الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 17 أغسطس، 2009

محتلّ عقليًّا



احتّلت شياطين الليل عقله، وضجيج النهار أتلف أعصابه فصار في عُرف اللغة "مختّلاً عقليًّا"، بعدما قفزت النقطة واستقرّت فوق حاء حياته.
حين أطلق النار على العمال في الورشة المجاورة لمنزله العتيق لم يكن يرى إنسانًا أو اثنين أو ثلاثة، كان يرى جرّافة وجبّالة باطون وأعمدة ترتفع على أشلاء الأشجار.
حين حمل مسدّسًا وخرج ثائرًا لم يكن يريد أن يقتل آباء تنتظرهم عائلاتهم في شوق ولهفة، كان يريد أن يقتل صوت المطرقة وهي تنزل على المسمار في إيقاع رتيب: طاق، طاق، طاق... "إخرسي يا بومة تقرع صدري".
كان يريد أن يعود الصمت الذي كان قبلهم، أن تعود السكينة التي كانت قبل أن يكتسحوا الحيّ ويقتلعوا الأشجار ويحفروا الأرض ويرفعوا الجدران، أن ينام في هدوء بعيدًا عن ثرثرة العمّال الذين ينامون في الورشة، وشجارهم حول مواضيع تافهة، والأغاني السخيفة التي يبثّها ترانزيستور قديم مشوّش الصوت والإيقاع.
قتلهم ولم يرتح من الضجيج فقتل نفسه ليهرب من أزيز الرصاص والصراخ والعويل.
من أين تأتي كلّ هذه الأصوات؟ في الليل أصوات غريبة من مختلف الإذاعات والمحطّات التلفزيونيّة تتشابك فوق رأسه وهي تقفز من منزل إلى منزل ومن شرفة إلى شرفة ومن نافذة إلى نافذة، وأحاديث الساهرين على شرفات الصيف (كم يكره الصيف!) وأصوات الغناء من المطعم المقابل، وأبواق السيّارات وأزيز الفرامل على الإسفلت المحدودب لألف سبب وسبب. وفي النهار، بائعون متجوّلون، شجار الجارات والأولاد، أصوات مقدّمات البرامج الصباحيّة، هدير السيّارات وشتائم العمّال في الورش المنتشرة كحساسيّة جلديّة أثارتها الشمس الحادّة.
ما كلّ هذا الضجيج؟ ومن أين للناس هذه الطاقة على الكلام والكلام والكلام كأن لا شيء آخر يفعلونه في هذه الحياة. والكلام يحفر كلومًا عميقة في روحه، فيصرخ من الألم ويركض إلى الخارج ليسكت الجميع ويعيد الهدوء إلى الحيّ الذي ولد فيه يوم كان فيه بساتين وعيون مياه ودروب ترابيّة.
هو لم يكن يريد القتل، بل الصمت التام كي يستطيع أن ينام وما ذنبه إذا كان الناس لا يسكتون؟ هو لم ير وجوه ضحاياه ولم يعرف أسماءهم ولم يعرف شيئًا عن حياة كلّ واحد منهم، ولا عدد الأولاد الذين ينتظرون رجوعهم إلى البيت، ولا ثأر شخصيًّا بينه وبينهم، ولكنّ عقله المحتّل لا يتركه يرتاح ولا يدعه ينام، فكان عليه أن يفعل شيئًا ما لتكفّ الأرض عن الدوران والحياة عن التوالد والحركة عن الحركة.
لم يفكّر في ورشة الإعمار، ولم يتذكّر أغنية وديع الصافي: عمّر يا معمّر العمار، ولم يخطر على باله مستقبل البلد، ولا رغبة الناس في العمل لتأمين حاجات عائلاتهم، ولم يعنه أنّ الناس ينظرون إليه على أنّه غريب الأطوار لا يحبّ الكلام مع أحد، أو أنّ الأولاد يسخرون منه حين يسكتهم وهم يلعبون في الشارع أو في مواقف السيّارات، فكلّ ما يرغب فيه هو يوم من الهدوء والسكينة ليستطيع أن يحرّر عقله من المحتّلين الغاصبين بدءًا من أهل البيت والجيران وصولاً إلى رجال السياسة ونسائها ومقدّمي البرامج ومقدّماتها والمغنّين والمغنّيات.
أيّها الجلاّد والضحيّة، كلّنا محتّلون عقليًّا، كلّنا "مطووشون" من الضجيج، كلّنا مشاريع جلاّدين وضحايا في الوقت نفسه. فليحذر كلّ واحد منّا من الآخر!
***
صحيفة البلاد - 26 تشرين الثاني 2008

ليست هناك تعليقات: