الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 21 أغسطس، 2009

مستر داروين، لماذا لم يكن جدّي غزالاً؟



في مثل هذا الشهر (12 شباط) ولد منذ مئتي عام تشارلز داروين. وبعد سنوات من الدراسة والمراقبة والتحليل أعلن المستر داروين أنّ جدّنا الأوّل كان قردًا، وهكذا صار عندنا نظريّة علميّة اسمها نظرية التطوّر والارتقاء والانتخاب الطبيعيّ. وبغضّ النظر عن الحقيقة العلميّة وتعارضها مع الدين أو تكاملها معه، لا أستطيع سوى أن أسأل مستر داروين: أما كان في استطاعتك أن تعبث بنتائج أبحاثك قليلاً وتجعل أجدادي يتحدّرون من سلالة الغزلان لا القرود؟ صحيح أنّ القرد في عين أمّه غزال، غير أنّ لجان التحكيم العالميّة لا تقبل بهذه العواطف، وتحتاج إلى حقائق علميّة مثبتة. ولو أعلنت يا مستر داروين انتماءنا إلى الغزلان لكان الإنسان ارتاح، والقرد كذلك، وهنا بيت القصيد.
منذ أيّام وصحيفة نيويورك بوست تعتذر من قرّائها لأنّها شبّهت الرئيس الأميركيّ باراك أوباما بالشمبانزي وذلك في رسم كاريكاتوريّ يسخر من خطّته الاقتصاديّة. وإذا كان اختيار القرد في ردّ الصحيفة لا يهدف إلى تمييز عنصريّ، فإنّ الناس ربطوه باللون الأسود وإفريقيا، وبالتالي رفضوه واعترضوا عليه. ولو كان المشبّه به غزالاً أو عصفورًا أو أسدًا أو فيلاً، هل كان المعترضون اعترضوا؟
تجعلنا هذه المواضيع على تماس مع مفهوم الجمال وكيف زرعت في وجداننا طبقيّة معيّنة يتوزّع عليها الناس والحيوانات والنباتات وسائر موجودات هذا الكون. وإذا كان من الملحّ أن تعتاد عيوننا الجمال وترقى ذائقتنا إلى مستوى اكتشافه وتقديره فلا بدّ كذلك من أن نسمح لأنفسنا بهامش من التساؤل يجعلنا ننظر إلى من وما حولنا في طريقة واعية، بعدما كنّا خاضعين لمقاييس جمال مفروضة علينا فرضًا، وتتغيّر طبعًا للعصور والمجتمعات. فإذا كان النحول الشديد مطلوبًا اليوم، فلقد كان امتلاء الجسم لا بل ميله إلى البدانة من شروط الجمال والإغراء عند العرب وكذلك في عصر النهضة الأوروبيّ كما يبدو من خلال آثار تلك المرحلة. وينسحب ذلك على ألوان البشرة والشعر والعينين وشكل الأنف، وصولاً إلى كلّ ما يحيط بنا.
لا أستطيع في إطار هذا الموضوع أن أمنع نفسي عن التساؤل إن كانت نظرة الناس إلى السيّد المسيح ستختلف لو صوّرته الأيقونات والأفلام قصير القامة، ممتلئ الجسم، أسمر البشرة، وهل كانت السيّدة العذراء ستكون أقلّ حنانًا لو كانت تشبه أمّ أيّ واحد منّا: ممتلئة الخصر، عريضة المنكبين، سوداء الشعر والعينين، سمراء ككلّ بنات هذا الشرق ونسائه. لا شكّ أنّ كثيرين سيجدون صعوبة في التخلّص من موروثات طبعتها في ذاكرتنا تراكمات أكثر من ألفي سنة جعلت السيّد المسيح وأمّه العذراء لا يشبهان أبناء هذه المنطقة، كأنّ ذلك سيغيّر في طبيعة رسالتهما ويشوّه دورهما. قد يقول البعض إنّ المقصود هو جعل الجمال الداخليّ يفيض على الشكل الخارجيّ ولذلك تأتي صور القدّيسين والقدّيسات على هذا الشكل من الجمال الروحيّ. ولكن هل يعني ذلك أنّ الجمال الداخليّ لن يفيض إلاّ بأسلوب بعض الرسّامين وتبعًا لبعض المدارس الفنيّة ومحصورًا في عرق دون غيره؟
يعيدنا ذلك إلى المستر داروين الذي "اختار" حيوانًا ظريفًا غير أنّه بالتأكيد لا يملك ملامح الجمال التي اعتدنا عليها أو كما علّمونا أن نراها، لذلك، ربّما، رفض الناس نظريّته ووجد فيها كثيرون مادة للسخرية والإهانة: إهانة للناس الذين حرموا من مسحة الجمال، وإهانة للقرد حين اعتبروه رمزًا لدونيّة الطبيعة وقبح مخلوقاتها. لقد ظلم مستر داروين هذا الحيوان حين جعله وحده الأصل الوحيد لهذا الإنسان الذي يبدو أحيانًا وبحسب الصفات التي حفرت في لاوعينا ولم نعرضها على المنطق والعقل: حكيمًا كالحيّة، أو وديعًا كالحمامة، أو شجاعًا كالأسد، أو سريعًا كالغزال، أو محتالاً كابن آوى، أو صاحب ذاكرة كالفيل، أو غبيًّا كالحمار، أو حرًّا كالطائر، أو لئيمًا كالتمساح، أو رقيقًا كالفراشة، أو أصيلاً كالحصان، أو ذا نظر ثاقب كالصقر...في حين أنّ المطلوب منه أن يسمو بإنسانيّته لعلّه يلامس الرحمة الإلهيّة.
* صحيفة البلاد البحرينيّة - 21 شباط 2009

ليست هناك تعليقات: