الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 31 ديسمبر 2017

صلاة من عتمة الملل (2004)


يا ربّ، أعرف أنّي لا أصلّي كثيرًا، لكنّي سأفترض أنّك تحبّ أن تسمع صوتي بين حين وآخر، وسأفترض أيضًا أنّك تحبّ أن تسمع صلاة مختلفة عمّا اعتدت سماعه.
يا ربّ! أبعد عنّي الأصدقاء والمحبّين الذين يتذكّرونني مرّة أو مرّتين، فأنا لست فيروز ولا أحبّ أن أزار مرّة واحدة كلّ سنة. وأقسم، مع أنّك لا توافق على مبدأ القسم، بأنّني لن أعتب على من ينساني أو يهمل الاتّصال بي. وإذا كان الآخرون يطلبون إليك ألاّ يبقوا وحيدين فأنا أجيّر بواسطتك لهؤلاء جميع الذين يتشدّقون ليل نهار بالصداقة والمحبّة والاهتمام، وعند الحاجة لا تجدهم. في أيّ حال أنت عرفت ذلك في بستان الزيتون وشعرت كإنسان بسيف الألم يجوز صدرك ولكنّك غفرت، إلهًا، وسامحت، أمّا أنا فأنا.
يا ربّ! خلّصني من القبلات الدبقة ذات الطعم والرائحة التي تلتصق على وجنتي مرّة في العام ثمّ أحاول طوال العام محوها وإزالة آثارها.
يا ربّ! أنقذني من المهنّئين في ساعات الفرح ومن المعزّين أمام رهبة الموت ومن العائدين عند المرض ومن المهلّلين عند النجاح، هؤلاء الذين لا أراهم إلاّ في المناسبات ثمّ يختفون.
يا ربّ! تعبت من الابتسام لحظة كان البكاء يقف على ضفّتي عيني منتظرًا تحطّم سدود "العيب". وضجرت من "التطنيش" مع أنّ الغضب كان يهدر في صدري وكلمات الرفض والتأنيب تقف على حدود شفتيّ تنتظر أن أفتح لها الباب لتتدفّق. وسئمت من "الحرام" و"لا يجوز" و"طوّلي بالك" و"عامليهم على قدّ عقلاتن" و"هالقدّ الله عاطيهن". لماذا يا ربّ لا يحترمون هم ما أعطيتهم ويتصرّفون على أساسه؟
يا ربّ! أنت تعرف أني لا أحبّ أن أكون وحيدة، ولكنّك تعرف أيضًا أني لا أحبّ أن أكون محاطة برجال لا يشكّ كلّ منهم ولو للحظة في أنّه أكثر الرجال وسامة ورجولة وكرمًا وذكاء وثقافة، وبنساء تظنّ كلّ واحدة منهنّ أنّها ضحيّة كلّ الرجال مع أنّها لم تعرف رجلاً. وأنت تعلم بلا أدنى شكّ أني قاسية القلب وسليطة اللسان، مع أنّي أحاول، ولو بغير جهد حقيقيّ، أن أتغيّر، لذا لجأت إليك لتقوم عنّي بمهمّة إبعادهم بوسائلك المحبّة اللائقة.
يا ربّ! أنا مستعدّة للعمل طوال ساعات الليل والنهار، وهذا ما أفعله كما تعلم، وللمتاجرة بالوزنات التي أعطيتنيها، ولمساعدة المحتاجين على قدر طاقتي وقدرتي، على مثال الأرملة ذات الفلس، غير أنّي أسألك في المقابل، وأنا أعترف بضعفي البشريّ وبخطاياي الكثيرة وبكبريائي وأنانيّتي وجهلي، أن تحميني من الثقيلي الدم المقتنعين بأنّهم خفيفو الظلّ، ومن الأغبياء الذين يعتقدون أنّهم أذكياء، ومن الذين يقتحمون حياتي في مناسبات متباعدة وهم مقتنعون بأنّهم أصدقائي المخلصون وبأنّ صمتي أمامهم خجل، وأنّ ابتعادي عنهم تواضع ولياقة، وأنّ نظرات الغضب في عينيّ إشارات استغاثة.
يا ربّ! إنّي آسفة، ولكنّي ضجرت فعلاً من "العجقة" و"الازدحام" و"الثرثرة"، وصار من الواجب أن يفعل أحدنا شيئًا.
وبما أنّك تعرفني جيّدًا،ستفضّل حتمًا أن تتصرّف أنت. فلك الشكر سلفًا بالنيابة عنّي...وعنهم.
* النهار – الاثنين 12 كانون الثاني 2004

كأنّو كبرنا (2)


كانت الأعياد مناسبة حلم، صارت وقت للذكرى، ذكريات عن ناس مرقوا بحياتنا وفلّوا، عن ناس حبّيناهن ومرقوا، عن ناس ماتوا وبعدن بالبال ما ماتوا، عن خيبات منحاول نقتنع إنّا هيي يللي عملتنا...
كانت الأعياد ما تساع غيرنا، صارت الأعياد مطارح واسعة بتجنّ فيا ريح الحزن هيي وعم تسأل عن الناس يللي وحدن، عن الناس يللي موجوعين، عن الناس يللي مسافرين، وما عاد العيد غير ليلة طويلة ناطرة يطلع الضو

كانت الأعياد أكل وشرب ورقص بلا تفكير وتحليل وفلسفة، اليوم صارت علامات استفهام كبيرة عن كيف وليش ولأيمتى وشو بعد... كنّا ننطر العيد، صرنا ننطر التنزيلات يللي بعد العيد، كنّا زغار ويللي حولنا كبار، راحوا الكبار وصرنا نحنا كبار، وحدو العيد بعدو زغير ضايع بالعجقة

