الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2014

عن الممثّل الراحل محمود سعيد الذي وجد في الفنّ وطنًا


مع الفنّانة سميرة توفيق




               اتصلت مرّة بالممثّل اللبنانيّ عمّار شلق وقلت له: أراك خير خلف لأبرع سَلَفين: محمود سعيد وعبد المجيد مجذوب... وبتواضعٍ جميل، اعتبر عمّار شلق أنّ ما قلته له يحمّله مسؤوليّة كبيرة، كيف لا وأنا أشير إلى اسمين لا يمكن ألّا يخاف أيّ ممثّل وهو يقارَن بهما.
          عادت إليّ هذه المحادثة اليتيمة عندما عرفت أنّ الممثّل الفلسطينيّ محمود سعيد ترجّل عن حصانه وعانق التراب، تراب لبنان الذي استقبل غربته حين لجأ إليه، وافتخر به حين صار نجم الشاشة اللبنانيّة عهد تلفزيون لبنان، حتّى أنّ كثرًا غاب عنهم أنّه ليس لبنانيّ الأصل، كما هي الحال مع فنّانين ومبدعين آخرين يعودون في جذورهم إلى فلسطين، وتمتدّ أغصانهم في سماء لبنان والعالم العربيّ.
          في البال، محمود سعيد فارس عربيّ، يؤدّي دور العاشق في أفلام ومسلسلات كـ"فارس ونجود" (مع سميرة توفيق -1974)، و"سمرا" (مع سميرة توفيق - 1977) و"عليا وعصام" (مع فدوى عبيد - 1977) و"عروس من دمشق" (مع سميرة توفيق - 1973)، أو الغريب كما في مسلسل "التائه" (مع وفاء طربيه - 1970)، و"قادم من الضباب" (مع سميرة بارودي - 1977) أو المحقّق في "صراع مع الحياة" (مع سميرة بارودي - 1971)... ولكنّه لا يعود إلى ذاكرتي الآن إلّا صوتًا آسرًا، ولفظًا عربيًّا ساحرًا وصحيحًا، وسُمرةً تليق بأدوار تاريخيّة وتلائم صحراء لا تغيب عنها الشمس إلّا لترتاح من وهج رملها...
          غياب محمود سعيد اليوم، في سنة الرحيل هذه، وقبل يومين من آخرها، بدايةُ النهاية، النهايةِ التي يشهد جيلنا عليها، ويؤلمه أنّه لم يستطع أن يؤسّس لما هو أجمل منها... سيكون لمن بعدَنا بالتأكيد شعراؤهم وممثّلوهم وفنّانوهم ومبدعوهم... ولكن بمقاييسَ لا تلائم أذواقنا... فهل هو صراع طبيعيّ بين جيلين؟ بل هو صراع بين نظرتين متناقضتين للحياة والجمال والحقّ والقيم. ومهما حاولنا أن نجد ما يبرّر نشوء أنواع أخرى من الشعر والفنون فلن ننجح في حبس دموعنا ونحن نودّع وجهًا بعد آخر، من زمن سيبقى جميلًا مهما قيل فيه... ويكفي أن ننظر إلى الحاضر لنعرف كم كان الماضي يستحقّ البكاء عليه... كأنّ الوقوف على الأطلال قدر لا خيار...
          صار إحصاء المبدعين الراحلين أجمل من الكتابة النقديّة عن معاصرين حاضرين لا يريدون أن يسمعوا غير هتافات التقدير والإعجاب. أجمل لأنّه يعيدنا كلمة بعد كلمة إلى عوالمهم النقيّة، إلى فردوسنا المفقود معهم، إلى عمر كان فيه الأبيض والأسود أكثر حياة من ألوانٍ لا رائحة لها ولا طعم... وسيبقى مشهد "غريب" (اسم محمود سعيد في مسلسل التائه) وهو يتسلّل ليلًا إلى القصر، والموسيقى التصويريّة ترافقه، راسخًا فيّ إلى أن تتعب الذاكرة.

روابط : 

الفصل الثالث من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004

edward hopper hotel room 1931




نهارات وليل - الفصل الثالث من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" (الصفحات 13-14-15)

1- عندما أدخل في النقاش معك
تأخذني عاصفة الكلمات المحكيّة إلى شواطئ الخطر
عندما أكتب عنك إليك
يبحر بي شراع الحروف الأبيض
نحو جُزرٍ لم يزرها أحد قبلنا.


2- بأيّ يدين أحضن
الحزنَ الذي يصيب صوتك
لحظةَ العَتَب؟

3- الجسدُ الذي إلى جانبي
ليس لي
ولكنّي أحفظُ إيقاعَ تنفّسه
وموعدَ نموّ أظافِرِه
وطولِ شعره
والعطرَ الذائبَ في مسام جلده.
الجسدُ الذي إلى جانبي ليس جسدًا
إنّه الورقة التي أكتب فوق سطورٍها بحبر رغبتي.


4- تشبهُ لقاءاتُنا الصيفيّة شرودَ الغيم
وعندما أصيبتِ الأمسياتُ ببرْدِ الخريف
تناثرَ رمادُ الغيم فوق شوارعِ السهر.


5- أكرهُ المرأةَ التي تقولُ لي:
إنّ الاتّصالَ بالرقمِ المطلوب غير ممكن حاليًّا.
كيف أثقُ بأنّها ليست من مجموعةِ النساء اللواتي يُحطْنَ بك؟


6- شهرزاد: قد لا أنجبُ لك أطفالًا
ولكنّي أستطيع بالتأكيد أن أولّدَ من الحكايةِ حكاياتٍ
تملأ شيخوختك بأحفاد يشبهون
القمر والريح والغيم والسهل.

7- لحظة ينتهي الحديث
ويقرّرُ كلٌّ منّا أن يذهبَ في طريقِه
ننتبه إلى أنّ ثمّةَ موضوعًا لا يحتملُ التأجيل.

8- في عتمةِ الصالة
أكتشفُ أنّ جميعَ أبطال الأفلام
يضعون العطر الذي تضعه.

9- إذا كان واقع المرأة البيولوجيّ
يفرض عليها مزاجيّة غير خاضعة
إلّا لإيقاع الجسد.
فما هو عذر الرجال؟

10- ارتفع سعر البنزين. لم يقل أحدٌ شيئًا.
ارتفعتِ الضرائب على الموادّ الأساسيّة. لم يقلْ أحد شيئًا.
ارتفعت وتيرةُ التعديّات. لم يقلْ أحدٌ شيئًا.
التقينا في مكان عام. ارتفعت الأصواتُ احتجاجًا.

11- كلُّ الأخطاء التي ارتكبتُها.
لها أسماءُ عَلَم.


12- قال لي الضفدع
حين اكتشفَ أنّني أراقبه بحنان:
لا تضيّعي وقتَك ولا تهدري عاطفتَك
فلن أكون أبدًا أميرًا ساحرًا.


13- أعتذرُ من الآخرين الذين أنساهم حين تكون موجودًا.

الأحد، 28 ديسمبر، 2014

الفصل الثاني من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004

اللوحة للفنان اللبنانيّ هراير Hrair


في هذه اللحظة بالذات - (الفصل الثاني من كتابي "لأنّك أحيانا لا تكون" - الصفحات 10-11-12)
***

1- أمر مثير للغضب أن أعرف
أنّ ثمّة قارئًا لا أتّفق معه
يسعى في هذه اللحظة بالذات
إلى تحليل نفسيّتي التي يؤكّد أنّها
مختبئة خلف هذه الحروف...
في الحقيقة: إنّه لأمّر مسلٍّ.

2- أحترم حريّتك
كما يحترم حرف النون النقطة المعلّقة فوقه.
لن أخنقك كي لا أصبح مجرّد وعاء فارغ.

