الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 30 يوليو، 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (12)


Estela Robles


114- نحن الشعب الوحيد الذي يبحث عن الفرح في تعاسة الماضي
***

115- صلاة يوم الأحد:
يا ربّ ساعدني لأكفُر بكلّ شيء
***

116- هي النجمة وهو الزيح:

-  أريد أن أكون رجل حياتك، فأنت قبلي لم تعرفي رجالًا حقيقيّين!
* * عندي مشاكل كثيرة فلماذا تتعب نفسك معي؟

-  - لأنّني أحبّك ولن تواجهي مشاكلك وحدك بعد اليوم!

 *اغتصبوا حقوقي في عملي
  - أنت تعرفين أنّ البلد في حالة فوضى والوضع على كفّ عفريت
*
 تعرّضت لمضايقات رئيس المؤسّسة ولم أتخطّ الأمر بعد
-
 هو مريض نفسيّ انسي أمره
*
 أنا حاليًّا عاطلة عن العمل ولا أريد أن أكون عبئًا عليك
-
 مشكلة!!! فأنا لا أستطيع أن أصرف على شخصين في انتظار أن تجدي عملًا!
*
 كيف تريد أن تكون إلى جانبي إذًا؟
-
 في السرير
*  أتعلم؟ بما أنّني في هذا الحوار النجمة وأنت الزيح ... لو بتزيح من خلقتي



***

117- حتّى أنت الذي أنا لن تعرف مقدار شوقي إليك
***

118- لا تقل لي كوني جميلة واصمتي، قبّلني ولن أنطق بكلمة
***

119- فتح الله اليوم الصحف والمجلّات والفايسبوك وتويتر وتثاءب حين لم يجد ما يدهشه، ذهب إلى حضانة السماء فوجد الأطفال يقلّدون الكبار ويلعبون لعبة الحرب، فعاد إلى النوم ليرسم ملامح عالم جديد
***

120 -
ع درب السما في عجقة ولادْ
وملايكة الله بتياب الحدادْ
وكلّ مرّة إيد بتعلا ع ولد
بيجنّ ع عرش السما ربّ العبادْ

السبت، 28 يوليو، 2012

افتحي ساقيك أيّتها العاهرة الصغيرة ليولد الوطن العظيم

Frida Kahlo-  1932


انشروا أغطية الأسرّة التي شربت دم البكارة
زغردوا لرجال أثبتوا أنّهم رجال 
ولعذراوات ثبتت براءةُ أجسادهنّ
انقروا الدفوف يا رجالُ وزغردن يا نساء
فتختبئَ شهقةُ الألم خلف صخب العرس
عودوا إلى ذلك الشرف الرفيع المرفوع رايةً من بين ساقي امرأة
فأعلام بلادنا اليوم منكّسة
ودماؤنا مهدورة
ودموعنا رخيصة
وشرف الأمّة ممسحة عند عتبات السفارات
فلنعد إلى تقديم الأطفال أضحيات على مذبح الآلهة فينزل المطر
ولنرمِ كلّ عام أجمل العذراوات فيرضى النهر ويفيض الخصب
ولندعُ البطل ليحارب التنّين
ولنترك مكانًا لخيط رفيع من دم العشق
يشقّ طريقه بين سيول من دماء الحقد التي لا يعرف لا القاتل ولا القتيل سببها وهدفها!
***
افتحي ساقيك أيّتها العاهرة الصغيرة ليولد الوطن العظيم
افتحي ساقيك وأحيطي بهما الجسد العابر
كما أحاطت بك خيباتُ العمر
شرّعي صدرك لمتسوّلين يشبهون فقرك
اعرضي نهديك ضوئين كاشفين في نفق الحياة
ابتسمي دائمًا وكثيرًا وانسي حزنك وبيت أبيك
لا تكوني عاهرة رخيصة
يا صغيرة
بل سخيّة معطاء
لا تقفي على أبواب المعابد لئلّا تفترسك الذئاب
لا تجلسي عند ناصية الشارع
ولا تسألي الرجال قبلة
فالحبّ ليس هناك ولا هنالك
نحن في زمن السكّين والخنجر والرصاصة
يا صغيرتي
فافتحي ساقيك وليقتحمك السكّين
وليطعن الخنجر أحلامك
ولتتساقط الرصاصات الفارغة في رحمك العقيم
ولا تدعي أحدًا يغتصبك
انتشي من اللذة كأنّك تكتشفين اللذّة الأولى
واصرخي من الألم كأنّك لم تعرفي رجلًا قبل الآن
وافتحي عينيك وانظري إلى انتصارك الدمويّ المتجدّد
افتحي ساقيك يا صغيرتي وانسي أمر الحبّ الذي انتظرته طويلًا
كما انتظرت الشعوب العربيّة ثوراتها
فجاءت الجريمة
وكما انتظرت الأمّهات أولادهنّ المخطوفين
فخطف الموت تجاعيد الوجوه التعبة
وكما انتظر الأسرى الحريّة
فإذا بهم يخرجون إلى قبر كبير اسمه الوطن
ليس الزمن للحبّ يا صغيرتي
فتعلّمي باكرًا كيف تقبّلين وتعضّين وتغرزين أظافرك وتتأوّهين وتدمعين
تعلّمي باكرًا كيف تغتسلين بمياه الرجل كأنّك تتلقّين هبة من السماء
تعلّمي باكرًا الكلمات التي لا توجد في كتب القراءة ولا في قصائد عيد المدرسة
تعلّمي باكرًا أنّك إن لم تكوني عاهرة أكلتك الذئاب
وإن لم تكوني عابرة فلن تنجي بنفسك
***
اغلقي الكتاب يا صغيرتي وافتحي ساقيك
أطفئي الموسيقى واشعلي الرجال
سدّي أذنيك عن عظات الشرف وافتحي حسابًا في المصرف
أغمضي عينيك عن مشاهد المجازر وافتحي مطعمًا في وسط المدينة
واتركي دم عذريّتك يرسم ثقبًا في راية الوطن
ثمّ افتحي النافذة يا صديقتي
وهلّلي وزغردي
وقولي للمدعوين إلى العرس:
هذا هو الشرف الوحيد في هذا الشرق البغيض
هذا هو دمي، دم العهد الجديد حيث لا حبّ ولا ذبيحة بعد الآن
هذا هو جسدي العاري فتعالوا وكلوه بعيونكم وأنيابكم وأظافركم
أنا شرفكم الوحيد
والعابر شهيدكم الوحيد
قتلته
فما من لقاء بعد اليوم
إلّا لتجديد العهد بدم جديد.
لا تخافي يا صديقتي من آخرة هدّدوك بها
فأنت حوريّة الجنّة التي وُعد بها المؤمنون
وأنت الخاطئة التي لم يرشقها أحد بحجر
فاخلعي ثوب العفّة وتخلّصي من رداء النسك
واستمتعي
واقتلي كلّ ليلة رجلًا لم يلبّ حاجتك
كوني المخلّصة
وأنقذي العالم من رجال لا يجرؤون على أن يكونوا رجالًا
افتحي ساقيك يا صديقتي الصغيرة وليولد الوطن العظيم
فأن تهبي جسمَك أجملُ ألف مرّة من أن تبيعي أفكارك
وأن تختاري فريستك أبهى ألف مرّة من أن تكوني ضحيّة
وأن تهرعي إلى حيث متعتك أعظم من أن تنتظري حبًّا
قضى في معركة بليدة من معارك هذه الأمّة الجرباء
***
كوني عاهرة معلنة يا صغيرتي
وتنزّهي تحت الشمس أمام زجاج بيوتهم المبرّدة
لا تختبئي ولا تخافي ولا تخجلي
فأنت امرأة العهد الما بعد الجديد
الموسومةُ بدمها
المضمّخةُ بعطرها
العابثةُ الشبِقة المشتهية
الناظرة إلى موت عالم لا قيامة له
فافتحي ساقيك ليدخل العابر
وافتحي ساقيك ليخرج دمُ انتظارك الهادر
خيطًا رفيعًا بين أنهار الدماء المهدورة
ولا تكوني شهيدة
بل شاهدة على شرف رجل عربيّ
يهلّل لحرائقَ تأكل الأخضر واليابس في كلّ لحظة
ويثور منتفضًا لعود كبريت اشتعل مرّة واحدة
ولم يكن معه في تلك اللحظة سيكارة يشعلها
لينفث في دخانها همومه
ويدفنَ في رمادها رجولته!
أغلقي قلبك وافتحي ساقيك يا صغيرتي
فجرح القلب جراح
لا تبحثي بعد اليوم لها عن عزاء
وجرح عِفّتك خمر مباح
على مائدة خلاصك
فلا تحرمي منها الشعراء الجبناء والأبطال الأغبياء
ولا تحرمي نفسك بعد اليوم
من الشعراء الجبناء والأبطال الأغبياء
فكلّهم سيغرقون يومًا في بقعة دمك المسفوك
في ليل هذا العالم المجنون!

الجمعة، 20 يوليو، 2012

في النهاية (النصّ الرابع والأربعون من كتابي رسائل العبور - 2005)



Joseph Mattar

في النهاية
ستذبل الورود
وتموت الطيور
وتغيب الوجوه
في النهاية

لن تبقى على الأشجار أوراق
ولن يتوقّف الناس عن الرحيل
ولن تثمر التينة الملعونة

في النهاية
لن يكون إلّا عبور ونسيان ووحدة
ولن يجد الغائب حجرًا يلقي عليه رأسه
ولن يجد المسمّر في مكانه إلّا المسامير

في النهاية
سيجف الحبر والدمع والنهر
ويكبر الأطفال ويغادرون الطفولة
ويشيب الشعر أيًّا يكن لونه

في النهاية
ستُنسى الأصوات والوعود
وتُختم الحكايات وتُنقض الوعود
ولا يبقى إلّا النهاية لنحتفل بها

الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

كم أكره حزنك أيّها المسيح!

Annibale Carracci


(في مناسبة رفع الستارة عن منحوتة وجه المصلوب) - من كتابي الموارنة مرّوا من هنا

يا هذا! يا أنت! أيّها المعلّق على شجرة! أأنت المسيح أم يهوذا؟
كم أكره الحزن المرسوم على وجهك لأنّه طبع البشريّة بصورة الألم حتّى صرنا نستسيغ طعم دمنا، ونلعق جراحنا كالكلاب المريضة، ونفتّش عن المرض كما تفتّش الهررة القذرة عن طعامها في صناديق القمامة، ونقول: لا بأس، مع آلامك يا يسوع!
أيّها البائس المسكين!
تُرتكب الآثام باسمك، وأنت تحني رأسك خجلًا!
يبكي الناس مرّة في السنة عند مشاهدة فيلم آلامك، وأنت صامت تتفرّج كما يتفرّجون.
تقام على شرف عذاباتك الاحتفالات وتنطلق الأصوات الصادحة والموسيقى العالية لعلّها تخفي أنين المرضى وبكاء اليائسين ونحيب المعذّبين!
يرتفع رأسك المكلّل بالشوك فوق شجرة يابسة، لتنحني رؤوس البلهاء خاشعة، ويغمضوا أعينهم عن رؤية أيّ ألم سوى ألمهم، وأيّ وجع سوى وجعهم، ويصمّوا آذانهم عن أيّ إهانة سوى تلك التي لحقت بهم.
يرتفع رأسك المكلّل بالشوك (الثمين) فينظر إليه الناس ويحلّلون العمل الفنيّ فيه، والموادّ المصنوع منها، ويحاولون أن يحدّدوا عمرًا لديمومتك في ساحة بلدتهم (اطمئنّ، ستبقى المسيحيّ الوحيد بعدما يرحل الجميع).
يرتفع رأسك المحنيّ على جذع الشجرة، فينظر المطران إلى الشجرة ويحلم بعصا البطريركيّة، وينظر الكاهن إلى إكليل الشوك ويحلم بتاج المطرانيّة، وتنظر إليك الراهبة العجوز الشمطاء وتفكّر في أنّ خطبتها من هذا المصلوب لم تذهب سدًى، فممثّلوك على الأرض قاموا بالواجب.
ألن تهرب الليلة من على الشجرة التي علّقوك عليها كأنّك يهوذا؟
ألن تخجل من الجائعين والفقراء والمطرودين من أعمالهم ومدارسهم، وهم ينظرون إليك ويسألون عن كلفة رأسك، (الحمد لهم لأنّهم لم ينحتوا جسمك كاملًا!)؟ أتعلم لماذا لم يصنعوا لك رجلين ويدين؟ لقد خافوا منك، خافوا من أن تنزل عن الشجرة وتصفع وجوههم الغبيّة الجبانة، وتركل أقفيتهم الممتلئة شحمًا،وتحمل رأسك تحت إبطك وتهرب قبل هذا الاحتفال" بآلامك الخلاصيّة؟
هل تعلم أنّ ثمّة رؤوسًا ممتلئة بالأفكار والأحلام والمشاريع لا تجد من ينظر إليها في حين أنّ رأسك البرونزيّ سيكون محطّ الأنظار؟
كم أكره الحزن الذي جعلوه علامتك المميّزة!
يليق بك الغضب، تليق بك الثورة، يليق بك العنف!
يليق بك تحطيم التماثيل لا أن تكون تمثالًا، ويليق بك حمل السياط لا المسامير!
يليق بك أن تتكلّم لا أن ترهق أذنيك بالخطابات الرنّانة وتعابير المجاملة وبروتوكول الاحتفال الذي سيحييه المطران والخوري والراهبة والنحّات الشاعر الذي تقصّد أن يغلق فمك جيّدًا لئلّا تتحدّاه في قول الشعر.
كم أكره الحزن على وجهك لأنّه يذكّرني بحزن البشريّة كلّها، بتعب العالم كلّه، بيأس الناس في كلّ مكان، بالغباء المارونيّ، بالعهر اللبنانيّ، بالأشجار التي كانت خضراء وصارت صلبانًا.
إنزل عن الشجرة يا رجل واحملها واتبعني لنجعلها حطبًا في موقد جبليّ، ولنسهر معًا فأخبرك حكايات تمحو الحزن عن وجهك لأنّك عندما تسمعني ستبكي، ستبكي كثيرًا، وعندما تبكي سترتاح، وتغفو على صدري وأنت مبتسم للمرّة الأولى منذ أكثر من ألفي سنة.
أكره الحزن الذي ألصقوه بوجهك يا صديقي المسكين، والانهيار العصبيّ الذي اتّهموك به، والسير إلى الموت كأن لا خيار آخر أمامك، والخضوع للضرب والإهانة، ونكران الجميل من أتباعك وتلاميذك والمعجبين بك وكلّ الذين شفيتهم وأطعمتهم وطردت الأرواح النجسة منهم. أكره كلّ ذلك الذي وضعوه إطارًا لك ليؤلّهوا الألم والإهانة والغدر والتجريح، وليجبرونا على الصمت والخضوع أمام آلامك.
إنزل عن الشجرة العارية يا صديقي العاري، وارمِ أشواك تاجك في أفواه المحتفلين بك، وامضِ معي إلى حيث لا يجدنا أحد، لعلّنا بعيدًا عنهم نبتسم قليلًا.

