الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 26 نوفمبر 2010

أنا مريم (النصّ الثامن والأربعون من كتابي رسائل العبور - 2005)

Liu Xiaofang




أنا مريم العاشقة
انتظرت رجلاً
فأتى ملاك
وقال الكلمات التي لم يقلها رسول قبله
ولن يقولها بعده
ولأنّني صدّقته
حلّت فيّ الكلمة
ومنّي وُلدت
فصرتُ أمًّا.


***

أنا مريم الخاطئة
عشقني رجال يردّدون الكلمات نفسها
ولمّا عشقت رجلاً يقول الكلمات التي لم يقلها أحد قبله
ولن يقولها بعده
صرت قدّيسة. 


***

أنا مريم النازفة
كنت ضجرت من الانتظار حين وصل رجل كالملاك
وقال الكلمات التي لم يقلها أحد قبله
ولن يقولها بعده
إلاّ أنّني خجلت من الجموع التي حوله
فلم أقترب ولم ألمسه
وحين أبعده تدافع الناس
غرقت في بحيرة دمي الأسود.


***

أنا مريم الصغيرة
أخت مرتا المهتمّة بأمور كثيرة
وأخت أليعازر الذي مات مرّتين
لم أحنِ رأسي لرجل ولم أخدم رجلاً
لكنّني جلست عند قدمي الرجل الذي تنقّل كملاك
وخاطب أخي وأختي بكلمات
أعادت الحياة إلى الأوّل وغيّرت حياة الثانية
وحين توجّه بكلامه إليّ
عرفت أنّني اخترت النصيب الأصعب
وأنّ عهدًا جديدًا بدأ.


***

أنا مريم الغريبة
ظننت أنّني بالاسم الذي أحمله
أفكّ الرصد عن مخبأ الكلمات
وأحوّل الرجال ملائكة
وأوقف نزف الروح من مسام الجسد
إلاّ أنّ اسمي صار صليبًا للّصوص.
لكنّ ملاكًا ذا عينين حزينتين
ويدين كجناحي طائر أرهقهما السفر
سيأتي يومًا
وسأقول له الكلمات التي لم يسمعها أحد قبله
ولن يسمعها بعده
كلماتٍ
تصيّره رجلاً
وتعلنني نبيّة.

الخميس، 25 نوفمبر 2010

بلاد الله الواسعة في البلد الصغير

Gohar Dashti

Gilbert Garcin - 2009

Mario Cravo Neto - 1994

Marie Amar - 2007

دمى تشيكوسلوفاكيّة - 1920


حُسم الأمر:
الشمال لتركيا،
البقاع لسوريا،
الجنوب لإيران،
بيروت للسعوديّة،
جبل لبنان: جبال للشرق وجبال للغرب،
وإسرائيل في كلّ مكان.
هذا نموذج عن تقسيم لبنان بين قوى المنطقة وأقوياء العالم،
من دون أن ننسى أدوار كلّ من:
مصر وقطر وفرنسا وروسيا
وبريطانيا والفاتيكان وأفغانستان.
أمّا اللبنانيّون
فمتسوّلون على أبواب السفارات،
وفي المستشفيات والقبور والسجون،
وفي أحسن الأحوال في بلاد الاغتراب.
لغات ولهجات وأعلام وانتماءات
وشعارات ومسلسلات وصحف وأحزاب،
برج بابل جديد لن يقع إلاّ على رؤوس أبنائه.
والأبناء غافلون مغيّبون،
غارقون في تشاؤمٍ مستسلم
أو منجرفون خلف لهو مخدِّر
أو مأخوذون بتفاؤل مخادع.
(ضيعانك يا هالبلد).
كلّ البلاد لها مربّعات أمنيّة على أرضك،
وأنت لا أرض آمنة لك:
مهجّر مهاجر مطرود تائه ضائع متروك.
(ضيعانك يا هالبلد).
*****
الصور من معرض الصور الفوتوغرافيّة - باريس - 2010

السبت، 20 نوفمبر 2010

حين أشتاق إليك







لا تهدني ساعة سويسريّة، لأنّني أخشى أن يلهيني النظر إليها، وأنا في انتظارك، فلا ألتقط إطلالتك الأولى.
ولا تشتر لي وشاحًا ملوّنًا لأنّه لن يستطيع أن يقدّم إليّ الدفء الذي وجدته بين ذراعيك.
ولا تقدّم إليّ قلمًا نادرًا لأنّني أحبّ أن أكتب تاريخي بأناملي على جلدك العاري.
ولا تفاجئني بمنديل حريريّ لأنّك عوّدتني أن تمسح دموعي بشفتيك.
ولا تبحث لي عن مرآة صقيلة فأنا أحبّ أن أرى وجهي في عينيك.
ولا تضع في حقيبتي عطرًا ثمينًا فأنا لا أريد أن يفوح منّي إلاّ عبير لقاءاتنا.
ولا تهدني حقيبة يد ثمينة أضع فيها أوراقي الثبوتيّة لأنّك هويّتي وجواز مروري إلى حيث الأمان.
***
هذا ما كنت أقوله لك زمن البراءة.
***
لكنّني اليوم أتمنّى لو كنت أملك تلك الهدايا كي أردّد كلّما نظرت إليها ما كانت تقوله جدّتي: كل شي أبقى من بني آدم.
***
أو
أعيد عقارب الساعة إلى ما قبل لقائنا،
وأحوّل الوشاح مئزرًا للمطبخ،
وأكتب بالقلم استقالتي من حبّك،
وأمزّق المنديل نتفًا نتفًا،
وأحطّم المرآة فلا أرى صورة خيبتي،
وأحوّل قنينة العطر مبيد حشرات،
وأضع رسائلك وصورك في الحقيبة الثمينة وأرميها في بحرنا الملوّث.
***
يبدو لي أنّ البراكين تنفجر من شدّة شوق الأرض إلى معانقة السماء.

الجمعة، 19 نوفمبر 2010

شتّي يا دنيي





صرنا نستعير صور الثلج



لا يريد المطر أن يلامس أرضنا الملوّثة. يكاد تشرين الثاني ينقضي والطقس الحارّ يطبق على أنفاسنا ويؤمّن البيئة الحاضنة للذباب والبعوض.
تأخّر الشتي، ويا دنيي شتّي مصاري إن كنت لا تريدين أن تمطري ماء. دائمًا يحزر الأخوان رحباني ما نحتاج إليه. فحين غنّى جوزف ناصيف وإيلي شويري هذه الأغنية كان لبنان في بحبوحة، ومع ذلك انتظر الفقراء الخلاص من السماء لا من الأرض. فلا مشاريع إنمائيّة ولا معامل ولا زراعة، والكسل يجرّ الكسل. فلتهبط الثروة من فوق إذًا، لأنّ الشتاء ما عاد يحمل الخير ولن "يزيد موسمنا ويحلا" كما تتمنّى الأغنية الفيروزيّة.
"صارْ علينا ديون كتيرة" يقول الرجلان اللذان ينتظران من الربّ "شي صرّة زغيرة ملفوفة بشي حصيرة" ونكتشف عبرهما أنّ التفكير في حلّ لا يأتي بنتيجة، ولا العمل في أيّ مجال كان. على السماء أن تمطر المال.
كانت العرب تقول: أمطرت السماء عشبًا، أي مطرًا ينبت العشب وكان ذلك في باب التعبير المجازيّ، اليوم صار المطلوب صورة حقيقيّة أي أن تهطل الأموال من السماء من شتّى أنواع العملات الصعبة.

ولعل دواليب الحظّ وأرقام اللوتو وسيلة استمطار واستسقاء على الطريقة الحديثة، بعدما ضاقت أبواب الرزق من كثرة المزدحمين عليها.
فقراء لبنان اليوم سعداء بالطقس الربيعيّ، يبرّرون قائلين: أسعار المحروقات تحرق القلب ولا تدفئ الجسد. السماء رحمتنا من البرد.

نقول لهم: ولكن لا مواسم زراعيّة ولا مياه، يجيبون بسؤال: ومتى كان عندنا حاجتنا من الخضار والمياه؟


الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

حين نصير مجرّد أرقام




كتب إليّ أحد القرّاء معلّقًا على مقالتي في جريدة النهار البارحة ليخبرني بأنّه فقد زوجته منذ أربع سنوات بسبب السرطان، وذكر لي أنّ كلفة الحقنة الواحدة من العلاج كانت أكثر من ألف دولار، فاقترح عليه موظّف في وزارة الصحّة أن يعطي زوجته نصف الجرعة كلّ مرّة لأنّه لن يستطيع أن يتابع تأمين الدواء.
فأخبرته عن الوالدة التي انتحرت لأنّ أولادها الثلاثة أصيبوا تباعًا بالسرطان.
وكتب إليّ قارئ آخر تعليقًا على مقالة عن المسيحيين في الشرق، وممّا قاله إنّ المسلمين يموتون كذلك في العراق وليس فقط المسيحيّون. فأجبته بأنّه على حقّ، وأنّ كلّ إنسان يُقتل بالنسبة إلى أهله ومحبّيه هو القضيّة كلّها ولو مات المئات غيره. فلو اعتبرنا مثلاً أنّ مئة مسلم قتلوا في تفجير ما، فبالنسبة إلى أمّ أحدهم، ابنها هو الذي مات والتسعة والتسعون الآخرون رقم مخيف في ذاكرتها بينما ابنها جرح نازف في قلبها. الأمر نفسه حين نقارن بين قتل المسلمين في بلاد أكثر سكّانها من المسلمين وبين قتل المسيحيّين الذين يتناقص عددهم يومًا بعد يوم.
الإنسان المقتول جرح الإنسانيّة جمعاء.
كم مؤلم أن نصير أرقامًا في جداول إحصاءات، وكم مخيف أن تدور أحاديثنا وكتاباتنا في متاهة التدمير الذاتيّ الذي نمارسه بحقّ أنفسنا. إذ ما من عدوّ أساء إلينا بمقدار ما أسأنا إلى كراماتنا وتراثنا وتاريخنا وثرواتنا وحياة الإنسان في بلادنا.

الثلاثاء، 16 نوفمبر 2010

اخترعنا الأبجديّة لنرثي حالنا





8000 حالة سرطانيّة جديدة تسجّل سنويًّا، بحسب ما أعلن وزير الصحّة (هل يعقل أن يكون هناك خطأ في الإحصاء؟)، بينها 4000 حالة بحاجة إلى أدوية سرطانيّة تكلّف الدولة ما قيمته 12,3 مليون دولار، و400000 لبناني في فقر مدقع، بحسب ما أعلن وزير الشؤون الاجتماعيّة، وأكثر من 700 قتيل راحوا هذه السنة ضحايا حوادث السيّارات بحسب بيانات وزارة الداخليّة؛ وتشير الصحف إلى ارتفاع نسبة الجرائم التي يرتكبها الآباء في حقّ عائلاتهم بسبب الأزمات الماليّة، ويزداد عدد المتسوّلين في الشوارع بشكل معيب ويتمّ التستّر على المئات من جرائم الاغتصاب وسفاح القربى. كلّ هؤلاء الموتى والمرضى والفقراء، ضحايا ملفّات الفساد الإداريّ والعهر السياسيّ، لم يستدعوا أيّة مقاومة تطلب تحريك الشارع أو فرط الحكومة أو إعلان حال طوارئ صحيّة وأخلاقيّة في البلد، ولم يستحقّوا محكمة دوليّة تنظر في قضاياهم، ولم تلحظهم عناوين الصحف أو مقدّمات نشرات الأخبار. ففي بلد الأربعة ملايين نسمة والأربعة آلاف سنة حضارة، تمرّ هذه الأخبار مرورًا عابرًا ويعبّر عنها بكلمات قليلة تحتاج ورقة النعي إلى أكثر منها.
مقاومة إسرائيل واجب مقدّس والمحكمة الدوليّة مطلب محقّ، على عيني ورأسي، ولكن دعونا نحكي بالأرقام:

أوّلاً: خلال هذا الصيف عقد مؤتمر طبيّ في كندا لدرس وسائل مكافحة الألم، وخصوصًا عند مرضى السرطان، شارك فيه نحو 7000 طبيب من مختلف أنحاء العالم، بينهم أكثر من مئة طبيب إسرائيليّ من مختلف الاختصاصات (ما عدا اليهود طبعًا من جنسيّات مختلفة) في مقابل خمسة أطبّاء لبنانيّين ذهبوا على نفقتهم الخاصّة.
ثانيًا: تحرّكت قوى الأكثريّة مستنكرة 33 مذكّرة توقيف غيابيّة بحقّ شخصيّات لبنانيّة وأجنبيّة معتبرة الأمر اعتداء على سيادة البلاد الحرّة المستقلّة، في وقت كان العالم يشاهد معجبًا كيف استنفرت دولة تشيلي كلّ أجهزتها بدءًا برئيس الدولة وطلبت مساعدة أصحاب المعرفة والخبرة في سبيل إنقاذ 33 عاملاً احتجزوا على عمق 700 متر في باطن الأرض لمدّة 70 يومًا (الحمد لله لم يكن بينهم لبنانيّ وإلاّ كان دعاهم إلى طاولة حوار كي يتّفقوا على توزيع الهواء والماء والطعام).
ثالثًا: بعد حرب تمّوز، قدّرت التقارير أنّ الخسائر الماديّة بلغت رقمًا خياليًّا، أمّا الخسائر البشريّة فكانت آلاف القتلى والجرحى عدا الذين لوّثتهم آثار القنابل المحرّمة دوليًّا والذين لا مجال لمعرفة نتائج ذلك على صحّتهم حاضرًا ومستقبلاً، في المقابل أثبتنا للعالم أنّ إسرائيل لم تنتصر.
رابعًا: في البلد اليوم آلاف المسابح الخاصّة ولا مسبح شعبيّا، وآلاف المطاعم ولا مسرح شعبيّا، وآلاف الملاهي الليليّة ولا مركز لمعالجة الألم، ومئات المغنّين والمغنيّات ومفكّر واحد اسمه علي حرب.

أمام هذه الأرقام الفاضحة ألا يحقّ لمواطنة ساذجة مثلي في أمور السياسة أن تحلم:
بأنّ سعد الحريري قرّر تحويل الأموال المخصّصة للمحكمة الدوليّة لإقامة معهد للحقوق يكون الأكبر والأهمّ في العالم ليذكّر بدور بيروت الرائد في هذا المجال كي لا تستجدي بلاده بعد اليوم العدالة على أبواب المحاكم الدوليّة.
وأنّ حزب الله أعلن أنّ سلاحه المصوّب نحو الداخل سيكون ضدّ الأميّة والفقر وأنّه سيبيع ترسانته العسكريّة ليرسل بثمنها الأطباء إلى المؤتمرات العلميّة ليحملوا الدواء إلى المصابين بالسرطان ولإنشاء أهمّ مختبر في العالم لاكتشاف علاج لهذا المرض.
وأنّ الضبّاط الأربعة اتفقوا على أن يكونوا آخر المساجين الأبرياء بعدما اختبروا الظلم والفساد ولمسوا لمس اليد ما يعانيه الموقوفون في السجون اللبنانيّة وستكون معركتهم من الآن فصاعدًا لتحسين أوضاع المساجين وإطلاق سراح الأبرياء.
وأنّ مي شدياق أقسمت على أنّ قضيتها الأساس هي منذ هذه اللحظة، وبعدما اختبرت الألم والعجز والغدر، قضيّة المعوّقين وخصوصًا معوّقي الحرب المنسيين في البيوت والمؤسّسات الخاصة تنتظر تبرّعات المحسنين في الأعياد ليحسّنوا ظروف حياتهم
وأنّ أمّهات الشهداء الأموات والشهداء الأحياء وزوجاتهم وأولادهم قرروا ألاّ يسمحوا بعد اليوم بأن تندب أمّ ولدها أو تتفجّع زوجة على زوجها أو يبكي ولد على أبيه لسبب سياسيّ لأنّ من ذاق قسوة الحرمان ابنا أو زوجا أو والدا، وكان لا يزال يحتفظ ببعض إنسانيّة، لا يمكن أن يذيقه سواه وهو قادر على منع ذلك أو على الأقلّ عدم المساهمة فيه.
ولكنْ ما هي هذه إلاّ أحلام مواطنة لا تفهم في السياسة والمؤمرات الدوليّة وتقرأ الأرقام عن أعداد المرضى والفقراء والمعوّقين بلغة القلب والشعر لا بلغة المصالح والتجاذبات والمحاصصة. وهي لغة منقرضة في وطن كبير حوّلوه (حوّلناه) بلدًا صغيرًا يعاني أبناؤه، كلّ أبنائه (المرضى ومن يحيط بهم)، السرطان والسكّري وغسل الكلي وأمراض القلب والانهيارات العصبيّة والأوجاع من مختلف الأنواع وليس هناك مسؤول واحد يسمح بأن يُسأل. والأخطر أن ليس هناك مواطنون يجرؤون ويسألون أو يفكّرون لحظة في أنّ زعماءهم (قد) يخطئون.
*****
صحيفة النهار - الثلاثاء 16 تشرين الثاني 2010

الاثنين، 15 نوفمبر 2010

العتب على التعب



نكذب على أنفسنا وعلى الآخرين حين نقول إنّنا مشغولون جدًّا ولا وقت لدينا للقاء.
فلا أحد منّا مشغول إلى حدّ ألاّ يجد الوقت لكي يتّصل بالآخرين بواسطة الهاتف أو الإنترنت، أو للقيام بزيارة ولو خاطفة أو للخروج إلى مقهى قريب لتناول القهوة. لكنّنا نردّد جميعًا اللازمة نفسها ونصدّقها: والله مشغولون جدًّا.
الحقيقة "ما حدا إلو جلادة حدا".
لا أحد يملك الصبر والطاقة لكي يستمع إلى شكاوى يردّدها هو نفسه كلّ لحظة، ومن الطبيعيّ ألاّ تكون لديه رغبة في الاستماع إلى أصدائها.
ولا أحد يهوى الإصغاء إلى هموم يعاني هو نفسه منها ولا يعرف كيف يعالجها.
فإن كان الآخر نسخة عنك فأنت في غنى عن رؤية فقرك وتعبك والدوائر السوداء حول عينيك من كثرة القلق والأرق والقرف.
وإن كان الآخر في وضع أسوأ من وضعك فأنت لا تملك القوّة الكافية لكي تشدّد من عزيمته أو ترفع معنويّاته أو تمدّ له يد المساعدة.
أمّا إن كان الآخر ارتقى في مراتب الحياة والمجتمع حتّى صار أفضل منك بكثير، فلن تسعى بالتأكيد إلى لقائه. فما الذي يرغمك على الجلوس مع إنسان يصمّ أذنيك بآخر أخبار انتصاراته ومشترياته وأسفاره وحفلاته وأخبار أصدقائه ويصمّ أذنيه عن مشاكلك وهمومك وتعبك وحاجتك إليه؟ وما الذي يبقيك جالسًا أمامه مصغيًا إلى ما يشعرك بالإحباط واليأس والفشل وأنت تكتشف دفعة واحدة غباءك وتحجّرك الفكريّ لأنّك احترمت القيم والتزمت بالمبادئ وعملت وفق تعاليم الدين، فلم تسرق ولم تشته ما لغيرك ولم تفعل إلاّ ما أملاه عليك الضمير؟
وهكذا تتكرّر كلمة "مشغول" عشرات المرّات في اليوم، نختبئ خلفها حين يفاجئنا أحدهم بعتاب لأنّه لم يرنا منذ زمن. ونعرف أنّ هذا الآخر سيردّ علينا بالكلمة نفسها إن سألناه عن غيابه الطويل وكانت حاله كحالنا. ومن يسمعنا نتحدّث يصدّق "أنّنا قابرين الفقر من كتر الشغل"، علمًا بأنّ معظمنا لا يعمل بل نحن نهين العمل حين نتّهمه بأنّه يعيقنا عن لقاء من ندّعي أنّنا نحبّ أو حين نرفعه حجّة في وجه من نريد التخلّص منه. ولا علاقة لهذا "الانشغال" قطعًا بما قاله عبد الحليم حافظ لحبيبته في الفيلم لبنى عبد العزيز حين سألته متى ستراه فقال لها: مشغول، ولمّا عاتبته غنّى لها:
أنا مشغول عنّك بيك/ وما ليش إلاّ انت وسيرتك
ولا علاقة له كذلك بما طالبت به فيروز حين غنّت:
أنا ما بدّي تجي وتقول
اعذريني مشغول
لفتة من بعيد بتكفيني
وقلبي إلك على طول.

الأحد، 14 نوفمبر 2010

زيت وزيتون

تصوير: يارا هبر


الموسم موسم قطاف الزيتون والمعصرة تنتظر.
ولو كانت جدّتي إم سليم على قيد الحياة لما سمحت لنا بقطفه وعصره قبل كانون الثاني وشباط حين تمتلئ الحبيبات حتّى الانتفاخ بالزيت. ولكنّ الأيّام تغيّرت يا ستّي، والطقس الدافئ لا يعد بالشتاء، والحبيبات الحبيبة ستضجر من الانتظار قبل أن يغسلها المطر ويتحوّل فيها زيتًا، ونحن عندنا أعمالنا ولسنا منذورين مثلك للأرض التي أعطيتها بلا منّة، فأعطتك بسخاء.
أمّي، ابنتك، تحبّ الأرض، ولكنّها تستعجل القطاف قبل أن يحصل في البلد ما يمنعها من إتمام واجبها المقدّس. ولو كان المطر يفهم في المحكمة الدوليّة والقرار الظنيّ لما تأخر. تأخّر الشتي. يقول فخر الدين في مسرحيّة الأخوين قبل أن يلقوا القبض عليه. تأخّر الشتي ولم ينج الأمير الذي كان يراهن على الشتاء. تأخّر الشتي الآن لأنّ الناس ينتظرون القرار الظنيّ ولا ينتظرونه.
لا أذكر أين قرأت أو سمعت حكاية تلك الأمّ الفقيرة التي كانت تجمع الزيت المقدّس من الكنائس التي توزّعه مجّانًا بركة للمؤمنين، وتأخذه إلى بيتها وحين تضعه على الزعتر لتعمل منه "عروسًا" لولد من أولادها، تقول له: اليوم الترويقة على حساب مار الياس لأنّ القنينة الصغيرة التي أتى دورها مصدرها كنيسة على اسم هذا النبيّ. هي بركات الإيمان والأمومة والأرض.
موسم خير، ولو شحيحًا، في زمن القحط الأخلاقيّ والفكريّ. موسم خير لا نعرف كم يدوم، وإن كانت الأرض ستجد بعدنا من يعرف أنواع زيتونها، وعمر أشجارها، ومواعيد حراثتها وتسميدها وريّها وتشذيب أغصانها.
الناس اليوم يحبّون الهواء لا التراب: يطيرون في السماء، يطيرون في سيّاراتهم على الطرقات، يطيرون من الفرح عندما تأتي الكهرباء، يطيرون من وظائفهم. كلّ ذلك بأجنحة من شمع تذوب حين تقترب من الشمس فيسقطون، كإيكار، ويعانقون التراب رغمًا عنهم.

السبت، 13 نوفمبر 2010

لاعبو الورق

سيزان



إذا كانت عنجهيّة الولايات المتحدة حوّلت الحرب الشرسة على العراق لعبة ورق سخيفة ومهينة، فوزّعت صور كبار المطلوب القبض عليهم على عدد أوراق اللعب، ما يفضح الاحتقار الذي تعامل به هذه الدولة سواها من الدول والشعوب والحضارات، فإنّ لاعبي الورق في حيّنا يحوّلون هذه الهواية حربًا ضروسًا، لا تبقي ولا تذر، حربًا مصيريّة يهدر من أجلها الوقت والمال، وكلاهما ثمين، وتهون الكرامات وترخص الصداقة، وكلتاهما لا تعوّض.

ساعات وساعات يمضيها لاعبو الورق حول الطاولة المتحوّلة ساحة شرف، تكلّلهم هالات من دخان السجائر والأراكيل تشبه غبار المعارك المعقود لواؤه فوق رؤوس المحاربين، وتزيّنها مازة لائقة هي كالعتاد الحربيّ الذي يسمح للاعبين المتقاتلين باحتمال التحدّي والقلق في انتظار لحظة الحسم. ساعات من الصمت المتوتّر والهدوء النسبيّ تقطعها فجأة طلقات من أهازيج النصر، وزخّات من صرخات التشفّي والسخرية، ورشقات من شتائم رافضة ولعنات تنصبّ على الحظّ العاثر. ولهذه الحرب جولات يصول فيها اللاعبون ويجولون، يتنقّلون خلالها من منزل إلى منزل ومن طاولة إلى طاولة أو يستقرّون في "قهوة العين".

صحيح أنّ وجوهًا تتعب وتختفي، لكنّ الوجوه الأخرى مستعدّة للانضمام سريعًا فيرفع أصحابها لواء التحدّي خدمة للواجب وحفاظًا على ديمومة الإرث. وهكذا تستمرّ عمليّات الكرّ والفرّ من جيل إلى جيل بلا تعب أو ضجر. ولم أكن لأصدّق سيطرة الجوّ الرزين على هذه الأجواء الملحميّة لولا مجموعة الرجال الأشاوس في حيّنا، يتركون كلّ شيء ويتبعون عقربي الساعة المشيرَين إلى اقتراب موعد اللقاء. أحدهم ثأرًا لهزيمة، وآخر ردًّا على تحدٍّ مهين، وآخر ليتسلّى بعدما عزّت فرص العمل، وآخر ليهرب من البيت، وآخر ليختبر ذكاءه وحظّه، وآخر ليلتقي حلقة الأصدقاء الأوفياء للعبة الورق مهما اشتدّت الأزمات وصعبت الحياة. وفي كلّ الأحوال، يسيطر على أجواء اللعبة مناخ من التشنّج والتوتّر، لا يسمح بالتعليقات الساخرة، أو الأحاديث المشوِّشة، أو التدخّلات الخارجيّة، وإلاّ فالويل للمخالفين.

لاعبو الورق في حيّنا تلاميذ ملتزمون في مدرسة اللهو، وجنود أوفياء لقضيّة مصيريّة تستحقّ كلّ تضحية، ورجال (في أماكن أخرى للنساء طاولتهنّ الخاصّة) تتعلّق ثقتهم بأنفسهم بورق لعب ملوّن، يهوى اللعب فيه في آن واحد الأطفال ورجال الإدارة الأميركيّة.

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

الحزب الجديد





عالم آخر

أيًّا يكن انتماؤك السياسيّ، وأيًّا تكن هويّتك الطائفيّة، وأيًّا تكن طبقتك الاجتماعيّة أو مستواك الثقافيّ أو ميلك الرياضيّ أو الفنيّ أو الجنسيّ، ومهما يكن عملك، فإن كنت من روّاد المطاعم، فأنت واحد من المنضوين تحت لواء حزب جديد له فروع لا تحصى ولا تعدّ، موزّعة على مختلف الأراضي اللبنانيّة وإن كانت بيوته المركزيّة في العاصمة. وهذا الحزب هو حزب المطاعم.
هو حزب أنجبته المدينة الجديدة، يستقبلك، نادلاً بدوام كامل أو جزئيّ، أو ضيفًا له طاولته ومزاجه. وفي الحالين أنت وجه من ألوف الوجوه المتنقّلة من مطعم إلى مطعم، تستكشف وتتعلّم وتراقب ولا تعود إلى منزلك إلاّ في ساعة متأخّرة من الليل...أو من الصباح. وإذا كانت الأحزاب الأخرى والطوائف والنوادي والجمعيّات أخلّت بوعودها لك، فإنّ هذا الحزب لن يفعل، فهو صادق ولا يرضى بالتنازل عن سمعته أو الإساءة إليها. فقوائم الطعام فيه واضحة ومباشرة، وما عليك إلاّ أن تدّعي أنّك تعرفها جيّدًا حتى تظهر "ابن كار" فيتأكّد النادل من أنّك عضو واعد في حزب لا شروط له إلاّ الرغبة، الرغبة في الأكل، الرغبة في الشرب، الرغبة في التدخين، الرغبة في أركيلة، الرغبة في السهر، الرغبة في الاستماع إلى الضجيج، الرغبة في الانطفاء...
لكنّ العين البصيرة قادرة على التمييز بين الحزبيّ الملتزم والحزبيّ المشجّع. فالأوّل وجه معروف ومعروفة طلباته – ومن قياس أجسامهم تعرفونهم – والثاني وجه عابر ومتواضعة طلباته. إنّما لكليهما الاحترام والتقدير، فمن يدري متى تنقلب الأدوار ويصير العابر مقيمًا والملتزم ملزمًا بالانسحاب...أو بالريجيم.
والمدينة الجديدة، أمّ هذا الحزب ومرضعته، فخورة بابنها الذي جذب إليه خيرة الشباب وأجمل الصبايا وصفوة رؤوس الأموال وخلاصة المثقّفين. ولذلك تقفل المكتبات وتحوّل مطاعم، وتقفل المسارح وتحوّل مطاعم. وإذا كانت دور العبادة في أوروبا تحوّلت مطاعم وملاهي فلا شيء يمنع حصول ذلك عندنا. لا شيء يمنع كذلك أن تقفل مدرسة وتصير مطعمًا، فالأمر مربح ومثقِّف، يعلّم الأجيال الجديدة حسن التصرّف واللباس والذوق، ويضعها على تماس مع مختلف الحضارات ورجال الأعمال وأصحاب الثروات والفنّانين والمغتربين والسوّاح، ويخوّلها الحصول على شهادات أين منها شهادات أكبر المدارس وأفضل الجامعات. فأن تكون خرّيج ذلك المطعم أو ذاك الملهى جواز سفر إلى عالم الحداثة والتمدّن والحضارة. وتبعًا لذلك ستتغيّر الأمثال السائدة وسنقول "من قدّم لي كأسًا صرت له جارية أو عبدًا"، و"من فتح مطعمًا أفرغ منازل".
اليوم لا شيء يجمع اللبنانيّين إلاّ المطاعم،ولا حديث لهم إلاّ بمن التقوا على العشاء، وكيف رأوا فلانًا مع فلانة على الغداء في ذلك المطعم، وأيّ ملهى أفضل من الآخر، وما هو آخر مطعم فتح في البلد. وتحوّلت المجلاّت ألبومات صور للساهرين والساهرات، الذين يتواجدون في كلّ المطاعم وفي كلّ وقت. أمّا إذا كنت من غير هؤلاء ولم تكن ثقافتك "مطعميّة" فأنت جاهل أمّيّ لا تعرف الأبجديّة الجديدة، لغة المدينة الجديدة وهويّتها. وإن لم تكن صاحب شهيّة مفتوحة على كلّ احتمالات الطعام فلا ترافق من يريد الاستمتاع بتناول وجبة مميّزة لئلاّ تنغّص عليه لذّته، فلا وجهك، على جماله، ولا حديثك، على ذكائه، ملائمان ليكونا من المقبّلات أو الحلويات.

الخميس، 11 نوفمبر 2010

الطائر السعيد ( الصور للأميركيّة هيلين ليفيت)




إلى "آلان" الذي قضى في حادث سير على طرقات لبنان


ناداه الصوت وقال له: تعال
أومأ إليه أحدهم أنِ اقترب
فاقتحم الشاب الجدار الفاصل
وعبر إلى الجهة الأخرى
وصار طائرًا سعيدًا
صار ملاكًا حارسًا.

كبر الشاب فجأة
كان مشروع رجل،
مشروع حلم،
صار رجلاً
صدره مشرّع للريح
اسمه
علامة استفهام
فوق جبين أمّه
صليب
فوق كتف أبيه
دمعة
فوق خدّ أخيه.

إنّه الآن هنا.
أنا رأيته يتجوّل قرب البيت
يزور مدرسته
يمشي في أزقّة البلدة
يبتسم للرفاق
يحمّر خجلاً أمام الفتيات
"يفكفك" آلة ثمّ يعيد تركيبها
يحلم بأن يصير طائرًا...
فيطير.

الشاب الجميل كان شجاعًا
وحيدًا بكى وتألّم
لكنّ أحدًا لم ير دموعه.
وحيدًا صار رجلاً يواجه احتمال عبوره
لكنّ أحدًا لم ير الطفل الذي كان.
وحيدًا نفض جناحيه وطار
لكنّ أحدًا لم يرفع نظره عن الجسد الذي كان.

نحن علّمناه الأبجديّة
فمن علّمه الرحيل؟
نحن علّمناه الحساب
فمن علّمه ألاّ يحسب حسابًا لدموعنا؟
نحن علّمناه الكلام
فمن طلب منه أن يصمت؟

الصبيّ الذي كنّا نعرفه
لم يسمح لنا بأن نشهد على تحوّلاته
دخل في شرنقته
غفا، صار طائرًا، ارتفع،
وبقينا نحن مسمّرين على مقاعدنا.
الصبيّ الذي كنّا نعرفه
صار أكبر منّا
صار أكثر حكمة،
صار أعمق حبًّا.

الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

خطيئة مميتة (قصّة قصيرة)







كلّ الخطايا المميتة التي ارتكبتها تلك المرأة لم تشعرها بالذلّ والمهانة اللتين شعرت بهما يومذاك:
فلو أساءت إلى المحبّة وهي الوصيّة الأولى لقالت إنّها تستحقّ تلك النظرات الغاضبة، لكنّها مذ بدأت بتناول الحبوب المهدّئة وهي تشعر بسلام داخليّ وحبّ غريب لكلّ الناس والكائنات والحياة.
ولو استسلمت لرغبات الجسد ومالت مع ميوله لقالت إنّ ما يصيبها الآن قليل بالنسبة إلى ذنبها، غير أنّها منذ زمن لا تذكر أوّله تحمل جسدها عبئًا ثقيلاً كحمار ينوء تحت ثقل ما يحمله وينتظر بفارغ الصبر أن يريحه صاحبه منه.
ولو تسبّبت بأذيّة أحد الناس عمدًا وعن سابق تصوّر وتصميم لهان عليها الأمر، ولقالت إنّها تستحقّ العقاب مهما كان قاسيًا وشديدًا.
إلاّ أنّ كلّ ما فعلته هو أنّها تكلّمت مع ابنة أختها المراهقة باللغة العربيّة في معرض الكتاب الفرنسيّ.
جملة واحدة لا غير في خضمّ الازدحام والضجيج كانت كافية ليحلّ صمت تام يشبه ذاك الذي سيطر على بعض المناطق اللبنانيّة يوم تحدّثت فيروز باللغة العربيّة مع مقدّم البرامج، الفرنسيّ الشهير فردريك ميتران، وهو صمت يشبه تمامًا السكوت الرهيب الذي يسبق لحظة الدينونة.
جملة واحدة سمعها الجميع فسكتوا وهزّوا الرؤوس استنكارًا ثمّ أحنوها خجلاً وهم يتساءلون عن سرّ تلك المرأة الغريبة الدخيلة. لكنّ ابنة أختها أنقذتها من كلّ ذلك، أو هكذا ظنّت، حين شدّتها بثوبها إلى الخارج لتنهال عليها لومًا وتأنيبًا. وعبثًا حاولت الخالة الخاطئة أن تدافع عن نفسها، فالفتاة المحرجة لم ترض بالعودة إلى المعرض وصمّت أذنيها عن سماع خالتها وهي تقول: صحيح يا صغيرتي أنّ هؤلاء يتكلّمون باللغة الفرنسيّة ولكنّ اللغة الفرنسيّة لم تجعل منهم أشخاصًا أقلّ جهلاً ولم تحرّرهم من العصبيّات العائليّة والطائفيّة والمذهبيّة والعنصريّة، ولم تجعلهم يحملون الكتب في الباصات والحمّامات والمنتزهات والمطاعم، ولم تمنعهم عن رمي النفايات على الطرقات أو عن مراقبة الآخرين وإزعاجهم، ولم تعلّمهم احترام حريّة الآخرين والقبول بالاختلاف والتنوّع، ولم تنقل إليهم عدوى الانفتاح والثقافة والجديّة في العمل واحترام الأنظمة والقوانين، ولم تدفعهم إلى التعلّق ببلادهم ولغتها كما يتعلّق الفرنسيّ ببلاده ولغتها.
كانت المرأة تتكلّم باللغة العربيّة وابنة أختها الغاضبة تقاطعها باللغة الفرنسيّة طالبة منها الابتعاد عن هذا المكان قبل أن يراهما ويسمعهما أحد أصدقائها.

الاثنين، 8 نوفمبر 2010

مشاهد حبّ






حين تنظر إلى جذور شعرها البيضاء وتفكّر في حنان في أنّها تأخّرت عن موعد الصباغ لدى المزيّن لأنّها كانت منهمكة بأمور تخصّك...يكون الحبّ.
وحين تلاحظ أنّ أظافر يديها في حاجة إلى تقليم وتدريم وتلوين ولم تجد الوقت لذلك لأنّك طلبت إليها أن تساعدك في عملك...يكون الحبّ.
وحين تعودها في غرفة المستشفى وتباغتك رائحة الأدوية التي تكرهها ومع ذلك لا تتذكّر إلاّ عطر شعرها بعد الاستحمام...يكون الحبّ.
وحين ترافقها إلى عيادة طبيب الأسنان وتراها مفتوحة الفم، سائلة اللعاب والدم، خائفة من أبسط آلة يحملها الطبيب فتبتسم لها وتفكّر في أنّها أكثر الناس قربًا إليك...يكون الحبّ.
وحين تتناول في عفويّة منديلاً ورقيًّا مسحت به أصابعها وشفتيها ثمّ تركته على الطاولة، وتمسح به أصابعك وشفتيك...يكون الحبّ.
وحين تستمع إليها وهي تقول عبارتين كاملتين في جمع من الناس، متحدّية خجلها، فتبتسم لها فخورًا ولا تقاطعها...يكون الحبّ.
وحين تنظر إليها وتجدها مختلفة عن المرأة التي حلمت بها، وعن أمّك التي بهرت نظرك منذ طفولتك، وعن النساء اللواتي يثرن شهوتك ويحرّكن رغبتك، ومع ذلك تفضّل البقاء معها على أيّ شيء آخر في الدنيا...يكون الحبّ.

الأحد، 7 نوفمبر 2010

جثّة تتعرّض للحبّ (قصّة قصيرة)





     تطلّ غرفة نومنا على المستشفى، وحين كان الرجل الذي تزوّجته يلقي بثقل بدنه على هشاشة هيكلي تخرج عيناي من محجريهما وتتعلّقان بالأضواء المتسلّلة في خجل من الغرف البيضاء المتراصّة في ذاك المبنى الكبير المستطيل.
     منذ الليلة الأولى في هذا المنزل وأنا أتالّم مع المتألّمين، وألد مع النساء اللواتي يضعن أطفالهنّ، وأبكي مع الأطفال الذين لا يفهمون سبب معاناتهم. وحين كانت معركة الزوج مع جسدي تنتهي إلى ما يشبه الغياب، غياب كلّ منّا في عالمه الخاص، كنت أصير كالجثث المجهولة المقطّعة في المشرحة ذات الجوارير الباردة، غارقة في الموت والنسيان.
     سكنتني آلام المسشتفى منذ اكتشافي أنّ منزلي الجديد يطلّ عليها، ومع أنّ ساعات الفرح قليلة في حياتي إلاّ أنّي كنت أشعر بالذنب كلّ مرّة أرفع رأسي وأنا أضحك، فتقع عيناي على الشرفات الضيّقة المصفوفة قبالتي، يقف عليها رجال ونساء ينفثون همومهم في سجائر، يعشّش دخانها في صدورهم، فيمرضهم ولا يشفي مرضاهم. ومع وعيي التام عجزي عن تخفيف الآم المرضى هناك، وجدت نفسي مدفوعة إلى التماهي مع أمراضهم وأوجاعهم، ما أصابني بمجموعة من العوارض المؤلمة التي عجز الأطبّاء الذين كنت أعتبرهم جيراني عن معرفة أسباب ظهورها المفاجئ واختفائها السريع.
     والطريف في القصّة كلّها أنّ زوجي لم يكن على علم بشيء من ذلك، وكان ينسب دموعي المنسابة في خجل خلال تنفيذ واجباتنا الزوجيّة إلى انفعال يعود إلى طبعي العاطفيّ المتأجّج، حتّى أنّه عندما حدّثني عن ذلك بدا فخورًا بتلك المشاعر الملتهبة رغم مضيّ وقت على الزواج. وأخذت أفكّر في ردّ الفعل لو عرف هذا الرجل المتعقّل الرزين السبب الحقيقيّ لأوجاعي وسكوتي ودموعي، وكنت أسأل نفسي إن كنت سأجرؤ فعلاً على أن أطلب منه الانتقال إلى بيت آخر مع معرفتي بالوقت والمال اللذين استنفدهما منه هذا المنزل، فضلاً عن التعب والجهد المبذولين في انتظار أن يكون على ما تمنّاه دومًا. وكيف أخبره عن أصوات الأنين المخنوقة التي توقظني ليلاً عندما تهدأ حركة الشارع، وتخترق النوافذ والأبواب وتدعوني إلى مسامرة اصحابها العاجزين عن النوم من شدّة الألم؟ وكيف أبوح له بأنّ أرواحًا كثيرة زارتني على عجل بعدما تركت أجسادها المشلّعة النحيلة العاجزة، ورحلت بلا ألم أو تردّد؟ وكيف أعلن له أنّني كنت أخجل من شهقات لذّته أمام شهيق صدورهم المخنوقة، وأنّني كنت أستر عريي الممدّد على سرير رغبته خشية أن أسيء إلى عري أجسادهم الممدّدة على سرير الموت؟
     وبما أنّ الرجل الذي تزوّجته كان يردّد دائمًا أنّ الإقامة إلى جانب المستشفى أمر يطمئن النفس ويريحها خاصّة في الحالات الطارئة، تردّدت في طرح موضوع الانتقال إلى مكان آخر. غير أنّه لم يمهلني كي أحزم أمري وأصارحه، إذ أصابته نوبة قلبيّة حادّة وهو نائم إلى جانبي. وحين استيقظت مذعورة على صوت غريب صدر عنه ثمّ انطفأ، احتضنته ووضعت رأسه على صدري وأدرت وجهه نحو المستشفى وأخذت أداعب شعره وأنا أروي له قصص المرضى المقيمين هناك والموتى الذين سبقوه، وأدلّه على الغرفة التي سيضعونه فيها بعد قليل، ثمّ سألته إن كان يقبل أن أنتقل بعد ذلك إلى بيت آخر في آخر البلدة، عند نهاية الطريق المؤدّي إلى كنيستها والمدافن.

