الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 15 أغسطس 2009

حكاية الطفل الذي لم يمت في هدوء



هادي طفل في الثامنة من عمره، هادئ وصامت إلاّ حين يتعرّض للضرب، عند ذلك يرتفع صوته رغمًا عنه ويمزّق صدر السماء.
في تلك الليلة العاصفة من شهر تشرين الأوّل الخريفيّ، والخريف عندنا ليس عاصفًا إجمالاً، مات هادي بين يدي معذّبه، ولكنّه لم يستطع أن يحتلّ عناوين الصحف ولا أن يتصدّر نشرات الأخبار. فبين كلمتي "استقبل" و"ودّع" لا مكان لطفل في الثامنة من عمره، يقتله صهره "سندة الضهر" في حين كان الجيران يرفعون صوت التلفزيون لعلّه يخفي صراخ هادي الذي تواصل لمدّة ساعة ونصف من الزمن، الزمن نفسه الذي كان فيه المجتمع اللبنانيّ يتابع البرامج والأخبار، وبعض رجال الدين في عالمنا العربيّ يصدرون الفتوى تلو الفتوى عن شؤون الجنس والنساء وحريّة التعبير.
هادي طفل يقيم مع شقيقته وزوجها في ضاحية بيروت الجنوبيّة، وحين قرأت خبر الجريمة التي أودت بحياته خطر على بالي فجأة أنّ والديه قد يكونان أطلقا عليه اسمه تقديرًا منهما لاستشهاد هادي نجل السيّد حسن نصر الله. ولكنّ الطفل لم يقتل في معركة مع العدو بل في بيت ولّي أمره وفي غياب والديه المطلّقين. لا أعرف كم دامت المعركة التي قتل فيها هادي نصر الله ولكنّي أعرف أنّ هادي الصغير حارب لمدّة ساعة ونصف قبل أن يفارق الحياة في شكل مأساويّ عنيف، ما جعل الطبيب الشرعيّ يعجز عن وصف آثار التعذيب على الجثّة قبل الوفاة وبعدها كالتشويه وسحب الأظافر.
قالت الصحف إنّ الصهر أراد تعليم الصبيّ القراءة والكتابة لأنّه لم يذهب في حياته إلى المدرسة ولكن يبدو أنّ الصبيّ لم يستجب للدرس بالسرعة التي أرادها المدرّس القاتل. دعونا نصدّق ادّعاءات الرواية، ولنتخيّل كم كان الرجل يحبّ العلم حتّى اضطر إلى ضرب الصبيّ حفاظًا على اللغة، ثمّ فجأة شعر بنشوة التفوّق والسيطرة، واستعذب الصراخ والبكاء، واستمرأ التوسّل والنحيب، فتابع الضرب والتنكيل مستعيدًا في ذاكرته كلّ ما سمعه عن وسائل التعذيب في السجون والمعتقلات وما شاهده في الأفلام، وأخذ يطبّق في الطفل دروسًا جديدة أكثر متعة من درس الأبجديّة.
ولكنّ الجيران يقولون إنّ الرجل اعتاد ضرب الصبيّ وحرقه بأعقاب السجائر، وأنّه كان يضرب زوجته، وأنّه مدمن على المخدّرات ويتاجر بها، وأنّه فقير، وأنّه عنيف، وأنّ الصراخ بدأ عند الواحدة والنصف من بعد منتصف الليل وانتهى عند الرابعة فجرًا، فهل أصرّ هادي على طلب العُلى حتّى أنّه سهر الليل ليتعلّم الكتابة والقراءة؟ أإلى هذا الحدّ كان الصهر حريصًا على محو الأميّة من العالم العربيّ؟
لن تنقذ الكتابة عن هذا الطفل سائر الأطفال الذين يتعرّضون للتعذيب، كما لم تنقذ الكتابة مجتمعنا من المخدّرات والجهل والتعصّب والغباء والفساد، ولكنّها قد تعالجني من الحزن الذي أصابني وأنا أقرأ تفاصيل الجريمة في الصحف، ولا يزال.
الحزن؟ كم تبدو الكلمة صغيرة وبسيطة وسخيفة وعاجزة عن التعبير أمام الساعة والنصف الأخيرة من حياة هادي.
***
صحيفة البلاد البحرينيّة - 2 كانون الأوّل 2008

ليست هناك تعليقات: