الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 25 يوليو، 2009

التبّولة والكيان اللبنانيّ


كيف يصدّق عاقل في العالم كلّه ادّعاء إسرائيل أنّ التبّولة من مأكولاتها الوطنيّة وليست بالتالي لبنانيّة؟ فالعقل والمنطق لا يمكن أن يقبلا أنّ مجتمعًا أحاديّ الطائفة والرؤية والتفكير، يستطيع أن ينتج "أكلة" فيها كلّ هذا التنوّع، التنوّع نفسه الذي ينسجم مع طبيعة الكيان اللبنانيّ.
ولا أظنّ أحدًا يجهل المكوّنات المتنوّعة النكهة واللون والانتماء لصحن التبّولة وما يتفنّن اللبنانيّون في الإضافة عليه بحسب أذواقهم وما يخترعونه من وسائل مكمّلة لتناول هذا الطبق ذي الأهميّة القصوى على مائدتنا الوطنيّة، ما جعل الأخوين رحباني يشيران إليه في عملهم الفنيّ "حكاية الإسوارة"، إذ تأتي مجموعة من الصبايا إلى دكّان القرية لشراء الأغراض رغبة في تحضير "التبّولة" بناء على رغبة العريس المحتمل.
البقدونس والنعناع والبرغل والزيت والبندورة والبصل والحامض والملح والبهار مكوّنات أساسيّة، تخلط بطريقة خاصّة بكلّ طاهٍ أو طاهية، وبكلّ سيدة منزل، وبمقادير لا تخضع لقانون أو عُرف أو شروط، لتؤلّف نوعًا من الطعام يؤكل بأساليب مختلفة، ففي حين يفضّل بعضهم تناول التبّولة بالشوكة على عادة الغربيّين في تناول طعامهم، لا يقبلها آخرون إلاّ مع أوراق الخسّ أو الملفوف أو ورق العنب لا بل إنّ كثيرين لا يأكلونها إلاّ بالخبز. وهناك من السيّدات من يضيف إليها عصير الحصرم أو حبّ الرمّان الحامض أو سواها من الموادّ ما يوحي بأنّ هذا الطبق قابل للحذف والإضافة والتعديل، بحسب المزاج والرغبة والذوق وما هو متوفّر من حواضر البيت وتوابله. وصحن التبّولة هو الوحيد الذي يسمح لبعض الثائرين بشرب ما يتبّقى فيه من عصير، وذلك من الصحن مباشرة وفي ذلك ما لايخفى من التحدّي لآداب المائدة. ولكنّ لصحن التبّولة حصانة لا تعطى لغيره. أليست هذه التركيبة الكيميائيّة الغريبة العجيبة القابلة للتعديل كلّما دعت الحاجة أو تغيّر الذوق العام هي صورة طبق الأصل عن التركيبة اللبنانيّة ذات الثماني عشرة طائفة لكلّ منها نكهة وطعم ولون؟
من السهل أن يثبت اللبنانيّون أنّ ثمّة أمورًا لا يمكن لغيرهم أن يخترعها أو يؤلّفها أو يركّبها أو يخربها أو يستفيد منها أو يفتخر بها، والتبّولة واحدة من هذه الأمور. فلا شكّ في أنّ أوّل صحن تبّولة كان كناية عن عربون اتفاق بين أكثر من منطقة لبنانيّة تخضع كلّ واحدة منها لطائفة أو مذهب، إذ أتى ممثّلو هذه الطوائف والمذاهب محمّلين بأشهر ما تنتجه مناطقهم ووضعوه على طاولة الحوار عربون محبّة وسلام وحسن نيّة، فوصل أحدهم من البقاع حاملاً البرغل، وجاء الآخر من الشمال حاملاً الزيت، وجاء ثالث من الجنوب حاملاً الليمون الحامض، وهكذا إلى آخر الممثّلين، وحين وصل الطاهي راعي هذا اللقاء خلط هذه المكوّنات ليفرض الوحدة الوطنيّة وقال لكلّ واحد منهم: تذوّق ما أشهى هذه التركيبة. وبالفعل اكتشف المندوبون إلى لقاء الحوار الوطنيّ أنّ التبّولة نتيجة رائعة: فهي طيّبة المذاق، ومغذيّة وصحيّة، ومثيرة للشهوة، تصلح للأغنياء والفقراء، وتساعد المناطق اللبنانيّة كلّها على تسويق إنتاجها، وفي هذا ربح للجميع، فضلاً عن أنّ هذا الطبق الواعد يمنع الاحتكار والانعزال والتقوقع إذ لا تستطيع منطقة أن تنتجه وحدها ومن دون المكوّنات الموجودة حصريًّا في المناطق الأخرى. وهكذا ظهرت "التبّولة" لتتوّج المصالحة الوطنيّة وتكلّل مائدة الحوار بالشهيّ المفيد.
قد يسأل خبيث بينكم: ومتى كان ذلك؟ والجواب سهل: في أيّ مرحلة من تاريخ لبنان المتخم بالصراعات والمصالحات. فكيفا قلّبنا صفحات تاريخنا سنجد حتمًا لقاء وطنيًّا جمع زعماء المناطق والطوائف للاتفاق على صيغة عيش مشترك.
وأخيرًا وليس آخرًا، ولمزيد من المعلومات التي تنفي الادّعاء الإسرائيليّ، نذكّر بما ورد في "معجم الألفاظ العاميّة" (اللبنانيّة طبعًا) للأديب اللبنانيّ الراحل أنيس فريحة ( وهو دكتور في الفلسفة وأستاذ اللغات الساميّة في الجامعة الأميركيّة)، إذ ترد كلمة "تبّولة" بعد فعل "تبّل" وكلمة "متبّل" (وهي أيضًا أكلة لبنانيّة سرقتها إسرائيل)، وفعل تبل بحسب المعجم قد تكون فارسيّة أو آراميّة، ولم يُذكر أنّها عبريّة.
*****
نستطيع أن نلهي أنفسنا ونضع مئة سيناريو لاختراع "التبّولة" اللبنانيّة، ولكنّ إسرائيل لا تلعب في مثل هذه الأمور وسرقة التراث ليست بالأمر الجديد عليها، ومحو الذاكرة من اختصاصها. ونحن لم ننس بعد البرتقال الفلسطينيّ الذي اختفت أشجاره عن الأرض ولم تبق رائحة زهره إلاّ في شعر محمود درويش، فلنسرع ولنكتب الشِعر عن أمّهاتنا وهنّ "يجبلن" التبّولة قبل أن ترحل الأمّهات وقبل أن يُسرق الصحن من أمام أعيننا.

الجمعة، 24 يوليو، 2009

"قصر الكويتيّ"وقصور الذاكرة



يعرفه الناس باسم "قصر الكويتيّ". من السهل طبعًا لمن أراد البحث عن اسم صاحبه أن يصل إليه، غير أنّنا في البلدة اتفقنا ضمنًّا على هذا الاسم ولم يعد يعنينا أن نسأل الأكبر منّا سنًا من هو صاحب هذا القصر المهجور، المعتمر طربوشه القرميد الممزّق، والمحاط بمجموعة من أشجار السرو.
منذ زمن بعيد لم نر فيه أحدًا من أصحابه، ولا شكّ في أنّ آخر زيارة لهم تعود إلى ما قبل الحرب. أمّا خلال الحرب وبعدها فأقامت فيه عائلات مهجّرة من قراها أو من بيوتها المتاخمة لخطوط التماس، وصار أفرادها جيراننا رغمًا عنّا وعنهم، فالحرب لا تترك لنا خيارات واسعة. بعد الحرب، عاد الناس إلى بيوتهم وقراهم وخلا القصر من الحركة والأصوات وصراخ الأولاد، غير أنّ ثلاثين سنة كانت كافية لكي تولد فيه أجيال، ويتزوّج أفراد، ويموت كثر. ثلاثون عامًا هي عمر كامل مليء بالذكريات التي ستطمرها الجرّافات قريبًا ليرتفع مكان القصر المهجور بناء حديث يغري مالكيه بأن يقيموا فيه.
يحقّ للأمير الكويتيّ أن يستردّ قصره وأرضه كما يحقّ لكلّ إنسان في أيّ مكان في العالم أن يستردّ حقوقه، غير أنّ أحدًا لن يعتب علينا إن أسفنا لتغيّر معالم البلدة متى هدم القصر القديم. فالذكريات التي تراكمت في بالنا وألبومات الصور خلال تلك المرحلة صارت ملكًا لنا، ومن حقّنا أن نحزن حين لا يبقى إلاّ الذكريات والصور التي تعود إلى يوم بُدئ العمل في بناء القصر، مرورًا بزيارات قليلة قام بها أصحابه إليه خلال صيفيّات لبنان، وصولاً إلى اختباء الناس في طبقاته السفلى خلال القصف، وانتهاء بأسراب العصافير التي نراها مقيمة في شقوق حيطانه، وتتجوّل داخل غرف القصر وحوله بحريّة. فمتى كانت الأبواب مشرعة والنوافذ "مشلّعة" سهل الدخول والخروج للطيور كما للحشرات والأفاعي.
ما زلت أذكر، وإن في غموض وضبابيّة، ناطور القصر مع عائلته المؤلّفة من زوجته وابنته الوحيدة "حياة" وولديه "زياد" و"طلال". أعتقد أن اسمه "محمّد"، غير أنّ كنية "أبو طلال" هي التي تتردّد في ذاكرتي حين أستعيد مشاهد الحياة في تلك المرحلة. والآن عندما أقف أمام منزلنا المواجه للقصر المهدّد بالزوال، أشعر أنّ الركام قد يدفن تحته "إم طلال" بمنديلها المعقود حول رأسها، وأولادها الذين لا يزورون أحدًا إلاّ برفقة والديهما، وأكتشف أنّ محو الذاكرة يبدأ من محو المكان. ولذلك أصرّت إسرائيل على تغيير معالم الأرض في القرى والبلدات الفلسطينيّة، واستبدال أشجار البرتقال بأشجار أخرى، والقضاء على كلّ ما يمكن أن يجعل الفلسطينيّ يهتف حين يعود: هنا كان...
وأنا سأقول في الصيف المقبل، هنا كان قصر "الكويتيّ"، والكويتيّ أمير لا أعرف وجهه أو شكله، ولكننّي أعرف قصره الذي تجوّلت فيه يوم فتح المسلّحون أبوابه وأسكنوا فيه أقرباءهم المهجّرين، ورسمت في بالي صورة عن أصحابه وأذواقهم في اختيار السجّاد واللوحات والأثاث، وما عاد من السهل أن أستبدلها بغيرها. وفي الصيف المقبل حين تبدأ عمليّة الهدم، ويجلّل الغبار البلدة والأشجار، سألقي النظرة الأخيرة على القصر الذي أُجبرت في ليلة قصف عنيف أن أرافق أهلي لنختبئ مع سوانا من الأقارب والجيران في الملجأ القابع تحته. وفي حين نام الجميع في تلك الليلة، سهرت وأنا أستمع إلى سمفونيّة عجيبة غريبة من أنواع الشخير وأنواع القذائف، وضحكت من نفسي حين خطر لي أن تكون الليلة الوحيدة التي أتيح لي فيها أن أمضي ليلة في قصر أمير هي في ملجأ وتحت القصف وفي رفقة كلّ أبناء البلدة وفي غياب الأمير، فتركت الملجأ وعدت إلى البيت.
للأمير المجهول قصره، ولذاكرتي قصور، ولكن ماذا أقصد بكلمة "قصور"، هل أقصد أن أقول: أكثر من قصر، أم أعني تقصير الذاكرة وعجزها عن الاحتفاظ بما فيها. لا شكّ في أنّ القصر تغيرت صوره مع تغيّر الزمن والمقيمين فيه وعدد القذائف التي دمّرت أجزاء منه، ولكنّني في الوقت نفسه أخشى أن تقصّر ذاكرتي عن الاحتفاظ بهذه الصور كلّها متى هدم القصر، وارتفع بناء آخر لا علاقة له بالماضي.
ليتهم يتركون أشجار السرو! فأشجار السرو حارسة الموتى في بلادنا.

الأربعاء، 22 يوليو، 2009

متى الغفران المسيحيّ؟

منحوتة من خشب الأرز للفنّان رودي رحمة - غابة الأرز - لبنان
النهار - الأربعاء 22 تمّوز 2009


أربعة أسباب قد تدفع زعيمًا لبنانيًّا لمصالحة عدوّه أكان هذا العدو شخصًا أم دولة:

السبب الأوّل: الرغبة في الغفران والتعالي فوق الإساءة مهما كان حجمها، وهذان الأمران ينبعان من التزام دينيّ يجعل الإنسان الملتزم في داخل هذا الزعيم يتصرّف بوحي إيمانه وانسجامًا مع التزامه.

السبب الثاني: وضع مصلحة الطائفة التي ينتمي إليها هذا الزعيم – وما من زعيم لبنانيّ لا يمثّل طائفة – فوق كلّ اعتبار، وهذا يعني تخطّي المشاعر الشخصيّة والاعتبارات الذاتيّة من اجل إنقاذ الطائفة من تداعيات هذه العداوة.

السبب الثالث: وضع مصلحة البلد في سلّم أولويّات هذا الزعيم، فينسى (أو لعلّه يتناسى) حقده وغضبه، ويترفّع عن الثأر الشخصيّ (أو لعلّه يؤجّله) إذا كان في ذلك خلاص الوطن.

أمّا السبب الرابع فيكمن في طبيعة بشريّة لا يتخطّاها إلاّ القدّيسون والأبطال الشهداء وهو الخوف على الذات من مصير قاتم ينتظر هذا الزعيم إن استمرّ على عدائه شخصًا أو دولة لا قدرة له على الانتصار عليهما. فأيّ سبب من هذه الأسباب جعل الزعيمين اللبنانيين وليد جنبلاط وسعد الحريري يعلنان استعدادهما لزيارة سوريا متى سمحت الظروف؟ فالزعيمان المذكوران لا يزالان يعتبران أنّ النظام السوريّ مسؤول عن مقتل والد كلّ منهما، وأنّ كمال جنبلاط ورفيق الحريري راحا ضحيّتي النفوذ السوريّ والرغبة في الهيمنة على لبنان. ومع ذلك يعلنان أنّ لبنان لا يستطيع الاستمرار في عدائه للجارة الشقيقة.

فإذا كان الغفران المنبثق من التزام دينيّ هو الذي يجعل هذين الزعيمين يتخطّيان اغتيال والد كلّ منهما، فلماذا لا يتعلّم الزعماء المسيحيّون الغفران منهما بعدما عجز دينهم المسيحيّ القائم على الغفران عن تعليمهم ذلك؟ وإذا كانت مصلحة الطائفتين الدرزيّة والسنيّة تفرض على زعيميهما تناسي الماضي والارتفاع فوق مآسيه لإعلان عهد جديد من العلاقات السياسيّة مع دولة مجاورة هي امتداد لطائفتيهما، فلماذا لم يتعلّم زعماؤنا المسيحيّون ذلك من العهد الجديد في إنجيلنا، وفيه دعوة كي نكون حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام؟ وإذا كانت مصلحة البلد كما يعبّر الزعيمان الدرزي والسنيّ تقضي بمصالحة سوريا، فلماذا لا يتّعظ زعماؤنا المسيحيّون الحريصون على مصلحة البلد كما يعلنون في كلّ مناسبة ويصالح الواحد منهم أخاه قبل أن يقدّم قربانه على مذبح الربّ، وبدل أن يحوّلوا البلد أضحية على مذبح أنانيّاتهم؟ أمّا إذا كان الزعيمان اللبنانيّان خائفين على نفسيهما ومصير زعامتهما، وهما اللذان يتمتّعان بوحدة طائفتيهما المتكتّلتين حولهما وباتصالات عربيّة وعالميّة تجعلهما مطمئنّين ولو إلى حين إلى إمكان تأجيل أيّ حكم بحقّهما، فهل يعني ذلك أنّ زعماءنا المسيحيّين لا يزالون مقتنعين بأنّ مسيحيي لبنان لا يزالون محور اهتمام العالم وأنّ شعرة من رؤوسهم لن تسقط كي لا يسقط استقرار المنطقة وأنّ لبنان لا يطير إلاّ بجناحيه المسيحيّ والمسلم وأنّ الله لن يتخلّى عن كنيسته ولو تخلّوا هم عنها؟

المسيحيّون في لبنان يحسدون أبناء الطوائف الأخرى على زعمائهم: يحسدون الطائفة الشيعيّة على نبيه برّي، رجل السياسة، الذي كسر نظام الجامعة اليسوعيّة وحقّق لفتاة متفوّقة تستحقّ كلّ تكريم ومساعدة حلمها في الدراسة الجامعيّة، وعلى تكامله مع السيّد حسن نصر الله الذي يملك الذراع العسكريّة التي لا تلوى؛ ويحسدون الطائفة السنيّة على سعد الحريريّ الذي وضع ثروته في خدمة أبناء الطائفة، وبعلاقاته الدوليّة والعربيّة وفّر لهم غطاء يحميهم من تقلّبات الطقس السياسيّ؛ ويحسدون الطائفة الدرزيّة على وليد جنبلاط المدعوم من مشايخ الطائفة، والذي يعرف متى يزور الأمير طلال أرسلان ومتى يستقبل وئام وهّاب. أمّا المسيحيّون، الموارنة تحديدًا الذين يفوق عدد قادتهم الروحيّين والزمنيّين عدد الأتباع، فما عادوا ينتظرون من زعمائهم إلاّ المجازر العسكريّة بهدف توحيد السلاح، وتضييع الهويّة بحجّة الانفتاح مرّة على الشرق ومرّة على الغرب، و"الزحفطونيّة" من اجل الوصول إلى أقرب كرسي.

الاثنين، 20 يوليو، 2009

ماذا نفعل في غياب الأسماء الكبيرة

تمثال الشهداء في ساحة البرج - لبنان


ترد في بعض المقالات الأدبيّة والفنيّة عبارات نقديّة من نوع: غابت عن هذا المهرجان أسماء كبيرة كمحمود درويش وأدونيس، أو لم تُلق في الاحتفال كلمات حامية كتلك التي كان أبطالها أسماء كبيرة كنزار قبّاني ومحمّد الماغوط، ولم يُسجّل في اللقاء أيّ نقاش مثير بين أسماء كبيرة كنصر حامد أبو زيد والصادق النيهوم.



غير أنّ أصحاب هذه المقالات لا يقولون لنا ماذا يجب أن نفعل في غياب هذه الأسماء الكبيرة؟ وإذا كان الراحلون منهم إلى غياب أجسادهم لا يستطيعون الحضور والنقاش فلماذا يعتكف الأحياء عن حضور المهرجانات والمشاركة في الندوات وإلقاء الكلمات؟ وكيف نستطيع أن نهيّئ لجيل جديد من الأسماء الكبيرة يستلم الشعلة ممّن سبقه؟

المفكّرون والشعراء والروائيّون الأموات تركوا لنا تراثًا عظيمًا نستطيع انطلاقًا منه أن نجعل كلّ مهرجان واحتفال ولقاء فرصةً للنقاش والحوار تغني الفكر والأدب وتؤسّس لمرحلة جديدة فيهما. ولا يجوز لنا أن نعتبر موت محمود درويش على سبيل المثال سببًا كافيًا للتوقّف عن قراءة أعماله ودراستها وتحليلها ولو تحوّل كلّ ذلك أحيانًا إلى صراع حول شعره وأوزانه ومعانيه، كما حصل مع قصائده الأخيرة التي نشرتها دار رياض الريّس. فالنقاش العروضيّ واللغويّ الذي دار بين أكثر من ناقد وشاعر وناشر وصحافيّ دليل عافية رغم كلّ ما قيل عن ضرورة وضع حدّ له. وبغض النظر عن الخلفيّات الشخصيّة والاعتبارات الحزبيّة والسياسيّة التي قد تكون السبب في كثير ممّا كتب، فإنّ العودة إلى دراسة الأوزان الشعريّة في شعر درويش وتحليل بعض المفردات التي وردت في الديوان المنشور لمعرفة ما إذا كانت صحيحة أم لا، أمران مثمران حرّكا مياه الشعر الراكدة نقديًّا. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ دراسة مسودات الشعراء فنّ في حدّ ذاته، وتتسابق المتاحف على اقتنائها لتعقّب نموّ النصّ انطلاقًا من بين يدي صاحبه من الكتابة الأولى إلى الشكل النهائيّ. ولعلّنا سنفقد ذلك مع تحوّل الكتّاب إلى التخلّي عن الورقة والقلم لصالح اللابتوب.
الأمر الآخر هو تغيّب الأحياء من المبدعين عن المهرجانات الثقافيّة، والسبب في رأيي يعود إلى أنّ الجماهير لم تعد تفهم ما يقال فيها، وأصحاب النظريّات المتطرّفة الدينيّة والفكريّة يحوّلونها ساحات جدال عقيم. فكم من مرّة قرأنا أنّ هذا الشاعر قوطع بصيحات الاستهجان، وأنّ ذلك المفكّر هوجم في الصحف، وأنّ غيره اتّهم بالخروج عن الدين والقوميّة، عدا عن إهدار الدم والتكفير والفتاوى ومنع النشر والملاحقة والتهديد.
أمّا العمل على تحضير أسماء كبيرة جديدة فلن يكون بالتربية والتعليم المقيّدين بألف قيد وقيد ولا بالنقد الساذج ولا بالقبائل الثقافيّة المتناحرة ولا بتغييب أسماء (وهو أمر سخيف في عصر الإنترنت وسرعة النشر والتواصل)، ولا بكبت الحريّات أو سرقة الأفكار أو ترجمة المقالات من اللغات الأجنبيّة بكبسة زر على اللابتوب، ولا في تغييب الثقافة عن التلفزيون، ولا في المهرجانات التي تهدر من أجلها الأموال ويسفك في لقاءاتها نسغ الشعر.
إنّنا اليوم في عصر الإعلاميين الكبار أصحاب الحسابات المصرفيّة الكبيرة، ولا أحسب، ما دمنا في هذا الواقع المعيب، أنّنا سنستعمل صفة "كبير" أو "كبيرة" إلاّ بعد كلمة "انفجار..." هزّ هذه العاصمة أو "أزمة سياسيّة..." تعاني منها تلك الحكومة.


خلايا المنشأ وخلايانا الإرهابيّة


بعدما رفع الرئيس الأميركيّ باراك أوباما الحظر الذي كانت فرضته إدارة جورج بوش على الأبحاث المتعلّقة بخلايا المنشأ الجنينيّة، صار في إمكان الناس أن يحلموا بالتخلّص من المرض أو بالشفاء العاجل، وصار من المتوقّع في السنوات المقبلة أن يجد المصابون بالأمراض المزمنة والتي كانت غير قابلة للشفاء وسائل علاج تعيد إليهم صحّة كانوا يخالون أنّها ستبقى تاجًا على رؤوس الأصحّاء.
وكان من الطبيعيّ أن تعود إلى الواجهة دراسات دينيّة وآراء فقهيّة ونظريّات فلسفيّة واجتماعيّة ونفسيّة تحلّل نتائج هذا النوع من العلاج وما إذا كان أخلاقيًّا أو لا، وما هي حدوده وما هو مستقبله. وواكبت الصحافة هذه الدراسات والآراء والنظريّات وأدلى كلّ واحد بدلوه في بئر هذه الأبحاث محاولاً أن يطلع منها بمياه الخلاص: إمّا من الخطيئة في حال كان الجواب أنّها غير أخلاقيّة أو من المرض في حال كان الجواب أنّها لا تتعارض مع المشيئة الإلهيّة وخير البشر. فكثرت المقالات التي تتحدّث عن قطع الغيار البشريّة وعن تحقيق حلم الإنسان بعدم الموت بعدما صار قادرًا على الشفاء من أيّ مرض. ولكن العلماء الذين يجرون هذه الأبحاث في واد ونحن (أي العرب) في واد، ولو تنازل هؤلاء واستمعوا إلينا لوفّروا على أنفسهم مليارات الدولارات لا بدّ من دفعها ثمنًا، عدا عن الوقت المهدور والناس الذين سيموتون قبل أن تسمح الدوائر الرسميّة المختصة بنشر هذا العلاج أو ذاك الدواء أو نتيجة ذلك البحث.
أوّلاً: نحن نملك قطع غيار بأعداد لا تحصى، ونملك جميع الأعضاء التي يعد العلم بتوفيرها في المختبرات، إذ كان يكفي لتأمينها لكلّ المرضى في العالم: أن تجمع الأشلاء المتناثرة من مواقع الانفجارات المتنقّلة بين لبنان والعراق وفلسطين والجزائر واليمن وسوريا والسودان، فضلاً عن أفغانستان وباكستان والهند، وأن تجمع من السجون العربيّة العيون التي تسمل والأظافر التي تقلع والجلود التي تسلخ، وأن تتحوّل المعتقلات العربيّة مختبرات علميّة تجرى فيها تجارب على البشر هي في طبيعة الحال أفضل بما لا يقاس من تلك التي تجرى على الفئران المسكينة. وبما أنّنا شعب يطلب العلم ولو في الصين فلن نبخل على العلماء بأجساد المطالبين بالحريّة والعدالة والمساواة ورجالات الأحزاب والتيّارات العلمانيّة والأصوليّة على حدّ سواء.
ثانيًا: من قال إنّنا نرغب في الشفاء من أمراضنا وفي إطالة عمر عذاباتنا؟ ومن قال إنّنا راغبون في النجاة من الإلزهايمر الذي سينسينا أسماء زعمائنا وخطاباتهم المجتّرة؟ ومن قال إن نجونا من رجفة الباركنسون فسننجو من ارتجافنا من الخوف على أرواحنا من عسس الليل؟
نحن لا نريد أن تطول أعمارنا. ومن يرغب في ذلك فضوليّ يريد فقط أن يعرف متى ينتهي عهد ذلك الزعيم ومتى ستزول إسرائيل وكيف ستنتهي حروب لبنان وهل يعود الفلسطينيّون إلى فلسطين. والفضول قتل الهرّ الذي لحس المبرد.
نحن لا نريد أن تطول أعمارنا بعدما قصّروا ألسنتنا وقصّروا في حقّ أطفالنا. فليأخذوا خلايانا قبل أن يفتتها القهر أو القصف أو الاغتيال أو الجوع. ولنتبرّع بخلايانا الجذعيّة قبل أن تحاصرنا الخلايا الإرهابيّة التي ترتدي مرّة بزّة الشرطي ومرّة رداء رجل الدين ومرّة حلّة التاجر، لعلّنا بذلك نستعيد دورنا في خدمة العلم بعدما انطلق الطبّ من بلادنا تاركًا لنا سوط الجلاّد.

الديبلوماسيّة النسائيّة الغربيّة في بلاد العرب

وسط بيروت

قبيل الغزو الإسرائيليّ على غزّة، استقبل الرئيس المصريّ حسني مبارك وزيرة الخارجيّة الإسرائيليّة تسيبي ليفني، غيرّ أنّ الصحف نقلت عن مصادر مقرّبة من الرئيس المصريّ نفيها أن يكون الرئيس مبارك أعطى خلال هذا اللقاء الضوء الأخضر لإسرائيل بشنّ هجوم مدمّر على قطاع غزّة.
وقبيل أن يغزو الرئيس العراقيّ صدّام حسّين الكويت، كان التقى سفيرة الولايات المتحدة أبريل غلاسبي التي اختفت عن الساحة السياسيّة بعدما أعلمت صدّامًا بأن بلادها غير معنيّة بشؤون العراق بحسب ما يؤكّد أكثر المحلّلين. وفي مقابلة أجرتها رنده تقي الدين لصحيفة "الحياة" قالت غلاسبي ما معناه أنّها لم تكن مقرّبة من الرئيس العراقيّ وكانت تخاف منه وتخشى اللقاء به، وأنّها عندما استدعيت للقاء شخصيّة مهمّة قبل الغزو لم تكن تعرف أنّها ستواجه الرئيس نفسه. وتتابع غلاسبي مؤكّدة أنّها لم توح للرئيس العراقي بالغزو مع أنّها كانت بحسب اعترافها، وسواها من السفراء الغربيّين في بغداد آنذاك، على علم بالاستعدادات العسكريّة العراقيّة على الحدود مع الكويت، وعلى الرغم من أنّها كانت مضطّرة إلى مغادرة العراق في إجازة لاصطحاب والدتها إلى الولايات المتحدة، تردّدت في موضوع السفر ثمّ حزمت أمرها ورحلت. وحين سألتها رنده تقي الدين: ما الذي حملك على تغيير رأيك والمغادرة في إجازة؟ أجابت غلاسبي في بساطة: الحماقة! ونُقل لاحقًا أنّ وزير الخارجيّة الأميركيّ جايمس بايكر أنّب السفيرة لأنّها لم توضح جيّدًا للرئيس العراقيّ موقف بلادها من الغزو، ومنعها عن إجراء المقابلات لمدّة ثمانية أشهر ثمّ حُوّلت إلى أعمال بسيطة قبل أن تختفي عن الأنظار.
لا يستطيع المرء وهو يبحث عن دور النساء غير العربيّات في سياستنا العربيّة إلاّ استعادة وجه الليدي إستر ستانهوب (1776 – 1829) التي يعتبرها المؤرّخون جاسوسة بريطانيّة استطاعت أن تقيم علاقات وثيقة مع الأتراك والفرنسيين والأمير بشير الشهابيّ، واستقبلت في منازلها الموزّعة على أكثر من مكان الشعراء والسياسيّين والجواسيس، وكانت تهتّم بدراسة النجوم وقراءة الغيب، واتّهمتها بعض الدراسات بالشذوذ، ثمّ ماتت بمرض الطاعون ودفنت في لبنان. ولكن ما يتّفق عليه الجميع هو الدور السياسيّ الذي أدّته خدمة لمصالح بلادها.
ولا نستطيع بالتالي إلاّ أن نتساءل عن سرّ هذه القدرة النسائيّة الغربيّة على التسلل إلى ديارنا المتحفّظة المتزّمتة والتي لا تزال تمنع عن النساء العربيّات الكثير من حقوقهنّ، ولا يمكننا إلاّ أن نسأل عن سبب هذه الحفاوة بالأجنبيّات ومن أين لهنّ هذه "المَوْنة" على زعمائنا وحكّامنا؟ فمادلين أولبرايت، وهي أوّل امرأة تتسلّم منصب وزارة الخارجيّة (1996)، كانت لا تعود من عندنا مكسورة الخاطر، مع أنّ جريدة البيان التي تصدر في دبي اتّهمتها في عددها الصادر في 28 آب 2005 بقتل الرئيس السوريّ حافظ الأسد (من دون أن تسمّيه) بواسطة السمّ الإشعاعيّ وهو الأسلوب الذي قتل بواسطته، بحسب الصحيفة، الرئيس الفلسطينيّ ياسر عرفات والمقاوم الفلسطينيّ وديع حدّاد والرئيس الجزائريّ هواري بومدين. وبعد أولبرايت عهد بوزارة الخارجيّة إلى كونداليزا رايس والآن إلى هيلاري كلينتون، فهل حكّام العالم من الرجال أسهل انقيادًا للعنصر النسائيّ أم هو شهريار الكامن في كلّ منهم لا يغفو إلاّ على صوت الحكاية، ولكلّ شهريار شهرازده وحكايته وعقده النفسيّة؟
من الواضح أنّ جايمس بايكر يثق بالنساء، ففي فريق عمله كانت هناك مستشارة أساسيّة اسمها مارغريت تتوايلر التي أصبحت سفيرة لدى المغرب، ثمّ مسؤولة عن شؤون العلاقات العامّة في الإدارة التي شكّلتها دول التحالف في العراق لتنسيق العلاقات العامّة لمكتب التعمير والمساعدات الإنشائيّة الذي انشأه البنتاجون، وكانت توصف بأنّها شخصيّة سياسيّة محنّكة. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ تتوايلر كانت متحدّثة باسم وزارة الخارجيّة في عهد الرئيس جورج بوش الأب.
أمّا مورين كوين فكانت سفيرة الولايات المتحدة في قطر وهي التي أدخلت تجربة الخيمة الرمضانيّة على السفارة، ومارسيل وهبه وهي من أصل مصريّ سفيرة أميركيّة في الإمارات العربيّة المتحدة، وكانت قبل ذلك تنقّلت في مراكز ديبلوماسيّة في باكستان والقاهرة وقبرص. أمّا في لبنان فعندنا ميشيل سيسون وكانت سفيرة لدى الإمارات المتحدة منذ عام 2004. في المرحلة عينها عيّنت السفيرة إليزابيت ماكيون وكانت لدى قطر سابقًا مديرة لمركز الإعلام الإميركيّ للتواصل مع الإعلام العربيّ. أمّا مارغريت سكوبي فهي أوّل امرأة تعيّن سفيرة لبلادها في مصر وكانت أوّل سيّدة تتولّى مهام منصب نائب السفير الأميركيّ في الرياض ثمّ عيّنت سفيرة في دمشق واستدعيت للمشاورات بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريريّ، كما عملت مستشارة سياسيّة في العراق وهي خبيرة في شؤون البلدان العربيّة إذ تنقّلت بين عدّة وظائف في أكثر من بلد عربيّ. وكانت سكوبي أثارت موجة من الاستنكارات ضدّها في مجلس الشعب المصريّ ورفع ستة من النوّاب من مختلف الجهات السياسيّة طلبًا إلى وزير الخارجيّة يدعونه فيه إلى رفض تعيينها في منصبها بسبب كلامها المسيء إلى مصر بحسب تعبيرهم.من نافل القول إنّ للمرأة كامل الحقّ في ممارسة العمل السياسيّ، وفي الدفاع عمّا تراه يخدم مصلحة بلادها (لا تنسوا غولدا مائير)، ولكنّ المشكلة في أنّنا كعرب نحلّل لسوانا ما نحرّمه على أنفسنا، ونستقبل نساء الغرب المتحرّرات على بعد خطوات من أقرب زنزانة لمطالب بالحريّة، أو من دماء صبيّة قتلها شقيقها دفاعًا عن الشرف لأنّه ظنّ أنّها كانت تتكلّم على الهاتف مع شاب. وهذا العرض الذي لا يدّعي الإحاطة بجوانب الموضوع من كلّ زواياه، يهدف إلى طرح الأسئلة التالية لعلّ علماء الاجتماع والنفس والمؤرّخين يجيبون عليها: إلى أيّ حدّ نستطيع الكلام في هذا الموضوع عن تداخل الجنس والمخابرات والمال في إدارة الأزمات؟ وهل يوافق الطبّ النسائيّ والنفسيّ على أنّ النساء اللواتي يستلمن هذه المناصب يكنّ في مرحلة دقيقة من حياتهنّ قد تؤثّر فيها الهورمونات الهائجة على مصائر شعوب ومستقبل دول؟ ولماذا يحقّ للمرأة الغربيّة في بلادنا ما لا يحقّ للمرأة العربيّة التي يحصر دورها في الأعمال الإنسانيّة والنوايا الحسنة؟

الأحد، 19 يوليو، 2009

"لو أنّ في هذي الجموع رجالا"


بالإذن من كثير من الرجال!
في بلادنا لا نحتاج أبطالاً أو قدّيسين أو نجومًا لامعة أو شخصيّات بارزة. نحن نحتاج رجالاً، لا أشباه رجال، وإلاّ فكلّ حسناء سترفع سترها وعند ذلك "لن يبقى ستر مغطّى".
يظنّ كثيرون أنّ النساء حين يتبرّجن ويتزينّ ويتعرّين، إنّما يفعلن ذلك لإغراء الرجال. ولكنّ الصحيح أنّه لو كان في مجتمعاتنا رجال لما جرؤت امرأة على الظهور في مظهر فاضح. إذ لا يمكن أن أصدّق أنّ هناك رجلاً حقيقيًّا يسمح لأمّه أو شقيقته أو زوجته أو ابنته أو حفيدته بالظهور في لباس غير لائق (لكلّ مكان لباسه، أليس كذلك؟ على كلّ حال اللباس المحتشم لا يعني حكمًا امرأة لائقة). ولكنّ الغباء الذي يكلّل هامّة مجتمعنا سيجعل كثيرين منكم يستنتجون من هذا الكلام أنّني ضدّ الحداثة وأنّني رجعيّة وأنّني ضدّ الحركات النسائيّة ومع حزام العفّة لأنّني متزمتة أو لأنّ اللباس المثير لا يليق بي.
صدّقوا أو لا تصدّقوا: أنا مع حريّة المرأة (والرجل) ولكنّي لست مع "الحركات" التي تقوم بها بعض النساء (الله يخلّيكن بلا هالحركات)، وأنا مع الأناقة واللياقة ولكنّي بالتأكيد لست مع العهر على مختلف وجوهه. ومن ترغب منكنّ في أن تكون كذلك فمبروك عليها هذا الاسم ولن أنافسها عليه.
صدّقوا أو لا تصدّقوا أنا أرفض أن "تخضع" المرأة لأيّ شيء حتّى لرغباتها الخاصّة (لا أحبّ هذا الفعل أساسًا: خضع = رضخ) فكيف أرضى للمرأة، أي امرأة، ولي ولوالدتي وشقيقتيّ وبنات أختي أن نخضع لسلطة رجل (خصوصًا إذا كان غبيًّا) يفرض علينا أفكاره وأزياءه وطعامه وشروطه في العمل.
"إذا مش مع عون أكيد مع جعجع وإذا مش مع جعجع أكيد مع عون". هذه الخيارات المحدودة والضيّقة هي التي جعلت شعبنا العظيم يرفض التفكير في احتمال وجود خيار آخر. الأسود أو الأبيض أو في أسوأ الأحوال أو أحسنها الرماديّ. وماذا عن سائر الألوان؟ هل زالت تحت تأثير مسحوق الغسيل لأنّها غير أصليّة؟
لماذا مطالبتي الرجال بأن يكونوا رجالاً ستعني في أذهانكم أحد هذه الأمور: أنا محرومة من الرجال وأريد رجلاً، أو أنا عاجزة عن مجاراة المتحرّرات من النساء فأحاربهنّ، أو أنا أقبل بالتعنيف والسلطة الذكوريّة الأبويّة. ألا يوجد احتمالات أخرى؟ أم صارت الآفاق ضيّقة إلى هذه الدرجة من المحدوديّة والتقوقع والاجترار؟ ألا يمكن أن تكون المرأة شيطانًا جنسيًّا في سرير الحبّ وملاكًا خارجه؟ ألا يمكنها أن تكون حرّة لا متحرّرة، وجريئة لا وقحة؟
وكيف تريدون أن أصدّق أنّ الرجل رجل و"ميوعته" الأنثويّة تثير الغثيان؟ أو أنّه رجل وزوجته في هذه اللحظة بالذات وببركة زوجيّة منه بين ساقي رجل، عفوًا بين ذراعيّ رجل، من أجل أن تؤمّن لعائلتها الكريمة الوظيفة والسيّارة والشقّة والشاليه؟ أو أنّه رجل وصور ابنته العارية تتنقّل من موقع إلكترونيّ إلى آخر (ما شاء الله حولها احتلّت من المواقع عددًا أكبر من تلك التي احتلّتها إسرائيل في كلّ حروبها علينا)؟
كيف يكون الرجل رجلاً وهو يتزيّن كالأنثى، ويمشي كالأنثى، ويطيل شعره ويلوّنه كالأنثى، وينتف شعر جسمه كالأنثى، ويلبس كالأنثى، وفي المقابل يرفض أن يرتّب سريره (لأنّه ليس امرأة)، أو ينظّف الحمّام بعد استعماله (لأنّه ليس امرأة)، أو أن يحمل صحنه إلى المطبخ (لأنّه ليس امرأة)، أو أن يجلس إلى جانب أبيه المريض (لأنّه ليس امرأة)، أو أن يبكي تأثّرًا (لأنّه ليس امرأة)؟
وكيف يكون الرجل رجلاً والرجولة الوحيدة التي يفهمها هي في التحرّش والاغتصاب والشتائم والضرب والصراخ والغضب وتحطيم الأثاث ورفض الحوار مع المرأة وفرض الحصار عليها؟ أو كيف يكون الرجل رجلاً متغنيًّا بالوطن ويداه الناعمتان لم تلمسا تراب الوطن وأظافره الأنيقة أرقّ من أن تحكّا جلده فيستعين بأظافر غيره؟ وكيف يكون الرجل رجلاً وهو محكوم بمثلث برمودا الذي يبدأ عند باب المعدة ويمتدّ طرفاه إلى جيبي سرواله وما بينهما؟
أشباه الرجال عندنا قوّادون يرسلون بناتهم المراهقات للعمل في الملاهي الليليّة من أجل تأمين ثمن الهاتف المحمول، وعندما يرى الواحد منهم نظرة الاستهجان على وجهك يقول لك في سرعة: يا أخي كلّ رفاقها عم يشتغلو! وأشباه الرجال عندنا يقولون لبنات أعمامهم اللواتي يتعرّضن لمضايقات في العمل: طوّلوا بالكن، ما فيكن تتركوا الشغل في هذا الغلاء، سايروا قدر المستطاع. وأشباه الرجال عندنا لا يسألون بناتهم ونساءهم: من أين لكنّ هذا؟ لأنّ الجهل "أريح" من العلم. وأشباه الرجال عندنا يتصرّفون مع نسائهم كما يتصرّفون مع العاهرات، ومع أخواتهم كما يتصرّفون مع الخادمات، ومع أمّهاتهم كما يتصرّفون مع الحبيبات.
رحمك الله يا خليل يا مطران! منذ قصيدتك تلك عن مقتل الوزير الفارسيّ بزرجمهر والنساء يرفعن الغطاء تلو الغطاء وهنّ مطمئنّات إلى أن لا وجود للرجال في مجتمعنا لأنّ الرجال خافوا من أن يكون مصيرهم كمصير بزرجمهر (في السياسة وسواها من شؤون الحياة) فتحوّلوا نسخًا مشوّهة عن النساء!

ما هي المقالة التي أحتفظ بها؟


إذا كان هدف الصحيفة أن تطلعني على آخر ما جرى في العالم وحتّى لحظة تحوّلها إلى المطبعة فأنا لا أريد أن أقرأها، لأنّني أريد من الصحيفة التي أقرأها أن تقول لي ماذا سيحصل غدًا. ولا يعني هذا الكلام في طبيعة الحال أنّني أنتظر من الصحافيّين أن يتحوّلوا عرّافين ومنجّمين، بل محلّلين لا يكتفون بنقل الحدث بل باستباق حدوثه.
يعلم الجميع أنّ الصحافة الورقيّة أمام أزمة مصيريّة خطيرة، لن تنجو منها إن لم تتحوّل سريعًا إلى أسلوب جديد وثوريّ في مقاربة الأحداث، لا يكتفي بنقل الحدث الذي سيصير قديمًا بعدما بثّه التلفزيون لحظة وقوعه. ولذلك على الصحيفة إمّا أن تقرأ علامات الأزمنة لتعرف أنّ الحدث سيقع أو أن تقرأ الحدث في حدّ نفسه لتعلم قرّاءها بالتبعات والنتائج والتحليلات.
والقيّمون على الصحف يعرفون أنّ كم المشاكل التي تواجههم أكبر وأخطر من أن يستطيع شخص واحد التغلّب عليها: فمن دون الحريّة المسؤولة لا صحافة، ومن دون رؤوس الأموال الكبيرة لا تستطيع الصحافة أن تتحرّر من سلطة الدولة أو سطوة المعلنين، ومن دون الكفاءات العلميّة لا قيمة للصحافة، ومن دون لغة سليمة لن تصل المعلومات واضحة جاذبة فاعلة. فضلاً عن عجز الصحافة عن جذب الأجيال الشابّة حتّى صارت الجريدة مرتبطة بالمتقدّمين في السنّ، في حين تبدو شبكات الإنترنت المنافس الشرس الذي لم يعد يكتفي بالشباب بل صار قادرًا على إغراء فئات عمريّة كبيرة نسبيًّا تجد في مواقع أجنبيّة متحرّرة ما لا تجده في صحافتنا العربيّة المقيّدة.
كانت الصحافة هي المرجع الوحيد الذي يزوّد الناس بالأخبار والتحليلات، وكان الصحافيّون من نخبة أهل القلم ومن العارفين ببواطن الأمور وخفايا الكواليس والقادرين على الوصول إلى أولي الحلّ والربط. وكان الناس يثقون بالصحافيّ الذي لم يكن يتمّ السماح له بالنشر إلاّ بعد تدريب وتعليم مضنيين، ولذلك كان المتابعون ينتظرون مقالته لكي يقرأوها ثمّ يتناقلوها ثمّ يحتفظوا بها.
****
شخصيًّا، صرت نادرًا ما أفعل ذلك الآن، وأشعر في أكثر الأيّام بالخواء الفكريّ لولا أنّني أجد في بعض الكتب الدسمة ما يعوّض هذا النقص.
كنت إلى زمن غير بعيد، أجد في الصحافة ما يغني العقل ويشبع الروح ويثير الرغبة في الكتابة، وكان المقصّ الذي على طاولتي، ولا يشبه مقصّ الرقابة، حاضرًا كي يلبّيني عندما أجد نصًّا يستحقّ الاحتفاظ به والعودة إليه لأستقي منه المزيد من الأفكار. والنصّ الخالد هو الذي يمدّنا بالأفكار الجديدة ولو قرأناه مليون مرّة ولا ينتهي مفعوله مع غروب شمس اليوم. ولذلك أجد الأمر مثيرًا أن تقع أمام عينيّ المقالة/ اللقيا، التي تفرض نفسها عليّ وتعيدني إلى عصر ذهبيّ كانت المقالة فيه عصارة غنيّة تنضح بالفكر وخلاصة مفيدة تختزن عشرات الكتب وثروة لا تنضب على الرغم من حجمها وخضوعها لشروط النشر الصعبة.
ولهذه المقالة شروط ليست تعجيزيّة بقدر ما هي دقيقة: كالجمع بين الفنّ والعلم، وبين الذاتيّة والموضوعيّة، وبين الجديّة والطرافة، وبين السهولة والمستوى، وبين العمق والسلاسة، وبين الفكرة والخيال، وبين العقل والعاطفة. هي المقالة التي تقول لي ما لم أكن أعرفه، أو تقول لي ما أعرفه ولكن بأسلوب لا يشبه أسلوبي، أو هي التي تستفزّني للردّ عليها، أو التعقيب على ما ورد فيها، أو مناقشة كاتبها أو كاتبتها، أو تقليدها، أو التمنّي لو كنت أنا من كتبها.
وكم تكون خيبة أملي كبيرة عندما أقوم بجولتي الصباحيّة على الصحف والمجلاّت باحثة عن نصّي الثمين ولا أوفّق. فأبدو عند ذلك كصيّاد السمك الذي تُخرج له شبكته من البحر حذاء، ثمّ جيفة، ثمّ أسماكًا صغيرة لا تسدّ جوعًا، وحين يفاجئني الفانوس السحريّ عالقًا في الحبال المجدولة أجده صدئًا عتيقًا، والمارد الذي فيه قد غادره إلى غير رجعة.

المرأة وكتابة المقالات


Benson


هل تنجح المرأة العربيّة في كتابة المقالة اليوميّة؟ فالعُرف السائد بين الناس أنّ النساء ثرثرات، والمقالة تفرض من الكلام ما قلّ ودلّ، ولكنّ كتابة المقالات تتطلّب في الوقت نفسه نَفَسًا طويلاً والتزامًا يوميًّا قد لا يتلاءمان مع طبيعة المرأة التي تفضّل نظم الشعر وتأليف القصص القصيرة والروايات، أيّ الكتابة بمزاجها الخاصّ بعيدًا عن ضغط رؤساء التحرير وإيقاع الصحيفة السريع والصاخب.
وتظهر مراجعة الصحف اليوميّة والمواقع الإلكترونيّة التي تختار مقالات معيّنة لنشرها أنّ النساء اللواتي يكتبن مقالات يوميّة غائبات، ويسيطر الرجال على هذا المنبر الإعلاميّ وخصوصًا متى تعلّق الأمر بالسياسة والاقتصاد في حين تظهر المرأة في مقالات متفرّقة وقليلة في مجالات الأدب والفنّ. لا غرابة في الأمر إن ربطنا ما يحصل اليوم ببدايات فنّ المقالة التي ارتبطت بالرجال حكمًا، وذلك بسبب القيود التي كانت مفروضة على النساء عند انطلاق الصحف إذ كنّ محرومات من تحصيل العلم، وبالتالي من الكتابة. فالعالم العربيّ لم يعرف المقالة كفنّ أدبيّ قائم بذاته إلاّ مع ظهور الصحف، وقبل ذلك كان هناك ما يشبه المقالة كما في خطب الخلفاء والولاة.
الفرنسيّ "ميشال دي مونتين" (1533- 1592) هو رائد فنّ المقالة بحسب إجماع مؤرّخي الآداب الغربيّة، وهو الذي "اعتزل الحياة العامّة، حيث كان يعمل في المحاماة، وترك بوردو إلى مزارعه الريفيّة سنة 1570، وذلك ليعيش حياة يرفّ عليها الهدوء، وتخصبها القراءة"، بحسب ما ذكره الدكتور "محمّد يوسف نجم" في كتابه "فنّ المقالة"، وهو كتاب مختصر مفيد عن بدايات المقالة عند الغرب والعرب وأنواعها وأسلوبها. ونجد في الكتاب أنّ الأديبة اللبنانيّة "مي (ماري) زيادة" هي المرأة الوحيدة التي يأتي المؤلّف على ذكرها وممّا قاله عن أسلوبها في كتابة المقالة إنّه " يتميّز بالتنوّق في اختيار الألفاظ ذات الجرس المؤثّر، والعبارات الأنيقة الرشيقة، والوضوح الذي ينفي كل لبس وإبهام. وهو ينمّ عن عناية فائقة بالصقل والتهذيب، واحتفال شديد بتوازن العبارات في موسيقى عذبة هادئة".
قد يكون مفيدًا أن نذكّر في هذه المناسبة بأنّ لبنان ومصر كانا رائدي فنّ الصحافة في القرن التاسع عشر، وبأنّ صحف هذين البلدين، ومجلاّتهما في مرحلة لاحقة، استقطبا أكبر الشعراء والأدباء الذين كتبوا مقالات لا تزال حتّى اليوم مرجعًا في أيّ جامعة عربيّة للإعلام تريد أن تعلّم طلاّبها أصول العمل الصحافيّ وفنّ كتابة المقالة. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ أوّل صحيفة سياسيّة شعبيّة ظهرت في لبنان هي "حديقة الأخبار" (1858) لخليل الخوري، وقد أعانه على تحريرها بعض أدباء العصر ومنهم أخوه سليم الخوري وسليم شحادة وسليم الشلفون وميخائيل مدوّر.
*****
تتطلّب الكتابة اليوميّة متابعة يوميّة، ولكن ما كان مطلوبًا من المقالة في العصور السابقة لم يعد يكفي اليوم، وما كان يبهر القارئ في العصور التي انطلق فيها العمل الصحافيّ لم يعد يثير اهتمام أحد في هذا العصر. ولذلك، تجد المرأة نفسها، نعم المرأة تحديدًا، أمام تحديّين اثنين: أن تثبت قدرتها في عالم يسيطر عليه رجال الإعلام، وأن تواكب حركة العصر والمتغيّرات لحظة بلحظة. وهما أمران عسيران إن لم تكن المرأة في حالة جهوزيّة تامّة واستعداد جدّيّ لإعطاء المقالة، كلّ مقالة، حقّها من الأبحاث والاهتمام.
وما لاحظته على مدى أعوام من متابعة الأجواء المحيطة بمقالات تكتبها نساء عربيّات مجموعة أمور أشير إلى بعضها: أوّلاً، نادرًا ما تأتي كاتبة المقالة على ذكر كاتبة سواها (الكاتبة الكبيرة غادة السمّان حالة مميّزة أعود إليها في مقالة خاصّة بها). ثانيًا، لا تعطى اللغة المكانة اللائقة في النصّ بل تأتي في درجة متأخّرة تاركة المجال واسعًا للأفكار والعواطف. ثالثًا: لا تعطى كاتبة المقالة الناجحة حقّها من البروز الإعلاميّ ولا تدعى إلى ندوات حواريّة وبرامج تلفزيونيّة مع أنّ المحاورين والإعلاميّين يسرقون، أو على الأقلّ يستعيرون، أفكارهم من مقالاتها من دون أن يأتوا على ذكر اسمها.

مقالة محسن يمّين في جريدة المستقبل عن الرواية في زغرتا - الزاوية

محسن يمّين

الرواية اللبنانية تذهب إلى أبعد من محليتهاالمستقبل - الاحد 19 تموز 2009 - العدد 3368 - نوافذ - صفحة 14
محسن أ. يمين
من اللافت للنظر أن يكون يوسف يونس (1902ـ 1982) أنجز أفضل أعماله الأدبية: «مسبحة الراهب» عام 1953 في مرحلة كان فيها عدد الروائيين العرب المهمّين محدوداً بحسب جبرا ابراهيم جبرا الذي قال خلال لقاء الروائيين العرب والفرنسيين، في 9 آذار 1988، في معهد العالم العربي بباريس:»أذكر أنني في أوائل الخمسينات كنت أكتب مقالاً عن «الرواية والانسانية» وأردت أن احصي عشرة روائيين عرب مهمّين، فوجدت الأمر صعباً».يوسف يونس كان قد استهل تجربته بإصدار «أرواح وأشباح» (مقالات ارسلها من مغتربه في نيجيريا لتُطبع في لبنان ـ لا تاريخ) وأعقبها بعد عودته الى قريته حميص القريبة من مزيارة ، في قضاء زغرتا ب «أنا مخطوبة» (عن مكتبة الشبيبة ـ طرابلس ـ لا تاريخ) و«يقظة الدم» (مسرحية، منشورات مكتبة الشبيبة ـ طرابلس، المطبعة الحديثة، عام 1946)، و«الساعة الثالثة» (مسرحية، مكتبة الشبيبة، المطبعة الحديثة، طرابلس، 1946).و«مسبحة الراهب» قصة انسان عفيف هارب من العالم، والمرأة تتعقبه أبداً فتوقع به، والأقدار تجعل منه قشة في مهب ريح عاتية. والذي سبق واطلع على خفايا حياة يوسف يونس بحسب ما أكدّه كاتب سيرته الأديب مخائيل مسعود (دراسة جامعية نال على أساسها شهادة الماجسترمن جامعة القديس يوسف صدرت كتاباً عام 1986)» لا بدّ ان يدرك أن مسبحة الراهب ما هي الا انعكاس لواقعه الاجتماعي بمظاهره المختلفة. فهي فصول من قصة حياته، واجزاء من واقعه. لذا كانت قصته خيالية في ظاهرها، واقعية في جوهرها، وجدانية في أدبها، وفي فكرها الفلسفي والاجتماعي».وقد طرق يوسف يونس، بعدئذ، أبواب انواع أدبية شتى في «رسالة مسلول» (أقصوصة، مطابع سميا، بيروت ، 1956) و«أصدقاء» (عشرة أقاصيص، مطابع ألف ليلة ولية ، بيروت، 1956، قدّم كرم ملحم كرم) و«حوار مع الزمن» (خواطر وحكم، 1974). كما وضع رواية «إبن الشيطان» (مطابع سميا، بيروت، 1960). الا انها لم تلق ما لاقته «مسبحة الراهب» من أصداء.وقد رشّح كتاب «مسبحة الراهب» لجائزة «أهل القلم»، عام صدوره ونالها مثالثة مع «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس، و«الأمير الأحمر» لمارون عبّود. ما دعا نجله الشاعر يونس الابن الى الضغط على والده لرفض المبلغ الممنوح له، ودفعه هو الى الاحتجاج على قرار الجمعية التي اتهمها بفقدان الشجاعة الأدبية (راجع كتاب مسعود، ص 126). لكن قسمة الجائزة بالتساوي بين الأدباء الثلاثة لم تكن الأمر الوحيد الذي نغّص عليه فرحته بكتابه اذ سرعان ما ظهر مقال بتوقيع الدكتور سليم محفوظ اتهم فيه يوسف يونس بسرقة «مرداد» نعيمه ووضعه في «مسبحة الراهب».فأرسل أديبنا قصته الى مخائيل نعيمه وارفقها برسالة طالباً توضيح الأمور فردّ نعيمه برسالة يقول فيها، فيما قال:» قد قرأت روايتك وكتبت اليك فيها ما كتبت من غير أن أشعر بأنني مسروق وأنني أكتب الى سارقي».
ويبدو نتاج الأب مخائيل معوّض (1918ـ 1986) أكثر تشعباً، ويتوزّع على أدب الرحلة، والمقالة، والسيرة، والمّذكرات، والمسرح، فضلاً عن اشتماله على جملة مؤلفات في القصة والرواية، وهي المؤلفات التي تعنينا هنا. أولها وأهمّها «الخطيئة البيضاء» (رواية نشرت أول مرة سنة 1960، ثم توالت طبعاتها ختى تجاوزت السبع) (راجع ما كتبه ابن شقيقه الدكتور سليمان معوّض في كتاب «أدباء طرابلس والشمال في القرنين التاسع عشر والعشرين» للدكتور نزيه كبارة، طرابلس، 2006). وقد أتبعها ب «اعترافات كاهن» (قصة نشرت أول مرة سنة 1962. وقد صدرت منها، حتى الآن، طبعات ثلاث)، «خطى في الفراغ» (رواية نشرث أول مرة سنة 1969، وأعيد طبعها ثانية سنة 1974)، «رحلة في الانسان» (قصة نشرت أول مرة سنة 1972)، «ظلالهما» (رواية نشرت اول مرة سنة 1919) «أطفال في رحلة المجهول» (قصة نشرت أول مرة سنة1982). ثم توالت طبعاتها فبلغت الثلاث،و»من الماضي» (مجموعة قصص لبنانية نشرت أول مرة سنة 1986، ثم أعيد طبها ثانية). الاّ أن أيّاً من آثار الأب معوّض لم يلقَ رواجاً كذاك الذي لاقته «الخطيئة البيضاء» التي كتب عنها جورج غريّب، أستاذ الأدب العربي في المعهد الانطوني، في كتابه «أعلام من لبنان والمشرق (دار الثقافة ـ 12ـ بيروت، 1968):» الخطيئة كالحب سوداء. لكن دواة الأب مخائيل معوّض عُبئت من عصير الفجر، فالحبر أبيض و«الخطيئة بيضاء».وتتناول هذه الرواية حياة القديسة مارينا، ابنة القلمون، وترهبّها في احد أديار الرهبان الذكور على أنها صبي، ثم اتهامها بالزنى مع ابنة مختار طورزا (قضاء بشري) والحكم عليها بالفصل من الدير، وسكنها مغارة مجاورة متحملة عذاب ذنبها البريئة منه رافضة الافشاء بسرّها. الى أن اكتشفت حقيقة امرها وأعيدت الى الدير مكرّمة لتدفن، بعد موتها، في مقابر الرهبان.وقد يكون خافياً حتى على المهتمين بأدب الأب معوّض أن عاصي الرحباني طلب منه روايته «الخطيئة البيضاء» ليخرجها يوسف شاهين فيلماً. وذلك خلال «طبخهما» لفيلم «بياع الخواتم» وفقاً لتعبير عاصي. كما عاد وطلبها منه، للغاية نفسها، المخرج المصري حسن الامام الذي زاره في المعهد الانطوني، في بعبدا، يصحبه صديقة المنتج جوزبف شبير. لكنه إعتذر كي لا ينكث بوعده مع الأخوين الرحباني دون أن يقدّر للرواية الخروج من الورق الى الشاشة الكبيرة. وهذه المعلومات نشرها الأب معوّض هو نفسه في جريدة «الأنوار» يوم الأحد في 3 آب 1986، على اثر وفاة عاصي، وذلك تحت عنوان «الأب مخائيل معوّض يكتب مذكّراته مع عاصي الرحباني».حتى عندما منح الشاعر سعيد عقل جائزته للأب مخائيل معوّض عن شهر آذار 1971 على مجمل نتاجه رأى من الضروري ان يخصّ «الخطيئة البيضاء» بالذكر من سائر مؤلفاته. وقد نصّ إعلان عقل عن جائزته على الآتي:«مُنحت جائزة سعيد عقل عن شهر آذار 1971 للقصاص العلامة الأب مخائيل معوّض على شتّى مؤلفات منها: الخطيئة البيضاء، جمعت بين المستوى والقدرة على جعل البساطة تنهض بالخواطر.قلم يكتب كأنه ينسم، يلون الشيات الدقيقة من شجرة الحياة، تلك التي جذورها في الثرى وتطلعاتها الى السماء، يطيب في السرد، يتدخل عميقاُ، ولكن لا يفوته أن يبقى نبيلاً. انتصارات فذة موصولة تجعل هذا النتاج الجمّ الخيّر خبز الألوف، وتتعدّد طبعات القصة الواحدة منه، وتحبّ، وتغدو افكارها معواناً على الصعب...» (راجع كتا الأب انطوان ضو الانطوني، الأب مخائيل معوّض الراهب الأديب، دير مار يوسف الانطوني، زحله، 1971).وبكلمة، فإن الأب مخائيل كان على ما ذهب اليه جوزيف السخن في كتابه الصادر باللغة الفرنسية Les Auteurs Libanais Contemporains Beyrouth, 1972 «الكتّاب اللبنانيون المعاصرون».يخفي تحت ثوبه الرهباني روحاً منفتحة على كل المعارف الانسانية، من الفلسفة وصولاً الى اللاهوت والتاريخ. كما كان في عمقه مجرد فلاح من الجبل العالي، وخادماً كبيراً لله وللتربية».بعد ذلك راحت الرواية في لبنان والعالم العربي تتحرّك في إتجاهات جديدة.
وقد وجدت في رشيد الضعيف (من مواليد زغرتا في 1945) نموذجاً للروائي الذي يختلط في عمله الذاتي مع العام مع الموضوع. الروائي الذي لا يجد حرجاً في إطلاق إسمه على ابطال رواياته كما في «ليرننغ انغلش» (1998) « و«تصطفل ميريل ستريب» بحجة أن ذلك يُشعره بالحرية (حديث إلى حسين بن حمزة في جريدة الأخبار، الثلاثاء 7 تشرين الثاني 2006) ويُضاعف متعة القارىء لظنّه بأنها سيرة ذاتية، فيما هي رواية. يتمتع هذا الروائي بالكتابة حين يضع نفسه في جلد الآخرين. يشعر بأنه أقرب إلى أقرب إلى نصّه.«الرواية هواء العصر» يُعلن رشيد متغاوياً بأن أهمّ ما في رواياته هو أن بشرها عاديون يحسّ القارئ بأنهم لا يختلفون عنه. وبإتصاف أعماله بلغة عادية ومتواضعة، سهلة إنما غير سطحية، متخلّية عن الأدب، بل متحررة منه، يعترف أن حلمه بات أن يُقرأ من الأمّي والعامل والفيلسوف (الأخبار، العدد السابق). يُريد من خلال الرواية، روايته، اذا استخدمنا تعابيره هو بالذات في حواره مع سامي كمال الدين لمجاة «الدوحة» (عدد فبراير 2009). أن يزعج، يفضح، يكشف الستار عن الأم، الأخت، الزوج، الزوجة ويعرّي. ويستسلم لحرارة جسمه وهو يكتب. لهذا الشيء الغامض الذي يُشده إلى بعضه. يستسلم إلى ملاك اللحظة وهو يكتب. يترك اللحظة تكتب نفسها عبر الكاتب».من رواية «المستبد» (دار أبعاد، بيروت، 1983) التي إنتقلت إلى الشاشة الكبيرة عبر المخرج السينمائي اللبناني بهيج حجيج الى «أوكي مع السلامة» (دار رياض نجيب الريّس، بيروت، 2008) التي إقتبست منها فرقة مسرحية بلجيكية، ومن «انسي السيارة (2002) و « تصطفل ميريل ستريب» (2001)، عملاً مسرحياً قدم، منذ فترة وجيزة، في بروكسيل. وسيعرض، مرة أخرى، في تشرين الأول المقبل، على الخشبة إياها. مروراً بـ « تصطفل ميريل ستريب» التي نقلت إلى خشبة المسرح بحلّة فرنسية على يد الكاتب محمد القاسمي، وعرضت، الصيف الماضي، في مسرح «تياتر دي رون بوان» الباريسي، بعدما تولّت إخراجها نضال الأشقر، 14 عملاً روائياً توالى تراكمها في رصيده الروائي، بعد عناوينه الشعرية الأولى. كما توالت ترجمتها إلى 11 لغة، آخرها السويدية حيث إحتفل قبل أيام قليلة، في إستوكهولم بصدور «فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم» باللغة السويدية. وكانت روايات الضعيف عبرت من قبل إلى قراء الفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، والبرتغالية، والألمانية، والهولندية، والبولونية، والنروجية واليونانية. والبقية تأتي، أعمالاً وترجمات. مع ذلك يقول رشيد: كأنما ليكمل بالرأي مفعول صدماته الروائية: «أنا شخص غير موهوب. انا مجرد عامل. وعملي هو كتابة الروايات. انا صاحب مهنة، أكتب الرواية فقط عندما يتوافر لي الوقت. تفكيري وهواجسي كلها مركزة على موضوع الرواية. أنه عمل بدوام كامل».
مع جورج فرشخ ( من مواليد زغرتا، 31 أيار 1942) وجد القارىء نفسة أمام طريقة مختلفة في السرد، وحيال لغة غير مضطرة إلى تقديم شهادة إلى أحد، ولا حتى إلى الكاتب، عن لا أدبيتها. لغة إكتسبها جورج وهو يتعاطى عمله الإعلامي في المرئي والمسموع والمكتوب، كما طوّعها وهو يُمارس عمله في المكتب الإعلامي الذي أسسه في باريس عام 1981 ، ولن يختتمها بـ «حكايا الغضب والأمل، عن الصمود في حرب تموز» الذي صدر عام 2007، فإن روايته « خيط رفيع من الدم» التي نالت جائزة الصداقة الفرنسية العربية بعد ترجمتها إلى الفرنسية وصدورها بعنوان « أم فارس» (Oum Fares, Publisud, Paris, 1995) كانت أكثر أعماله إجتذاباً للأضواء. وقد كانت موضوع ندوة أقيمت في معهد العالم العربي، في باريس، ورافقتها معرض صور فوتوغرافية عن الأماكن التي جرت فيها أحداث الرواية في اهدن وزغرتا.وقد أتبعها برواية أخرى «الدكان» خرجت إلى النور عبر «دار النهار» عام 1994، قبل أن يواصل مساره التأليفي المعروف.
إنتقالاً الى جبور الدويهي ( من مواليد زغرتا، 1949) الحائز على جائزة سانت أكزوبيري ـ أدب الشباب عن قصته المستوحاة من حرج اهدن « روح الغابة» وجائزة من جامعة اركنساس الاميركية على ترجمة كتابه» «إعتدال الخريف»، و«مطر حزيران» الفائز بجائزة «بوكر» البريطانية من ضمن روايات خمس روايات عربية. وهو كان أطلق قلمه أولاً بالفرنسية التي يدرّس آدابها في الجامعة اللبنانية، ثم مال إلى العربية. كمن يختار طريقاً جديدة قادته إلى الإقتراب أكثر من مادته الروائية المستوحية لمناخات محلّية يرتقي بها التخييل، ويضفي عليها تركيبها الفني، وتشكيلها السردي، الأبعاد الإنسانية المتخطّية لسياقها الخاص.«منذ إعتدال الخريف ـ كتبت عناية جابر في السفير ـ الثلاثاء 28 آذار 2006 ـ تقول و«ريا النهر» و«عين وردة» والآن «مطر حزيران» عن دار النهار. يستوي جبور الدويهي في مملكته السردية الخاصة ناهجاً في صوته الأدبي إلى رأب الصدع بين ماضي البلد، وحاضره، وهو بقلمه، يقظته، واحساسه وفرادة بصمته، يهتك غباراً كاد يستعصي ويفرج عن حيوات وكائنات وأمداء أوشكت الذاكرة أن تطويها».ويعبر جبور الدويهي عن إعتقاده بأن الرواية لا تأتي مستقلة عن المكان ولا عن صيرورة المكان. ويضيف «بأن الرواية اللبنانية، أو كتابة الرواية بلبنان هي نقطة قطيعة بين ريف ما زال حاضراً، ومدينة تلوح في الأفق من دون أن تتحقق. الريف هو هذه الخاصية بالضبط. وهي عندنا جزء من الريف ومن المدينة التي تلوح دائماً. الكتابة الروائية اللبنانية تأتي إذاً من نوع كتابتين في وقت واحد. انا شخصياً واجهت مثل هذه المشكلة في «مطر حزيران» بالذات. لقد وجدت نفسي ازاء توجهين: كتابة موضوع ثأري ينتمي الى ما قبل الحداثة كما كان كتبه الكثيرون. أو كتابته كموضوع روائي بالرغم من ان متنه هو حادثة الثأر المعروفة، ولقد إخترت كتابتي كروائي راهن وحداثي مستفيداً بمشكل فني من الحادثة يجعلها ذريعة جيدة للأدب. (السفير، العدد نفسه).تندرج تجربة جبور الدويهي الروائية ضمن نطاق «الرواية الجديدة» التي تجلّت في روايات عالمية ذات ابعاد كونيّة. والفرنسية التي غادرها كاتباً يعود اليها مترجماً، اطلالته على الانكليزية والفرنسية معاً في»إعتدال الخريف»، وعلى الفرنسية والايطالية في «مطر حزيران».
تبقى اعمال انطوان الدويهي الأدبية. ويجوز أن يطرح بصددها السؤال الآتي: هل يمكن إدخالها، أو إدخال بعضها، في النوع الروائي؟ثلاث صعوبات تعترض الإجابة:- فرادة أدب أنطوان الدويهي، بمعنى عدم القدرة على ربطه بأي إتجاه أو مدرسة أدبية، فكل الذين إهتموا بهذا الأدب أشاروا إلى ذلك. وأذكر للمثال ما قاله عنه محمد صفي الدين: «يكتب الأشياء بروح متوهجة. كتابة يتيمة لا تذكرنا بأشقّاء وآباء سابقين تُدهش بحدود الإستيعاب وحدود اللا إستيعاب». ويقول الشاعر والناقد الراحل الزميل بسّام حجّار: «لغته لا تشبه شيئاً مما يرسب في لغات رائجة اليوم، وحس أعمق من مظهر مزعوم لتجديد أو حداثة «. اما الشاعر والمفكر كميل داغر فيقول: « إننا هنا ازاء كاتب فريد. نهرٌ عاصٍ آخر لا يأخذ إتجاه باقي الأنهر». - صعوبة تصنيف أدب أنطوان الدويهي بين الأنواع الأدبية. لذلك تذكر الأديبة ماري القصيفي أنها حين أعادت تنظيم مكتبتها لم تستطع إدراج كتبه في أي مكان، فوضعتها لوحدها.- حبّه للعزلة. (وقد ذكر لي مرة انه يستطيع ان يمضي اشهراً طوالاً دون أن يقول كلمة واحدة).لذلك قلّ من يعرف أن كتابه «الخلوة الملكية» الذي يترك أثراً عميقاً في النفس جراء ما إحتواه عن الموت قتلاً كان يريد أن يسميه «داخل الأسوار»، أي داخل أسوار زغرتا القديمة على الأرجح. ثم تخلّى عن الفكرة كي لا يُصار إلى الربط بين الكتاب وزغرتا .رغم هذه الاعتبارات الثلاثة، يمكن القول «ان كتاب الحالة «الصادر عن دار النهار، عام 1993، هو كتاب شعري بحت. امّا الكتب الأربعة الأخرى الصادرة هي أيضاً عن «دار النهار» اي «حديقة الفجر» (1999)، و«رتبة الغياب» (2000)، و«الخلوة الملكية» (2001)، و«عبور الركام» (2003)، فهي مؤلفات سردية، اي روائية بالمعنى الحديث لكلمة رواية. مع الاشارة الى بعدها عن مفهوم «الرواية الجديدة» كما هي عند كلود سيمون ، والآن روب ـ غريّيه، وناتالي ساروت، وسواهم. هي كتب روائية لأنها ترتكز على السرد، وهي روائية حديثة لأنها متحررة من التوالي الدرامي للمدخل والعقدة والحل، ومن متابعة الاشخاص والأحداث حتى نقطة النهاية. واذا شئنا الاختصار، يمكن القول في المفهوم الحديث للكلمة، ان انطوان الدويهي شاعر في «كتاب الحالة» وروائي في كتبه الأخرى، بمعنى التخطي الحديث للأنواع الأدبية، خصوصاً التوحّد بين السرد والرواية.
[ احتفالاً برواية جبور الدويهي «عين وردة» اقام النادي اللبناني للكتاب لقاء حولها في اهدن، في المناسبة قدم محسن أ.يمين للأدب الروائي في زغرتا ـ الزاوية بدءاً من كاتبه الأول يوسف يونس.

الجمعة، 17 يوليو، 2009

محاولة قتل منصور الرحباني بعد موته


يوم الجمعة دفن منصور الرحباني، يوم السبت صدرت الصحف اللبنانيّة كالعادة طبعًا. بحثت فيها عن وقائع الدفن بعدما تابعته عبر شاشات بعض التلفزيونات المحليّة، فوجدتُ ما يلي:"شيّع لبنان والعرب، أمس، الفنان منصور الرحباني، في جنازة وطنيّة مهيبة غصّت بالشخصيات الثقافيّة والسياسيّة والدينيّة التي التفّت حول أهله في كنيسة مار إلياس ـــــ أنطلياس. وبعد عظة المطران جورج خضر، وخطاب وزير الثقافة تمام سلام ممثلاً رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان الذي منحه «وسام الاستحقاق اللبناني المذهَّب»، وكلمة صاخبة لابنه غدي قوطعت مراراً بالتصفيق، ووري منصور في الثرى إلى جانب أخيه عاصي، داخل تابوت من خشب المسرح الذي منحه حياته".
بهذا الكلمات اختصرت الصفحة الثقافيّة في إحدى الصحف الحكاية كلّها مرفقة بصورة النعش ويبدو خلفه أنجال منصور الرحباني، وغاب الخبر تمامًا عن الصفحة الأولى. وهذا ما وجدته في الصحف الأساسيّة الأخرى التي لم تأت كذلك على ذكر المأتم في الصفحة الأولى، واكتفت إحداها بصورة للنعش من دون أيّ تعليق، بينما احتلّت المكان (كلّ الأمكنة) السيّدتان رايس وليفني بلونيهما المتكاملين في لقطة معبّرة وفي صورة كبيرة الحجم وهما تتبادلان الوثائق بعد التوقيع عليها لمنع تهريب الأسلحة إلى فلسطين. وفي الصفحات الداخليّة، الثقافيّة أو المحليّة، مرّ الخبر كغيره من الأخبار، لا بل أقلّ شأنًا من غيره. ففي الصفحة الإلكترونيّة لإحدى كبريات صحفنا حلّ المأتم في المرتبة التاسعة مباشرة بعد تحقيق عن سِحر صناعة الصابون (يلزمنا صابون كثير لنغسل جهلنا ونكران الجميل، ولم يعد صابون العتب يكفي). وأذكّر بأنّ الصحف في الأيّام التي تلت إعلان الوفاة لم تكن أكثر اهتمامًا برحيل منصور الرحباني، ولولا بعض الإخوانيّات من أصدقاء لهم "مونة" على المسؤولين في الصحف، ولولا أسماء بعض الرسميين من أركان الدولة لما كان لهذا الرجل أن يجد مكانًا أوسع من مدفنه في إنطلياس. ولقد سبق وأشرت في هذه الصفحة (في جريدة البلاد البحرينيّة) إلى غياب خبر نعيه عن الصفحات الأولى بالشكل الذي يستحقّه فنّان مثله. فما الحكاية؟ وما هي الأسباب التي تجعل مقتل فنّانة أو صدور مجلّة أو اغتيال رجل سياسيّ أكثر أهميّة من رحيل منصور الرحباني ونهاية مرحلة من تاريخ لبنان؟ وهل ما يجري في غزّة، على خطورته وعنفه ومأساويّته، يمحو من ذاكرتنا عهدًا من الفنّ والإبداع؟

ثمّة أحاديث بين الناس العاديين عن أنّ منصور الرحباني ذهب فرق عملة، فمن جهة بات آل الرحباني أو بعضهم على الأقلّ محسوبين على فريق 8 آذار، وبالتالي حاذرت صحف 14 آذار من إبراز خسارة لبنان فيه، ومن جهة ثانية انحازت بعض الصحف إلى فيروز وزياد في الصراع على الإرث الرحبانيّ وبما أن ليس لمنصور وأولاده على ما يبدو أنصار يُتّكل عليهم بين الصحافيين وأرباب الصحف غُيّبت الهالة عن هذا المأتم وانحصرت التغطية الإعلاميّة الخجول بما يرفع العتب، ثمّ جاءت القمم العربيّة المتلاحقة والمتنافرة لتلقي بظلّها على قمّة إبداعيّة لا علاقة لها بكلّ هذه الانقسامات والصغائر.

كلّ ذلك يثير الاشمئزاز والقرف، ويجعلنا نيأس من إمكان إنقاذ هذا البلد، فحين تتحوّل التجربة الرحبانيّة سوقًا للمزادات والمزايدات، وتتحوّل الأنظار عن خسارة لبنان بموت منصور الرحباني إلى التفنّن في محاولات معيبة ومهينة - لصانعيها لا لسواهم - لتفتيت هذا الإرث العظيم وتوزيع غنائمه أو لتحليل سبب غياب فيروز عن المأتم، فهذا يعني أنّنا لم نتعلّم شيئًا من الأخوين رحباني و"ضيعان إيّامي معو" سيقول منصور عن هذا الشعب. وفي المناسبة تحيّة إلى السيّدة فيروز التي تغيّبت عن المأتم وحضرت فيه في الوقت نفسه، فهي تعي أنّ وجودها كان سيلهي السخفاء والفضوليين (وما أكثرهم) عن حزن المناسبة وسيكون محور الأحاديث والنظرات، وهذا ما اكتشفته هي عبر السنوات في صلاتها أيّام الجُمع العظيمة، حين نسي الناس المسيح المصلوب وأهملوه وانشغلوا بالتصفيق لمن تصلّي أمامه معتبرين أنّها تؤدّي دورًا.

كوني جميلة واصمتي


Sois belle et tais toi - by Lawrichai

أخيرًا عرف الرجل كيف يطبّق القول الشائع:كوني جميلة واصمتي، واستطاع بواسطة العلم أن يقنع المرأة بأنّ السكوت الذي كان من ذهب سيكلّفها ما هو أغلى من الذهب وستصمت وستكون جميلة ومطيعة ومبتسمة في شكل دائم ولن تبدو على ملامحها سوى علامات الرضا والجمال والصبا.
السيليكون، عمليّات التجميل، الأقنعة اللاصقة لإخفاء التجاعيد عند الظهور العلنيّ، وسوى ذلك كثير من الاختراعات الطبيّة التجميليّة التي عدا عن أنّها جعلت النساء متشابهات، فقد أعاقت قدرتهنّ على الكلام بسبب البشرة المشدودة أو المنفوخة أو المتورّمة أو المشوّهة بسبب عطب طارئ خلال العمليّة لن يستطيع التقنيّون أن يصلحوه إلاّ بعمليّات أخرى. وهكذا ما بين غرف العمليّات، والبنج المخدّر، والتورّم الذي يلي العمليّة، والانعزال في المنزل في انتظار التعافي، ثمّ كلام قليل وأحيانًا غير مفهوم بسبب ما طرأ على الوجه من تغيّرات جعلته كقناع لا يتفاعل، ثمّ الصمت المفكّر للتخطيط لعمليّة تجميل جديدة، تعيد توزيع الشحوم من جديد من حيث تتكاثر وتشوّه إلى حيث تندر وتُطلب لتنفخ وتجمّل. وخلال كلّ ذلك، وبعده، تكون المرأة في مرآة نفسها جميلة، وفي نظر الرجل ساكتة، وهكذا يرضى الطرفان، ويعمّ السلام في المنزل والمجتمع والكرة الأرضيّة.
ما يدفعني لتأمّل وجوه النساء المتجمّلات العاجزات عن الكلام هو الأسارير الهادئة الساكنة، أحيانًا تخيفني إذ تبدو كوجوه المومياءات الجامدة، وأحيانًا تدفعني إلى الضحك بسبب شكلها المرسوم من دون فنّ أو تعبير أو خصوصيّة، ولكنّها غالبًا ما تطمئنني إلى أنّني لن أكون ضحيّة ثرثرة أو محاضرة أو تغيّر في المزاج، فالمرأة "المحنّطة" أمامي عاجزة عن الكلام والغضب والانفعال وكلّ ما ستقوم به إن أرادت أن تعبّر عن شيء هو بعض الإشارات من يديها لا تثير صخبًا ولا تحدث صداعًا. فأنا منحازة إلى الجمال والصمت فكيف إذا اجتمعا في امرأة لا همّ لها سوى أن تكون جميلة وشابّة ولو كلّفها ذلك الصمت الذي يصير فعلاً من ذهب في مثل هذه الحالة؟
منذ فترة، بدأ أحد المصارف اللبنانيّة يقدّم قروضًا لعمليّات التجميل، وكانت الإعلانات تتوجّه طبعًا إلى النساء مع أنّ الرجال بدأوا بمعالجات تجميليّة حتّى أن بعض رجال السياسة خضع لعمليّات إزالة التجاعيد قبل موعد الانتخابات وطباعة الصور والملصقات وإجراء المقابلات. المهمّ في عرض المصرف هو في أنّه يتوجّه في طبيعة الحال إلى الموظّفات والعاملات وذوات الدخل المحدود. فالثريّات وصديقات الأثرياء لا يحتجن قروضًا مصرفيّة، وهكذا يقدّم المصرف للفتاة المتواضعة الحال إغراء يعدها بالجمال والصبا ولو على حساب وضعها الاقتصاديّ، لأنّ المصرف ليس بنك خدمات أو مؤسّسة خيريّة. وثمّة من وقعن في التجربة، ولسن أبدًا من المحتاجات لعمليّات تجميل بسبب تشوّه خلقيّ أو حريق أو حادث سير بل أثبتت التجربة أنّهن من اللواتي يردن أن يزددن أنوثة و"جاذبيّة قاتلة" ونستعير التعبير من عنوان فيلم لغلين كلوز ومايكل دوغلاس.
وفي هذا المجال، أعترف بأنّني لا أعرف إن كان ثمّة نساء طبيبات متخصّصات بعمليّات التجميل، فأكثر الذين نسمع عن براعتهم وشهرتهم في العالم رجال، غير أنّ الأمر يدعو إلى التحرّي والتحليل للمعرفة ما إذا كانت المرأة تطمئنّ لتسليم وجهها (خصوصًا وجهها) لامرأة أخرى وتثق بأنّها لن تخرج من تحت رحمة مشرطها مشوّهة، أو لماذا لا تختار النساء التخصّص في عمليّات التجميل، فهل يخفن على مريضاتهنّ من مشرط قد لا يطيعهنّ وهن يرممّن وجهًا للمرّة رقم كذا لسيّدة ثريّة ضجرة لا تريد أن تكبر في السنّ ولا تعرف كيف تقوم بعمل يفيد البشريّة، وتريد أن تشبه "باربي" مهما كلّف الثمن؟

الخميس، 16 يوليو، 2009

فقط لأنّك عزباء



نشر هذا النصّ في صحيفة "النهار" يوم الاثنين 26 كانون الثاني 2004
في زاوية أسبوعيّة عنوانها: أضواء خافتة

لأنّك عزباء سيطلب منك الاهتمام بأبويك العجوزين لكي يستطيع أخوك تأمين مستقبل أولاده.
ولأنّك عزباء سيطلب منك أن تحضري إلى العمل ولو كنت مريضة لأنّ زميلتك مضطرة إلى البقاء مع أولادها لأنّ خادمتها مريضة.
ولأنّك عزباء سيقرّر أمين الصندوق حيث تعملين أنّ زميلك ربّ العائلة في حاجة إلى راتبه أكثر منك، وبما أنّ المؤسّسة تمرّ في ضائقة ماليّة ولا تستطيع تأمين المال للجميع، فالمتزوّج أولى بالراتب منك.
ولأنّك عزباء سيطلب منك الحلول مكان زميلتك المدعوّة إلى حفلة عيد الأمّهات في مدرسة أولادها.
ولأنّك عزباء سيقول لك ربّ العمل حين تطالبين بحقّك في زيادة الراتب: وما حاجتك إلى المال ولا عائلة تعيلينها؟
ولأنّك عزباء ستقرّر زميلاتك أنّك وحيدة ومحرومة فيشفقن عليك، وسيقرّر زملاؤك أنّك وحيدة ومحرومة فيعرضون عليك الاهتمام والرعاية!
ولأنّك عزباء سيبدو غضبك تعبيرًا عن كبت، وتعبك نتيجة طبيعيّة لحياة ليليّة صاخبة، وطموحك وقاحة تعالجين بواسطتها حرمانك من الزوج والأولاد.
ولأنّك عزباء ذات عمر وتجارب لا تعجبي إن تردّد أقرباؤك والأصدقاء كثيرًا قبل أن يقولوا لك في المناسبات الفرحة، وفي صوت خجول: نفرح منك...
ولأنّك عزباء ستعترفين بهذا الكلام بينك وبين نفسك ولكنّك ستكابرين كي تستمرّي...

نحن أيضًا من العائلة الرحبانيّة يا آل الرحباني


عاصي ومنصور ليسا ملكًا لأحد وليسا إرثًا عائليًّا خاصًّا ينتظر الجميع وضع اليد عليه! عاصي ومنصور ليسا قطعة أرض ولا بئر مياه ولا جلال زيتون يتنازع ملكيّتها الأبناء والأحفاد! وهما بالتأكيد لم يعلّما أولادهما أن يتقاتلا على ما لم يتعبا في تحصيله، وإن كانا فعلا ذلك فلا نحن من أتباعهما ولا من عاشقي شعرهما وموسيقاهما ومسرحهما!
ما يجري على الساحة الرحبانيّة معيب، ولكن إن قارناه بما يجري في لبنان خفنا، فهل حان وقت إسدال الستارة على لبنان الذي صنعه الأخوان رحباني فكرة فكرة وكلمة كلمة ونغمة نغمة؟ وهل كتب لهذا الوطن أن تبدأ حكايته الجميلة مع الأخوين المنصهرين قلبًا وفكرًا لينتهي مشرذمًا مفتتًا مع أبناء العمومة الأعداء؟ كتبت في هذه الصحيفة منذ أعوام أنّ مشكلة الرحابنة الصغار هي أنّ آباءهم رحابنة كبار. يومها قيل لي إنني قسوت في حكمي وتعبيري، فتمنيّت أن يكون الأمر كذلك، غير أنّني كنت أخشى على هذه العائلة من المصير الذي تواجهه السلالات عادة: جيل يؤسّس، جيل يسلّس، جيل يفلّس. وحين ألّفت ريما الرحباني لوالدتها السيّدة فيروز أغنية "بيتي الزغير بكندا" تساءلتُ في مقالة أخرى إن كانت ريما تنذرنا بزوال "البيت" اللبنانيّ وتدعونا إلى البحث فورًا عن بديل، في "كندا" مثلاً، حيث صورة البيت الموصوف في الأغنية لا تشبه تلك التي رسمها والدها ولوّنها عمّها، أو العكس. وحين مات منصور الرحباني، كتبت متوجّهة إلى الذين عتبوا على فيروز لعدم حضورها مراسم الدفن وقلت إنّ تلك السيّدة آثرت ذلك، ربّما، احترامًا للراحل وخشية أن تسرق منه، رغمًا عنها، اهتمام الناس الذين يراقبون تحرّكاتها ويحصون أنفاسها كما يفعلون في يوم الجمعة العظيمة حين ينسون المسيح ويهتفون لفيروز.
وعندما أعلنت وزيرة التربية بهيّة الحريري عن إدخال الرحابنة في مناهج التعليم، دعوت في مقالة وجّهتها إلى المعنيين بالتراث الرحبانيّ إلى جعل هذين الكبيرين من ضمن منهج عام لتدريس تاريخ لبنان الإبداعيّ الذي قد نتفق عليه مقارنة باستحالة الاتفاق على تاريخنا السياسيّ. وحذّرت من إمكان وقوع سوء فهم لهذا الفنّ حصرًا، وتغييب أسماء أخرى كان لها دورها الإبداعيّ كذلك، عدا عن خشيتي على الفنّ الرحباني من رتابة التعليم وضيق أفق المعلّمين وجمود المناهج، إذ لا زلت أذكر بأسف كيف قوبلت فكرتي بالاستهجان حين أدخلت منذ أعوام الأغنيات الرحبانيّة في المنهج الدراسيّ لمختلف مراحل التعليم، وذلك قبل تحديث المناهج ومراسيم الدولة. وحين رفع زياد الرحباني دعوى قضائيّة لشطب اسم عاصي الرحباني (الابن) من سجّل العائلة، كتبت إنّ عاصي الكبير ما كان ليتنكّر لعاصي الصغير وهو الذي تبنّى مئات الشخصيّات وأعطى كلاًّ منها اسمًا ولغة وهويّة ودورًا وخلّد ذكرها في أذهان الناس.
إنّ شبكات التجسّس والمؤامرات ليست أكثر خطرًا على لبنان من تحطيم مبدعيه، إذ لم يقدّم أحد خدمة لأعداء لبنان أكبر من الخدمة التي يقدّمها لهم أولاد عاصي ومنصور. فأيّ عدو كان يحلم بتجنيد أيّ ابن (أو ابنة) من عائلة الرحباني ليهدم ما بناه الأخوان طوال عمرهما؟ وهل من هزيمة للبنان أقسى من تلك التي تتناثر فيها أشلاء الفنّ الرحبانيّ بعد الانفجارات الكبيرة التي يتسبب فيها ورثة ذلك الفنّ؟
لذلك لا بدّ من أن نقول لهؤلاء الأبناء إنّ كلّ واحد منّا فرد من عائلة عاصي ومنصور وفيروز، وإذا كان أبناء الجسد يتقاتلون على الإرث الماديّ، فنحن أبناء هذين الفكر والفنّ نعرف أنّ ما تركه الرحابنة لم يعد ملكًا لواحد أو ستة ما دام ملايين الناس يحفظونه ويردّدونه، من دون أن يسألوا لمن هذه الكلمة أو لمن تلك الموسيقى.

تحقيق عن توقيع الكتب في صحيفة السفير








قرّاء وتواقيع منهم في حفلة إطلاق كتابيّ الأخيرين في البيال

ما قصتك مع حفلات توقيع الكتب؟ عز الدين وشكري وشبلي والزين وقصيفي يتحدثون
عبء لا بد منه أو سخف ينبغي تفاديه
عناية جابر
حفلات توقيع الكتب. كتبك او كتب سواك. ما لها وما عليها. تحبها او لا تحبها. تنفر منها او تسعى إليها، هي مادة حديثنا هنا مع الروائية والكاتبة المصرية منصورة عز الدين، والشاعر المصري جرجس شكري، والروائية والقصصية الفلسطينية عدنية شبلي، والشاعر والروائي اللبناني حسان الزين، والكاتبة اللبنانية ماري القصيفي. حفلات توقيع الكتب، الحديثة نسبياً، هي مجرد مدعاة قلق الموقع الكاتب، وإحراجه، وإخراجه من دائرة همومه الكتابية، الى دائرة الضوء التي يُحاصر فيها فيقع في مصيدة »الآخرين« الآتين رغبة في الاحتفال لمجرد الاحتفال متناسين الكتاب نفسه، ومصيدة الناشر في آن، الذي يتوخى من خلال التوقيع ضمناً وعلناً، بيع كتابه المنشور، والتعويض في أسوأ الأحوال عن كلفته. سوى ان نظرة أكثر عقلانية الى مثل هذه الاحتفالات الآخذة بالتزايد، بل والتي أصبحت عرفاً وضرورة لإطلاق أي إصدار جديد، ترى فيها خطوة أولية، لا بد منها، لضمان حيز إعلامي معقول، كفيل بإثارة انتباه القارئ، والتدليل على الكتاب كما وعقد أواصر معرفة، وتواصل ربما، بين القارئ وكاتبه، وبين القارئ والكتاب الذي يجد فيه بأن كاتبه قد خصه شخصياً (وهذا أمر يرغبه أكثر القراء) بسطور ترحيبية حميمة، تدعو إلى وليمة الكتاب، كما لو دعوة توجه له وحده، فيروح القارئ يقارن إهداء الكاتب على كتابه، بإهداء آخر لقارئ آخر، مُقيساً مدى حميمية هذا عن ذلك. أمور كثيرة تجري في حفلات توقيع الكتب، بعضها يدخل في الاشتباكات المعرفية لعلوم النفس التي ليست مجالنا هنا. ما قصدنا. من هذا التحقيق او الاستفتاء او سمّه ما شئت، هو الوقوع على دواخل بعض الكتّاب، في حفلات توقيع كتبهم، مُرغمين كانوا، أم فرحين ومهللين.








عبء








الكاتبة والروائية المصرية منصورة عز الدين، قدمت تصورا »عقلانيا« إذا صح القول، مع اعترافها بأن حفلات توقيع الكتب، تمثل بالنسبة لها، عبئا ولكن لا سبيل الى التملص منه: »وقت صدور روايتي الأولى »متاهة مريم« نهاية الـ ،٢٠٠٤ وقبلها مجموعتي القصصية »ضوء مهتز« ،٢٠٠١ لم تكن حفلات التوقيع تقليداً راسخاً في المشهد الثقافي في مصر. كان معظم المثقفين ينظرون إليها بنوع من الاستخفاف، كأنها بدعة مستحدثة تجب مقاومتها. حفلات التوقيع الأولى التي أقيمت فيما بعد لم تكن ناجحة ـ حسب ما أتذكر ـ تضيف عز الدين، على صعيد عدد العناوين المباعة، فالكتّاب لم يكونوا قد ألفوا بعد أن يشتروا كتب بعضهم بعضاً، اذ اعتادوا ان يحصلوا عليها كإهداءات. والقارئ كان غائباً الى حد كبير عن الصورة. خلال الثلاث سنوات الأخيرة تغير الوضع كثيراً، اذ أصبحت حفلات التوقيع وسيلة مهمة لتسويق الكتب، خاصة مع تزايد عدد المكتبات الحديثة في القاهرة، ومع ظهور جيل جديد من القراء الحريصين على حضور حفلات التوقيع لشراء نسخ موقعة من كتابهم المفضلين. وعادة لا يتم الاكتفاء بحفل توقيع واحد، إنما تتعدد حفلات التوقيع بتعدد المكتبات، من ديوان الزمالك، الى كتب خان في المعادي، الى ديوان مصر الجديدة وهكذا..








هذه النظرة المنطقية للروائية المصرية عز الدين، تقابلها نظرة متسائلة ومتأملة، بل مشككة في حفلات التوقيع برمّتها من القصصية والروائية الفلسطينية عدنية شبلي: »لو ينظر المرء الى حفلات التوقيع، من منظور بسيط، يجدها غرائبية بحق. فما يهم الكاتب من ان يوقع اسمه بخط يده على كتاب هو كتبه. من جهة أخرى ـ تضيف شبلي ـ ألا يصدق القارئ بأن فعلاً هذا الكاتب، قد منحه أشد الكلمات خصوصية وحميمية، وبحاجة إلى توقيعه الذي يضعه هذا الكاتب على الفواتير والأوراق الرسمية المملة ليس أكثر، ليتأكد من خصوصية النص الذي يحمله؟ شخصياً ككاتبة ـ تقول عدنية ـ أنا لا أحبذ الفكرة جداً، إذ أحياناً كثيرة يصعب عليّ الإحساس أني على ما يرام تماماً حين أكون بين مجموعة كبيرة، بل قد يكون للأمر عليّ نتائج نفسية عصيبة، مدمرة، وأحتاج لبضعة أيام حتى أنتشل نفسي منها، ان لم أستعد وأجهز نفسي لذلك جيداً، أكون كمن يخرج الى ميدان حرب. كما أن توقيعي صغير وبسيط جدا، أشبه ما يكون بخطين عاموديين يتقاطعان مرة او مرتين في بعض الأحيان، ولا أعتقد بأنه سيهم أي قارئ النظر اليهما، او يستأهل منه ذلك. حتى بائعو البطاقات في محطة القطار ينظرون الى توقيعي بارتياب، أو يثير ضحكهم. في الواقع، لو كنت أملك الشجاعة الكافية، لكنت كتبت نصوصي بدون حتى أن أعلن عن اسمي ككاتبتها. هذا التملص الى حد الزهد من كتابة اسمها حتى على نصوصها من الكاتبة عدنية شبلي، تقابلها حيرة الشاعر والروائي حديثاً حسان الزين الذي يقول: »أحب حفلات التوقيع، لا أحبها. ليس في كلامي هذا أي تناقض، ولا هو لعب في الكلام، أو حتى مساءلة اوراق الوردة، الواحدة تلو الأخرى، إذا كنت أحب أم لا. حقا ـ يضيف الزين ـ لا أدري اذا كنت أحب حفلات التوقيع أم لا، او بالأحرى أنا أحبها ولا أحبها في الوقت عينه. أحب فيها اجتماع الأصدقاء والمحبين والقراء ومؤازرتهم الكاتب ومولوده الجديد. ولا أحب ان يُنسى الكتاب، صاحب المناسبة، ليحضر بدلا منه وعلى حسابه، شخص المؤلف وعلاقاته الاستثمارية. هنا يتظهر دور الكاتب في حشد أكبر عدد ممكن من الأصدقاء والأصحاب والمتقربين والساعين الى التقرب اليه، لا سيما اذا كان من ذوي السلطة على أنواعها، والمتنعمين بامتيازاتها، دائماً او موسمياً. فكرة جديدة الشاعر جرجس شكري لا يعاني حيرة الزين حيال حفلات التوقيع، فهو يستهلّ إجابته بكل الوضوح الممكن حين يقول: »لا أحبّ حفلات التوقيع، وربما أقول إنني أخجل منها ولا أعرف لماذا، فلم أتورط في حفل توقيع من قبل في مصر، فقط أقيمت ندوات لمناقشة مجموعاتي الشعرية. لماذا ـ يضيف شكري ـ أقول إنني أخجل من حفلات التوقيع؟ ليس فقط لأنني أعتبر ان الكتابة مغامرة سرية أشبه بممارسة الحب، وحين تنتهي عملية الكتابة، تنتهي المتعة، وهذا يكفي، أما الكتاب نفسه فإذا كان يستطيع البقاء او الانتشار بمفرده بما يحمله بين طياته فليفعل، وان لم يستطع فهو لا يستحق. بالإضافة الى أنني أكره حفلات التوقيع في مصر، كلما تذكرت السيناريو الذي يتكرر مع من يورطون أنفسهم في هذه الحفلات وهم يلحون على أصدقائهم ويتوسلون إليهم أن يأتوا الى الحفل، ودائماً ما يقتصر الحضور على عدد قليل جداً من الأصدقاء أقل من أصابع اليد، فما الداعي إذن لإقامة هذه الحفلات، وأشعر ببؤس صاحب الحفل أو الكاتب، فمن المفترض ان يكون حفل التوقيع عاماً للجميع لمن خارج الوسط الثقافي وهذا لا يحدث أبداً، فهذا النوع من الثقافة لا وجود له في ذاكرة الجمهور، أو حتى الكتّاب، فتقريباً حفلات التوقيع هي حفلات وهمية.








الكاتبة اللبنانية ماري القصيفي وقد صدرت لها حتى الآن أربعة كتب، تتجنب بدورها حفلات توقيع الكتب، غير أنها لم تستسلم لعملية الرفض هذه، بل انقلبت على مفهوم هذا الاحتفال، وفاجأت قرائها بفكرتها الجديدة تماماً. ماري تقول: »رضخت جزئياً، وبشكل استثنائي هذه السنة، لرغبة ناشر كتبي وقبلت بحفلة توقيع، ولكن... بشروطي. أي ان المدعوين أنفسهم، هم الذين يوقعون على سجل خاص وضعته لهذه الغاية. فوجئ المدعوون بالطلب ووجدوا فيه صعوبة، فقلت لهم ولماذا عليّ أنا أن أجد سهولة في تأليف عبارات لعشرات الأشخاص المتدافعين، المستعجلين لتتميم الواجب، في حين يجد الواحد منكم صعوبة في كتابة جملة واحدة. فكرتي ـ تضيف القصيفي ـ نالت إعجاباً غير أن بعض ملبي الدعوة عاقبوني ولم يشتروا كتبي، مع العلم ان بطاقة الدعوة لم تشر بناء على إصراري الى كلمة توقيع، بل كان فيها دعوة الى لقاء الكاتبة. وعلى الرغم ـ تقول ماري ـ من نجاح الفكرة، أصدقك القول رغم أنني اغتنمت الفرصة لمحادثة الناس ومناقشتهم في مواضيع كتبي... إلا أنني لن »أعيدها«.








موت القارئ








منصورة عز الدين تُضيف هنا الى ما سبق وقالته من عدم وجود هذه البدعة المستحدثة، سابقاً: »بالنسبة لي لم أكن مضطرة في كتابَيّ السابقين الى عقد حفلات توقيع لطبعتهما العربية، فكما قلت لم يكن هذا التقليد راسخاً، او حتى موجوداً وقت صدورهما. فيما يخص »متاهة مريم« على سبيل المثال اكتفيت بندوتين فقط إحداهما في ورشة الزيتون والأخرى في معرض القاهرة للكتاب، رفضت بإصرار اقامة اية ندوات أخرى، حيث أرى أن الندوات وحفلات التوقيع تمثل عبئاً عليّ، مع علمي بأنها ضرورية ومهمة، لكنني أفضل أن أكتفي بالكتابة، الا ان هذا الترف (أي الاكتفاء بالكتابة) لا يكون متاحاً طوال الوقت. ففي أحيان كثيرة، خاصة في حالة الترجمة او السفر للخارج، تصبح حفلات التوقيع والقراءات شيئاً لا بد منه. فعلى سبيل المثال كان هناك أكثر من حفل توقيع للترجمة الانكليزية لـ»متاهة مريم«، وأيضاً لأنطولوجيا »حل أزرار الكمان« الصادرة عن بانيبال وتضمّ نصوصاً لي ولعلاء حليحل وجمانة حداد وعابد اسماعيل. فأثناء المشاركة في جولة بانيبال لايف ٢٠٠٦ كانت كل قراءة تنتهي بتوقيع عدد كبير من النسخ للجمهور. ومثلت حفلات التوقيع في الحالتين تجربة مفيدة وثرية، لأنها أتاحت لي فرصة الالتقاء بقارئ مختلف وينتمي لثقافة غير التي أنتمي إليها.








هذا التسامح والقبول لحفلات التوقيع في الخارج لدى عز الدين، يشاركها بهما (مُكرهاً) الشاعر جرجس شكري إذ يضيف: »اختلف الأمر حين صدرت لي أول ترجمة بالألمانية في سويسرا، وكان لزاماً عليّ أن أشارك في حفل التوقيع وفقاً للبرنامج الذي وضعه الناشر للرحلة، ووجدت جمهوراً ليس فقط جاء ليستمع للشعر ويشتري الكتاب بل وقد دفع من قبل ثمن بطاقة الدخول، كان الجمهور متنوعاً من أجيال مختلفة، وبعيداً عن التفاصيل لم أصدق أن الجمهور العادي يهتم بالشعر الى هذا الحد وتكرر الأمر في عدة مدن أوروبية، وأنا لا أصدّق ما يحدث وأتذكر حفلات التوقيع التي أشاهدها في القاهرة. عدنية شبلي تمضي هنا في شرح فكرتها حول هذه الاحتفاليات: »أنا كقارئة، قلما أحتفظ بأي كتاب بعد قراءته، ولذلك لم ولن أقم بطلب توقيع أي كاتب يوماً على نسخة من كتاب لا أملكه. ان كنت أرغب بشيء، من كاتب أحببت نصه، ربما كنت سأطلب ان يكتب نصاً، لا أن يوقع لي على نص قد كتبه. وهنا عليّ ان أعترف بشيء ـ تضيف شبلي ـ أعتقد بأنه قذر. بعض الزملاء الكتّاب الذين يهدونني كتاباتهم التي عادة ما تحمل توقيعهم، في الغالب لا أحتفظ بكتبهم. ان شعرت بقرب من ذلك الكاتب او الكاتبة، قد أنزع الصفحة الموضوع عليها الاهداء وأحتفظ بها، ثم أعطي الكتاب لشخص آخر. فأنا لا أحب ان أرى كتباً حولي في الغرفة، لأنني لا أعود أفعل شيءاً عدا الحملقة فيها وقراءة عناوينها مليون مرة في اليوم، وعندها أكون قد جننت تماماً. أنا لا أحتفظ بالكتب من أجل سلامتي. تستدرك عدنية شبلي ما تقدم فتقول: »لكن ربما قد يجد المرء كاتبا او قارئا ما، هو أعمق من هذا المنظور البسيط، فيزجان بنفسيهما الى هذا النوع من الموقف. أحاول ان أخمن. ربما التوقيع ما هو الا رمز للحظة اللقاء هذه التي قد يتوق اليها القارئ وربما الكاتب في لا وعيه، ولكن حيث تحدث لا يعرف الاثنان ماذا يفعلان، فتأتي فكرة التوقيع لإنقاذهما من مثل هذا الموقف. ربما. حسان الزين، يمنح حفلات التوقيع بعض التواطؤ، لجهة توزيع الكتاب، فهو بعد حيرته الطويلة في حب أو لا حب حفلات التوقيع يقول: »وأنا أتقصى مشاعري، وأبوح بها بشفافية متطرفة، أجدني لا أنسى ما يسميه البعض: »موت القارئ او القراءة«. فالقارئ الذي أتمنى له طول العمر، بات بحاجة الى الدعوة المتكررة والملحة، بالهاتف والانترنت وما تسخّره الحضارة من وسائل اتصال، ليلبي نداء القراءة. وغالباً ما لا يأتي، معذوراً، إذ عليه واجبات كثيرة والضغوط الاقتصادية أكثر وتتكاثر. أخيراً ـ يختم الزين ـ الكتاب يستحق هذا التواطؤ ليبقى قادراً على الصدور والنشر، وليعطي معنى لتوقيع صاحبه.

من سيشتري كتابًا عن الفقراء؟



حين دعا أنسي الحاج إلى الحريّة الجنسيّة، فهم الناس كلامه خطأً، وانطلقت ثورة هي أقرب إلى العهر منها إلى المصالحة مع الجسد، فتحرّرت النساء من ملابسهنّ وتخلّص الرجال من رجولتهم، وبدأ عصر الأجساد العارية في أماكن، والمحجّبة في أماكن أخرى. أمّا الحريّة الحقيقيّة، أكانت في الفكر أم السياسة أم الجنس أم الدين، فلا تزال تبحث عن مكان لها في عالم اعتاد استيراد الأفكار وترجمة الشعر ونسخ الروايات وتقزيم الله.
منذ أن كان في صحيفة «النهار»، وأنسي الحاج يدعو إلى الكتابة عن الفقر، وحين كنت لا أزال أعمل في المجال التربويّ، استفدت من هذه الكتابات واستعنت بما اختاره من أقوال عن الفقر، وصنعت منها لوحة جداريّة كبيرة مع صور عن الفقراء في لبنان والعالم، وعلقتها على أحد جدران المدرسة كي يراها التلاميذ. فما كان من المرشد الروحيّ في تلك المدرسة الكاثوليكيّة وهو كاهن لم يسمع باسم أنسي الحاج ولا بسواه من الشعراء والأدباء إلا أن طلب نزعها لأنّها تؤلم النفوس البريئة وتسرق منها فرح الأعياد. 
ما أخشاه من دعوة أنسي الحاج إلى كتابة روايات عن الفقر تحوّل الأمر إلى عكس ما أراده، فتبدأ المتاجرة بآلام الناس وأوجاعهم وأمراضهم وفقرهم، ويتحوّل الفقراء إلى سلعة في مزاد علنيّ كبير يتنافس الشعراء والأدباء في تسجيل أعلى نسبة ربح فيه.
أليس هذا ما حصل مع موضة الحريّة الجنسيّة، فصارت الروايات مشرحة ملأى بالأعضاء الجنسيّة بلا جمال أو حياة؟
أوليس هذا ما حصل مع موضة الأغاني الوطنيّة حين كتب الشعراء للبنان وعن لبنان كميات من القصائد والأغنيات يفوق عددها عدد سكّان لبنان؟ 
أوليس هذا ما حصل للجنوب المسكين حين انهالت عليه الأناشيد والتحيّات والدواوين والروايات حتّى فاق عددها عدد القنابل التي رمتها إسرائيل على ترابه؟وفلسطين، ألم يحوّلها بعض تجّار الكلمة إلى موضة على الجميع ارتداء كوفيّتها وإلا كانوا أعداء العروبة والقضيّة؟
الحرب اللبنانيّة نفسها لم تستفزّ الشعراء والأدباء بعد لكي يكتبوا عنها من الناحية الإنسانيّة العميقة بدل تلك اليوميّات والمذكّرات والبيانات الحزبيّة، وكلّها يشير إلى مواقف متّخذة سلفاً من ذلك الحزب أو تلك الطائفة، ولا تقبل النقاش أو النقد أو وجهة النظر الأخرى.
منذ فترة وأنا أحاول «إهداء» مجموعة نصوص تصلح للغناء وتدور حول مواضيع الفقر والأمراض والوحدة والطفولة المشرّدة والهجرة، ولم تجد هذه النصوص أذناً صاغية، ولو كانت تقدمة منّي ولا تبغي ربحاً سوى الانتقال بالأغنية إلى مكان آخر غير الذي صارت إليه اليوم.
من سيشتري كتاباً عن الفقراء يا أستاذ أنسي؟ الأغنياء؟ بالطبع لا. الفقراء؟سيفضّلون عليه الرغيف. الفقر لا يجذب الأموال أو الشهرة أو الترجمة إلى لغات الأرض، السياسة قد تفعل والجنس بالتأكيد يفعل، والاقتتال الطائفيّ موضوع مربح، أمّا الفقر فلا يجلب إلاّ الفقر كما المال يجرّ المال.
في مقالة لي في صحيفة «البلاد» البحرينيّة، تحدّثت عن الفقر في بلاد لا أعرف إن كان فيها متسوّلون أو فقراء، وقلت تحت عنوان «من ليس له يطلب منه» ما معناه أنّ وسائل الإعلام تطلب من الفقراء احترام البيئة وعدم الهدر في المياه والطاقة الكهربائيّة. ولكن الفقراء لا يقرأون الصحف، والكتابة عن الفقر للمرتاحين إلى أوضاعهم وفي أوضاعهم، قد تجعل صاحب المؤسسة يقول لك: توقّف عن هذا «النقّ»، الجمهور مش عايز كده، وإن لم تصدّقني تذكّر كيف ماتت ليلى كرم.

الأربعاء، 15 يوليو، 2009

الكتابة بمزاج امرأة



كم جميل أن أكتب بمزاجيّ النسائيّ، وكم جميل أن تكون نصوصي ديوان شعري وألبوم صوري ودفتر مذكّراتي وصحيفتي اليوميّة وتاريخي العابق بشذا البخور ومستقبلي العالق على معبر الحاضر.
أكتب هذا الكلام عن الكتابة وفي بالي كلام قرأته عن الشاعر خليل حاوي الذي أجبرته ظروف الحياة على العمل في البناء قبل أن تتاح له الفرصة للالتحاق بالمدرسة، وخلاصة الكلام أنّ الشاعر كان يبني قصائده بحرفة البنّاء وموهبة الشاعر. ولم يعترض أحد على هذا الوصف، ولم يعتبر خليل حاوي أنّ في الأمر إساءة إليه.
وبناء عليه، وبعيدًا عن الكتب والندوات الشعريّة والتعليم والتربية وحركات "تحوير" المرأة، أريد أن اعترف بما يلي:
كتبت نصوصًا بحرفة الحائكة: فأنا أهوى الأشغال اليدويّة وأعتبرها فرصة ممتعة للتفكير والتمويه والإبداع في الوقت نفسه، ولذلك جاءت بعض النصوص تشبه ما حِكته لبنات أختي: ملوّنة كقبّعة حكتها لـ"رنا" (رنا: العيون السود، رنا الضحكة السعيدة اللي ما إلها حدود، بحسب أغنية للفنّان خالد الهبر) أو غريبة ككنزة صوفيّة اخترعت موديلها لـ"يارا" (يللي جدايلها شقر فعلاً، بحسب قصيدة سعيد عقل التي تغنّيها فيروز)، أو جريئة كتلك القميص الصيفيّة التي تغاوت بها "ميرا" الأميرة في سهرات الصيف.
وكتبت نصوصًا بحرفة الخيّاطة: فأنا "صادرت" من خزانة والدتي ماكنة الخياطة ماركة "سنجر" (اشترتها أمّي لتخيط عليها ملابسي أنا، طفلتها الأولى)، وخطت عليها ستائر وأغطية وبُسُطًا جمعت أقمشتها من ملابس قديمة لا نريد التخلّي عنها لما تحمله من ذكريات، أو من مناديل أمّي القديمة أو من أغطية الرأس التي كانت لجدّتي، أو من ملابسنا وحرامتنا الصوفيّة التي تعود إلى زمن الطفولة.
وكتبت نصوصًا بحرفّة الدهّانة أو "الطرّاشة" التي تهوى طرش الحيطان وتغيير ألوانها ودهان الأبواب والنوافذ لأنّني ضجرت من الحيطان والأبواب والنوافذ كما كانت. وغالبًا ما أضجر.
وكتبت نصوصًا لها عبق البقدونس البلديّ الطازج في صحن التبّولة، ونصوصًا لها نكهة القهوة، ونصوصًا لها لون النبيذ.
وكتبت نصوصًا فيها توهّج الشمس، وأخرى فيها صوت المطر، وغيرها فيه حساسيّة الربيع، وأجملها ما فيه ألوان الخريف الذي أعشقه.
وكتبت نصوصًا تحت تأثير التوتّر والمزاجيّة اللذين يسبقان العادة الشهريّة، وأخرى كانت نتيجة ثورة الهرمونات مع اقتراب سنّ البأس (بحرف الباء لا بحرف الياء) ففي هذه المرحلة "لا بأس" أبدًا من الانتقال إلى مرحلة جديدة مختلفة وجميلة وغنيّة وربّما أكثر حريّة.
سأكون أكبر كاذبة عرفها التاريخ إن ادّعيت أنّ القضايا الكبيرة فقط هي التي تحرّك قلمي أو أصابعي فوق لوحة الأحرف، وسأكون خبيثة إن قلت أنّني أرفض تصنيف كتابتي على أنّها أنثويّة (مع أنّني أشعر أحيانًا أنّني الرجل الوحيد على الأرض).
نعم، أنا أكتب بمزاج امرأة تبكي عندما تبلغ النشوة، وتبكي عندما تكتشف أنّ والديها صارا ولديها، وتبكي عندما تشاهد فيلمًا عاطفيًّا، وتبكي عندما تغضب ممّا يهين كرامة الإنسان، وتبكي عندما تكتشف كم هي عاجزة عن إصلاح الأمور، وتبكي عند خيبة الأمل من صديق.
نعم، أنا أكتب بمزاج امرأة تضحك في السينما كمن لم يضحك منذ أعوام ما يحرج أصدقاءها، وتحادث الندل في المقاهي والمطاعم كأنّها تعرفهم منذ زمن، وتجد ما تتناقش به مع المتسوّل على الطريق، وتقود السيّارة في جنون على طرقات الليل الخالية.
نعم، أنا أكتب بمزاج امرأة تهوى تنسيق الملابس وجمع الحلي العتيقة الجميلة، والأوشحة والمعاطف من مختلف الألوان، وحقائب اليد الثمينة والأحذية الأنيقة المريحة، ووضع الكحل العربيّ، وتغيير تسريحة الشعر.
نعم، أنا أكتب بمزاج امرأة تشاهد أنواعًا قد تبدو متناقضة من البرامج التلفزيونيّة والأفلام، وتستمع إلى أنواع قد تبدو متنافرة من الموسيقى والأغنيات، وتعشق الطبيعة بالمقدار نفسه الذي تشمئزّ فيه من كلّ ما له علاقة بنظافة الإنسان.
نعم، أنا أكتب بمزاج امرأة قد تثرثر بلا توقّف ثمّ تغرق في الصمت الحبيب وتمتنع فجأة عن الكلام كأنّها تعبت من تغيير ما لا يمكن تغييره. كما حصل الآن.