الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 22 أغسطس، 2009

الفنّانون والأطبّاء والسياسة


تظهر إلى العلن علاقة الفنّانين المصريّين والسوريّين بالسياسة، وليس الأمر جديدًا كما قد يخيّل إلى بعض القرّاء، بل قديم يعود إلى عهود الاستقلال والقضيّة الفلسطينيّة. في حين كان الفنّان اللبنانيّ يرفض إجمالاً الخوض في هذا المجال ويفضّل أن يبقى بعيدًا عن الشأن السياسيّ ليحصر واجبه القوميّ بالأغنيات الوطنيّة التي تليق بكلّ عصر وكلّ زعيم.
وإذا كان عادل إمام ومحمّد صبحي أكثر الأسماء بروزًا في الوقت الراهن على الساحة الفنيّة المصريّة، ودريد لحّام ومنى واصف على الساحة الفنيّة السوريّة، فذلك لا يعني أنّ هؤلاء يختصرون اهتمام أهل الفنّ المصريين والسوريين بالسياسة. ولا نزال نذكر في لبنان جولة الممثّلة ناديا لطفي على المخيّمات الفلسطينيّة بعد حرب 1982 واجتياح إسرائيل بيروت.
قبل مرحلة 8 و14 آذار لم يكن الفنّان اللبنانيّ المخضرم يميل إلى التعبير عن رأيه الصريح في الموضوع السياسيّ، فنأى وديع الصافي والرحابنة وفيروز وصباح وزكي ناصيف وإيلي شويري على سبيل المثال عن الصراعات الداخليّة واكتفوا بأغنيات تدعو إلى الوحدة الوطنيّة والسلام، وقد يكون الفنّانان سميرة توفيق وملحم بركات هما الوحيدين اللذين خرجا عن قاعدة الحياد حين غنّت الأولى للرئيس الأسبق سليمان فرنجيّة، والثاني للرئيس السابق إميل لحّود. وكان من الطبيعيّ في سنوات الحرب أن تدفع الأحزاب المتناحرة بعقائدها وطروحاتها المواهبَ الشابّة إلى تبنّي مواقفها السياسيّة في شكل غير ملتبس، فكان زياد الرحباني ومارسيل خليفة وأميمة الخليل وباسكال صقر نماذج عن ارتباط الفنّ بالواقع السياسيّ المستجدّ. أمّا اليوم فالصورة أكثر وضوحًا، والفنّانون الملتزمون بالتيّارين المسيطرين باتوا معروفين ومحسوبين على زعماء واتجاهات.
غير أنّ للأطبّاء في لبنان شأنًا آخر لا أحسب أنّه يوجد في أيّ بلد عربيّ آخر، على الأقلّ بمثل هذا الوضوح. فأطباء لبنان غارقون في السياسة إلى حدّ أنّهم لا يتردّدون في إعلان مواقفهم أمام مرضاهم، ما جعل عددًا من المرضى يتحوّل من طبيب إلى آخر لا بحسب براعة هذا الأخير أو اختصاصه بل بحسب ميله السياسيّ. والحجّة في ذلك أنّ كون الطبيب من الجهة السياسيّة نفسها أقلّ إثارة للتوتّر النفسيّ الذي ليس من المفروض وجوده بين الفريقين، ثمّ كيف يثق المريض برأي طبيّ لطبيبه إن كان اختار الجهة الخاطئة لإدارة شؤون البلد؟ فمن يخطئ في علاج الوطن لن ينجح في علاج المواطن، على رأي هؤلاء المرضى.
والأطبّاء على عكس أصحاب المهن الأخرى، قادرون بحكم احتكاكهم بالناس على تقديم الخدمات اليوميّة الملحّة من معاينات مجانيّة وأدوية ومساعدات طبيّة، وهذا ما لا غنى للمواطن عنه في كلّ لحظة من حياته، في حين لا ينسحب الوضع نفسه على المحامين والمهندسين وسواهم. ولذلك نجد أطباء كثرًا في المجلس النيابيّ والحكومة حاليًّا، ومرشّحين أكثر على لوائح الأحزاب للانتخابات. وما دامت الدولة لا تؤمّن لمواطنيها الدواء وكلفة الطبابة، ففي وسع الأطباء أن يسلكوا هذه الطريق السريعة للوصول إلى السلطة، من دون أن نقصد بهذا أنّهم غير مؤهّلين للعمل في الشأن العامّ.
وهذا ما دفع وسائل الإعلام، في عزّ الحمّى الانتخابيّة، إلى نبش سجلاّت الأطباء والبحث في ملفّاتهم عن أخطاء طبيّة عرّضت مرضاهم للخطر والموت على ما ذكرت بعض البرامج التلفزيونيّة والمقالات، حتّى أنّ أحد الأصدقاء الظرفاء علّق على الموضوع قائلاً: إذا كان هذا الطبيب قد تسبّب بكلّ ذلك فعلاً فعلينا أن ننتخبه كي ننقذ الناس من الموت، فلعلّه في البرلمان أخفّ خطرًا منه في المستشفى.
ولكن ما بين المزاح الذي يخبّئ الجدّ، والجدّ الذي لا يريد أحد الإشارة إليه ثمّة مخاوف من أن تتحوّل رسالة الطبيب الإنسانيّة رسالة ملغومة تنفجر في وجه المريض إن كان ذهنه خلال عمله منصرفًا إلى الشأن السياسيّ المتوتّر. وعند ذلك ستصحّ تسمية "أطباء بلا حدود" على أطباء لبنان، الذين أزالوا الحدود بين واجباتهم الإنسانيّة وحقوقهم المدنيّة.

ليست هناك تعليقات: