الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 24 أغسطس، 2009

ألف نسخة من كتاب في ألف سنة



منذ نحو أسبوعين صدرت في باريس الترجمة الفرنسيّة لرواية الكاتب الأمريكيّ بول أوستر الجديدة "وحيدًا في العتمة". ومع نهاية الأسبوعين كانت النسخ كلّها قد نفدت، وتعمل دار "آكت سود" التي نشرت الرواية المترجمة على إصدار نسخة جديدة. أمّا الخبر الأهمّ في هذا الموضوع فهو أنّ عدد النسخ التي نفدت هو 80 ألف نسخة!
لا أعرف كم بلغ عدد النسخ التي بيعت في الولايات المتحدّة من الكتاب نفسه، وفي الحقيقة، لا أرغب في معرفة ذلك، على الرغم من أنّ الأمر لا يكلّف أكثر من كبسة زر على لوحة مفاتيح "اللابتوب"، ولكن يكفي أن أتذكّر أنّ من يطبع ألف نسخة من كتابه في لبنان سينتظر ألف سنة من الجهل قبل أن تنفد كتبه من السوق، وعندها سيعذرني القارئ إن لم أرغب في معرفة كم باع السيّد أوستر من روايته الجديدة في بلاده قبل أن تصل أصداؤها إلى فرنسا حيث تهافت الناس على شرائها.
"لنعدْ إلى الأرقام. يقول «التقرير العربيّ الأولُ للتنمية الثقافيّة لعام 2007» (صدر عن مؤسّسة الفكر العربيّ) إنّ 27،8% من العرب لا يقرأون ولا يكتبون، وإنّ الأمّيّة الثقافيّة (وهي في خطورة الأمّيّة الأولى) إلى ازدياد بسبب انحسار القراءة والمتابعة العلميّة. ويذْكر التقرير أنّ 27 ألف كتاب فقط صدر في الوطن العربيّ عام 2007، أي ما يعادل كتاباً لكلّ 12 ألف مواطن عربيّ، وهي نسبة مريعة إنْ علِمْنا أنّ النسبة في إنكلترا هي كتاب لكلّ 500 مواطن، وأنّها في إسبانيا كتاب لكلّ 700 مواطن. وإذا كان معدّلُ طبع أيّ كتاب عربيّ هو 3000 نسخة، وكان عددُ العرب 332 مليوناً، فذلك يعني أنّ هناك نسخةً واحدةً فقط لكلّ 110 آلاف عربيّ، أيْ إنّ النسبة، ويا للكارثة، هي 0،0009%."
هذه الأرقام وردت حرفيًّا في كلمة للدكتور سماح ادريس رئيس تحرير مجلّة الآداب ألقاها في ندوة «المجلات الثقافيّة في الوطن العربيّ» على هامش معرض الكتاب العربيّ في الدار البيضاء في المغرب، ونشرت في صحيفة "الأخبار" البيروتيّة، وعنوانها "معوّقات المجلّة الثقافيّة العربيّة المستقلّة". والأرقام المخيفة التي نقلها صاحب دار نشر عربيّة عريقة عن تقرير عربيّ - أي لا صهيونيّة فيه ولا أمبرياليّة ولا استعمار – يجب أن تجعلنا في مواجهة مع أنفسنا كقرّاء وككتّاب وخصوصًا أنّنا في بيروت نحتفل هذه السنة بالكتاب وفي القدس بالثقافة.
يقول بعض الدارسين في معرض الردّ على هذه الأرقام إنّ العرب يقرأون ولكنّهم لا يشترون الكتب بل يتبادلونها بحيث أنّ كتابًا واحدًا يتنقّل من يد إلى يد وبالتالي قد يقرّأه عشرات الأشخاص، أي، يضيف هؤلاء المدافعون عن صورتنا العربيّة الثقافيّة، إنّ هذه الأرقام غير معبّرة ونحن شعب يهوى المطالعة ولا يترك الكتاب من يده. لا أعرف إلى أيّ حد يقتنع هؤلاء بصحّة دفاعهم، وإذا كان هذا التبرير صحيحًا في القرى النائية، أو كان يصحّ حين كانت المواصلات صعبة ووسائل الاتصالات غير موجودة، فلا أدري إن كان يصحّ اليوم في عصر المكتبات والإنترنت وانخفاض سعر الكتاب مقارنة مع أسعار باقي الكماليّات والضروريّات. ولكي نفهم بالمقارنة عدم الدقّة في الحديث عن عجز العرب عن شراء الكتب فيستعيرونها، يكفي أن نتذكّر أنّ اللبنانيّين مثلاً يستوردون أكثر من 500 طن من الشوكولا سنويًّا، وأنّ معدّل ما تصرفه عائلة مكوّنة من أربعة أشخاص أسبوعيًّا يتراوح بين دولار وثلاثة دولارات (يمكن شراء كتاب بهذا السعر)، وأنّ بعض أصناف الشوكولا يصل سعر الكيلوغرام منها إلى مئة دولار، وأنّ شركة لبنانيّة واحدة تصدّر إلى الدول العربيّة ما يقدّر بـ2500 طن من الشوكولا الصناعيّ. هذا فضلاً عن أنّنا نحصر هدايانا بالمجوهرات والملابس والعطور والأزهار وعلب الحلويات ونادرًا جدًّا ما يفكّر أحدنا في تقديم كتاب هديّة. ومع ذلك ما زلنا نجد في السيرة الذاتيّة لمن يتقدّم للعمل كلمة المطالعة في خانة الهوايات.
وأكثر ما يؤسف له أن ينظر الناس إلى من يطالع بشغف نظرات سخرية واستخفاف، وخصوصًا بين تلاميذ المدارس وطلاّب الجامعات، إذ يُعامل هؤلاء "المثقّفون" معاملة قاسية ويُنبذون وتطلق عليهم تسميات جارحة تجعلهم أمام خيارين إمّا المطالعة سرًّا كأنّهم يرتكبون خطيئة وإمّا القبول بالانعزال مع ما يفرضه ذلك من توتّر نفسيّ غير مسموح به في مثل هذه الأعمار. وقد واجهت خلال عملي التربويّ الكثير من هذه الحالات في شكليها المتطرّفَين، ولكن مع الوقت انحسرت موجة المطالعة تدريجيًّا ولم يعد أحد من التلاميذ يرغب في أن يكون "خارج العصر"، أو من الـ"neards" بحسب اللقب السائد حاليًّا بين المراهقين ويطلقه الكسالى على المجتهدين للحطّ من شأنهم وإذلالهم، ما يدفع هؤلاء المرذولين إلى الكذب على زملائهم وادّعاء الكسل والتظاهر بعدم الجديّة وإهمال الواجبات المدرسيّة كي لا يصاب الواحد منهم بلعنة الاضطهاد ويبقى "وحيدًا في العتمة" بحسب عنوان رواية بول أوستر.
* صحيفة البلاد البحرينيّة - الأربعاء 11 آذار 2009

هناك تعليق واحد:

جمال السيد يقول...

نظرة السخرية لمن يطالع بشغف ويجتهد حقيقة مبكية بعيشها مع طلابي في الجامعة.. شيء بيؤلم كثير... عافاك يا مي