السبت، 14 يوليو، 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (11)

Flora Giffuni


103- قد لا أكون كثيرة عليك لكنّني هكذا أشعر
قد لا تكون قليلًا عليّ لكنّك هكذا أشعرتني
***

104- عندنا ثلاث أزمات مصيريّة والباقي من نتائج ذلك
1- أزمة رجولة ... فالعضو الذكريّ الذي يكثر استخدامه في شتيمة بين كلّ جملتين ليس دليلًا كافيًا على وجود الرجال
2- أزمة أنوثة ... فلا الأجساد العارية دليل على حريّة المرأة ولا الوجوه المحجّبة دليل عفّتها
3- أزمة إنسانيّة ... فلا الجمعيّات الخيريّة ولا مزارات القدّيسين والأولياء الصالحين تكفي لرفع الإنسان من حالته البهيميّة التي يرتع آمنًا عند أسفل دركاتها!
***


105- سألت المرآة المرأة:
كيف تثقين بمن حوّل خوفك عليه خوفًا منه؟
***

106- بعيدًا عن عينيك كلّ المرايا كاذبة
***

107- ليس صحيحًا أن لا مفكّرين عند الموارنة اليوم
فهناك يللي مفكّر حالو شي مهمّ
ويللي عم يفكّر يغيّر سيّارتو
ويللي عم يفكّر يهاجر
ويللي عم يفكّر يبيع شقفة الأرض ت يعمل عرس لإبنو
ويللي عم يفكّر يشدّ صاحبتو ع التخت
ويللي عم يفكّر يضرب جارو لأنو مش من تيّارو السياسي
ويللي عم يفكّر بهاللحظة بالذات وين بدّو يسهر الليلة
وفي كتير غيرن مفكّرين بس ما رح إذكرن كلّن خوفًا من صيبة العين!
***

108- أحتاج إلى أعمار أخرى كي أجد من أبحث عنه
***

109- أنا لست ناشطة على الفايسبوك كما يصفني البعض، 
أنا مدمنة على الكتابة 
والفايسبوك جعلكم تكتشفون ذلك!
***

110- اكتشفت اليوم صباحًا أنّني أغلقت غطاء اللابتوب على يد قارئ 
يبدو أنّه كان يحاول أن يمدّها من الشاشة 
ليسرق كلمات تركتها على لوحة المفاتيح حين غلبني النعاس
***

111- بالإذن من إعلان بن نجّار، 
وين ما في لبناني ... في نجّار عم يعمل خوازيق
***

112- في مثل هذا الحرّ آخر ما أحتاج إليه عاطفة دبقة
***

113- في خزانة المرأة التي لم تعرف العشق
فساتين السهر تئن من الضجر

الأربعاء، 11 يوليو، 2012

شيطان الكلمات وقدّيسها (النصّ السادس من كتابي رسائل العبور - 2005)


Tomasz Alen Kopera

الكتابة عنك لا تشبه العلاقة بك.
الكتابة عنك شأن آخر لا يشبه إلّا نفسه ولكنّه يختلف عن نفسه كلّ مرّة، كأنّ ثمّة نساء من مختلف الألوان والجنسيّات والعصور والأعمار يكتبن في لحظة واحدة عن رجال من مختلف الألوان والجنسيّات والعصور والأعمار، أو كأنّ امرأة لم تولد بعد تكتب بأحرف لم تكتشف بعد عن رجل لم تنجبه امرأة بعد.
في الكتابة عنك صلاة وبكاء وفرح وأطفال وعصافير وينابيع وأشجار، وفيها كذلك شياطين وتجارب ودموع وشكوك وصراخ وعتاب وهموم وكوابيس.
وبما أنّي أؤمن بقدرة الصلاة على طرد الشياطين وبقوّة الأحلام على محو الكوابيس، لن أمتنع عن الكتابة ولن أخشى الدخول في تجربة من التجارب السبع الممتعة والمميتة التي أختبر إغراءها وخطرها في كلّ مرّة أكتب عنك.
***