السبت، 30 ديسمبر 2017

... ثمّ قلْ ما تريد


قبل أن تضاف إلى سنوات عمري سنة جديدة
قل لي إنّي ما زلت شابّة جميلة.
قبل أن تعلن ساعة منتصف الليل انتهاء عام وبدء عام
قل لي إنّي أصلح لكي أكون امرأة أحلامك.
قبل أن يطلق الناس الأسهم الناريّة في ليلة العيد احتفالاً بالعيد
قل لي إنّي المرأة المناسبة في المكان والزمان المناسبين.
قبل أن تكسر النسوة الصحون والأقداح الزجاجيّة ليتخلّصوا من شرّ السنة الراحلة
قل لي إنّي أيقونتك المرفوعة فوق مذبح أحلامك.
قبل أن يتعتع الفرح العقول ويطلق الألسنة بكلام لا تعرف صدقه من كذبه
قل لي إنّي ابتسامتك الدائمة وفرحك النابع من عمق أعماقك.
قبل أن أعتاد الضجر والوحدة واليأس والحزن قل لي
إنّ السنة القادمة ستكون أجمل من السنة الراحلة.
قبل أن يطلّ صباح اليوم الأوّل من السنة الجديدة
قل لي إنّ كلّ يوم من حياتنا سيكون يومًا أوّل من سنة جديدة، قبلها سهرة عيد وبعدها أمل أكيد.
قبل أن تبحث لي عن هديّة ثمينة
قل لي إنّي هديّة السماء إليك.
قبل أن تقرأ كلماتي
قل لي الكلمات التي أنتظرها لكي لا أقول أنّني أنعشت ذاكرتك وما كلماتك سوى صدى كلماتي.
قبل أن تنتهي السنة
قل لي كوني بخير لأكون بخير.
قبل أن يلتقي عقربا الساعة عند منتصف الليل ويتعانقا في حنان
دعنا نلتقي أوّلاً ثم قل لي ما تريد.

كأنّو كبرنا (1)

مغارة الميلاد في آلاسكا

كأنّو كبرنا (1)
كنّا نزور أربع خمس بيوت ع العيد، ونشوف ع الكتير أربع خمس شجرات للميلاد، وما كنّا نشبع منن، اليوم كيف ما برمنا منشوف شجر للميلاد: ع الطرقات، ع التلفزيون، ع مواقع التواصل، شجر من كلّ القياسات والموديلات، شي كلاسيك، شي صرعة، شي عجيب، شي غريب، شي حلو، شي بشع، المهم إنّو صار في شجر ميلاد أكتر ما في شجر بالطبيعة، تعب نظرنا، شبعت عيونا، وراحت الدهشة...

وكانت الشجرة تنحطّ قبل كم يوم من العيد، صارت تنحطّ قبل بشهر، وهيك بيخلص العيد قبل ما يبلّش، وكانت المغارة هيي القصّة كلّا، وكان فوق منها كم شلح من شي شجرة حدّ البيت... اليوم كبرت الشجرة يللي ما إلا غير ريحة الغبرا، وزغرت المغارة، ما عادت تساع رعيان وخواريف، وبرد يسوع...

الجمعة، 29 ديسمبر 2017

مرآة جديدة للسنة الجديدة (2009)


Pino Daeni
1 - قالت المرأة العتيقة للمرآة العتيقة: سأكسرك عند منتصف الليل الفاصل بين عامين لينكسر الشرّ الذي اختبأ فيك طيلة العام، وليكن للمرأة الجديدة مرآة جديدة في السنة الجديدة، ترى إلى وجهها فيها وتكتشف أنّ الوجه لم يعد هو نفسه لأنّ المرأة التي فيها لم تعد هي نفسها. إطار جديد ومرآة جديدة ووجه جديد للسنة الجديدة: تفتّت صورة المرأة التي كانت في المرآة القديمة تنتحب وهي تقف على أطلال عمرها تنكش الرمل وتذرف الدمع وتنتظر فلا ينبت إلاّ الشوك الجارح، توزّعت شظايا أفكارها قطعًا صغيرة مشوّهة، وتناثرت خفايا نفسها القلقة. وحين رأت إلى وجهها في المرآة الجديدة اكتشفت امرأة أخرى لا تريد إلّا أن تكون مع نفسها.
*****
2 - في ليلة رأس السنة وضعت المرأة كلّ رجل تعرفه في مكانه المناسب، واحتفلت وحدها بالعيد.
*****
3 - من يخبر الرجال أنني وجدت من تاقت إليه نفسي واشتاق إليه جسدي، فليتوّقفوا عن ادّعاءات الرجولة. فالرجل الذي أحبّه فضح سذاجة أفعالهم؟ ومن يخبر النساء أنّني وجدت من حلمت به أيّامي وانتظرته خلايا عقلي، فليمتنعن عن ادّعاءات الأنوثة، فالرجل الذي يحبّني يعرف كيف هي المرأة التي يريدها.
*****
4 - لا تدعُ أحدًا إلى حياتك إن لم يكن له مكان ووقت.
*****
5 - الأغنياء هم الذين يتسبّبون بزحمة سير خانقة خلال الأعياد، فالفقراء لا يملكون سيّارات ولا ثمن الوقود ولا ثمن الهدايا. عندما يصير الأغنياء هم الحلّ يحلّ على الأرض السلام.
*****
6 - يعود الإنسان الحديث إلى الكهوف والمغاور: يجلس في غرفته وحيدًا كما فعل الإنسان البدائيّ، يرسم على شاشة الكمبيوتر كلمات كما رسم الرجل المتوحّش على جدران المغارة صورًا، يخترع آلهة يعبدها كما فعل الإنسان الأوّل. ويحلم باليوم الذي يخرج فيه من قوقعته ويتواصل مع الآخر بلا خوف.
*****
Claudine Doury
7 - كلّ الذين يشعرون بالحزن خلال الأعياد هم الذين راهنوا على الناس ليفرحوهم، ولم يتعلّموا، على رغم التجارب والخيبات، أنّ الناس يسرقون الفرح ولا يهبونه. ويوم نتعلّم هذا الدرس نفرح في العيد الفرح الحقيقيّ الذي لا يسلبنا إيّاه أحد.
*****
8 - حين نفتح الهدايا ينتهي العيد.
*****
9 - قالت المرأة الجديدة لمرآتها الجديدة: تغيّري قدر ما شئت ولكن تذكّري أنّك لن تكوني على هذه الصورة بعد موتك بثلاثة أيّام!
*****
10 - يؤمن ذاك الرجل بالمحبّة والمتعة لأنّ كلتيهما لا تؤمن بالحصريّة.
*****
11 - ثمّة هدايا كلاسيكيّة لا تحتاج إلى تفكير وعناء كالأقلام والملابس، وثمّة هدايا هي بمثابة استثمار ماليّ مستقبلي كالمجوهرات واللوحات، وثمّة هدايا لا تدوم كالأزهار والحلويات. الكتب والتسجيلات الموسيقيّة وحدها تتطلّب دراية بالآخر ووقتًا للاختيار ولا تفقد قيمتها مع أنّها ليست ضربًا تجاريًّا مربحًا. ولذلك فالمقبلون عليها قلائل.
*****
12 - أهدت المرأة زوجها نبتة جميلة لأنّ الزاوية في المنزل خالية، وأهدى الرجل زوجته لوحة جميلة لأنّ الجدار فارغ، أمّا الحبّ الذي كان فلم يجد مكانا مع أنّ الفراغات كثيرة والأماكن الخالية باردة.
*****
13 - في البداية كانت هداياه ثمينة وجديدة، ثمّ صارت رمزيّة أو مستعملة، ثمّ صار يختار واحدة من الهدايا الكثيرة التي تقدّم إليه. وكانت النهاية. نهاية شيء جميل.
*****
Doris Billing

14 - يحلو للناس ليلة العيد أن يرفعوا أصواتهم هازجين وأن يطلقوا المفرقعات الناريّة وأن يملأوا الدنيا صخبًا وغناء وعربدة، وأغلب الظنّ يفعلون ذلك كي لا يسمعوا أنين المرضى وصراخ المتألّمين وتنهّدات المتروكين، ولولا ذلك لما استطاع أحد أن يتابع حياته.
*****
15 - كنت مريضة فما زرتموني خوفًا من التقاط فيروس الإنفلونزا، ألم يقل الكتاب: كونوا حكماء كالحيّات؟؟
*****
16 - حذار! عكازك نفسه يمكنه أن يكون العصا التي تكسر جرّة أحلامك!
*****
17 - العواطف المهترئة والقبلات الدبقة والمواقف المجّانية أخطر من الاحتباس الحراريّ.
*****
18 - لن تكون السنة الجديدة جديدة ما لم يكن كلّ منّا إنسانًا جديدًا.
*****
* صحيفة "النهار" الثلاثاء 29 كانون الأوّل 2009

الأحد، 24 ديسمبر 2017

كتاب مفتوح إلى المونسنيور منصور لبكي (من سلسلة كتب مفتوحة)



كان من الممكن أن أكتب في مثل هذا اليوم الذي يسبق عيد الميلاد عن خالي ميلاد الذي تبكي أمّي رحيله في يوم عيد ميلاده، أو عن خالي سليم وعمّتي زوجته اللذين رحلا في فترة الميلاد أيضًا، أو عن كثيرين وكثيرات من عائلتي وأصدقائي رحلوا ولم يأخذوا معهم الحزن...
كان من الممكن أن أكتب عن المرضى والفقراء والوحيدين والمظلومين...
لكنّي اخترت أن أكتب لك عنك!
ربّما لأنّ ترانيمك باتت جزءًا من الميلاد، ربّما لأنّ أمّي تنسى البكاء حين تسمعك ترنّم للعذراء: أنت الشفيع الأكرم، وربّما لأنّني لم أعرف بعد ماذا أقول في قضيّتك العالقة...
***
لعلّك بريء يا أبانا من كلّ ما أنت متّهم به... لا بأس، فما الظلم اللاحق بك سوى مشهد من مشاهد الجلجلة.
لعلّك مذنب يا أبتِ في كلّ ما قالوا أنّك ارتكبته... لا بأس، فالكنيسة في حاجة إلى كهنة خطأة يعيدون إليها طابعها البشريّ المحتاج إلى طبيعة المسيح الإلهيّة... بعدما كثُر فيها مدّعو القداسة...
لعلّك بريء ومذنب في الوقت عينه... لا بأس، فهذه حالنا كلّنا!
لكنّك أيّها الكاهن المنتظِر كتبت ولحّنت ورنّمت، وهذا ما لم يفعله كثر من الذين يرجمونك. وبشّرت وساعدت وحنوت، وهذا ما لم ينبرِ للقيام به أكثر الذين يجلدونك بسياط جبنهم وتردّدهم. وتاجرت بالوزنات التي أُعطيتها، فربحت وخسرت، وهذا ما لم يجرؤ على القيام به أكثر الذين يرشقونك بسهام التجريح.
***
إنّ ترانيمك التي يتردّد صداها في كنائسنا ومدارسنا أبقى من عظات كثيرة، إنّ الكلمات البسيطة التي كتبتها لا تقلّ أهميّة عن كتب اللاهوت الصعبة، إنّ الألحان التي وضعتَها درجاتٌ في سلّم يرقى بك نحو السماء: تعال بيننا، قلبي مهيّا مغارة، انشالله القمحة، ليلة الميلاد، يا مريم يا ناي ألحان السماء، أترك كلّ شي واتبعني، علّمني حبّك يا الله، أنت وحدك دعوت... وغيرها وغيرها من صلوات يردّدها الناس وهم لا يصدّقون ما نُسب إليك.

وفي انتظار نهاية قضيّتك، لا يسعني اليوم سوى أن أشكرك لأنّ أمّي تنسى البكاء حين تسمعك مرنّمًا وتخاطبك هامسة: مش حرام شو عملو فيك...
***
من كلمات المونسنيور لبكي كما نشرها صديقه الإعلاميّ بسّام برّاك:
وهنا مقتطفات من النصّ اللبكيّ من داخل صومعتِه:
عندما نقول للمسيح : نعم، لا نزيد على تلك النَعم كلمة "ولكن".
خبرت حبَّ المسيح في كل مراحله؛ أمسك بيدي وسار بي على"ذوقه" لا على ذوقي. وفي ذلك راحة لبالي، لأنه الخبير الوحيد بالطريق ومعاثرِها، فكنتُ كالطفل المحمول على ذراع والده، يقطع معه العواصف والزلازل، فلا يهاب الأخطار لأنه في أيادٍ أمينة.
لما أصابتني سهامُ المكائد على حين غرَّه، كالصاعقة، إهتز كياني كله، فهرعتُ إلى الكنيسة أسأل الرب عمّا يحصل. فلم أستطع لفظ أيَّ كلمة لشدة الصدمة، بل أغمضتُ عيني وقد سالت منها سواقي دموعِ الاستغراب والغضب الكبير. وبرزت أمامي، لاشعوريا، مواقف المسيح، انطلاقا من نزاعه في بستان الزيتون، حتى صلبِه على تلة الجلجلة...
مئات المشاهد والعِبر من حياة المسيح وأقواله، تنزّهت في ذاكرتي وحرّكت مشاعري لتحولها من ظلام الشك إلى بهاء اليقين. فصرتُ سابحا في بحر هادئ لا يُعَكِّر هدوءَه سوى قلقي على ضعفاء النفوس الذين تعرفوا إلى المسيح او ازداد حبهُّم له، من خلال ما قرأوا أو سمعوا أو رتلوا معي لسنين طويلة.
من جراء محاولة تشنيع صورتي، يسعى أعداء الخير أن ينالوا من القطيع الباقي، ولكني سلّمتُ أمري للمسيح متمتما في قلبه: عذبني بما شئت وليصمد مؤمنوك في حبك.
في عزلتي، وكل يوم بعد يوم، زدتُ يقينا أن الرب وهبني، ودائما على طريقته، متسعا من الوقت لكي أجَسدَ نصَّاً ولحناً ما توصلت إليه من اختبارات روحية، والذي ما كنتُ قادراً على القيام به من دون هبوب تلك العاصفة الهوجاء، نظرا لضيق الوقت ولكثرة الانشغال بأمور روتينية. فاستجبت لمشيئة الرب السرية، ورحتُ أكثِرُ القراءات والتأملات، منقبا في الكتاب وحياة الشهود العمالقة في مسيرة الإنجيل.
فمن بنات تاملاتي وغوصي في تصوير ما أغرف مِن غِنى روحي من الكتب الصديقة التي لازمتني في منفاي العجيب، تمكنتُ بعد عناء مُضْنٍ وتأملٍ طويل، أن أضٓعَ بعض الأناشيد وهي باقةٌ من بساتين متعددة.
ألحان جديدة ونصوص من وحي الامتحان الذي أرادَني الرب اجتيازه.
هذا هو جوابي على ما تعرضت من كذب وبهتان وظلم وهوان.
أشرب هذه الكاس "إستغفاراً" لساقيها. آمين

