الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 30 ديسمبر 2016

خمسون عامًا تفصل بين قبّعتين (2012)



خمسون عامًا تفصل بين صاحبة القبّعة البيضاء وصاحبة القبّعة السوداء!
خمسون عامًا مضت على الطفلة التي كانت تقف خائفة على درج تمثال الشهداء في ساحة البرج!
خمسون عامًا!
نصف قرن من الزمن!
نصف عمر في حسابات الأعمار والأمنيات!
والطفلة التي كانت تريد أن تتمسّك بشيء يقيها السقوط أمام المصوّر الغريب، جلست في ثيابها السوداء تستريح في منتصف الطريق!
***
كانت الطفلة يومذاك برفقة أمّها، في طريقهما إلى مستشفى الجامعة الأميركيّة، في تلك السنة التي انتشر فيها، وقبلها، وبعدها، شلل الأطفال، فباءت رجلها اليمنى بالفشل في مواجهة طغيان الوباء، وفي غياب اللقاح، بينما حقّق سائر جسمها نجاحًا في المقاومة. ومنذ ذلك الحين وهي تشعر بأنّها قادرة على الانتصار!
تنظر الطفلة البيضاء، وهي تجاهد لتبقى واقفة، إلى الكاميرا، فترى امرأة ترتدي ملابس سوداء أنيقة. وبطريقة ما، تعرف أنّ هذه ستكون صورتها بعد خمسين عامًا! وبطريقة ما، تعرف أنّ المشوار سيكون طويلًا ومرهقًا ومؤلمًا!
وتخاف!
خمسون عامًا نصفُها الأوّل في عالم المستشفيات والعمليّات الجراحيّة والأوجاع، ونصفها الثاني في عالم الحرب والخوف والموت، وبين هذين العالمين كان عليها أن تشقّ طريقها لتحقّق شيئًا ما، لتقف من دون أن تقع، لتتعلّم كيف تنهض بعد أن تقع، لتمشي من دون عكّاز، لتمشي نحو هدف، لتعوّض على الوالدين صدمتهما بما أصاب ابنتهما البكر، لتكون الأخت الكبرى لشقيقتين وشقيقين أُهملوا مرّات بسببها وبغير إرادة أحد، لتكون هي، لتتصالح مع طفولتها، لتصالح عقلها مع جسمها، لتطوي الصفحات بعد أن تنتهي من القراءة، لتكتب عن مراهقتها التي تأخّر موعد وصولها، عن الحبّ الذي يصل دائمًا بعد انتهاء الدوام، عن الصداقات التي نحرها الطموح، عن الخيبات التي جعلتها على ما هي عليه، وعن الألم الذي أحاط بها في المستشفيات وأنساها غالبًا ما هي فيه! وعن الكتب! خصوصًا عن الكتب والكلمات والدفاتر البيضاء التي كانت بلون ثيابها، قبل أن يتسلّل الأسود إلى الأوراق والخزانة!
***
الطفلة التي كانت خائفة من الذهاب يومذاك إلى المستشفى، حيث عليها أن تخضع لجلسات طويلة من العلاج الفيزيائيّ، تعرف الآن كم كانت شجاعة! وكم كان حظّها كبيرًا في أن تنجو ممّا كان يمكن أن يقضي عليها كما قضى على ملايين الأطفال في العالم! وكم كان والداها، على تواضع إمكاناتهما، رؤيويّين في تأمين أنواع علاجات خشي سواهما من الأهالي التفكير في احتمال أن تنفع أولادهم، خصوصًا في غياب دولة قادرة على أن تتعامل مع وباء عالميّ كهذا!
***
صاحبة القبّعة السوداء تنظر إلى الكاميرا وترى طفلة خائفة في ثياب بيضاء، تقف بصعوبة على أولى درجات سلّم الحياة. تمدّ لها يدًا تبدّد خوفها من السقوط، غير أنّ الصغيرة ترفض، وتصرّ على أن تكون وحدها في الصورة، وتنجح، وتبقى واقفة، وتمشي بلا عكّاز، وتقطع مسافة خمسين سنة، وحين تجلس لتستريح، تفكّر في موضوع كتابها الجديد!

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

مرآة جديدة للسنة الجديدة (2009)


Pino Daeni
1 - قالت المرأة العتيقة للمرآة العتيقة: سأكسرك عند منتصف الليل الفاصل بين عامين لينكسر الشرّ الذي اختبأ فيك طيلة العام، وليكن للمرأة الجديدة مرآة جديدة في السنة الجديدة، ترى إلى وجهها فيها وتكتشف أنّ الوجه لم يعد هو نفسه لأنّ المرأة التي فيها لم تعد هي نفسها. إطار جديد ومرآة جديدة ووجه جديد للسنة الجديدة: تفتّت صورة المرأة التي كانت في المرآة القديمة تنتحب وهي تقف على أطلال عمرها تنكش الرمل وتذرف الدمع وتنتظر فلا ينبت إلاّ الشوك الجارح، توزّعت شظايا أفكارها قطعًا صغيرة مشوّهة، وتناثرت خفايا نفسها القلقة. وحين رأت إلى وجهها في المرآة الجديدة اكتشفت امرأة أخرى لا تريد إلّا أن تكون مع نفسها.
*****
2 - في ليلة رأس السنة وضعت المرأة كلّ رجل تعرفه في مكانه المناسب، واحتفلت وحدها بالعيد.
*****
3 - من يخبر الرجال أنني وجدت من تاقت إليه نفسي واشتاق إليه جسدي، فليتوّقفوا عن ادّعاءات الرجولة. فالرجل الذي أحبّه فضح سذاجة أفعالهم؟ ومن يخبر النساء أنّني وجدت من حلمت به أيّامي وانتظرته خلايا عقلي، فليمتنعن عن ادّعاءات الأنوثة، فالرجل الذي يحبّني يعرف كيف هي المرأة التي يريدها.
*****
4 - لا تدعُ أحدًا إلى حياتك إن لم يكن له مكان ووقت.
*****
5 - الأغنياء هم الذين يتسبّبون بزحمة سير خانقة خلال الأعياد، فالفقراء لا يملكون سيّارات ولا ثمن الوقود ولا ثمن الهدايا. عندما يصير الأغنياء هم الحلّ يحلّ على الأرض السلام.
*****
6 - يعود الإنسان الحديث إلى الكهوف والمغاور: يجلس في غرفته وحيدًا كما فعل الإنسان البدائيّ، يرسم على شاشة الكمبيوتر كلمات كما رسم الرجل المتوحّش على جدران المغارة صورًا، يخترع آلهة يعبدها كما فعل الإنسان الأوّل. ويحلم باليوم الذي يخرج فيه من قوقعته ويتواصل مع الآخر بلا خوف.
*****
Claudine Doury
7 - كلّ الذين يشعرون بالحزن خلال الأعياد هم الذين راهنوا على الناس ليفرحوهم، ولم يتعلّموا، على رغم التجارب والخيبات، أنّ الناس يسرقون الفرح ولا يهبونه. ويوم نتعلّم هذا الدرس نفرح في العيد الفرح الحقيقيّ الذي لا يسلبنا إيّاه أحد.
*****
8 - حين نفتح الهدايا ينتهي العيد.
*****
9 - قالت المرأة الجديدة لمرآتها الجديدة: تغيّري قدر ما شئت ولكن تذكّري أنّك لن تكوني على هذه الصورة بعد موتك بثلاثة أيّام!
*****
10 - يؤمن ذاك الرجل بالمحبّة والمتعة لأنّ كلتيهما لا تؤمن بالحصريّة.
*****
11 - ثمّة هدايا كلاسيكيّة لا تحتاج إلى تفكير وعناء كالأقلام والملابس، وثمّة هدايا هي بمثابة استثمار ماليّ مستقبلي كالمجوهرات واللوحات، وثمّة هدايا لا تدوم كالأزهار والحلويات. الكتب والتسجيلات الموسيقيّة وحدها تتطلّب دراية بالآخر ووقتًا للاختيار ولا تفقد قيمتها مع أنّها ليست ضربًا تجاريًّا مربحًا. ولذلك فالمقبلون عليها قلائل.
*****
12 - أهدت المرأة زوجها نبتة جميلة لأنّ الزاوية في المنزل خالية، وأهدى الرجل زوجته لوحة جميلة لأنّ الجدار فارغ، أمّا الحبّ الذي كان فلم يجد مكانا مع أنّ الفراغات كثيرة والأماكن الخالية باردة.
*****
13 - في البداية كانت هداياه ثمينة وجديدة، ثمّ صارت رمزيّة أو مستعملة، ثمّ صار يختار واحدة من الهدايا الكثيرة التي تقدّم إليه. وكانت النهاية. نهاية شيء جميل.
*****
Doris Billing

14 - يحلو للناس ليلة العيد أن يرفعوا أصواتهم هازجين وأن يطلقوا المفرقعات الناريّة وأن يملأوا الدنيا صخبًا وغناء وعربدة، وأغلب الظنّ يفعلون ذلك كي لا يسمعوا أنين المرضى وصراخ المتألّمين وتنهّدات المتروكين، ولولا ذلك لما استطاع أحد أن يتابع حياته.
*****
15 - كنت مريضة فما زرتموني خوفًا من التقاط فيروس الإنفلونزا، ألم يقل الكتاب: كونوا حكماء كالحيّات؟؟
*****
16 - حذار! عكازك نفسه يمكنه أن يكون العصا التي تكسر جرّة أحلامك!
*****
17 - العواطف المهترئة والقبلات الدبقة والمواقف المجّانية أخطر من الاحتباس الحراريّ.
*****
18 - لن تكون السنة الجديدة جديدة ما لم يكن كلّ منّا إنسانًا جديدًا.
*****
* صحيفة "النهار" الثلاثاء 29 كانون الأوّل 2009

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2016

قبل أن تنتهي السنة (2009)


قبل أن تضاف إلى سنوات عمري سنة جديدة
قل لي أنّي ما زلت شابّة جميلة.
قبل أن تعلن ساعة منتصف الليل انتهاء عام وبدء عام
قل لي أنّي أصلح لكي أكون امرأة أحلامك.
قبل أن يطلق الناس الأسهم الناريّة في ليلة العيد احتفالاً بالعيد
قل لي أنّي المرأة المناسبة في المكان والزمان المناسبين.
قبل أن تكسر النسوة الصحون والأقداح الزجاجيّة ليتخلّصن من شرّ السنة الراحلة
قل لي أنّي أيقونتك المرفوعة فوق مذبح أحلامك.
قبل أن يتعتع الفرح العقول ويطلق الألسنة بكلام لا تميّز صدقه من كذبه
قل لي أنّي ابتسامتك الدائمة وفرحك النابع من عمق أعماقك.
قبل أن أعتاد الضجر والوحدة واليأس والحزن 

قل لي أنّ السنة القادمة ستكون أجمل من السنة الراحلة.
قبل أن يطلّ صباح اليوم الأوّل من السنة الجديدة
قل لي أنّ كلّ يوم من حياتنا سيكون يومًا أوّل من سنة جديدة، قبلها سهرة عيد وبعدها أمل أكيد.
قبل أن تبحث لي عن هديّة ثمينة
قل لي أنّي هديّة السماء إليك.
قبل أن تقرأ كلماتي
قل لي الكلمات التي أنتظرها لكي لا أقول أنّني أنعشت ذاكرتك وما كلماتك سوى صدى كلماتي.
قبل أن تنتهي السنة
قل لي كوني بخير لأكون بخير.
قبل أن يلتقي عقربا الساعة عند منتصف الليل ويتعانقا في حنان...
دعنا نلتقي أوّلاً 
ثم قل لي ما تريد.

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

أمراض ومستويات (2010)

نانسي عجرم قبل أوجاع العمليّات التجميليّة
كارول سماحة: الغوى بدّو قوى

متألّمة
متالّم
آلام وأسر


لا يكفي أن تكون مريضًا، لا يكفي أن تمزّقك الآلام والأوجاع، بل عليك أن تحدّد نوع المرض ومستواه الاجتماعيّ ومرتبته في الجسد، أو لن تشبع فضول السائلين الذين يعودونك ليعرفوا أكثر، ليعرفوا عنك أكثر.
فالأمراض في مجتمعنا أنواع:
هناك الأمراض الشاعريّة كتلك التي تصيب القلب أو الرئتين أو تلك التي تصيب العينين أو الرجلين، وتذكّرنا بعهد الرومانسيّة حين كنّا نرى العاشقة في الروايات والأفلام تتخلى عن حبيبها قبل أن يعرف بمرضها المميت أو إعاقتها المفاجئة. وكان الكلام المتقطّع والنفس المقطوع علامتين من علامات الألم والمعاناة، فلا نعلم إن كان الحبّ هو الذي يفعل ذلك أو المرض.
وهناك الأمراض ذات المستوى الفكريّ الممتاز، كالصداع والاضطراب العصبيّ وأوجاع المعدة. وهي على الموضة ولا يخجل أحد من الإصابة بها أو كان من خارج هذا الكوكب ولا يعاني ما يعاني منه الناس العاديّون. وهي دليل على أنّ أصحابها من المفكّرين المشغولين بحلّ أزمات الكون.
وهناك الأمراض ذات المستوى المعيشيّ الراقي، كالدهن في الدم والسكريّ والسمنة وهي تشير إلى قدرة شرائيّة عالية،وإلى أنّ اصحابها من روّاد المطاعم ومن الجالسين خلف المكاتب من دون حركة تذيب الشحوم والدهون.
وهناك الأمراض التي تثير الخوف وتجعل أحدنا يقول في سرّه: ما حدا فوق راسو خيمة. وتنحصر حاليًّا في السرطان الذي لا نعلم متى يضرب ضربته التي غالبًا ما تكون ضربة معلّم. هذا المرض الذي كان يشار إليه بالصفة صار على الموضة أيضًا وبات من النادر أن يمرّ يوم من دون أن نسمع بإصابة جديدة له.
وهناك الأمراض المخجلة التي تصيب الجهازين الجنسيّ والمعويّ. وغالبًا ما يشار إلى العمليّات المتعلّقة بها بـ"عمليّة بسيطة"، فيفهم السائل أنّ المصاب عضو لا يجوز ذكره أو النظر إليه أو الحديث عنه علنًا. والطريف أنّ اللبنانيّين يتحدّثون عن هذه الأمراض باللغة الأجنبيّة معظم الأحيان، وكذلك يفعلون حين يشيرون إلى الفحوص المخبريّة المتعلّقة بها، كأنّ الحديث عنها بلغة أجنبيّة راقية ينقلها إلى مستوى "كلاس" وتتغيّر طبيعتها.
الأمراض مستويات. وإذا كان لا بدّ من الإصابة بمرض فصلِّ كي تصاب بواحد تفتخر بالحديث عنه في المجتمعات والصالونات، أو اجتررت ألمك في صمت ووحدة.

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

الفقير في العيد: زوروني كلّ سنة أكثر من مرّة (2010)

طفلة هنديّة تعمل لتأمين قوتها

     ألا يكفي أنّه فقير؟ ألا يكفي أنّه لا يملك شيئًا من حطام هذه الدنيا، فاتركوا له على الأقلّ كرامته، ولا تجعلوه موضوعًا لبرامجكم ومقالاتكم في مناسبة الأعياد ثم تركنونه على الرفّ في خزانة الضمير بعد أن تقولوا له: وإلى اللقاء في الحلقة القادمة، من العامّ المقبل، وكلّ عيد وأنت فقير يا فقير.
     الفقير في العيد يقول للتلفزيونات والصحف التي تجعله حبش العيد المحشو وعودًا وتمنيّات: زوروني كلّ سنة...أكثر من مرّة.
     على الإعلام أن يسلّط الأضواء على الفقر لا على الفقراء، على الإعاقة لا على المعوّقين، على اليتم لا على الأيتام، وبمعنى آخر يجب أن نعالج المشكلة لا أن نكتفي بفضح نتائجها أمام الكاميرات وفي عناوين الصحف. فمن السهل أن نجد فقراء راغبين في عرض مشاكلهم على شاشات مضاءة في كلّ بيت، ولكن إلى كم من الوقت سينقذه ذلك من عتمة يغرق فيها باقي أيّام السنة؟ ففي ليالي العيد، الأثرياء لن يتسمّروا أمام الشاشات لمشاهدة فقراء يحسدونهم على ثرائهم، والفقراء سيقولون في أنفسهم: نملك ما يكفينا من المشاكل ولسنا في حاجة إلى مزيد منها. أو يقولون: لماذا حلّت نِعَم التلفزيونات على هؤلاء وليس عليّ؟ وبالتالي كيف حلّ الإعلام مشاكل الفقراء؟ "دي ليلة حبّ حلوة" بحسب كوكب الشرق، ولكنّ فقراء هذا الشرق لا تكفيهم ليلة عطف، فيها من النجوميّة أكثر ممّا فيها من الحبّ.
     أنا لا أنفي عن مقدّمي هذه البرامج أو عن الصحافيّين عمومًا مشاعر صادقة تجعلهم يرغبون في تقديم المساعدة، غير أنّ المنافسة المهنيّة والتسابق على من يحقّق سبقًا صحافيًّا مع أكثر الفقراء فقرًا أو مع أكثر المرضى مرضًا يجعلهم يتعامون عن الناحية الإنسانيّة ويتغاضون عن حقّ الفقراء والمرضى في خصوصيّة مشرّفة لا تجعلهم نجومًا تنطفئ مع إطلالة صباح العيد حين ينتهي الإعلام من تسليط أضوائه المخادعة على الفقر والمرض.
     يقول العارفون ببواطن أمور الإنتاج إنّ كلفة الحلقات التي تعالج مشكلة الفقر والتي تعرض خلال الأعياد، مع ما يرافقها من إعلانات، تكفي عائلات كثيرة طيلة سنة كاملة. والملابس التي يرتديها مقدّمو هذه البرامج مع كامل زينتها وأكسسواراتها تخفّف بثمنها المرتفع الديون عن كواهل كثيرين من أرباب العائلات، فما الحكمة التي تقف خلف هذا النوع من البرامج، وما الهدف منها؟ وكيف نفسّر لأنفسنا الإعلانات عن السيّارات والمجوهرات والكحول والعطور في برامج مخصّصة لمعالجة الفقر؟ وهل نريد القول للفقراء لا تقتربوا من هذه السيّارات النظيفة للتسوّل ولا تتركوا بصماتكم القذرة على لونها المشعّ، ولا تتردّدوا في البكاء فدموعكم تشبه حبّات اللؤلؤ حول أعناق نسائنا، ودعونا نمطركم بالكحول لتنسوا فقركم وبالعطر لننسى رائحتكم النتنة؟
     إنّ إراحة الضمير لا تكون بعرض فنيّ باذخ، والإحسان والصدقة لا يكونان في العلن وأمام ملايين المشاهدين، وليلة الحبّ هذه ستكون حتمًا بألف ليلة وليلة من النسيان والإهمال والجوع.
     وإلى اللقاء في العيد المقبل مع فقير آخر.


فلنترك العيد للأطفال إن لم نستطع أن نعود فيه أطفالاً (2010)



بدأ الناس في الأعوام القليلة الماضية تقليدًا جديدًا يقضي بالاحتفال بتوزيع هدايا الملاك الحارس في أماكن العمل، وذلك في مناسبة عيد الميلاد. ويعني ذلك لمن لا يعرف بأمر هذا التقليد الجديد أن يسحب كلّ عامل أو موظّف بالقرعة اسمًا لزميل أو زميلة له، ويحضر له هديّة.
الأمر لطيف وجميل، ولكن ما شهدت عليه في أكثر من مكان هو تشويه لمفهومَي اللطف والجمال، وبالتأكيد لا علاقة له بالمحبّة والعيد. فخلال دورة صندوق الأسماء على المعنيين تنطلق صيحات الاستهجان عندما يعرف من مدّ يده وسحب الورقة لمن سيكون "ملاكًا حارسًا":
- لا أريد أن أكون ملاكًا حارسًا لهذه المرأة فهي لئيمة وبالكاد تردّ التحيّة.
- لا أرجوكم، أيّ شخص آخر إلاّ هذا، فالرجل ثقيل الدم والظلّ ولا أطيق فكرة أن أختار له هديّة.
- إلاّ هذه المرأة التي لا يعجبها العجب، فمهما ابتعت لها ستتذمّر وتعبس.
- ماذا أختار لهذه المرأة من دون أن تظنّ أنّني معجب بها؟
- أنا سخيّ وفي كلّ سنة تكون هديّتي لسواي هي الأغلى ثمنًا في حين لا يقدّمون لي سوى الهدايا السخيفة.
وهكذا تتوالى تعليقات الاستنكار والاستهجان، فضلاً عن صيحات الرفض والاعتراض، يضاف إليها عبارات التأفّف والتذمّر، ما يجعل الاحتفال برمّته جولة من المصارعة المتحرّرة من قيود التهذيب وحسن التصرّف، عدا عن توالي مشاهد الخبث والتمثيل المفضوح. وهو مشهد مستهجن ومرفوض فكيف إن تزامن الأمر كلّه مع عيد يدعو إلى عكس ذلك؟
الأمر حلّه بسيط. لا داعي لكلّ ذلك. فلنترك للملاك الحارس صورته البهيّة الطاهرة، ولنبقَ شياطين كما كنّا خلال 364 يومًا في السنة.

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

في ذاكرتي تاريخ من الأحذية


Anne Farmer

حذاء سندريلاّ، القطّ ذو الحذاء، حذاء الطنبوري، حذاء بابا نويل، قبقاب غوّار الطوشي، أحذية الضحايا الألف الذين غرقوا في نهر دجلة وهي مكوّمة على جسر الأئمّة (2005)، النعل الذهبيّ الذي اعتبره المخرج السوريّ عمر أميرالاي رمزًا يعبّر عن نظرة الناس إلى رئيس الحكومة اللبنانيّة رفيق الحريريّ في فيلم بعنوان: الرجل ذو النعل الذهبيّ، الحذاء الذهبيّ للاعبي الكرة، أحذية المصلّين أمام المساجد، الأحذية الفارغة المملوءة بخطط السفر في قصيدة غنّتها جاهدة وهبي للشاعر الألماني غونتر غراس، أحذية المزارعين في قريتنا حين كانوا يخشون أن يوسّخوا الأرض فيتركون النعال والوحل عند عتبات البيوت ويدخلون حفاة، أحذية الأطفال البيضاء الجديدة في أحد الشعانين، أو في احتفالات القربانة الأولى، يخافون عليها من الغبار ويتمنّون لو يطيرون كي تبقى أحذيتهم جديدة ونظيفة، ونبيّ الله موسى يخلع نعليه بأمر من الربّ، والمسيح يطلب من تلاميذه أن يخلعوا نعالهم ليغسل أرجلهم ليلة عشائه السريّ معهم، أحذية الجنود تمرّغ رؤوس المقاومين في كلّ مكان، الأحذية العتيقة التي كانت تجمع ليصلحها الكندرجيّ يعقوب الأرمنيّ في زياراته الأسبوعيّة إلى القرية وهو ينادي: مصلّح لاستيك، الأحذية الطبيّة التي تركها من تمّت فيهم أعاجيب القدّيس شربل فتركوها عنده في ديره في عنّايا من بلاد جبيل ومشوا أصحّاء سالمين، أحذية إيميلدا ماركوس زوجة الرئيس الفليبينيّ السابق تتناقلها وسائل الإعلام بعيد سقوط نظام حكمه: 1200 زوج من الأحذية في القصر الرئاسيّ و1600 زوج في منزل العائلة، الحذاء الذي كان ينتقل في العائلة من ولد إلى آخر بسبب الفقر والعوز ولا يهمّ إن ناسب القدم أم لا، قصيدة محمود درويش التي يغنّيها أحمد قعبور للمقاومين وفيها يقول: وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم، لوحة "الحذاء" للفنّان الهولندي فان غوغ التي أثارت غضب الأثرياء لما فيها من دلالات الفقر، حذاء خروتشوف في الأمم المتحدة يضرب به الطاولة ويحتلّ عناوين الصحف والكتب، الحذاء الصغير المعلّق في مؤخّرة السيّارة لدرء صيبة العين والحسد، الأحذية الصغيرة المصنوعة من البروسلين والمملوءة بالحلويات توزّع في مناسبة الولادة، "الصرامي" الملوّنة التي كانت تباع في أسواق بيروت القديمة وهي كناية عن قطع حلوى صغيرة تعبّأ في أكياس لتحملها الأمّهات لأولادهم المنتظرين هديّة "السفر" من الضاحية إلى بيروت، عبارة "شو هالصبّاط" التي يحفظها الشبّان من مسرحيّة لزياد الرحباني...وحذاء منتظَر الصحافيّ العراقيّ طبعًا.
في لبنان نقول عندما يولد طفل ثان في العائلة وللدلالة على خسارة الطفل الأوّل مرتبته: "نزلت صرمايته عن الرفّ". كم أتمنّى أن يكون الحدث الذي سينزل حذاء "منتظر" عن رفّ الإعلام وواجهات التلفزيون والإنترنت حريّة حقيقيّة نحتفل بها كلّنا في هذا العالم العربيّ المهدّد من أكثر من جهة، والمهيّأ للتفجّر من الداخل.
***
صحيفة البلاد البحرينيّة - الأحد 21 كانون الأوّل 2008

الخميس، 8 ديسمبر 2016

تلات رسايل من السما

خالي سليم حاملًا خالي ميلاد

خالي سليم وزوجته عمّتي إميلي

تقبريني يا عمتي، تقبريني يا ماري، كيفك؟ كيف إخوتك وإمّك وبيّك؟ أنا عمتك إميلي، نحنا هون كتير مناح، ما تشغلو بالن فينا. هون كهربا ومي كلّ الوقت، يعني فيي ساعة يللي بدّي حطّ زوم بالغسّاله، وما حدا بينقّ عليي. وفيي عبّي البرّاد والتلّاجه من دون ما إحمل همّ تروح الكهربا وكبّ الأكلات. بس يا عمتي مشتاقة لريحة كلّ واحد منكن. شو عرّفني ليش السما ما فيا غير ريحة، متل ريحة البخّور، ومنصير كلّنا عنّا نفس الريحة. طالع ع بالي شمّ ريحة ولادي وولاد ولادي وإخوتي وخيّاتي... حتّى الأكل هون ما إلو نفس الريحة متل ما كانت تفوح من عندي بالمطبخ. يمكن لأنّو الأكل كتير صحّي، وما بيموّت 😊... اضحكي يا عمتي، يقطع الزعل، ما في شي بيستاهل الزعل والبكي. إنتي متلي، سلامة قلبك، مهووسه بالنضافه، وهون السما نضيفه، ما في ولا نتفة غبرا، وبيضلّ السجّاد متل التلج، بس عم بزهق، لأنو ما في كتير شغل، خالك بيضلّ ينقّ عليي، لأنّي بضلّ مرّق إيدي ع الغراض، بقول بلكي إجا حدا جديد لهون وجاب معو غبرا!
ياعمتّي، ديري بالك ع إمّك وبيّك، قولي لإمّك تفكّ الحداد عليي وع إخوتا، سليم وميلاد مناح ومش عم يتخانقوا، بالعكس كل الوقت بيقولوا زجل وبيتحدّوا بعضن بالشعر واخْبار سلام الراسي. وستّك وجدّك كمان مناح، ومبسوطين فينا، وجريس إبن خيي بيجيب ستّو وبيّو وإمّو وبناتو وبيجوا يسهروا مرّات معنا، إيه خيي عزيز عم يقدر يتنفّس منيح، راح الربو، وسعاد مرتو بعدا متل ما هيي، قلب ع الحلّ، وكمان سهرنا مع يوسف إبن خيي ومرت خيي بشارة، هون في كتير أصحاب ومعارف وجيران، وإذا كلّ دقيقه بدّك تحكي حدا ما بيكفّي الوقت، بس أنا عم ضلّ مع أهل جوزي، الزلمه مات ورايي يا عمتي، معقول اتركو وروح عند أهلي 😊. ما بعرف يا عمتي كيف هون بيمرق الوقت، ما منعمل شي مهم، بس ما منتعب ولا منضجر، بس منشتاق لريحة يللي منحبّن. منضل نشوفن، بس ما منقدر نشمّ ريحتن، هيدي الشغله ناقصه بالسما، وحكيت العدرا بخصوص هالشغله. كمان هون، بدّك تكوني بتعرفي حدا إلو كلمه.
المشوار لهون ما كان طويل ولا صعب، تأخّرت شوي ت أوصل لأني نطرت خالك، كنت عارفه رح يلحقني، تاري هوّي كمان كان ناطر خيّو. وهيك مشينا سوا، بالمقبره شوي انزركنا، قولي لهالخوارنه يوسّعوا المدافن، يمكن في ناس ما بيحبّوا يضلّوا ع الأرض إذا يللي بيحبّوهن راحوا. وخالك كان يحبّني، بس صراحة ما كنت عارفه إنّو خيّو ميلاد كان يحبّو كمان هالقدّ.
مشغول بالي يا عمتي ع ولادي، بعرف هنّي قد الحمل وما بينخاف علين، بس قلب الإم ما بيتغيّر حتّى لو صار بالسما. ما تنسي تقولي لأمّك تعيّد الميلاد وتفكّ الحداد، بعرف ع الأرض بيكونوا عقلاتنا زغار، ومنخاف من حكي العالم، بس المهمّ يكونوا ولادنا وأحفادنا مبسوطين بالعيد. انبسطوا يا عمتي، وانتبهوا ع عُمر، هيدا زغير العيله، وعملولو عرس كبير، وسلّمي ع إختك هيام يللي كانت جارتي الما في متلا، وع سميره يللي ما تركتنا ولا دقيقه بالمستشفى
خالك عم ينقّ قال طوّلت بالرساله وهوّي ما عاد إلو جلاده يكتب، وعندو هوّي كمان كم شغله بدّو يقلّك ياها. وأصلًا أنا لازم شوف الطبخة، وإجلي ركوة القهوة. بخاطرك يا عمتي!

***
أنا خالك سليم يا ماري، قولي لبيّك إنّو غشّني بس عطاني إختو مقابل إختي، شو كان بدّي بهالشغله؟ دخلك كيف بتقلّك تقبريني يا عمتي هيي وبالسما؟؟😄عمّتك هون كمان بتنقّ ورح يهشل الله من طلباتا، قال شو؟ خلقا ضيّق، وبدا ترجع تطلّ ع الولاد، يعني عمتك مش فهمانه شي من شي، ويا ضيعان ما كانت تضلّ بالكنيسه. بعدو بالا بالأكل والشرب والتنضيف، وعتلانه همّ الولاد يموتوا من الجوع. ومن وقت ما فضي البرّاد من آخر طبخة تركتا، وهيي خايفه علين ما يعودوا يحبّوا الأكل من غير إيديها. عمتك خوتا بس بعدني مغروم فيا، وشوفي كيف رجعت صبيّه حلوه متل يوم عرسنا، ولو ما كان بالي طويل وأعصابي رايقه، كنت تركت السما، ونزلت ع جهنم... عم بمزح يا خالي، وإنتي بتعرفيني، ع كلّ حال، خلّينا نحكي بشي تاني:
أنا وميلاد عم نلعب داما، يا ريتك حطّيتي معو وقت لحقني طاولة الداما يللي عملا بيي، أوّل ما وصلنا سألني عنها. ع كل حال، دبّرنا حالنا، هون ما مننقطع من شي. حتّى المكتبه ما بتسكّر، والكتب ببلاش، يمكن عندكن كمان صار هيك، بس هون الكل صار يحبّ يقرا، مدري شو صرلن هالناس؟ كلّ يللي كانوا يتمسخروا عليي قد ما بقرا، صاروا ما بيتركوا الكتاب من إيدن. قولك هيدا نوع من القصاص. شفنا سلام الراسي ومارون عبّود وقعدنا معن شوي، طلعت أنا وخالك ميلاد حافظين كتبن أكتر منن. ع فكره خالك ميلاد بعدو عنيد وما بيعمل غير يللي براسو، وبيضلّو يتخانق مع المسؤولين هون. بدّو يعيد هندسة السما، وبدّو يفهم كل شارده ووارده، وبدّو يعمل كتب شعر. بس راسو مشغول بماجد كلّ الوقت. فهمان عليه، ما أنا كمان قلبي محروق ع ولادي، بس برجع بقول بدّي شدّ حالي قدّام مرتي وخيي. إمّي وبيي لأنن صرلن زمان هون، تعوّدوا، صاروا مع خوالي وخالاتي، وستّي برباره وجدّي، كأنّن من غير عالم. مبسوطين فينا، بس كأنن صاروا بيعرفوا أكتر ما كانوا يعرفوا، يمكن نحنا مع الوقت نصير متلن. كنت مفتكر الوقت هون مش موجود، بس يمكن لأنّو بَعْدنا مشتاقين عم نحسّ إنّو في شي إسمو وقت جايي معنا من الأرض وما عم يقبل يتركنا. انتبهي ع إمّك يا خالي، هيدي إم مارون، إمّ الكلّ، وانتبهي ع الحج، وقوليلو ما يواخذنا عذّبناه معنا بآخر فتره، بس الله بيكافيه بصحّتو وصحّة ولادو.  
مشغول بالي ع البنات، بس ما بحكي قدّام عمتك، بعدن مقهورين مع إنّو رح يصرلنا سنه تاركينن، الشباب غير شكل، بعرف من جوّا هنّي مقهورين كتير كمان، بس بالآخر الصبيان غير البنات، يا حرام هالبنات شو تعذّبوا معنا، بس والله بيّضوا الوج بحياتنا وموتنا. ومتل ما قالت عمتك، اعملوا عرس كبير لعمر، وما تبكوا، وأنا من هون رح إكتب قصيده، ورح جرّب إبعتا قبل العرس. عمتك مشتاقة لريحتكن وريحة الأكل ونسيت تقلّك إنّو مشتاقه كمان لريحة دوا الغسيل... بس أنا مشتاق للأصوات: صوت حجار طاولة الزهر، صوت الزغلول وموسى زغيب، صوت المزيعة بإزاعة لبنان، وخصوصًا صوات ولاد ميّادة وجورج وهنادي وجوزيف... هون في حكي، بس ما في أصوات... كأنّو الصوت شغله إلا علاقة بالأرض... مشتاق لصواتكن كلّكن يا خالي، ضلّكن حكونا، يمكن شي نهار نسمع الصوت مش الفكره وتصير السما حلوه أكتر...

***

بلّش خالك سليم بالبكي يا ماري، وما عاد قادر يكتب. أنا ميلاد، أكيد عرفتي خطّي وما كان في لزوم عرّف ع حالي... كيفك يا بنت؟ يا عتبي عليكي، ليش زعلانه هالقدّ علينا؟ وحدك بتعرفي قدّيش تعبنا، ومعليش إذا ارتحنا، خصوصًا أنا، ما إنتي بتعرفي شو كنت تعبان بعقلي وأفكاري، حتّى بالليل كان راسي يضلّ يشتغل ويخطّط ويحلم... الدنيي ما كانت سايعتني، كان لازم إجي لهون. بس ماجد يللي عم يخلّيني إندم ليش استعجلت الفلّه. ماجد كتير زكي يا ماري، أكتر ما إنتي بتعرفي، يمكن كرمال هيك كنت خاف منّو وخاف عليه. وحبّيتو كتير، أكتر ما كنت عارف إنّو الواحد بيقدر يحبّ. وحبّيتو أكتر وقت يللي كبر وصار شبّ عندو شخصيّتو وأفكارو، كأنّو وقتا اكتشفت شو يعني يكون الواحد عندو ولاد، وصرت إفهم أكتر ع بيي وإمّي وع خيي سليم.

بس كمان من هون بيقدر الواحد يحبّ، لأنو هون بيصير حدا تاني، حتّى ولو بقي يحبّ يطبخ وينضّف متل عمتك، أو يحبّ يلقوط غراض متل جدّك، أو يحبّ المطالعة متل خيي سليم، أو يحبّ يشارع ويعيّط متل ستّك. الحبّ هون غير شكل، ما بيتعّب ولا بيوجّع. يمكن بيوجّع شوي لأنو بعد ما نسينا كيف بيكون حريق الشوق للناس يللي منحبّن، بس يمكن مع الوقت، ومتل ما إنتو رح تتعوّدوا ع غيابنا، نحنا كمان رح نتعوّد نسهر عليكن من هون.
هون في كلّ شي، متل ما بيقولو المسافرين ت يطمّنوا أهلن، حتّى الدخّان موجود، ورجعنا أنا وسليم ندخّن... بس يمكن اللمسة يللي كانت هونيك ناقصتنا. هون منشوف كتير منيح، بس متل ما عمتك مشتاقة للريحة، وسليم مشتاق للصوت، أنا مشتاق إغمركن، إغمر ماجد وولاد شادي وكابي، وإغمر بنات سميره، وإغمر إختي سعاد، وقلّها كيفك يا ختياره... وإغمرك متل ما كنت أعمل بس إرجع من السفر، وترجعي بنت إختي الزغيره يللي ما بخاف إلّا من لسانها يللي ما بيرحم حدا وخاف عليها من أفكارها يللي خلقت معها وأكبر منها بشي تلاتين سنه.
انتبهي ع إمّك وبيّك وماجد يا ماري وقوليلو ينتبه ع إمّو وما يزعّل إخوتو، وع بنات سميره، الكبار والزغار بالعيله بدّن عنايه خاصّه، الباقيين، ما زال الحمد لله صحّتن منيحة بيدبّروا حالن، ما تعملوا متلنا وتضيّعوا العمر بخناقات زغيره ما إلها معنى... قولي لمارون يتزوّج ويجيب ولاد وما يتأخّر متلي، وقولي لموريس يقطع الغربه، خلّيه يرجع يعيش معكن.

بريد السما استعجل، قال ع العياد بيصير في عجقة رسايل طلوع، وهيدا آخر بريد نازل نزول قبل الموسم، منبقى نحكي ع رواق.. انتبهي ع حالك ولا بقا تبكي...

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

ما حدا يهديني جزمة كاوتشوك (2009)



     كان في قرية من قرى لبنان عائلة تتوق إلى صبيّ بعد سلسلة ولادات كانت نتيجتها مجموعة بنات. وكان في قرية أخرى بعيدة كنيسة تسمّى "مار الياس الراس" أمامها بئر عجائبيّة المياه تهب البنين للمحرومات والمحرومين. ويؤكّد الناس أنّ على كلّ عائلة ترغب في الحصول على وليّ العهد الذي طال انتظاره أن تربط آخر بنت في العائلة بحبل على خصرها وتدلّيها في تلك البئر حتّى تغمرها المياه إلى عنقها. وهناك، في عتمة المكان وبرودته على الفتاة الخائفة أن تصرخ إلى مار الياس مردّدة ما علّموها إيّاه: يا مار الياس الراس ابعتلي ع راسي راس. والرأس المطلوب هو صبيّ في طبيعة الحال. وبالفعل قامت تلك العائلة بما تقضي به التقاليد، وأنزل رجال العائلة الطفلة الهلعة إلى البئر بعدما وعدوها بإعطائها كلّ ما ترغب فيه. وحين خرجت وهي ترتجف من البرد والخوف، سألوها عمّا تريد فكان جوابها: جزمة كاوتشوك. وبقيت على طلبها مع أنّ الحاضرين سخروا من غبائها وقالوا لها: ألم يكن في استطاعتك أن تطلبي أسوارة ذهب أو ملابس جديدة أو لعبة تتكلّم؟



     تعود إليّ الحكاية في كلمات مختلفة، أكتبها كلّ مرّة كأنّها حكاية جديدة، وكأنّ الفتاة الثانية لا تعرف الأولى، والثالثة لا تعرف الثانية، وكأنّ الحكاية جرت في كلّ قرية من قرى لبنان وبقيت جزمة الكاوتشوك كجزمة بابا نويل تسير على الدروب الضيّقة لتصل إلى قدمين صغيرتين حافيتين تريد صاحبتهما أن تقفز في الحقول وتعبر السواقي وهي مطمئنّة إلى أن لا شوك يجرح جلدها الطريّ ولا حشرة تلدغها وتبكيها.

     تعود الحكاية حين أرى إلى الناس وهم يهرعون لشراء الهدايا وتبادلها على العيد من دون أن يكون عندي كبير ثقة في أنّهم يتهادون فعلاً ما يرغب كلّ منهم في تقديمه أو الحصول عليه، أو أنّهم يجدون متّسعًا من الوقت ليصغوا إلى ما يريده الآخرون عوض أن يتمّموا واجبًا فرضته الأسواق التجاريّة والعادات الاجتماعيّة لتبقى عجلة الاقتصاد في حركة كلّها بَرَكة لمن يعرف قوانين البيع والشراء والتوفير؟

     لا أحد يعرف إن كانت الفتاة حصلت على جزمة الكاوتشوك، أو إن كان الصبيّ المنتظر قد ولد مخلّصًا الفتاة من رحلة ثانية إلى بئر الأسرار. فالحكايات تنتهي دائمًا عندما يتوقّف المستمع عن الإصغاء لتبدأ رحلته مع حكاية أخرى. وأنا كنت دائمًا أتوقّف في حكاية أمّي عند جزمة الكاوتشوك. ومنها أعود في مخيّلتي إلى جسد تلك الفتاة المرتجفة بردًا وخوفًا وغضبًا. الغضب لم يحضر حين استمعت إلى الحكاية في المرّات الأولى، لم أكن مستعدّة للاعتراف بأنّ الطفلة تستطيع أن تغضب على والديها اللذين لا يتوقّفان عن إنجاب الأولاد، وعلى أخيها المنتظر الذي سيخلّد اسم أبيه، وعلى رجال العائلة الذين لفّوا الحبل حولها، وعلى النساء اللواتي شجّعنها لتنقذ أمّها من غضب أبيها، وعلى نفسها لأنّها فتاة، ولأنّها طفلة، ولأنّها عاجزة عن الرفض. فكان طلبها جزمة الكاوتشوك، بساطها السحريّ الطائر الذي تستطيع عبره الابتعاد إلى عالمها الخاص بعدما أجبرها الآخرون على الخروج مرّتين من رحم المياه وهي التي لم تختر الدخول إلى أيّ منهما.

     في المشهد الختاميّ لمسرحية المحطّة، تصرخ "وردة" واهبة الأحلام وزارعة الكلمات طالبةً بطاقة سفر تحملها، مع الذين آمنوا ثمّ رأوا، في القطار المنتظر إلى حيث تبدأ الأحلام الجديدة: حدا يعطيني ورقه/ حدا يعطيني ورقه، بقيت تردّد. ولكنّ دورها في السفر لم يحن بعد، وعليها أن تزرع المزيد من المحطّات في سهول الأرض. هذه المرأة ألا تشبه طفلة الجزمة؟ والطفلة نفسها التي نزلت إلى البئر لتصعد بالصبي الضائع بين مائي أبيه وأمّه وتختم به سلالتها، ألا تشبه "زمرّد" التي نزلت إلى البئر لتنقذ ختم المملكة؟ وهل الحكايات كلّها حكاية واحدة لا تضجر الحياة، تلك الجدّة العجوز، من سردها؟

     هذه المرّة عندما استعدت حكاية الطفلة ذات الجزمة الكاوتشوك كانت المسكينة مرهقة تعبة، فكونها الوحيدة بين أخواتها التي تملك جزمة واقية كان عليها أن تذهب إلى الدكّان لجلب الأغراض، وأن تساعد والدها في العمل، وأن تنظّف البيت والطريق. والغريب في الأمر أنّها على رغم مرور السنوات وتقدّمها في العمر ونمو قامتها بقيت قدماها صغيرتين على قياس الجزمة إيّاها.

* صحيفة "النهار" - الثلاثاء 22 كانون الأوّل 2009

معارض كتب أم دويلات طائفيّة؟ (2011)


قبل ثلاثين سنة، لم يكن في الإمكان تمييز الهويّة الدينيّة لزائري معرض الكتاب العربيّ


يقوم السلم بتحقيق ما لم تستطع الحرب أن تحقّقه: يشرذم البلد طائفيًّا ومذهبيًّا ويحوّله تجمّعات محدودة المساحة ضيّقة الأفق. وها هما فسحتا الثقافة الكبريان في لبنان ترتديان عباءة الدين شاء القيّمون عليهما أم أبوا: مهرجان الكتاب في أنطلياس مسيحيّ الطابع، ومعرض الكتاب العربيّ إسلاميّ الهيئة، وكلّ من يرفض هذه الرؤية يتعامى عن الواقع ويرفض الاعتراف بهزيمة العلمانيّة أمام سطوة التيّارات الدينيّة على مختلف وجوه الحياة. أمّا العدد القليل من العلمانيّين الذين يصرّون على التواجد في هذا المكان أو ذاك فتتوزّع أهدافهم بين من يتحدّى المصير الطائفيّ المحتوم أو من يرغب في فرض وجوده بين الطائفيّين مهما كان الثمن. هذا من دون أن ننسى أنّ عراقة معرض الكتاب العربيّ تربطه بذاكرة بيروت حين كانت بيروت ترقص وتسهر وتكتب وتعشق وتفكّر وتحلم مثيرة بحريّتها حسد عواصم الدول العربيّة. ومن دون أن نتناسى طبعًا أنّ مشاركة دور النشر "المسيحيّة" إذا جاز التعبير تطمح إلى انتشار عربيّ يعوّض عليها خسائر السوق اللبنانيّة التي لا تولي القراءة اهتمامًا يذكر، وبالأخصّ بين المسيحيّين الذين يحبّون أن يتباهوا بأنّهم لا يقرأون كتبًا باللغة العربيّة.
قد يثير هذا الكلام حساسيّة من يعتبر أنّ الأمور لا تزال في هذا المجتمع على ما كانت عليه، وقد يرى فيه المسيحيّون تأكيدًا لمخاوفهم من الاضمحلال، والإسلاميّون تعبيرًا عن سطوتهم الثقافيّة بعد تمدّدهم الجغرافيّ وتفوّقهم العدديّ، لكنّ الفريقين يرفضان الاعتراف بأنّهما في عنادهما وجهلهما حركة التاريخ أوصلا البلد إلى انقسام جوهريّ لن يسهل إصلاحه، هذا إن رغب أحد في ذلك.



من يتردّد سنويًّا على المعرض العربيّ للكتاب قد لا يتوقّف طويلاً عند ظاهرة دور النشر الإسلاميّة الكثيرة وزائريها الكثر الملتزمين، أمّا من يقصد المعرض للمرّة الأولى تلبية لدعوة توقيع فلن يتردّد في وصف المعرض بالإسلاميّ لا العربيّ، ولو لم يكن هذا طبعًا هدف النادي الثقافيّ العربيّ أو المعرض الذي احتفل هذا العام بدورته الخامسة والخمسين. في المقابل لا يمكن عدم ملاحظة عدد الكهنة والراهبات في معرض أنطلياس المرتبط حكمًا بكنيسة مار الياس أنطلياس ما يجعله أقرب إلى معرض دينيّ مسيحيّ وإن لم يكن ذلك ما هدفت إليه الحركة الثقافيّة. ومن الواضح أنّه لا يكفي أن تكون الثقافة هي الكلمة المشتركة بين اسمي المشرفَين على المعرضين كي نطمئنّ إلى سيطرة ثقافة العلمنة والحريّة والانفتاح على عالم الكتب.
افتتاح المهرجان اللبنانيّ للكتاب في أنطلياس برعاية مسيحيّة

أمام سيناريوهات التقسيم التي يتبارى الجميع في ادّعاء الاطّلاع عليها ومعرفة تفاصيلها ومواعيد تنفيذها، لن نحلم بأن يحظى العلمانيّون بدويلة، ما داموا لم يستطيعوا الانتصار في ميدان الثقافة إذ خسروا جبهات كثيرة كانت تحت سيطرتهم كالجامعة اللبنانيّة والصحافة ودور النشر والمكتبات، فضلًا عن الأحزاب ووسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة.
ولعلّ الانقسام الطائفيّ الفاضح يتبدّى في أبشع وجوهه حين نعرف الاتجاهات الدينيّة للمدارس التي تنظّم زيارات تلامذتها إلى واحد من المعرضين، فنتأكّد يقينًا من أنّ الخطب الرنّانة التي تلقى في افتتاح معارض الكتب والسنة الدراسيّة مشيدة بثقافة المواطنة لا مكان لها في عالم الواقع اللبنانيّ.