الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 29 أبريل 2011

جمعة الغضب وعرس كايت ووليام





لست من السذاجة بحيث أؤمن بأنّ دول العالم الأوّل هي الفردوس الذي يعيش فيه كلّ الناس في نعيم أبديّ، غير أنّني لست متشبّثة برأي غبيّ يقول إنّ الغرب هو الشيطان الرجيم القبيح. يكفي أن أقارن بين ما تنقله الصور عن يوم الجمعة 29 نيسان 2011 لأرى نوعين من الحياة وذلك من خلال مشاهد الاحتجاجات في الدول العربيّة ومشاهد الاحتفالات في العاصمة البريطانيّة.
أنا من جيل مرّت عليه مرحلة الأحلام الورديّة تحت القصف وبين جثث القتلى، ولست اليوم في وارد أن أسكب الدمع تأثّرًا بقصّة عاطفيّة تجمع بين حفيد الملكة إليزابت وفتاة من عائلة ثريّة، ولكنّي لا أستطيع أن أنفي عن حفلة العرس سيطرة أجواء الأناقة والجمال والموسيقى الراقية والتنظيم والحضارة والرقيّ واحترام الأنظمة ، في مقابل ما نراه في الشوارع العربيّة من فقر وحرمان وفوضى وبشاعة. فلا يمكن والحالة هذه إلاّ أن نقارن بين البزّات العسكريّة التي يرتديها العريس وليام وشقيقه هاري ووالده تشارلز وجدّه التسعينيّ فيليب، والبزّات العسكريّة التي يرتديها الزعماء العرب. كما لا يمكننا ألّا نتساءل عن السبب الذي يدعو البريطانيّين إلى التمسّك بالعائلة المالكة ومطالبتهم بتوريث وليم بدل أبيه، في حين يرفض العرب توريث أولاد رؤسائهم.
طبعًا، تسهل الإجابة على هذا النوع من الأسئلة إن وضعناها تحت عنوان مفهوم الدولة. فلا أحد ينكر أنّ زعماء الدول العربيّة نعموا لأعوام وأعوام بالبذج والترف، فالمسألة إذًا ليست الوضع الماليّ للدول العربيّة، ولا أحد ينكر أنّ التاج البريطانيّ يكلّف الخزينة أموالاً طائلة، لكنّ البريطانيّين تعلّموا كيف يستفيدون من النظام الملكيّ في وقت تعلّمت العائلة المالكة أن تأخذ ما لها وتعطي للدولة ما لها، واكتفت بأن تكون صورة جميلة وحكاية تداعب مخيّلة الرومنسيّين، تاركة الحكم لأهل الحكم.
وهذا ما لم يتعلّمه الحكّام العرب وأبناؤهم، ومنهم من يشارك اليوم في حفلة العرس.
كلّ حكم في الأرض باطل. ودول الاستعمار كما يحلو لنا أن نسمّيها ليست قطعًا مقياسًا دائمًا للعدل أو الإنسانيّة، ولكن الأكيد الأكيد أنّنا لسنا نحن من يزايد عليها أو من يدّعي أنّه أفضل منها. يكفي أنّنا نهرب إليها طلبًا للعلم والحريّة والاحترام والاستشفاء والعدالة والحماية. ومن لا يريد أن يصدّق فليسأل نفسه: من هي الشعوب الأكثر ابتسامًا اليوم؟ الشعوب العربيّة الغارقة في ثورات لا أفق لها، أم تلك التي تتابع عرسًا خياليًّا وتغسل عيونها بمناظر حضاريّة جميلة وراقية ولو ليوم واحد؟

الخميس، 28 أبريل 2011

زهرات حديقتنا حين تتكلّم عن الثورة


زهرة لعروس لا تغار من الثورة
التي أغرم بها عريسها
فأهدتها طرحتها البيضاء
وزغردت لها
وشكرتها
لأنّها هي من أثبت رجولة رجُلها.

اللبنانيّ الشامت بما يجري للعرب حوله
لم يبق فيه مكان للرحمة
بعدما احتلّت خلاياه الخيبة
وأمات شعوره الانتظار.
وردة على قبر عاطفته.

زهرة لشهيد قتله جنديّ من جيش بلاده
الجنديّ لم يشارك في أيّ حرب ضدّ إسرائيل
إسرائيل منحت الجنديّ وسامًا لشجاعته

زهرة لطفل خائف في حضن أمّه
بعدما ضاق به حضن الوطن
أنا أفهم خوفك أيّها الصغير
لأنّني ابنة الحرب الطويلة
الطويلة كيوم مدرسيّ مملّ.

وردة لأمّ حائرة بين ابنها وبلادها
هل تدعو له كي يحرّرها
أم تدعو عليها إن اغتالت أحلامه؟

الثلاثاء، 26 أبريل 2011

تحت شجرة الأكي دنيا




1- أمام بيتنا شجرة أكي دنيا، تغري العصافير والأولاد.
العصافير لم تستأذن، ولم تنتظر دعوة لتأكل ما طاب لها من الثمار الشهيّة الأليفة.
الأولاد خجلوا من الانصياع لرغباتهم، وحين شجّعتهم دعواتنا، اقتربوا وسألوا عن هذا النوع "الغريب" من الثمار.
العصافير لا تملك ما يملكه الأولاد من وسائل معرفة، لكنّها تعرف أين تجد الطعام اللذيذ.
2- هل كان الربيع دائمًا هو موعد الثورات في بلادنا؟ حين لا حرّ ولا قرّ يتذرّع بهما من لا يجرؤ على التغيير.
أم هي رغبة الإنسان في تقليد الطبيعة المنتفضة من الموت، والخارجة من رحم الأرض؟
نحن، سلالة أدونيس، يجري دم الثورة في عروقنا كما يجري النسغ في شرايين الأشجار غير أنّنا اخترنا سكينة القبور.
3- مشكلة الإنسان أنّه مؤمن بأنّه ارتقى فوق مستوى الغريزة وغير مقتنع بأنّه لم يصل بعد إلى مرتبة العقل.
4- ثلاثة أساليب ناجعة للتخلّص من الرجل بغير قتله:
- أخبريه بأنّك لم تعرفي رجلاً قبله. فهو حين يسمع ذلك سيفكّر في أحد أمرين: إمّا أنت كاذبة تتلاعبين به فيبتعد حفاظًا على كرامته، أو أنّك صادقة تريدين انتظرته كي تلتزمي به وتلزميه بك، فيهرب خوفًا على حريّته.
- صارحيه بأنّك لا تملكين مالاً. فهو طبعًا لن يستطيع تحمّل فقرك في هذا الزمان الرديء، وسيعتذر بلياقة عن الارتباط بك لأنّ راتبه لن يكفيكما معًا، وهو مسؤول عن والديه وأخوته وأولادهم.
- لاحقيه بالاتصالات والرسائل وأغرقيه بالعاطفة. فسرعان ما يضيق ذرعًا بك، بل سيخاف منك ويظنّ بك الظنون، ويقرّر أنّك مهووسة ومريضة نفسيّة ومصابة بالكبت والحرمان، فيهرب إلى غير رجعة.
5- حين لا يصل من أنتظره ولا يصلني عنه خبر، أعرف أنّه لم يغادر أمان بيته.

السبت، 23 أبريل 2011

للتذكير فقط: في 1 شباط 2011 كتبت عن مصير الثورات العربيّة

في 1 شباط كان الجميع متفائلاً بأنّ الثورات العربيّة ستقلب الأنظمة في يوم وترفع سواها في اليوم التالي. يومذاك كتبت في صحيفة النهار مقالة عاتبني كثيرون في شأنها واتّهموني بالتشاؤم والخضوع لنظريّة "المؤامرة" التي اعتدنا أن نلصق بها كلّ تغيير في المشهد السياسيّ في بلادنا، غير أنّني كنت ولا أزال مقتنعة بأنّ ثورة لا تتّكئ على فكر أو ثقافة أو فلسفة لن تصل إلاّ إلى استبدال نظام بنظام. أعيد التذكير بتلك المقالة لأنّني أقرأ عددًا كبيرًا من المقالات التي ترثي هذه الثورات بعدما أفاضت دموع الفرح كلماتٍ تهلّل للحريّة الآتية لا محالة بين لحظة وأخرى. وكلّ الأمل في أن نكون، سبّاقين ومستدركين، على خطأ وأن يكون التغيير نحو الأفضل لا الأسوأ.




من ثورة الحجارة إلى الأرز إلى الياسمين






تتطلّب التحرّكات الشعبيّة التي تنتقل عدواها ما بين العواصم والمدن العربيّة قراءة نقديّة هادئة، بمعزل عن الانفعالات الحماسيّة التي تصلح للنقل التلفزيونيّ المباشر والرسائل القصيرة عبر التلفون أو الإنترنت وللمدوّنات التي تؤجّج الرغبة في النزول إلى الشارع، وذلك كي لا يوحي المرء لنفسه بتفاؤل في غير موقعه أو يخدع أجيالاً من الشباب تحلم بالتغيير. فلربّما ما يجري مجرّد حفلة تقاتل على السلطة أو على رغيف خبز يسدّ جوعاً آنيّاً لا ثورة حقيقيّة تهدف إلى الحريّة والعدالة والمساواة. لقد أغرقتنا الخيبات والهزائم في الشكّ المقيت وتسلّل الفساد إلى خلايانا، حتّى ما عدنا لنجرؤ على التصديق أنّ الشعوب العربيّة قادرة فعلاً على الثورة. ولعلّ أكثر ما يدفعنا إلى اتّخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر من الانسياق وراء حلم الحريّة هو غياب المثقّفين والمفكّرين عمّا يجري، ما يجبرنا على الاعتقاد بأنّ هذه التحرّكات لن تدخل التاريخ من بابه الواسع، لأنّها لن تحدث التجديد المطلوب في العقول والنفوس والنصوص.
من ثورة الحجارة في فلسطين إلى ثورة الأرز في لبنان إلى ثورة الياسمين في تونس، تسميات تصوّر الانتقال من الصخرة التي أحببنا أن نؤسّس عليها وطنًا لا تقوى عليه أبواب الجحيم، إلى الخشب الخالد الذي حاولنا أن نبني منه مؤسّسات لا ينخرها السوس، إلى الياسمين الرقيق الذي حلمنا أن نزيّن به بيوتاً غارقة في الدفء. ولعلّ التسمية الأكثر تعبيراً عن هذا الانفعال الذي لا يصلح للرهان عليه هو الغضب. يعيدني غضب الشارع العربيّ اليوم إلى المارد والصيّاد في حكايات ألف ليلة وليلة، فالمارد المحكوم عليه بالسجن في قمقم، قبع منتظراً وهو يعِد بتحقيق أمنيات من ينقذه. ولكن عندما طال الانتظار وامتدّ مئات السنين، سيطر الغضب على المارد المسجون حتّى وصل به الأمر إلى أن قرّر أن يميت شرّ ميتة من يخلّصه من عمق البحر وعتمة الأسر. لكنّ الصياد الذي وجد القمقم وواجه احتمال موته خدع المارد وأعاده إلى سجنه. فهل تكون نهاية الانتظار عند الشعوب العربيّة هذا الغضب الذي يعمي البصيرة ويعيد من يتذوّق طعم الحريّة إلى كهوف الكبت والذلّ؟ الثورة تأكل أبناءها بحسب معطيات التاريخ. لكنّ التقاتل ما بين أبناء الوطن يأكل الجميع، ونحن على ما يتراءى لنا نواجه احتمالات الحروب الأهليّة، إذ تنعدم الرؤية تحت دخان الإطارات المشتعلة، ويختفي صوت المنطق تحت ضجيج التكسير والتحطيم، وتتفتّت الثورة المنتظرة تحت أقدام الغاضبين الذين لا يملكون رؤيا واضحة لما يريدون تحقيقه بعدما يزول حكم من يريدون إقصاءه. ولا تزال المشاهد المعبّرة عن إسقاط رموز النظام في العراق وفي بلاد أخرى، ماثلة في الأذهان، وكلّنا شاهد على أنّ ما جرى بعدها ليس أقلّ عنفًا وفوضى.
إن تشبيه الثورات بتفجّر المياه التي لا نعلم متى تنبثق من الأرض ولا كيف تشقّ طريقها ما بين الصخور صحيح. غير أنّ المياه المتفجّرة التي لا تجد سدودًا تحفظها لمواسم القحط والجفاف، أو قنوات تقودها إلى الأرض المزروعة العطشى تذهب إلى البحر أو تغور في الأرض أو تُغرق الناس. لهذا من حقّنا أن نتساءل: ألن تتحوّل الشوارع الثائرة بؤراً للنزاعات الضيّقة متى تخلّصت من رموز الفساد؟ وهل النظام الإصلاحيّ البديل جاهز للتطبيق متى رحل الحكّام الطغاة أم ستنتظر البلاد المستفيقة من عزّ نومها أشهراً وسنوات قبل إيجاد البدائل، ما يتركها ساحة واسعة للأصوليّة والتعصّب والفوضى؟ وهل تملك الشعوب العربيّة الوعي الكافي كي لا تتحوّل "الثورة" التي يفتخر الناس بها صراعات طائفيّة ومذهبيّة وحزبيّة وطبقيّة؟ ألا يمكن، في غياب أهل الوعي والعلم والمعرفة والفكر المستنير، أن يتحوّل الشعب قطيعاً هائجاً يسرع نحو الجرف وهو مطمئنّ إلى أنّه يهرب من الخطر؟
أراقب المشاهد التي تنقلها وسائل الإعلام من تونس ومصر ولبنان والجزائر وفلسطين والأردن واليمن وأحاول أن أرى الرابط المتين الذي يجمع ما بين هؤلاء الناس الغاضبين فلا أجد سوى خيط واه يشدّهم إلى حلم التغيير من دون أن يمتلكوا وسائل تمتين الخيط أو تحقيق الحلم. قد يقول قائل: أن تأتي الثورة متأخّرة خير من ألاّ تأتي أبداً، وأن تتفجّر المياه ويذهب أكثرها هدراً أفضل من الموت عطشاً. لكنّ الخوف، كلّ الخوف، هو أن نكتشف لحظة بعد لحظة أنّنا نلهث خلف وهْم ثورة وسراب ماء، وعند ذلك لن يكون أمامنا إلاّ الاختباء خجلاً في قمقم مختوم بختم اللعنة التي أنزلتها بنا السماء التي كفرنا بنعمها والتمنّي ألاّ يجدنا أحد... هذا إن بقي بيننا من يشعر ويخجل!
***
صحيفة النهار - 1 شباط 2011

الخميس، 21 أبريل 2011

الآن دور المثقّف السوريّ، لا الشغّيل ولا العسكريّ


حاجز سوريّ في لبنان

سجن المزّة

عامل سوريّ (نقلاً عن صحيفة الأخبار)

غوّار الطوشي وأبو عنتر: المحتال والقبضاي


ارتبطت صفة "السوريّ" أو "السوريّة" في الذاكرة الجماعيّة اللبنانيّة بمفردات قليلة: الشغيّل (أو الفاعل = العامل) السوريّ، العسكريّ السوريّ، السجون السوريّة، المسلسلات السوريّة. فبعيدًا عن طبقة المثقّفين اللبنانيّين التي تتواصل مع المثقّفين السوريّين وتعرف قيمة ما يملكونه ونوعيّته وعمقه وشموليته، لا يبدو أنّ شرائح المجتمع اللبنانيّة الأخرى على علم بوجود أطبّاء ومهندسين ومفكّرين وشعراء ومسرحيّين في تلك البلاد القريبة والبعيدة في الوقت نفسه (لا تنسوا أنّ عائلات كثيرة تتوزّع بين البلدين)، وليس في ذاكرة أكثرهم إلاّ شخصيّة "المحتال" غوّار الطوشي. يمكننا في طبيعة الحال أن نتوسّع في التحليل والاستنتاج ونقول إنّ كلّ بلد يتميّز بأمور تبدو لصيقة أكثر من سواها بطبيعة الشعب في هذا البلد: كأن نقول الأغنية المصريّة، والأفلام الأميركيّة، والمعكرونة الإيطاليّة، والسيّارة الألمانيّة، والعطر الفرنسيّ، والسيكار الكوبيّ، والساري الهنديّ، والحرب اللبنانيّة...إلى ما هنالك من تسميات تتغيّر بتغيّر الظروف والمعطيات. وإذا كانت الأمثلة الأخيرة التي ذكرتها معروفة في العالم، فصفة "السوريّ" في الأمثلة التي ذكرتها في بداية الكلام لا توجد إلاّ في مجتمعنا اللبنانيّ نظرًا لتاريخ العلاقات المتشابكة بين البلدين الجارين الشقيقين. وليس في الأمر فوقيّة كما قد يتبادر إلى الذهن بل توصيف لواقع حال تختلط فيه الحاجة بالخوف، فالشغّيل السوريّ يشيع الاطمئنان إذ يعني وجوده أنّ الأبنية سترتفع والأعمال ستتمّ بمواعيدها وبأقلّ كلفة ممكنة، في حين تثير صورة العسكريّ السوريّ على الحاجز الرعب إذ لا يعلم أحد ما ينتظره من إهانات وترهيب وإطلاق نار. أمّا الحديث عن السجون السوريّة فطويل كالمسلسل السوريّ لكنّه حزين ومؤلم وبشع، ولا علاقة له بالجماليّة الفنيّة التي نجدها في الدراما السوريّة.
لا شكّ في أنّ كلّ هذا أطبق على صدور المثقّفين والمفكّرين السوريّين الذين كانوا، أثناء مجيئهم إلى لبنان، يرون مواطنيهم موزّعين على الطرقات: بائعين متجوّلين فقراء، أو عسكريّين في حالة مزرية، أو عمالاً يتجمّعون عند مستديرات الشوارع يتسابقون للعمل في ورش البناء أو في حراثة الأرض وقطف الغلال، وهؤلاء ليسوا "سوريا" التاريخ، ولا "سوريا" الحضارة". لذلك ربّما هربت الدراما السوريّة إلى الماضي، واستحضرت التاريخ هربًا من مواجهة خيبات الحاضر، وغادر آلاف المبدعين بلادهم إلى حيث الحريّة وكرامة العيش، وكان لبنان أقرب ملجأ لمن وجد فيه ضالته، وإلاّ فبلاد العالم الواسعة.
لا أخفي أنّ الكتابة عن الحال السوريّة لا يشبه الكتابة عن أيّة حال عربيّة أخرى، فثمّة رقيب داخليّ نما فينا، نحن اللبنانيّين، وامتصّ دمنا طوال أعوام، ويهدّدنا كلّما حملنا القلم أو جلسنا أمام شاشة الكتابة وهو يقول: "سوريا ليست مصر أو تونس أو اليمن بالنسبة إلى اللبنانيّين، وأنت لا تعرفين كيف تنتهي الأمور، فحذار التدخل في الشؤون السوريّة، بل يجب الانتظار كي تنحسم الأمور قبل اتّخاذ موقف".
مخيف هذا الرقيب فعلاً، يهدّدني ولو كان كلامي دفاعًا عن المثقّفين، ويخيفني ولو كنت أريد أن أرى في سوريا ما هو أكثر من شغّيل فقير لا يجد عملاً في بلده، وأعلى شأنًا من عسكريّ سيق إلى الخدمة الإجباريّة، وأكثر من سجن تبكي حجارته دمًا أجبروها على امتصاصه من شرايين الأسرى والمعتقلين، وأكثر من مسلسل نهرب فيه إلى الماضي كي لا نواجه الحاضر.
ولعلّ هذا أسوأ ما يمكن أن يلتصق بتاريخ سوريا الحديث: الخوف منها، لا عليها، في سلمها وخلال ثورتها، وهو أمر لا يغفره وطن لحكّام غرّبوه عن أهله وجيرانه.

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

حبّك ذو الألوان غير المتناهية


اللوحة للفنان الإيرانيّ سالمان خدايي

الأحمر:
حين تحبّني ملكة كنعانيّة، وتختطفني عن شاطئ البحر الأبيض. حين يرتدي جسمانا لون العشق الواحد، حين أغمض عينيّ فأشعر بك في شراييني، حين تختنق العينان بالدمع يخفيه الواحد منّا عن الآخر، حين يتمدّد دمي البكر على فراش اللقاء، حين أنبت زهرة بريّة تحمل في أحشائها أدونيس الجديد.

البرتقاليّ:
أغرق في حضنك شمسًا لا تعرف الغروب، ويفوح منّي عطر زهر الليمون فيعيدك إلى الأرض التي اشتاقت إليك، تعصرني شرابًا يعيد الشباب إلى قلبك، ويمدّك بنسغ لا يعرف الجفاف.

الأصفر:
أحبّك في اصفرار أوراق الأشجار لأنّ فيه سكينة النهاية المطمئنّة إلى بداية جديدة.

الأخضر:
في يديك اخضرار العطاء، ازرعني على جسمك واتركني أتمدّد في تربة أرضك الخصبة، اجعلني شجرتك المتلهّفة لحكايات تروي عطش جذورها وتداعب أغصانها.

الأزرق:
الأزرق يحملني إليك، في البحر أو في السماء، أراك آتيًا على غير موعد، وزرقة الأفق تبتسم لي مهنّئة.

الكحليّ:
خطوط عينيّ العربيّتين أرسمها بحبر الكلمات التي تحكي عن الحبّ الذي لا صفة له.

البنفسجيّ:
لون حبّ يختبئ ويفوح، يلتصق بالتراب وأريجه يلاحق الفراشات متحرّشًا بها. يجاور المتكبّرين ولا يجاريهم بل يشفق عليهم.
***
هل ظننت أنّ ألوان الطيف تكفي؟ هل قوس قزح السباعيّ الخطوط قادر وحده على اختصار الشمس والمطر؟ مخطئ أنت يا صديقي العجوز!
ففي عتمة رحمي أشعر بك، وعلى شفتيّ النبيذيّتين طعم قبلتك السكرى المسكِرة، وشفتاك جناحا نحلة تحاران على أيّ برعم زهريّ ترتاحان في رحلة الجنى، ولون البُّن في عينيك قهوتي الصباحيّة أرتشفها على مهل، فيفور العسل ويلوّن العمر الباهت.
بأيّ لون أصف بشرتك حين تتوهّج عشقًا؟ ما هو لون رغبتك حين يعجز جسمك عن احتمال شوقها وشبقها؟ أنت قماشتي البيضاء التي أريد أن أمرّغ جسمي عليها لأرسم بألوان عشقي جنون اللحظة وكثافة اللقاء وعجز الكلمات.

الاثنين، 18 أبريل 2011

عن رواية "كل الحقّ ع فرنسا" في مجلّة المسيرة بقلم ميراي يونس


ماري القصيفي بين "رسائل العبور"
"كلّ الحقّ ع فرنسا"

ميراي يونس – مجلّة المسيرة – 18 نيسان 2011
من "رسائل العبور" والنصوص القصيرة، عبرت ماري القصيفي إلى مقلب آخر وتحدٍّ أكبر لتكتب روايتها الأولى "كلّ الحقّ ع فرنسا"، وتثبت فرادتها ليس ككاتبة مبدعة فحسب، إنّما أيضًا كروائيّة من الطراز الرفيع.
على لحن سمفونيّة من الكلمات البسيطة في ظاهرها، العميقة في جوهرها، أطلقت القصيفي العنان لمخيّلتها، وأخرجت من تحت جلدها ذلك العابر، أو "سيّد اللقاءات المتوهّجة" كما تسمّيه، لتشاطره تفاصيل الحياة كلّها، الصغير منها والكبير، مختصرة في سطور مشاعر جميع النساء، أو جميع الرجال، بل قل جميع عشّاق الأرض. وله أنشدت: "صور الذين رحلوا مرغمين...ابتسامات المزارعين وهم يلمسون الثمار الأولى، دموع القابعين في برد الوحدة، خجل العذارى حاملات الطيب والقناديل،...حفيف الأوراق على خريف الأشجار، أصوات الباعة المعلّقة نبراتها على حبال الغسيل، قلق الغروب عند حافّة البحر، المويقى الأنيقة في مطعم راق، أرق الشاعر عند ولادة القصيدة، ...صوت القلم على الورقة، رائحة القهوة المثيرة، الأقدام العارية على رمال الشواطئ، الطرقات الجبليّة الوعرة،...المنتظرون عند أرصفة العبور، أحلام الأسرى في السجون، العائدون ليلاً إلى منازلهم الفارغة، الواقفون على الطرقات ينتظرون من يحمل تعبهم، الأصدقاء الغائبون والمغيّبون، العشّاق القلقون، الصحف المرميّة على برد الطاولات في المقاهي المثقّفة، اللهفة إلى اللقاء، المواعيد المؤجّلة، الأحاديث الجريئة، الابتسامات الشهيّة، الغضب النابع من أرض الانتظار، الاعتذار عمّا قيل وعمّا لم يقل، الأصابع المرتعشة الخائفة من اللمسة الأولى، الأحلام المعلّقة بين أرض الممكن وسماء المشتهى، الأغنيات المعتّقة في خوابي الذاكرة، الزمن المشدود إلى وتر وجودك، ذلك بعض ما في لقاءاتنا يا سيّد اللقاءات المتوهّجة".
وتتوالى الرسائل التي تزخر بأحاسيس ومفردات راقية، وإن خرجت القصيفي عن التابوهات والكليشهات والأطر المرسومة التي كثيرًا ما تحدّ عفويّة البعض في التعبير عن مكنوناتهم، إلاّ أنّها لم تقع لحظة في الابتذال والإثارة الرخيصة. ولعلّها بلغت ذروة الإبداع في نصّ "المريمات" الذي عنونته "أنا مريم"، وهذا بعض ما جاء فيه: "أنا مريم العاشقة/ انتظرت رجلاً/ فأتى ملاك/ وقال الكلمات التي لم يقلها رسول قبله ولن يقولها بعده/ ولأنّي صدّقته/ حلّت فيّ الكلمة/ ومنّي ولدتْ/ فصرت أمًّا. أنا مريم الخاطئة/ عشقني رجال يردّدون الكلمات نفسها/ ولمّا عشقت رجلاً يقول الكلمات التي لم يقلها أحد قبله ولن يقولها بعده/ صرت قدّيسة... أنا مريم الغريبة/ ظننت أنّي بالاسم الذي أحمله/ أفكّ الرصد عن مخبأ الكلمات/ وأحوّل الرجال ملائكة/ وأوقف نزف الروح من مسام الجسد/ إلاّ أنّ اسمي صار صليبًا للصوص. لكنّ ملاكًا ذا عينين حزينتين/ ويدين كجناحي طائر أرهقهما السفر/ سيأتي يومًا/ وسأقول له الكلمات التي لم يسمعها أحد قبله ولن يسمعها بعده/ كلمات/ تصيّره رجلاً/ وتعلنني نبيّة".
وأتقنت القصيفي في رواية "كلّ الحقّ ع فرنسا" أصول البناء القصصيّ من حيث الحبكة، والعقدة، والتأزّم، والشخصيّات، وصولاً إلى الحلّ، لتجذب القارئ وتلتقط أنفاسه طوال ساعات و330 صفحة. على لسان زاد، تقصّ القصيفي حكاية عيلة صديقتها جولييت، التي شغلتها طول عشرين عامًا ونيف، وبطلتها شقيقة جولييت "وردة" أو "روز" – وفق الظروف والمناسبات – ابنة الخامسة عشرة، التي لحقت بكولونيل فرنسيّ قصد قريتهم البقاعيّة وأعجب بها إلى بيروت، بتشجيع من والدتها نجلا التي كان همّها أن يحظى ابنها حبيب، تاجر المخدّرات، بحماية السلطات المنتدبة. وبعد علاقة دامت أكثر من سنة، عاد الكولونيل المتزوّج إلى فرنسا وعيلته، تاركًا روز مكسورة الفؤاد، لتتنقّل من رجل إلى آخر، قبل أن تلتقي حبّ حياتها ناجي، المتزوّج أيضًا، والذي ستساكنه طوال عشرين عامًا، لتقضي أخيرًا انتحارًا. ويبقى السؤال الأساسيّ: "ما الذي أتعب روز، على ما تقول القصيفي، وجعلها تشرب الديمول في تلك الليلة، الديمول غير المخفّف بالمياه، وإن كان في قنينة مياه؟ إنّ امرأة ذكيّة مثلها، ولها تلك الخبرة في الحياة لا يمكن أن تكون فوجئت فعلاً بأنّ الرجل الذي تحبّه نام مع زوجته ومارس معها حياة زوجيّة شبه طبيعيّة. ربّما وردة قبل أن تنزل إلى بيروت ما كانت لتعرف ذلك، ولكنّ روز تعرف. صارت تعرف. الرجال علّموها".
ميزة القصيفي في هذه الرواية أنّها اختصرت من خلال تاريخ أربعة أجيال لعيلة لبنانيّة، تاريخ لبنان الحديث بكلّ أحداثه وحروبه وطوائفه وتركيبته الاجتماعيّة وعاداته وتقاليده ودور الغرباء على أرضه وهجرة أبنائه...ألم تتزوّج كلّ من شقيقات وردة الأربع أورثوذكسيًّا ودرزيًّا وسنيًّا وفلسطينيًّا؟ ألم يتوزّع أولاد شقيقاتها وشقيقيها في أقاصي الأرض، من مصر والسعودية إلى فرنسا وإسبانيا وأميركا وكندا؟ وقد أعطت القصيفي لكلّ شخصيّة – وما أكثر عددها – حقّها ليُسمع صوت كلّ منها تبدي رأيها في موضوع معيّن.
ولكنْ لمَ "كلّ الحقّ ع فرنسا"؟ ألأنّ نجلا كانت تقول دومًا هذ العبارة لتجد من تلقي عليه اللوم اوفاة ابنتها، ليردّدها بعدها أولادها وأحفادها وأبناء الأحفاد؟ يبقى على القارئ أن يكتشف السرّ في رواية سيطالعها لا محالة في شغف.
*****
كتبت ماري القصيفي منذ العام 1990 في "الديار" و"النهار" وملحقها الثقافيّ، و"سفير الناس" وهو ملحق صدر عن "السفير"، و"الحوار" و"الرأي العام" الكويتيّة، ومجلّة "الناقد". كان لها في صفحة "النهار" الثقافيّة" مقالة أسبوعيّة تحت عنوان "أضواء خافتة" منذ كانون الأوّل 2002 حتّى آب 2005. كتبت مدّة باسم مستعار هو "مي م الريحاني". صدر لها عن دار "مختارات": "لأنّك أحيانًا لا تكون"، "رسائل العبور"، "نساء بلا أسماء"، "الموارنة مرّوا من هنا". أمّا رواية "كلّ الحقّ ع فرنسا" فصدرت عن دار "سائر المشرق".

السبت، 16 أبريل 2011

رائحة الياسمين التي يكرهها (النصّ الثالث عشر من كتابي رسائل العبور - 2005)




لا أعرف لماذا تنتابني الرغبة في الكتابة عن الرجل العابر عندما ننهي الحديث التلفونيّ الطويل. ولا أعرف كذلك كيف تكوّن عندي إيمان عميق بأنّ الكلام بيننا لا يمكن أن ينتهي، وأنّ هذا التواصل الحميم تتضاعف حميميّته ويزداد دفؤه حين يصمت صوتانا المسموعان ليرتفع حوارنا الداخليّ، كلّ في مكانه.
وكان يحلو لي أن أقتنع بأنّه هو أيضًا مستمرّ في حواره معي. ومع أنّي عرفت في مناسبات كثيرة أنّه انتقل إلى عمل آخر، والتقى أناسًا آخرين مباشرة بعد إنهاء الحديث معي، ما يعني أنّه غادر عالمي كليًّا ودخل في عوالم هؤلاء الآخرين، إلاّ أنّني كنت كلّ مرّة أغري نفسي وأجعلها تعتقد عكس ذلك.
كنت أعرف أنّه يكره رائحة الياسمين، إلاّ أنّ تلك الرائحة العتيقة، الحلوة المذاق، المتسلّلة إلى غرفتي الغارقة في عتمة الليل الأيلوليّ المنعشة، كانت تصلني به في شكل غريب. كأنّني أستحضره إلى الغرفة المتّكئة على الرائحة البيضاء ولو ليقول لي إنّه يكره هذه الرائحة، مقدّمًا لذلك أسبابًا عديدة لم تقنعني بكرهها ولو مسايرة له. وكنت أبتسم في العتمة الشفّافة شامتة به لاقتناعي بأنّي ما دمت أفكّر فيه فهو إذًا موجود معي ومرغم بالتالي على التمرّغ في العطر المنجذب إلى مسام جسمه، وكلّما حاول التفلّت منه غرق فيه أكثر كأسير الرمال المتحرّكة. هذه الصورة وحدها كانت كافية للانتقام، ولسبب يتيم لم أجد سواه دافعًا للغضب منه، وهو غرقه في ذاته حتّى ذروة النشوة.
شعرت دائمًا أنّ رائحة الياسمين هي عطر الذين يرحلون، ربّما لأنّ الذين ماتوا ممّن كنت أعرفهم كانوا يرتبطون بطريقة أو بأخرى بأشجار الياسمين ذات الأغصان الرقيقة والزهرات السريعة العطب. لم يغادر أولئك الذين ماتوا ذاكرتي. صحيح أنّ أكثرهم من العجائز والشيوخ المتوقّع موتهم بيد أنّني شعرت دائمًا بأنّهم لا يريدون الرحيل، لا بل أملك اقتناعًا راسخًا بأنّ الشبّان الذين ماتوا كانوا يكرهون الحياة ويستعجلون موتهم أكثر بكثير من أولئك الكبار في السنّ، الذين، على صعوبة حياتهم في تلك الأيّام، ورغم العمر الطويل الذي عاشوه، كانوا لا يزالون متمسّكين بالحياة تمسّكًا شديدًا، وحاولوا قدر الإمكان تأجيل موعد رحيلهم مختلفين بذلك عن ذلك الشاعر الجاهليّ الذي عاش ثمانين حولاً جعلته يسأم الحياة التي لم يعرف فيها إلاّ الصعوبات، واسمه زهير بن أبي سلمى. فقط هذا الشغف النابع من علاقة مميّزة بالحياة هو ما يجمع صديقي الشابّ بأولئك الذين عبروا: تمسّكوا بها حتّى الانتشاء وتخلّوا عنها إلى حدّ الزهد بها.
كنت حين أتنشّق عطر الياسمين المغناج أرى رجال ذلك الزمن ونساءه جالسين تحت الأشجار الهرمة أمام بيوتهم العتيقة والنظيفة والسعيدة، وأتساءل عن السبب الذي جعلهم يحبّون الحياة إلى درجة قصوى وهم حُرموا من أشياء كثيرة يملك أضعافها شبّان هذا الجيل المستعجلون الرحيل المجّانيّ. لكنّ ذلك الرجل الذي يكره رائحة الياسمين لم يعرف أولئك الناس، ولم يكن من الممكن أن يسمح لرائحة مهما كان نوعها أن تقلق سكينته المرسومة حدودها في دقّة ووضوح. وكان قادرًا بشكل شبه عجائبيّ على إغلاق حواسه كلّها كي لا يسمح للخارج باقتحام داخله المنظّم والمرتّب والبارد.
لم أنتبه وأنا أتحدّث عنه إلى أنّ غرفتي انتقلت من الضوء الغريب الذي لا نراه إلاّ في هذا الوقت من السنة إلى العتمة الأليفة التي تشبه ثوبًا عتيقًا نرتديه في المنزل ونرفض التخلّي عنه إذ يشعرنا براحة فوضويّة لذيذة. وحين لاحظت دخولي عمق الليل على غير انتباه اكتشفت أنّي كنت غارقة في الفراش، في العتمة، في رائحة الياسمين، في الوقت المعلّق على خشبة انتظار اللقاء به، في الرغبة التي تثيرها الذكرى ويغذّيها الحلم.
من نافذة غرفتي لا أرى إلاّ أعلى خيمة الياسمين، ولكنّني كنت قادرة على تخيّل زهراتها البيض الصغيرة وهي تتناثر كالنجوم فوق سطح المياه. لم يكن تحت الخيمة مياه، ولكنّ الزهرات الصغيرة النحيلة توزّعت على الفسحة الباطونيّة الرماديّة في مشهد تكرّر عشرات المرّات في اليوم حتّى حفظت ذاكرتي إيقاعه. وفي كلّ مرّة كنت أسأل نفسي هل يكون مصير عاطفتي نحوه كمصير هذه الزهرات ذات القامة الرقيقة والرائحة الجارحة والتي ستكنسها الريح في أيّ وقت؟
الموت وحده قادر على إعادتي إلى روح الأشياء وجوهرها. هو المؤتمن على رغباتي وأحلامي، وحده قادر على إعادتي إلى النسغ الجاري منذ ملايين السنين في شرايين الحياة.
في ذلك الليل الأيلوليّ الغريب، خرجت إلى الحديقة مستجيبة نداء يهمس لي ويغريني. أردت أن أستسلم لملاك الرحمة الجميل ليضعني في الحركة المنسابة بين الريح والشجرة، بين الحشرة الدابّة على التراب وخيالها الملتصق بالأرض، وفي خوف الهرّة التي تعبر الطريق لتصل إلى مستوعب النفايات، وفي دموع تلك الشابّة العائدة وحيدة في سيّارتها العتيقة إلى بيت خيّل إليّ أنّه بلا رجل.
لم تكن رغبة الاستسلام تلك نابعة من يأس أو حزن أو تعب بل كان ثمّة حاجة ملحّة إلى الذوبان في حركة كلّ ما في الكون، إلى الانصهار في تنفّس الكائنات والتماهي مع رغباتها وميولها وجنونها. ولم أستطع في تلك اللحظة المختصرة الزمن إلاّ أن أنام في حضن الموت ليعيدني إلى جوهر الأشياء.
لم يعد يكفي أن أقترب منه، أن أدخل فيه ويدخل فيّ، أن أعرف في ما يفكّر وماذا يحبّ، أن ألمس جلده، أن أحفظ إيقاع تنفّسه، أن أحفظ تغيّرات الرائحة المشعّة من مسامه، أن أنجب أطفاله، أن أسمع شهقة الألم عندما يصل شوقه إلى ذروة توهّجه، أن أكتشف كلّ يوم نموّ أفكاره المعربشة بفرح وأمل نحو شموس لا تنطفئ. لم أعد أريد أن ألتصق به، ولا الذوبان فيه، أريد أن أولد منه، ولن أولد إن لم أمت، فالموت وحده هو الذي يعيدني إلى جوهر الأشياء.
غادر الناس القصر المتداعي المتقوقع في زاوية العتمة. لكنّ ذلك لم يزعجني. فأنا أحبّ المنازل الخالية المتروكة لأناس كثيرين يقيمون في مخيّلتي وأريدهم أن يرحلوا لأنجب سواهم. وها القصر الذي يملكه أمير عربيّ يحاول التماسك والوقوف في مواجهة بيتنا الأبيض الصغير. ولكنّ خلوّه من الناس يملأ ليلي بالاحتمالات، وأبوابه المقفلة على رائحة العمر وحشرات الليل ورطوبة الذكريات تفتح في ذاكرتي نوافذ الزمن لتخرج منها أصوات الذين عبروا في محيطه من مهندسين وعمّال ومقيمين وزائرين، بكلّ الأحلام التي رافقتهم وبكلّ الأحزان والأفراح والخيبات والنجاحات والكره والحبّ والانتظار.
تمتلئ المسافات القليلة التي تفصلني عن القصر بازدحامهم، وتعود وجوههم من تعب النسيان لتعبر فوق أسوار القصر باحثة عن أمكنتها ولحظات وجودها. وتمتلئ اللحظات القليلة التي جمّدتني أمام القصر بأعمار قضاها أصحابها وهم يحلمون بغير ما يملكونه. ينادونني من غربة أيّامهم وبرودة غربتهم، وأرغب في الموت لعلّني أصير مثلهم فأقفز فوق أسوار القصر وأتجوّل بحريّة بين غرفه التي لا أعرفها وألتقي الذين ناموا فيها، وفيها عشقوا وخانوا واختبأوا وماتوا.
أريد أن ألتقيه، أريده أن يكون البيت المتروك لأحلامي وهواي وجنوني. أريد أن أولد منه وفيه، ولن أولد منه إن لم أمت فيه.

الجمعة، 15 أبريل 2011

الرقابة المصريّة تصادر أعمال جبران خليل جبران





أفادت فدوى البستاني، رئيسة مجلس إدارة دار البستاني، وهي من أقدم دور النشر المصرية أن إدارة الرقابة على المطبوعات أبلغتها الأربعاء مصادرة كتب، منها رواية للمخرج السينمائي المصري رأفت الميهي والأعمال الكاملة للأديب اللبناني جبران خليل جبران.
وقالت إن الأعمال المصادرة كانت خرجت من مصر للمشاركة في معرض أبوظبي للكتاب الشهر الماضي، ثم منعت إعادة إدخالها البلاد. وأوضحت أن الجهة التي اتخذت القرار، وهي تابعة لوزارة الإعلام التي ألغيت في التشكيل الوزاري الأخير، اعترضت على كتاب "النبي" لجبران لأن لديها بياناً بأرقام صفحات من طبعات قديمة تحمل لوحات رسمها جبران نفسه، على رغم ان الطبعة الجديدة المصادرة تخلو منها.

هذا الخبر برسم الثوّار المصريّين الذين من المفترض أن يعرفوا أنّ جبران خليل جبران هو القائل:
أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة،
وهو الذي كتب نصّ "خليل الكافر" عن الشاب الثائر على الإقطاع والظلم واستغلال السلطتين الزمنيّة والدينيّة للناس، وهذا يشبه ما يقوله أيّ شاب مصريّ اليوم،
وهو الذي أجاب في كتاب "النبيّ" على أسئلة تدور في أذهان الشبّان والشابّات عن الحبّ والعمل والصداقة والشرائع والكلام...
أمّا عن الحريّة فقال على لسان "نبيّه" المصطفى:
"وماذا يجدر بكم طرحه عنكم لكي تصيروا أحرارًا سوى كِسر صغيرة رثّة في ذاتكم البالية؟
فإن كانت هذه الكسر شريعة جائرة وجب نسخها، لأنّها شريعة سطّرتها يمينكم، وحفرتها على جبينكم.
بيد أنّكم لا تستطيعون أن تمحوها عن جباهكم بإحراق كتب الشريعة التي في دواوينكم، كلاّ، ولا يتمّ ذلك بغسل جباه قضاتكم، ولو سكبتم عليها كلّ ما في البحار من المياه.
وإن كانت طاغية تودّون خلعه عن عرشه فانظروا أوّلاً إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدّم.
لأنّه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار المفتخرين، ما لم يكن الطغيان أساسًا لحريّتهم والعار قاعدة لكبريائهم؟"
***
هذا هو جبران الذي تمنع كتبه عندكم يا ثوّار مصر! فكيف تتحرّرون والطغيان الثقافيّ مسيطر على النفوس والعقول؟
ألا تبدأ الحرية بالقول والكتابة والقراءة؟ أليست حريّة التعبير هي مطلبكم الأوّل وهدفكم الأسمى؟ هل ستقومون بثورة لإعادة نشر الكتب الممنوعة قبل أن تصيروا مجرّد قيود جديدة لمّاعة حلّت محلّ القيود القديمة الصدئة؟



الأربعاء، 13 أبريل 2011

تجد الوقت لتكلّمني عن نفسك



Pandora

1- ستكرهني يومًا: حين تكتشف أنّني واحة لا تزحف نحوك وأنت تائه في صحراء حياتك، وأنّني ملجأ لا يصلح، عندما تنتهي حروبك، كي تؤجّره مستودعًا، وأنّني صديقة لا تصدّق كلمة واحدة من أقوالك.
2- لم يعد يفاجئني أن تنتهي قصّة حبّ. فالحبّ ينتهي دائمًا والنهايات متشابهة دومًا.
أمّا البداية فهي خلاصة الدهشة. فما من بداية تشبه غيرها.
3- هناك نوعان من الكتابة الصالحة للنشر: تلك التي تصلك بالناس، وتلك التي تصالحك مع نفسك.
4- أنت لا تختصر في الكلام احترامًا لوقتي، بل لعدم امتلاكك ما لا أعرفه.
5- أتعلّم الطبخ لأنّني اقتنعت بأنّ المعدة هي أقصر طريق لقتل الرجل.
6- كم أنت رائع! تجد دائمًا الوقت لتكلّمني
عن نفسك.
7- تعجبني فيك هذه الثورة المتفاعلة مع ثورات العالم العربيّ، وأنت ممدّد على الكنبة المواجهة للتلفزيون.
8- أنت لا تحبّني، وإلاّ لتمسّكت بي كما يتمسّك الزعماء العرب بكراسي الرئاسة في بلادهم.
9- ليست الخيبة في ألّا تتحقّق أحلامك، بل في رهانك الصائب دائمًا على أنّك هذه المرّة أيضًا سيخيب أملك.
10- لو لم أكن أنا لتمنّيت أن أكون أنت أيّها القارئ/ أيّتها القارئة. لعلّ ذلك يكون أقلّ إيلامًا.

الثلاثاء، 12 أبريل 2011

إلى شابّات مصر وشبّانها




(اللوحات تعبّر عن معاني الانتظار)

أنظار العالم عليكم وفي انتظاركم، فلا تخذلوا الحالمين!
لا تتلهّوا بمحاكمات تتحوّل مسلسلاً طويلاً سمجًا لا نهاية له!
لا تنشغلوا في التنقيب عن أوساخ الماضي فيمرّ بكم الحاضر وأنتم غافلون فيضيع منكم المستقبل!
لا تثوروا على من استعبدكم وأذلّكم وسرقكم، بل على أنفسكم لأنّكم تأخّرتم في الثورة على الاستعباد والذلّ والسرقة!

إنّ شعبًا لم يثر حين اضطهد نصر حامد أبو زيد وأُبعد عن أرضه وزوجته، أو حين احترق أكثر من مركز ثقافيّ لم يعد يحقّ له أن يضيّع الوقت في الثورة على سلطة هوت، في حين ثمّة وطن ينتظر من يبنيه ويضع له أسسًا جديدة.

ثورات العالم العربيّ التي انطلقت من تونس واشتعلت عندكم تنتظر منكم أن تطفئوها بحكمةِ من يعرف ماذا يريد لا من يخبط خبط عشواء. فلا تشوّهوا ما فعلتموه.
كنت من أوّل الذين كتبوا لكم وعنكم (في صحيفة النهار) قائلة إنّي أخاف على الثورة التي لا تنبع من فكر وفلسفة، ولا تتّكئ على مشروع، ولا تصبو إلى تحقيق حلم. فما هي فلسفة ثورتكم؟
الثورة رائعة.
لكن ماذا بعد الثورة؟
ماذا بعد الشارع؟
أيّ مستقبل ينتظر مصر ونحن نشاهد الشعب يسقط النظام بمساعدة الجيش، ثمّ الشعب يهاجم الجيش الذي منع تظاهرة، ثمّ الشعب يريد محاكمة النظام، ولم نعرف بعد ماذا يريد الشعب أن يفعل ليبني مصر الجديدة؟

يجب أن تغيّروا الشعارات. لا يجوز أن تبقى كلمة "إسقاط" هي الكلمة المفتاح في خطبكم وكلماتكم. صار من الواجب أن تبدأوا باستخدام مصطلحات جديدة:
الشعب يريد أن يرفع الظلم،
الشعب بدأ العمل،
الشعب يعلّم الأميّين،
الشعب ينظّف الشوارع والأزقّة،
الشعب لن يقف على الأطلال ومحاكمة الماضي تتمّ بعد بناء المستقبل.

أخشى يا أيّها الثوّار
أن تلهيكم محاكمات الفاسدين عن محاربة الفساد،
وأن تبعدكم ملاحقة الأثرياء عن الاهتمام بالفقراء،
وأن تسكركم نشوة الانتصار عن مواجهة ما ينتظركم،
وأن تعميكم التغطيات الإعلاميّة السريعة فتنسون أنّ الثورة تأكل أبناءها متى لم يجد الأبناء ما يأكلونه في أزمة اقتصاديّة ترهق الدول المنتجة والشعب العامل،
فكيف يكون الوضع في بلد تعطّلت فيه حركة الإنتاج وتوقّف سير العمل؟