الخميس، 21 ديسمبر 2017

كلمة الشكر التي لم تقل بعد (إلى الخوري جورج كميد)




الخوري جورج كميد
رعيّة مار الياس الريحانيّه

منذ زمن كتبت نصوصًا بعنوان "في وداع ريحانيّة الجبل"، أعلن فيها نهاية بلدتي بالشكل الذي أعرفه. أقول بلدتي وأنا أعي أنّها جزء من بلدة هي "البلدة" بعُرف التسميات والقوانين، هي بعبدا. لكنّي لم أنجح يومًا في اعتبار الريحانيّة أقلّ من بلدة، ولو كانت مجرّد حيّ من أحياء بعبدا، أو شارع من شوارعها، أو قرية زراعيّة صغيرة تعيش على هامش الحياة البعبدويّة. فالريحانيّة بالنسبة إليّ تاريخ يجمع بين عائلاتها والساكنين فيها، وجغرافيا تتناتشها بلدات أكبر منها تزنّرها، بل تخنقها وتحاول القضاء على طبيعتها وهويّتها. وآمنت، منذ تفتّح وعيي فيها، على أن ما يربطني بجيران أتوا إليها من القبيات وقرى عكّار والبقاع والشوف وجبيل، أكبر وأعمق ممّا يربطني بأهل بعبدا، حتّى صارت عائلات غيّا ومشلب وداود وحرب وصوما وأبي خليل ومتّى وكرم وكسرواني ويونس وراشد والخوري وغيرها من صلب النسيج الريحانيّ.
ولأنّني كنت مؤمنة بزوالها، الآتي حتمًا، أنشأت مدوّنة وصفحة على الفيسبوك نشرت فيهما صور ماضيها وراحليها الذين كتبت نصوصًا عنهم كي لا يموتوا مرّتين، في محاولة يائسة منّي للتمسّك بتاريخها الذي أحببته على سيّئاته وتواضع إمكاناته. ثمّ اكتشفت لاجدوى ما أفعله أمام هجوم الحجر على الشجر، وجمود الحركة، فتوقّفت عن النشر على المدوّنة، وأقفلت الصفحة الفيسبوكيّة.
***
كانت كنيسة مار الياس محور البلدة وقبلة اهتمامات أهلها، فعدا عن الأعمال البسيطة التي مارسها قدماؤها، لم يكن في البلدة سوى كنيسة مار الياس بقدّاسها الوحيد يوم الأحد، ومدرسة مجّانيّة تابعة لمطرانيّة بيروت المارونيّة. ثمّ أقفلت المدرسة بابها الصغير، وبقيت الكنيسة مركزًا لأنشطة رعويّة نمت شيئًا فشيئًا حتى صارت نموذجًا في حماسة المشاركين فيها وكثرة مشاريعهم على قلّة عددهم وإمكاناتهم.
مع مرور الزمن، وهجرة الكثيرين من أبناء الريحانيّة، وارتفاع أبنية فخمة لا قدرة لأبناء البلدة على التملّك فيها، وتحوّل بعض مبانيها ثكنات عسكريّة لا تسمح بكثير من حريّة الحركة، وزوال طبيعة غنّاء كانت تميّزها عمّا يحيط بها، بدت بلدتي في مرحلة الاحتضار تواجه مصير اضمحلالها مأتمًا بعد مأتم.
وكان من سوء حظّ البلدة أنّها حُرمت، منذ بنائها عام 1960 من كاهن يجد الوقت للتفرّغ لمشكلات أهلها، والاستماع إلى آرائهم واقتراحاتهم، ويبقي أبواب كنيستها مشرعة للأنشطة والاحتفالات، ولا يكتفي بقداديس الأحد والأعياد. إلى أن حدث وتمّ تعيين الخوري جورج كميد كاهنًا للرعيّة، وخادمًا لكنيستها، ومنشّطًا للحركة الروحيّة والاجتماعيّة فيها.
***
من يعرفني يعرف أنّني لست من الممارسين واجباتهم الدينيّة، ولست من الذين يكتبون لمجرّد الكتابة (مسايرة أو تحبّبًا أو محاولة تقرّب)، لذلك يهمّني أن يفهم من يقرأني أنّ كلمة الشكر التي أوجّهها هنا إلى الخوري جورج كميد، والتي كان على أحد أن يقولها علنًا، تهدف إلى الآتي:
1-  الخوري جورج كان في حاجة إلى رعيّة تسمح له بإطلاق أفكاره التبشيريّة وممارسة رسالته الكهنوتيّة بالشكل الذي يشبه عقله وفكره، والريحانيّة كانت في حاجة إلى من يحبّها ويوليها الاهتمام ويبحث فيها عن إمكانات وفرص. فعلى هذا اللقاء المنتظر وُجب الشكر.
