الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

الحريّة أعظم من الثورة (1)


Edward Munck
 (1942- 1940)  Between Clock and Bed
الحريّة ليست غاية نهائيّة يتوقّف عند حدودها السعيّ إلى ما هو أعمق وأجمل، وليست مظهرًا خارجيًّا احتفاليًّا صاخبًا يجتاح الشوارع والدول، وليست بالتأكيد فرصة للاقتراع والانتخاب والتعبير عن الرأي، خصوصًا إن كان هذا الرأي لا يحمل متغيّرات.
أعرف أنّ هذا الكلام لا يحمل جديدًا، لكنّ ما يجري في العالم العربيّ اليوم يدعو إلى التذكير بهذين المفهومين لئلّا تكون حريّة الشعوب العربيّة المنادى بها على مثال حريّة الشعب اللبنانيّ التي وإن كانت جميلة ومغرية ومثيرة وشاعرة فنّانة ومجنونة غير أنّها لم تصلح، كما بيّنت التجربة اللبنانيّة الفريدة فعلًا، زوجةً مؤتمنة على مسؤوليّات بيت وعائلة وأولاد، تشيع الأمان وتضمن الاستقرار. 
لم تأت حريّة الشعب العربيّ في أن ينتفض على حكّامه وأنظمتهم الديكتاتوريّة نتيجة مفاهيم في الحريّة الشخصيّة والعائليّة والدينيّة والحزبيّة، بل هي أقرب إلى انفجار غضب لا يعرف أحد ماذا سينتج عنه. وما دام الناس أنفسهم الذين نزلوا إلى الشارع لا يقبلون بالمسّ بـ"مقدّسات" معيّنة فهذا يعني أنّ ثمّة تخوّفًا جديًّا من أن يعيدوا تنصيب أنظمة أخرى تختلف شكلاً عن سابقاتها في حين أنّ مضمونها واحد.
لم يستطع العرب بعد أن يطرحوا على بساط البحث أفكارًا/ مسلّمات محورها تقديس الأجداد والآباء والأمّهات والعائلة والطائفة والحزب والمعلّم ورجل الدين والطبيب ورجل الأمن وصولًا إلى الأرض والوطن، كأنّ ثمّة اطمئنانًا إلى أنّ هؤلاء الذين يملكون سلطة ما قادرون على تأمين الحماية، ولا بأس إن نالوا نصيبًا ولو كبيرًا من مكاسب هذه السلطة. لذلك كانت هناك مخاوف حقيقيّة عند أكثرنا عمّا بعد هؤلاء الزعماء الذين سقطوا الواحد إثر الآخر، ولعلّ بيننا من يتمنّى لو يعودوا ليحمونا من الغامض الآتي الذي لا نعرف له شكلًا. ونحن في ذلك لم نخرج من مفهوم التنظيم القبلي الذي كان يحتكم إلى شيخ القبيلة في كلّ شؤونه ويعرض عليه يوميّاته ولا يمانع في أن يعطيه مكاسب كبيرة من غنائم الغزو. وهذه المخاوف نفسها هي التي تحكم علاقة كلّ واحد منّا بالآخر.
Edward Munch
1895 Death In the Sickroom
ما زلنا حتّى اليوم وعلى الرغم من التفكّك العائليّ وانحلال روابط الأُسر، غير مستعدين لوضع صور أجدادنا وآبائنا وأمهّاتنا في موضع المساءلة. ويصحّ الكلام نفسه على أزواجنا وأولادنا وأشقائنا وجيراننا وأصدقائنا، وحين نفعل نبدو راغبين في التحرّر تمامًا، أو الانتقاد لمجرّد الانتقاد، أو الانتقام على ما قرّرنا أنّه تقصير أو هيمنة. أمّا أن نضع علاقتنا بهم على بساط البحث النقديّ والتحليل النفسيّ والدراسة الاجتماعيّة فأمر يخيفنا لأنّنا قد نكون نحن أيضًا شركاء صامتين أو متآمرين مخفيين في ترسيخ هذا التقديس والتسويق له، إن عبر اعتبار أنفسنا ضحايا له أو عبر اقتناع، ربّما غير واعٍ، بأنّ هذا أفضل الممكن، وأنّنا ما دمنا إنتاجًا ذكيًّا وناجحًا لهؤلاء الناس، فذلك يعني أنّ نظامهم هو الصحيح، وأفكارهم هي التي يجب أن تسود وتنتشر. ونطرد بالتالي احتمال أنّه كان الممكن أن تكون الأمور أفضل حالًا.
هذا التقديس انسحب على كلّ ذي سلطة (ولو وهميّة) قادر على التأثير على منحيين من حياتنا متلاصقين ومتداخلَين لا منقسمَين مفصولين:
الجسديّ: عبر الاطمئنان لمرأى الطبيب ولو من دون التقيّد بأوامره، والتهرّب من التعرّض لأذى رجل الأمن، والتعلّق بالأرض ملجأ ومأوى ومدفنًا، والارتباط الأعمى بالحزب لاقتناعنا بغياب الدولة المدنيّة،
والنفسيّ: في الرضوخ التامّ لنفوذ رجل الدين، والاحتماء بطائفة تمنحنا نوعًا من الأمان، وتبجيل المعلّم في كونه يعرف أكثر منّا.
والمفارقة هي أنّنا حين نريد أن ننتفض على هؤلاء كلّهم نكتشف أنّنا عاجزون عن إيجاد البدائل فنقع في متاهة الفراغ وعبثيّة الفوضى. وفي هذا الإطار يمكننا أن نضع أكثر حركات الهجرة إلى الغرب الذي فيه ينأى الفرد عن تأثير أهله (وتقديسهم)، وعن ارتهانه للطائفة أو الحزب (وتقديسهما)، وعن دولة تأخذ منه أحلامًا ينشُد إلى تحقيقها وتعطيه في المقابل، بل تفرض عليه، أناشيد يحفظها ويردّدها من مناسباتها الرسميّة.
Edward Munch
Puberty - 1895
لقد تأخّرت الثورة العربيّة لأنّ الناس حين كانوا يحزمون أمرهم ويقرّرون تغيير شيء ما يقومون بأحد أمرين اثنين: التهجّم على الآخر العاجز مثله لا الهجوم على السلطات الحاكمة أكانت عسكريّة أم دينيّة، أو الهرب في اتجاه الجسد والتقوقع في حلقة رغباته الضيّقة والمحدودة. وكلا الأمرين دليل جبن وخوف وعجز وأنانيّة.  لذلك كان الاقتتال الطائفيّ والمذهبيّ تخفيفًا لاحتقان وطنيّ قوميّ اجتماعيّ عجز عن قلب الحكم، والفورة الجنسيّة وملحقاتها (وفي المناسبة أنا لا أصدّق أنّ العرب مكبوتون جنسيًّا) تنفيسًا لطاقة كان يمكنها أن تغيّر وجه التاريخ لو وُجّهت إلى الهدف السليم. 
وللحديث تتمّة.

الخميس، 24 نوفمبر 2011

إلى علياء ماجدة المهدي: ماذا فعلتِ بثيابك؟


عراة...وجائعون وليسوا بعيدين عن مصر


لا تنحصر المسألة في أنّ الفتاة المصريّة علياء ماجدة المهدي خلعت ملابسها ونشرت صورها عارية على مدوّنتها الإلكترونيّة، ولكن المسألة هي في الإجابة على سؤال أساس، تتفرّع منه أسئلة ثانويّة: وماذا بعد؟ ماذا استفادت البشريّة من فعلتها هذه؟ وماذا حقّقت تلك الفتاة للمجتمع وليس لها كفرد منفصل عن هموم الجماعة؟
(William Adolph Bouguereau (1825- 1905
The Birth Of Venus

الأجساد العارية موجودة كيفما التفتنا: في المستشفيات وغرف العمليّات الجراحيّة، في مصحّات الأمراض العقليّة حيث ينزع المرضى ملابسهم أو يمزّقونها، على شواطئ العراة في بلدان متحرّرة، عند القبائل المختبئة في أدغال أميركا الجنوبيّة التي لم ترضخ بعد لمتطلّبات المدنيّة المهذِّبة، في إفريقيا حيت يموت الناس جوعًا، في الأزقّة حيث يدنق العجزة الفقراء، في اللوحات الفنيّة الراقية، في الأفلام السينمائيّة، في النوادي الرياضيّة، ولكن ما هي رسالة عريك أيّتها الفتاة؟ وماذا فعلت بملابسك حين خلعتها؟

المسيح نفسه علّق على الصليب شبه عارٍ، والقدّيس فرنسيس الأسيزي خلع في وسط ساحة مدينته ملابسه الفاخرة حين ثقل عليه مرأى الناس الفقراء العراة فأثار فضيحة حين انتقد الكنيسة الغنيّة وتصرّفات رعاتها، لكنّه أسّس في المقابل رهبنة لا تزال إلى اليوم في خدمة الفقراء والمرضى. والأمّ تريزا دي كلكوتا احتضنت الأطفال العراة لتمنحهم دفء محبّتها المجّانيّة، ورعت المصابين بالبرص الذين أهلمهم ذووهم وتخلّت عنهم دولهم، ثمّ أنشأت رهبنة تبحث عن الفقير والجائع والمهمّش لعلّها تخفّف بعضًا من آلام البشريّة. أمّا أنتِ أيّتها الشابّة ففي الدفء خلعت ملابسك لتظهري جسمك السليم المعافى، فماذا حقّقت بذلك سوى التشويش على الثورة المصريّة والإساءة إلى صورة المرأة التي حين تريد أن تتحدّى المجتمع لا تجد سوى جسدها سلاحًا ودموعها رصاصًا؟
منذ بضع سنوات، انتشر في لبنان فيلم فيديو لعارضة أزياء (نيكول بلاّن) في أوضاع حميمة مع صديقها. استدعي العاشقان للتحقيق معهما بتهمة الإخلال بالآداب العامّة والتجارة بفيلم يسوّق الدعارة. تحمّست الصحافة آنذاك للدفاع عن حريّة الناس في ممارسة الجنس، وتبارت الأقلام في الدفاع عن عارضة الأزياء التي قيل إنّها كانت ضحيّة مؤامرة دبّرها لها الصديق نفسه، شريكها في الفيلم. في الوقت نفسه كانت عشرات الاتفافات السياسيّة والاقتصاديّة توقّع بين لبنان وسورية في منأى عن اهتمام الناس والصحافيّين إذ كان الجميع مشغولًا بنسخ الفيلم ومشاهدته والتعليق عليه. ولو كانت شبكة الإنترنت موجودة كما هي الآن لكان حقّق أعلى نسبة مشاهدة. وحين ضجر الناس من مشاهدة الجسدين العاريين انتبهوا إلى اتفاقات وقّعت ولم يكن لهم رأي فيها، وقيل يومذاك إنّ نشر الفيلم كان مقصودًا في عمليّة إلهاء كبيرة تبعد اللبنانيّين عن مقاربة ملفّ العلاقات السوريّة اللبنانيّة. فهل تريدين يا آنسة علياء أن تلهي الناس بجسدك العاري عن ثورة تاقوا إليها وها هي اليوم تضيع في متاهات المزاج الشخصيّ والعناد والغباء والطائفيّة والتدخلّات الخارجيّة؟
تنسيق ألوان بين علياء وساتري جسمها على المواقع الإلكترونيّة

أنت سيّدة جسدك، وأنت حرّة فيه طبعًا، لكنّك حوّلته سلعة يتاجر بها المتحرّرون من أمثالك كما الأصوليّون من كارهيك، ولم تحقّقي في المقابل للنساء حريّة، ولا للمجتمع نهضة، ولا لأجيال الشباب هدفًا ساميًا. نظرت إلى الكاميرا بما اعتبرته جرأة ( لعلّها قحة)، لكنّك تعاميت عن النظر إلى هموم الناس وأوجاعهم وعوزهم.
لو أعطيت ثيابك لصبيّة فقيرة عارية يقضم الصقيع أطرافها، لقلنا إنّك فتاة مفعمة بالحبّ،
لو وهبت وقتك لتعليم الأميّين لقلنا إنّك اكتشفت على صغر سنّك أهميّة العلم الذي فيه قوّة المجتمع،
لو وضعت "شجاعتك" إلى جانب المرضى كي يستمدّوا منك قوّة لمواجهة آلامهم وأوجاعهم، لأكبرنا فيك القلب العطوف والضمير الحيّ.
لو كانت مهنتك هي أن تكوني موديلاً للرسّامين أو نجمة غلاف لمجلّة تهتمّ بالجسد لقلنا إنّك تقومين بعملك،
لوحة لجبران خليل جبران

لكنّ أفكارك العظيمة تمخّضت عن فكرة ساذجة لا جمال فيها ولا إبداع يعدي ولا هدف يعلّم. فليس بهذه الطريقة الفجّة غير الشاعريّة ندعو إلى الحبّ ونعترف بالجسد ونواجه رغباتنا المكبوتة.
الحريّة جميلة يا صغيرتي فلا تشوّهيها بالصغائر، وللجسد قيمة فلا تتلهّي بإخفائه تحت برقع أو تنشغلي في تسخيره أداة تلهي الناس عن همومهم الأساسيّة.
عرّي المجتمع من خبثه وغبائه ولا تكوني أداة في يد الخبثاء ومطيّة لمطامع الأغبياء. 
تحرّري من فكرة أنّ الجسد هو وحده المشكلة، ولا تكوني سببًا لمزيد من التطرّف في الذهاب بالحريّة إلى الفوضى أو في مزيد من التعصّب والتشدّد والعنف.

الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

المجرم لا هويّة له ولا دين ولا جنس


ميريام الأشقر...ضحيّة مجرمٍ سوريّ
فضيحة الاعتداءات الجنسيّة في الكنيسة 

هيدا البَيْ النمسوي (كتبت هذا النصّ ونشرته في صحيفة النهار ثمّ في كتابي: الموارنة مرّوا من هنا)
1- قفزت الأم من أمام التلفزيون، وبدأت تبحث عن أولادها وهي تنادي كلًّا منهم بأعلى صوتها. خرجت إلى الشرفات، ودخلت إلى الغرف، وانهالت بالضرب على باب الحمّام، حتّى جمعتهم كلّهم وبدأت بإحصائهم وهي تتفحّص كلّ صبيّ وكلّ بنت لكي تتأكّد أن لا أحد ناقصًا. وحين اطمأنّت انهارت باكية منتحبة.
أخرجت الابنة الكبرى إخوتها وأخواتها وحضنت أمّها الجاثية على الأرض وسألتها عمّا بها. فما كان من الأم إلاّ أن راحت تردّد بشكل هستيريّ: هيدا النمسوي! هيدا البَي النمسوي!
إسرائيل لا تستثني الأطفال والأولاد من عنفها
أسرى عراقيّون في سجن أبو غريب يتعرّضون للاعتداء والتعذيب...المجرم أميركيّ 
2- هرعت الموظّفة إلى صاحب المؤسّسة وهي غاضبة لتشكو إليه تحرّش رئيس قسم المحاسبة بها مهدّدة برفع قضيّة أمام المحاكم، فهدّأ الرجل الحكيم روعها وأجلسها وقدّم لها كوب ماء بارد ثمّ سألها: منذ متّى بدأ هذا الرجل بإزعاجك؟ فقالت له في خجل: منذ استلم وظيفته الجديدة أي منذ نحو ستة أشهر. فابتسم الرجل الكبير وسألها من جديد: وماذا فعل بالتحديد؟ فقالت له: أخجل من استعمال كلماته وتلميحاته ولكنّه حوّل حياتي جحيمًا. فضحك الرجل الحنون واقترب منها ليضع كفّه على كتفها مطمئنًا فتراجعت حذرة، إلاّ أنّه تظاهر بأنّه لم يعر حركتها اهتمامًا وتابع: اشكري ربّك يا مدموزيل، وشوفي مصيبة غيرك بتهون مصيبتك. ألم تسمعي قصّة "هيدا البَي النمسوي"؟ ما هي ستة أشهر في مقابل 24 سنة؟ وما هي الكلمات البريئة في مقابل الأفعال المشينة؟ ثمّ أنا أعرفه جيّدًا وأعرف كم يحبّ المزاح وهو إلى ذلك مجرّد زميل غريب وليس والدًا مريضًا. هيّا عودي إلى العمل وانسي ما حصل ولكن لا تنسي أن تشكري الله لأنّ ما حصل معك لا يذكر في مقابل ما يحصل مع سواك.
المجنّدة الأميركيّة واحدة من منفّذي التعذيب في سجن أبو غريب

3- صفع الرجل طفلته صفعة قويّة لأنّها أزعجته بصوت ضحكاتها وهي تلهو بدميتها، وأيقظته من قيلولته. سال الدم من لثّة الطفلة وشفتها وأنفها، وانطلقت في بكاء يقطع شرايين القلب. فأسرعت الأم وعالجتها وهدّأت مخاوفها وطلبت من ابنتها أن تعتذر من أبيها وتعده بأنّها لن تكرّر فعلتها مرّة ثانية وستدعه ينام لأنّه يتعب طوال النهار في تأمين الطعام والألعاب والملابس. أمسك الابن الأكبر ذراع أمّه وجرّها إلى غرفة ثانية وسألها بغضب أعمى: هل أنت مجنونة؟ ماذا فعلت المسكينة كي تعتذر؟ فأسكتته الأم خائفة من وصول الصوت إلى أذني زوجها الذي عاد إلى سريره وقالت لابنها المراهق الذي يحبّ أخته ويخاف عليها من النسيم: فيك تسكت؟ شو ما عمل بعدو أحسن من "هيدا البَي النمسوي".
العاملات الأسيويّات يتعلّمن "حسن التصرّف"...والمعلّم خليجيّ

4- تساءلت المرأة في سرّها وهي تقرأ خبرًا هزّها في الصحيفة: هل تحت بيتنا قبو؟

"الوالد النمسويّ" ...المغتصِب

5- ذهبت العروس الشابّة إلى طبيبها النسائيّ وطلبت منه أن يجري لها عمليّة عاجلة، فذهل الطبيب من الطلب وسألها لماذا وماذا أصابها فجأة، فقالت له وهي مصمّمة: أريد أن تستأصل رحمي كي لا أحمل أطفالاً. وجم الطبيب وسألها وقد أقلقه وضعها النفسيّ وأخافته نظرتها الجامدة إذ فهم فورًا أنّه أمام حالة صدمة عصبيّة: هل لي أن أسأل لماذا وأنت تزوّجت حديثًا وكنت سعيدة في حياتك. فأجابت العروس ببرودة سرى مفعولها في جسم الطبيب: لا أريد أن أنجب أطفالاً وزوجي يريد ذلك. فعاد الطبيب وسألها: ولكن ألم تتباحثا في هذا الأمر قبل الزواج؟ فقفزت المرأة الشابّة عن كرسيها وردّت بسخرية تدفع إلى البكاء: نعم، طبعًا، كنّا نريد أولادًا وأحفادًا، كنت أريد منه أطفالاً يخرجون من رحمي إلى رحمة هذا العالم ويستمتعون بجماله وينعمون بدفء شمسه ويعرفون الحبّ (هنا كان صوتها يهدأ ويتلوّن بألوان عواطفها المتضاربة)، ثمّ صرخت في لوعة من شاخ فجأة: ولكن ذلك كان قبل قصّة "هيدا البَي النمسوي". أليس كذلك؟ أليس كذلك؟
***
خاتمة لمغتصِب نمسوي
صحيفة الحياة، الأحد، 14 أغسطس 2011
فيينا - أ ف ب - سيقفل القبو الذي احتجز فيه الوالد النمسوي المغتصب جوزف فريتزل ابنته اليزابيث طوال 24 سنة، مع أولادهما السبعة. وسيصب الإسمنت في المكان المؤلف من غرف عدة بنيت من دون إذن، تحت منزل فريتزل غرب فيينا. ويفترض أن تنتهي الأعمال أواخر السنة. وبعد هذه العملية، سيصبح النفاذ إلى مسرح الجريمة، الذي كان مراهقون يزورونه، مستحيلاً.
وحكم على فريتزل، البالغ من العمر 76 سنة، بالسجن مدى الحياة في آذار (مارس) 2009 بتهمة قتل أحد أولاده من ابنته اليزابيث التي كان يغتصبها باستمرار بعدما احتجزها في القبو من عام 1984 إلى عام 2008.

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

"الشرق الأوسط الكبير" والكاميرا الأميركيّة

هل يستطيعان وحدهما إنقاذ الهويّة؟
(عاصي وفيروز)

من ينقذ هذه الخصوصيّة؟
(صباح ووديع الصافي)
مقالتي في صحيفة "النهار" – الاثنين 13 شباط 2004
في حزيران المقبل ستحاول الدول الصناعيّة الثماني بلورة موقف موحّد من المشروع الذي أعدّته الولايات المتحدة الأميركيّة تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير". وتسعى واشنطن منذ الآن إلى إقناع الدول الثماني بهذه الرؤية، قبل موعد القمّة المقرّر عقدها في الولايات المتّحدة. ونشرت صحيفة "الحياة" نصّ المشروع الجمعة 13 شباط 2004، وهو لا يفاجئ كثيرًا بمضامينه التي سبق إعلانها مرارًا، تلميحًا وتصريحًا، لكنّ تحوّله مشروعًا متكاملًا يجري العمل على تسويقه هو ما يعطي توقيته أهميّة وآليّةَ العمل المقترحة له.
تعرض مقدّمة المشروع للأسباب التي دعت الولايات المتّحدة إلى وضع تصوّر بناء على المشاكل التي يشكو منها العرب أنفسهم أوّلًا، واستباقًا لما يمكن أن يهدّد السلم العالميّ الذي تريد الولايات المتّحدة أن يكون وفق شروطها ورغباتها. فنقرأ في المقدّمة: "يمثّل الشرق الأوسط الكبير تحديًّا وفرصة فريدة للمجتمع الدوليّ. وساهمت [النواقص] الثلاثة التي حدّدها الكتّاب العرب لتقريريّ الأمم المتّحدة حول التنمية البشريّة العربيّة للعامين 2002 و2003: الحريّة والمعرفة وتمكين النساء، في خلق الظروف التي تهدّد المصالح الوطنيّة لكلّ أعضاء مجموعة الثماني. وطالما تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسيّة والاقتصاديّة في المنطقة سنشهد زيادة في التطرّف والإرهاب والجريمة الدوليّة والهجرة غير المشروعة".
ونذكّر هنا بأنّ الدول المعنيّة بهذا المخطّط هي بلدان العالم العربيّ، فضلًا عن باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل.
Massimo Berruti - Pakistan
Massimo Berruti - Afghanistan - 2008

وتؤكّد قراءة المشروع أنّ الولايات المتّحدة تريد أن تكون معلّمة العالم وقائدته، فتقول للناس في هذه البلدان: لن تأتوا إلينا بعد الآن "كعلاج للهجرة غير المشروعة" بل سنذهب نحن إليكم وسنؤمّن لكم ما تحلمون به، بل سنكون معلّميكم المتفانين في خدمتكم، وستكونون خلال أعوام قليلة نسخة مدروسة عن الشخصيّة الأميركيّة التي تحلمون بها. ويعرض واضعو المشروع المشاكل التي تعانيها شعوب هذه الدول كالأميّة والفقر وغياب التوجيه وفقدان الحريّات العامّة وغيرها، ثمّ يقدّمون الحلول التي يرونها مناسبة، وكلّها تبدأ بتدريب يشرفون هم على دروسه ومعلوماته ويطال التعليم والإعلام والاقتصاد في مختلف وجوهه. أمّا ماذا ستعلّم سكّان هذه الدول وعلامَ سيتدرّبون فهذا ما يقرّره المخطّطون أنفسهم.
تبدو انطلاقة المحطّة التلفزيونيّة الأميركيّة "الحرّة"، وزميلتها الإذاعيّة "سوا" متزامنة مع زرع الخطوط العريضة لهذا المشروع. وإذا كان الإعلاميّون اللبنانيّون تحديدًا والعرب عامّة وجدوا أنفسهم مدفوعين مع انعدام فرص العمل وغياب أجواء الحريّة في دولهم إلى قبول العمل في مؤسّسات تطمح إلى تحسين صورة الولايات المتّحدة الأميركيّة في الدول العربيّة، فإنّ القيّمين على كلتا الوسيلتين لا يريدون سوى غسل دماغ جماعيّ بدأ عبر الأفلام السينمائيّة والتلفزيونيّة والإنترنت ليصل حاليًّا إلى مخاطبة الناس بلغتهم وعبر وجوه وأصوات أليفة.
***

Lost in Ttranslation
Bill Murray - Scarlett Johansson

تحضر هذه الأفكار في قوّة عندما نشاهد الفيلم الأميركيّ "ضائع في الترجمة" للمخرجة الشابّة صوفي كوبولا. فإذا كنّا نريد أن نرى صورتنا المقبلة بعد نجاح هذا المشروع – لا نعرف من سيمنع تحقيقه – فما علينا إلّا أن نسرع إلى مشاهدة الفيلم الذي لن يبقى طويلًا في الصالات اللبنانيّة، نظرًا إلى موضوعه العميق وإيقاعه البطيء، وهذا ما لا يهواه جمهورنا السينمائيّ العريض. اليابان، وهي الدولة الاقتصاديّة الغنيّة، مسرح أحداث الفيلم، ومع ذلك فإنّ النسق الحضاريّ المسيطر هو الأميركيّ المكتسح العالم والفارض لغته ورؤاه. قد تكون اللغة اليابانيّة هي الحاجز الوحيد المتبقّي (الهشّ) قبل أن ننسى أنّنا في اليابان وليس في الولايات المتّحدة (فالعِرق والشكل موجودان في أميركا أيضًا): الملابس والويسكي والإعلانات وبرامج الألعاب التلفزيونيّة والأفلام والأغاني والنوادي والسهرات والعصابات في الشوارع، كلّها أميركيّة الطابع، ولا يبقى من الهويّة اليابانيّة إلّا بعض المعابد الدينيّة التي تزورها بطلة الفيلم من حين إلى آخر فتثير عاطفة آنيّة، ومطاعم نجد ما يشبهها في كلّ مكان في العالم، ولغة مطعّمة بكثير من المفردات الإنكليزيّة غير أنّها لا تقف عائقًا أمام التواصل ما دام الهدف هو العمل والربح الكبير، ذلك فضلًا عن الأغاني والأفلام وهي كلّها محور الحوار. فبطل الفيلم قادر على "التفاهم" مع اليابانيّين الذين لا يجيدون لغته أكثر ممّا هو قادر على ذلك مع زوجته التي لا تعيره اهتمامًا أو ابنته التي ترفض الكلام معه على الهاتف. حتّى في المستشفى حيث أخذ صديقته التي جرحت قدمها، وفي الفندق حيث كانت المغنيّة الأميركيّة قادرة على إثارة جمهور المستمعين ونيل تصفيقهم بصوت شاذ وكلمات سخيفة، لم تكن اللغة مشكلة يستعصى حلّها.
كنت أشاهد الفيلم في الصالة الخالية إلّا من بعض المشاهدين وأقول في نفسي: إذا كانت اليابان ذات الحضارة العريقة والقوّة الاقتصاديّة الهائلة عاجزةً عن عن الاحتفاظ بهويّتها أمام "حضارة" أميركيّة" حديثة، فكيف سيفعل ذلك هذا الشرق الأوسط الذي يبحث منذ زمن عن هويّته الأصيلة؟ ويزداد السؤال إلحاحًا حين نستمع إلى أحد الشبّان اليابانيّين يغنّي في الفيلم أغنية أميركيّة عن القنبلة الهيدروجينيّة، إذ كيف يُعقل أن ينسى أولئك الذين حصدت القنبلة النوويّة أجدادهم الدولةَ التي هزمت بلادهم شرّ هزيمة وبأبشع الوسائل، ويروح يصدح ممجّدًا أغنياتها ولغتها وهو يرتدي لباس أبنائها ويحيا حياتهم؟ هذه الصورة المنقولة تمامًا عن الحياة الأميركيّة هي ما جعلت البطل يجيب في سخرية حين سألته زوجته عن الحياة في اليابان: كلّ شيء مختلف. لكنّه في المقابل اتّفق مع صديقته على ألّا يعودا إلى هناك لأنّ كلّ شيء بشع.
في مشهد من الفيلم: البطل الأميركيّ مع اليابانيّ "المتأمرك"
***
لا يمكن عاقلًا أن يرفض الأفكار التي يطرحها أيّ مشروع نهضويّ، ولا يسع أيّ إنسان إلّا المطالبة باحترام الحريّات العامّة وحقوق الإنسان، ومحو الأميّة بشقّيها اللغويّ التقليديّ والإنترنت، وإعطاء المرأة دورًا فاعلًا، وإصلاح المناهج التربويّة وتشجيع الترجمة من وإلى اللغة العربيّة، وإصلاح الأوضاع الاقتصاديّة، إنّما حين تريد الولايات المتّحدة أن تفعل ذلك فهذا يعني محو كلّ ما يتعلّق بالهويّات القوميّة والخصوصيّة الحضاريّة لكلّ من هذه البلدان لجعلها صورًا مستنسخة معدّلة الجينات لما تريده للعالم.
المشكلة ليست في ما تريده الولايات المتّحدة، ولا في ما أرادته قبلها دول الاستعمار والانتداب، بل في ما نريده نحن. وإذا كنّا نعرف أنّ إسرائيل لن يضيرها هذا المشروع بل هو خير ضامن لوجودها وبقائها وقوّتها، فكيف ستنظر الشعوب الأخرى المعنيّة إليه؟ هذه الشعوب التي تجد نفسها، في غياب الفكر العلمانيّ الإنسانيّ المتنوّر، بين مطرقة الإغراءات الأميركيّة وسندان الأصوليّات الدينيّة المخيفة، وتحت أنظار حكّام لا يريدون سوى البقاء في السلطة مهما كان الثمن.
في الواقع، لن يقف أحد أمام هذا المشروع، فالدول الثماني التي لم تستطع منع الحرب على العراق ستحصل على حصصها من الأرباح وهذا ما يعنيها لكونها دولاً صناعيّة في الدرجة الأولى، ولا تبحث إلّا عن العمل والربح. وشعوب المنطقة التي لم تحرّك ساكنًا في ظلّ انقساماتها وتضارب مصالحها الآنيّة أمام الحرب على الفلسطينيّين واللبنانيّين والعراقيّين لن تفعل شيئًا أمام التسلّل الأميركيّ الحضاريّ "المسالم". أمّا الولايات المتّحدة فتتعلّم اللغة العربيّة كي تقنعنا بالتخلّي عنها.
منذ زمن قال لنا زياد الرحباني أن نتعلّم اللغة الإنكليزيّة، لأنّ "العربي ما بيفيد" فلم نصدّق، ولكنّنا صدّقنا سعيد عقل حين قال إنّنا كنّا معلّمي معلّمي العالم.
***

يبدأ فيلم "ضائع في الترجمة" بالكاميرا مثبتة على مؤخّرة البطلة الأميركيّة النائمة في فندق يابانيّ فخم، فلم أستطع إلّا أن أرى في ذلك إشارة إلى الولايات المتّحدة التي تدير مؤخّرتها الكبيرة إلى كلّ حضارات العالم ولغاته وخصوصيّاته من دون أن تشعرك بأنّها معنيّة بشيء.


الجمعة، 18 نوفمبر 2011

كلاب الإنكليز تسخر من النملة والزيز



استلم أخي المغترب المقيم في ديار الستّ إليزابيت رسالة رسميّة أثارت قلقه. وهذا أمر يحدث مع كلّ مواطن عربيّ في بلاد الأجانب إذ يخشى استدعاءه للتحقيق معه لسبب أو لآخر:
-         شُبهة إرهاب
-         شبهة شيّ الكباب
-         شبهة التحرّش بالأولاد بسبب صور عائليّة فيها الكثير من القبلات والعناق
-         شبهة تعذيب الحيوانات
-         شبهة إزعاج الجيران بإلقاء التحيّة والسلام على الجيران الكرام
وغيرها وغيرها من شبهات تبيّن بوضوح أنّ العدالة ساهرة وعيناها مفتوحتان على سلامة الإنسان والحيوان والنبات.
ولكنّ الرسالة الرسميّة كانت من المدرسة التي تخرّج منها "ريكس" كلب العائلة المدلّل، وفيها ما ترجمته:


نقدّم نشرة أسبوعيّة مخصّصة للكلاب: 
صحتهم ورفاهيّتهم، ونصائح للتدريب، ومعلومات عامّة ومفيدة.
وتتضمّن أيضًا معلومات عن أيّ من خدمات Rayvon التي نطلقها أو في حال توفّر أيّ عرض.

نشرتنا الأولى تتكلّم عن تغيير الطريقة التي تنزّه فيها كلبك في فصل الخريف.
إذا كنتم تودّون المشاركة في النشرات القادمة، الرجاء تسجيل الدخول في الصفحة التالية. 
مع العلم أنّنا نحترم خصوصيّة بريدكم الإلكترونيّ ولن نكشف عنه.
أهلاً بالخريف،
مع توديع فصل الصيف، تطول ساعات الليل، وتتحوّل الأرصفة والحقول إلى بساط ذهبيّ
بسبب تساقط أوراق الأشجار عليها.
بالنسبة إلى صديقنا الكلب، إنّها أيّام مثيرة من السنة. 
إذ يبدو كلّ شيء مختلفًا شكلًا ورائحة.
وهناك الكثير من الأوراق للبحث فيها عن أشياء لذيذة، قد يشعر الكلب أنّه بحث فيها من قبل.

لقراءة المزيد: 
http://www.royvon.co.uk/newsletter-hello-autumn.

اطمأنّ قلب شقيقي وارتاح باله، فليس في الأمر دعوة إلى فنجان قهوة في المخفر البريطانيّ، بل تنبيه لطيف عن حلول فصل الخريف، وكيف يجب أن يراعي فيه الإنسان مشاعر كلبه، فيساعده كي يتمتّع بالفصل الجميل ذي البساط الذهبيّ بسبب "ورق أيلول اللي تحت الشبابيك". واستعاد مواقف أخرى سابقة وضعته فيها الحيوانات الأليفة التي يهوى ولداه تربيتها والاعتناء بها. فحين مرض أحد الأرنبين اللذين يعيشان في كنف العائلة اضطر الوالد الحنون لحمله إلى أقرب عيادة للحيوانات، وهناك سألته الممرّضة عن اسم الأرنب لملء استمارة الدخول ولكي تخاطب المريض وتهدّئ من روعه. ارتاع أخي وهو يحاول أن يتذكّر إن كان لهذا الحيوان الأبيض الصغير اسم غير أنّه "أرنب" (يصلح للذبح والطهو والأكل)، ثمّ اختار اسمًا وهو يشكر السماء على أنّ الأرنب مشغول بأوجاعه ولن يكّذبه.

 أمّا "ريكس" الذي كان يلعب فضاق ذرعًا بأخي الذي بقي يعيد قراءة الرسالة مرّة بعد مرّة وهو يتأمّل حال البلاد والعباد، فأخذ يستحثّه ليخرج في نزهته اليوميّة، وفي باله شماتة من الفرنسيّ "لا فونتين" الذي أراد أن يعلّم الناس على لسان النملة المجتهدة درسًا في العمل والاجتهاد تلقّنه لـلزيز العزيز في حين أنّ كلّ المطلوب هو أن يكون "الإنسان" كلبًا في بلاد الإنكليز.

الخميس، 17 نوفمبر 2011

هويّات تتبع الأهواء


Marcia Babler

هل هناك شعب آخر سوانا يغيّر هويّته بالسهولة التي يغيّر فيها ملابسه؟ أكاد أجزم أنْ لا.
ففي زمن ما بعد العولمة، وما بعد الحداثة، وما بعد فورة الاتصالات، وما بعد الخريطة الجينيّة، وفي وقت تطرح الإنسانيّة تساؤلات دقيقة ومخيفة عن صورة الإنسان المستقبليّ وما سيكون عليه وضعه، نبدو نحن مستسلمين لواقع ليست فيه اسئلة وجوديّة فلسفيّة أو علميّة طبيّة، أو روحيّة ماورائيّة. ونكتفي بردود فعل هوجاء على أفعال تتجرّأ حفنة من الناس على القيام بها معاكسة تيّار الاستكانة والخنوع والموت السريريّ. وحين نستجمع قوانا ونتنطّح للمشاركة في الشأن العام، ونسعى إلى تحديد هويّتنا يكون أقصى ما نفعله هو السؤال عن أحدث مطعم في البلد.
الزمن الآن زمن حجاب، حتّى ولو ارتفعت نسبة المثليّة الجنسيّة بين أبناء المجتمع الواحد وبناته، في شكل كبير وغير معترف به/ وزمن تطويب القدّيسين والقدّيسات حتّى ولو كان أتباعهم يفضّلون التقيّة على التقوى، والاستسلام على السلام، والمصانعة (المسايرة) على الصناعة. والزمن زمن رمضان المرتبط بالكسل والتغيّب عن العمل والمسلسلات التي لا تترك وقتًا للصلاة والتعبّد/ والميلاد المزيّن بالمصابيح المضاءة في الشوارع، بينما الناس يعلنون الظلمة في البيوت، والمرتبط بالأحذية الجديدة التي لا تكتل فرحة الأعياد من دونها.  
والزمن الآن زمن يعلو فيه صراخ التاجر الفاجر على تأمّل الأديب، وقرقعة الحديد في المعامل على همس القلم للورقة، وزعيق آخر صيحات الموسيقى على غناء العصافير. وحين تصير صبحيّة النسوان العاطلات عن العمل أطول وقتًا وأكثر ازدحامًا من أمسية شعريّة نعرف أنّ مقاربة الحديث عن الهويّة اللبنانيّة لن يوصل إلى نتيجة إن بقي يتمّ بالشكل الذي نقوم به، وحين تصل شتائم سائقي الباصات ونكات البرامج الفكاهيّة إلى آذان الناس باسرع ممّا تصل إليه آراء الحكماء نعرف أن لا هويّة لنا إلّا ما تفرضه علينا أهواؤنا، والهوى غلّاب، كما تقول الأغنية.
هل الوجه عنصر من عناصر تحديد الهويّة؟
لنأخذ مثلًا من الحياة اليوميّة: ما هي هويّة شابّة في السنة الجامعيّة الأولى؟ هويّتها محكومة بجملة عوامل لا تزال هذه الفتاة غير قادرة على التحكّم بها: الانتماءان الطائفيّ والمذهبيّ، فأن تكون مسيحيّة أمر مختلف تمامًا عن أن تكون مسلمة أو درزيّة، وأن تكون مارونيّة أمر آخر يغيّر من طبيعة تفكيرها فيجعلها مختلفة عن كونها أرثوذكسيّة أو كاثوليكيّة أو إنجيليّة، ثمّ هناك مكان الإقامة، فأن تكون مسيحيّة مارونيّة من الأشرفيّة يختلف عن أن تكون من دير الأحمر، وأن تكون خرّيجة مدرسة رسميّة لا يشبه في شيء أن تكون تلميذة راهبات فرنسيّات أو تلميذة مجرسة علمانيّة أو أنغلوفونيّة. ثمّ يأتي دور الجامعة والعمل والسفر والهوايات (موسيقى، رياضة، مطالعة، سينما، مطاعم ونواد ليليّة، سفر، فايسبوك...)، وكذلك هناك عامل الصديق الحبيب وإلى أيّ تيّار سياسيّ ينتمي، فكم من فتاة غيّرت ميولها الحزبيّة حين خرجت من تحت تأثير الوالد "العونيّ" مثلًا إلى التأثّر بحماسة الحبيب "القوّاتي"، أو العكس.