3- شرط:
إن كان الحقّ معي تدعوني إلى لقاء
إن كان الحقّ معك أدعوك إلى لقاء
أين الخسارة في ذلك؟


4- وافقت مريم على أن تصبح أمًّا
هل سئلت إن كانت تريد أن تكون ثكلى؟

5- الذي:
اسم موصول... بالخيبة
ولذلك فكلّ ما بعده لا محلّ له.


6- في ساعة متأخّرة من الليل
ينام الرجل الذي لم يعرف العشق بعد
مطمئنًّا إلى أنّ ثمّة امرأة تعشقه
لأنّه شمس حياتها...
في هذه اللحظة بالذات
تستيقظ المرأة العاشقة مضطربة
وتصلّي كي تشرق الشمس
لتقول للرجل الذي لا يحبّها
كم تحبّه...

7- لا أريد أن تبحث لي عن ساعة جميلة
أتمنّى أن تجد الوقت لكي نلتقي
.

8- قالت لي العرّافة: ستدفنين زوجًا وسيدفنك زوج.
نشرت النبوءة نكاية بكلّ اللواتي يقبعن في الانتظار.
خاف الرجل الأوّل، وخاب أمل الرجل الثاني
وانضممت أنا إلى لائحة المنتظرات.

9- لا أعرف ماذا يفعل الناس عند
الرابعة والنصف إلّا خمس دقائق.
أمّا أنا فأكتشف كلّ يوم
كيف لا يضجر الأطفال من انتظار العيد.

10- المثنّى:
إمّا أن يكون كلّ منّا وحده
وإمّا أن يحضر الآخرون كلّهم.
أين الضمير الذي يعبّر عنّي وعنك فقط؟

11- البيوت الخالية كثيرة
والحبّ مشرّد على الطرقات.


12- أحبّ أن نكون صديقين عجوزين...


13- أجمعُ علب الكبريت من المطاعم التي نزورها
قد تكون عيدانها وسيلتي الأخيرة
لأبقي ما بيننا مشتعلًا...




السبت، 27 ديسمبر، 2014

الفصل الأوّل من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004





لأنّك أحيانًا لا تكون (الفصل الأوّل - الصفحات 7-8- 9)

1- لا يستطيع العابر أن يلتزم.


2- كعامل البلديّة، تسقي أزهار الأرصفة،
وتمضي متمّمًا واجبك.
لا كصاحب الحديقة عاشق الزهرات
والمعنيّ بعشب الأرض وعطش التراب.

3- "تشجّعي!"
وترحل مطمئنًّا إلى مفعول الكلمات
على شريط تسجيل يغني عن وجودك.


4- تخاف أن تكون مسؤولًا عن فرح الآخرين،
تخشى أن تكون مسؤولًا عن حزن الآخرين.
ولكنّك لا تفعل إلّا ذلك.

5- أنتِ مريضة، سأتركك لترتاحي!
أنتِ متعبة، سأتركك لتستعيدي نشاطك!
أنتِ غاضبة سأتركك لتهدأي!
أنت حزينة، سأتركك لتتخطّي الأزمة!
أنت مشغولة، سأتركك لتنهي عملك!
يبدو أنّه لا يفعل سوى تركي!


6- تحت العواصف والمطر
لا تخجل حبال الغسيل من البكاء
ولا الواجهات الزجاجيّة
ولا أغصان الشجر
ولا عواميد الكهرباء
أمّا أنت فكأولاد الملوك
منذور للجفاف.

7- يعود الإعجاب بك
جديدًا كلّ مرّة
كأنّك كلّ مرّة
رجل جديد.

8- تأخذ حبّة المهدّئ وتذهب إلى العمل،
تبتلع حبّة أخرى وتذهل للقاء صديق،
تتناول نوعًا آخر وتذهب لعيادة مريض.
بين العصب والغضب نقطتان تشبهان الدمعتين.

9- تحيطك الكتابة بعشرات المعجبين
ولكنّها تبعد عنك أصدقاءك المعدودين.


10- قلت لك: أحبّك، فحيّيت صراحة المرأة.
تحدّيت الناس إكرامًا لك، فأثارك جنوني.
كتبتك قصائد وأغاني، فتوّجتني أميرة الشعر.
وعندما أشرت إلى الرتابة المتسلّلة إلى علاقتنا
صرخت بي قائلًا: كم أنت متطلّبة!

11- من بشاعات العالم:
الثلج الملوّث بوطء الأقدام،
الأحمر الوقح على شفتَي متصابية،
الرجل البخيل حين يتحدّث عن الاقتصاد.


12- لا يريد الجبل من البحر أن يصير مثله،
يريد منه أن يسمح لثلوجه بالذوبان في قلبه.
ولا يريد البحر من الجبل أن يصير مثله،
يريد منه أن يسمح له بغسل رجليه.



13- أصلّي كي لا تصدّقَ عندما أقول لك:
لا بأس. تستطيع أن تذهب.

عن أيّ موارنة نتحدّث؟


(2011)
مع انتخاب بطريرك غير ملتحٍ ليكون سيّدًا لبكركي، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الطائفة المارونيّة التي أتى راعيها وجهًا إعلاميًّا مألوفًا، لا يؤمن بالصمت والعمل خلف الكواليس، بل على العكس، اصطحب معه إلى الصرح الأب فادي تابت الخبير في الإطلالات اللافتة، وهو وجه فنيّ تحبّه عامّة الموارنة ولا يزعجها منه أن يكون راهبًا اختار، لا العزلة والنسك، بل الصلاة على طريقته المسرحيّة والغنائيّة الخاصّة. وحين ظهر البطريرك بشارة الراعي في ولاية تكساس معتمرًا قبعة رعاة البقر، ترسّخت أكثر فأكثر صورة "البطرك" المختلف غير المتخلّف عن ركب الحداثة وعصر الإعلام وتأثير الصورة في لاوعي "القطيع الصغير" وهو تعبير يحبّ الموارنة أن يُنعتوا به.
لذلك من المهم أن يُعاد النظر في تكوين المجتمع المارونيّ، ورصد التغيّرات التي لم تبقه ذلك القطيع الصغير الهارب بين الأودية والجبال هربًا من الاضطهاد. ولا يخفى أنّ الأمر يتطلّب جرأة في الإجابة عن السؤال الأهمّ: عن أيّ موارنة نتحدّث؟ وهل استطاع المجمع المارونيّ الأخير أن يضع الخطوط العريضة (على الأقلّ) لما صار عليه الموارنة؟ وهل يكفي استذكار التاريخ المجيد لنطمئنّ إلى المستقبل القريب؟

الحرب اللبنانيّة الطويلة، التهجير والهجرة، ثورة الاتّصالات، سرعة المواصلات، كلّها مجتمعة نقلت الموارنة من عهد يغلب عليه طابع الجبل والزراعة إلى طابع مدينيّ لا علاقة له بالأرض، بل صار "التغريب" وأقصد به التطلّع نحو الغرب حلاًّ مثاليًّا لهؤلاء الذين اعتبروا، عن خطأ أو عن صواب، أنّ الشرق يبتلعهم وأنّ العرب يرفضونهم، وأنّ الإسلام يريدهم أهل ذمّة. ولكنّ التغريب لم يزد الموارنة إلاّ تشتّتًا وضياعًا لأنّه لم يتّكئ إلّا على مظاهر خارجيّة سطحيّة وسخيفة، لم تطل الجوهر. وها هي الثورات العربيّة تكشف تمسّك العرب المهاجرين إلى الغرب بهويّتهم ولغتهم (على اختلاف هويّاتهم الدينيّة والحضاريّة) في حين لا يعرف الموارنة من هم وماذا يريدون.

كيف تبدو صورة الموارنة اليوم؟ بعدما كانوا إلى الأمس القريب علماء وشعراء وقدّيسين، يبدو الشعب المارونيّ الآن موزّعًا بين العمل قطاعات الخدمات (مصارف، سياحة، مطاعم، فنادق، نقليّات، تخليص معاملات...)، أو العمل في المجال الفنيّ الترفيهيّ الذي لا يتطلّب دراسة أو تعبًا أو وقتًا. ما يعني أنّ المارونيّ الذي كان مزارعًا، يستقرّ في الأرض ويرتبط بها، ويعطيها بصبر ومحبّة لتعطيه بسخاء ومحبّة، صار لجوجًا يريد الربح السريع مهما كان نوع العمل. كلّ هذا والكنيسة المارونيّة، بكهنتها ورهبانها وراهباتها وعلمانيّيها، تمضي إلى أواخر عهدها الذهبيّ، واثقة الخطوة ملكة ستبكي قريبًا على مجد أُعطي لها فبدّدته.
لم يرغب أحد في رؤية علامات الأزمنة، ورفض الجميع الاعتراف بارتدادات الهزّة الكبيرة التي أصابت الموارنة يوم دخلوا كطائفة في السياسة وأزمات المنطقة وهم غير مسلّحين بوحدتهم أو فكرهم أو تاريخهم أو إيمانهم. وهذا الغباء المقرون بالكبرياء كان الضربة التي قضت على إمكان خلاصهم وتخليص سواهم، لا المسيحيّين من مذاهب أخرى فحسب بل كلّ راغب في الحريّة والديمقراطيّة والعلمنة. ولم ينتبه أحد إلى انخفاض عدد المتفوّقين في المدارس، أو عدد الناجحين في الجامعات الأجنبيّة، أو عدد المنتسبين إلى وظائف حكوميّة تجعل الموارنة جزءًا أصيلاً من تركيبة الدولة لا عنصرًا غريبًا مفروضًا لحفظ توازنات معيّنة. ولم يحصِ أحد في المقابل عدد البرامج التلفزيونيّة السخيفة والمهينة التي تعرضها شاشات مسيحيّة ومارونيّة، أو عدد المتقدّمين إلى برامج النكات والألعاب أو عدد المتسكّعين في النوادي الليليّة، أو عدد هواة الفنّ الرخيص، وما إلى ذلك من مؤشّرات تفضح التغيّرات التي تصيب هذه الطائفة التي كانت تفتخر حين يُشبّه العلماء في العالم بهم، فإذا بهم اليوم مسخرة الشعوب بسبب انقساماتهم وضياعهم وجبنهم.
لا مانع في أن تحدّد الكنيسة المارونيّة رغبتها في هذه "الحداثة"، لكن عليها أن تعلن ذلك بالفم الملآن، وعلى مسمع الجميع وأن تعترف بأنّ المارونيّة الجديدة لا علاقة لها بالنسك أو الصومعة أو الدير، هي مارونيّة حديثة ولها مواصفات تختلف عمّا كانت عليه إلى زمن قريب.
***
حين عُرض مسلسل "الشحرورة" اكتشف المتابعون أنّ جدّها كان كاهنًا. وسمعت كثيرين يتساءلون في ريبة عن مآل الأمور في عائلة ربُّها ووليّ أمرها كاهن، فكيف يكون والد صباح على هذه القسوة وكيف يكون لوالدتها عشيق وكيف ترحل حفيدة خوري الضيعة حلف حلمها الفنيّ لتعود بعدد من الأزواج لم يحمل لها أحد منهم بعض سعادة؟ وأيّ دور للكنيسة ولهذا الجدّ الكاهن في توجيه هذه العائلة وتصويب مسارها ومسيرتها؟ سؤال يصحّ طرحه على الكنيسة المارونيّة في كلّ مناسبة.
الممثّلة............. ابنة كاهن.
الممثّلة ........... شقيقة راهبين.
المغنّي .............. شقيقه كاهن.
المغنّي ............. شقيقه راهب.
المغنّي ........... صار راهبًا.
تاجر المخدّرات..............شقيقه كاهن
ضحيّة جرعة زائدة .................أبوه كاهن
مدمن كحول......................أبوه كاهن
راقصة ومغنيّة في ملهى ليلي...............أبوها كاهن
من جهتي أفضّل بما لا يقاس مغنيًّا بسيطًا على كاهن كاذب، أو ممثّلة عاديّة على كاهن مغرور. وأفضّل قطعًا أن يعيش الكاهن وأهل بيته كما يحلو لهم ولكن...ليس على حسابي.
لا أعطي هذه الأمثلة للإدانة، فمن حقّ كل إنسان أن يختار رسالته في الحياة والطريقة التي يجد أنّه يخدم الله (إن كان مؤمنًا بالله) والمجتمع (إن كان ذا حسّ اجتماعيّ)، ولكن من حقّي أن أتساءل عن الخلل الذي سبّب هذا الشرخ العموديّ ولا أقول الأفقي كي لا تبدو في الكلام مفاضلة بين رسالة الكهنوت وأيّة رسالة أخرى. والتساؤل مشروع حين نحسب نسبة تزاوج الفنّ والدين، أو تزواج السياسة والدين، أو تزاوج الحزب والدين، في طائفة صارت قليلة العدد، وذلك في غياب، أو على الأقلّ انخفاض النسبة في تزاوج العلم والدين، أو الفلسفة والدين، أو الفنّ الراقي والدين...أعطي هذه الأمثلة إذًا لأسأل إن كان المجتمع المارونيّ قد استوعب التغيّرات التي طرأت عليه وهضمها كي تتكوّن شخصيّته الجديدة التي لا تطرح تساؤلات عمّا إذا كان الكاهن يوافق على تمثيل أخته أو ابنته أدوارًا عاطفيّة حميمة، أو إن يرضى بنشر صور أمّه وزوجته وبناته وصديقات أولاده في أوضاع قد لا تتناسب مع صورته كرجل دين ذي جبّة وياقة وصليب. فنحن في النهاية لسنا في أوروبا أو أميركا.
ليس خطأ أن يختار أولاد الكهنة أو أخوتهم أو هم أنفسهم الغناء أو التمثيل، لكن لماذا لم نسمع بالذين اختاروا فنّ الرسم أو العزف أو الشعر؟ ولماذا لم نعرف بأمر متفوّق منهم في العلوم التطبيقيّة؟ الجواب البسيط هو الأضواء والشهرة والكسب السريع.
حتّى الشهرة والربح الماديّ ليسا خطيئة، ولكن تحت أيّ عنوان نضع صور زوجات الكهنة وبناتهم في لباس البحر وهي منشورة على صفحات التواصل الاجتماعيّ المتاحة للجميع؟ وما هي الرسالة التي يحملها البذخ في ممارسة الرياضة المكلفة واختيار الملابس الأنيقة وعمليّات التجميل وارتياد أرقى الجامعات، أمام مجتمع ترتفع فيه نسبة الفقر والعوز؟ وكيف نفهم أن يؤمّن كاهن كلّ ذلك لعائلته وهو يتعالى عن قبول حسنات أبناء الرعيّة وبدل أتعابه في القداديس؟ ألم يسأله أحد من أين لك هذا؟
هل يكفي ذلك أم نفتح صفحة المغتصبين والمعتدين والسارقين ومجرمي الحرب الذين خلعوا ثوب القتال وارتدوا ثوب الكهنوت ليهربوا من العدالة أو سجّل المرشّحين لمراكز أسقفيّة ولا يزال التحقيق جاريًا في شؤونهم؟