الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 24 أغسطس، 2009

إلى الياس خوري "الحردان"


كتب الياس خوري، الروائيّ والصحافيّ اللبنانيّ، مقالة في ملحق "النهار" الثقافيّ (السبت 23 آب 2008) عن شعور يشبه الحزن وهو ليس الحزن، ويشبه الغضب وهو ليس الغضب، ويشبه مشاعر كثيرة كالخواء واليأس والغربة وعدم الرغبة في فعل شيء، ولم يجد طريقة لتقريب كلّ ذلك من فهمنا سوى تشبيه ذلك الشعور بـ"الحَرَد"، كما نقول في لغتنا العاميّة اللبنانيّة عن تصرّف الطفل الذي ينزوي في مكان ما و"يحرد" في انتظار أن تأتي أمّه وتراضيه.
وربط كلّ ذلك بمقدّمة تحدّث فيها عن صعوبة الكتابة الأسبوعيّة، لأنّ الكاتب يكتب مرّات لأنّ عليه أن يكتب ولو كان "حردانًا"، أي لو كان فارغًا وحزينًا وغاضبًا ويائسًا ولا يريد أن يفعل شيئًا سوى الانزواء في انتظار "الأمّ" التي تراضيه وتصالحه مع العالم والحياة وتخرجه من عزلته.
صحيح، ماذا يكتب الكاتب الملتزم بمقالة أسبوعيّة أو عامود يوميّ إن كان لا يجد ما يكتبه أو إن كان لا يريد أن يكتب؟ هكذا بكلّ بساطة! أعتقد أنّ القضيّة كلّها تتمحور حول سؤالين أساسيّين عن الكتابة: لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ فإن كنّا نكتب لأنّ القارئ ينتظر مقالتنا فلن نجد ما نكتبه لأنّ كلّ قارئ ينتظر شيئًا ما ولن نرضي كلّ القرّاء. وإن كنّا نكتب لأنّ عندنا ما نقوله ونكتبه، فسنكتب كلّ يوم، لأنّه من غير الممكن ألاّ نجد ما نقوله في عالمنا المليء بالصراعات والتساؤلات، وفي حياتنا المليئة بالتناقضات والأوهام.
لا أصدّق أنّ إنسانًا ما لا تخطر على باله آلاف الأفكار يوميًّا. ولكن كم من الناس يجرؤ على التعبير عن هذه الأفكار بأيّة وسيلة أتيحت له، ويعود ذلك طبعًا لأسباب أهمّها أنّنا تعلّمنا أن لا جديد تحت الشمس، وأنّ الأفكار تتشابه في النهاية، ومن أنا لأكتب أو لأقول رأيي، ومن سيقرأ ما أكتبه ومن سيسمع ما أقوله، ومن يهتمّ بي أصلاً ليكلّف نفسه العناء لإيجاد وقت ليفعل ذلك.
لا شكّ في أنّ الياس خوري الذي كتب هذه المقالة كان لا يزال تحت تأثير خسارة صديقه محمود درويش، وهو كتب ذلك بعد أسبوع واحد على وفاة ذلك الشاعر "النظيف". ومن حقّه أن يطرح التساؤلات حول الكتابة والأفكار والحزن وما يشبه الحزن وليس هو. وكلّ من حمل قلمًا أو ريشة أو إزميلاً أو آلة موسيقيّة مرّ بهذه الأوقات من التساؤلات المحقّة والمشروعة والمفهومة، لأنّها هي التي تعطي الأدب والفنّ أبعادهما الإنسانيّة وتسمو بهما وبالمتلقّي نحو سماوات جديدة ليس بالضرورة أنّها ستكون أكثر زرقة وصفاء.
الياس خوري لم يكن يشكو من ندرة المواضيع التي تصلح للكتابة، ولا من الخوف من اجترار أفكار سبق له أن كتب عنها وعالجها، لأنّ الموضوع نفسه لا يمكن أن يعالج بالطريقة نفسها ولو كان ذلك بقلم الكاتب نفسه. إذ إنّ الكاتب (أو أيّ مبدع) لا يعود هو نفسه بعد كتابة النصّ أو رسم اللوحة أو تأليف المعزوفة أو نحت التمثال، لأنّ من لا يتغيّر بعد كلّ عمل إبداعي له لا يمكن أن يغيّر أحدًا من الناس. غير أنّ الياس خوري، ربّما، كان يطرح التساؤل الأزليّ الأبدي عن جدوى كلّ ذلك الإبداع حين يرحل الذين نحبّهم ونرى في رحيلهم صورة رحيلنا الآتي لا محالة.
علينا أن ننسى الناس والتاريخ والنقد عندما نخلو إلى ذواتنا ونحاول أن "نخلق" كائنًا من الكلمات أو النغمات أو الألوان أو الأشكال. علينا أن ننسى كلّ شيء آخر سوى ما نحن في صدد التعبير عنه، وإلاّ فلن نجد كلمة جديدة، ولا فكرة جديدة، ولا معالجة جديدة، ولا مقاربة جديدة. جديدة؟ لا جديد تحت الشمس، وفي الوقت نفسه كلّ شيء جديد تحت الشمس إن نحن عبّرنا عن رؤيتنا له، وما من رؤية (ورؤيا) تشبه الأخرى.
وإلى الياس خوري "الحردان" أقول، ولو متأخّرة: لن ينتهي زمن الحَرَد، ولكن لن ينتهي زمن الكتابة، ما دمتَ تكتب، وما دمتُ أقرأ.

ليست هناك تعليقات: