الواضح أنّ المكتب لم يحذّر السائق أو لم يجد سواه متوفّرًا في ذلك الوقت، فانطلق منذ لحظة انطلاق السيّارة إلى الاسترسال في شكاوى هي أقرب إلى المناجاة مستفيدًا من صمتي الذي كنت أتمنّى لو بقيت غارقة فيه.
غير أنّ إعلان الرجل عن أنه يفكّر أحيانًا في أن يضع المسدس على صدغه ويطلق النار ليرتاح من هذه الدنيا، دفعني إلى التنبّه إلى أنّ ثمّة ما يجب أن يقال وأن لا بدّ من الاستفهام والاستيضاح وتقديم النصيحة.
باح الرجل بقصّته التي تشبه قصصًا لا تحصى، إلاّ أنّها بالنسبة إليه حالة نادرة وخطيرة لم تعد تحتمل. هو في الأساس محاسب، عمل في كبريات الشركات، سافر إلى أكثر من دولة خليجيّة حيث وصل إلى مراكز مرموقة، خسر ماله في أحد المصارف، استغنت عنه الشركة حين بدأت بتخفيض عدد موظّفيها القدامى لارتفاع رواتبهم. فلم يكن أمامه إلاّ "هذا العمل". قال ذلك كأنه يعتذر عن خيار فرض عليه فرضًا أو كأنّ "هذا العمل" مهين ومعيب ويخجل الإنسان السويّ من ممارسته.
بدا من اللغة التي استخدمها الرجل في وصف عمله السابق أنّه صادق، فهو يجيد اللغات الأجنبيّة، ويذكر أسماء الشركات في وضوح ومعرفة أكيدة، وكذلك أنواع المهام التي أوكلت إليه.
بيني وبين نفسي أردت أن أعتبر الحديث عن انتحاره مجرّد فشّة خلق، وفكّرت للحظة في إطلاق جملة ساخرة فأطلب منه مثلاً أن يوصلني آمنة ثمّ ينتحر، ثمّ تراجعت وأنا أتذكّر تصرّفات مدروسة عمليًّا ونفسيًّا رأيتها في الأفلام الأميركيّة حين كان متخصّصون يقولون ما يجب أن يقال عند محاصرة راغب في الانتحار ومحاولة إقناعه بالعدول عن قراره. وقلت في نفسي إنّ الأمر ليس لعبة والمغامرة بحياة الناس لا تحتاج إلى مزيد من المتطوّعين بعدما أظهر حكّامنا براعة في ذلك لا تبارى.
حين وصلت إلى وجهتي، كنت قلت كلامًا كثيرًا وجررت الرجل، وهو راغب في ذلك، إلى تفريغ شحنة سلبيّة من الغضب والعنف وبدا كأنّه استعاد هدوءه. حين ترجّلت من السيّارة، فكّرت للحظة في أن أطلق نصيحتي الأخيرة وأذكّره بالمثل القائل: شوف مصيبة غيرك بتهون مصيبتك. إلاّ أنّني خشيت أن أقنعه عبر هذا الكلام، بأن ليس في الحياة سوى المصائب، فأضاعف من رغبته في الموت تخلّصًا من آلامه وآلام سواه.

الأحد، 25 أكتوبر 2009

وقت ضائع

على شاطئ البترون - إطلالة على السور الفينيقيّ


ثمّة أماكن تجرّني إلى التفكير وإن قصدتها هرباً منه.
والمضحك أنّ صالونات التجميل وتزيين الشعر التي أكره ارتيادها في رأس القائمة. فالوقت الطويل الذي أمضيه في هذه الغرف الواسعة الدافئة الغارقة في النور الأبيض وثرثرات النساء يجعلني في حالة ارتخاء وملل كقطّة فوق غطاء سيّارة، تسرق الدفء من الشمس المتردّدة ومن محرّك السيّارة الحارّ في يوم شتائيّ بارد. في هذا المكان ذي الروائح والعطور المختلفة الأثمان والمستويات تتوالى المشاهد المجانيّة _ أي التي تقدّم عروضها من دون مقابل، إذ أنّ فاتورة الحساب في المؤسّسات التجميليّة ليست بسيطة أبداً – لا أجد عملاً إلاّ المراقبة، إذ تبدو المطالعة الجديّة بلا فائدة. أمّا تقليب صفحات المجلّات النسائيّة فعمل هامشيّ لاإراديّ لا يعيق المراقبة بل يكمّلها:
نساء يحاول "العطّار" أن يصلح ما أفسده الدهر من أشكالهنّ وشعورهنّ، اتصالات هاتفيّة لا تنقطع أعرف منها ما يجري مع أولادهنّ وخدمهنّ وأصدقائهنّ وأزواجهنّ وأعمالهنّ، شعور مصبوغة، شعور مقصوصة، أصابع مطلية، أقدام منقوعة في مياه فاترة، فراش تتنقّل من رأس إلى رأس، أحاديث سخيفة في السياسة ونظرات تبحث لتطمئنّ إلى عدم وجود دخيلات على الجو والمحيط.

أتابع المشاهد بعينين ذابلتين، وألتقط الأصوات الضبابيّة وأفكّر: لقائي بك هو الذي يدفعني إلى تحمّل كلّ هذه الضجّة، وإلى دفع مبلغ كبير من المال. ومع ذلك فإنّ اللقاء سينتهي بشجار عنيف وسنفترق وأنا ألعن الساعة التي أقنعت نفسي فيها بالذهاب إلى صالون التجميل من أجل خاطرك لأنّك تريدني أنيقة وعلى الموضة وحضاريّة لا أشبه تلك التي أضاعها أهلها في الغابة فكبرت متوحّشة، حسب تشبيهك الذي تريده مستوحى من الأفلام السينمائيّة التي تدمن مشاهدتها.
لماذا أفعل ذلك من أجلك؟ لماذا أهدر الوقت في أمور أعرف أنّها لن تعيد الأمور بيننا إلى ما كانت عليه؟ عندما نلتقي أخبرك عمّا سمعته عند المزيّن، ونضحك قليلاً قبل أن تعطيني ملاحظات تحاول أن تجعلها طريفة عن شكلي الجديد فتأتي جارحة قاسية لئيمة لأنّ المزيّن "ضحك عليّ" واللون لا يليق بي والتسريحة لا تناسب عمري، و"القَصّة" لا تلائم وجهي. وعندما أغرق في سكوت أهبل يشبه ذاك الذي كنت فيه عند المزيّن، تمتدّ المسافات بيننا من جديد، وتغور الأرض تحت مقعدي، وأقع في حفرة عميقة لا أريد أن ينقذني أحد منها.

ليتنا نعشق لبنان مثلكِ


العزيزة سهير،
أبكتني رسالتك إذ ليس سهلاً على الإنسان أن يقف على أطلال ماضيه من دون أن يبكي، والوقوف على الأطلال ليس محصورًا بعصر أو صحراء أو قبيلة. أبكي على صورة لبنان التي رسمتها بكلماتك العفويّة الصادقة وخصوصًا حين قلت، في تعليقك على مقالتي يوم السبت 29 تشرين الثاني في صحيفة البلاد البحرينيّة: "كتاباتك عن لبنان وموسم عصر الزيتون والبيوت المهجّرة هي ما شدّ انتباهي أكثر، إذ كنت أتساءل أين أصحاب هذه البيوت؟ أين ذهبوا؟ هل قتلوا؟ هل هاجروا ولن يعودوا؟ أين هم عن حدائقهم المهجورة والتي بالرغم من ذلك ما زالت تثمر وما زال الخوخ والدرّاق والعنب يتساقط على الأرض بعد نضجه لأن لا يوجد من يقطفه". أبكي وأنا أسأل نفسي: ماذا فعلنا بهذا البلد الجميل؟ ماذا فعلنا له؟
البارحة، يا صديقتي، اتّصل بي الكاتب والفنّان المبدع غازي قهوجي ليخبرني عن أمسية شعريّة لأميرة يابانيّة تعشق لبنان وطلبت في زيارتها الأولى أن تزور الشاعر الكبير سعيد عقل. والأميرة الشاعرة التي ستلقي شعرها، مصحوبًا بالموسيقى اليابانيّة، في حفلتين (30 تشرين الثاني في البيال و2 كانون الأوّل في الأونسكو)، تعرف كلّ شيء عن لبنان، وتكتب عنه قصائد جميلة وتصفه وتشتاق إلى ما قرأته عنه. ومع ذلك، فثمّة بيننا من يتساءل: لماذا قد يحبّ أحدهم هذا البلد الذي يحلم أبناؤه بالهرب منه؟
ليتنا أحببنا لبنان مثلك ومثل هذه الأميرة يا سموّ الوفيّة المخلصة؟ ليتنا أحببنا لبنان وأعفيناه من الحرب وأبقينا على أهله فيه، ليتنا نتذكّر الناس فيه كما تتذكّرين جيرانكم في "عاليه"، ليتنا نعرف قيمة الشجر والثمر كما تعرفينها، ليتنا نسأل عن الذين هجّروا وماتوا وهاجروا كما سألت في رسالتك عن أصحاب البيوت! ولكنّنا لم نفعل، لم نحبّ ولم نتذكّر ولم نسأل، وها نحن اليوم نقف على أطلال ماض مجيد ونصلّي كي تنجح الجهود المبذولة في الداخل والخارج كي لا نقع في التجربة من جديد. فالأمر يتطلّب أعجوبة، وإلاّ فلا خلاص.
إنّ أكثر ما يخيفنا يا جارتنا في الجبل هو ألاّ نتعلّم من الماضي وألاّ يتعلّم سوانا، كأنّنا لا نقرأ ولا نسمع ولا نرى، ولا نعرف كم سهل الهدم وكم سريع الزوال وكم قريب الموت. ولذلك أمرّ مثلك أمام القصور والبيوت المهجورة وأطرح أسئلتك ولا أنتظر الجواب، لأنّني أخاف من أن يسرق ما سأعرفه الدمعة الأخيرة التي أحتفظ بها إلى يوم نحتفل بالسلام والأمان.
كلّ واحد منّا ارتكب خطيئة في حقّ هذا البلد، إن بالفعل أو باللافعل، وإن بالكلام أو بالصمت، ولن يكون خلاص ما لم نعترف بذلك فيحمل بعد ذلك كلّ واحد من اللبنانيّين والعرب أولاده، كما فعلتِ مع أولادك الأربعة، ويأتي بهم إلى لبنان ويجعلهم يكتشفون الجمالات التي فيه، ويعلّمهم كيف تكون محبّة الأرض والوفاء للإنسان.
وإلاّ فسنبكي معًا على أطلال يزورها السائحون ويلتقطون الصور أمام حجارتها الصمّاء، وعند ذلك لن يكون هنالك ثمار أو أشجار.

الجمعة، 23 أكتوبر 2009

حكاية الشجرة التي اختفت من إطار نافذتي

منطقة قبّ الياس - لبنان
في اليوم الخامس عشر من نيسان من العام 2009، اختفت شجرة الكينا التي لم تخرج للحظة واحدة من إطار نافذتي الشماليّة. شجرة عتيقة عتيقة كأنّها مغروسة في ذلك الحقل منذ تكوين العالم، عالمي أنا ربّما، ولكن ليس هذا هو المهمّ، المهمّ هو أنّها اختفت.
كانت إلى صباح ذلك اليوم لا تزال تلوّح لي بأعالي أغصانها من فوق حيطان المبنى الذي أخذ يرتفع بيني وبينها، ومع ساعات النهار الأولى، كان العمّال النشيطون قد رفعوا الحاجز الخشبيّ استعدادًا لتدفّق كميّات هائلة من الباطون، ستقف من الآن وصاعدًا سورًا منيعًا بيني وبين شجرتي الكبيرة العتيقة.
الغريب في أمر علاقتي بهذه الشجرة أنّني لم أسع يومًا للاقتراب منها، أو لاكتشاف الأرض حيث زرعت، أو لمعرفة لمن تعود ملكيّتها، كنت مطمئنّة إلى وجودها عالية شامخة خضراء وارفة، تملأ نافذة غرفتي من بعيد بشكلها الذي لم تصغّر حجمه المسافة، فبقيت كبيرة وعالية تلوّح لي وألوح معها...إلى أن كان ذلك اليوم.
الستائر المسدلة طوال النهار والليل على النافذة منذ بدئ العمل في المبنى الحديث، كانت تدفعني للاطمئنان عنها خلسة عن الأعين، غير أنّني في ذلك اليوم رفعت الستائر، لأنّ الجدار الحاجب ساتر أمين يردّ أعين العمّال عن الغرف المواجهة لهم ويمنع عينيّ عن الاستمتاع بمنظر الشجرة، ورصد حركة الهواء وتراقص أغصانها مع إيقاعه المتغيّر المتجدّد.
عندما كان الناس قديمًا يبنون بيوتًا كنّا نقول لهم: الله يعمّر معكم. وكان الجيران يساعدون في العمل في ما كنّا نسمّيه يوم "العونة"، وكانت النعاج تذبح يوم صبّ السقف ليأكل الجميع من ذبيحة البناء، لأنّ البيت الجديد يعني أنّ ثمّة عائلة جديدة ستضاف إلى سجّل العائلات، و"نيّال البيت اللي بيطلع منّو بيت".
أعترف أنّني أجد صعوبة في تهنئة أصحاب الأرض بالمبنى الجديد الذي أقيم على أنقاض ذكريات الطفولة والمراهقة والشباب، خصوصًا أنّ صاحب الأرض لن يقيم فيه بل بيعت شقق المبنى قبل أن يبدأ العمّال بحفر الأساس ووضع الدعائم. صاحب الأرض لا ذكريات له في الأرض، هو ورثها عن والده الذي ورثها عن والده، غير أنّه لم يعتن بها حين صارت له، ثمّ قطع أشجارها ونقل تربتها وأقام فيها بناء على الطراز الحديث اشترى شققه مغتربون وسائحون يأتون مرّة في السنة ثمّ يتركون المبنى جدرانًا واقفة تحجب عنّي رؤية شجرة الكينا في الجهة المقابلة. فكيف أفرح لصاحب الأرض ببنائه الجديد وهو لم يبنه ليقيم فيه بل ليتاجر بالتراب الذي مشى عليه والده وجدّه، وبالبيوت التي تشبه الفنادق؟ "نيّال البيت اللي بيطلع منّو بيت"، غير أنّ البيوت التي "تطلع" اليوم تشبه كلّ شيء إلاّ البيوت: فلا عائلة تجتمع فيها، ولا حفلات تقام على شرفاتها، ولا ضيوف يقرعون الباب زائرين، ولا صبحيّات نسائيّة تروى فيها حكايات أقرب إلى الخيال. بيوت اليوم: غرفة نوم وحمّام ومطبخ للوجبة سريعة، أي كلّ ما له علاقة بقضاء الحاجات البدائيّة الأساسيّة.
ومن أجل سرير وحمّام ووجبة طعام على عجل، خسرت أنا منظر الشجرة وربح صاحب الأرض الملايين من الدولارات.
قبل أسابيع من الانتخابات النيابيّة في لبنان، قرّرت مجموعة من النساء في إحدى البلدات معارضة أزواجهنّ وعدم انتخاب مرشّح كان باع منزل والديه وليس عنده مكان يستقبل فيه الزائرين. قالت النساء إنّ الذي باع بيت أجداده وأرض آبائه لن يتردّد في بيع البلدة ومصالح الوطن، ولذلك لن ننتخبه ولو كان من العائلة.
غير أنّني أجزم بأنّ المرشّح سيصل إلى المجلس النيابيّ، وبأنّ يومًا قريبًا سيأتي وتُقطع فيه الشجرة التي لم أعد أراها لأنّ صاحب تلك الأرض سيبيع كذلك أرضه لترتفع بناية جديدة يقيم فيها عابرون في أزمنة التجارة.

الخميس، 22 أكتوبر 2009

كنت أعرف




كنت دائمًا أعرف أنّ أهمّ درس على الإنسان أن يتعلّمه هو متى ينسحب من قضيّة أو علاقة أو معركة أو سهرة أو موعد أو شهرة أو عمل.
معك، تأكّدت أنّ هذا الدرس سيجنّبني الكثير من الآلام، ويحميني من كثير من الجراح.
معك، تأكّدت أنّ الانسحاب هو الهدف الوحيد الذي عليّ أن أنظر إليه منذ اليوم الأوّل للقائي بك.
لأنّني كنت أعرف!
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك لن ترى سواك، ولن تعجب بسواك، ولن تحبّ سواك.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك لا تستمع إلاّ إلى أقوالك ولا تضحك إلاّ لأخبارك الطريفة، ولا تدمع عيناك إلاّ إذا تذكّرت من جعلك تتألّم برحيله.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّ كرمك استعراض، وذكاءك استعلاء، ومحبّتك استثمار.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك تخطّط لتكون محبوب الجماهير، وتخطّط لتكون أنيقًا، وتخطّط لتكون مثقّفًا، وتخطّط لتكون نجمًا.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك تتغذّى من دماء ضحاياك، وتنمو بأفكار تابعيك، وتكبر بعلاقات لا تدوم إلاّ بقدر "داعي العمل" وتنتهي بـ"داعي السفر" أو الضجر.
لم يكن اليوم الأوّل يومًا واحدًا، كان أيّامًا / محطّات أكتشف عند كلّ منها أنّني فعلاً كنت أعرف، وأنّني حاولت ألاّ أعرف، وأنّني تمنّيت لو لم أكن أعرف.
كنت واضحًا كالشمس ولكنّك مثلها تبهر من يتحدّى إشعاعاتك وتعمي من يحدّق إليك وتحرق من يحاول أن يقبض عليك في راحة يده.
كنت جارفًا كنهر شتائيّ ولكنّك مثله تتخطّى السدود التي لا تلائم خطّ سيرك، وتتسلّل إلى حيث تجد ثغرة، تدفّقك يروي الأرض... أو يغرقها.
كنت صادقًا كمجرم يتباهى أمام ضحيّته الجديدة بجرائمه التي لم تكتشفها العدالة.
وكانت حجّتك القويّة أنّ ضميرك مرتاح، وحاولت دائمًا أن أذكّرك بأنّ كلّ الذين نفذّوا أحكام الإعدام كانت ضمائرهم مرتاحة لأنّهم كانوا ينفّذون الأوامر ويقومون بالواجب، وأنّ كلّ الذين قتلوا في الحروب وقصفوا ودمرّوا وشوّهوا وخطفوا كانت ضمائرهم مرتاحة لأنّهم كانوا يدافعون عن القضيّة، وكلّ الذين صرفوا الموظّفين من أعمالهم كانت ضمائرهم مرتاحة لأنّهم أرادوا إنقاذ المؤسّسة وليس الذنب ذنبهم إن كان الثمن خراب بعض البيوت وتشريد بعض العائلات.


غالبًا ما تحاول النساء العاشقات أن يدخلن تغيّرات ما على شخصيّات الرجال المعشوقين. ولكنّي لم أقع في هذا الفخّ! لم أدّع أنّني بطلة في "مهمّة مستحيلة" أو أنّني "المرأة الخارقة" التي لا يعصى عليها رجل، أو أنّني قدّيسة أجترح الأعاجيب وأتحدّى طبيعة الإنسان والعلاقات. لا! لم أفعل! لأنّني كنت أعرف منذ اللقاء الأوّل أنّك لن تتغيّر إلاّ إذا صبّ التغيير في مصلحة طموحك، ولن تصير إنسانًا آخر إلاّ إذا اعتبرت أنّ الإنسان الآخر يستحقّ عشقك له أكثر من الذي كان موجودًا، ولن تدخل أيّ تعديلات على شخصيّتك إلاّ إذا تمّ ذلك تحت الأضواء وأمام عيون الجماهير وعلى خشبة في مسرح يتّسع لملايين المعجبين والمريدين والأتباع والمؤمنين.
كنت أعرف، لا لأنّني أشدّ ذكاء من سواي، بل لأنّني أحببت أكثر من سواي، ومن يحبّ يعرف أكثر وقبل كلّ الناس.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2009

من ليس له يطلب منه


نكاد نقتنع، نحن الفقراء، بأنّنا مسؤولون عن التلوّث والأمراض والأوبئة ومشاكل البيئة والتكاثر السكانيّ والقضاء على الثروات الطبيعيّة واستهلاك مواردها التي باتت شحيحة.
فوسائل الإعلام مثلاً لا تتوقّف عن دعوتنا إلى عدم الهدر في المياه والكهرباء والتخفيف من تلويث البيئة، ولكن إذا أحصينا كميّة المياه التي تستهلكها عائلة فقيرة نجد أنّها لا تشكّل نقطة في مسبح عائلة ثريّة، وإذا راقبنا دلو المياه الذي يأخذ منه الفقير ما يكفيه للاستحمام نجد أنّ الكميّة المستهلكة لا تكاد تكفي كي يغسل طفل ثريّ أسنانه. وإذا حسبنا كميّة الملابس التي تحتاج إلى غسل وأوعية الطعام التي يجب أن تجلى الأوساخ عنها لوجدنا أنّ الفقراء لا يملكون الكثير من الثياب ويخشون إن غسلوها بكثرة أن تهترئ ويخسروها، وهم يلحسون صحونهم حتّى آخر حبّة رزّ فلا يهدرون إذًا الكثير من المياه. ومع ذلك فمطلوب منهم أن يقتصدوا عند الاغتسال والتنظيف كي يستطيع أحد الأثرياء أن يفتح رشّاش الدوش على جسمه ليزيل التشنّج عن كتفيه وعطور النساء عن جسده.
وعلى الفقير الذي يملك لمبة واحدة أن يطفئها وينام باكرًا، لكي تستطيع إحدى سيّدات المجتمع أن تضيء الثريّات الكريستال في صالونها الفخم خلال سهرة فنيّة تجمع نخبة من أهل البلد. وهو طلب منطقيّ إذ يقول المثل عندنا: نام بكّير وقوم بكّير وشوف الصحّة كيف بتصير، والعتمة تسمح للفقير بتأمّل القمر والنجوم ما يدفعه لكتابة الشعر الذي سيستمتع الثريّ بقراءته.
وعليه أن يرتدي ملابس مصنوعة من النايلون والبوليستر ويترك القطن الصحيّ والحرير الطبيعيّ النادر للثريّ، وعليه أن يأكل من مستوعبات النفايات ويبتلع الفضلات لكي يساعد في التخفيف من التلوّث بدل أن تبنى مصانع لإعادة تدوير النفايات.
صحيح أنّ الأثرياء هم الذين يملكون الآلات التي تلوّث الطبيعة وتساهم في توسيع ثقب الأوزون ورفع حرارة الأرض، ولكنّهم لا يفعلون ذلك إلاّ مرغمين وتحت وطأة ظروف قاهرة وفي سبيل المصلحة العامّة.
وبما أنّ الفقراء أكثر بكثير من الأغنياء من الطبيعيّ أن يستهلكوا كميّة أكبر من الهواء، ولذلك يتمّ الآن إعداد حملة إعلانيّة ضخمة تهدف إلى تنبيه الفقراء إلى مخاطر أنانيتهم وتوجيههم إلى ضرورة المساهمة في حلّ مشكلة الأرض، وذلك بالطلب منهم أن يمتنعوا عن عمليّة الشهيق، والاكتفاء حاليًّا بالزفير لأنّهم يسحبون الأوكسجين من أمام أنوف الأثرياء.
ولكن المشكلة معنا نحن الفقراء ليس لها حلّ، فإن طلب منّا إطفاء المصابيح أنجبنا الأطفال أي المزيد من الفقراء، وإن طلب منّا التوقّف عن الشهيق متنا ولن يجد الأغنياء من يخدمهم. ولذلك سيبقى الفقر المشكلة التي تؤرق الأغنياء. وربّما هنا نتساوى.

الشعر لغة الإنسان الأولى



     عند اللحظة الأولى للولادة نلتقي بالشعر. كلمات بسيطة مفعمة بالمشاعر وممزوجة بموسيقاها الداخليّة الناعمة تصل إلينا ما أن نأخذ النفس الأوّل ونطلق الصوت الأوّل لا بل قبل ذلك بكثير، أي عند لحظة التكوّن. نعم، عند هذه اللحظة بالذات تبدأ علاقتنا بالشعر ونمضي حياتنا كلّها ونحن نبحث عنه في كلّ ما يحيط بنا: في وجوهنا ووجوه من حولنا، في مأكلنا، في ملابسنا، في أثاث بيتنا، في لقاءاتنا بالناس، في خلوتنا مع أنفسنا، في صلواتنا، في الأفلام التي نشاهدها، في الأغنيات التي نسمعها، في الغيوم والبحر والشمس والحبّ والموت وكلّ شأن من شؤون الحياة.
     ولذلك فالشعر هو الذي يبقى.
*****
     في مكتباتنا الخاصّة نحتفظ بأعداد كبيرة من الكتب، وحين يخطر على بالنا أن نتخلّص من بعضها بسبب ضيق المكان ولنفسح المجال لسواها، لن نفكّر في التخلّي عن ديوان شعر. وحين نفكّر في إعادة قراءة كتاب، لن تطال يدنا إلى كتاب شعر.
    الدراسات والأبحاث؟ نعود إليها لعمل ما، لإثبات رأي، لتحليل قضيّة، للتفتيش عن معلومة. أمّا الشعر فأمر آخر.
    الروايات؟ نادرًا ما نعيد قراءة رواية، لأنّنا متى وصلنا إلى النهاية، تنطفئ الدهشة أو تخفت، إلاّ في الروايات ذات النَفس الشعري. فنحن نعود إذًا إلى الشعر لا إلى النثر، ولذلك فالشعر أمر آخر.
    التاريخ، الجغرافيا، العلوم، الفنون، كلّها موجودة في الشعر، ومن دون الشعر لا قيمة لها.
******
     الفيلم الأميركيّ  Contactمن بطولة جودي فوستر، قدّم تحيّة للشعر من خلال إظهار عجز العلم عن التعامل مع الجميل والغامض والساحر. ففي الفيلم الذي شاهدته عشرات المرّات بسبب تحيّته للشعر، تكون البطلة عالمة تبحث عن حياة خارج هذا الكوكب، وعندما أقنعت حكومات الدول بأنّ مخلوقات من كوكب آخر اتّصلت بها، جرى إعداد مركبة لرحلة استكشاف بهدف التأكّد من وجود هذه الكائنات. وحين تصل العالمة إلى حيث من المفترض أن يكون "العالم الآخر" وأمام جمال ما رأت، تمتمت في دهشة: كان يجب أن يرسلوا شاعرًا ليصف لهم ما أرى.
    فالشعر بمعنى آخر قادر على التعبير عمّا تعجز عنه أيّ لغة تعبيريّة أخرى.
******
    لا خلاص لنا إلّا بالشعر. لا حياة لنا إلّا في الشعر. ولذلك يجب أن نحتفل، كما كان العرب يفعلون قديمًا، عندما نكتشف بيننا شاعرًا، أو من يتذوّق الشعر. ولكنّنا عوض ذلك نحتار كيف نهاجمه أو نسخر منه أو ننتقده بشكل لاذع لا يصحّح مسيرة ولا يقوّم أسلوبًا. ففي عصر الصورة غير الشعريّة، بل الفجّة الوقحة المباشرة النثريّة، رائع أن نجد بين الشباب من يرغب في الشعر. رائع أن يكون ثمّة إنسان يؤمن بالكلمة وقدرتها وسحرها وجمالها، ويحاول مرّة بعد مرّة بعد مرّة أن يعبّر بواسطتها عمّا يشعر به ويفكّر فيه. فالشعر ليس الطريق السهل والمناسب للوصول إلى الشهرة أو تحصيل المال أو استلام السلطة، ومع ذلك اختاره أحدهم، وفي هذا العصر بالذات، ليكون وسيلته للتعبير، لا بل راح إلى أبعد من ذلك، ودعانا كلّنا إلى الاحتفال معه بخطوته الأولى على درب الشعر، الشعر نفسه الذي تكوّن مع كلّ واحد منّا لحظة كنّا. ومع ذلك لم نلبّ الدعوة، ولم نقرأ ما كتبه، أو سخرنا ممّا كتبه.
    صحيح أنّ النقد البنّاء والعلميّ ضروريّ ومطلوب ولا تستقيم الحركة الشعريّة من دونه، وصحيح أنّ رفوف المكتبات مثقلة بملايين الكتب التي لا تجد من يقرأها، وصحيح أن ليس كلّ ما يكتب يستحقّ أن يحمل صفة الشعر ولن ينال جوائز، ومع ذلك، أجد نفسي حاليًّا منحازة إلى الكتابة والشعر مهما كان المستوى وكيفما كانت اللغة وأيّا تكن القيمة الأدبيّة. فلن يخلو ديوان من جملة شعريّة، ولن يعجز أحدهم عن تحقيق أعجوبة القصيدة، فلذلك دعوا الجميع يكتبون الشعر فذلك أفضل مرّة من الخطب السياسيّة، والاقتتال المذهبيّ، والصراع الطائفيّ، والحوار الإيديولوجيّ، والمناظرات الفكريّة. دعوا الجميع يقولون الشعر ويتذوّقونه لأنّهم بلا شكّ سيصيرون بشرًا حقيقيّين يعرفون الجمال والسلام.
     فيا أيّها النقّاد في الصفحات الثقافيّة احتفلوا مع الشعراء ولو بجملة واحدة قبل أن يقضي علينا نثر هذه الحياة.

الاثنين، 19 أكتوبر 2009

ومن يعنيه أمر التاريخ؟



ما رأيكم في هذه العبارات: التاريخ لن يرحم هذا الزعيم، التاريخ سينصف ذلك القائد، التاريخ سيسجّل لفلان مواقفه المشرّفة، وعلى فلان مواقفه المشينة...وما إلى ذلك من كلام يختلط فيه الترغيب بالترهيب؟ بربّكم، هل هناك حقًّا من يعبأ بأمر التاريخ، ومتى فعل ذاك الزعيم ما يريده، ومتى نفّذ ذلك القائد ما في رأسه، فهل سيعنيهما فعلاً ما سيسجّله التاريخ لهما أو عليهما؟
ها هو تاريخ البشريّة أمامنا، نقرأه ونضع علامات الاستفهام حول ما ورد فيه، وننتظر كلّ يوم مفاجأة جديدة قد تنسف كلّ "الحقائق" التي كانت من المسلّمات غير القابلة للجدال. وإذا كان التاريخ المعروف يحمل كلّ هذه الهشاشة، فكيف بما غاب عنّا ممّا جرى منذ بداية العالم؟ لا شكّ في أنّنا عرفنا شيئًا وغابت عنّا أشياء، وبالتالي فثمّة الكثير الكثير ممّا لا نعرفه، وما نعرفه لا نثق في صحّته. ومع ذلك يخيف بعضنا البعض الآخر من التاريخ، التاريخ نفسه الذي يكتبه المنتصرون ويمحوه المنتصرون.
ولذلك ففي لبنان لا يوجد كتاب للتاريخ، إذ إنّ قاعدة لا غالب ولا مغلوب جعلت من المستحيل كتابة تاريخ واحد يُجمع عليه كلّ الأفرقاء، ولذلك كان المخرج اللائق هو عدم كتابة تاريخ لم يتمّ الاتفاق على أصوله وفروعه وأبطاله وشهدائه وجغرافيّته. ولذلك قلنا لأولي الأمر (عبر صحيفة النهار اللبنانيّة): يا جماعة دعونا نكتب التاريخ المتّفق عليه: تاريخ العلم والفلسفة والفنّ التشكيليّ والغناء والمسرح والشعر والزجل والتلفزيون والعمارة والزراعة والصناعة والأزياء والرقص والفولكلور والرياضة، غير أنّ الجماعة خافوا من أن تصل القراءات المختلفة لتاريخنا إلى هذا الجانب الإبداعيّ فتزرع فيه الأحقاد والضغائن فتجاهلوا النداء واستمرّ تلاميذنا على جهلهم، يعرفون كلّ ما تبدعه المخيّلة الأجنبيّة من حسنات وسيّئات وتغيب عنهم تمامًا قدرات أبناء بلدهم الفكريّة والفنيّة والعلميّة.
ومن المخيف أن تكون ذاكرة الحرب عندنا هي الأكثر نشاطًا على صعيد التأريخ، فالآباء ينقلون لأولادهم تجاربهم وحروبهم وبطولاتهم وأحقادهم ويغذّون فيهم العنف والغضب والرغبة في الانتقام والثأر، ما يجعلنا نخشى الدوران من جديد في حلقة من الحروب لا نعرف متى تنتهي. ولذلك وعلى الرغم من عمل دؤوب تقوم به الجمعيّات الأهليّة في المجتمع المدنيّ من أجل محو آثار الحرب نشعر بأنّ جمرًا ملتهبًا يختبئ تحت رماد الهدوء الإقليميّ الحذر، وكلّ خشيتنا من أن تهبّ العاصفة من جديد لتضيف فصلاً جديدًا إلى فصول معاناتنا.
ومن المؤكّد أن لا أحد من زعمائنا سيخاف عند ذلك من التاريخ الذي يقال إنّه لا يرحم، لأنّه سيكون مشغولاً بمخاوف أكثر واقعيّة.

الأحد، 18 أكتوبر 2009

الزجل اللبنانيّ والمازة


فلنتفّق أوّلاً على أنّ الزجل اللبنانيّ يختلف عن الشعر العاميّ اللبنانيّ الذي ولد من رحم الزجل غير أنّه استقلّ في بيته الخاصّ. ولنتّفق ثانيًا على أنّ ما أريد قوله عن الزجل اللبنانيّ يصحّ على كثير من وجوه التراث والفولكلور في لبنان وفي أيّ بلد آخر.
الزجل اللبنانيّ في ذاكرة الناس طاولة يجلس خلفها شاعران أو أربعة شعراء يتبارون في ارتجال شعر له نكهة خاصّة ومميزة، ومهما علت النبرة واشتدّت اللهجة وقست المفردات تنتهي المبارزة الشعريّة بتوافق الجميع وخلاصة ترضي الضمير والجمهور. وكانت الطاولة عبارة عن مائدة ملأى بالمازات اللبنانيّة وكؤوس العَرق، قبل أن يمتنع بعض الشعراء عن وضع الكحول احترامًا لمشاعر كثيرين. كانت المائدة لوحة لا يكتمل المشهد الزجليّ من دونها، وغالبًا ما كنّا، صغارًا، نراقب كيف يتطاول الشاعر ليرتفع رأسه فوق رأس البندورة في صحن الخضار الكبير الذي يزيّن وسط المائدة. وما نخشاه أن يزول الزجل وتبقى المائدة والمازة اللبنانيّة على عادتنا في التمسّك بشكل التقاليد من دون النظر إلى أبعد من صورتها البرّاقة.
مناسبة هذا الكلام، دعوة وزير الداخليّة زياد بارود إلى إدخال الزجل في المناهج التعليميّة. وجاء هذا الكلام خلال حفلة في رعاية الوزير وحضوره لمناسبة توقيع ديوان "غلال العشرين" للشاعر الزجليّ جورج ضوّ . صحيح أنّ هذه الدعوة نالت حصّتها من تعليقات البرامج الفكاهيّة على اعتبار أنّنا نداوي أمراضنا بالسخرية ونحلّ مشاكلنا بالنكات، غير أنّنا، ولو كان عندنا هموم أكثر خطورة، لا نستطيع إلاّ أن نوافق الوزير على وجوب إدخال الزجل والشعر العاميّ في المناهج الرسميّة على اعتبار أنّهما وجهان من وجوه ثقافتنا، ووسيلتان تعبيريّتان حضاريّتان جميلتان وغنيّتان في أزمنة الشتائم والقبح والقحط الفكريّ.
في الزجل كما في سواه من الفنون ما يستحقّ التخليد والتدريس بقدر ما فيه من الحشو والتكرار والمبالغات الصبيانيّة والركاكة. وحين نوافق معالي الوزير على طرحه نأمل عند الفرز أن يطرح الزؤان ويحتفظ بالقمح، خصوصًا أنّه قال في كلمته: "قلبي على الزجل اللبنانيّ في شكل خاصّ، وأضمّ صوتي إلى صوتكم في ضرورة جمع هذا التراث العريق، وتعليمه في المدارس. فشعر الجاهليّة جميل حفظه، ولكن حذار من جاهليّة لا شعر يحفظ فيها ولا تراث ولا شعراء يكرّمون".
ونضيف إلى تحذير الوزير: حذار من أغنيات لا شعر فيها، وحذار من شعر لا فكر فيه ولا جمال، وحذار من سياسة لا أخلاق فيها، وحذار من قشور لا نفع لها وقروش لا هويّة لها، وحذار من طوائف لا دين لها، وحذار من شعارات وطنيّة ترتفع فوق أنقاض الوطن.

وهم الحريّة


عندما لا تكون حرًّا تعرف أنّك لست حرًّا وتسعى جاهدًا كي تنال هذه الحريّة. وفي أغلب الأحيان ستموت قبل أن تحقّق غايتك، أو تقتل لأنّك تكاد تقترب من تحقيق حلمك.
مع اقتراب ذكرى اغتيال جبران تويني، يعود إليّ موضوع الحريّة، في الكتابة وسائر وسائل التعبير، ليضعني أمّام حيرة صغيرتيه غابريلاّ وناديا حين تكبران وتتساءلان إن كان الأمر يستحقّ أن يتركهما والدهما الشاب قبل أن تتعرّفا عليه، لماذا؟ لأنّه أراد تسجيل موقف بالدم بعدما وضع عنوانه العريض بالحبر.
هل ذهب جبران ضحيّة الحريّة التي نظنّ، نحن الذين نكتب على اختلاف مستوياتنا وصحفنا وأنواعنا الأدبيّة، أنّ فيها خلاصنا ومستقبلنا؟ أم ضحيّة وهم الحريّة وسرابها المخادع في صحراء عقلنا العربيّ؟ من المعروف طبيًّا وعلميًّا أنّ مرضى الوهم يعانون من العوارض الجسديّة والنفسيّة نفسها التي يعاني منها المصاب بالمرض فعلاً. ولذلك نحن مصابون بوهم الحريّة الخطير والمعدي والسريع الانتقال. فنحن، ولأنّنا نظنّ أننا أحرار: نكتب ونعشق ونسافر ونعمل ونتزوّج وننجب، معتقدين في قرارة نفوسنا أنّ كلّ هذا الذي نفعله إنّما نفعله بإرادتنا ولم يمله أحد علينا. ولو كنّا نعرف أنّنا لسنا أحرارًا لما عذّبنا أنفسنا بفعل أيّ عمل أو نشاط لأنّنا في عمق وجداننا نعرف أنّ العبد "لا يحسن الكرّ والفرّ، بل الحلب والصرّ" على ما قاله عنترة بن شدّاد العبسيّ عن نفسه قبل أن تحتاج القبيلة إلى شجاعته وتهبه الحريّة من دون أن تسمح له بممارستها حيث يريد ومع من يريد.
أيّة كذبة خطيرة تلك التي يجعلونك تصدّقها وتنادي بها وتعمل من أجلها؟ وبماذا أنت حر؟ ومتى كنت أيّها القارئ من طبقة الأحرار، وأيّ عمل أنجزته وكنت فعلاّ فيه حرًّا لا تخضع لقانون الجاذبيّة أو أوامر الطبيب، أو تعليمات المسؤول عنك أو تقلّبات السوق والمصارف أو حرارة الطقس أو رغبات الجسد من جوع وتعب وشوق ورغبة؟ ولا مرّة. هل تعلم لماذا؟ لأنّك تخاف.
نعم فالخوف هو عدو الحريّة الوحيد. الخوف من الموت يجعلك أسير الدواء، والخوف من القتل يبقيك أسير المنزل، والخوف من الفقر يفرض عليك أن تكون أسيرًا لعبوديّة العمل، والخوف من الوحدة يجبرك على أن تكون أسير الآخرين، والخوف على من تحبّ يحبس الكلمات في قلبك فتعجز عن قول الحقيقة، والخوف من السلطة يجعلك عبدًا لكلمات التبجيل.
ما من أحد منّا حرّ. على الأقلّ ليس في هذا العالم!
ما من أحد منّا حرّ. ولكنّنا جميعنا مصابون بوهم الحريّة وهو مرض لا يقتلك إلاّ متى اكتشفت أنّك مصاب به.

السبت، 17 أكتوبر 2009

الحاجة إلى الآخر



لماذا يحتاج الواحد من البشر إلى الآخر؟
ولماذا يصعب كثيرًا - كي لا نقول يستحيل - على الإنسان أن يبقى وحده؟
خلال الأيّام الماضية ازدادت قناعتي بأنّني كوّنت لأكون وحيدة، وأنّني أستطيع أن أمضي أيّامًا طويلة بلا رفقة أحد.
على كلّ حال، يبدو لي أنّ الحاجة إلى الآخر هي محض استغلاليّة، أيّ أنّ الواحد منّا يريد من الآخر أن يبقى إلى جانبه لمصلحة معيّنة، والمصلحة مصلحتان طبعًا: ماديّة ومعنويّة وأحيانًا تختلط الواحدة بالأخرى حتّى يصعب التمييز بينهما. فالحاجة إلى العاطفة مثلاً أو المساعدة أو حتّى الثرثرة هي ما يجعل الواحد من الناس يتّصل بالآخر ليشعر بأنّه ليس وحيدًا.
أتعلم؟ أظنّ أنّ عندي قراءة أخرى لحكاية الخلق! فآدم هو من أخذ الضلع من صدره وخاطبه وظلّ يخاطبه حتّى تحوّل كائنًا آخر. كما فعل "طوم هانكس" بالكرة حين كان على الجزيرة.
الحاجة أمّ الاختراع.
ولذلك نحن نخترع الصورة التي نريدها للناس الذين حولنا لأنّنا كنّا في حاجة إلى هذه الصورة بالذات لا إلى سواها. ولذلك نعمل طيلة علاقتنا بالآخرين على تغييرهم وتعديلهم ونصحهم وإرشادهم ليصيروا على صورتنا ومثالنا.
على كلّ حال الله نفسه فعل ذلك. ولذلك يلحّ عليّ السؤال التالي: ما حاجتك إليّ؟ وما حاجتي إليك؟ لا أصدقاء مشتركين، لا هوايات مشتركة، لا مواضيع نتّفق عليها، لا نشاطات مشتركة، لا أهداف مشتركة، لا تشابه في الشخصيّتين، حتّى المشاعر المتبادلة يختلف توصيفها بيني وبينك. ما الذي يجمعنا إذًا؟
من الواضح أنّ الشعر هو القاسم (أو الجامع) الوحيد الذي كان بيننا، وبعدما زال ذلك القاسم حين جرفك نثر الحياة حاولنا بتهذيب ولياقة أن نستمرّ في تواصل مفتعل إلى حدّ ما، كمن يقف على أطلال صداقة عزيزة يجد نفسه مذنبًا إن تركها وحيدة في صحراء العمر الجافّة ومضى إلى حيث الواحات والمياه والغزلان والناس...
ولا شكّ في أنّ الأمر يتطلّب شجاعة وصراحة للاعتراف بأنّ الأمور لم يعد لها وهجها الأوّل. أنت ستقول الآن: ولكن هذه طبيعة الحياة. وأنا أجيب: الحياة؟ ربّما! ولكن ليس حياتي بالتأكيد.
كنت دائمًا تشبّه حركة العلاقات الإنسانيّة بحركة رقّاص الساعة الذي يمرّ في إيقاعات مختلفة قبل أن يجد إيقاعه المنضبط والصحيح...وأنا أضيف والرتيب والممل والذي لا يفاجئ والذي نتوقّعه. الرقّاص أصابه الجمود في تلك الساعة الجميلة الكبيرة النادرة في ذلك القصر الأنيق القديم البعيد. فما حاجة القصور الخالية من الناس إلى الوقت؟
عندما أصف الأمر بهذه الطريقة أبدو كمن يقسو على نفسه أو على الآخر أو على الصداقة بحدّ ذاتها. الأمر هو مجرّد وصف لا أحكام فيه ولا مقرّرات غير قابلة للطعن. لماذا نهرب من وصف الأمور كما هي أو على الأقلّ كما نظنّ أنّها هي، ليس في الموصوف عيب أو حلية كما علّمونا في دروس القواعد. الموصوف هو هكذا من دون إعلاء لشأنه أو تشويه لحقيقته. وإذا كانت الصداقات تصاب بما يصاب به الأشخاص من تعب وملل وشيخوخة فلماذا لا نقول ذلك؟
أشبّه كتاباتي إليك بالرسائل التي توضع في القناني الزجاجيّة وترمى في البحر على أمل أن تقع بين أيدي من يعرف قيمتها، وأشبّه وجودك الصامت بالصديق الخياليّ الذي يخترعه الأطفال عندما لا يجدون من يتكلّمون معه. يعطونه اسمًا وشكلاً ويضعون على لسانه الكلمات ويطردونه من الغرفة إن أساء التصرّف. المهمّ أن يعرفوا في لاوعيهم أنّه خياليّ وأجمل من أن يكون حقيقة وإلاّ أصيبوا بالشيخوخة المبكرة.
البارحة رسمت نفسي ناطورة المفاتيح وأقمت وحدي في مملكة لا ملك فيها. نزلت أختي وابنتها إلى بيروت، وبقيت مع الفتاتين الصغيرتين اللتين نامتا حتى الظهر، كانت القرية خالية تماما من الناس، إذ نزل الجميع بعد العيد (لكلّ قرية عيد وموسم) إذ صاروا يقلّلون من صعودهم إلى بيوتهم بسبب غلاء البنزين. كان الإصغاء إلى الصمت مثيرًا وأليفًا كالشعور بملامسة جسد اشتقت إليه، وكان الهواء الصباحيّ البارد منعشًا يشعرك بأنّك ترغب في الاستحمام فيه وفي تركه يلامس كلّ جزء من جسمك. وكان الضوء نظيفًا وصافيًا كأنّ العيون التي كان من الممكن أن تلوّثه لم تتكوّن بعد.

Youhanna Demougeot
منذ زمن لم أعرف هذا الصمت المنعش النظيف كاّن الأرض كوّنت في تلك اللحظة. وفي تلك اللحظة، فكّرت فيك وأردت أن أقول لك كم الأمر رائع ومريح، وعند ذلك تأكّدت أنّ الحاجة إلى الشخص الآخر لا تكون لأنّك اشتقت إليه ولا لأنّك ترغب في أسره إلى جانبك ولا لأنّك لا تستطيع العيش من دونه ولا لأنّك تريد أن تشكو له همّك ولا إلى ذلك من الافتراضات التي قد تملأ عقلاً مشوّهًا كعقلك، بل الحاجة إلى الشخص الآخر تكون في الأساس لكي تقول له كم جميل ما تراه وكم ترغب في أن يرى معك ما تراه. ولذلك احتاج الإنسان الأوّل إلى الإنسان الثاني الذي أصبح الصديق الأوّل في تاريخ البشريّة. فقط لأنّه أصغى والتفت إلى حيث أشار إليه الإنسان الأوّل وقال: أنظر كم جميل هذا الذي نراه.

الجمعة، 16 أكتوبر 2009

المعلّمة والزعيم


مع نهاية شهر أكتوبر – تشرين الأوّل 2009، صارت المعلّمة البريطانيّة كارول وولغار (51 عامًا) زوجة لزعيم قبيلة تنزانيّة اسمه "أمري شيماتا" (56 عامًا)، وتركت بلدها وبيتها لتعيش مع الرجل الذي أحبّته في كوخ متواضع من دون كهرباء ومن دون مياه.
في أغنياتنا الشعبيّة، نجد كثيرًا من هذه الحالات: ففي أغنية باللهجة البدويّة نسمع المطربة تعلن: لاترك قصرك واسكن بيت الشَعر، وصباح تغنّي مؤكّدة في أغنية "عالبساطة" أنّها ستأكل الخبز والزيتون والبطاطا من أجل من تحبّه. وإذا كانت المرأة في الأغنيات هي التي تتنازل عن الغنى والجاه والرفاهيّة في سبيل الحبّ، وترضى بحياة الفقر والعوز، فالرجل في الحكايات الشعبيّة (ثمّ في الأفلام والمسلسلات) هو الأمير الذي ينقذ الفتاة الفقيرة ويحملها إلى قصره.
ولكن ما هو الوضع بعيدًا عن الشِعر والخيال؟ وكيف هي الحال في واقع الحياة؟ وما الذي جعل المعلّمة "كارول" تترك كلّ شيء لتأتمر بأمر "أمري"؟
يمكننا الكلام على عشرات الاحتمالات التي تجعل شخصين من عالمين مختلفين يلتقيان ويقرّران الارتباط بالحبّ وإن أمكن بالزواج، غير أنّ هذا الكلام سيأخذ منحى التحليلين النفسيّ أو الاجتماعيّ ولا نستطيع أن نفيه حقّه في هذه العجالة. ومع ذلك لا بدّ من التذكير بأنّ التناقضات تتكامل وبأنّ الإنسان يقع غالبًا في هوى ما يمثّله الآخر لا في حبّه كشخص قائم في حدّ ذاته، ولا بدّ من الاعتراف بأنّ أكثر حالات العشق والهيام إنّما كانت نتيجة أوضاع نفسيّة واجتماعيّة لم تخضع للمعالجة. وما مجانين الحبّ إلاّ المثال الحيّ على هذه الأمراض التي أغنت الشعر والمخيّلة غير أنّها بالتأكيد لم تسعد أصحابها. والناس الذين كانوا يجهلون حكاية مجنون ليلى لاحظوا هذا المنحى المرضيّ حين تابعوا حلقات المسلسل خلال شهر رمضان. ويعلّق سواهم على أنّ روميو وجولييت لو تزوّجا لما دخلا تاريخ العشق والأدب.
وإذا كانت قصص العشق الكلاسيكيّة تتحدّث عن مراهقين، فلا بدّ من التساؤل عن قرار "كارول"، وهي في المقلب الثاني من عمرها، اتّخاذ هذا القرار المصيريّ. من احتمالات الأجوبة أنّ الإنسان الغربيّ الذي تنقصه التحديّات التي يواجهها الإنسان في بلدان العالم الثالث يبحث عنها خارج حدود جغرافيّته الآمنة، وأنّه، أيّ الإنسان الغربيّ يبحث عن الإثارة والغرابة والاختلاف والمنحى الروحيّ (كما يفعل بعض من اعتنقوا المذهب البوذيّ من الفنّانين)، ولا شكّ في أنّ اطمئنان الغربيّ إلى أنّه قادر على العودة إلى حياته السابقة ما لم يعجبه الأمر أو متى انتهت المغامرة يجعله غير آبه بما يتركه خلفه أو بما يفعله بالآخرين.
ولذلك يحقّ لنا أن نطرح السؤال التالي: لماذا لم يذهب العريس إلى بريطانيا؟ وهل كونه زعيمًا في قبيلة تنزانيّة يملك السلطة على مجموعة قليلة من القرويين جعله يرفض أن يترك القارة الإفريقيّة الجائعة ليذهب إلى الجزيرة البريطانيّة المتخمة؟ أم هي العروس التي تريد الهرب من عالمها الصاخب إلى هدوء القرية التي كانت منسية لولا ذهابها إليها؟
أسئلة لن نعرف الأجوبة الأكيدة عليها إلاّ إذا تابعنا قصّة العاشقين لنعرف كم ستبقى العروس في بيتها الزوجيّ.
*******
نبحث كلّنا عن فردوسنا المفقود، عن الأمان والحنان والاكتمال.
نترك كلّ شيء ونسعى خلف حلم أو نهرب من كابوس، نفتّش عن النقيض، نحاول التفلّت من قيود أحدهم فإذا بنا نهرع للوقوع في شراك آخر، نتحاشى من يلاحقنا ونلاحق من يتحاشى رؤيتنا، لعبة من عمر البشريّة ولا عمر للاعبين فيها أو لعددهم أو لجنسهم أو لجنسيّتهم.
أمّا اللاعب البارع فهو الذي يعرف منذ اللحظة الأولى أنّ الأمر كلّه مجرّد لعب.


إمّي نامت ع بكّير

أخبرني تلاميذ إحدى المدارس عن صبيّة جميلة من زميلاتهم تصطاد الرجال المتقدّمين في السنّ في أماكن السهر. ويقولون إنّها تخرج ليلاً من المنزل بعد أن تطلب سيّارة تاكسي ولا أحد في المنزل يعرف متى خرجت ومتى عادت. وفي السهرة تتحرّش بالرجال وترافقهم إلى حيث يرغبون. فهل تبحث هذه الفتاة عن زبون أم عن والد؟
ويقول أحد سائقي التاكسي (بناء على خبرته والأحاديث التي يسمعها من زبائنه الصغار مع أصدقائهم): في شهر الامتحانات المدرسيّة، تخفّ الحركة فالتلاميذ مجبرون على البقاء في منازلهم ولو لم يدرسوا، المهمّ أن يسكت الأهل. أمّا عندما تنتهي المدرسة فلا نهدأ من كثرة العمل وخصوصًا في الليل حين يتّصل بنا الأولاد لإيصالهم إلى الملاهي والمطاعم ودور السينما.
خلال عملي التربويّ، اتّصلت بي والدة لتشكو لي همّها قائلة إنّ ابنتها تركت البيت وذهبت لتقيم مع والدها (هما طبعًا منفصلان). والسبب؟ تشاجرت معها حول موعد العودة من السهرة في شارع "مونو" (وهو معلم "سياحيّ" من معالم لبنان حيث الملاهي الليليّة/الصباحيّة). هي تريد العودة عند الثالثة صباحًا وأنا أريدها أن تعود عند الواحدة والنصف. تصوّري يا آنسة: فتاة مثل القمر تعود متأخّرة إلى البيت مع سائق تاكسي غريب. فأجبتها: ولكن يا سيّدتي لم يكن من الداعي أن تتشاجرا فلقد كان في إمكانكما أن تقسما الفرق بينكما، وعلى كلّ حال ما قد يقع عند الساعة الثالثة صباحًا يقع أيضًا عند الواحدة والنصف أو في أيّ وقت من اليوم.

هل قلت لكم إنّ الفتاة في الخامسة عشرة من عمرها؟
****
ولكن ما ذنب الأولاد كي نعتب عليهم وهم إنّما ينفّذون ما يعرفونه من تراثنا اللبنانيّ الممتلئ بأخبار البحث عن الحبّ. ألا تقول فيروز، سفيرتنا إلى النجوم، نقلاً عن الأخوين رحباني، نقلاً عن تراث القرية:
إمّي نامت ع بكّير
وسكّر بيي البوابة
وأنا هربت من الشبّاك
وجيت لعيد العزّابة.

فيروز نفسها بكلّ هالة القداسة التي أحيطت بها، تركت أمّها لتنام، ثمّ تسللّت من النافذة لأنّ والدها أحكم إغلاق البوابّة، وذهبت لتشارك في عيد خاصّ بالعازبين الباحثين عن الحبّ. وهل يفعل أولادنا سوى ذلك: ولماذا ننظر في براءة إلى ما كان يجري في القرى وننظر في شكّ وريبة إلى ما يجري اليوم؟ ربّما تغيّرت "بعض" الأمور: فالأم اليوم تخرج هي أيضًا للسهر في أعياد أخرى، والأب لم يعد يغلق الباب بعدما تبيّن له أنّ الأمر سخيف ولا يجدي نفعًا، وعلى كلّ حال هو أيضًا خارج ليسهر، فلماذا إذًا نترك الأولاد في البيت وبرامج التلفزيون تؤذي الذوق العامّ وتسيء إلى النظر وتعلّم الكسل؟ ألا يقول المثل عندنا: في الحركة بركة، ففي الخروج والسهر والرقص حركات كلّها بركات وفوائد.
أنتم تعرفون ماذا يفعل أولادكم في كلّ لحظة ولكنّكم لا تريدون تصديق ذلك أو الاعتراف به أو تحمّل مسؤوليّة نتائجه:
أولادكم الآن يسرقون من المخازن، ويفتّشون عن المخدّرات والأصدقاء، ويشطّبون أفخاذهم ليستمتعوا بمنظر الدمّ (ويتبادلون الشفرات التي يخبّئونها في هواتفهم المحمولة)، ويمارسون الدعارة من أجل مبلغ زهيد يكفي ثمن كأس وسيكارة، أو يخطّطون للانتحار...ولكن لا تخافوا ولا تشغلوا بالكم، فغدًا في الصفّ سينامون كالأطفال ليعوّضوا عن سهر الليالي وهم يطلبون العُلى.

الخميس، 15 أكتوبر 2009

عن المحبّة والمعرفة والشجاعة



المحبّة بلا معرفة قاتلة، والمعرفة بلا محبّة قاتلة، والمحبّة بلا شجاعة سراب، والشجاعة بلا محبّة إجرام.
ربّما هذه هي الخلاصة التي يتوصّل إليها الإنسان إذا صمت لبعض الوقت، بعيدًا عن صخب السياسيّين وغباء المسيّسين، واستمع إلى التناقض بين القول والفعل في كلّ ما نفعله. فكلّنا مثلاً مؤمن بأنّ محبّة الأمّهات أولادهنّ لا حدود لها، ومع ذلك فإنّ هذه المحبّة قاتلة إن لم تقترن بالمعرفة التي من دونها لن تستقيم التربية ولن تصحّ العلاقة بين الأمّهات وفلذات أكبادهنّ، وكم من مخاطر تعرّض لها الأولاد بسبب جهل أمّهاتهن أبسط قواعد الرعاية والعناية، والتمسّك في المقابل بالعادات والتقاليد البالية في شؤون معالجة الأمراض وحلّ المشاكل. وفي المقابل، معرفة الطبيب قاتلة كذلك إن لم تقترن بمحبّة الإنسانيّة، وكم مرّة تحوّل المبضع خنجرًا والدواء سمًّا في يد طبيب ألهاه السعي إلى الشهرة والثراء عن الاهتمام بالمرضى ورعايتهم. وكم من حاكم أحبّ وطنه لكنّه لم يعرف كيف يسيّر شؤونه، وكم من خبير في تسيير شؤوننا يكرهنا ويقودنا إلى الخراب.
والمحبّة بلا شجاعة سراب. فمن حالة العشق الفرديّة إلى مشاعر الأمومة والأبوّة والأخوّة، إلى محبّة الحبيب والصديق والجار والعمل والوطن، كلّ هذه الأنواع من المحبّة لا تنتج شيئًا إن لم تقترن بالشجاعة، شجاعة القول والعمل، شجاعة المبادرة واتخاذ القرار، شجاعة الشدّة عند الضرورة واللين عند اللازوم، وإلاّ كانت المحبّة ثرثرة جوفاء لا تطعم جائعًا ولا تعين محتاجًا ولا تنقذ مريضًا ولا تخفّف عن حزين، لأنّ من صفات المحبّة القدرة على الفعل لا الانفعال، والمواجهة لا الهرب، والالتزام لا الإلزام. ولكنّ الشجاعة من دون محبّة إجرام قد يطال الشخص نفسه، فالبعض يعتبر الانتحار عملاً شجاعًا، ولكن لا أحد يستطيع إنكار الكراهيّة التي تدفع إلى ذلك: كراهيّة الإنسان نفسه والآخرين والحياة. وعلى الرغم من المصطلحات الكثيرة التي يمكن ربطها بالانتحار ولا تصحّ عليها كلمة "كراهية" إلاّ أنّ اللغة العفويّة التي يستعملها من يتحدّث عن انتحاره تدور حول الكلمة المفتاح: "صرت إكره كل شي". وكذلك الشجاعة في مواجهة الآخرين التي تتحوّل متى تخطّت دوافعها وحدودها وأهدافها إجرامًا لا يوفّر أحدًا. وهذه حال من يعتبر نفسه شجاعًا وهو في الواقع متهوّر لا يحبّ إلاّ نفسه، أو ظالم أو غبيّ لا يقدّر نتيجة أعماله ولا يعرف ما قد تتركه من آثار مدمّرة. والمحبّة وحدها قادرة على ضبط ميزان الأمور وإعادتها إلى مسارها الصحيح.
وإذا حاولنا أن نطبّق هذه المعادلة الثلاثيّة العناصر على واقعنا العربيّ، بمستوييه الشخصيّ والعامّ، فسنجد أنّ كلّ واحد منّا وفي شكل شبه دائم عاجز عن إيجاد التكامل: فهناك المحبّ المتفاني غير أنّه لا يعرف كيف يعبّر عن حبّه (محبّة من دون معرفة) فلا قيمة لمشاعره إذًا ولا فائدة منها، وهناك المحبّ المخلص غير أنّه يخشى التعبير عن عواطفه (محبّة من دون شجاعة) لأنّه يخاف الصدّ أو لأنّه يظنّ أنّ التعبير عن هذه المشاعر علامة ضعف لا يقبله لنفسه، وهناك العالِم العارف الذي يستخدم معرفته للشرّ والأذى (معرفة من دون محبّة) ويسخّرها لتدمير كلّ من حوله، وهناك الشجاع الذي يواجه ويتحدّى ويستخدم قدراته لفرض الظلم لا لصدّه ولنشر الرعب لا الاحترام ولهدم الهيكل على كلّ من فيه (شجاعة من دون محبّة). ولعلّ فشلنا على الصعيدين الإنسانيّ والحضاريّ يعود إلى هذا الخلل.

طفلتا أوباما وأطفالنا



"أعرب فنانون أميركيون عن رغبتهم في رعاية إبنتي الرئيس الأميركي باراك أوباما، فقالت الممثلة آن هاذاوي إنها مستعدة لتكون الحاضنة الأميركية الأولى، في حين أعلن الممثل كوربين بلو رغبته في الترفيه عن ابنتي الرئيس،وقال المغني ديفيد آرشوليتا إنه يرغب في إعطائهما دروساً في الموسيقى. ونقل موقع "بيبول" الأميركي عن هاذاواي إنها "ستقبل موقعاً في فريق موظفي البيت الأبيض يسمح لها بالاعتناء بابنتي أوباما ساشا (7 سنوات) وماليا (10 سنوات)"، قائلة "أرغب في أن أكون الحاضنة الأساسية، الحاضنة الأميركية الأولى". وليست هاذاواي الشخصية الشهيرة الوحيدة التي أعربت عن اهتمامها بالعائلة الرئاسية، فالممثل كوربين بلو قال إنه "مستعد للترفيه عن ابنتي الرئيس طوال اليوم من خلال تأديته عروضاً فنية لهما"، مضيفا "تبدوان فتاتين في غاية العذوبة". ومن جانبه قال المشارك السابق في برنامج "أميركان آيدل" ديفيد آرشوليتا انه "يرغب في مشاركة ابنتي الرئيس في مواهبه الغنائية إذا سمح له برعايتهما"، معربا "عن رغبته في أنه يكون حاضن الطفلتين وأن يعطيهما دروساً في الموسيقى".
هذه الرغبات الفنيّة التي أعرب عنها فنّانون أميركيّون طبيعيّة وطريفة ولا مشكلة لنا معها، ولن نطلب في طبيعة الحال من الفنّانين الأميركيّين وسواهم أن يأتوا للترفيه عن أطفالنا أو أن يرغبوا حتّى في المجيء إلى بلادنا، ما دمنا نحن نحلم في تركها لا بل الهرب منها. ولا شكّ في أنّ عددًا كبيرًا من فنّانينا كان سيعلن عن رغبته في الإقامة في البيت الأبيض للترفيه عن طفلتي الرئيس الأميركيّ لولا الخشية من الاتّهام بالإمبرياليّة والعمالة والخيانة. ما المشكلة إذًا مع هذا الخبر الذي أوردته صحفنا نقلاً عن وكالات أجنبيّة؟ العدالة على هذه الأرض هي المشكلة الجوهريّة. خلال الحرب على غزّة، قضى نجل الممثّل الأميركيّ جون ترافولتا وهو شاب في السادسة عشرة من عمره، فاحتلّت وفاته حيّزًا واسعًا من اهتمام الرأي العامّ العالميّ ونشرات الأخبار. الموت موت، والحزن حزن، سواء كان ذلك في أميركا أو في فلسطين أو في أيّ مكان في العالم والدمعة لها طعم الملح نفسه على شفاه الأمّهات مهما كانت أزياؤهنّ أو لغات ندبهنّ. فهل هي خيانة أن تحزننا وفاة هذا الشاب المريض وهو في إجازة، في وقت يقتل فيه أطفال بالآلاف، ويقضي غيرهم في أسرّة المرض أو دنقًا أو جوعًا؟ وهل هي خطيئة أن نحسد طفلتي أوباما على تنافس نجوم الفنّ على من سيضعهما في السرير، ومن سيغني لهما تهويدة النوم الآمن؟ ألا يستحقّ أطفال لبنان وفلسطين والعراق نجوميّة ليوم واحد تؤهّلهم لاحتلال عناوين الأخبار؟ أليسوا هم كذلك في غاية العذوبة؟ " بحرب الكبار شو ذنب الطفولة؟" يتساءل الأخوان رحباني اللذان قالا في مسرحيّة أخرى: العدالة كرتون.
الإشكاليّة التي تطرحها هذه الأسئلة هي كيف نستطيع أن نحافظ على إنسانيّتنا ونحن محاصرون بالغضب والحقد والغباء؟ كيف أستطيع أنا كلبنانيّة قلقة على مصيرها في هذا البلد، في هذا الشرق، أن أتناسى خبرًا عن طفلتين يتنافس الكبار على خدمتهما؟ ليس المقصود طبعًا هاتين الطفلتين بالتحديد، ونحن نعرف مسيرة المعاناة التي فرضت على الشعب الأميركي الإفريقيّ قبل أن يحقّق حلمه بإيصال رئيس أسود إلى البيت الأبيض، ونعرف كذلك المبالغ التي يهدرها أثرياء بلادنا على ملذّاتهم وهي كافية لتطعم ملايين وتداوي ملايين. ولكن ثمّة ما يحيّر العقل في مسيرات الشعوب ومصائرها ونحن نرى إلى زعمائنا يتقاتلون على محبّة طفلة اسمها فلسطين، وبدل أن يقدّم لها كلّ منهم ما يستطيع تقديمه لإنقاذها، نجدهم يخنقونها بادّعاءات المساعدة والحماية ويمطرونها بالتبرّعات التي ستعيد إعمار ما دمّر غير أنّها عاجزة حتمًا عن إحياء من مات، وعن محو أصوات القصف وصور الجثث من ذاكرة من بقي من الأطفال شاهدًا على الموت في انتظار دورة عنف جديدة.

الأربعاء، 14 أكتوبر 2009

حيث لا نتوقّع



يظنّ الناس أنّ الأوساخ والميكروبات والحشرات وما تنشره من أمراض وأوبئة وروائح كريهة توجد في الأماكن التي تبدو فيها الأوساخ والنفايات ظاهرة للعيان. غير أنّني أعتقد بغير ذلك تمامًا. فأنا أقول إنّ أقلّ الأماكن نظافة ونقاوة هي حيث لا نتوقّع. فالمطبخ مثلاً أكثر اتّساخًا بكثير من الحمّام، وهذه لا بدّ من أن تكون حقيقة علميّة وإن كنت لا أملك إلاّ البراهين البسيطة لإثباتها.
فمن الطبيعيّ والمتوقّع أن يعمل الإنسان الذي يحترم أبسط قواعد النظافة على تنظيف المرحاض ومغطس الاستحمام والمغسلة وكلّ ما يتعلّق بأمور الحمّام من أغراض ومناشف وسلّة نفايات وما إلى ذلك. وهذا ناتج طبعًا عن قناعة عند الإنسان تقول إنّ بيوت الخلاء أماكن غير نظيفة وغير طاهرة وتحتاج إلى عناية على مدار الساعة. وهذا أبسط الإيمان. ولكن يميل الإنسان عفويًّا إلى الإهمال في المطبخ إذ يعتبر نفسه في تعامل مع مواد يراها ولا يأنف منها، يشمّها فيرغب فيها، يتذوّقها فيتلذّذ بها. ولذلك تستهلك أدوات التنظيف في الحمّامات أسرع بكثير ممّا تستهلك في المطابخ وهذا ينطبق على البيوت على مختلف مستوياتها الاجتماعيّة وكذلك على الفنادق والمستشفيات والمطاعم.
يمكن التأكّد في سهولة من صحّة هذه النظريّة عبر إحصاء بسيط لعدد المرّات التي ينظّف فيها الحمّام في مقابل عدد المرّات التي ينظّف فيها المطبخ جيّدًا وليس بمجرّد مسح عابر لما تناثر من بقايا وفتات. ولكن ليس هذا هو المقصود فقط! إذ في الإمكان تطبيق هذه النظريّة على مختلف مجالات الحياة، فنجد، حيث لا نتوقّع، ما لا يجب أن نجده، والعكس صحيح.
فالكفر والعهر يختبئان في يسر وسهولة بين رجال الدين ونسائه، والفساد يوجد أكثر ما يوجد بين رجال السياسة، والجهل يتباهى في أوضح صورة بين القيّمين على التربية والتعليم، والإجرام يندسّ في أبشع مظاهره بين الأطباء والممرّضين والمسؤولين عن مختبرات الأدوية، والتنابذ والتقاتل أشهر من أن يعرّف عنهما في أوساط الشعراء والفنّانين، والأميّة منتشرة بين حملة الشهادات العالية وأساتذة الجامعات، والخيانة هي القاعدة بين المتزوّجين، والاعتداءات هي القانون الذي يحكم تعامل الآباء مع أولادهم، وشريعة الغاب هي السائدة في بلاد الأديان السماويّة.
الأمثلة أكثر من أن تحصى، ما يجعلنا ننتبه إلى ضرورة التنظيف حيث لم نكن نظنّ أنّ هناك أوساخًا، وإلى واجب التعقيم حيث كنّا نظنّ أن لا ضرورة للمطهّرات، وإلى رشّ المبيدات في سرعة حيث كنّا نظنّ أنّ الطهارة نفسها تقيم هنا، وإلى رجم الشيطان حيث كان من المتوقّع أن تستقبلنا الملائكة.
من طبيعة الغبار أنّه يتسلّل إلى أصعب الأماكن، ومن طبيعة الميكروبات أنّها غير مرئيّة، وهذا ما تنبّه إليه الإعلانات عن المنظّفات والمطهّرات وتحذّر منّه ربّات البيوت ( كأنّ الرجال لا علاقة لهم بالنظافة). ومن طبيعة الجهل كذلك أن يتسلّل إلى العقول بأسرع من العلم وهو يعتمر قبعة الإخفاء كي لا يراه الذين يرون. فما هي وسائل دفاعنا وما هو المبيد الفعّال؟
في انتظار تأمين ذلك، أو اختراعه، فلنتناول طعامنا ونسهر وننام في الحمّام لأنّه أشدّ نظافة من مطابخنا السياسيّة وصالوناتنا الأدبيّة وغرف نومنا العصريّة.

السبت، 10 أكتوبر 2009

التربية في الأمثال اللبنانيّة الشعبيّة



تميل التربية في الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة إلى الشدّة والقسوة، وتميّز في شكل فاضح بين الصبيان والبنات إذ تعتبر تعليم الصبيان واجبًا في حين أنّ للفتيات الأعمال المنزليّة. ومع ذلك فـ"مربى البنات خسارة"، إمّا لأنّهنّ لا يستفدن من ذلك لغلاظة أذهانهنّ أو لأنهنّ سيتزوّجن وسيكون استثمار التربية فيهنّ خاسرًا بالنسبة لأهاليهنّ. ومع أنّ لبنان كان سبّاقًا في فتح أبواب المدارس للفتيات، إلاّ أنّ التربية في معناها الفطريّ بقيت في منظور الناس حكرًا على الصبيان مع العِلم أنّ المثل يقول: "ترباية الصبيان متل تقرقش الصوّان" أي أنّ ذلك صعب ومتعب.
وتبيّن الأمثال المتداولة العلاقة الوثيقة بين التربية بمعناها الأخلاقيّ الأدبيّ أي التهذيب واللياقة وحسن التصرّف، وتدريس الدين والعلوم والآداب والفلسفة والفنون. وفي ذلك ما يؤكّد على أنّ نموّ الشخصيّة المتكاملة مرتبط في أذهان الناس بكلا الجانبين كأنّهما وجهان لعملة واحدة. ولذلك نجد أنّ المجتمع الذي يعتبر أنْ "لولا المربّي ما عرفت ربّي" يعترف علنًا بأنّ للمربّي شأنًا كبيرًا في توجيه تلاميذه نحو الإيمان القويم فضلاً عن سائر أنواع المعرفة، ولذلك على المعلّم أن يقدّر دوره لأنّ المثل يقول: "بيكفي التلميذ يكون متل معلّمو" ومع ذلك لم يستنكر الناس أنّ يتفوّق التلميذ على معلّمه فقالوا "كم من تلميذ فاق معلّمه".
ولكي تكون التربية فاعلة ومفيدة يجب أن تبدأ منذ سنوات الطفولة لأنّ "العلم في الصغر كالنقش في الحجر" لا يزول ولا تمحوه السنون. ولذلك قال الناس: "اللي ما بيربّي زغير ما بيلاقي كبير"، وردّدوا قول المثل: "ربِّ إبنك بتلاقيه"، لأنّ التربية ترفع من شأن الإنسان وتجعله ذا قيمة ومستوى والمثل يقول: "الطير المربّى غالي". ولكي تكون هذه التربية مثمرة وتعطي النتائج المرجوّة يجب أن تقترن بالحزم الأقرب إلى القسوة، فكان المثلان "العصا بتعلّم الدب يرقص" و"العصا لمن عصا" خير دليل على أنّ الضرب وسيلة ناجحة، ثمّ أكّدوا على ذلك بمثلين آخرين وقالوا ناصحين "اللي ما بيقسّي قلبو ما بيربّي ولدو" و"بكِّ إبنك أحسن ما تبكي عليه". وأثنوا على الولد المؤدّب الذي يعترف بجميل من ربّاه حسب هذا الأسلوب وهو يردّد شاكرًا: "الله يرحم اللي بكّاني ولا يرحم اللي ضحّكني".
وفي التمييز بين طريقتي الأب والأمّ في التربية أوضح الناس أنّ للأب قلبًا وللأمّ قلبين، ولذلك يعهد المجتمع بالتربية الحازمة للوالد المؤتمن على هذا الواجب، وقالوا له لتسهيل المهمّة عليه على اعتبار أنّ له قلبًا يشعر مع أولاده: "أدّب الكبير بيتأدّب الزغير". غير أنّهم اعتبروا أنّ الأبوّة الحقيقيّة هي التي تولي التربية الشأن الأوّل ولا تكتفي بالوظيفة البيولوجيّة أي الإنجاب، فـ"الأب من ربّى لا من خلّف".
ومع ذلك، ثمّة من نصح بتخفيف وطأة القسوة وقال للفريق الأوّل: "من أطاع عصاك فقد عصاك" و"كترة الشدّ بترخي"، و"إبنك ما تعلّمو، الدهر بيعلّمو" على اعتبار أنّ التجربة الشخصيّة أكثر نفعًا من كلّ المواعظ والضرب بالعصي. ولكنّ ذلك لا يعني غضّ النظر والإهمال وترك الحبل على غارب الولد لأنّ "الترباية نطارة مش شطارة" أي أنّ القاعدة الأولى في التربية لا تقوم على البراعة في إطلاق النظريّات التربويّة بل في الاهتمام والمراقبة وتكريس الوقت والجهد وإلاّ صحّ المثل القائل "شرايتو ولا تربايتو" وفي ذلك يتساوى الأولاد مع سائر السلع التي صرنا نشتريها ولا نتعب أنفسنا في إعدادها وتحضيرها.
على كلّ حال، التناقض في نظرة الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة إلى التربية يشبه التناقض الفاضح في الأساليب التربويّة الحديثة وهي من كلّ مدرسة ومذهب وحضارة. وهذا أمر تفرضه طبيعة الأولاد والمجتمع والعصر. ولا بأس من الاستفادة من خبرات القدماء والمحدثين في المجال التربويّ شرط ألاّ يتحوّل أولادنا فئرانًا في مختبرات العلم.

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

سهران بطقّة الضهر



نشرت صحيفة "السفير" اللبنانيّة دعوة إلى أمسية شعريّة يحييها الزميل الشاعر والإعلاميّ زاهي وهبي، وذلك في إحدى المدارس اللبنانيّة. واللافت في أمر الدعوة، والطريف في الوقت نفسه، هو أنّ موعد هذه "الأمسية" هو...الساعة الواحدة من بعد الظهر.
طبعًا الخطأ غير مقصود، ولكنّه يعبر عن ارتباط الشعر في بال كلّ واحد منّا بالليل، كأن من غير المتوقّع أن يدعى الناس للاستماع إلى الشعر في وضح النهار، ولذلك افترض محرّر الخبر في الصحيفة أنّ كلّ لقاء مع الشعر هو "أمسية شعريّة"، وبالتالي لم ينتبه إلى أنّ الموعد هو بعد الظهر بقليل. فصحّ في اللقاء ما قاله السكّير في مسرحيّة "سهريّة" لزياد الرحباني حين روى ما وقع معه قائلاً: كنت سهران بطقّة الضهر، ففي حالة السكر يتساوى الليل بالنهار وتضيّع عقارب الساعات اتجاهاتها ويصير من حقّ السكران أن يقول إنّه كان ساهرًا في عزّ الظهيرة، وكأنّ شرب الكحول، كالشعر، مرتبط بالليل.
أفعال الإنسان التي تتمّ في الليل عادة نوعان:
السرقة والقتل والتهريب والتآمر وسوى ذلك من الأعمال السيّئة التي يريد الإنسان أن يقوم بها تحت جنح الظلام كي لا يراه أحد لأنّه يعرف أنّها مرفوضة.
والصلاة والحبّ والشعر وأعمال الإحسان وغيرها من الأفعال الجميلة التي يفضّل الإنسان أن تبقى له دون سواه لا خجلاً بل حفاظًا على ما يقال عنه في اللغة الفرنسيّة "الحديقة السريّة" أي الحيّز الخاص الداخليّ الحميم الذي لا نريد أن تعبث به عيون الناس أو أيديهم أو ألسنتهم.
فصلاة الليل مناجاة تهرب من صخب الحياة، يخشع فيها المرء أمام أسرار الوجود مفتّشًا في إغماضة عينيه عن النور الذي لا ينطفئ، والحبّ الذي لا يتعب، والفرح الذي لا يذبل.
وهمس الحبيبين يختبئ تحت عتمة ليل لا قمر فيه، ليعلن في صمتٍ شوق الإنسان إلى أليفه وتوأمه وشقيق روحه، وليضمّا في لقاء أيديهما وعناق ذراعيهما العالم كلّه.
والشعر ابتعاد عن التفاصيل النهاريّة الفاضحة، تختفي في عالمه صغائر الأمور، ويضمحلّ تحت سطوته صغار النفوس، ولا يبقى إلاّ سموّ الكلمات وغواية المعاني وسحر الموسيقى.
وأعمال البرّ والإحسان تتستّر بالظلمة كي ترفع الظلم عن محتاج إلى الطعام والدفء والأمان.
"الليل ستّار العيوب" نقول في لهجتنا اللبنانيّة، لأنّه يستر ما لا يجب أن يُرى ويُعرف، ولأنّ مجيئه هو موعد انطلاق العيوب من أحزمة العفّة والتعقّل، ومع تسلّل عتمته تخرج كائنات العوالم الغامضة من معاقلها، ويخاف الناس على أرواحهم وعقولهم وأجسادهم، من اللامنظور منها ومن المنظور على حدّ سواء، إذ يتوحّد مصدر الخوف وتتساوى الوحوش والأرواح والناس في نزعة الشرّ.
ولأنّ "كلام الليل يمحوه النهار"، يخجل الناس ممّا فعلوه في الليل ومن بوحهم وصدق مشاعرهم، بخيرها وشرّها، ومن غرائزهم التي تخلّصت من سطوة القانون والدين والأخلاق لتعبّر عن حقيقتها. لذلك يتراجع كثير من العشّاق عن وعود قطعوها في الليل، وكلمات انطلقت منهم بلا رقيب، ورغبات فضحوها وهم لا يعون ماذا يفعلون. ألذلك ربّما ارتبط اسمه بالعين التي تفضح صاحبها في مواويلنا المتفجّعة حين نتأوّه قائلين: يا ليل، يا عين؟ أم هو التخيير بين الليل الذي لا يرى والعين التي ترى؟
وهذا ما يدفع بعضهم إلى تأجيل أمورهم الدقيقة إلى الصباح وهم يقولون" الصباح رباح" على اعتبار أنّ الربح مضمون في ضوء النهار حين يعود الإنسان إلى العقل الذي يرى ويسمع ويفكّر ويدقّق ويحاسب، أو على الأصحّ حين يعود العقل إلى قاعدته سالمًا.
ومع انتشار حكايات الأطفال ذات الجذور الغربيّة ارتبط الليل أكثر فأكثر بالممنوع والمحرّم، فـ"عقلة الإصبع" تركه والده في الغابة ليلاً، و"سندريلاّ" كان عليها أن ترجع إلى البيت قبل منتصف الليل وإلاّ عادت إلى حقيقتها وانتهى السحر. ولهذا ربّما صار الآباء والأمّهات يطلبون من بناتهم (البنات تحديدًا) العودة من السهرة قبل الساعة الثانية عشرة ليلاً، كأنْ لا يمكن أن ترتكب "الخطايا" إلاّ بدءًا من تلك الساعة.
سؤال: لماذا لم يستدعوا أبناءهم إلى البيوت لئلاّ يشكّلوا خطرًا على الفتيات؟

الأربعاء، 7 أكتوبر 2009

طلاّب اللغة العربيّة وآدابها



من يرغب اليوم في التخصّص في اللغة العربيّة وآدابها؟ سؤال يثير الجواب عليه مخاوف جدّية تقلق أهل الفكر والقلم والتربية. ولعلّ الجواب الساخر الذي قدّمه أحد آخر الأدباء الكبار دليل على مستوى الانحدار الذي آلت إليه أوضاع لغتنا الجميلة. فحين سئل الأديب الكبير عن أسباب هذا الانحطاط اللغويّ والأدبيّ أجاب: وكيف تريدون ألاّ يكون الأمر كذلك؟ فبعدما كان أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وابراهيم اليازجي ومارون عبّود وسعيد عقل وخليل حاوي نماذج عن معلّمي اللغة العربيّة في المدارس والجامعات صارت زوجتي المصون هي معلّمة تلك المادة؟
وفي محاولة لتحسين واقع اللغة العربيّة ورفع مستوى طلاّبها وعددهم، تعمد الجامعة اليسوعيّة في لبنان إلى إرسال طلاّب يتخصّصون في الأدب العربيّ إلى كبريات المدارس اللبنانيّة في محاولة لإقناع تلاميذ الصفوف الثانويّة، الفرع الأدبيّ، بالتخصّص في اللغة والأدب. وكانت محاولات هؤلاء المندوبين فاشلة مع أنّهم حاولوا بمختلف وسائل الإغراء جعل هذا الاختصاص مرغوبًا، ثمّ استخدموا أساليب التحذير من فقدان هويّتنا القوميّة حين نبّهوا إلى أنّ ثمّة طالبين فقط ينهيان دراستهما في تلك الجامعة العريقة. ومع ذلك، بقي الجواب واحدًا عند تلاميذ الصفّ الثانويّ، وهو أن لا مجال للتفكير في هذا الخيار.
نحن في لبنان نعيش على أمجاد الماضي القريب ونفتخر بأنّنا حماة اللغة العربيّة وحافظو تراثها أمام حملات التتريك والتغريب، وهو أمر صحيح لا جدال فيه. ولذلك يبدو الخوف على هذه اللغة عندنا أمرًا مشروعًا إن افترضنا أنّ تدهورها في هذا الصرح يعني أنّها لن تجد حصنًا آخر لها يتمتّع بهذه الميزات الفكريّة التي توفّق بين عراقة الماضي وتحديّات الحداثة. ومن المهمّ في هذه العجالة التأكيد على أنّ الصحافة هي الوجه الأكثر تعبيرًا عن حال اللغة العربيّة وواقعها المزري. فحين تصير لغة الصحافة العربيّة مجموعة لا حصر لها من اللهجات المحليّة لا تفكّ رموزها إلاّ بعد جهد وعناء، نعرف أنّنا نحن الذين نشكّل خطرًا على لغتنا أكثر ممّا يفعل سوانا.
الأمر الثاني الذي يفضح واقع اللغة هو اختيار مدرّسيها، فليس صحيحًا أنّ أيّ رجل دين قادر على تعليم اللغة العربيّة لمجرّد أنّه ختم القرآن أو حفظ آلاف الأبيات من الشعر القديم كما كانت عليه الحال منذ عشرات السنين. وليس صحيحًا أنّ أيّ شاعر قادر على جعل التلاميذ يحبّون الشعر، أو أنّ أيّ حامل شهادة تعليميّة بارع في تحويل اللغة أداة تواصل طيّعة في متناول التلاميذ على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم. ولذلك فمقولة "مين ما كان بيعلّم عربي" تشبه قولنا أنّ أيّ فرنسيّ يستطيع أن يعلّم اللغة الفرنسيّة لمجرّد أنّه فرنسيّ ويتكلّم باللغة الفرنسيّة.
الأمر الثالث هو زوال فنّ الخطابة كنوع أدبيّ شفهيّ راقٍ له ميزات وشروط، وترك المجال لمؤتمرات صحافيّة يسيطر عليها الصراخ وتتداخل فيها الأسئلة بالأجوبة، أو لكتّاب الظلّ الموظّفين الذين يحبّرون كلمات لا يحسن رؤساؤهم قراءتها.
الأمر الرابع هو الأغنيات. لقد كانت قصائد اللغة الفصحى لكبار الشعراء هي محكّ الموهبة عند الملحّن والمغنّي، وكان الناس يحفظونها ويردّدونها، أمّا اليوم فاللهجات المحليّة هي الطاغية، والمغنّون هم الذين يضعون كلمات أغنياتهم (ماجدة الرومي ونجوى كرم مثلاً) أو مؤلّفون لا علاقة لهم بالشعر. وفي كلّ ذلك دلائل فاضحة على ابتعاد اللغة الفصحى عن ذائقة الناس.
الأمر الخامس هو المسلسلات المدبلجة (ونستطيع أن نضمّ إليها الرسوم المتحرّكة). فعند انطلاق هذه الموجة كانت اللغة الفصحى هي السائدة، ثمّ تحوّل الأمر إلى اللهجة المحليّة (السوريّة واللبنانيّة) لسهول الكتابة ولتفادي الوقوع في أخطاء لغويّة ولإرضاء الناس، صغارًا وكبارًا.
ولا بدّ أنّ إحصاءات علميّة دقيقة ستظهر أنّ أكثر المتوجّهين إلى التخصّص في اللغة العربيّة هم من الذين رفضتهم الكليّات الأخرى ولم تقبلهم في عداد طلاّبها.

أنواع أدبيّة مندثرة

من سنّة التطوّر أن تزول أنواع لم تستطع مقاومة التغيّرات والتأقلم مع المستجدّات ما يؤدّي إلى اندثارها وانقراضها، وتطال هذه القاعدة الإنسان بكلّ أعضائه ومكوّناته والطبيعة بكلّ كائناتها وعناصرها والأفكار بكلّ اتجاهاتها وتنوّعها. والآداب والفنون التي تعبّر عن الإنسان والطبيعة والأفكار ليست بمنأى عن أن تصل إليها يد التغيير والتبديل. فها نحن نشهد على زوال أنواع أدبيّة كانت إلى زمن غير بعيد من صلب الحياة الفكريّة والنقديّة ومادة للدراسة والتحليل، لعلّ أكثرها وضوحًا اليوم الخطابة والرسالة وأدب الرحلات والمسوّدات.
*******
فمع تطوّر وسائل الإعلام لم تعد ثمّة ضرورة للخطابة الذي حلّت مكانها المؤتمرات الصحافيّة التي يعقدها السياسيّون، ولذلك كان من الطبيعيّ أن تتغيّر لغتها وبنيتها وأن تماشي قدرة الاستيعاب عند الناس والسرعة المطلوبة في العمل الإعلاميّ الحديث. وترافق ذلك مع فقدان ملكة اللغة عند الخطباء الذين لم يعودوا مجبرين على استخدام العربيّة الفصيحة، وإن فعلوا ارتكبوا ما لا يحصى من الأخطاء. وهكذا سيختفي نوع أدبيّ مميّز مع انقراض أرباب المنابر وأسياد الخطابة ولن نجد لاحقًا خطبًا من هذه المرحلة يمكن أن نعلّمها للأجيال الآتية، بل مجموعة مواقف انفعاليّة آنيّة تغيب عنها الجماليّة الفنيّة والهيكليّة المنطقيّة والأهداف المستقبليّة.
******
ومع رسائل الهواتف المحمولة وتلك الإلكترونيّة، صارت المراسلات بين العشّاق أو الأدباء مجرّد كلمات مختصرة وسريعة وعابرة لا تترك أثرًا ولا يحفظها تاريخ. وبعدما كانت حبرًا على ورق يقاوم الزمن وإن بهت لون الحبر واصفرّت الأوراق، صارت كلمات في مهبّ التكنولوجيا، تسهل كتابتها ويسهل تصحيحها ويسهل محوها. ولذلك لن يبقى شيء من ثورات الغضب والرغبة والأفكار. ولن تستطيع فتاة بعد اليوم أن تفتح خزانتها لتأخذ منها علبة صغيرة فيها رسائل قديمة ملفوفة بشريط مخمليّ أحمر تعيدها إلى زمن الحبّ، ولن تكون إلاّ تراثًا كلماتُ الرحابنة في أغنية "لا إنت حبيبي": ردتلو مكاتيبو وردّلي مكاتيبي.
******
أمّا أدب الرحلات فصار ترفًا لا يملك إمكان التنعّم به إلاّ من تسمح له الظروف بالتنقّل بين البلدان مستكشفًا. ومع ذلك فلن يصل فرد إلى إمكانات ماديّة هائلة تملكها وسائل الإعلام المرئيّة التي تستطيع أن تنقل كلّ واحد منّا وهو جالس على مقعده المريح من أعماق المحيطات إلى مجاهل أفريقيا إلى القطب الشماليّ إلى الكواكب والنجوم، وهذا ما لم يستطع تحقيقه أعظم الرحّالة في مختلف العصور. غير أنّ هذا لا ينفي وجود محاولات قليلة تصارع للإبقاء على أدب الرحلات هذا، عبر مقالات متفرّقة يعبّر فيها كاتبوها عن مشاهداتهم في ذلك البلد أو تلك الدولة، إن على الصعيد الحياة اليوميّة البسيطة أو مقاربتها من خلال علمَي النفس والاجتماع. ولكنّنا لا نستطيع وضع هذه المقالات، المتباعدة زمنيًّا في تاريخ نشرها وعدم وجود رؤية تحليليّة واضحة فيها، في خانة أدب الرحلات حتّى ولو جمعها كاتبها في كتاب واحد يحتفظ به للذكرى كما يحتفظ بألبوم الصور أو الأفلام.
******
المسوّدات التي خطّها الأدباء والشعراء والتي تحتفظ بها المكتبات الكبرى نوع آخر إلى زوال بعد تحوّل الكتّاب إلى الكتابة الإلكترونيّة. ولم يعد من مجال بعد الآن لمعرفة مسيرة النصّ من الكتابة الأولى إلى الشكل النهائيّ الذي وصل إلى الناس. وقد يكون النقاش الأدبيّ النقديّ الذي دار مؤخّرًا حول ديوان محمود درويش الذي طبع بعد رحيله، هو آخر الدراسات التي قارنت بين النصّ الأوّل (النصّ الشهيد كما يقال عنه في اللغة الفرنسيّة) وبين النصّ الأخير، متكّئة في ذلك على ما تركه الشاعر الفلسطينيّ بخطّ يده. بعد ذلك، لن نجد سوى النصوص بطبعتها النهائيّة ولن يجد مؤرّخو الأجيال القادمة ما يساعدهم على تتبّع تطوّره وملاحقة المحو والشطب والتصحيح والهوامش والخطّ ونوع الورق وما إلى ذلك من التفاصيل التي كانت إلى حين من صلب عمليّة الكتابة.
******
لا شكّ في أنّ ثمّة أنواعًا أخرى بديلة برزت وتبرز مستفيدة من تلاقي أنواع التعبير كالرقص والموسيقى والمسرح والتصوير، وهي وإن كانت لا تزال في طور التجريب بدأت تجذب جمهورًا من المبدعين والمتلقّين. ولا يزال الوقت مبكرًا للحكم على قيمتها ونتيجتها وتفاعل الناس معها.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

يلاّ تنام ريما أمام التلفزيون!




ليس لأولادنا مكان في زحمة الحياة، إلاّ في أسواق الأعياد وبين رفوف المتاجر الكبرى. هناك فقط يجدون تجّارًا يلبّون رغباتهم ويحاولون أن يؤمنّوا لهم حاجاتهم التي ليست حاجات بالمعنى الحرفيّ للكلمة، بل كماليّات تضمّ في لائحتها الطويلة الملابس الحديثة والأحذية الرياضيّة والألعاب الإلكترونيّة والحلويات الأجنبيّة.

بعيدًا عن ذلك، ليس لأولادنا أيّ نشاطات ترفيهيّة عامّة، وليس لهم بالتأكيد من يروي لهم حكايات أو من يكتب لهم كلمات أغنيات أو من يؤلّف لهم برامج تلفزيونيّة أو ينتج لهم أفلامًا سينمائيّة أو مسرحيّات تخاطب ذكاءهم ولا تعاملهم كأنّهم سذج لا يعرفون اللون الأحمر إلا من خلال ذات القبّعة الحمراء.

فعلى صعيد الحكايات الشعبيّة بات شبه محسوم أنّها إرث على طريق الزوال والاختفاء. وقد صار غريبًا ومثيرًا للسخرية أن يروي أحد كبار العائلة حكاية لأطفالها. فهذا فنّ منقرض، والجدّات اللواتي كنّ يحكين الحكايات ويحكن الكنزات صرن يتابعن مع الأحفاد المسلسلات العاطفيّة، فتساوت الأعمار وأصبح الصغار يعرفون كلّ ما يعرفه الكبار لا بل أكثر.

أمّا قصص الأولاد المكتوبة فعالم شاسع تتداخل فيه لسوء الحظ مجموعة أمور نكتفي في هذه العجالة بالإشارة إلى عنوانها: تجارة الكتب سوق للربح للمدارس ودور النشر والمطابع والمؤلّفين.

أمّا عن الأغنيات والتهويدات فما زلنا نلجأ إلى أغنيات فيروز وشوشو وماجدة الرومي وسامي كلارك حين نريد أن نرسل هديّة إلى ولد لبنانيّ في بلاد الاغتراب، وهي على جمالها الكلاسيكيّ تحتاج إلى ما يرفد معانيها بأغنيات جديدة تواكب أجيالاً من الأطفال تقبع أمام شاشات التلفزيون والإنترنت. كأنّ "ريما" التي غنّت لها فيروز كي تنام في فيلم "بنت الحارس" تلك التهويدة التراثيّة ما عادت تحبّ النوم إلاّ على صوت زعيق الرسوم المتحرّكة في سرعة وصخب.

الخلل النفسيّ واضح عند الأولاد والمراهقين: ميل مخيف إلى العنف، انزواء وابتعاد عن حياة الجماعة والاكتفاء بحلقة الأصدقاء الضيّقة، إدمان الهرب عبر: التلفزيون والإنترنت والمخدّرات والأدوية، كسل واستسلام كليّ إلى حال التلقّي السلبيّ من دون أي رغبة في القيام بأي مجهود. وهم بذلك يشيخون في مقتبل العمر، فتبدو المطالبة لهم بأغنيات وحكايات نوعًا من الغباء. ولكن أليست كلّ عمليّات الإنقاذ محاولات غالبيتها لا أمل لها ولا احتمال نجاح؟ ألا يجب أن تكون مسيرة الإنسان سعيًا دائمًا نحو مستقبل أفضل؟ أليس المفروض أن نزرع الحقول والعقول كي تأكل الأجيال الآتية ثمرًا وتحصد نجاحًا؟ثقافة الأولاد اليوم إنتاج لغات غريبة يلتقطون فتاتها من خليط ما يسمعون من أهاليهم وموظّفي الخدمة في بيوتهم وشخصيّات التلفزيون وألعاب الإنترنت والفيديو، وهي لا تؤسّس لحضارة ولا تعد بإنتاج.

ومع غياب إبداع خاص بهم يخاطبهم مباشرة ويغذّي مخيلتهم ويلوّن رتابة أيّامهم ويربطهم بتراث قابل للحياة والاستمرار لن نستغرب إن اكتشفنا في يوم قريب أنّ أطفال لبنان ليسوا أولاداً، إنّما هم مسوخ مخيفة تتزيّا بمظهر البراءة لتخفي ما تضمر من غضب وحقد على كلّ ما ومن حولها.

لقد شاخت شانتال غويا المغنية الفرنسيّة التي نذرت عمرها وفنّها للأولاد وما زال الساعون للترفيه عن الطفل يلجأون إلى خدماتها ويستحضرونها على مسارحنا في محاولة يائسة لإبقاء ما يسمّى بنشاطات للأولاد. ولكن ماذا بعد؟ وما هي البدائل الفنيّة يوم تعجز غويا عن القفز على المسرح مع شخصيّاتها المرحة، ولماذا لم نستطع أن نؤسّس لحالة فنيّة هادفة، عوض هذا الهذر والنطّ والأزياء التي تهين النظر؟

فيا جماعة الشعر والموسيقى والمسرح، بحسنة هالطفالا (الله يوجّهلك الخير يا كميل سلامة) اكتبوا للأولاد أغنيات توقظهم - بعدما شبعوا نومًا - على قيم الحقّ والخير والجمال قبل أن تصير أغنية "شخبط شخابيط" نشيد الطفل اللبنانيّ وأغنية "بوس الواوا" تهويدة ما قبل نومه؟

*صحيفة النهار - الثلاثاء 6 تشرين الأوّل 2009

طرفة بن العبد وقاسم حدّاد شاعرا المراهقة والحكمة



عهد كنت لا أزال في عالم التعليم والتربية، أثرت مع تلاميذي في مناسبات لا تحصى موضوع الشاعر الجاهليّ طرفة بن العبد، وكنت دائمًا أذكّرهم بأنّ كلّ واحد منهم فيه شيء من هذا الشاب الثائر، وإلاّ لما كان مراهقًا حقيقيًّا.
وكنت ولا أزال أرى أنّنا لم نسمح للشعر الجاهليّ الذي وصلنا، بغضّ النظر عن قائليه ورواته وحقيقته، بأن يواكب العصر، إذ يكفي أن "نترجم" كلماته ومعانيه إلى لغة اليوم العربيّة حتّى يجد فيه الناس صدى لأفكارهم وصراعاتهم ومشاعرهم. ولهذا يظلم هذا الشعر، مرّة بحجّة الدين ومرّة بحجّة الجهل، ومرّة بسبب الشكوك، ولعلّ هذا ما يعدنا الشاعر البحرينيّ قاسم حدّاد بالتعويض عنه في ما يعدّه حاليًّا عن مواطنه طرفة بن العبد صاحب إحدى أجمل المعلّقات. فهو في "ترجمته" لحياة ابن العبد وشعره إنّما يضع بين أيدينا شخصيّة تثير الكثير من الأسئلة، وتطرح بشكل مدروس وموثّق وعلميّ، بحسب ما يُفهم من كلام حدّاد، إشكاليّة العلاقة بين الواقع والمتخيّل في سيرة صاحب "خولة". وتنقل جريدة "الأخبار" اللبنانيّة عن قاسم حدّاد قوله حول هذا الموضوع: "كانت شكوكي في محلّها حول أسطورة طرفة بن العبد، وما طاولها من تحريف، إن لجهة شعره أو أسباب موته. الروح التي تنضح بها معلّقة طرفة بما فيها من تجربة وحكمة، تتناقض مع الروايات التاريخيّة عنه. هناك طرفة آخر، مختلف تمامًا، ولم تحسن هذه الروايات إزاحة اللثام عن جوهر شعره بدلالاته البالغة الغنى والتنوّع".
وفي انتظار صدور هذه الدراسة، لا يسعني إلاّ أن أقرأ علامات التشابه بين الشاعرين البحرينيّين، وأكاد أرى في السيرة الذاتيّة التي وضعها حدّاد عن نفسه على صفحة موقعه الإلكترونيّ مشاهد من معلّقة طرفة: فالشاعر المعاصر يقول عن نفسه وإن بصيغة الغائب: "قلبه طفل يراهق، ويتكلّم مثل حكيم"، أو "عابث من الدرجة الأولى"، ما يذكّرنا بقول طرفة عن نفسه: فإن تبغني في حلقةِ القوم تلقني/ وإن تلتمسني في الحوانيت تصطدِ. أو بالبيت الذي يقول فيه: ولولا ثلاثٌ هنَّ من لذّةِ الفتى/ وجدِّك لم أحفلْ متى قام عُوَّدي.
ويصف حدّاد علاقته بالذين حوله فيقول: "وهذا ما يضعني في مجابهة غضب الآخرين وهم يعلنون استنكارهم لشاعر عابث على هذه الشاكلة"، ويقول كذلك: "كأنّه لا يكتب النصّ للاتّصال بالآخرين، ولكن لينقطع عنهم ويبتعد". فنستعيد تلقائيًّا صرخة طرفة وهو يشكو إبعاده عن قبيلته بسبب لهوه إذ يقول وهو ينقطع عنهم ويبتعد مرغمًا: إلى أن تحامتني العشيرةُ كلّها/ وأُفردت إفرادَ البعيرِ المُعبَّدِ.
أبسبب هذا التأثّير والتأثّر يكتب قاسم حدّاد عن نفسه بصيغة الغائب؟ هل لأنّه يعي أنّ الشاعر الذي فيه يرى نفسه في مرآة طرفة بن العبد، فيخشى الهاوية مثله ويقول: "لو فهموا المعنى لأهدروا دمي"؟ ألهذا أمضى سنة من عمره ماشيًا على خطى طرفة من برلين، حيث ذهب للبحث والدراسة بمنحة تفرّغ من الأكاديميّة الألمانيّة للتبادل الثقافيّ، إلى البحرين حيث ولد الشاعر الجاهليّ؟
يخيّل إليّ وأنا أقرأ قاسم حدّاد وأقرأ عنه أنّني أمام فتى مشاغب، يلعب ويلهو، موحيًا للناظرين إليه أنّه مشغول عمّا حوله باللعب واللهو، ثم يفاجئنا بأنّه يعي جيّدًا ما يجري حوله وما قاله الآخرون وفعلوه أمامه وهم مطمئنّون إلى أنّه غير منتبه. ولذلك حين أقرأ أنّه زوج ووالد وجدّ يلتبس عليّ الأمر وأضيّع "الفتى الأرعن" تحت كلمات عجوز "مجنون أعمى يبحث في غرفة مظلمة عن شمس ليست موجودة".

غادة السمّان، كيف تقاومين؟




لا أعرف لماذا كلّما أردت أن أخاطب غادة السمّان أتردّد، وحين أحزم أمري وأفعل أبدأ النصّ بعنوان يحمل اسمها ثمّ تليه عبارة في صيغة التعجّب، أو في صيغة الاستفهام. وكلتاهما تليق بغادة. ففي المرّة الأولى خاطبتها قائلة: غادة السمّان! أيّتها المشاغبة! وها أنا اليوم أقول لها: غادة السمّان! كيف تقاومين؟ وفي كلّ مرّة كنت أتوقّف طويلاً قبل أن أجرؤ على الانتقال من العنوان إلى الموضوع.
*******
في مقالتي الأولى عنها لم أكتب عن أدبها أو حياتها أو ما تمثّله في الحياة الثقافيّة، بل عن مقالتها التي تشير فيها إلى أنّها قرأت مقالة لي في صحيفة "النهار"، وأنّها توافقني الرأي على ما كتبته عن الزوجات العالمات أو على الأصحّ الزوجات المدّعيات العلم. ولم تكن تلك الموافقة من تلك السيّدة الذكيّة الجميلة العاشقة إلاّ البرهان على أنّ ذكاءها لم يمنعها من الاعتراف بأنّ للآخرين إبداعاتهم وآراءهم وأدبهم، وعلى أنّ جمالها لم يعم بصيرتها ولم يسمّرها أمام المرآة تسألها عمّن هي أجمل نساء العالم، وعلى أنّ عشقها لرجل حياتها لم يزدها إلاّ عشقًا لكلّ ما ومن حولها.
******


وإذا كنت وجدت في غادة السمّان يومذاك الصوت الصارخ في بريّة الأنانيّة وأحاديّة الوجود التي تهيمن على الساحة الثقافيّة، والمرأة التي لا تشبه في شيء النساء الجاهلات اللواتي كتبت عنهنّ في تلك المقالة، فها أنا اليوم أجد فيها صوتًا صارخًا آخر يعلن عشقه ومقاومته وإباءه من دون أيّ حرج أو تردّد، فتكتب عن نفسها كزوجة وعاشقة وأمّ لتتمّ بهذه العناصر فسيفساء صورتها ولتصير نموذج المرأة التي عاشت حياة طبيعيّة تكاملت فيها شخصيّتها عقلاً وروحًا وجسدًا.
*******


ولذلك أجد نفسي مدفوعة لسؤالها عن مصدر تلك القوّة الداخليّة التي تجعلها قادرة على مقاومة الغياب والرحيل والبعد والوحدة والخوف والفراغ أي كلّ ما يتركه موت الحبيب في حياة الحبيبة. وإنّي إذ أعرف أنّ ذكرياتها معه وأنّ وحيدها "حازم" الذي يملأ حياتها، سلاحان قويّان تواجه بهما كلّ ذلك، فتستمرّ بفعل الحبّ وبفعل الكتابة، لا أستطيع أن أمنع نفسي عن محاولة تخيّل وجهها وهي تنظر إلى الجانب الآخر من السرير، وإلى الوسادة، وإلى خزانة الملابس، وإلى طاولة المكتب، وإلى وجهها في المرآة فتكتشف أنّ ذلك "الجنتلمان" بشير الداعوق لم يعد هنا.
********
ولكن بالرغم من كلّ ذلك، ومع كلّ الألم والشوق المكتوم، لا تزال غادة السمّان تعلّم نساء الشرق كيف يكون الحب، وكيف تكون المرأة شخصيّة متكاملة، لا ينتقص الزواج من شخصيّتها، ولا يقيّد العشق حريّتها، ولا يهين كرامتها أن تكون زوجة، ولا يعيق طموحها العمليّ أن تكون أمًّا. ولعلّها، اليوم، في حزنها الأسود، لا تزال مستمرّة في تعليمنا كيف نقاوم الموت بالحبّ والإبداع، وكيف نواجه الغياب باستحضار الفكر والأدب والشعر، وكيف نصير أشخاصًا حكماء حين نمسك بيد من نحبّ وهو يتفلّت رغمًا عنه من بين أناملنا ليستمرّ ساكنًا في طيّات نفوسنا.
*******
غادة السمّان! أيّتها العاشقة حتّى ما بعد الموت، سنظلّ نتعلّم منك، وفي ميزان أصالتك سنكتشف كم يستحيل تقليدك!

الاثنين، 5 أكتوبر 2009

بؤر الفقر والإجرام

لا شكّ في أنّ الحكومات تغضّ الطرْف عن بؤر الفقر والحرمان التي تنمو كالفطر حول ضواحي المدن، إذ ما من تفسير آخر يبرّر انتشار هذه البؤر في مختلف بلدان العالم، من دون أن تجري محاولات جديّة لمحاربة الفقر فيها ومكافحة الإجرام المتولّد عنه.
ومع ذلك، فلا منطق في كلام فئة من اللبنانيّين تجد الأسباب التخفيفيّة للجريمة البشعة التي راح ضحيّتها في منطقة البقاع عسكريّون من الجيش اللبنانيّ. فهؤلاء المواطنون الغيارى يعتبرون أنّ الدولة اللبنانيّة منذ نشوئها أهملت هذه المنطقة فنما فيها الفقر وتحوّل إجرامًا يدفع الجيش ثمنه اليوم. لا شكّ في أنّ هذا الكلام صحيح ودقيق، ولكن أن يتحوّل المجرمون ضحايا ومساكين يجب أن ننظر إليهم بعين العطف فهذا ما لا يوافق عليه إلاّ ذوو النفوس المريضة والميول المشبوهة.
في مختلف بلاد العالم أحياء ومناطق تحاذر الدولة الاقتراب منها وتقيم مع سكّانها نوعًا من الحلف غير المعلن، فيغضّ كلّ فريق نظره عن أفعال الفريق الآخر ولكن ضمن بروتوكول خاصّ تفرضه ظروف كلّ منطقة، فهناك أحياء المافيا الإيطاليّة، وأحياء عصابات السود، وأحياء الصينيّين، وأحياء المافيا الروسيّة، وأحياء المهاجرين العرب والأميركيّين الجنوبيّين، وما إلى ذلك من المناطق التي ترتبط هويّتها بهويّة من احتلّها وجعلها مربّعًا أمنيًّا خاصًّا به على مثال غابة شيروود لسيّد الخارجين على القانون ومؤسّس دولة المحرومين السير "روبن هود". ولا يشذّ لبنان عن هذه الحال وهو على ما هو عليه من تشرذم وحروب وتجاذبات.
والإشكاليّة في هذا الأمر تظهر حين يضطر أحدنا إلى اتّخاذ موقف من الفريقين: الدولة أو سكّان هذه الأحياء؛ فهل ممنوع على الدولة الحاليّة أن تصحّح ما أهملته الدولة التي أخطأت في حقّهم سابقًا؟ وهل القتلة والسارقون والمغتصبون ضحايا يجب النظر إليهم بعين العطف أم مجرمون تجب محاكمتهم؟ وكيف ستكون حال الدولة حين تستباح سلطاتها كلّ يوم بسبب الظلم والإهمال والفقر وتراكم المشاكل الاجتماعيّة؟
حين نقرأ ما تتناقله الأوساط الإعلاميّة عن الطريقة التي يُصطاد فيها العسكريّون إن في مخيّم نهر البارد أو عند كلّ مداهمة أمنيّة نكتشف أنّ من يطلق النار من بندقيّة متطوّرة نادرة ليس محرومًا بالقدر الذي يتاجر به وليس ثائرًا يطالب بحقّه، ومتى علمنا أنّ ما يجري هو قتل متعمّد، يركّز فيه القاتل على وجه ضحيّته أو على عنقه حتى إذا نجا من الموت عاش معوّقًا مشوّهًا يحمل معاناته طوال حياته، فهمنا أنّ دوامة العنف المغلقة ستطبق على كلّ من فيها أكان مذنبًا أم بريئًا.
الجنود الذين قتلوا في البقاع ليسوا أكثر بحبوحة من قاتليهم، ولا ينعمون بالرفاهية ورغد العيش، وهم من مناطق محرومة في الشمال وجدوا في الانتماء إلى الجيش اللبنانيّ الفرصة لخدمة الوطن وضمان حياة كريمة، ومع ذلك لم يرحمهم أفراد العصابات فقتلوهم بدم بارد ليبقى المكان خاليًا من سلطة الدولة ومربعًا لخيل مغامراتهم وتعديّاتهم وسرقاتهم، وهم في كلّ ذلك مطمئنّون إلى أنّ مواطنين أشاوس سيدافعون عنهم ويجدون لهم ألف عذر وعذر، ويبرّئونهم من السرقة والقتل والتهريب ويحمّلون الدولة المسؤوليّة عن مقتل جنودها، الجنود الذين آمنوا بأنّهم ذاهبون لفرض الأمن وملاحقة المشبوهين وطمأنة الناس فعادوا مضرّجين بدم الشهادة.

أميرة الشعر البريطانيّة وأبو الطيّب المتنبّي

أعلن وزير الثقافة البريطانيّ أندي بيرنهام الشاعرة كارول آن دوفي (53 سنة) أميرة على عرش الشعر البريطانيّ للعام 2009. وهي المرّة الأولى التي يتمّ فيها تتويج امرأة على هذا العرش الذي بقي طوال تلك المدّة حكرًا على الرجال، وذلك منذ بدئ العمل بهذا التقليد، أي منذ 341 عامًا.
وللأميرات في بريطانيا حكايات ينتهي العدد القليل منها بخاتمة سعيدة أمّا أكثرها فينتهي بالوحدة أو الموت قتلاً. والأميرة ديانا التي قضت في حادث سير مثالٌ واضح على مصير المتربّعات على عرش الإمارة، والمنتهيات باكرًا في أضرحة تصير مع الأيّام معالم أثريّة. فهل تكون أميرة الشعر الثائرة على تقاليد منصبها تعويضًا عن ثورة الأميرة الجميلة التي راحت ضحيّة خروجها عن الطريق القويم؟ فقد أكّدت كارول آن بوفي أنّها لن تقبل أن تكتب قصائد لأفراد العائلة المالكة كما يفرض المنصب، وقالت إنّ الشاعر الذي يحترم نفسه عليه أن لا يفعل ذلك أبدًا. علمًا أنّ من واجبات الشاعر المتوّج على إمارة الشعر في بريطانيا أن يكتب القصائد للمناسبات الملكيّة، وهذا ما فعله الشاعر أندرو موفون، سلف دوفي، حين نظم قصيدة في مناسبة زواج الأمير إدوارد وعروسه صوفي.
يعيد هذا الخبر إلى الأذهان إشكاليّة العلاقة بين السلطة والمثقّف، وخطورة هذه العلاقة على كلا الفريقين، وفي التاريخ العربيّ نماذج واضحة وفاضحة عن المصير الذي آل إليه بعض من تقرّب من السلطة وانتهى ضحيتها. فالسلطة تخاف على نفسها من فكر المثقّف وإنتاجه، وهو يخاف على حريّته أوّلاً من قيودها وبروتوكولها ثمّ على حياته منها إن لم يحسن قراءة مزاجها وميولها. وابن المقفّع ماثل في أذهاننا كلّنا مع ما بذله من جهد لتمويه انتقاداته عبر جعلها حكايات على ألسنة الحيوانات اكتفى هو بنقلها من اللغة الفارسيّة إلى العربيّة. مع العلم أنّ ثمّة دراسات تؤكّد أنّ ابن المقفّع هو من وضع كتاب "كليلة ودمنة"، وخوفًا على حياته ادّعى أنّه مترجمه. غير أنّ الترجمة لم تنقذ حياته على اعتبار أنّ ناقل الكفر كافر في رأي السلطة التي لا تحبّ أن تسمع رأيًا غير رأيها.
ولعبة الترهيب والترغيب التي تمارسها السلطة تؤمّن لها على الدوام أبواقًا لا تكفّ عن مديحها والتغنّي بها، وبعضها سريع في تغيير معزوفته ما أن يشعر برياح التغيير آتية، فينقل بندقيّته من كتف إلى كتف، وقلمه من محبرة إلى أخرى، ويبدأ في وضع الكلمات والموسيقى لنشيد العهد الجديد. ولكن لا يظنّن أحد أنّ المثقّف الملتزم بقناعاته والمتمسّك بمبادئه أفضل من ذاك المتقلّب، فهو أيضًا يمارس سلطة لا تهادن ولا تتساهل ولا تقبل الاستماع إلى رأي الآخر. والصحف اللبنانيّة تزخر يوميًّا بمقالات من هذا النوع يكتبها مثقّفون يخوّنون غيرهم ويلصقون به أبشع التهم وبأقذع الكلمات.
وفي هذه الحال يتساوى فريقا السلطة والمثقّف في حمل مسؤوليّة ما يؤول إليه واقع المجتمع، فهما يتصارعان على حلبة واحدة ويسعيان إلى هدف واحد: الهيمنة. الأولى بفعل القوّة والثاني بفعل الإقناع. ما يذكّرنا بمشهد مهمّ ومعبّر للأخوين رحباني في مسرحيّة "المحطّة"، عندما يتحاور اللصّ والمتسوّل (الحرامي والشحّاد)، فيتباهى الأوّل بأنّه بطل يأخذ بالقوّة ما يملكه الآخرون، ويفتخر الثاني بأنّه سياسيّ بارع يقنع الناس بإعطائه ما في جيوبهم. وإذا سمحنا لأنفسنا بتطبيق هذه الصورة على ما نحن في صدد الكلام عنه، يمكننا أن نستفيد ممّا عبّر عنه في وضوح تام المفكّر علي حرب في كتابه المثير للجدل "أوهام النخبة أو نقد النصّ": كلاهما (أي السلطة والمثقّف) يمارس التسلّط والعنف: التسلّط على الأجساد مقابل التسلّط على العقول، والعنف الماديّ مقابل العنف الرمزيّ الذي يمارسه المثقّفون العقائديّون والملتزمون".
هل هذا ما خطر على بال الشاعرة البريطانيّة المتوّجة على إمارة الشعر، ولذلك اعترفت بأنّها فكّرت مليًّا قبل أن ترضى بحمل هذا اللقب، ولكنّها وافقت لأنّه يعطى لامرأة للمرّة الأولى؟ وهل نكون خبثاء إن قلنا إنّ الشاعر مهما حاول الإنكار يدور حول محور واحد هو "أناه"، ومن طبيعة هذه "الأنا" أن يسيل لعابها أمام ما تقدّمه لها السلطة، وأن تحلم بتاج الإمارة، في الشعر أو في سواه. وإن لم تصدّقوا تذكّروا أبا الطيّب المتنبّي.

جبران خليل جبران ومي زيادة في عصر الرسائل السريعة

 لو كان الأديبان جبران خليل جبران ومي زيادة يعيشان في عصر البريد السريع لما دامت قصّة حبّهما أكثر من يومين، ولما تركا لتاريخ الأدب والعشق رسائل متبادلة في الأدب والفنّ والمجتمع والمرأة والحبّ والزواج، ولانطفأت في بضع ساعات من الحوار الكتابيّ "الشعلة الزرقاء" التي التهبت بينهما.
قصّة هذه العلاقة التي شغلت الناس والنقّاد والدارسين فاختلفوا في تسميتها وتحليل وقائعها وعملوا على جمع الرسائل التي تؤرّخ بدايتها وتطوّرها وانتهاءها، هذه القصّة أقول ما كانت لتدوم لولا المسافة التي تفصل مصر حيث كانت مي زيادة تقيم عن الولايات المتحدة الأميركيّة حيث كان جبران. ففي انتظار وصول الرسالة إلى أحدهما وعودة الجواب كان الوقت يمرّ بطيئًا وثقيلاً فكانت مي بسبب طبيعتها الأنثويّة تملأه أحلام يقظة عن حبّ لا تعرف نهايته، وكان جبران بسبب شغفه يملأه مغامرات نسائيّة وحكايات خرافيّة عن أمجاد العائلة. ولو كان البريد سريعًا كما هو اليوم لاكتشف العاشقان أنّ علاقتهما ليست إلاّ سوء تفاهم واختلافًا في الأمزجة والطبائع والميول، ولما بقي منها كلمة أو ورقة أو كتاب أو حكاية تحرّك الخيال وتداعب العواطف.
جبران ومي لم يلتقيا ولم يعرف أحدهما الآخر إلاّ من خلال الرسائل والصور، ومع ذلك اقتنعا وأقنعا الناس بأنّ ما بينهما أكبر من إعجاب وأكثر أهميّة من تبادل رأي، وراحا يحيكان من الكلمات المنتظرة حكاية يظنّ كلّ واحد منهما أنّ من حقّه أن ينسجها على منواله الخاصّ. وهكذا راح دارسو حياتيهما يحلّلون سبب امتناعهما عن اللقاء، ويعطون للأمر تفسيرات شتّى، غير أنّنا إذا نقلنا الحكاية كلّها من زمنها إلى هذا الزمن وجعلنا حركة الأحداث تتبع إيقاع العصر السريع لاكتشفنا أنّهما ما كانا ليتركا "اللابتوب" أو الهاتف قبل أن يودّع أحدهما الآخر عند نهاية اليوم وهو يقول: وداعًا، كان الحوار ممتعًا ومفيدًا، أتمنى لك كلّ الخير.


وحين ننظر إلى الأمر من هذه الزاوية نكتشف هشاشة الحكايات وسرعة العطب التي تصاب بهما قصص الحبّ متى انتقلت من مكانها أو زمانها إلى مكان آخر أو زمان آخر. ويبدو كلّ شيء وهميًّا إلى درجة مخيفة تجعل الواحد منّا يشعر بأنّه يحلّق في الفراغ ولا جاذبيّة تشدّه إلى صدرها ولا عاطفة يمكن أن تستمرّ في حياته أكثر من لحظات من التوهّج لتبقى بعدها ذكرى هذا الحبّ التي تصير هي الحبّ بحسب ما عبّر عنه الأخوان رحباني في قصيدة رائعة من قصائدهما يعرفها الناس باسم "لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب".
وهذا أمر حزين يثير الشجن ويبلل العين بدمع الأسى. فهل تكون عواطفنا مجرّد أوهام نجمعها في رؤوسنا لنحارب بها العمر والوحدة؟ ولماذا لا تكون كحبّات الحنطة التي تجمعها النملة لتقاوم بها فصل الشتاء؟ وإذا كانت الأوهام هي التي تمدّنا بالطاقة لنستمرّ أفلا نتخلّى عن الواقع إن كان مريرًا من أجلها؟ وهل حكاية الحبّ تقاس بالمدّة الزمنيّة أم بمقدار التوهّج الذي شعّ منها ولو للحظات؟
كم نحن كائنات هشّة وسريعة العطب، ندّعي الشجاعة والقوّة والحكمة والمعرفة والجمال والثراء وفي لحظة واحدة من الإحباط نكتشف أنّنا قد لا نكون كما ظننا أو كما قيل لنا، وأنّنا لا نملك إلاّ رمادًا لا يدفئ قلوبنا ولا يلوّن أيّامنا ولا يخبّئ جمرًا. ولكي نستمرّ على قيد الحياة نبحث عند سوانا عن حكايات لم نجرؤ على عيشها فنقرأ الكتب ونسمع الموسيقى ونشاهد الأفلام ونزور المتاحف ونسافر من بلد إلى بلد ونجمع التذكارات... ونحاول أن ننسى.