من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 28 مايو، 2017

الملكيّة الفكريّة وقراصنة الإنترنت (2009)




Dima Dmitriev


قبل عصر الإنترنت، سرت تساؤلات عن أعمال عدد كبير من المبدعين في مختلف المجالات الفنيّة والأدبيّة، وكان السؤال الذي يتكرّر يشبه هذه الأسئلة: من أين أتى جبران خليل جبران بأفكاره؟ ومن كتب له كتاب "النبيّ"؟ وهل أخذ ميخائيل نعيمة بعض قصصه القصيرة من الأدب الروسيّ الذي لم يكن يعرف أحد عنه شيئًا مهمًا في تلك المرحلة؟ ومن يقف وراء ثورة طه حسين؟ ومن أين استعار محمد عبد الوهاب بعض جمله الموسيقيّة؟ والأخوان رحبانيّ؟ هل هما وحدهما اللذان يقفان خلف هذه الكتابات الشعريّة الرائعة وخصوصًا في اللغة الفصحى أم هناك من مدّ لهما قلم المساعدة؟ وسوى ذلك من الأسئلة التي كنت أقرأ عنها في مراهقتي في المجلاّت الأدبيّة وكانت تثير جدالاً واسعًا لأنّ الاتّهامات كانت تنصبّ على طارحي هذه الأسئلة معتبرة إيّاهم متواطئين مع العدو – الإسرائيليّ طبعًا - بهدف تحطيم أعمدة الفكر والثقافة والفنّ في بلادنا.
وفي مرحلة لاحقة بدأ الحديث عن التأثّر بالموسيقى الأرمنيّة والتركيّة والهنديّة وسواها من الأنواع الموسيقيّة التي لا تعرف شعوبنا العربيّة الكثير عن أغنياتها وقصائدها، فضلاً عن الشعر والرواية والأفلام والمسرحيات...
اليوم في الإمكان التأثّر بالكثير ممّا نسمعه ونقرأه وغالبًا ما ننسى (أو نتناسى) أنّنا سمعناه أو قرأناه، وكيف حصل ذلك ومتى وأين. ولذلك نحيل الأمر تلقائيًا إلى توارد الأفكار، وإلى أنّه لا جديد تحت الشمس، و"يخلق من الشبه أربعين" حتى في الفكرة الشعريّة أو الروائيّة أو الموسيقيّة.
كلّ ذلك مسموح ومنطقيّ! ففي زحمة وسائل الاتّصال وانفتاح المجال أمام أيّ واحد منّا كي يعرف ماذا يجري في أيّ بقعة من العالم، وكي يقرأ ما كتبه مراهق على "الحائط" الخاصّ بصديقته في ما يسمّى الـ facebook ، بات من السهل أن تستوحي فكرة رواية أو قصيدة أو مقالة ولن تشعر بالذنب فالأفكار صارت مرميّة على قارعة الإنترنت والشاطر من يحسن التقاطها وتحويلها عملاً أدبيًّا.
ولكن القرصنة شيء آخر مختلف تمامًا. ونحن كمستمعين وقرّاء لسنا أغبياء إلى الدرجة التي يظنّها المبدعون، على الأقلّ ليس كلّنا. فمن السهل أن تعرف أنّ كتاب الشعر الذي أصدرته فلانة (أجد أنّ كلمة ديوان لا تناسب واقع الحال) مسروق حرفيًّا من كتاب صدر باللغة الفرنسيّة ولم يلق ترحيبًا في بلاده حتّى وقع صدفة بين يدي صديقتنا الرحّالة. وأنّ الفيلم الذي حصد جوائز عالميّة مستوحى تمامًا من فيلم أجنبيّ آخر، وأنّ الرواية التي كتبها فلان مأخوذة بلا تعديل في حبكتها من مقالة لكاتبة في إحدى الصحف العربيّة، وأنّ الشعار الذي تبنّته إحدى المحطّات التلفزيونيّة هو نفسه الذي وضعته مسؤولة في إحدى المدارس على صفحة الإنترنت الخاصّة بها، وأنّ الأسئلة التي طرحها مقدّم البرنامج الصباحيّ كتبتها صحافيّة معروفة في صباح اليوم نفسه في صحيفة هي الأولى في بلادها.
كيف يمكن للمبدع إذًا أن يضع حدًّا للسرقات التي يتعرّض لها من زملائه، في وقت تسرق فيه دور النشر حقوقه كمؤلّف، وقراصنة التسجيل حقوقه كملحّن أو شاعر أو مطرب؟ والدولة في كلّ ذلك في خبر كان، والنقابات في خبر لعلّ وليت...
لا جواب طبعًا! فكما اعتدنا على تناول الطعام من صحن واحد، وأن نتقاسم الحلو والمرّ، وأن يدخل الواحد منّا إلى منزل الآخر من دون موعد أو استئذان، وأن يستعير الواحد امرأة صديقه لأنّ المثل يقول: الصديق عند الضيق، وأنّ ما لي هو لك و"الحال من بعضه"، و"نحنا واحد"، و"نحنا لبعض"، وشو أنا وشو إنت"، و"الجيبة واحدة"، فمن السهل أن تكون أفكارك ملكًا مشروعًا لي، وأن تكون حقوقك من نصيبي، ومن "العبّ للجيبة" يا رجل، و"مش قاسمين".
اعتدنا في عالمنا المعاصر استباحة كلّ شيء: الأرض والعِرض وكلّ ما له علاقة بهما، ولا أعرف فعلاً ماذا فعلت المدنيّة والحضارة الحديثة في حماية الإنسان من شريعة الغاب أو الصحراء أو البحر حيث القويّ يأكل حقوق الضعيف. القويّ؟ ليس الموضوع موضوع قوّة ولكنّه حبّ البقاء: إن في السباق على الماء والكلأ أو على الشهرة والمال، أو على السلطة والجاه.
في زمن ما بعد العولمة حيث الحدود مشرّعة، والأبواب مشرّعة والثياب مشرّعة، خبّئوا أفكاركم فهي كلّ ما بقي لكم، واشكروا ربّكم على أنّ رؤوسكم ليست من زجاج شفّاف.

مجلّة "البراعم" - العدد الثالث حزيران 1994



























الأحد، 21 مايو، 2017

مهرجان الشمندور بضيعة "بَيْتَين وتنّور"




استيقظ مختار قرية "بيتين وتنّور"، ولم يجد ركوة القهوة إلى جانب سريره. انشغل باله على المختارة، فنفض عنه اللحاف وقام ليبحث عنها. وجدها إلى طاولة المطبخ، منكبّة على الكتابة وتختيم الأوراق بختمه الرسميّ.
الطنجرة فوق النار، والصحون نظيفة، وكلّ شيء في مكانه، فالمختارة إذًا بخير.
سألها حين لم تعره اهتمامًا: شو عم تعملي مختارة؟ شو فيه؟
أجابت من دون أن تلتفت إليه: قرّرت أعمل مهرجان بالضيعة!
اضطرب المختار وقال في نفسه: جنّت المختارة. ثمّ ملأ الركوة ماء ووضعها على النار، وهو يسألها بلهجة محايدة كي لا يثير حفيظتها: مهرجان شو من غير شرّ؟
مهرجان الشمندور! أجابت المختارة بكلّ جدّ ووقار.
أفلت المختار قهقهة مدويّة، فتركت المختارة ما كانت تفعله ونظرت إليه مليًّا قبل أن تجيب: شوف مختار! تمسخر قدّ ما بدّك. أنا اخترتك ومخترتك، بس خلصنا! من وقت ما استلمت الختم، ما عملت شي ينفع الضيعة، والبلد كلّو مليان مهرجانات، وما في مرتْ مسؤول إلّا ما عملت مهرجان وتريّشت وتريّست. وبما إنّو ما حدا أحسن من حدا، رح أعمل مهرجان تكريم لبقرتنا "عيّوقة" ورح يكون إسمو مهرجان الشمندور.
     ارتمى المختار على الكرسي المواجه، وفي باله فكرة واحدة: ماذا يفعل أمام حالة زوجته العصبيّة؟ لكنّه تماسك وقال وهو يقلّب عينيه بين الأوراق التي تعلن فيها المختارة عن مشروعها:
-      يا مرا شو صرلك؟ بدّك تضحّكي الناس علينا؟ حدا عاقل بيعمل مهرجان بضيعة آخر الجرد وما فيا غير بيتين وتنّور؟
قاطعته المختارة: لو كنت مختار شاطر كان صار التنّور معلم أثريّ بيجيب السوّاح...
بهت الرجل، لكنّه تابع: بلا جنون دخيل ربّك عند هالصبح. مهرجان قال، مهرجان الشمندور كمان... ليش مين رح يفهم شو يعني الشمندور أصلًا؟ تخيّلي مذيعات التلفزيون عم يتحزّروا شو يعني الشمندور... اعملي قهوة وبلا هالمسخرة...
صرخت به زوجته: بعد ناقصني إعتل همّ مذيعات التلفزيون! ليش هنّي بشو بيفهموا أصلًا... بعدين واجباتنا نعلّم الناس التراث، والشمندور من التراث...
حاول الرجل أن يكتم غيظه، وقال مسايرًا: طيّب. فيي إفهم منين طلعتلك هالفكرة؟
استقرّت المرأة في كرسيها وهي تطمئن نفسها إلى أنّ زوجها بدأ يقتنع بالفكرة:
-      نسوان الزعما من وقت زلفا شمعون بيعملوا مهرجانات، وأنا مش ناقصني شي ت أعمل مهرجان غير شكل، يحكي عنّو البلد، ونعرّف الناس ع ضيعتنا، حتّى نحرّك العجلة الاقتصاديّة فيا.
-      هلأ، بقرتنا "عيوقة" يللي بالكاد فيا تحرّك إجريا، صار مطلوب منها تحرّك العجلة الاقتصاديّة؟ وضيعتنا يللي كلّ ولادها نزحوا عنها، وأوّلن ولادنا، بدّك ياها تصير حديث الناس؟ شو جنّيتي؟ بعدين يا مرا عم تحكي عن زلفا شمعون إنتي؟ ما نحنا عم نتمسخر ع نسوان النوّاب والزعما المفكّرين رجالن متل كميل شمعون يللي بني المدينة الرياضيّة بنصّ بيروت مش بضيعتو، ومرتو عملت معهد للعميان متل ما عملت مهرجانات بعلبك...
-      والله مختار ما بها شي معلوماتك!!! مش هيّن حضرتك!!! بس بكون مجنونه إذا بتركك تغيرلي مشروعي. ما رح ردّ عليك.
-      طيّب ليش ما بتعملي شي تاني ما خصّو بالمهرجانات وهالمسخرة، اعملي شي عن الزباله، ما البلد كمان مليان زباله مش بس مهرجانات...
-      ومين قلّك ما فكّرت؟ رح أعمل مهرجان الصيصان للأولاد...
-      شو؟ وشو خصّ الصيصان بالزباله والأولاد؟
-      الله يساعدني عليك، بدّي ضلّ إشرحلك... منعلّم الولاد إنو الصيصان بياكلو الزباله العضويّة، وهيك منعمل بطاقة الدخول كيس زباله من بقايا الأكل..
هبّ المختار عن كرسيه هبّة عنيفة، فوقعت كرسي المخترة. وصرخ بزوجته:
-      نشّفتي دمي ونشّفت المي بالركوة، قومي اعملي قهوة، هيدا يللي بينفعك هلأ. بلا مهرجانات بلا بلّوط. ورح إحكي ولادك يجوا ياخدوك عند شي حكيم... بعد ناقصني بهالآخرة إحكي كلمة بمهرجان الشمندور والصيصان!!
-      غلطان مختار! إنت ما رح تحكي شي! أنا المشرفة ع المهرجان، وأنا يللي رح وصّي ع فستان وإطلع إحكي، ليش يللي عم يطلعوا يحكوا أحسن منّي... شوف نسوان المخاتير حوالينا مْرات وحيد ومْرات سعيد ومرات سليم ومْرات نبيل،  كلّن عملوا مهرجانات وكلّن ربيوا ع الشمندور، وليك اسم الله وين صاروا، وين الغلط نذكّرن بطفولتن؟... بعدين متل ما في مهرجان للكرز والتفّاح والزهور والجنارك، لازم يكون في مهرجان للشمندور! هيك قرّرت...
-      وأكيد بدّك تنقّي مطربه تغنّي بالمهرجان، مين من غير شرّ اخترتي؟
-      نسيت إسما، هيدي يللي نافخه حالا وما بتعرف تغنّي بس بتجيب ناس!
-      حلو كتير! يعني "عيّوقة" وإنتي والمطربه، وولاد حاملين زباله وعم يغنّوا للصيصان، مش ناقص غير حمار متلي ينعزم ع العرس!
-      إيه مختار! بس مش أيّا حمار! حمار بختم رسميّ! بتفرِق منيح...