من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 30 ديسمبر، 2009

المتأمّل في الألم

مونيه
إلى أنسي الحاج
سلام عليك أيّها الخاشع أمام صليب الألم صامتًا!
سلام عليك أيّها الرجل المتكّئة عليه آلام الآخرين والمتكّئ على خياله النحيل السائر نحو الغروب.
سلام عليك أيّها الشاعر العاشق والمعشوق، والطفل العاجز عن سبر أغوار الحقائق. المدمن على اللذات المحرّمة والمقدّسة. الساهر، العابر، المتأمّل، المتألّم، الملحد، المؤمن، الغاضب، الباحث، المجروح، المتسائل، المستسلم، العابث.
أكاد أراك الآن أمام أوراق بيضاء ترسم عليها علامات الوقف التي يتوقّف عندها الكلام قبل أن يجد ما يقوله.
وحيدًا، في عتمة المرض الذي يحاصرك ويسخر منك ويتهّمك ويهينك. تحمل سيف القتال راغبًا في محاربة عدو لا تراه ولا تعرف عنه إلاّ الغدر والقسوة في حين أنّ صوت قهقاته الساخرة يملأ الهواء ويتسرّب إلى المياه ويعربش على الجدران ويتسلّل إلى أغطية السرير.
أكاد أسمع صمتك المختبئ بين المكتب والكرسي، وبين الكتب المتراصّة كأموال البخلاء، وبين ذرّات البنّ المطحون كأحلامك، وبين غرفة النوم والشرفة المفتوحة على كلّ الاحتمالات.
أيّها الثائر المؤجّلة ثورته، والحبيب الموصوم بالخيانة، والرجل المتهّم بالنساء، من يلومك إن رزحت تحت ثقل الحزن والأسى حين اكتشفت فجأة أنّ الرجل آخر من يعلم، وأنّ الشاعر يستطيع أن يسبر عوالم مجهولة، ويكتشف المكامن الخفيّة، ويرصد ما يجري في دواخل النفوس، ويؤلّف أسماء وحكايات ووجوهًا، لكنّه يعجز عن اختراع دواء ينقذ من يحبّهم من الأمراض والأوجاع، وأنّ المبدع قادر على تخليد نفسه وتخليد من يريد ولكنّه يعجز عن حماية أحد من الموت، وأنّ السماوات تنحني خجلاً أمام الألم المحطّم والمذلّ وإن قيل في تمجيده الكثير من الكلام، لكنّها نادرًا ما تتدخّل لتخفيفه.
أيّها الشريك المستعيد الآن أعوامًا من الأفراح والآلام والصور، وأيّاماً من الغياب والابتعاد والسفر، وساعات من الغضب والثورة والصمت، ودقائق من الأحاديث والعتاب والحنين، ولحظات من العشق والجنون والشعر، من يجرؤ على أن يمشي اليوم على الدرب الممتدّة شوكاً بين قلبك وعقلك بعدما ذبلت زهراته الربيعيّة البيضاء وانحنت أعناقها النحيلة مستسلمة راضية؟

الاثنين، 28 ديسمبر، 2009

عجائب لبنان السبع

وسط بيروت

العالم كلّه يعرف أخبارنا ومشاكلنا وإنجازاتنا وآثارنا ومبدعينا وأبطالنا وشهداءنا، ولكن هناك الكثير ممّا لا يعرفه الناس عنّا ولا يجوز أن يبقى طيّ الكتمان، إذ لو كان هذا الكثير عيبًا أو خللاً لكان من الواجب أن نصلحه أو نعالجه، أمّا إذا كان من مفاخرنا ومآثرنا فيجب أن نعلنه على الملأ لنعلّم الآخرين ما لا يعلمون. فعندنا في لبنان مجموعة من العجائب أرجو ألاّ توجد في سواه من البلدان لكي نحتفظ بحقّنا في دخول الحضارة من بابها الواسع وهي تستحقّ بلا أدنى شكّ الإضاءة عليها من باب الواجب الوطنيّ. لا تذهب بكم الأفكار إلى مغارة جعيتا أو غابة الأرز أو شعر عاصي الرحبانيّ وصوت فيروز، فهذه عجائب من صنع الخالق جلّ اسمه، ولكن ما سوف أكشف لكم النقاب عنه من صنع البشر أو اكتشافهم، بشر لبنانييّن أقنعهم سعيد عقل بأنّهم آلهة:
الأعجوبة الأولى: مغارة علي بابا التي ظنّ المؤرّخون أنّها من وحي الأساطير والحكايات هي في الحقيقة خزنة الدولة اللبنانيّة.
الأعجوبة الثانية: لون البحر الأزرق عندنا ناتج عن التسمّم وليس كمّا يدّعي العلماء عن أنّه انعكاس للون السماء.
الأعجوبة الثالثة: خبير بيئيّ معترف به رسميًّا يعلن في حديث لإحدى الصحف اللبنانيّة المحترمة عن أنّه وضع قطيعًا من الماعز في حرج من الأشجار المعمّرة، وعلّم الراعي كيف يعلّم الماعز أن تأكل العشب الذي سوف ييبس ويتسبّب في حرائق خلال الصيف، كما علّمها كيف تمتنع عن أكل النباتات النادرة، وكيف تكون عنصرًا مساعدًا في الحفاظ على البيئة (من الواضح أن تلاميذي "أتيس" أي أعند من الماعز).
الأعجوبة الرابعة: كلّ اللبنانيّين يصلحون للخدمة في المطاعم والفنادق، وهذا رقم قياسيّ لم يسبقنا أحد إليه...ولن.
الأعجوبة الخامسة: قبل ظهر كلّ يوم، تظهر مقدّمة برنامج عن الطعام على إحدى الشاشات وتعلّمنا فنّ الطبخ الصحيّ في بثّ مباشر تجيب فيه على أسئلة المهتمّين. وفي الوقت نفسه، يتّصل أولادها بمطعم الوجبات السريعة ليؤمّن لهم طعام الغداء لأنّ والدتهم مشغولة بإرشادنا وتعليمنا.
الأعجوبة الخامسة: عدد المطربين والمطربات عندنا أكبر بما لا يقاس من عدد العلماء.
الأعجوبة السادسة: استطاعت مذيعة شابّة أن تحقّق ثروة طائلة من مجرّد العمل، بضمير مهنيّ وحرفيّة عالية، في الربط بين برامج التلفزيون.
الأعجوبة السابعة: ما زلت أكتب وأنا مقتنعة بأنّ الكتابة قد تغيّر أحدًا ما...هو أنا.

ثمّة عجائب لا تحصى ولا تعدّ، ولكنّنا نعتبر أنّ رقم سبعة برمزيّته ومعانيه كفيل باختصار العجائب الأخرى كلّها، بدءًا من اللحظة الأولى من تاريخ لبنان وحتّى كتابة هذه السطور...ونشرها.
لا شكّ في أنّ كلّ عربيّ سيجد عجائب مماثلة في بلده، وقد نتبارى في اختيار العجائب السبعة الأكثر تميّزًا وتعبيرًا عن قدرة الإنسان عندنا على "فعل العجايب"، وقد نتقاتل وقد تنشب الحروب بيننا، وعند ذلك سنكون قد أضفنا أعجوبة ثامنة لم يسبقنا أحد إليها.
*****
أحيانًا، تبدو الكتابة عن مآسينا مؤلمة أكثر من المآسي نفسها. فالكتابة ولو في سخرية سوداء عن واقعنا العربيّ تجعل الأمر حقيقيًّا، كأنّ الكتابة تضع الحدّ الفاصل بين الوهم والحقيقة، بين المتخيّل والواقع، كأنّ الكتابة تقول لك بجرأة من يملك المعلومات كلّها أنّ الكلمات على قسوتها أعجز من أن تنقل الإحباط كما هو، وأنّ الكلمات على لهجتها الهازئة أعجز من أن تعالج هذا الإحباط.
وهذه هي الإشكاليّة: فهل نستمرّ في الكتابة أم ستمرّ الكتابة مرور الكرام؟

الحصاد كثير والعطل الرسميّة أكثر


لا أعرف إن كان هناك بلد آخر في العالم تبدو فيه العطل عشوائيّة واعتباطيّة كما هي في لبنان، غير أنّني أعرف أنّ بلدًا خارجًا من الحرب ورازحًا تحت ثقل الديون، يحتاج أبناؤه إلى العمل ليلاً ونهارًا كي يعيدوا الازدهار إلى بلدهم لا إلى التقاتل في سبيل الحصول على يوم عطلة جديد. والسبب؟ صراعات مذهبيّة وحسابات انتخابيّة.
الصحافة في كلّ بلاد العالم تعمل طوال أيّام الأسبوع، ولا علاقة لها بالأعياد الدينيّة منها أو الوطنيّة، أمّا عندنا فتحتجب الصحف ولو كانت الحرب قائمة والمنطقة مشتعلة والأخبار تتوالى في كلّ ثانية، ثمّ يتساءل القيّمون على الصحف عن سبب سيطرة الصحافة المرئيّة على المكتوبة، وانحسار عدد القرّاء. كنت أتوقّع من الصحافة، خصوصًا تلك التي تتبنّى قضيّة الدفاع عن الناس أن تهتمّ بهم على مدار الساعة. غير أنّ هذا الأمر لم يحصل وتوالت العطل بسبب تزامن الأعياد والمناسبات المسيحيّة والإسلاميّة في وقت واحد. وقِس على ذلك في مختلف المجالات حتّى وصل الأمر إلى المستشفيات حيث لا تجد أحدًا في قسم الطوارئ بسبب الأعياد، ويغضب الطبيب على من استدعاه ويقول له: ألم يستطع حضرته أن يجد وقتًا أنسب لجلطته الدماغيّة من ليلة العيد؟ لا بل يلجأ أكثر أطباء الأمراض النسائيّة إلى تسريع عمليّة الولادة أو تأخيرها كي لا تفاجئه الحوامل بالولادة في عطلة نهاية الأسبوع أو خلال الأعياد.
الحصاد كثير في بلدنا، ولكن لا أحد يريد أن يشتغل. الكلّ يطالب بحصّته من العطل ويدّعي أنّه يطالب برغبته في إيجاد العمل، وكلّ سياسيّ يريد إرضاء جماعته فيطالب لها بعيد وذكرى، والجماعة تريد التسكّع أمام أبواب المقاهي وعلى أرصفة الشواطئ أو التمدّد أمام شاشات التلفزة أو تحت مظلاّت البحر. هل هو اليأس من العمل والاشمئزاز من خبز معجون بعرق الجبين في وقت تندى جباه آخرين لا خجلاً أو انفعالاً بل بسبب التخمة وتراكم الدهون؟ لا شكّ في أنّ العطل حقّ من أبسط حقوق العمّال والموظّفين، ولكن لماذا لا تكون مدروسة وموزّعة بحسب الحاجة إليها؟ ففي البلاد التي تحترم مواطنيها ينال الناس حصّتهم من العطل بشكل لا يؤثّر على سير العمل ولا يحرم العاملين من الراحة. وإذا علمنا مثلاً أنّ عطلة الأمومة في بلدان متحضّرة تُمنح طويلة بلا منّة أو تهديد بالطرد، نفهم خشية المعلّمات من الإنجاب لأنّ مؤسّسات تربويّة تجبر المتعاقدات معها عند توقيع عقد العمل على القبول بمبدأ عدم الإنجاب خلال العام الدراسيّ وإلاّ اعتبرن في حكم المستقيلات.
والمضحك في الأمر أنّ بعض "المتفذلكين" يضعون "التنبلة" تحت باب الكسل المبدع وهي نظريّة سرت منذ فترة ووضعت في شرحها وتحليلها كتب كثيرة، حتّى أنّ أحد كبار مبدعينا منصور الرحباني تبنّاها وأشار إليها في أحد أحاديثه التي صارت نادرة بسبب وضعه الصحيّ. نحن نقبل أن يكون كلّ كسل ينتج أعمالاً كتلك التي أنتجها الرحابنة، ولكن ليس كلّ من جلس ساهمًا أو أطرق مفكّرًا صار مبدعًا. ولذلك حذار من تبنّي نظريات فيها من الكسل الجسديّ والخمول الذهنيّ ما يشوّه النظريّات ويؤخّر مسيرة المجتمع. يقول الكتاب المقدّس إنّ الله استراح في اليوم السابع واستمتع برؤية ما خلقه، فمن حقّنا إذًا أن نرتاح بعد إنجاز ما علينا من واجبات لتصير العطلة حقًّا مكتسبًا. وللصحافة تحديدًا نقول: أخباركم "البايتة" ستحوّل الجرائد "خِرَقًا" لتنظيف الزجاج.

الأحد، 27 ديسمبر، 2009

توقّعاتي للعام 2009! ما الذي صحّ منها؟


لست من هواة التنجيم وقراءة الطالع ولكن الأمر لا يحتاج إلى عناء كبير لكي نعرف ماذا ينتظرنا في لبنان خلال العام الميلاديّ الجديد، وخصوصًا على الصعيد الثقافيّ. ولمن لا يعلم فقد أعلنت بيروت عاصمة عالميّة للكتاب للعام الجديد، ومن طرائف الأمور أن يتمّ الاختيار في سنة الانتخابات النيابيّة وانطلاق المحكمة الدوليّة، وما يعني ذلك على الصعيدين السياسيّ والأمنيّ، من دون أن ننسى الشقّ الاقتصاديّ بعد الأزمة العالميّة وتوقّع عودة آلاف اللبنانيّين إلى بلدهم بعدما صرفوا من أعمالهم.
واليونسكو التي اختارت بيروت عاصمة عالميّة للكتاب اعتبرت أنّها تقدّم للبنان بهذا الاختيار هديّة ثمينة، خصوصًا أنّ بيروت ستكون المدينة التاسعة بعد مدريد (2001) والإسكندريّة (2002) ونيودلهي (2003) وأنفير (2004) ومونتريال (2005) وتورينو (2006) وبوغوتا (2007) وأمستردام (2008). وإذا كان الرقم 9 هو رقم الحظّ الجيّد عمومًا، فهل يكون كذلك بالنسبة إلى بيروت العاصمة العالميّة التاسعة للكتاب في عام يحمل رقم 9 وبعدما كانت بيروت عاصمة للثقافة العربيّة خلال العام 1999؟
المعنيّون بالشأن الثقافيّ لا يتوقّعون ذلك، بل يعتبرون أن لا شيء يوحي حتّى الآن بأنّ ثمّة ما يحضّر للاحتفال بهذا الحدث في عاصمة تضمّ 250 دار نشر، ومع ذلك يحتفل أيّ كاتب إن بيع 250 نسخة من كتابه في سنة واحدة. لا بل يذهبون إلى أبعد من ذلك حين يشيرون إلى عدم الاحتفاء بهذا الإعلان خلال المعرض العربيّ الدوليّ للكتاب الذي أقيم عشيّة السنة الجديدة إلاّ من باب رفع العتب.
والاحتفال بالكتاب يعني حكمًا الاحتفال بالكتّاب، وليس في الأفق ما يشير إلى تكريم أدباء لبنانيّين وعرب أو دعوات لأدباء عالميّين أو ندوات أو معارض أو ما يشبه ذلك، فالجميع هنا مشغول بالصراعات السياسيّة وقد تكون الكتب الوحيدة التي ستقرأ في عناية هي كتب الأبراج ليعرف الناس متى يحذرون حركة الكواكب التي قد تؤثّر سلبًا على مزاج أحد زعمائهم ما سيؤثّر حتمًا على مصائرهم الهشّة، أو كتب الصلوات ليبتهل الناس بواسطتها كي تمرّ السنة العالميّة للكتاب بألف خير على عاصمة لبنان التي كتب عليها أن تنتفض من الرماد دائمًا.
وإذا كانت الكتب تقرأ من عناوينها فالأمل، كلّ الأمل، أن يكذّب مضمون السنة المقبلة توقّعاتنا، السياسيّة منها والثقافيّة.
* نشر هذا النصّ في مطلع السنة ومن الواضح أنّ الأمر لم يكن يحتاج إلى ذكاء أو نجوم وكواكب!

السبت، 26 ديسمبر، 2009

لا تكابروا! كلّكم تسمعون التوقّعات!


أكثرنا يؤمن بأنّ المنجمين كاذبون ولا صدقوا، ومع ذلك، فكلّنا يسمع التوقّعات، فدعونا من المكابرة. صحيح أنّنا نقدّم أعذارًا مختلفة ولكنّ هذه الأعذار الواهية لا تقنع عاقلاً، فمنّا من يقول إنّه يفعل ذلك للتسلية، ومنّا من يقول: من باب الفضول، ومنّا من يدّعي أنّه ليسخر من "نجوم" آخر السنة الذين يقرأون تحرّكات النجوم، ومع ذلك فكلّنا يلتقط التوقّعات من هنا وهنالك، عبر وسائل الإعلام والكتب وأحاديث الجيران ومواقع الإنترنت غير أنّنا نكابر ونقول إنّنا لا نؤمن بالغيب.
وإذا كنّا كلّنا لا نؤمن بهذه الأمور، فمن يشاهد إذًا برامج التلفزيونات والإذاعات المتعلّقة بهذه المواضيع ما يدفع أصحاب الإعلانات لحجز المواعيد مسبقًا، ومن يشتري الكتب والمجلاّت التي تنشر بالتفاصيل ما سيحدث مع كلّ منّا ومن يسجّل أرقام هذه المبيعات، ومن يؤمّن دخل هؤلاء المنجّمين والرّائين والعرّافين ما يسمح لهم بتأمين مدخول السنة كلّها في ليلة رأس السنة؟ طبعًا، نحن، على اختلاف طوائفنا وبلداننا وأحزابنا.
أمّا لماذا نفعل ذلك، ولماذا راجت هذه الموضة في الأعوام الأخيرة أكثر ممّا كانت عليه سابقًا؟ الجواب بسيط، لأنّنا شعب يئس من الأرض فبحث عن خلاصه في النجوم، وكرهت نفسه ما يراه فسعى خلف ما لا يراه، ولم يعد يطيق ما تقوله الوقائع ففضّل الاستماع إلى ما هو من خارج هذا الواقع، وملاحقة الأوهام على التفكير والتحليل والمنطق. ولنتذكّر أنّ قصص ألف ليلة وليلة بأساطيرها وحكاياتها ما كانت لتنتشر بين الناس لولا رغبة الشريحة الكبرى من الناس في العصر العباسيّ في الهرب من الفقر في أغنى دول ذلك العصر، وما كان "عنترة" ليعود على حصانه من عتمة النسيان لولا حاجة الناس إلى بطل يدغدغ أحلامهم العربيّة في زمن الهيمنة غير العربيّة.
ليس جديدًا أن يبحث الإنسان عن أجوبة وحلول في عوالم اللامحسوس واللامرئيّ وعلوم الغيب. وهذا تاريخ البشريّة يشهد على علاقة الإنسان بالكواكب وتحرّكاتها وتأثيراتها، ورغبته في معرفة المجهول الآتي لعلّه يتّقي شرّه، ولولا الخوف من الشرّ الكامن لما أراد أحد أن يقرأ طالعه. ولكنّ تاريخ الشعوب والحضارات يشهد أيضًا على أنّ هذه الأمور لا تنتشر وتتفاعل بين الناس إلاّ في أزمنة الحروب والأمراض والخيبة والفقر. وثمّة اتّجاه عند القيّمين على الأمور، أو في لاوعي الناس يدفعهم للجوء الجماعيّ إلى هذه الحلول الغيبيّة كنوع من المخدّر أو المنوّم يطمئن النفوس القلقة ويلهيها عن المتابعة والمساءلة والاعتراض على أساس أنّ هذه الأمور ليست في يد أحد وماذا يستطيع حكّامنا أن يفعلوا ما دامت النجوم قالت كلمتها الأخيرة؟
ونحن اليوم في أسفل دركات الانحطاط الفكريّ على المستوى الجماعيّ ويجب ألاّ نخدع أنفسنا بارتفاع الأبراج والأبنية ولا بانتشار وسائل الإعلام، ولأنّنا في هذا المستوى من التخلّف والجهل كان من الطبيعيّ أن تجد التوقّعات والرؤى أرضها الخصبة لتنمو وتنتشر كالفطريّات، ويصير لكلّ حزب عرّافه، ولكلّ محطّة فضائيّة منجمّتها، ولكلّ صحيفة أبراجها و"متسلّقو" هذه الأبراج الذين لا يرضون إلاّ أن يقرأوها بالخطّ العريض الواضح وإلاّ اتّصلوا بالمسؤولين عن الصحيفة واعترضوا.
كلّكم تذكرون العرّافات والعرّافين الذين ارتبطت أسماؤهم بأباطرة وملكات ورؤساء وزوجات رؤساء، وكلّكم تعرفون ارتباط أسماء شعراء وصحافيّين بأحزاب وقادة، ولكن أن يكون شعب بكامله وفي العلن تحت تأثير تنويم مغناطيسيّ اسمه "التوقّعات"، وألاّ يصدّق الناس إلاّ هذا الفلكيّ لأنّه يقول ما يقوله من خلال تلك الإذاعة أو هذه المحطّة التلفزيونيّة أو لأنّه مع ذلك الحزب وليس مع هذا، فهذا ما لن تسمعوه إلاّ في بلداننا.

الجمعة، 18 ديسمبر، 2009

ليلى بعلبكي: أنا أحيا، نحن نحيا

ليلى بعلبكي

هل كانت ليلى بعلبكي تعي عشيّات ستّينيات بيروت الذهبيّة أنّ تصريف فعل الحياة سينتقل من مفردها المحدود الضيّق إلى جمع أنثويّ تضيق به رفوف المكتبات العربيّة؟ وهل هي عن سابق تصوّر وتصميم خطّطت في بضع سنوات ونفّذت في ثلاثة كتب ما قد يعجز كثيرون عن فعله في أعمارهم المديدة؟

بين عامي 1958 و1964، أصدرت تلك الشابّة روايتها الأولى "أنا أحيا" عن دار مجلّة "شعر" التي أعلنت أنّ هذه الرواية سيكون لها تأثير كبير في مستقبل الرواية العربيّة، ثمّ رواية "الآلهة الممسوخة"، وأنهت حياتها الأدبيّة بعد مجموعة قصصيّة بعنوان "سفينة حنان إلى القمر"، قادتها إلى محاكمة فريدة في لبنان إذ كانت المرّة الأولى التي يحاكم فيها كاتب على كتاب كتبه، بحسب تعبير محاميها الراحل محسن سليم. ومع أنّ القضاء برّأ الروائيّة الشابّة من تهمة الإخلال بالآداب العامّة، آثرت ليلى بعلبكي الاعتزال والابتعاد عن الأضواء، تاركة المجال واسعاً لتحقيقات صحافيّة ودراسات جامعيّة، ستجد في عودة الكاتبة إلى الساحة الأدبيّة بعدما غيّبها الصمت طويلاً، ومع اقتراب عيد الميلاد الخمسين لبطلة روايتها "لينا"، مادّة جديدة للقراءة والتحليل.
• • •


نحن الذين من عمر "لينا"، نحن الذين ولدوا مع إطلالة عصر الذهب وداعبت أحلامنا تهويدة "أنا أحيا"، وشببنا وشبنا في عصور القذائف والبارود ونحن نصرخ: نريد أن نحيا، ماذا تعني لنا عودة ليلى بعلبكي، لا بل ماذا تعني لنا قيامة بطلتها "لينا" من موت ظننا أن لا قيامة بعده؟ لا شكّ في أنّنا مدعوون إلى قراءة جديدة للرواية وللظروف التي سمحت بولادتها، لا بل نحن مطالبون بأكثر من ذلك، إذ علينا التأمّل في الدرك الذي هبطنا إليه بعدما كانت الحركة الثقافيّة عهد ذاك تبشّرنا بولادة عصر الأنوار والحريّات والانفتاح والحياة، ومحاولة فهم الأسباب التي غيّرت وتغيّر صورة لبنان الذي كنّا نعرفه. لا بل أقول أكثر: لعلّنا مدعوون إلى كتابة رواياتنا الخاصّة عمّا فعلنا أو بالأحرى عمّا لم نفعل بعدما أطلقت ليلى بعلبكي صرختها وعن اكتفائنا بأنْ بقينا الصدى المنتظر صوتًا آخر يصرخ في صحارى الجهل والتخلّف. وإن لم نفعل، إن لم نكتب تاريخنا وأحلامنا ومآسينا وأوجاعنا ومخاوفنا وكبتنا، ستبقى رواية ليلى بعلبكي ناقصة وبطلتها أسيرة التقاليد والمحرّمات والممنوعات.
• • •


يطيب لي أن أرى في عودة ليلى بعلبكي أملاً في عهد ذهبيّ آخر لا انتفاضة الرمق الأخير لمدينة تودّع كونها عاصمة عالميّة للكتاب، وأن يكون لقاؤنا بها عبر حفل توقيعها وقراءة كتبها فرصة ننفض فيها الغبار لا عمّا كتبته هي فحسب، بل عن ذاكرة بيروت الثقافيّة برجالاتها وسيّداتها، عن مجلاّتها ودور نشرها ومسارحها ومكتباتها ومعارض فنونها التشكيليّة وندواتها، فنحن في أمسّ الحاجة إلى مختبرات للحياة لا إلى متاحف الموت والدمار، وإلى معارض للكتب تضخّ الحياة في شرايين ثقافتنا وتدفعنا إلى طرح الأسئلة لا إلى حفظ الأجوبة، وإلى كتاب موحّد للتاريخ يأخذ تلاميذ لبنان في مشوار الحضارة على دروب هذه البلاد، فتتعرّف الأجيال الصاعدة الى الأب يواكيم مبارك والشيخ عبدالله العلايلي والأب ميشال الحايك وجانين ربيز وميشال أسمر ورضا خوري وشوشو وميشال طراد وغيرهم الكثير الكثير من رموز الأدب والفكر والفنّ.


ليلى بعلبكي! هل عاد زمن الحياة وزالت عصور الآلهة الممسوخة؟ آمل أن بلى.


وإن لا، فهل خطيئة أنّنا ما زلنا نحلم بذلك؟


(•) وقعت ليلى بعلبكي كتبها أمس( 17 كانون الأول 2009 ) في "البيال".


* صحيفة النهار - الجمعة 18 كانون الأول 2009

الجمعة، 11 ديسمبر، 2009

مشاهدات من عالم سائقي التاكسي3

وسط بيروت

لم أكتف من تنقلاّتي في سيّارات التاكسي بجمع الأخبار الحزينة واللحظات الإنسانية المؤلمة، كانت الطرائف والمواقف المضحكة جزءًا من حياة السائقين اليوميّة، ولولا ذلك لا أحسب أنّهم كانوا احتملوا هذا الدوران اليوميّ على إيقاع الأبواب التي تفتح وتغلق لزبائن من مختلف الأعمار والأجناس والجنسيّات والأمزجة.
قال لي أحدهم إنّ صفْق الباب هو صفّارة الانطلاق على الطريق. وكم من مرّة انطلقت السيّارة من دون الزبون الذي كان يقف على الرصيف مشدوهًا لا يفهم ما الذي يجري. وقال محدّثي إنّ هذا النوع من الحوادث يقع دائمًا وخصوصًا أمام المطار حيث لا يستطيع السائق أن يركن سيّارته ليساعد الزبون في نقل حقائبه إلى السيّارة. فيأتي الحمّال ويفتح الباب الخلفي ويضع بعض الحقائب، وما أن يسمع السائق صوت الباب وهو يغلق حتى ينطلق من دون أن ينتبه إلى أنّ العائد من السفر لا يزال واقفًا على الرصيف.
وروى لي آخر أنّ سيّدة اتصلت بالمكتب لتطلب سيّارة، ففوجئ عامل الهاتف بسلسة من الشروط لم يسمعها من أحد آخر مجتمعة ومحضّرة كأنّها تقرأ من مرسوم جمهوريّ، مع العلم أنّ أكثرها من طبيعة هذا العمل ولا داعي لذكره بهذا الأسلوب المتعجرف: سيّارة من لون معيّن، التأكّد من أنّ الإطارات في حالة جهوزيّة تامة، نظافة السيّارة، نظافة السائق، عمر السائق، شكل السائق، الدقيقة التي يجب أن تكون فيها السيّارة أمام المبنى وإلاّ امتنعت عن الركوب فيها، وهي غير مسؤولة عن ازدحام السير أو أي عرقلة أخرى. وقبل أن تتابع السيّدة جدول الشروط، صرخ بها عامل الهاتف قبل أن يقفل الخطّ: "مدام، سكّرنا المكتب، وتركنا الشغل، والله يلعن هالوظيفة ويللي بعد بيشتغل فيا".
أمّا أطرف ما حصل معي شخصيًّا فيختصر في الحكاية التالية:
بعدما اتخذت مكاني في سيّارة التاكسي، رنّ هاتفي المحمول فرددت، وكان كلامي مع المتّصل بي يدور حول شؤون التربية والتعامل مع التلاميذ، وقد سمحت لنفسي بالاسترسال فيه لسببين: أوّلاً لأنّ المسافة طويلة وجاء الحديث ليلهيني عن التذمّر الصامت من ازدحام السير ومخالفات السائقين، ولأنّ الموضوع في حدّ ذاته مشوّق وليس فيه شيء من الخصوصيّة التي قد نخشى أن يطّلع عليها الغرباء. وما أن أنهيت حديثي الطويل، حتّى بادرني السائق بسؤال كان من الواضح أنّه كان ينتظر بفارغ الصبر طرحه قبل أن يوصلني إلى حيث أقصد. وبما أنّ السؤال كان عن طبيعة عملي في التربية وما إن كان في استطاعتي أن أساعده في حلّ مشكلة عالقة مع زوجته الحامل بسبب اختلاف الرأي بينهما في ما يتعلّق بتربية ابنهما البكر ذي الأعوام الثلاثة، وتحضيره لاستقبال المولود الجديد. وكان من الطبيعيّ أن أنقل إليه الرأي العلميّ والنفسيّ في الموضوع، غير أنّ ما نصحته به هو كيف يتكلّم مع زوجته كي يستطيع إقناعها بالمنطق والعلم وبأسلوب هادئ بعيد عن التشنّج، وعلى جرعات خفيفة كي تقتنع مثلاً بأنّه لا يجوز لطفلهما أن ينام معهما في السرير.
والطريف في الموضوع، أنّني بعد بضعة أيّام، وحين كنت أستدعي سيّارة تاكسي من المكتب نفسه، سألني عامل الهاتف وهو يضحك إن كنت لا أمانع في إرسال السائق الذي أقلّني في المرّة السابقة لأنّه أوصى بأن يتمّ إرساله حين أتصل مرّة ثانية. وبالفعل أتى السائق نفسه، وما أن جلست على المقعد الخلفيّ حتّى فاجأني بتقرير مفصّل عمّا نصحته بالقيام به وكيف كانت ردّة فعل زوجته وعن مقدار النجاح الذي حقّقه في الأيّام الأخيرة. ثمّ سأل إن كان يستطيع طرح المزيد من الأسئلة عن مدرسة ابنه، ورغبته المرضيّة في تناول السكاكر وامتناعه عن تناول أطعمة أخرى، وما إلى ذلك من الأسئلة التربويّة.
أجبته عن أسئلته وأنا أفكّر في أنّ الكلام ولو في التربية رخيص في حين أنّ البنزين غال. وبالتالي لا بدّ من أن أدفع أجرة السيّارة، في حين أنّ الرجل المهموم بأمور طفله فرح لأنّه حصل على جلستين علاجيّتين مجانيّتين.

الأحد، 6 ديسمبر، 2009

كتاب حضارة موحّد لتواريخ متعدّدة

دير مار أنطونيوس قزحيّا حيث توجد أوّل مطبعة دخلت إلى الشرق


من حقّنا أن نقول إنّنا لسنا مع كتاب تاريخ موحّد، ولكن من حقّنا في المقابل أن نطالب بكتاب حضارة موحّد، يخبر قصّة الحضارة في لبنان، وحكايات ناشريها في العالم وسِيَر عظمائها، ويروي كيف ساهم لبنان في الحضارة العالميّة وكيف عمل على ترسيخها عبر أفراد منتشرين في بقاع الأرض.
فمن المؤسف فعلاً أنّ القيّمين على كتاب تاريخ لبنان الموحّد هم السياسيّون، وأنّ المستشارين هم رجال الدين، وأنّ جامعي المعلومات هم موظّفون في الدولة يأتمرون بأمرها ويكتبون بأقلامها. تخيّلوا كم سيكون رائعًا أن يشرف الشعراء على هذا الكتاب الذي لن يخبر قصص البطولات المختلَف حولها، ولن يتطرّق إلى المعارك التي لا يُعرف من المنتصر فيها ولا من المنهزم.
بلى، فلنتخيّل كتاب تاريخ يتحدّث عن الشعراء والروائيّين والسينمائيّين والمسرحيّين والفنّانين التشكيليّين.
ولنتخيّل لو كان بين أيدي أولادنا كتاب تاريخ يحكي عن العلماء الذين على صورة حسن كامل الصبّاح، وعن المفكّرين الذين على مثال شارل مالك، وعن مؤسّسي المدارس الوطنيّة الذين من طراز المطران يوسف الدبس.
تخيّلوا كتاب تاريخ يتحدّث عن المتعاطين بالحرف لا بالسلاح، وعن ناشري الكلمة لا عن ناشري الفساد، وعن المعلّمين لا عن السياسيّين، وعن الصحافيّين لا عن قادة الجيوش، وعن المهندسين والبنّائين لا عن مفخّخي الجسور، وعن الذين يحوّلون "الوعر إلى أرز وسنديان" لا عن زارعي الفتن والألغام.
ما رأيكم في كتاب تاريخ تطالعنا فيه أغاني الرحابنة وزكي ناصيف وروميو لحّود لا خطب الزعماء، وموسيقى توفيق الباشا ووليد غلمية وفيلمون وهبي لا أناشيد الحروب الأهليّة والفتن الطائفيّة؟ وما رأيكم في كتاب تاريخ نتعرّف فيه إلى جانين ربيز مؤسّسة "دار الفكر والأدب"، وميشال الأسمر مؤسّس "دار الندوة"؟ وهل من داع للتذكير بأنّ الأسماء طرحت على سبيل المثال لا الحصر؟
من يُبعد السياسة اللبنانيّة الضيّقة عن الكتاب الموحّد لتواريخ لبنان المتعدّدة؟ ومن يقنع الدولة بأنّ هذا الكتاب ليس الوسيلة لتوحيد اللبنانيين وتقريب وجهات النظر بينهم؟ جرّبت الدولة خدمة العلم ولم تجد أنّها الحلّ الأنسب لصهر قلوب اللبنانيّين، وها هي اليوم تراهن على كتاب تاريخ انطلقت الشكوك حوله ما أن أعلنت خطوطه العريضة وراحت التساؤلات تتوالى حول ما يرضي الطوائف والعلمانيّين والأحزاب على اختلاف عقائدها وميولها، وأهل الوطن وجيرانه الموالين والمعارضين، والمغتربين، وهذا في حدّ ذاته عمل مستحيل لن يبصر النور إلاّ وقد قضت المحسوبيّات والمصالح الشخصيّة على العِلم والموضوعيّة.
ندعو في إصرار الشعراء إلى كتابة تاريخ لبنان. نقول ذلك ونحن نعلم أنّ الفساد طالهم أيضًا فأصابتهم عدوى الحزبيّات الضيّقة فانقسموا شيعًا ومراتب وجبهات. ومع ذلك سيكونون حتمًا، ومهما تكن سيّئاتهم، أفضل مئة مرّة من أيّ مؤرّخ يكتب تاريخ لبنان في ظلّ القيود المفروضة حاليًّا. ولن أصدّق أنّ شاعرًا حقيقيًّا يضع الفيتو على أحد من أهل الفكر والأدب والفنّ والعلم ما دام ساهم في الإنجازات الحضاريّة اللبنانيّة، بدءًا من التاريخ القديم إلى اليوم. أمّا إذا كان الشعراء سيرسبون أيضًا في امتحان المواطنيّة والانتماء والحريّة فلا داعي لكتابة تاريخ لبنان إذ لن يكون للبنان أيّ دور يستحقّ التأريخ.

* النهار – 19 كانون الثاني 2004


الأربعاء، 2 ديسمبر، 2009

عمري مئة عام



عمري مئة عام
(ترجمة حرّة لأغنية فرنسيّة)

1- عمري مئة عام
وأنا جدًّا سعيد
أجلس على المقعد
أراقب من بعيد
أترابي الذين من عمر يديّا
فأنا إذًا لا أرى شيّا
أتحرّش بالعابرين بالعصا وأضحك
أركل الكلاب المزعجة وأضحك
لا أحد يقول شيئًا
فأنا جدًّا عجوز
سريع العطب
رفيع المقام
لا أحد منّي
يقدر أن يغضب
فعمري الآن مئة عام.


2- لم أعد أعشق
لم أعد أفرح
لم أعد أكره
لم أعد أمرح
لم أعد أرغب في شيء
غير أني كشجرة الدلب
يحييني بعض المطر
يكفيني بعض المطر
لكي أنجو من الخطر.


3- أنّى ذهبت فحولي أولاد
يدورون حولي، يسخرون منّي
أمّا النساء فهنّ أقلّ
ولكن من عاد عنهنّ يسأل؟
أكلّم العصافير ولو كانت تطير
هكذا وصفني القول الشهير
وأمضي الوقت أسأل نفسي:
القبّعة؟ على أيّ كرسي؟


4- عمري مئة عام
وأنا جدًّا سعيد
فأضراسي لا تزال تؤلم
ولكنّ الألم أمر مفيد
فهو لا يصيب إلا من كان حيّا
أنتظر بهدوء على مقعدي
متى ينفجر هذا العالم القديم
الذي يحمل فيه الفناء
فأنا منذ عهد قديم
لم أعد أؤمن بشيء
وحان الأوان كي أستريح.


5- لم أعد أعشق
لم أعد أفرح
لم أعد أكره
لم أعد أمرح
لم أعد أرغب في شيء
غير أني كشجرة الدلب
كهذي العصا
قويّ قديم
في أحسن حال
لا أتمنّى للشبّان حربًا ضروسًا
مع أني لا اعرف كيف تكون الحروب
غير أني شهدت ثورة أيّار الثامنة والستين
وإن كنت لا أذكر في أيّ عام
ومن فيها انتصر ومن فيها هُزم.


6- لا، ليست المائة عمري
وإن كنت أدّعي فما يعنيك أمري؟
فكلّ ما قلته كلمات
وكلّ ما وصفته أمنيات
ليتني في المئة أكون غدًا
لا بل اليوم، وليس غدًا
أرغب فعلاً في أنْ عجوزًا أصير
لعلّني عند ذاك سعيدًا أصير
لعلّني أعبر من دون خطر
حواجز الحياة
لعنة القدر
أهوال الحياة
شرور البشر
لعلّي أعبر من دون خطر
بين المسامير والشوك والحجر.

الخميس، 26 نوفمبر، 2009

التلامذة ليسوا "غبرة طبشورة"

تصوير باتريك نوتلي
"يلثغ الطفل في حرف العين ويلفظه همزة،
فيقول: إنّي أتألّم
وهو يريد أن يقول: إنّي أتعلّم.
في أكثر الأحيان، ليس ثمّة فرق. "
من كتابي
لأنّك أحيانًا لا تكون
*******
في بداية حياتي التعليميّة، "تبنّتني" زميلة اعتبرت أنّ من واجبها توجيهي إلى ممارسة وظيفتي بالشكل الأمثل وتعليمي كيف أتعامل مع التلاميذ. وممّا أذكره عن تلك الفترة أنّني كنت مرّة في رفقتها في سيّارتها، ومررنا بالقرب من أحد التلاميذ الذي أومأ أليّ محيّيًا فرددت التحية، فقالت لي الزميلة العتيقة في التعليم: أرجوك عندما تكونين معي لا تسلّمي على التلاميذ.
غير أنّ أكثر ما صعقني في وسائل التدريب التي اعتمدتها معي قولها لي ناصحة: عندما تخرجين من الصفّ عليك أن تنفضي كلّ ما يتعلّق بالتلاميذ عنك كما تنفضين غبار الطبشور العالق بثيابك.
بقيت هذه النصيحة تحفر في نفسي، وأنا أتخذ طريقًا في التربية مغايرًا لطريق تلك الزميلة التي كثيرًا ما تردّد نظريات تربويّة عالميّة لا تطبّق منها شيئًا، إلى أن كتبت يومًا أغنية ليؤدّيها تلاميذ الصفوف النهائيّة عند تركهم المدرسة ويقول مطلعها:
يا مطارحنا لا تنسينا لا تقولي بعدنا وتمحينا
نحنا مش غبرة طبشورة ولا ورقة دفتر تطوينا
نحنا المركب إنتِ المينا ورح ترجع لَيكِ مراسينا
مهما الريح تبيعد فينا
شعرت حينذاك أنّي أردّ على تلك الزميلة التي كانت تدّعي نسيان أسماء التلاميذ كي توحي لهم أنّها لا تقيم وزنًا لكيانهم ووجودهم. غير أنّ من يسمعها تحاضر في شؤون التربية ذاكرة أسماء كتب ومراجع عالميّة لن يصدّق كيف تتعامل هذه المعلّمة مع تلاميذها.
كان هذا النوع من الحوادث يعيدني مرّة بعد أخرى إلى التساؤل عن سرّ هذه الوظيفة/الرسالة التي لا يعلم خطورة ما يجري عبرها إلاّ من ارتكب "إثم" التعليم وعانى منه الأمرّين وكان صادقًا مع نفسه ومع الآخرين. وكنت دائمًا أصل إلى النتيجة نفسها: التعليم من أخطر ما يمكن أن يترك أثرًا على شخصيّة الإنسان ومن أكثر الوظائف ظلمًا للمعلّم والمتعلّم في وقت واحد.
********
مع مرور الأيّام وما حملته إليّ من خبرة، أخذت أنظر إلى التعليم نظرة مختلفة لا تشبه قطعًا نظرة تلك المعلّمة، ولكنّها بالتأكيد لا تشبه نظرتي الأولى لعمل كنت أعتبر أنّي خلقت لأقوم به لأنّي بواسطته قد أساهم في تقدّم المجتمع والناس. ولكن يبدو أنّني لم أحدث أيّ فرق يذكر في شخصيّات تلاميذ اكتشفت مع الوقت أنّهم مع احتكاكهم بالاختبار الحياتيّ الأوّل خارج إطار الكتاب والتلقين (على الرغم ممّا تدعيه المناهج الحديثة) يعودون، أكثرهم، إلى البيئات التي خرجوا منها: جهل (على الرغم من الشهادات) وغرور وطائفيّة وتخاذل وانبهار بالمظاهر الفارغة من المعنى وخضوع لذوي السلطة من أيّ نوع وعجز معيب عن التمييز بين الحقائق والأكاذيب.
التلاميذ ليسوا قطعًا "غبرة طبشورة" ولكنّهم صورة مصغّرة عن عائلات تعاني مشاكل لا تحصى، ومؤسسات تناست دورها التربويّ، ووطن لا هويّة واضحة له سوى في النصوص الرسميّة.
التلاميذ ليسوا قطعًا "غبرة طبشورة"، لكنّ النظام التعليميّ في لبنان يجعلهم مقتنعين بأنّهم كذلك، ولذلك ينفضون آثار معلّمهم عنهم عندما تنتهي حصّته أو دوامه قبل أن يقوم هو بمحوهم من ذاكرته.

الأربعاء، 25 نوفمبر، 2009

الملكيّة الفكريّة وقراصنة الإنترنت








قبل عصر الإنترنت، سرت تساؤلات عن أعمال عدد كبير من المبدعين في مختلف المجالات الفنيّة والأدبيّة، وكان السؤال الذي يتكرّر يشبه هذه الأسئلة: من أين أتى جبران خليل جبران بأفكاره؟ ومن كتب له كتاب "النبيّ"؟ وهل أخذ ميخائيل نعيمة بعض قصصه القصيرة من الأدب الروسيّ الذي لم يكن يعرف أحد عنه شيئًا مهمًا في تلك المرحلة؟ ومن يقف وراء ثورة طه حسين؟ ومن أين استعار محمد عبد الوهاب بعض جمله الموسيقيّة؟ والأخوان رحبانيّ؟ هل هما وحدهما اللذان يقفان خلف هذه الكتابات الشعريّة الرائعة وخصوصًا في اللغة الفصحى أم هناك من مدّ لهما قلم المساعدة؟ وسوى ذلك من الأسئلة التي كنت أقرأ عنها في مراهقتي في المجلاّت الأدبيّة وكانت تثير جدالاً واسعًا لأنّ الاتّهامات كانت تنصبّ على طارحي هذه الأسئلة معتبرة إيّاهم متواطئين مع العدو – الإسرائيليّ طبعًا - بهدف تحطيم أعمدة الفكر والثقافة والفنّ في بلادنا.
وفي مرحلة لاحقة بدأ الحديث عن التأثّر بالموسيقى الأرمنيّة والتركيّة والهنديّة وسواها من الأنواع الموسيقيّة التي لا تعرف شعوبنا العربيّة الكثير عن أغنياتها وقصائدها، فضلاً عن الشعر والرواية والأفلام والمسرحيات...
اليوم في الإمكان التأثّر بالكثير ممّا نسمعه ونقرأه وغالبًا ما ننسى (أو نتناسى) أنّنا سمعناه أو قرأناه، وكيف حصل ذلك ومتى وأين. ولذلك نحيل الأمر تلقائيًا إلى توارد الأفكار، وإلى أنّه لا جديد تحت الشمس، و"يخلق من الشبه أربعين" حتى في الفكرة الشعريّة أو الروائيّة أو الموسيقيّة.
كلّ ذلك مسموح ومنطقيّ! ففي زحمة وسائل الاتّصال وانفتاح المجال أمام أيّ واحد منّا كي يعرف ماذا يجري في أيّ بقعة من العالم، وكي يقرأ ما كتبه مراهق على "الحائط" الخاصّ بصديقته في ما يسمّى الـ facebook ، بات من السهل أن تستوحي فكرة رواية أو قصيدة أو مقالة ولن تشعر بالذنب فالأفكار صارت مرميّة على قارعة الإنترنت والشاطر من يحسن التقاطها وتحويلها عملاً أدبيًّا.
ولكن القرصنة شيء آخر مختلف تمامًا. ونحن كمستمعين وقرّاء لسنا أغبياء إلى الدرجة التي يظنّها المبدعون، على الأقلّ ليس كلّنا. فمن السهل أن تعرف أنّ كتاب الشعر الذي أصدرته فلانة (أجد أنّ كلمة ديوان لا تناسب واقع الحال) مسروق حرفيًّا من كتاب صدر باللغة الفرنسيّة ولم يلق ترحيبًا في بلاده حتّى وقع صدفة بين يدي صديقتنا الرحّالة. وأنّ الفيلم الذي حصد جوائز عالميّة مستوحى تمامًا من فيلم أجنبيّ آخر، وأنّ الرواية التي كتبها فلان مأخوذة بلا تعديل في حبكتها من مقالة لكاتبة في إحدى الصحف العربيّة، وأنّ الشعار الذي تبنّته إحدى المحطّات التلفزيونيّة هو نفسه الذي وضعته مسؤولة في إحدى المدارس على صفحة الإنترنت الخاصّة بها، وأنّ الأسئلة التي طرحها مقدّم البرنامج الصباحيّ كتبتها صحافيّة معروفة في صباح اليوم نفسه في صحيفة هي الأولى في بلادها.
كيف يمكن للمبدع إذًا أن يضع حدًّا للسرقات التي يتعرّض لها من زملائه، في وقت تسرق فيه دور النشر حقوقه كمؤلّف، وقراصنة التسجيل حقوقه كملحّن أو شاعر أو مطرب؟ والدولة في كلّ ذلك في خبر كان، والنقابات في خبر لعلّ وليت...
لا جواب طبعًا! فكما اعتدنا على تناول الطعام من صحن واحد، وأن نتقاسم الحلو والمرّ، وأن يدخل الواحد منّا إلى منزل الآخر من دون موعد أو استئذان، وأن يستعير الواحد امرأة صديقه لأنّ المثل يقول: الصديق عند الضيق، وأنّ ما لي هو لك و"الحال من بعضه"، و"نحنا واحد"، و"نحنا لبعض"، وشو أنا وشو إنت"، و"الجيبة واحدة"، فمن السهل أن تكون أفكارك ملكًا مشروعًا لي، وأن تكون حقوقك من نصيبي، ومن "العبّ للجيبة" يا رجل، و"مش قاسمين".
اعتدنا في عالمنا المعاصر على استباحة كلّ شيء: الأرض والعِرض وكلّ ما له علاقة بهما، ولا أعرف فعلاً ماذا فعلت المدنيّة والحضارة الحديثة في حماية الإنسان من شريعة الغاب أو الصحراء أو البحر حيث القويّ يأكل حقوق الضعيف. القويّ؟ ليس الموضوع موضوع قوّة ولكنّه حبّ البقاء: إن في السباق على الماء والكلأ أو على الشهرة والمال، أو على السلطة والجاه.
في زمن ما بعد العولمة حيث الحدود مشرّعة، والأبواب مشرّعة والثياب مشرّعة، خبّئوا أفكاركم فهي كلّ ما بقي لكم، واشكروا ربّكم على أنّ رؤوسكم ليست من زجاج شفّاف.

الاثنين، 23 نوفمبر، 2009

سوق للبيع أم احتفال بتوقيع كتاب؟


على بطاقة الدعوة كتب الشاعر (أو الناشر بالنيابة عنه) إنّه يتشرّف بدعوتنا إلى حفلة توقيع كتابه. طبعًا المدعوون هم المحرّرون في الصفحات الثقافيّة، والإعلاميّون (وهي تسمية لبنانيّة تعني كلّ من ظهر على الشاشة ولو للتبصير والتنجيم) وأقرباء الشاعر وبعض المعجبين بشخصه الكريم، فضلاً عن شعراء سبق له وشارك في احتفالات توقيع كتبهم. وكما تراني يا جميل أراك.
بعض دور النشر تفرض على الأدباء هذه الحفلات وخصوصًا إذا كانوا في بداية مشوارهم الأدبيّ أو إذا كان أحدهم من النجوم التلفزيونيّة التي تستقطب الشريحة الكبرى من النساء والصبايا اللواتي يهرعن للوقوف إلى جانبه والتقاط الصور معه.
يحلو لي في مواسم معارض الكتب أن أقف متفرّجة على هذه الحفلات التي توحي لي بأنّني أمام سوق نخاسة من النوع المهذّب. وكنت أتابع بنظراتي بعض الأشخاص وهم يرمون الكتب التي وقّع لهم عليها الكاتب في سلّة المهملات بعدما قاموا بدورهم الاجتماعيّ وحرّكوا عجلة الاقتصاد في سوق الكتب الشحيح الموارد، والذي لا ينتعش إلاّ في مواسم المعارض، جاذبة المتنزّهين والضجرين والعجزة.
أسئلة كثيرة تطرح نفسها في هذه العجالة: ما الذي يدفع أدباء ميسورين إلى هذه الحفلات المهينة نظرًا لتصرّفات الضيوف فيها؟ لماذا يخترق قارئ ما الصفوف المتراصّة ليحظى بتوقيع ذيّل به الكاتب عبارة سخيفة سبق وكتبها للعشرات قبله؟ ولماذا لا نسمّي الأشياء بأسمائها ونقول إنّ الحفلة هي حفلة بيع كتب يعود ريعها إلى جيبي الكاتب والناشر والمطلوب هو جمع مبلغ من المال يشجّع الكاتب على كتابة المزيد من الكتب؟
رفضت في مناسبتين أن أرضخ لطلب دار النشر فأدعو إلى حفلة توقيع كتابيّ. قلت للناشر الصديق: أنا لا أعرف كيف أكذب على هؤلاء الناس فأكتب لهم عبارات محضّرة سلفًا وفي ازدحام المدعوين قد أوزّعها على غير مستحقّيها. وأنا في طبيعتي البشريّة الضعيفة أحتاج إلى بعض الوقت كي أفكّر في ما أكتبه في صدق لكلّ قارئ وصحافيّ وشاعر (الصدق يعني احتمال الهجاء قبل المديح).
طبعًا لم تكن هذه الحجج تقنع الناشر الذي يحسب الأمور بطريقة مختلفة. وتبيّن أنّ الحقّ معه فالقرّاء الذين كانوا يتابعونني عبر الصحف لم يشتروا الكتابين وحجّتهم الوحيدة أنّني لم أدع إلى حفلة توقيع ليروني خلالها ويتعرّفوا إليّ.

Alphonso Bresmez


حسنًا أيّها القرّاء الأعزّاء، عند إصدار كتابي الجديد سأدعو الراغبين منكم في شرائه إلى حفلة عظيمة أوقع فيها نسخًا من كتابي العظيم على أرجلكم لتعودوا إلى البيت وكلّ واحد منكم يلعن الساعة التي قبل فيها المجيء إلى حفلة "توقيع" تقيمها امرأة غاضبة. وليضرب الناشر رأسه في حائط عنادي ورغبتي في الفقر الاختياري...ففي كلّ الأحوال لن أنال جوائز على إبداعي وخصوصًا جائزة نوبل. على كلّ حال أرجو ألاّ يحصل ذلك، لأنّني سأحمل عند ذلك همّ التفكير في الفستان الذي سأرتديه إلى هذه المناسبة العظيمة التي سأرفع فيها اسم لبنان عاليًا كما تفعل عادة ملكات الجمال، ثمّ يتبيّن أنّ كلّ ما رفعنه هو الأنف والصدر والمؤخّرة والفستان والرصيد في المصرف، وهذا بالطبع ما أعجز عن تحقيقه.

غياب الحسّ النقديّ


(كتبت هذه المقالة خلال الحرب على غزّة)
بعد أن بدأت الحرب على غزّة نسي الناس حذاء الصحافيّ العراقيّ، ومالت بوصلة كتاباتنا إلى جهة الندب والنواح والرثاء بعدما كانت متوّجهة في ثقة إلى جهة الفخر والاعتزاز والشماتة. وأنا حين كتبتُ عن تاريخ الأحذية في ذاكرتي تساءلت عن الحدث الذي سينزل "صرماية" الصحافيّ "منتظر" عن رف الإعلام وتمنّيت أن يكون ذلك حريّة حقيقيّة، فإذا بمأساة غزّة هي الحدث، ولكنّ السؤال الآن ماذا بعد الكتابة عن غزّة؟
علينا أن نقوم بمراجعة فعليّة لما نكتبه في الصحف، وإذا فعلنا فسنكتشف أنّ المقالات تأخذ غالبًا أحد المنحيين: إمّا هي جمع للمعلومات من هنا وهنالك تختصر لك عشرات الدراسات، وشبكة الإنترنت صارت نبعًا فوّارًا يشرب الجميع من مائه ولا يرتوون، وإمّا تكون المقالات نتيجة انفعال يأتي تلقائيًّا بعد الحدث ولا يسبقه. أمّا ما هو عدد المقالات التي أحدثت تغييرًا أو تأثيرًا أو صنعت الحدث فسؤال نخشى كلّنا أن نعرف جوابه.
إنّ غياب الحسّ النقديّ هو الإعاقة التي يعاني منها مجتمعنا العربيّ. فنحن نخشى الأسئلة لأنّنا نخشى الأجوبة، ولذلك نميل إلى الخبث والكذب في البيت والمدرسة والعمل والسياسة وفي كلّ شأن من شؤون حياتنا. العواطف تحكم أقوالنا وتتحكّم بأفعالنا، فننفعل ولا نفعل. نصرخ لأنّنا نخاف إن سكتنا أن نضطر إلى التفكير، وهذا ما لا نريد مواجهته فنمعن في الهرب ولعق جراحنا مستمتعين. والحسّ النقديّ لا يقوى بين لحظة وأخرى لأنّه ممارسة يوميّة تبدأ منذ اللحظات الأولى لتكوّن وعينا، ولا ينمو هذا الحسّ وتتشعّب اهتماماته إلاّ في أجواء الحريّة، حيث يمكنه طرح الأسئلة من دون خوف من تكفير أو تجريم أو تخوين أو تهديد. ومع أنّنا جميعنا نعاني من تأثير هذه الإعاقة على مسيرة حياتنا ومصير أوطاننا إلاّ أنّنا نرفض الاعتراف بها وندّعي أنّ الأمور على خير ما يرام. والصحافة مطالبة على الدوام بأن تكون المساحة الحرّة المفتوحة لطرح الأسئلة لا بهدف تحقيق السبق الصحافيّ ولا بهدف إثارة الجماهير ولا في ادّعاء جرأة تكون في أكثر الأحيان اجترارًا لمصطلحات وكلمات خالية من المعاني، بل لتعليم فنّ التفكير والتحليل والتفكيك بهدف المعرفة، معرفة كلّ شيء.
وما دامت الصحافة تنتظر الحدث لتعلِّق عليه، فلن تعلَّق عليها الآمال. إذ لا يجوز أن نتذكّر أطفال غزّة عندما يموتون، والفقراء في مواسم الأعياد، وجيش الاحتلال عندما يقصف بيوتنا، كأنّ أطفال غزّة ولدوا من رحم القنابل الذكيّة، والفقراء نبتوا فجأة بين شقوق طرقاتنا كالعشب البريّ، وجيش الاحتلال وصل البارحة ليلاً إلى فلسطين ولم تعلم الصحف بأمره إلاّ بعدما ذهبت النصوص إلى المطبعة. أمّا إذا كانت الصحافة عاجزة عن هذا الدور الاستباقيّ بسبب تكوين مجتمعاتنا وأنظمتنا فلتكن على الأقلّ قادرة على التفكير بالنيابة عن مجتمع كامل وتحليل الحدث لا الانسياق خلف جماهيريّة الخبر وأخبار الجماهير. غير أنّه من المهمّ التذكير بأنّ الحس النقديّ ليس محصورًا في العمل الصحافيّ وإن كان هو الواجهة في عصر الإعلام السريع الخطوات. وتعليمه لا يكون في جامعات متخصّصة بل يكون جزءًا من تكونّنا العقليّ يطال الطعام والشراب واللباس والعلاقة مع الناس والطبيعة والله وكلّ نتاج العقل البشريّ. ولا يجوز أن يكون ثمّة محرّمات أو ممنوعات أو صنميّة أو عبوديّة حتّى ولو كان ذلك يخيف كثيرين ممّن يخشون على المقدّسات كأنّ المقدّسات هشّة لدرجة أنّها لا تصمد أمام العقل.
وإذا كان أئمة الدين وعلماء الفكر والفلاسفة في عصور التنوير عندنا طرحوا الأسئلة عن الله فهل يجوز أن يسكت الصحافيّون عن ممارسات حكّام وقادة ووزراء ينحصر دورهم في خدمة الناس، الناس أنفسهم الذين يؤمنون بأنّ الله أرسل أنبياءه من أجلهم. ولذلك على الصحافيّين اليوم، والمحلّلين منهم في شكل خاصّ، أن يبدأوا الكتابة عمّا بعد غزّة، فهناك المواضيع الساخنة.

الأحد، 22 نوفمبر، 2009

إيّام التعتير


أربع مجانين وبسّ
برنامج تلفزيونيّ زمن الحرب
كتابة أنطوان غندور


(باللهجة اللبنانيّة)
1- فقرْ ونقّ وخوف كبيرْ
والعمر بيمرق مرقهْ
كلّ مين عندو هموم كتير
اللقمه منسرقها سرقهْ
القصّة ما بدّها تفكير
وحدكْ رح تبكي وتشقى
لازم تعرف ع بكّير
إنّو بإيام التعتير
الواحد وحدو رح يبقى


*****

2- مدري وين هنّي صاروا
ما عاد حدا يدقّ البابْ
ولا جارْ يسأل عن جارو.
البيت الضجرانه حجارو
وبردانه بقلبو نارو
مشتاق لصوت الأحباب
عنّن شو صعبه الفرقه.
الهيئة بأيّام التعتير
الواحد وحدو رح يبقى
*****

Marie Caroline Feral

3- بليالي الشتي والبرد
الوقت بيمرق ع السكّيت
والقاعد وحدو بالبيت
خايف ينسى كلماتو
عم يحكي وحدو ويا ريت
في مين يسمع حكياتو.
قلبو قدّيش بيلقى
وعارف إنّو بالتعتير
الواحد وحدو رح يبقى
*****
سمر مغربل

4- من مدّة بِعدوا وفلّوا
وصِرنا نشتاق يطلّوا
نحكي ونتخانقْ ونضلّْ
جيرانْ وأهلْ وما نفلّ
حتّى النجمة النعسانة
تحت لحاف الليل تغلّْ
يمكن وحدا المِشتلْقا
إنّو بإيّام التعتير
الواحد وحدو رح يبقى
***
* صحيفة "النهار"

ليس هذا ما يريده الخليجيّون!


سعيد عقل خلال تكريمه
هذا وجه من وجوه لبنان الذي يجب أن يعرفه العرب

ليس هذا ما يريده الخليجيّون!
بهذه العبارة يصفعنا القيّمون على الشؤون الثقافيّة والفنيّة والإعلاميّة والإعلانيّة، ويعلنون أنّ هذه الفكرة لا تصلح للتسويق في بلدان الخليج العربيّ وبالتالي لا تؤمّن الربح المطلوب. وفي شحطة قلم من ماركة عالميّة، ربّما هو هديّة من أحد النافذين، يرفض أحدهم عملاً إبداعيًّا، لأنّه واثق من أنّ الخليجيّين لا يريدون ثقافة راقية أو برنامجًا يوجع الرأس أو مقالة تتوجّه إلى النخبة أو عملاً تغيب عنه مذيعة مثيرة تدّعي المعرفة.
ربّما ساهم بعض الخليجيّين في ترسيخ هذه الصورة من خلال مواقع الإنترنت أو المحطّات الفضائيّة أو الصحافة التي تعرض صورًا لافتة للمطربات والممثّلات (لا رجال في أكثر الأحيان)، أو من خلال برامج التوك شو التي تطرح مواضيع حسّاسة ينظر إليها على أنّها من المحرّمات والممنوعات. غير أنّ المحطّات الفضائيّة العربيّة والصحافة تسمح لنا باكتشاف جانب غير تجاريّ وغير تسويقيّ في الخليج وفي سائر الدول العربيّة. فللشعر مكان، وللفكر مكان، وللنقد مكان. صحيح أنّ هذه الأمكنة ضيّقة ومحدودة ولكنّها على الأقلّ موجودة.

في العصر الذهبيّ المصريّ، كانت اللهجة في أفلامنا وأغنياتنا مصريّة، والمأكولات كذلك، وضيوف الشرف وأسماء الشوارع والأشخاص، أمّا الآن فهي خليجيّة، وبعد قليل قد تكون تركيّة، والآتي أعظم.
يقول المثل اللبنانيّ: مطرح ما بترزق إلزق، أي التزم بالمكان الذي يأتيك منه الربح، ولذلك اعتذرت إحدى المحطّات التلفزيونيّة عن عدم الموافقة على برنامج طرحت عليها فكرته وذلك لأنّه ثقافيّ جدًّا، ولا يسمح بإشراك الهاتف الخلويّ، ولا يصلح للمباريات لأنّ أحدًا لن يعرف الإجابة على الأسئلة، ولا يصلح للحوار لأنّه لا يوجد مقدّمة برامج جميلة ومثيرة وذكيّة ومثقّفة تستطيع إدارة الحوار فيه، (الرجال ينجذبون ولا يجذبون)، ولا يصلح لتلفزيون الواقع، ولا يغري المعلنين، ثمّ إنّ التلفزيون في رأي المسؤول صار للترفيه لا للتعليم (الطبخ حالة استثنائيّة)، وللربح لا للتثقيف، وتأتي أخيرًا الجملة النهائيّة: لماذا لا تكتبين مسلسلاً مثل مسلسل "نور"، والله كسّر الأرض.
ذكّرني ذلك بجملة مشابهة قالتها لي المسؤولة عن دار نشر لبنانيّة معروفة حين عرضت عليها كتابي الشعريّ: لأنّك أحيانًا لا تكون، إذ سألتني: لماذا لا تحوّلين كتابك إلى رواية فالناس يشترون الروايات ولا يحبّون الشعر.
طبعًا، عجزت عن الإجابة مع أنّني عادة لا أجيد السكوت وإن كنت أتمنّى لو أجيد الضرب والصفع والركل.
فيا أصدقائي أهل الخليج، أنا لا أقبل أن توصم نساء لبنان بصفات بعض اللبنانيّات اللواتي يطمحن إلى تحقيق الثراء السريع في بلادكم، فهل تقبلون أن يوصم أهل الخليج بصفات بعض الشبّان السكارى الذين يتحرّشون بالبنات اللبنانيّات في مواسم الاصطياف ويغرونهنّ بالسيّارات السريعة والسهرات الطويلة في المرابع الليليّة الصاخبة؟

الجمعة، 20 نوفمبر، 2009

مواقف مجّانيّة


تضامن لبنانيّ...طبيعيّ

موقف السيّارة يكلّف في لبنان أكثر من أيّ موقف يتّخذه صاحب السيّارة من أيّة قضيّة اجتماعيّة أو إنسانيّة أو وطنيّة.
ففي موقف السيّارات، تدفع المبلغ المحدّد، وتعطي إذا كنت سخيًّا، مبلغًا إضافيًّا للموظّف في الموقف، وتذهب إلى حيث تقصد وأنت مطمئنّ البال إلى أنّ سيّارتك في أمان، وإلى أنّك قمت بواجبك تجاه وسيلة نقلك الحبيبة على قلبك. مع العلم أنّ أغلب مواقف السيّارات تنذرك، بواسطة لوحات إعلانيّة كبيرة، بأّنها غير مسؤولة عن أيّة سرقة تتعرّض لها السيّارة أو محتوياتها.
أمّا المواقف التي هي فعلاً مجّانيّة، فهي تلك التي يتمسّك بها أصحاب السيّارات حتّى الباهظة الثمن منها.
فمن السهل مثلاً أن يقف الإنسان إلى جانب أخيه الإنسان (المريض، والسجين، والحزين، والمطرود من عمله...)، فهذا الموقف مجّانيّ في امتياز، ولا يكلّف إلاّ بضع كلمات لا تسمن ولا تغني عن جوع، والكلام في وطننا الحبيب أرخص ما يمكن أن يوجد على الرغم من أزمة الغلاء وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة.
ولكن هل تعرفون أحدًا "وقف" فعلاً إلى جانب أحد بغير الكلام؟
هل تعرفون مثلاً والدة حلقت شعر رأسها تضامنًا مع ابنتها المراهقة المصابة بمرض السرطان والتي خضعت لعلاج كيميائيّ جعلها تفقد شعرها الجميل ما أجبرها على وضع شعر مستعار يجعل جلد رأسها يشتعل من الحرارة في صيفنا الملتهب؟ ولماذا لا نقوم نحن النساء والرجال بتشجيع المصابات والمصابين بالسرطان وذلك بحلق رؤوسنا والظهور علنًا ومن دون شعور مستعارة كي لا يخجل المرضى من أمراضهم ومفاعيل الأدوية؟
هل تعرفون والدًا امتنع عن التدخين من أجل أن يشجّع ابنه على الامتناع عن هذا النوع من الإدمان؟
هل تعرفون صديقًا تخلّى عن رحلة استجمام ليبقى إلى جانب صديقه المطرود من العمل؟
هل تعرفون زوجًا قدّم استقالته من العمل في الشركة التي طردت زوجته منها لأنّ المدير يريد أن يوظّف إحدى صديقاته؟ وهل ننتظر بعد ذلك من زميلاتها وزملائها أن يتضامنوا معها؟
لن تجدوا! وإن حصل ووجدتم فتمسّكوا بهم لأنّهم نادرو الوجود!
أمّا المواقف البطوليّة والدعم المعنويّ والمؤازرة وكلمات التعزية والتشجيع ومظاهرات التأييد، فكلّها أمور تزينيّة جميلة أساسيّة غير أنّها لا تحلّ مشكلة ولا تداوي جرحًا. طبعًا ليس المقصود ألاّ نقول شيئًا ولكن الأفضل هو أن نفعل شيئًا. فنحن ما زلنا حتّى الآن مقتنعين بأنّنا ببيت من الشعر نعلي شأن قبيلة ونحطّ من قدر أخرى. وما زلنا مؤمنين بفعل "الكتابة" على تغيير مصائر البشر وبأنّ "فكّ الكتيبة" ينقذ الإنسان من شرور الآخرين وحسدهم وبغضهم.
تخبر إحدى النساء إنّها، عندما أجبرت على تقديم استقالتها من العمل والبقاء بضعة أشهر في البيت بلا راتب أو تعويض، كانت تشعر بالحزن والإحباط عندما كان الناس يزورونها مشجّعين. والسبب في ذلك أنّ الأحاديث المتعلّقة بها كانت تأخذ وقتًا قليلاً على اعتبار أن ليس عندها ما تخبره بسبب مكوثها في البيت وحرمانها من أيّ نشاط اجتماعيّ، ثمّ تأخذ المواضيع الأخرى الحيزّ الأكبر من الوقت: فلان أجرى عمليّة تجميل، فلانة مسافرة للسياحة، فلانة تمضي وقتها على البحر، فلان أجرى عمليّة ليزر لعينيه ليتخلّص من النظّارتين الطبيّتين، وإلى ما ذلك من الأمور اليوميّة الكماليّة التي كانت تدفع المرأة إلى إجراء حسابات سريعة، لعلّها تعرف لمدّة كم من الوقت كانت كلفة عمليّات التجميل والليزر ستساعدها على البقاء في انتظار إيجاد عمل آخر، أو إلى التساؤل لماذا يزورها هؤلاء ويكلّفونها عددًا من أكواب العصير وفناجين القهوة.
في لغتنا اليوميّة اللبنانيّة نقول: الوردة لا تشبع لكنّها تطيّب الأنفاس. كلام جميل، ولكن رجاء لا تدعونا نختنق من رائحة الورد وخصوصًا إذا كنّا جائعين! ورجاء لا تعذّبوا أنفسكم بالوقوف إلى جانبنا لأنّ الوقوف يسبّب الـ"فاريس" في الساقين، فإذا جلستم لن تضرّوا أحدًا على ما يقول أبو نوّاس، ولا تضربوا عن الطعام من أجل قضيّة، فإذا أكلتم احتججتم أكثر على ما يقول الأخوان رحباني.

الخميس، 19 نوفمبر، 2009

البحث عن السيرة الذاتيّة في الكتابات النسائيّة




Hrair
يقوم القارئ بدور التحرّي ويبحث بين الكلمات والأسطر عن سيرة الكاتب الشخصيّة في أيّ نصّ ينشر، أكان ذلك في الشعر أو الرواية أو النقد أو المقالة. ويكاد القارئ يجزم في أكثر الأحيان أنّه اكتشف حقيقة الكاتب الفلاني من خلال نصوصه وأعماله والمقابلات التي أجريت معه. ولعلّ الكتابات النسائيّة هي أكثر عرضة لـ"تهمة" السيرة الذاتيّة، كأنّ القارئ لا يصدّق أنّ مخيّلة المرأة قادرة على رسم شخصيّات لا تشبهها، أو تأليف حوار لا علاقة لها به أو كتابة نصّ على لسان أحدهم ولا يعبّر في شيء عن آرائها الخاصّة.
ولكن سِيَر الأدباء والأديبات تؤكّد أنّ النصوص الإبداعيّة مخادعة إلى درجة لا يتصوّرها عقل. وحين يظنّ القارئ أو المحلّل أنّه وضع يده على حقيقة أمر ما، تظهر لهما الأيّام والدراسات أنّ هذه الحقيقة ليست إلاّ صورة متخيّلة، أقنع الكاتب بها قرّاءه وفي أغلب الأحيان يقتنع هو بها. ويؤكّد تاريخ الأدب في العالم أجمع أنّ ما بدا واقعًا معيوشًا في كثير من سير الأدباء لم يكن إلاّ وهمًا فضحته الدراسات الحديثة والمسوّدات والرسائل التي يكشف النقاب عنها بين حين وآخر.

Hrair

وإذا كان من المحتمل أن يصدّق القارئ أنّ هذه الرواية لا تشبه حياة كاتبها (الرجل)، فمن شبه المستحيل أن يقتنع أنّ تلك الرواية لا تنقل بالتفصيل سيرة حياة مؤلّفتها (المرأة). ولذلك تدور أكثر المقابلات التلفزيونيّة والإذاعيّة والصحافيّة مع الكاتبات حول سؤال محوريّ تتفرّع عنه أسئلة تشكيكيّة: بماذا تشبهكِ بطلة الرواية؟

Hrair

ومهما حاولت الكاتبة أن تنفي أيّ علاقة لها بشخصيّات الرواية ما عدا تلك العلاقة التي من الطبيعيّ أن تربط المؤلّف بما أنتجته مخيّلته، فلن يصدّقها أحد، لا بل سيعتبرها كثر جبّانة تخشى الاعتراف بما حصل معها فعلاً فنسبته إلى شخصيّات وهميّة. وغالبًا ما تكون الكاتبات المتعرّضات لهذه المواقف مشاكسات يسرن عكس التيّار السائد ويكتبن ما يفترض أنّه حكر على الرجال كالجنس والسياسة والدين والنقد الاجتماعيّ والتحليل الاقتصاديّ. ويذكر متابعو الشأن الثقافيّ كيف اتّهمت ميّ زيادة بالجنون، وكيف اعتبر بعض النقّاد أنّ رجالاً كتبوا الروايات التي أسّست مثلاً لشهرة حنان الشيخ (فرس الشيطان)، وأحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد)، في حين لم يطرح هذا التشكيك حول أدب الكاتبة إميلي نصرالله على الرغم من شهرتها وانتشار رواياتها، لأنّ "التهذيب" الذي يجلّل كتاباتها حسب تعبير كثيرين، لا يمكن أن يصدر إلاّ عن امرأة. ولذلك تسمح المؤسّسات التربويّة بوضع روايات نصرالله بين أيدي التلاميذ وتحرّم قراءة كتب سواها من الكاتبات.

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2009

كم يبدو العالم صغيرًا في غرفتي!



يجتمع مئات الأشخاص في غرفتي كلّ ليلة. نسهر ونثرثر ونتشاجر ونتبادل الأخبار والصور والمعلومات وأحيانًا كثيرة يزدحم المكان فأطفئ جهاز الكمبيوتر وأطلب من الجميع، بكلّ تهذيب، أن يعودوا إلى غرفهم، إلى منازلهم، إلى البلدان التي فيها يقيمون.
"وجيه" يعود إلى فرنسا الباردة، "جيجي" إلى قطر الدافئة، "غسّان" إلى الولايات المتحدة القلقة، "أحمد" و"نزيهة" إلى البحرين وصحافتها صاحبة الجلالة، "موريس" إلى لندن الغارقة في حضن الضباب، "ريتا" إلى كندا القابعة تحت الثلج وغيرهم وغيرهم من الأصدقاء والعابرين الذين يعودون إلى قواعدهم سالمين ما أن أقول لهم: "تصبحون على وطن"، كما يغنّي محمود درويش بصوت مارسيل خليفة ولحنه. أمّا أنا "فأعود لا شيء معي إلاّ كلمات" كما يغنّي نزار قبّاني بصوت ماجدة الرومي وموسيقى إحسان المنذر .
برج بابل تصير غرفتي في الوقت الذي أجلس فيه أمام شاشة الكمبيوتر. تتداخل اللغات واللهجات والشكاوى وأحوال الطقس، وتتشابك الأحاديث حين يعاتب كلّ واحد الآخر ويسأله عن سبب تأخّره في الإجابة أو الكتابة، فأشعر بأنّ العالم قد صغر حتّى بات في متناول أناملي على لوحة الأزرار، وبأنّ غرفتي قد صغرت حتّى لم يعد ثمّة مكان لأحد، ثمّ أكتشف فجأة أنّ الذين رحلوا لم يرحلوا بل كانوا على مقربة حرف من يدي، وأنّ الذين ابتعدوا لم يبتعدوا بل كانوا على مقربة زرّ من الأزرار التي تؤلّف أسماءهم، وأنّني لم أنس أحدًا منهم وإن كنت أقنعت نفسي، لأحمي نفسي، بعكس ذلك.
الأسماء نفسها، ولكن الوجوه كبرت بعدما مرّت عليها خطوط العمر وحطّ عليها غبار السفر وأقامت فوق ملامحها تجارب الحياة: الذين كانوا صغارًا صاروا يضعون صور صغارهم باعتزاز وحنان كأنّ العالم اكتمل بهذه الوجوه الجديدة الواعدة. والذين كانوا متمسّكين بانعزالهم صاروا فخورين بصداقاتهم كأنّ ارتفاع عدد الأصدقاء يرفع نسبة الأمان. والذين كانوا خجولين صاروا نجومًا اجتماعيّة بعدما وقفت المسافات حاجزًا بينهم وبين من يدردشون معه عبر الإنترنت، في منأى عن المواجهة والأذى.
لعبة "الدردشة" عبر وسائل الاتصال الحديثة لا تزال تطرح عليّ تساؤلات حول ماهيتها وشروطها وأهدافها. فلماذا تخفت العلاقات الاجتماعيّة المباشرة وتزدهر الأحاديث والرسائل عبر الهاتف أو الإنترنت؟ وما هذه الحاجة الطارئة إلى التواصل، ولو مع الغرباء، بعدما ظنّ الإنسان أنّه يستطيع التخلّي عن الجميع والتحرّر من كلّ التزام أو واجب؟ وهل سننجح في تحويل هذه الوسائل الكونيّة في التخاطب والتعارف منارات إشعاع أم ستبقى كما هي الآن بالنسبة إلى الكثيرين منّا: مجرّد طريقة حديثة للثرثرة واللغو ونشر الأقاويل والإشاعات؟

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

أكتب إليك



أنا لا أكتب لنفسي كما قد يظنّ البعض، فهذا أمر لا يعنيني لأنّني لا أجد فائدة ترجى من حمل القلم والانصراف إلى كتابة نصّ لن يقرأه أحد.
ولا أكتب لقرّاء لا أعرف كم يبلغ عددهم، فهذا أمر يخيفني ولا أجرؤ على التفكير فيه. فإن كان العدد قليلاً فهذا يعني أنّني لم أخرج في كتاباتي عن حدود "الأنا" الضيّقة، وإن كان كبيرًا شعرت بالاختناق لأنّني لا أحبّ الازدحام ولا أحبّ القيود التي يفرضها هذا الواقع. وهذا الأمر كان أحد الأسباب التي جعلتني أرفض إقامة حفلات لتوقيع كتابيّ: لأنّك أحيانًا لا تكون، ورسائل العبور.
وبالتأكيد لا أكتب من أجل الراتب، إذ من المعيب الإشارة إلى مجموع ما حصلت عليه خلال أعوام من الكتابة في صحف مختلفة. ولكنّي أشير – كي لا أكون ناكرة الجميل – إلى دعوات إلى الغداء يشكرني فيها صاحب الدعوة على نصّ كتبته. وهكذا أستطيع القول إنّي في المرّات القليلة التي لبّيت فيها الدعوات كنت أشعر أنّ لكلماتي طعم السلطة أو التبولّة أو الكبّة النيّة أو أيّ صنف أجنبيّ إذا كان صاحب الدعوة غربيّ الهوى والانتماء (المعويّ!).
أكتب من أجل قارئ واحد فقط. قد لا يكون هو نفسه دائمًا، ولكن لا بدّ من أن يكون ثمّة شخص هو بمثابة قارئ أوّل أكتب إليه، وفي غياب هذا الشخص لا أجد الرغبة في الكتابة. قد أخترع هذا الشخص، قد أضيف على شخصيّته وجوهًا وجوانب لا علاقة له بها، ولكن لا بدّ من وجوده ولو اضطررت إلى إخراجه من رحم الحبر إلى سرير الورقة أو الشاشة.
هل هذا الشخص هو الملهِم؟ ربّما. هل هو الناقد الصعب الإرضاء؟ ربّما. هل هو المعجب السريّ؟ ربّما. هل هو قارئ عابر؟ ربّما؟ هل هو رجل؟ ربّما. هل هو امرأة؟ ربّما؟ هل هو طفل؟ هل هو عجوز؟ هل هو جميل؟ هل هو قبيح؟ هل هو مثقّف؟ هل هو؟ربّما. ربّما. ربّما.
ربّما هو كلّ هؤلاء، أو واحد منهم. لا يهمّ. ربّما هو يعرف ذلك وربّما لا يعرف. لا يهمّ. المهمّ أن يوجد لأكتب من أجله. ولذلك يجب أن يكون دائم الحضور، دائم اللف والدوران حولي، ينتظر كي أكتب، وأنا أنتظر كي يقرأ.
أكتب إليك إذًا. أكتب عنك إذًا. ولا يعنيني إن وافقت أو عارضت، وإن بقيت أو رحلت. يعنيني وجودك الذي يلقّح الفكرة في رأسي فتولد الكلمات كانفجار الشُهب، أو "كما ينبت العشب"، أو كما تتفتّح الأزهار البيضاء في الربيع.
وحين تعبر أيّها الرجل العابر إلى مجد طموحك سأعرف دائمًا أنّك تقرأ، وأنّك تنتظر ما أكتبه.

قضايانا الوطنيّة ومسألة اللغة



خلال الحرب على غزّة، ظهر رجل على إحدى المحطّات الفضائيّة التي تنقل مشاهد الأطفال والنساء وهم يلتحفون دماءهم، وفي صراخه الهستيريّ أمام آلة القتل الإسرائيليّة وعدسة الكاميرا العربيّة قال: لن نستسلم وسنموت جُوعًا (بالضمّة على حرف العين)...وقبل أن يتابع صحّح لنفسه مرّتين كأنّه يريد أن يمحو "الخطأ" الذي ارتكبه وردّد جَوعًا، جَوعًا (بالفتحة على حرف العين). فهل تكون حركة "فتح" على جيم الجوع أصدق تعبيرًا من ضمّ الأطفال الشهداء إلى تراب الوطن؟ وكيف بدا الأمر كلّه بالنسبة إليه مسألة لغة؟
في 15 كانون الأوّل 2008 كتب محمّد السمّاك في صحيفة "المستقبل" اللبنانيّة إنّ العرب عام 1967 وقعوا ضحيّة خطأ في ترجمة نصّ القرار 242 حول الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وذلك لاختلاف النصّ بين اللغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة، ففي النصّ الفرنسيّ ورد: وجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي العربيّة المحتلّة، وفي النصّ الإنكليزيّ طارت أل التعريف من كلمة الأراضي ونعتيها، وصارت: من أراضٍ عربيّة محتلّة.
الألف واللام! ألا يذكّراننا باللام والألف في لاءات الخرطوم الشهيرة: لا للصلح، لا للسلام، لا للاعتراف بإسرائيل؟ وهل ستبقى قضايانا رهينة الترجمة وأسيرة ألعابنا اللغويّة وشطارتنا في التفتيش عن غرائب الصدف في أحاجي الحروف؟ وما علاقة الأرض باللغة؟ وأيّهما المقدّس بينهما؟ وهل الأرض هي لغتنا الثابتة، واللغة هي بساطنا الطائر إلى كلّ أرض؟
نحن اللبنانيّين نقع أسرى اللغة وتصريف الأفعال كلّما مُسّت القضيّة الفلسطينيّة بسوء وهي لم تكن إلاّ كذلك، فما أن نبدأ بالخوف على الفلسطينيّين وأطفالهم وهم ناسنا وأطفالنا، حتّى ننشغل عنهم بالخوف على أنفسنا وأطفالنا، وتنتشر حال الهلع بين المواطنين، وتبدأ مرحلة جديدة من التكهنات وتحضير المؤن وتخزين المحروقات وإعداد البيوت البعيدة عن أماكن غير آمنة يفترض الناس أنّها أكثر من غيرها خطرًا وعرضة للقصف. وهكذا ننتقل فجأة من الضمير "هم" إلى الضمير "نحن"، ومن تعبير "الله يساعدهم" إلى "الله يساعدنا". ولكنّ اللغة تعبير عن واقع ولا تأتي من فراغ، واحتمالات فتح الجبهة عندنا سؤال يكمن لكلّ مسؤول في لقاءاته الصحافيّة، وبالتالي تبدو مخاوف الناس مفهومة ومبرّرة ولن يسخر أحد من عائلات حضّرت أماكن سكن بديلة وجهّزتها بالضروريّات خشية الآتي الأعظم.
فهل سيحصل شيء عندنا؟
العماد ميشال عون قال ردًّا على هذا السؤال: لا أريد أن أطمئن إسرائيل ولا أريد أن أخيف الشعب اللبنانيّ، ولذلك لن أجيب على هذا السؤال. ولكن الشعب اللبنانيّ خائف، وخوفه على أطفاله أنساه خوفه على أطفال غزّة، وكوابيس حرب تمّوز لا تزال تقضّ مضاجع الناس وهدير الطائرات لمّا يغب بعد عن مسامع الأولاد، وبقدر ما يتشوّق مناصرو الأحزاب الراغبة في تلقين إسرائيل درسًا جديدًا إلى حرب جديدة، يغرق آخرون في مخاوف حقيقيّة تزيدهم عزلة ويأسًا ورعبًا من مصير قاتم. ولذلك قرّرنا نحن والفلسطينيّون أن نتقاسم مصيرين أنشدتهما فيروز في أغنيةٍ صارت نشيد الرحيل: فهم باتوا يحترفون الحزن ونحن صرنا نحترف الانتظار. ومعًا ننتظر الآتي ولا يأتي إلاّ على شكل طفل يشبه أشلاء بلاده.
والخوف كلّ الخوف أن نشغل أنفسنا بالبحث في كتب اللغة عن أيّ الكلمتين أصحّ في هذا السياق: جَوعًا أم جُوعًا، وننسى أنّ أل التعريف وقعت خطأ من نصوص صاغها آخرون في غفلة عنّا، ولعلّهم الآن يفعلون الأمر نفسه. فأين نحن من اللغة والأرض والتاريخ والإنسان؟ أين نحن ممّا يحضّر لنا؟

الأحد، 15 نوفمبر، 2009

لا تمنحوا منصور الرحباني وسامًا


اتركوا منصور الرحباني يرثي نفسه، فتّشوا في قصائده والأغنيات عن معاني الموت والخلود والوطن والحياة والإبداع، ولا تتعبوا أنفسكم فلن تجدوا ما يليق به أكثر من كلماته. لا تمنحوه وسامًا فهو الوسام على صدر الوطن والأمّة والإنسانيّة، ولا تؤلّفوا لجنة لإحياء ذكراه فاللجان مقبرة الذين لا يؤمنون بالقيامة، ولا تضعوا جائزة باسمه فاسمه هو الجائزة التي لم نكن نستحقّها. ولا تكتبوا عنه في زوايا الصحف والصفحات الداخليّة فهو من أعمدة الهيكل ولم يجد لخبر رحيله عنوانًا يحتلّ عواميد الصفحات الأولى. ولا تحشروه في كتاب مدرسيّ لينزل به معلّمو النثر تشريحًا يكرّه التلاميذ به. لا فضل لإنسان على آخر إلاّ بالدين، والدين جمال وحقّ وسموّ وإيمان بالله والأرض والإنسان، ومنصور الرحباني كان من هؤلاء المؤمنين المتدينين، فهل يشبه موته موت أيّ أحد؟ وإن ساوينا بين موت المبدع وموت أي إنسان آخر ألا نهين الإبداع الذي وضعه الخالق في هذا المخلوق؟
ويل لأمّة يحتلّ سياسيّوها وعسكريّوها عناوين الأخبار والصحف ولا يتركون لمبدعيها إلاّ نعيًا في صفحة الوفيّات ومن ثمّ على لوحة من حديد في شارع من شوارع المدينة الصاخبة.
ويل لأمّة تنتظر موت كبارها ليجد الصغار ملعبًا للهوهم، والحاسدون منفسًا لحقدهم، والأغبياء منبرًا يتكلّمون من فوقه على من لم يحسنوا الكلام في حضرة وجوده وفنّه.
كان التمييز بين عاصي ومنصور هوايتنا، نحصر الإبداع الشعريّ بأحدهما ونجعل الآخر صداه، أو نعطي أحدهما صفة الشاعر والآخر صفة الملحّن، أو نقول إنّ أحدهما هو الفكر والآخر هو الشكل، أو إنّ الواحد منهما كان للغة اللبنانيّة والثاني للقصائد، ونتخاصم من أجل ذلك، وبسببه يتكوّن أتباع لعاصي وأتباع لمنصور وأتباع لفيروز. ربّما! ربّما كان الإنتاج الرحبانيّ أكبر من شخص وشخصين وثلاثة، ربّما تضافرت له جهود شعراء وموسيقيّين وفلاسفة ومؤرّخين، ربّما نجد في كثير من النصوص أثرًا لذاك أو لذلك من الكبار الآخرين، ولكن هل يلغي ذلك عبقرية الاثنين التي صهرت كلّ ما صبّ فيها وأنجبت هذا الشعر وهذه الموسيقى وهذا الـ"لبنان" الذي جعلنا لا نكتفي بالوطن الذي بين أيدينا لأنّه ليس على مثال وطنهم. ربّما سنحتاج إلى أعمار كثيرة كي ندرس الإنتاج الرحبانيّ ونحلّل الإبداع فيه، وربّما سنجد فيه ما لم ننتبه إليه في حياة الأخوين رحباني وأثناء وجودهما لأنّهما كانا دائمًا يشغلاننا بالجديد عندهما حتّى بعدما رحل عاصي، ومن يصدّق أنّ ما قدّمه منصور بعد رحيل أخيه لا يحمل شيئًا من عاصي؟ وهل يخرج الإنسان من جلده، ويمحو ذكرياته والأحاديث التي بدأت في عليّة المقهى واستمرّت إلى ما بعد الموت، وها هي تستعيد الآن ضحكات الطفولة البريئة وعلامات الاستفهام الأولى عن الحياة وما خلف الحياة؟ الآن مات منصور الرحبانيّ، ولا نخدع أنفسنا بالقول إنّ العباقرة لا يموتون. إنّهم يموتون، صدّقوني، يموتون مليون مرّة في اليوم، يموتون من الحزن والحبّ والشعر والجمال، يموتون ويقومون من "ميتاتهم" ليعودوا ويموتوا وهذه هي مأساتهم: أن يموتوا مع موت كلّ إنسان، وعن كلّ إنسان. مات منصور الرحباني لأنّه تعب من التفكير والتحليل ومحاولة الفهم، فأوقفوا المذيعات والمذيعين عن ارتكاب مجازر الغباء في حقّ إبداعه، وكسّروا الأقلام التي تكتب عن علاقات خاصّة ربطت حامليها به أكثر ممّا تكتب عنه. وما دام موته لم يستحقّ أن يكون عنوانًا يمتدّ على العواميد كلّها في رأس الصفحة الأولى لأيّ جريدة لبنانيّة، أو الخبر الأوّل في نشرات الأخبار، فهذا يعني أنّ صورة لبنان التي كنّا نعرفها زالت إلى غير رجعة.

السبت، 14 نوفمبر، 2009

الفنّ بين الفرديّة والمجتمع



قالت الممثّلة الأميركيّة الراحلة كاثرين هيبورن في إحدى المقابلات: كنت أفضّل أن أكون رسّامة عظيمة أو كاتبة كبيرة. التمثيل فنّ قاصر المشكلة فيه أنّه يتطلّب أن تتعاون مع آخرين. أعتقد أنّ الاعتماد على الذات أكثر إرضاء لي من أن أكون جزءًا من آلة كبرى.
ويوافق على هذا الكلام النقّاد ومؤرّخو الفنّ السابع الذين يؤكّدون أنّ الممثّلة الأميركيّة القديرة عشقت السينما ولكنّها كرهت الجانب الجماهيريّ، معتبرة أنّ في ذلك تذلّلاً للناس، وهي بالفعل لم تكن تهتمّ سواء أحبّها الناس أم كرهوها.
في المقابل، اعتبرت المخرجة المسرحيّة والممثّلة نضال الأشقر أنّنا في بلادنا العربيّة نفشل في العمل الجماعيّ وننجح في الأعمال الفرديّة، لذلك، بحسب رأيها، نجحنا مثلاً في الشعر والرواية والرسم ولم ننجح في المسرح والموسيقى السيمفونيّة والأفلام.
من نافل القول أنّ كلا القولين الصادرين عن كبيرتين، كلّ في مجالها ومكانها، صحيح ومتكامل بشكل واضح. ففي الولايات المتحدة حيث أثبتت "الآلة الكبرى"، كما سمّتها، قدرتها على جزّ كلّ ما يعترض طريقها من أعشاب ضارّة وطوّعت الفرد ليكون عنصرًا بسيطًا من مجموعة كبيرة، يحتاج المرء إلى فسحته الخاصّة حيث يعبّر كما يريد ويكتب ما يريد ويفكّر كما يريد. أمّا عندنا، حيث تطغى النزعة الفرديّة ونجد صعوبة في التعاون مع الآخر، فنحتاج إلى إعادة نظر في موروثاتنا الفكريّة والاجتماعيّة ومعالجة مشاكلنا النفسيّة كي نستطيع أن ننتج عملاً ناجحًا تتضافر فيه الجهود ولا يلغي أحد دور أحد.
عندنا في لبنان فنّان موهوب اسمه جورج خبّاز، اعترف له الفنّان القدير دريد لحّام بالموهبة وأعلن أنّه سيتعاون معه في عمل مسرحيّ. عندما أراقب أعمال خبّاز أكتشف أنّه يصعب عليه التعامل مع أحد، ففي مسرحيّاته هو الكاتب والمنتج والمخرج والممثّل ومؤلّف الأغنيات وملحّنها، ولذلك فثمّة ثغرة في كلّ وظيفة من هذه الوظائف. وينطبق هذا التوصيف على باسم فغالي، الذي يقوم بكلّ المهمّات لأداء أدواره، وكذلك على مقدّمي البرامج الحواريّة الذين يرفضون الاستعانة بمعاونين أو مستشارين بل يفرضون شروطهم بالاكتفاء بموظّفين يلبّون أوامرهم.
لا نزال إبداعيًّا نعيش في العصر الجاهليّ ونكتب قصيدة قائمة على أبيات متفرّقة لا رابط بينها إلاّ الوزن والرويّ والقافية. ولم نتعلّم بعد أن نكون أجزاء مترابطة ومتعاونة من منظومة واحدة. وإذا كان كلام كاترين هيبورن يصحّ في الرسم والكتابة في لحظة الإبداع فإنّ التسويق والعرض والبيع والتصحيح والتوجيه والإعلان والنشر مهمّات لا يقوم بها الرسّام أو الكاتب في الولايات المتحدّة وسواها من بلدان العالم المتمدّن بل يكلها إلى متخصّصين.
وإلى حين نتعلّم التعاون وقبول الآخر لنصير قصيدة منسجمة ذات وحدة عضويّة سنبقى طويلاً بيوتًا متفرّقة وقبائل متناحرة.

الجمعة، 13 نوفمبر، 2009

قممنا الإبداعيّة وعوامل التفتيت والتعرية



تتعرّض الجبال والصخور لتأثير التغيّرات المناخيّة وتقلّبات الطقس، ما يجعلها عرضة لعوامل التفتيت والتعرية فتتغيّر أشكالها وتتقلّص أحجامها لتختفي بعد ذلك. ولكنّ هذه العمليّة تستغرق آلاف السنين لا بل ملايين السنين، ولا يستطيع الإنسان شيئًا حيال ذلك، لا بل هو يساهم في تلويث البيئة وتكسير الصخور وقطع الأشجار وجرف التراب. وإذا كان فعل الإنسان مرفوضًا حيال الطبيعة فهل هو كذلك حيال قممنا الإبداعيّة؟
يحلو للبعض أن يعتبر أنّ الأسماء "الكبيرة" في تاريخنا الإبداعيّ غير قابلة للنقد ولا يجوز أن تتطاول عليها أقلام وألسنة. وإذا كان في هذا الكلام بعض الصحّة فلا يعني ذلك أنّه غير قابل كذلك للنقد والتحليل والاعتراض. فالمبدع إنسان يخطئ ويصيب، ينجح ويفشل، وإذا كان من غير المقبول التحطيم والتهشيم والتجريح فالنقد العلميّ مطلوب، وما من مقدّسّات في هذا المجال. لا أحد ينكر مثلاً أنّ ما كتبه الأخوان رحباني وصل في إلى مرتبة من الشعر راقية وسامية تكاد تعجزنا عن الحديث عنها، غير أنّ هذا لا يعني أنّهما لم يكتبا كلمات لا علاقة لها بالشعر، ولولا اللحن وصوت فيروز لما وجد فيها أحد قيمة فنيّة. حتّى فيروز ليست بمنأى عن المساءلة، غير أنّ الناس اعتادوا على الانتقال من التفخيم والتعظيم إلى التهشيم والتحطيم من دون سبب عقلانيّ أو تحليل منطقيّ وفي أغلب الأحيان بالقلم نفسه. فحين غنّت فيروز في ساحة البرج هاجمتها الأقلام نفسها التي دافعت عنها حين قدّمت مسرحيّة "صحّ النوم" في دمشق. ففي المناسبة الأولى اعتبرها بعض النقّاد منحازة إلى مشروع رفيق الحريري وتغنّي على حساب أصحاب الأملاك الذين خسروا أملاكهم في وسط بيروت، في حين رأى فيها آخرون الصوت المبشّر بعودة الحياة إلى عاصمة لبنان. وفي المناسبة الثانية رأى من هاجمها أنّها عادت إلى قواعدها سالمة، أمّا الآخرون فشعروا أنّها خانتهم. وفي المرّتين غابت إلى حدّ كبير القراءات النقدّية العلميّة، والأخطر من ذلك أن يروح البعض إلى حدّ القول: هي محقّة في كلّ ما تفعله، فهي فيروز ولا يجوز الشكّ في تصرّفاتها.
وإذا كان مارسيل خليفة غنّى للثورة الفلسطينيّة أجمل القصائد وجعل شعر محمود درويش في متناول عامّة الناس، فهذا لا يعني ألاّ يكون لنا موقف من تركه لبنان والإقامة في فرنسا مع العلم أن لا خطر على حياته ولا موانع تعيق تحليقه الفنيّ، من دون أن ننسى أنّ الثروة التي جمعها وتسمح له بالإقامة في الخارج هي من أموال دفعها باعة الخضار الذين ذكرهم في أغنياته، والثوّار الذين يقيمون تحت القصف والنار، والفقراء الذين حرموا أنفسهم من رغيف خبز ليشتروا بطاقة لإحدى حفلاته التي صارت نادرة بعدما انتهت "ثورته" وبسبب غضبه على الناس العاديين الذين لا يرون فيه إلاّ مغنّي الحرب، ولم يواكبوا مسيرته الموسيقيّة ولم يتطوّروا معها. ولا أعرف إن كان مارسيل خليفة يسأل نفسه وهو الذي قاد الجماهير في طريق الثورة، لماذا عجز عن الارتقاء بهم إلى المستوى الذي وصل إليه.
من السهل الانتقال من هذين المثلين إلى مختلف وجوه الحياة الإبداعيّة وفي كلّ المجالات التي لا نستطيع ذكرها في هذه العجالة، لنقول إنّ الخوف على صورة مبدعينا لا يعني الخوف منهم، وإنّ عوامل التفتيت والتعرية قد تغيّر معالم الجغرافيا، ولكنّ هذه العوامل نفسها هي التي جعلت مغارة جعيتا أعجوبة طبيعيّة رائعة. وبالتالي ثمّة خيط رفيع وهشّ يفصل بين أن نرفع مبدعينا إلى قمم المجد ونأسرهم عليها وننحني أمامهم خاشعين، وبين أن نخضعهم لمزاجيتنا وآرائنا ورغباتنا. وفي الحالين الأمر ليس صحيًّا للجميع.

الكتابة على ورق الخسّ



متابعو هذه الكتابات ذات المزاج النسائيّ يذكرون حديثي عن المطعم القرويّ في بيروت، ولذلك يعرفون إنّ مقالتي عنه أثنت على الفكرة الذكية التي تقف خلف إنشائه، بقدر ما توقّعتْ انفضاض الناس عنه ما أن يضجروا من الحكاية التي أثارت اهتمامهم وجعلتهم يتساءلون عن هويّة الرجل الذي يحمل المطعم لقبه.
المشكلة مع الحكاية أنّ عليك أن تصدّقها أوّلاً كي تستطيع إقناع الناس بها، وكي تجعلها قابلة للتحوّل واقعًا. لذلك أصبح "راجح" (جوزف عازار) في مسرحيّة "بيّاع الخواتم" رجلاً حقيقيًّا خرج من الحكاية وصار له اسم وهويّة وشكل، ولذلك أيضًا لم تسافر "وردة" (فيروز) في القطار وهي التي زرعت في أفكار الناس "المحطّة" /الحلم، ورحل الجميع، إلاّها، عندما وصل "التران" وبقيت صاحبة الحلم واقفة على رصيف الانتظار لأنّها لم تشتر بطاقة سفر.
من السهل أن يفضح أصحاب المطعم أنفسهم عندما تتحدّث معهم لأنّك تكتشف فجأة أنهم "اشتروا" الحكاية كما يشترون أيّ سلعة أو زينة أو خسّة، ولا يمكن الجالس معهم أن يرى بريق الحلم في عيونهم ولن يتوقّع أن تنجب الحكاية حكايات أخرى. فهل هذا عقاب من يريد أن يرى عن كثب كيف تلمع كلمات الحكاية في عينيّ من حلم بها ذات قمر ونجمة وليل؟ وأين اختفى ذلك الحالم وبأيّ مبلغ باع حكايته؟
نشأت في بيروت علاقة قديمة بين المطعم أو المقهى والثقافة، وتزخر أدبيّات هذه المدينة بذكريات أدباء عن أيّام أمضوها في تلك الأمكنة/الفسحات، حتّى صارت أسماء أصحابها والعاملين فيها تترافق مع أسماء سياسيّين لبنانيّين وشعراء ومسرحيّين وثوريّين هاربين من بلادهم إلى حيث الحريّة الخلاّقة. وهكذا صار مطعم "فيصل" في مقابل الجامعة الأميركيّة، ومطاعم الروشة كاليلدزلار ونصر وشاتيلا، ومقاهي شارع الحمرا كالويمبي والهورس شو والمودكا والكافيه دو باري وسواها كثير، نقول صارت قلاع مقاومة فكريّة، أو مراكز حزبيّة أعدّت فيها أكثر من ثورة انقلابيّة. وكان القيّمون عليها يفتخرون بأّنّ مطاعمهم لم تعد مجرّد أمكنة عابرة لتناول الطعام بل تحوّلت بيوتًا يلجأ إليها الهاربون من الظلم والملاحقة، ومسارح يطلق من خلف طاولاتها الفنّانون والشعراء أفكارهم التي يخاف أيّ مكان آخر من احتمال جرأتها وحداثتها. ولذلك لا يزال ما بقي "حيًّا" منها يحتفظ على جدرانه بصور مبدعين عرب وأجانب، ولا تزال ذاكرة الأمكنة تحجز هذه الطاولة لذلك الشاعر وتلك الزاوية لذلك المفكّر، وهذا المقعد للأستاذ الفلانيّ.
لا تصل فرحتنا بمطاعم بيروت أو مقاهيها إلى أبعد من يوم أو اثنين أو ثلاثة، كأنْ كتب على هذه المدينة أن تصفعك دومًا وتصرخ في أذنك: استفق فلن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، وذاكرة بيروت صارت مجموعة آثار تعمل البلديّة على جمعها في مبنى خاصّ على تقاطع السوديكو، يبدو أنّه يحمل آثار الحرب أكثر من أيّ شيء آخر.
لم نعد نخترع الحكاية ونصدّقها، بل نشتريها معلّبة مع طريقة الاستعمال وانتهاء مدّة الصلاحيّة، ونحن نعرف مسبقًا بأنّها استثمار قصير الأمد وليست ارتباطًا بمكان وتاريخ. ولذلك تخلو المطاعم من الصحف وتزدحم بالأراكيل، وتغيب أحاديث الثقافة وتحضر في قوّة ثرثرات النساء السيليكونيّات، وتعبر في سرعة وخجل وجوه الشعراء والأدباء وتقيم آمنة وجوه إعلاميّات هذا الزمن وملكات جماله وعارضي الأزياء وفتيات الجامعات المتسكّعات، الذين لا نجرؤ على الرهان عليهم لتأسيس ذاكرة جديدة.

الخميس، 12 نوفمبر، 2009

مطعم قرويّ في بيروت

في بيروت ...قديمًا

لا نستطيع طبعًا ذكر اسم المطعم الذي افتتح مؤخّرًا في بيروت، وفي بيروت يفتتح كلّ يوم مطعم جديد، لكي لا تتحوّل الكتابة حملة إعلانيّة تسوّيقيّة. ولكن لا بدّ من الحديث عن الحالة التي خلقها هذا المطعم والقصص الطريفة التي تنشر حول فكرته وأثاثه والإقبال الشديد عليه.
حين دعاني أحد الأصدقاء، وهو نيّق لا يعجبه العجب، إلى المطعم الجديد ظننت أنّه سيصطحبني إلى واحد من تلك المطاعم الأنيقة المعلّقة فوق أبراج بيروت وفنادقها الراقية، أو تلك التي تمدّ موائدها وصولاً إلى البحر الدافئ، غير أنّني فوجئت بأنّني أقف أمام مطعم يشبه بيتنا ذا الطابع القرويّ: طاولات عتيقة من الفورمايكا أو الخشب لا تختلف عن تلك التي كانت في بيت جدّي، وأغطية ذات زهور صغيرة من النايلون كتلك التي كان يحملها الباعة المتجوّلون في القرى، وكراسي توحي بأنّها عتيقة ومخلّعة وطبعًا هي ليست كذلك، وأدوات زراعيّة، وأطباق لبنانيّة تراثيّة وطبعًا: أراكيل من مختلف النكهات.
ولكن ما أضافه أصحاب المطعم وهم خمسة شركاء من العاملين في حقل المطاعم هو الحكاية.
فعلى لائحة الطعام وعلى الحيطان صور وأخبار عن رجل من المفترض أنّه والد صاحب المطعم. وأمام الباب سيّارة كاديلاك عتيقة كانت للوالد المملوءة حياته مغامرات ونساء وقبضايات وفنّانات وسياسيّين ورحلات، وما إلى ذلك من عناصر التشويق التي تجعل الحكاية قابلة لمزيد من تفاصيل وإضافات لن تبخل بها مخيلة الجالسين حول الموائد العامرة بالطعام الذي عادة ما نتركه في البيت وندفع ثمنه الباهظ في المطعم.
قلت لصديقي مازحة: لو علمت أمّي بأنّنا ندفع هذا المبلغ ثمن صحن اللبنة لما نامت الليل بسبب الإحساس بالغبن. ثمّ تابعتُ بكثير من الجدّ والرغبة في الفهم: نحن نتردّد في دعوتك إلى تناول العشاء تحت العريشة أمام منزلنا القرويّ على اعتبار أنّك تحبّ المطاعم الأجنبيّة ومفارش الموائد ذات الماركات العالميّة، فكيف تبدو مرتاحًا هنا؟ فكان جوابه المختصر: هون غير شي.
نعم، هنا في المطعم، تبدو الأمور مختلفة، وما كان مهملاً في القرية ومرميًّا في الحقول صار أدوات زينة تلفت الانتباه وتدعو أبناء المدينة إلى أن يتفحّصوها وأن يعرفوا أسماءها وطرق استخدامها، وعلى وجوههم إمارات الفرح الطفوليّ باكتشاف أمر غريب. حتّى حكاية الرجل الذي ترك ابنه الوحيد للخوض في عالم المغامرات ولم يترك له سوى طرابيشه النبيذيّة اللون، صارت مجموعة من الحكايات نكتشفها حين نسمع على الطاولات المجاورة أحاديث تحاول أن تكتشف صحّة الحكاية، أو تحاول أن تحلّلها أو تلصق بها ما علق في الذاكرة من حكايات تشبهها.
لا شكّ أنّ من يقف خلف مشروع الحكاية، أكانت حقيقيّة أم متخيّلة، بارع في التسويق ويعرف أنّ الناس على اختلاف أعمارهم يحبّون الحكايات ويحبّون كلّ ما هو جديد، حتّى ولو كان هذا الجديد طربوشًا قديمًا، أو طبقًا تقليديًّا أعطاه أصحاب المطعم اسم الزوجة التي أهملها رجل الحكاية فاهتمّت وحدها بابنها.
أدعوكم إلى زيارة هذا المطعم قبل أن يضجر الناس منه، ويضطر أصحاب المطعم أنفسهم إلى تغيير طبيعة المكان والديكور والحكاية ليجذبوا الزبائن أنفسهم ولكن بـ"إدارة جديدة" وإرادة لا تنثني عن اختراع الحكايات وتسويقها في عالم يبحث كلّ يوم عن فكرة ذكيّة وجديدة.

الأربعاء، 11 نوفمبر، 2009

لا ذنب لي في الحبّ والكره



أثبت العلم ما كنت أقوله دائمًا عن نفسي، ومن الواضح أنّه بات الآن يصحّ على الجميع، أنْ لا ذنب لي في الحبّ والكره وأنّ الأمر كلّه متعلّق بدوائر عصبيّة هي نفسها المسؤولة عن الحبّ والكراهية، وتقيم في مركزين في المخّ هما: بوتامان وأنسولا. طبعًا أنا ما كنت لأطلق عليهما هذين الاسمين!
هذا ما أكّده علماء في لندن كوليدج البريطانيّة بعد سلسلة من الأبحاث والتجارب أدّت غلى اكتشاف المراكز المسؤولة عن ظهور هذه المشاعر عند الإنسان.
هذه الحقيقة العلميّة تبرّئ أيّ واحد منّا من تهمتي العشق والكره وتضع اللوم على خلل في هذين المركزين أو في أحدهما على الأقلّ. وبالتالي لا بدّ من أن ننتظر لاحقًا عقاقير وأدوية تسمح بمعالجة هذا الخلل، فنخفّف من حالة العشق عند أحدنا قبل أن تودي به إلى الجنون أو الانتحار، ونلغي نسبة الكراهية عند آخر قبل أن تدفعه إلى ارتكاب جريمة يروح ضحيّتها مثير كراهيته. وكما هي الحال في كلّ الأدوية والعلاجات والعقاقير، لا بدّ من أن نخشى وقوعها في أيدي من يستغلّها فيتلاعب بتركيبتها ويغيّر أهواء الناس ومشاعرهم على مزاجه وتبعًا لمصالحه.
بين الحب والكراهية شعرة، هذا ما يقوله الناس في بلادنا، وكم من علاقة حبّ يائسة تحوّلت ( بسبب البوتامان والأنسولا كما صرنا نعرف الآن) حقدًا أعمى قضى على كلا الطرفين. وهواة الفنّ السابع لا بدّ يذكرون "الحرب" التي دارت رحاها في قصر "آل روز" بين زوجين عاشقين/ عدوّين أدّى دوريهما مايكل دوغلاس وكاثلين تورنر، وروى قصّتهما في الفيلم محامي العائلة الذي لعب دوره داني دو فيتو. والفيلم الذي نال شهرة واسعة عام 1989 كان قد سبقه فيلم آخر عن تحوّل العشق جنونًا مدمّرًا في "جاذبيّة قاتلة" عام 1987 مع مايكل دوغلاس كذلك والبارعة غلين كلوز.
في نهاية القرن الماضي كان العلم قد اكتشف كذلك الجينة المسؤولة عن الخيانة الزوجيّة، وقلنا يومها: صار للخيانة عذر شرعيّ يقرّه الطبّ. ولا شكّ في أنّ الاكتشافات المقبلة ستزيل الستار عن كثير من الخلايا التي تسبّب أمراضًا نفسيّة وحالات عصبيّة أو في المقابل إبداعًا وعلمًا وفنًّا. والذين يملكون بعض المعلومات عن الطبّ الصينيّ مثلاً يعرفون تمامًا أنّه قال مثل ذلك منذ أكثر من أربعة آلاف سنة حين ربط بين ما يحصل في داخل الإنسان وما ينتج عنه من تصرّفات.
ما يهمّني في الموضوع أنّني رفعت عن نفسي، بتأكيد من العلم وبراءة ذمّة منه، المسؤوليّة عن حالَتي العشق واللاعشق كي لا أقول الكراهية. وفي انتظار العقار السحريّ الذي يعالج البوتامان والأنسولا في مخّي أرجو أخذ حالتي "المرضيّة" بعين الاعتبار.