من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 28 يونيو، 2017

سمير غصن و REAL HIKERS TEAM



    
  الصداقة الفيسبوكيّة التي جمعتني بأستاذ الفلسفة سمير غصن، لم يكن الدافع إليها الزمالة في مهنة التعليم، ولا لايكات يضعها كلّ منّا على شذرات وتعليقات يكتبها الآخر، لكنّي أفترض أنّ الدافع إليها والإصرار عليها هو علاقة تربطنا معًا بطبيعة لبنان عمومًا، وبوادي قنّوبين تحديدًا، الوادي المقدّس الذي سمع كلّ واحد منّا، أنا والأستاذ سمير، أصوات ناسه ونسّاكه، فأصغى إليها وتبعها: هو على دروب الوادي، وأنا فوق الأسطر.
     أسباب كثيرة أعاقت انضمامي إلى سمير غصن ورفاق دربه، وأكثرهم من تلاميذه، فلم تسمح لي الفرصة لمرافقتهم، لكن مشوارهم الأخير من "شربل بقاعكفرا إلى شربل عنّايا" جعلت في الإمكان أن نلتقي أمام دير مار مارون. قبل ذلك، لم أحسم قراري بالكتابة عن مغامرة المشي والتسلّق هذه، كنت أنتظر الفرصة كي أرى وجوه هؤلاء المغامرين، وأستمع إلى أصواتهم الهازجة وهم يحقّقون الهدف، ويصلون إلى مبتاغهم؛ كي أشهد على تعبهم وفرحهم، على روابط تجمعهم، لا علاقة لها بدين أو طائفة أو عمر. وهذا ما حصل حين انضممنا إليهم، أنا وأفراد عائلتي، مع اقتراب وصولهم إلى محبسة القدّيس شربل.
    بعيدًا عن المنحى الروحيّ لرحلة الحجّ هذه، المنطلقة من أعلى قرية مأهولة في لبنان، بقاعكفرا مسقط رأس قدّيس لبنان، أجد في ما يقوم به سمير غصن وفريقه ما يتخطّى الزيارات الدينيّة التي يقوم بها آخرون: سيرًا على الأقدام أو بالحافلات. ثمّة في عملهم ما يعيد تجذّر الشباب بالتراب، وما يمنح أجنحتهم هواء نقيًّا، وما يغسل عيونهم وآذانهم وأرواحهم من بشاعات تغرّب الإنسان عن الإله فيه.
     وأكاد أجزم بأنّ سمير غصن الذي أخرج دروس الفلسفة من بين جدران الصفّ، يريد لهؤلاء الشبان والصبايا أن يعودوا إلى الأرض ولو لأيّام قليلة أو ساعات معدودات، وهو يعي تمامًا أنّ من سيختبر متعة هذه الرحلات لن ترتاح روحه بعد ذلك إلّا متى حمل جعبته على ظهره، وعصاه في يده، ومضى إلى حيث تناديه أصوات الذين عاشوا فوق هذه الأرض، وصارت خلاياهم حبّات من ترابها.
      حين وصل الفريق إلى عنّايا، بعد أيّام ثلاثة من المشي في الأحراش والجلول، بدت القيامة متوهّجة، وصخرة الموت تتدحرج ليولد مجتمع واعد، إذ بدا أعضاء الفريق، وهم يظهرون تباعًا بين جموع المصلّين والزائرين، رسلًا جددًا يحملون البشرى لهذه الأرض، أو فرسانًا غادروا مقاعدهم حول الطاولة المستديرة، ليعودوا بالكأس المقدّسة إليها.

     ولمّا ارتموا منهكين في باحة الدير، بدا شربل القدّيس بينهم، واحدًا منهم، تفوح منه رائحة عرقهم، وتختلج مشاعر فخرهم بإنجازهم في عروقه والشرايين، فيتجدّد عهد قداسته، بعدما سار مرّة ثانية على دربٍ قادته من قريته إلى صومعته.