إنّ مجمل هذه العوامل وكثير غيرها (كالوضعين الماديّ والاجتماعيّ في الدرجة الأولى) ممّا لا يمكن لمقالة مختصرة أن تفيه حقّه يجعل هويّة هذه الشابّة أمرًا خاصًّا بها دون سواها؛ وأيّ انسجام أو تعايش (بحسب القاموس اللبنانيّ) أو تناغم أو تآلف أو تكامل بين هذه الهويّة وسواها عملٌ دقيق وصعب يحتاج إلى رغبة وإرادة يتبعهما تمرّس ومران، ولا يمكن أن يتمّ ذلك إلّا في دولة المؤسّسات المدنيّة، ومن غير ذلك يبقى مجتمعنا مجموعة هويّات هائمة تتصادم ولا تتصادق وتتجاور ولا تتحاور. والمفارقة الكبرى أنّنا مقتنعون بأنّنا ما زلنا حرصاء على العادات والتقاليد مقارنة بدول الغرب، وأنّنا نولي العلاقات العائليّة والمناسبات الدينيّة والقيم الأخلاقيّة اهتمامًا خاصًّا، متجاهلين أنّ حرصنا هذا أساء إلى الوطن، ولم يحمِ عائلاتنا من التفكّك، وطوائفنا من التقاتل، وقيمنا من الاضمحلال، فخسرنا كلّ شيء. أو نكاد.

إنّ الهويّات قيد الدرس ليست من نصيب فئة محدّدة من المواطنين. فكلّنا نحمل هويّات قيد الدرس، نكتب عليها بقلم الرصاص، والممحاة في الجيب، أنّنا لبنانيّون حتّى إشعار آخر، عربٌ حتّى تصدر نتائج فحوص الحمض النوويّ، طائفيّون حتّى نجد سببًا آخر للتناحر، علمانيّون حتّى تأتي مواعيد الاستحقاقات من ولادة وزواج وانتخابات وموت وإرث، أغنياء إلى أن يحين موعد توزيع الإعاشات والمساعدات، فقراء إلى أن نربح اللوتو، مغبونون إلى أن يزداد عددنا، محبطون إلى أن نستقلّ في محميّة، وقد يكون الثابت الوحيد بين هذه المتحوّلات أنّنا أغبياء في حقّ أنفسنا حتّى إثبات العكس.
***
صحيفة النهار – 7 أيلول 2010

السبت، 12 نوفمبر 2011

احتمالات الخيبة


Omar Onsi

1 - قليل من الخمرة يفرح قلب الإنسان،
كثير منها يجرح كرامة الإنسانيّة.
*** 
2 - لن يكون للبشريّة خلاص إلّا بالشعر.
ولكن من ينقذ الشاعر من جنونه ومجونه؟
 ***
3 - يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره، ما دام داخل دوام القصيدة وفي فضاء إبداعها.
خارج ذلك لا يحقّ له أن يكسر إيقاع اللياقة، أو يوقع الخلل في وزن الأدب، أو يخرق القواعد التي تحكم لغة التخاطب.
خارج مرحلة المخاض لا يحقّ للمرأة أن تصرخ من ألم الولادة، 
وخارج العيادة لا يحقّ للطبيب النفسيّ أن يحلّل تصرّفات أصدقائه، 
وخارج غلاف الكتابة لا يحقّ للشاعر أن يمارس شغف التجريب وفوضى المشاعر وجنون الاختبارات.
 ***
4 - في بلدنا لا تولّد المياه الكهرباء،
بل انقطاع الكهرباء يولّد المياه منّا دمع قهر وعرق قرف.
 ***
5 - وقع نظر البخيل على الأرض فرأى نملة صغيرة تجرّ شعرة صغيرة سقطت سهوًا من جسمه،
فغضب وداسها بنعله مستمتعًا وهو يتخيّل صوت قرقعة عظامها.
 ***
6 - في مناسبة عيد الأب،
اشترى الأبناء لوالدهم العجوز الذي خفّ سمعه سمّاعة توصل إليه أصواتهم الحبيبة،
وحين وضعها في أذنه سمعها تنقل إليه كلماتهم وهم يتشاجرون حول المبلغ الذي يجب أن يدفعه كلّ منهم لتسديد ثمنها، 
فأخرسها.
*** 
7 - الوالد الذي لا يغضب على طفله الذي يطرح عليه عشرات الأسئلة،
بل يجيب في صبر ومحبّة، يعرف جيّدًا أنّه يرى المستقبل الواعد من خلال أسئلة ابنه الذي يكبر ويكتشف ويحفظ ويتعلّم، فيفرح إذًا ببداية البداية.
أمّا الابن الذي يستشيط غضبًا وهو يجيب للمرّة العاشرة على السؤال الواحد الذي يطرحه والده فيعرف جيّدًا أنّ ما يغضبه هو رؤية الماضي المنصرف إلى غير رجعة، لأن أباه بدأ يشيخ ويفقد ذاكرته وينسى أسماء أولاده. 
فالإبن إذًا حزين لأنّه شاهد على بداية النهاية.
 ***
Priscilla N Norris
8 - من السهل أن تخلع ملابسك أمامي،
ولكن هل تستطيع أن تخلع الأقنعة عن أفكارك؟
ومن السهل أن أتركك تدخل إلى عمق جسدي، 
ولكن هل تسمح لي بالدخول إلى عمق قلبك؟
 ***
9 - لم تزعجني رؤية الرجل الذي كنت أحبّه، 
لأنني في كلّ بساطة لم أعد المرأة التي أحبّته.
 ***
10 - انتظار من لم ينطلق نحوك يعدّ نوعًا من أنواع الانتحار.
 ***
11 - الحبّ لا يقبل المشاركة، المحبّة لا تقبل الحصريّة.
 ***
12 - يخيّل إليّ أن الشعور الذي اسمه الحبّ ينتهي ما أن نكتشف وجوده.
قبله هناك الرغبة والهوس والشوق والحاجة أو التحدّي والمغامرة والبحث والاكتشاف،
بعده هناك المحبّة والصداقة والعِشرة والعادة أو الكره والحقد والضجر والحزن.
الحبّ لا يعيش طويلاً وهذا هو سرّه وإغراؤه.
 ***
13 – أهديتني، يا صديقي العابر، محبرة وريشة وورقة وطاولة وكرسيًّا
وأعلنتني ناسكة في صومعة الكلمات، 
ثمّ رحلت وأنت مطمئنّ إلى أنّ كلماتي ستؤنسني.

*صحيفة النهار - الثلاثاء 8 أيلول 2009