الثلاثاء، 2 نوفمبر 2010

اليوم الوطنيّ للصرف الصحيّ

حين ينام الهرّ


كانت المعلّمة المنتهية مدّة صلاحيّاتها على موعد مع نوعين من المسؤولين الإداريّين في دولتنا المهترئة: صندوق التعويضات الخاصّ بالمعلّمين في المدارس الخاصّة، والمجلس البلديّ لبلدتها البليدة. وكلا الموعدين يتعلّق بموضوع الصرف، الأوّل صرف تعويضات نهاية الخدمة والثاني الروائح الكريهة المنبعثة من أنابيب الصرف الصحيّ. وما بين الانتظار والانصراف، والتفكير في كيفيّة صرف التعويض وفي كيفيّة التصرّف مع واقع التربية والتعليم العالي في حكومة هي أقرب إلى تصريف الأعمال والأفعال، ومع الجرذان التي تتنزّه آمنة سالمة على خطوط التوتّر العالي (كذلك)، خطر للمعلّمة ضرورة تخصيص يوم للصرف الصحيّ يحتفل فيه الموظّفون المصروفون والمنصرفون من أعمالهم بنجاتهم من الموت قهرًا ومذلّة، وتحتفل فيه الجرذان باحتلالها سطح الأرض بعدما أحكمت سيطرتها على البنى التحتيّة. ففي صندوق التعويضات لا أحد يقف للمعلّم ليفيَه التبجيل، ولا أحد يقول له نشكرك باسم الوطن والإنسان على جهودك في تربية النشء. ولكنْ في مبنى الصندوق معلّمون ومعلّمات لا يعرفون ما إذا كانت المدرسة التي يعملون فيها سدّدت عنهم ما يتوجّب عليها أم لا، ولا يعرفون إن كانت تعويضاتهم ستصرف لهم أم لا، ولا يعرفون إن كانت ستعطى لهم كاملة أم منقوصة. وفي مبنى صندوق التعويضات يكتشف المعلّم أنّ تعويض نهاية خدمته لا يسمح له بشراء بيت أو أرض أو تأمين آخرة صالحة، فيتذكّر آلاف التلاميذ الذين علّمهم ويقول في نفسه: راتب كلّ واحد منهم في سنة أكبر من هذا المبلغ المطبوع على الشيك المصرفيّ والذي هو خلاصة عمر كامل.
ينتهي الموعد الأوّل، وتسرع المعلّمة "السابقة" إلى بيتها لتستقبل أعضاء المجلس البلديّ الذين وعدوا بالقيام بجولة في البلدة في هذا اليوم بالذات لمعالجة وضع أنابيب الصرف الصحيّ بعد خمسة أعوام من الشكاوى. في سيّارة الأجرة، تحاول أن تخطّط لآتي أيّامها، ثمّ تقرّر أن تحصر تفكيرها في موضوع الروائح الكريهة التي تثير غثيانها لمجرّد تذكّر مواعيدها الثلاثة كلّ يوم: صباحًا وظهرًا ومساء. كأنّها وصفة طبيب، تقول ساخرة. وتقسم بأنّها مستعدّة للتنازل عن حفلات التكريم في مناسبة انتهاء عملها التربويّ، وعن الوسام الذي قد يفكّر بعضهم بالمطالبة لها به، شرط ألاّ تجرح أنفاسَها بعد اليوم تلك الروائحُ التي تثبت كم يمكن الإنسان أن يكون قذرًا على رغم استحمامه ثلاث مرّات في اليوم. وتشعر بالاختناق وهي تتذكّر أنّها ستصل مع موعد الظهيرة لضخ المياه المبتذلة من المستشفيات والأبنية الفخمة والثكن العسكريّة، التي تصبّ كلّها في أنابيب أثريّة تعود إلى زمن كانت بلدتها "بيتين وتنّور"، فضلاً عن مخالفات لا تحصى تجعل الشبكة عاجزة عن تحمّل ما يسكب فيها من قاذورات.
يقتحم ذاكرتها منظر الجرذ النافق الذي وجدته قبل يومين أمام باب البيت وأخذت له صورة تذكاريّة بكاميرا هاتفها الخلويّ. بالطبع تذكّرت رواية "الطاعون" لألبر كامو ومشهد الطبيب الذي رأى عند الصباح الجرذ النافق أمام بيته. فرحت لأنّ الوباء قد يحلّ المشاكل السياسيّة وترسيم الحدود (لن يقترب أحد من حدودنا عند ذاك) وسلاح المقاومة وفضائح الوزارات وشهود الزور والشهادات المزوّرة، ويوحّد قلوب المواطنين حول همّ مشترك لا يميّز بين طائفة وأخرى أو بين حزب وحزب. فكّرت في أن تتصل بالبلديّة ذلك اليوم، ولكنّها تخيّلت اللهجة الساخرة التي ستقول لها حتمًا: لا تبالغي، فقد تكون سيّارة صدمته، أو تناول سمًّا وضعه الجيران. هل تتّصل بوزارة الصحّة؟ لا شكّ في أنّهم سيطلبون منها أن تتّصل إن رأت جرذًا نافقًا آخر، وعند ذلك قد يكون ثمّة ما يريب (فرحت لأنّها بعد نهاية عملها في التعليم وجدت فرصتها الذهبيّة في رصد الجرذان). ثمّ تقرّر أن تسكت عن الأمر، فلعلّ الجرذ انتحر من قرفه ممّا رآه وتنشّقه. ثمّ يؤنّبها صوت ضميرها الذي لم يخرس على رغم خيباتها من قضايا الوطن التي فسدت بمرور الزمن: ولكن ماذا لو كان الطاعون يكمن فعلاً في جيفة هذا الحيوان الصغير القبيح؟ إن سئلت، ولن تُسأل، ستقول للبلديّة بسخرية: "صحّ النوم"، كنتم مشغولين بتقديم مسرحيّة فنيّة راقية فلم أشأ تعكير جوّ الفرح في مهرجانكم الفنيّ، ووجدت من الجميل أن يرقص الناس فوق المسرح وأن تسرح الجرذان تحته. وللحكومة ستقول بلؤم: كنتم مشغولين بمقاومة إسرائيل التي هي سرطان الأمّة فهل ألهيكم بطاعونها؟ ولمن يعنيه الأمر، لم يتناه إلى سمع المعلّمة السابقة أنّ أعضاء المجلس البلديّ أتوا لدرس واقع الحال، علمًا أنّ الروائح الكريهة لا تزال تنفجر من باطن الأرض ثلاث مرّات يوميًّا لـ"تبشّر" بوباء يجعل الناس يتمنّون نزول النار والكبريت، وبالتأكيد لن يتناهى إلى سمعها أنّها ستكرّم على عملها في حقل التربية.
*****
جريدة النهار - الثلثاء - 2 تشرين الثاني 2010