     قد لا يعرف هؤلاء ماذا يفعلون، وقد لا يقدّرون أهميّة عبورهم في قرى وساحات يستقبلهم أهلها ويقدّمون لهم القهوة والماء، وقد لا يقرأ الناظرون إليهم هذه القراءة لمسيرتهم، لكنّ الأرض التي يثبون فوق شوكها وصخورها، ويقفزون فوق بركها، أو يخوضون في أنهارها، وينامون فوق ترابها، ويستظلّون بأشجارها من شمسها، ويسامرون قمرها، ويتدفأون من يباس حطبها، ويتسلّقون قممها، ويغوصون في روحانيّة وديانها... هذه الأرض تبارك خطواتهم، وتفرح لخبطات أقدامهم، وتسكر بنقاط عرقهم تروي عطشها.
     يوم الأحد، وبعد مسيرة ثلاثة أيّام، أنهى سمير غصن وفريقه رحلة الـ 60 كلم، في بلد لا يقدّم التسهيلات اللوجستيّة لأنشطة كهذه، ولا يدعمها، ولا يشجّع عليها، وهم يستعدّون اليوم لرحلة الأحد المقبل 2 تمّوز، على درب المحابس: حدث الجبّه، نيحا، حردين... وثمّة آحاد كثيرة مقبلة، وثمّة وجوه جديدة ستلوّحها شمس لبنان، وثمّة دروب لن تضجر من انتظار شبّاب غير عابئين بثلوج الشتاء وحرّ الصيف... ومع كلّ رحلة ينتصر أدونيس الحضارة والخصب على خنزير التخلّف والعجز...
     قد لا تسمح لي الظروف بالسير مع هذا الفريق، لكنّي أتمنّى لمن يرافقهم وينضمّ إليهم أن يحمل خطواتي معه ليزرعها في ذلك الوعر، وأن يقطف لي باقة من أزهار براريها، وأن يتزوّد لي وله بكمشة عطر وضوء.
     سمير غصن وفريق REAL HIKERS TEAM ، لأمثالكم كانت هذه الأرض وستبقى...

لمزيد من المعلومات، زوروا هذه المواقع:









 

الجمعة، 23 يونيو، 2017

الزوجات العالمات (النهار – الثلاثاء 22 نيسان 2003)




زوجة رجل الأمن تتحدّث عن مصلحة البلاد أكثر ممّا يفعل زوجها، وزوجة الكاهن تفهم في اللاهوت أكثر من زوجها، وزوجة المصرفيّ تعرف قيمة العملة اللبنانيّة أفضل ممّا يعرفها زوجها.
الزوجات العالمات صاحبات سلطة وربّات معرفة بالعِشرة والعدوى، وهنّ مقتنعات بذلك، مؤمنات به إيمانًا ثابتًا لا تقوى عليه نيران الجحيم. وعبثًا يحاول أزواجهنّ إقناعهنّ بأنّ الزواج لا يخوّلهن الحديث في هذه الأمور. ولكنّ الزوجات البارعات يرفضن مجرّد التفكير في ذلك.
والطريف في أمر الزوجات العارفات ببواطن الأمور أنّهنّ يؤدّين أدوارهنّ في مهارة وبراعة يحسدهنّ عليهما أزواجهنّ الذين يريدون غالبًا الهرب من الحديث عن العمل، فيفاجأون بأنّ هذا الحديث ينتظرهم على باب المنزل، وفي السهرات واللقاءات العائليّة.
والزوجة العالمة متسلّطة ومتطلّبة أكثر من زوجها، لا تتساهل ولا تتهاون، ولو رغب زوجها المسؤول الأمنيّ في تبسيط الأمور عقّدتها هي، ولو غفر الخوري خطيئة غضبت "الخوريّة" وأنزلت الخاطئ إلى النار من دون المرور بالمطهر. ولو اعتبر مدير البنك أنّ الوضع الاقتصاديّ في تحسّن حدجته زوجته بنظرة صاعقة مؤنّبة لأنّه طمأن الناس وهي تريد أن توتّر أعصابهم لكي تتسلّى.
وتجمع هذه العيّنة من النساء المجد من أطرافه، فالناس الذين يخشون الرجال ذوي السلطة أيًّا يكن نوعها، "يحترمون" الزوجات ويفسحون لهنّ الأمكنة متى وصلن، ويستمعون إليهنّ متى "نطقن"، ويتأثّرون بآرائهنّ متى جدن بها بعد دلال وتمنّع. والطريف في أمر هؤلاء الناس أنّههم لا يصدّقون عادة كلام النساء إلّا إذا كنّ زوجات هؤلاء الرجال وناقلات أخبارهم.
أمّا بعيدًا عن ذلك، فلا قيمة لهنّ. هل تذكرون زوجة القاضي في مسرحيّة "لولو" للأخوين رحباني؟ طلب منها زوجها (وليم حسواني) عدم التدخّل في شؤون القضاء، فأجابته (هدى) غاضبة: ما إلي كلمة بهالبيت!
زوجات السلطة يردن أن تكون لهنّ الكلمة في البيت وفي العمل، أمّا الأخريات فينظرن إلى ذوات الألقاب الرنّانة، الشبيهات بالعذارى الجاهلات، وينتظرن لحظة انطفاء المصابيح.
***



الأحد، 4 يونيو، 2017

هل صار الجسد وطننا البديل؟ (2009)


بيكاسو

هل يمكننا أن نضع هذا التسابق المحموم للكتابة عن الجسد ضمن سياق بحثنا عن وطن بديل بعدما ضاعت الأوطان وتحطّمت صور مجدها وعزّتها وبعدما صار تاريخها أطلالاً تدعو إلى التهكّم لا البكاء، وحاضرها هويّة ضائعة، ومستقبلها حفرة لنفايات الشعوب؟ في القصائد العربيّة الأولى التي وصلتنا، ومن فراغ الصحراء ومحدوديّة آفاقها، كان الجسد وطنًا قوميًّا يقيم فيه المرء وضمن حدوده يستقرّ ومنه ينطلق في غزوات تبحث عن بقاء هذا الجسد ومتعته: في الطعام والشراب والجنس والقتال. ويوم احتكّ العرب بحضارات العالم، عبر الجوار والترجمة، اكتشفوا جسد الأرض وقوام الدولة وانتقلت أنظارهم من تأمّل جسد الجارة قبل أن يختفي خلف الخباء إلى اختبار الفنون والعلوم والآداب والفلسفة، فكان بناء المدن والقصور وترجمة كتب الفكر والعلم، وتحوّل الجسد جزءًا من تركيبة كاملة، وتفصيلاً في جداريّة كبيرة، وقطعة من أحجية العالم الكبير.
وإذا رأينا إلى الأدب اللبنانيّ تحديدًا، بشقّيه العامّي والفصيح، نقع على تكامل شبه تام بين وجوه الحياة، ما يظهر أنّ اللبنانيّ كان يسعى إلى إقامة توازن بين مختلف جوانب الحياة، ومحاولة الإجابة على تساؤلات تقلق الوجدان والفكر. فلو أخذنا على سبيل المثال حفلات الزجل التي تعكس المزاج الشعبيّ العام، لوجدنا فيها موضوعات تطال مختلف شؤون الحياة وشجونها. فالمحاورات الزجليّة تسعى لعرض وجهتي نظر، على الأقلّ، من موضوع واحد، وذلك عبر إعطاء الأمثلة والبراهين والحجج التي تدعم هذا الرأي أو ذاك. واستعادة تلك المحاورات تلقي الضوء على آلاف العناوين التي كانت تشكّل ساحة سجال بين شاعرين يطرحان في كلّ مرة موضوعات من مثل: الكرم والبخل، الهجرة والتمسّك بالبقاء، القرية والمدينة، الغنى والفقر، وسواها كثير مما لا يمكن حصره. وكان الغزل مسك ختام المحاورات المحتدمة، حيث يتّفق الشعراء على أنّه النهاية السعيدة والحلّ الأمثل لمشاكل الإنسان وهمومه الفكريّة.
وجاء تزامن تأسيس الدول العربيّة وضياع فلسطين ليوجّه الأنظار إلى جسد الأمّة الكبير المفتّت كيانات وفق تعبير أدبيّات تلك المرحلة، واكتمل ذلك بنشوء الأحزاب التي وجّهت الجماهير نحو الشأنين القوميّ والاجتماعيّ وأخرجتها من تفكيرها المحليّ الضيّق ووضعتها على تماس مع موضوعات عالميّة، علمًا أنّ ذلك كلّه كان قبل عصر العولمة ووسائل الاتصال المتطوّرة. وكان الحديث عن الجسد في تلك المرحلة جانبًا من مخطط عام يهدف إلى إعطاء المرأة حرّيتها لتساهم في النهضة، على اعتبار تحرير الجسد من قيوده المعنويّة والماديّة (الحجاب مثلاً) ليس غاية بل وسيلة لتحقيق غايات أبعد وأسمى توصل المرأة إلى المشاركة في الشأن العام.
اليوم، بعد تشويه الطبيعة اللبنانيّة وتغيّر معالمها، والانقلاب الحاصل في هويّة المجتمع، وغياب الحسّ النقديّ أمام طغيان الانفعال، وتفكّك الدولة دويلات طائفيّة ومذهبيّة، وفقدان الأمل في قيام مجتمع مدنيّ واع ومسؤول، وتداعيات الأزمات الاقتصاديّة، بعد كلّ ذلك، تقوقع الإنسان على نفسه، والتجأ إلى جسده الذي خاف عليه في الحرب وعشقه في السلم فصار هو وطنه الوحيد الذي يستحقّ الكتابة عنه. والمفارقة الكبرى هي أنّ علاقة اللبنانيّ (ويصحّ ذلك على كلّ عربيّ) مع جسده تذهب في ناحية من اثنتين: الإخفاء تحت براقع التراث والدين والمحرّم والممنوع والشرف، أو الكشف الفاضح بحجّة التحرّر والمصالحة مع الذات والآخر والتفلّت من القيود وإثبات الوجود. وفي الحالين خلل في بوصلة التفكير وإبحار من دون وجهة أو خريطة في بحر هائج.
يمكننا أن نحتفي طبعًا بكلّ إبداع يتعامل مع جسد الإنسان في حريّة ومعرفة، ولكن علينا أن نتذكّر دائمًا أن أجسادنا ستبقى عرضة للمرض والتعذيب والاغتصاب والقتل ما دام الوطن/الجسد الأكبر ملوّثًا وفوضويًا وفقيرًا ومفكّكًا وتائهًا في متاهات الصراعات والتحالفات. ولعلّه من المفيد أن ندرس حالات الجسد وتحوّلاته خارج سرير المتعة: في المعتقلات والمستشفيات والملاجئ ومراكز الإعاقة، لأنّنا بذلك قد ننطلق من فرديّة الإنسان، وثنائيّة العشق، إلى رحاب الوطن والإنسانيّة.
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 18 آب 2009

الأحد، 28 مايو، 2017

الملكيّة الفكريّة وقراصنة الإنترنت (2009)




Dima Dmitriev


قبل عصر الإنترنت، سرت تساؤلات عن أعمال عدد كبير من المبدعين في مختلف المجالات الفنيّة والأدبيّة، وكان السؤال الذي يتكرّر يشبه هذه الأسئلة: من أين أتى جبران خليل جبران بأفكاره؟ ومن كتب له كتاب "النبيّ"؟ وهل أخذ ميخائيل نعيمة بعض قصصه القصيرة من الأدب الروسيّ الذي لم يكن يعرف أحد عنه شيئًا مهمًا في تلك المرحلة؟ ومن يقف وراء ثورة طه حسين؟ ومن أين استعار محمد عبد الوهاب بعض جمله الموسيقيّة؟ والأخوان رحبانيّ؟ هل هما وحدهما اللذان يقفان خلف هذه الكتابات الشعريّة الرائعة وخصوصًا في اللغة الفصحى أم هناك من مدّ لهما قلم المساعدة؟ وسوى ذلك من الأسئلة التي كنت أقرأ عنها في مراهقتي في المجلاّت الأدبيّة وكانت تثير جدالاً واسعًا لأنّ الاتّهامات كانت تنصبّ على طارحي هذه الأسئلة معتبرة إيّاهم متواطئين مع العدو – الإسرائيليّ طبعًا - بهدف تحطيم أعمدة الفكر والثقافة والفنّ في بلادنا.
وفي مرحلة لاحقة بدأ الحديث عن التأثّر بالموسيقى الأرمنيّة والتركيّة والهنديّة وسواها من الأنواع الموسيقيّة التي لا تعرف شعوبنا العربيّة الكثير عن أغنياتها وقصائدها، فضلاً عن الشعر والرواية والأفلام والمسرحيات...
اليوم في الإمكان التأثّر بالكثير ممّا نسمعه ونقرأه وغالبًا ما ننسى (أو نتناسى) أنّنا سمعناه أو قرأناه، وكيف حصل ذلك ومتى وأين. ولذلك نحيل الأمر تلقائيًا إلى توارد الأفكار، وإلى أنّه لا جديد تحت الشمس، و"يخلق من الشبه أربعين" حتى في الفكرة الشعريّة أو الروائيّة أو الموسيقيّة.
كلّ ذلك مسموح ومنطقيّ! ففي زحمة وسائل الاتّصال وانفتاح المجال أمام أيّ واحد منّا كي يعرف ماذا يجري في أيّ بقعة من العالم، وكي يقرأ ما كتبه مراهق على "الحائط" الخاصّ بصديقته في ما يسمّى الـ facebook ، بات من السهل أن تستوحي فكرة رواية أو قصيدة أو مقالة ولن تشعر بالذنب فالأفكار صارت مرميّة على قارعة الإنترنت والشاطر من يحسن التقاطها وتحويلها عملاً أدبيًّا.
ولكن القرصنة شيء آخر مختلف تمامًا. ونحن كمستمعين وقرّاء لسنا أغبياء إلى الدرجة التي يظنّها المبدعون، على الأقلّ ليس كلّنا. فمن السهل أن تعرف أنّ كتاب الشعر الذي أصدرته فلانة (أجد أنّ كلمة ديوان لا تناسب واقع الحال) مسروق حرفيًّا من كتاب صدر باللغة الفرنسيّة ولم يلق ترحيبًا في بلاده حتّى وقع صدفة بين يدي صديقتنا الرحّالة. وأنّ الفيلم الذي حصد جوائز عالميّة مستوحى تمامًا من فيلم أجنبيّ آخر، وأنّ الرواية التي كتبها فلان مأخوذة بلا تعديل في حبكتها من مقالة لكاتبة في إحدى الصحف العربيّة، وأنّ الشعار الذي تبنّته إحدى المحطّات التلفزيونيّة هو نفسه الذي وضعته مسؤولة في إحدى المدارس على صفحة الإنترنت الخاصّة بها، وأنّ الأسئلة التي طرحها مقدّم البرنامج الصباحيّ كتبتها صحافيّة معروفة في صباح اليوم نفسه في صحيفة هي الأولى في بلادها.
كيف يمكن للمبدع إذًا أن يضع حدًّا للسرقات التي يتعرّض لها من زملائه، في وقت تسرق فيه دور النشر حقوقه كمؤلّف، وقراصنة التسجيل حقوقه كملحّن أو شاعر أو مطرب؟ والدولة في كلّ ذلك في خبر كان، والنقابات في خبر لعلّ وليت...
لا جواب طبعًا! فكما اعتدنا على تناول الطعام من صحن واحد، وأن نتقاسم الحلو والمرّ، وأن يدخل الواحد منّا إلى منزل الآخر من دون موعد أو استئذان، وأن يستعير الواحد امرأة صديقه لأنّ المثل يقول: الصديق عند الضيق، وأنّ ما لي هو لك و"الحال من بعضه"، و"نحنا واحد"، و"نحنا لبعض"، وشو أنا وشو إنت"، و"الجيبة واحدة"، فمن السهل أن تكون أفكارك ملكًا مشروعًا لي، وأن تكون حقوقك من نصيبي، ومن "العبّ للجيبة" يا رجل، و"مش قاسمين".
اعتدنا في عالمنا المعاصر استباحة كلّ شيء: الأرض والعِرض وكلّ ما له علاقة بهما، ولا أعرف فعلاً ماذا فعلت المدنيّة والحضارة الحديثة في حماية الإنسان من شريعة الغاب أو الصحراء أو البحر حيث القويّ يأكل حقوق الضعيف. القويّ؟ ليس الموضوع موضوع قوّة ولكنّه حبّ البقاء: إن في السباق على الماء والكلأ أو على الشهرة والمال، أو على السلطة والجاه.
في زمن ما بعد العولمة حيث الحدود مشرّعة، والأبواب مشرّعة والثياب مشرّعة، خبّئوا أفكاركم فهي كلّ ما بقي لكم، واشكروا ربّكم على أنّ رؤوسكم ليست من زجاج شفّاف.

مجلّة "البراعم" - العدد الثالث حزيران 1994