حين أكتب عنك أصاب بالغرور. وإذا كان الغرور في عرف اللغة هو "انخداع المرء بنفسه وإعجابه بها ورضاه عنها وتقديره لمزاياه تقديرًا مفرطًا ولا مبرّر له" فأنا في أكثر اللحظات اقترابًا منك، أي حين تجمعنا جملة واحدة بين فاصلتين، أصبح أكثر الناس عرضة للغرور. وإذا كان البعض يعتقد أنّك أنت من عليه الخوف من هذه التجربة لأنّك محور كتابتي ومنطلقها وهدفها، فالواقع يختلف تمامًا لأنّي حين أكتب عنك أطمئنّ إلى أنّي وجدت المحور ولو كان وهميًّا والمنطلق ولو كان غير ثابت والهدف ولو كان غير منظور.
والكتابة عنك تخيفني بقدر ما تغريني لأنّها تجعلني أنخدع بقدراتي عندما أحاول الإمساك بك وإحاطتك وسبر أغوارك، وأعجب بذاتي لأنّي أنفجر كلمات جميلة تحكي عنك، وأرضى عن نفسي لأنّها رأت فيك ما لا يراه الآخرون، وأقدّر مزاياي لأنّني جعلتك تكشف نفسك أمامي.
ولولاك لخرج كلّ ذلك عن حدّه وتحوّل غرورًا مخيفًا مؤذيًا، وبسببك تحوّل ثقة بالنفس هادئة رصينة. وهذا ما لا يُتاح لكثر.
***

وحين أكتب عنك أتعرّض لمتعة الكبرياء فأعتبر نفسي أفضل من غيري لا أرى لأحد عليّ حقًّا، وأؤمن بأنّ ما أشعر به تجاهك لا اسم له إذ لا مثيل له، وبأنّ ما أكتبه عنك ليس له ما يشبهه ولا يصحّ إلّا عنك. وكيف لا تروادني مشاعر الكبرياء وأنا أراك بين يديّ عجينة طيّعة لا حول لها ولا قوّة؟
لكنّي أكتشف عند الكتابة أنّك لك حقًّا عليّ وأنّك حالة استثنائيّة فرضت نفسها على كلماتي، فيتحوّل ما كاد يصبح كبرياء إلى فرح داخليّ عميق وسكينة صافية وأرتاح إلى فكرةِ أنّي لست امرأة وحيدة فوق قمّة كبريائها بل امرأة مطمئنّة إلى وجود رجل يعرفها على حقيقتها ويقبلها كما هي. وهذا ما تحلم به كثيرات.
***

وحين أكتب عنك يغريني الكذب ويهمس في أذني بصوته العذب: لا بأس إن أخفيت عنه أمورًا وزيّنت له سواها. ولا بأس إن ألبستِ غيرتَك عليه لباسَ الاهتمام بمصالحه، ورغبتَك في الاستئثار به ثوبَ الحماية، وحاجتَك إليه رداءَ التضحية من أجله.
ولكن لأنّك أنت من أنت لم أرضخ دائمًا وقاومت كثيرًا وحذّرتك قائلة: أثق بك إلى درجة أنّي أخبرك كم أكذب على سواك. وهذا ما لا تفعله المرأة إلّا إذا كنت أنت الرجل.
***

أمّا الاشتهاء فأشدّ الرغبات إغراء: اشتهاء كلمات الآخرين والرغبة في أكون كاتبتها لتكون أنت محتواها والموحي بها، واشتهاء الجمال والذكاء والمال والصحّة لتكون أنت المستمتع بها، واشتهاء الحبّ والحنان والسعادة لتجييرها إليك.
ولولاك لكانت هذه الشهوات العنيفة مدمّرةً قاتلة، غير أنّها بسحر سحرك تحوّلت طاقة خلّاقة كوّنت ما يشتهيه الآخرون ويرغبون فيه. وعلى هذا يحسدني كثر.
***

وتكاد الكتابة عنك تخضعني لتجربة الاكتفاء بك والتعالي على كلّ ما يخرج على عالمك، وبالتالي تجربة قتل الآخرين ومحوهم من الوجود. فعندما ترتسم الكلمات في رأسي وأراها ممتدّة على اسطر لا نهاية لها أعرف أنّ كلّ وجود خارج عن وجودك لم يبق موجودًا. حتّى عندما يبدو أنّ الكلام ليس عنك وليس لك يكون لك وعنك، وحتّى عندما يظنّ الآخرون أنّ الكلام عنهم ولهم يكون لك وعنك. ولهذا بدا الاكتفاء بك في أكثر الأحيان تقوقعًا على الذات ورفضًا لكلّ ما لا يعجبها أي لكلّ ما ليس أنت. بل تملّكتني نزعة اعتبار الآخرين عناصر مخرّبة تهدّد اطمئنان علاقتنا وتعرّض أمانها وسلامها إلى خطر شديد، أو مشاهد مدنّسة تسيء إلى حرمة العلاقة وتشوّه قدسيّتها وسموّها. ثمّ أخذت أنظر إليهم على أنّهم مواضيع جذّابة نتناولها في أحاديثنا ونتسلّى بها.
بيد أنّك تحبّ الآخرين، كلّ هؤلاء الآخرين. ومن أجلك أبقيت عليهم، وسمحت لهم بالإقامة بيننا. وصرت أتعلّم شيئًا فشيئًا كيف أنظر إليهم بعينيك وكيف أنظر إليك بأعينهم، وهذا ما جعلني أعيد اكتشافك مرّة بعد مرّة بعد مرّة. وهكذا عرفت كيف يبهرك بعض الأشخاص من النظرة الأولى قبل أن تكتشف بعد قليل أنّهم ليسوا أهلاً لإعجابك، وكيف تسمح، عن سابق تصوّر وتصميم، لبعض الناس باستغلال عاطفتك، وكيف تمتنع عن إظهار ذكائك رغبة في عدم تنبيه الآخرين إلى غبائهم، وكيف تكتم شعورًا يريد أن يصرخ إعجابًا أو حبًّا أو احتجاجًا أو غضبًا. وهذا ما لم يتح لكثر مراقبته.
***
أمّا التجربة الخطيرة التي تضعني الكتابة عنك في مواجهتها فهي السيطرة. فعندما أكتب عنك لا يبقى شيء على حاله، ولا يبقى الجمال جمالًا ولا القبح قبحًا، ولا يبقى أيّ واحد منّا على ما كانه قبل الشروع في الكتابة، لا بل أن ترغب الفكرة في التجسّد، بل قبل أن تبدأ الفكرة في التفكير في التجسّد. ففي هذه اللحظة الأقصر من اللحظة أشعر بقدرة هائلة على التحكّم فيّ وفيك وفينا وفي كلّ ما جرى بيننا وفي كلّ ما لم يجرِ وفي كلّ ما لم يخطر على بال أحدنا. وتتضاعف هذه السيطرة ككرة الثلج وتتغذّى من نفسها وتصمّ أذنيها عمّا خارجها وتغمض عينيها إلّا على ما في داخلها وتقفل حواسّها أمام ما يمكن أن يقتحمها أو يتسلّل إليها.
***
إنّما حين يزداد اقتناعي بأنّي ممسكة بزمام الأمور وبأنّي أكتب ما لا قدرة لك على نفيه أو تكذيبه أو تصحيحه أو التعليق عليه أو الاستفهام عنه، وفي اللحظة التي أتأكّد فيها من أنّي ربّة هذا المعبد الذي هو الكتابة عنك أكتشف، عند فاصلة ما، عند نقطة ما، أنّي لست إلّا كاهنة صغيرة منذورة لخدمةٍ لم تخترها وستُقدَّم قربانًا على مذبحها.
أليس من العبث أن أحاول مقاومة التجارب وأنا منغمسة في الخطيئة التي أظنّ أحيانًا أنّها أنت؟ وإذا كنتَ أنت خطيئتي الأصليّة فأيّ خطأ سأرتكبه بعد يستحقّ العتاب أو العقاب؟ وكيف يمكن أن تكون في لحظتين متواليتين الشيطان المتلاعب بكلماتي والقدّيس الذي يرشّ النقاط المباركة فوق حروفها؟ وكيف يمكن أن تكون التجربةَ والمجرّبَ والمنقذ في موقف واحد؟
هي الكتابة التي تجعلك كلّ ذلك وأكثر!