2-  أبناء الريحانيّة، ولغياب كاهن مقيم بينهم، اضطرّوا إلى الاعتماد على أنفسهم. فكانوا مسؤولين عن الكنيسة بشكل مباشر ويوميّ. فأعطوها الكثير من مالهم ووقتهم ومحبّتهم، فكانوا مسؤولين مباشرين عن الأنشطة والاحتفالات والزينة والتحسينات، وكان كلّ كاهن يستلم مهامه فيها، يحضر إليها قبل القدّاس أو المأتم أو الإكليل، ليتمّ واجبه ويمضي من غير أن يستطيع تخصيص وقت أطول لها. وليس الذنب هنا على أحد منهم، فالرعيّة كانت دائمًا ملحقة بأكبر منها وليست قائمة بحدّ ذاتها.
لذلك، وُجب تقديم الشكر لهذا الخوري لأنّه يبدي صبرًا لافتًا على أبناء الرعيّة الذين يجدون صعوبة في تقبّل وجود شريك أساس في العمل الرعويّ، ولأنّه يعطيهم الكثير في مقابل "صلاحيّات" بسيطة يأخذها منهم، وما كانوا يريدونها لولا الظروف، وهي أصلًا من طبيعة عمله، وشروط رسالته.
3-  وعلى الأنشطة الكثيرة التي بدأ هذا الكاهن القيام بها (أربعة قداديس، رياضات روحيّة، حفلات ميلاديّة، معارض، صلوات، رحلات، علاقات اجتماعيّة للتعارف، الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعيّ لنشر العظات والدعوات...) يجب تقديم الشكر. ففي فترة قصيرة نسبيًّا، صار قرع الجرس من الحياة اليوميّة للبلدة، وعادت الحركة بركة، ولم تعد بلدتي مجرّد حواجز أمنيّة ومراكز عسكريّة، ولم تعد طريق عبور إلى البلدات المجاورة، وأماكن سكن لغرباء لا علاقة لهم بالبلدة، بل بدأت تصير جماعة، لن تشبه طبعًا الجماعة التي كانت فيها (سنّة الحياة وناموس التطوّر) بل ستكون نفسها وتؤسّس لمستقبل البلدة.
 ***
لا بدّ من القول إنّ العمل الكثير الذي ينتظر الخوري جورج شائك ومتعب، وما تحتاج إليه الريحانيّة كثير، وبعضه باهظ الكلفة (صالون للكنيسة، بيت للخوري، صالات اجتماعات...) لكنّي أعرف أنّه حين ينظر إلى أرشيف الصور في الكنيسة ويرى الأنشطة التي كان يقوم بها أولاد الرعية (فرسان العذراء، طلائع مريم، رحلات، كورال، معارض، زينة الميلاد...) سيعرف أنّ هذه البلدة تستطيع، وبإمكانات بسيطة ومتواضعة، أن تنتفض من تحت ركام الإهمال، وأن تنهض لتتابع دورها الروحيّ الاجتماعيّ.
***
إنّ الريحانيّة التي لا تتنكّر لتاريخها الزراعيّ، ولحياتها المتواضعة النقيّة، قادرة بالأجيال الشابّة فيها، الأجيال المثقّفة الواعدة الحالمة الشجاعة:
أن تقف على المنابر، بالعزيمة نفسها التي جعلت الآباء يقفون خلف المحراث، لتقول كلمتها،
أن تحمل الميكروفون، بالثقة نفسها التي جعلت الأجداد يؤمنون بعطاء الأرض، لتقول شكرًا،
أن تمتشق القلم، بالشجاعة نفسها التي جعلت الأجيال القديمة تواجه الصعوبات، لتكتب كلمة الحقّ،
أن تجمع عائلاتها الأصيلة القليلة: بو لحّود والقصّيفي والحلو، بعائلات باتت جزءًا من البلدة ويجب أن تضيف إليها وتأخذ منها،
أن تذكر بامتنان كلّ من روى شجرة في أرضها، وكلّ من تبرّع بقرش لبناء كنيستها، وكلّ من خدم على مذبحها، وكلّ من نشّط الحركة فيها، وكلّ من سعى لرفعة شأنها في البلديّة والدوائر الرسميّة، وكلّ مقيم ومغترب وعابر ومالك ومستأجر وزائر وضيف اعتبرها بيته ومزاره.
      لم تكن الريحانيّة يومًا وقحة في فرض نفسها، لذلك ربّما كادت أن تخسر حدودها أمام من لا يضع حدودًا لنفسها، ولعلّها مع الخوري جورج كميد، أوّل خوري يستلم أمورها وشؤونها وشجونها، تبدأ مرحلة جديدة تفرض فيها كيانها، وتثبّت هويّتها، وتطمئن إلى غدها... ولعلّني، في يوم ما، أستعيد ريحانيّة الجبل فأمحو مخاوفي السابقة.


ريسيتال الميلاد 2017

الريحانيّة - مغارة الميلاد - 2017

شبية الريحانيّة في خلال رحلة روحيّة - 2017




الريحانيّة - معرض الميلاد 2017

الأحد، 10 ديسمبر 2017

يوم تكلّم يوسف زوج مريم


يوم تكلّم يوسف زوج مريم

لماذا أنا؟
لماذا اخترتَ المرأة التي أحبّ من بين كلّ النساء لتكون أمًّا لابنك الوحيد؟
لماذا طلبت منّي أن أسهر عليها وعليه كزوج وأب من دون حقوق الزوج أو سلطة الأب؟
هل تعرف ماذا يعني أن تكون قريبًا إلى هذا الحد من المرأة التي تحبّها، وتعشق رائحة ثيابها، وحركة يديها وهي تحضّر الطعام، وكلامها وهي تحادث الجارات، ولا تملك الحقّ في الاقتراب منها؟
هل تعرف ماذا يعني أن أكون أنا الرجل العاشق المنتظر ليلة لقاء عروسه محرومًا من لمسة يدها، ممنوعًا من التفكير بذلك؟
مذ عرفتها وأنا أحلم بها، فإذا بك تقتحم أحلامي لتحدّثني عن أنّك اخترتها واخترتني لدورين آخرين، حتّى صرت أخشى أن أنام. مذ أحببتها وأنا أخطّط لزواجي منها، فإذا بك تعرقل خططي وتجعلها عروسًا سماويّة، وهيكلاً مقدّسًا لوحيدك.
يدعوني الناس البار والبتول، ولا يعرفون كم عانيت لأقنع نفسي أنّي يجب أن أكون كذلك. وهل يمكن أحدًا أن يتصوّر ماذا يعني أن تحبّ المرأة الوحيدة في العالم التي يريدها الله؟
أنا منذور لها وهي منذورة لابنها.
أنا أتألّم لحرماني منها، وهي تتألّم من خوفها على وحيدها.
أنا رجل العائلة والكلمة ليست لي، بل لمن يقول عن نفسه أنّه الكلمة وأنّه سيصير الجسد.
من أين لك هذه الثقة بي لتأتمنني على من تحبّ؟
وهل تعرف ماذا يعني أن تحمّلني هذه الثقة؟ هذه المسؤوليّة؟
أنا أفكّر فيها كامرأة، وهي تصلّي لك كإله.
هي تحضّر لي الطعام، وابنها يحضّر نفسه ليكون طعامًا لسواه.
أنا أنظر إليها وهي تغسل ملابسي، وهي تنظر إلى ابنها وهو يغسل أرجل تلاميذه.
لا ترسل إليّ ملاكك الرسول في الحلم، ولا تتعبه في نقل أوامرك. لقد قبلت منذ زمن وانتهى الأمر. ولكن لا تطلب منّي أن أنسى كيف أحببتها. لا تطلب منّي أن أنظر إليها كأمّ ولا أرى المرأة التي فيها. لا تطلب منّي أن أغمض عينيّ عندما نكون في بيتنا الصغير. لا تطلب منّي أن أمتنع عن التقاط نغمات صوتها وهي تتحدّث عن ابنها. لا تطلب منّي أن أحتمل كلام الناس وهم يسخرون من ابنها الذي ولد قبل أن تمضي تسعة أشهر على زواجنا. لا تطلب منّي أن أكون قدّيسًا في وقت كنت أريد أن أكون رجلاً متزوّجًا وسعيدًا.
كيف اخترنا أنا وأنت المرأة نفسها؟ فأنا اخترتها منذ بداية وعيي على الدنيا وأنت اخترتها منذ البداية البداية. وما دمت قد سبقتني فلماذا سمحت لي بالوقوع في هواها؟ فلو كنت أعلم أيّ مخطّط رسمته لنا لمنعت نفسي ربّما عن هذا الحبّ. غير أنّك تعرف ماذا تفعل. لا شكّ في ذلك. تركتني كي أقع في غرامها، ثمّ أعلنت لها عن اختيارك لها، وكنت تعلم أنّها ستوافق لأنّها تحبّك، ثمّ طلبت منّي أن آتي بها إلى بيتي وأحميها من ألسنة السوء وكنت تعلم أنّي سأقبل لأنّي أحبّها.
أيّ مخطّط ذكي هو ذاك الذي تمّ؟
باسم الحبّ وبسببه، قبل كلّ منّا تنفيذ المهمّة التي أعطيت له، ولم يتراجع حتّى اللحظة الأخيرة، متحديًّا الألم والرغبة والحرمان.
أيّ حبّ أعظم من هذا؟

    

الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

الكاتبة ماري القصيفي : الدول العربية تدفع ثمن تخليها عن القدس (حوار مع الصحافيّة لمى نوام - وكالة أخبار الشرق الجديد) 2013




هي شاعرة وقاصة وروائية وإعلامية وتربوية من مواليد منطقة الريحانية في بلدة بعبدا. تعمل في المجال التربوي وكتبت لأكثر من عشرين سنة في الصحافةالثقافية،تشرفعلىمدونةباسم"صالون ماري القصيفي الأدبي وعنوانها:www.mariekossaifi.blogspot.com وصدر لها تباعًا: لأنك أحيانًا لا تكون، رسائل العبور، نساء بلا أسماء، الموارنة مروا من هنا، كل الحق ع فرنسا وهي رواية حازت جائزة حنا واكيم كأفضل رواية لبنانية لعام 2012، وأحببتك فصرت الرسولة. 

كان لوكالة أخبار الشرق الجديد لقاء صحافي معها: 

شاعرة وقاصة وروائية وإعلامية وتربوية...أين تجد ماري القصيفي نفسها؟
لكلٍ منا جوانب متعددة لشخصيته يكتشفها في كل ما يمارسه في الحياة إن على صعيد العمل أو الهوايات. فأنا مثلًا أجد في الشعر شخصيتي الحرة الثائرة، وفي الرواية أحقق رغبتي في هندسة الكون والتحكم في حيوات ناسه، وفي الإعلام أشبع نهمي إلى التواصل، وفي التربية أسعى لإحداث فرق...


 بما أن الأدب هو ابن بيئته هل تتأثر الكاتبة ماري القصيفي بقضايا البيئة التي تعيش فيها؟ 

لا أكتب بمعزل عما يدور حولي. لذلك تصب نصوصي النقدية والشعرية والقصصية في علم الاجتماع، إذ لا يمكن في رأيي أن يكون الإنسان، وهو مادة الكتابة وجوهرها وغايتها، سوى كائن اجتماعي مهما اعتزل وزهد وتنسك. والدليل أن إنسان اليوم ولو قبع في غرفته طيلة اليوم يبقى على تواصل دائم مع ما يجري حوله، عبر وسائل الاتصال والتواصل. فضلًا عن أن عملي في التربية لأكثر من خمسة وعشرين عامًا وضعني على تماس يومي مع مشكلات المراهقين وهي تتزايد يومًا بعد يوم، وواقع العائلات الاجتماعي والنفسي تحت وطأة الظروف التي نمر بها. 

 ما هو نتاجك الجديد؟ وهل تشاركين في أنشطة غير الكتابة؟
  
أنا الآن في خضم كتابة رواية عن حرب الجبل، وهناك مجموعة أعمال تنتظر أن أجد الوقت لها، بعضها شعري وبعضها دراسات اجتماعية وأدبية. وقد سبق وأشرت إلى نشاطي في عالم التربية الذي أغنى تجربتي الكتابية وإن أخر انطلاقتها. لذلك فإن أحد كتبي الجديدة هو عن التربية ويحمل عنوان "علمني التعليم". ولي تجربتان في الترجمة عن الفرنسية واحدة لرواية قاديشا لاسكندر نجار والثانية لرواية جمهورية الفلاحين لرمزي سلامة. 

متى كانت بداية تجربتك مع الكتابة؟ وماذا يعني لك هذا التاريخ؟ 

أعتقد أنني مذ بدأت الكتابة على مقاعد المدرسة لم أتوقف عما وجدت فيه وسيلتي للتعبير. الكتابة بالنسبة إلي– وليس بالضرورة النشر – كالتنفس تمامًا. لذلك أبدو طوال الوقت كمن تكتب في رأسها منتظرًة أن يسمح لي الوقت بنقله الى الورقة أو ذاكرة اللابتوب. وقد ساعدتني وسائل النشر الحديثة كالفيسبوك وتويتر والمدونة التي تحمل اسمي على أن أجد أكثر من مكان لنشر ما أكتبه من دون الخضوع لإيقاع الصحافة الثقافية أو حركة النشر. 

ما هي المواضيع التي تشدك لمعالجتها؟ و أين المرأة من هذه المواضيع؟ 

كتبت لمدة سنة تقريبًا في صحيفة البلاد البحرينية زاوية يومية تحت عنوان "الكتابة بمزاج امرأة". فالمرأة التي هي أنا حاضرة دومًا، وبالتالي الموضوعات التي تتعلق بالمرأة تعنيني ولكن ليس بمعزل عن مسائل أخرى كالحرية والأمية والطفولة والشيخوخة والبطالة والتربية وسواها من القضايا المتعلقة بتركيبة المجتمع وهوية الوطن. حتى في نصوصي الشعرية التي تتناول الحب لا أبتعد عن التحليلين النفسي والاجتماعي لهذا الشعور الغامض والجميل، فالحب الذي لا يثمر شيئًا جميلًا (أولاد، مشاريع، إنجازات، كتب...) ليس حبًا بالمعنى الذي أفهمه وأعيشه. 

 بين البعد المرتجى وحقائق الواقع، من يلهم ماري القصيفي؟ 
أؤمن بالعمل وممارسة الكتابة أكثر من إيماني بالإلهام. وإن كنت مرات لا أعرف من أين تأتي الأفكار والصور. لكني بالتأكيد لا أكتب لأغير واقعًا خارجًا عني، بل أكتب لأتغير أنا مع كل نصأكتبه، كما أتغير مع كل نص أقرأه. 

 هناك قول إن المرأة تملك جسدها، هل أنت مع المرأة في أن تفعل بجسدها ما تشاء كونها تملكه؟ 

طبعًا تملك المرأة جسدها، لكن لا كما تملك سيارة تبيعها لمن يدفع السعر الأعلى. الجسد هيكل الروح، والروح الحرة لا يسعها جسد، لكن الحرية لا تعني أن نقتل الجسد أو نهينه أو نتركه عرضة للمرض والألم ولا أن نخنقه بالكبت والحرمان والقيود. لذلك كتبت كثيرًا عن موضوعَي العري والحجاب لا من باب الأخلاق والدين بل من باب فلسفة المغزى ومحاولة فهم التطرف في كلا الأمرين. والمرأة التي تنادي بحقها في أن تفعل بجسدها ما تشاء عليها أولًا أن تحرر حسابها المصرفي من سلطة رجل يصرف عليها المال، وأن تحترم أجساد المرضى والمعوقين والأطفال المصابين بشتى العاهات والأمراض. فثمة أمور في رأيي أكثر أهمية من موضوع جسد المرأة الذي هو لا عورة نخجل بها ونستحي ولا بضاعة نعرضها في الأسواق. وكل تطرف يستدعي تطرفًا مقابلًا. 

إلامَ تهدفين من خلال المزج بين العامية والفصحى؟ وكيف تجد الشاعرة ماري القارئ العربي؟ 

العامية لغتنا اليومية، وأنا لا ألجأ إليها إلا لضرورات فنية يفرضها العمل الأدبي، كما في عنوان روايتي "كل الحق ع فرنسا"، وفي حوارات الشخصيات، لكي يبدو الأمر مقنعًا وطبيعيًا. ومع ذلك فهي عامية مدروسة إلى حد كبير، فلا يجد القارئ غير اللبناني صعوبة في فهمها.  
أما سؤالك عن القارئ العربي فيستدعي سؤالًا آخر: أين النص الذي يجذب القارئ العربي بدءًا من مقاعد الدراسة؟ لن نجد قارئًا عربيًا حقيقيًا قبل أن يولد لنا كاتب عربي حر، وقبل أن توضع مناهج تربوية حديثة. 

ماذا يمثل الرجل في حياة الشاعرة وفي حياة ماري القصيفي؟ 

الرجل هو الشريك الكامل المتمتع بالحرية والشجاعة والمعرفة ... أنجبه كل يوم من فكري في نص جديد. 


كانت لك زاوية أسبوعية في جريدة النهار اللبنانية تحت عنوان: أضواء خافتة، وكنت تكتبين باسم مستعار هو «مي الريحاني». ما السبب في ذلك؟  وأين كنت مرتاحة أكثر في الكتابة باسمك المستعار مي أم الآن  باسمك الحقيقي ماري؟ 

الاسم المستعار كان قبل الزاوية الأسبوعية "أضواء خافتة". واللجوء إليه في البداية كان بسبب عملي التربوي الذي جعلني حذرة أمام التوفيق بين جرأتي في الشعر والنقد والتزامات العمل التربوي. ثم أعجبني الأمر حين راحت تكثر التساؤلات عن هويتي الحقيقية، إلى أن حسم الأمر الشاعر الكبير شوقي أبي شقرا الذي أدين له بفضل كبير في انطلاقتي باسمي الحقيقي في جريدة النهار.

في كتابك «الموارنة مروا من هنا»، لماذا استبدلت القاف بالهمزة في عنوان الكتاب فكتبت «بألم» بدلاً من قلم؟ ما هي صرخة الألم التي أرادت ماري القصيفي أن توجهها؟ 

صرخة الألم أردت إطلاقها بدءًا من الغلاف للتنبيه إلى الواقع المارونيالمتشرذم، الذي انعكس على الفكر والتربية والمجتمع، وما يحصل في طائفة ينعكس حتمًا على الطوائف الأخرى بسبب تركيبة لبنان. في اختصار أردت القول إن دور الموارنة بدأ بمهمتين رسوليتين هما الحرية والعلم، ولكنهم مع الأسف تنكروا لهذين الدورين، ما أدى بحسب رؤيتي الخاصة إلى كل ما يحصل اليوم في هذه البقعة من العالم. 

ما هو في رأيك مصير البلدان العربية بعد الربيع الذي اجتاحها؟ هل أنت مؤمنة بأن هذه الثورات حملت التغيير المنشود؟ 

ما حصل ويحصل ليس ربيعًا وليس ثورة, لقد كنت من أوائل الذين كتبوا في الصحافة عن هذا الأمر، وجوبهت باعتراضات كثيرة، لكني ما زلت مقتنعة برأيي: فكل تغيير يغيب عنه الفكر ليس سوى زلازل عنيفة لا أحد يعرف كيف تنطلق ومتى تهدأ وماذا تترك خلفها. لذلك علينا أن ننتظر وقتًا طويلًا قبل أن نتبين ملامح المرحلة المقبلة، لكن المخاض سيكون عسيرًا وطويلًا.
  
كلمة ختامية جريئة البوح؟

الجلجلة بدأت من فلسطين، ولن تكون القيامة إلا هناك. وما يجري في الدول العربية اليوم ما هو إلا الثمن الذي ندفعه كلنا لأننا تخلينا عن القدس. 

لمى نوام

وكالة أخبار الشرق الجديد

اسمه عيد الميلاد!

شذّبوا أغصان الشجرة كي لا تخفي المغارة!
هل ينتهي مسيحيّو الشرق في كرة زجاجيّة؟

أين الطفل يسوع؟

أجمل زينة للعيد



ما نعيش في أجوائه وما نحن مقبلون على الاحتفال به في 25 كانون الأوّل ليس عطلاً سعيدة  happy holidays، وليس أعياداً (بالجملة) جميلة، وليس استراحة طويلة بعد الفصل الأوّل من العامّ الدراسيّ، وليس تمهيدًا لسهرة رأس السنة، وليس مناسبة لسلسلة من البرامج التفلفزيونيّة محورها الانتباه إلى الوزن الزائد خلال هذه المرحلة.
هو بكلّ بساطة عيد الميلاد، وبالتحديد عيد ميلاد السيّد المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمساويه في الجوهر. وما دام هذا التعريف هو ما تؤمن به الكنيسة الرسوليّة الجامعة حتّى الآن، فعلينا الاعتراف به واحترامه واستخدامه عند الإشارة إلى هذه المناسبة، سواء أكنّا مؤمنين أم ملحدين، ممارسين إيماننا عن اقتناع أم بالإرث والتقليد، مسلمين أم دروزًا أم مسيحيّين أم يهودًا، بوذيّين أم هندوسيّين أم من أتباع العِلم. ويصحّ الأمر نفسه على جميع المناسبات الدينيّة التي ارتأى أتباعها إعطاءها تسميات معيّنة هي من صلب عقائد المعنيّين بها سواء أعجبنا الأمر أم لا، آمنا به أم رفضناه. فعيد الميلاد هو عيد الميلاد، وعيد الأضحى هذا اسمه، وعيد الفطر لا تتغيّر هويّته بتغيّر من يأتي على ذكره، وصولاً إلى رأس السنة الصينيّة وسوى ذلك من الأعياد الدينيّة والمدنيّة.
تعرّض عيد الميلاد منذ بداية الاحتفال به لأكثر من محاولة لتشويه معناه، من المسيحيّين الذين لم يفهموا الجوهر الدينيّ للمناسبة، ومن غير المسيحيّين الذين يسيئون – عن جهل أو عن قصد – إلى رموزه وشعاراته وطقوسه. وإذا حصرنا الكلام في المرحلة المعاصرة، فنجد أنّ بابا نويل هو من الأخطار على الدين إن لم نضعه في خانة مساعدة الفقراء وتوزيع الفرح على الناس. ومن غير المسموح أن يصير هو بطل العيد ومحوره فيخفي بقامته الكبيرة وجسمه العريض وثيابه الدافئة ولحيته البيضاء طفل المزود الصغير العاري. ولذلك باءت بالفشل محاولات بعض الكهنة استبدال مقدّم الهدايا ذي الثياب الحمر بثلاثة من المجوس يوزّعون الهدايا على مثال الملوك الذين حملوا الهدايا للطفل يسوع. فالأطفال يولدون اليوم وفيهم جينات موروثة تعتبر بايا نويل من المسلّمات، كالتنفّس والجوع والعطش. وشجرة العيد خطر آخر إن صارت تتبع الموضة والألوان السائدة وآخر صيحات الأزياء والديكور، ومغارة العيد خطر ثالث إن كان ثمن أيّ تمثال من تماثيلها يوازي الحدّ الأدنى لعائلة في حاجة إلى دواء وماء وكهرباء.
ولا يخفى أنّ السينما الأميركيّة خطر دائم على هذه المناسبة، وتتحمّل صالات السينما وإدارات المحطات التلفزيونيّة الأرضيّة والفضائيّة المسؤوليّة الأخلاقيّة والأدبيّة والوطنيّة والقوميّة، حين تختار أفلاماً أو برامج تسخر من العيد أو تتلاعب بمفهومه الدينيّ أو تجعله إطاراً لقصص طريفة أو حكايات حبّ يحضر فيها الجميع ويغيب صاحب العيد.
أمّا الخطر الأكبر، فهو اللغة التي بقدر ما هي إنتاج الفكر تستطيع أن تكون المؤثّر في خلاياه والمتلاعب بما يدور فيه. فحين يُختصر الاسم بالإنكليزيّة ليصير  Xmas، مع ما يعنيه الحرف الأوّل الذي "يؤكّس" على المعنى الروحيّ ويلغيه، فذلك مؤشّر إلى عمليّة غسل دماغ تحاول حرفاً بعد حرف أن تمحو العيد من الوجدان الجماعيّ. وحين يصرّ مقدّمو البرامج ومذيعو التلفزيون، أيّاً تكن المحطّة ومهما كان انتماؤها، على التهنئة بموسم الأعياد من دون تحديد، فذلك يعني أنّ المحاولة تأخذ بعدًا آخر لطمس الهويّة وتمييع هدف الاحتفال. وهذا أمر فعلته إسرائيل حين خطّطت لإلغاء الوجود الفلسطينيّ من فلسطين، فمحت أسماء القرى والبلدات وغيّرت معالم الشوارع والطرق وهدمت ما يرتبط بذاكرة المكان، كعيون المياه وساحات القرى والجوامع والكنائس وأنواع الأشجار، كي لا يجد العائدون، ولا بدّ عائدون، ما يذكّرهم بحكايات آبائهم والأجداد.
ليس الوقت ملائمًا أبدًا للتذرّع بحجج إعلاميّة وإعلانيّة وانتماءات علمانيّة في وقت يبدو الخطر على مسيحيي الشرق أكيدًا وخطيرًا. ومن غير المسموح أن يكون الإعلام اللبنانيّ، بمختلف اتجاهاته ووسائل تعبيره، رأس الحربة في حرب تطاول أيّ دين من الأديان التي يتشكّل منها النسيج الاجتماعيّ في المشرق العربيّ عموماً واللبنانيّ خصوصاً، فكيف إن كان الأمر يتعلّق بالمسيحيّين الذين يتعرّضون لاعتداءت الأصوليّين؟ فإن كان الإعلاميّون والمعلنون يجهلون ما يفعلون فالأمر خطير على الثقافة واللغة والدين، وإن كانوا يعلمون ويفعلون فالأمر في غاية الخطورة على الكيان اللبنانيّ كما نتمنّاه: المتعدّد الحضارة بلا حساب للعدد، والمنفتح على كلّ العالم من دون أن يكون مشرّع الأبواب، والمتنوّع الثقافات من دون أن تكون النوعيّة فيه حصريّة.
*****
صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل