الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 26 مايو، 2011

وصلت "شاكيرا" فاهتزّ البلد

الوضع الليلة في البلد مهزوز، ولكنّ هزّات البدن التي رافقتنا خلال اليوم لا تشبه في شيء هزّة خصر شاكيرا، ابنة البلد التي لا تعرف البلد. ازدحام السير على الطرقات المؤديّة إلى مكان الاحتفال لا يوحي بأنّ ثمّة توتّرًا في الأجواء، أزياء الصبايا والشبّان المختصرة المفيدة لا تستدعي القلق من احتمال إخفاء أسلحة تهدّد السلم الأهليّ، والأسعار الخياليّة لبطاقات الشخصيّات تطمئنّ إلى أنّ أكثر الحاضرين والحاضرات من الشخصيّات التي لا علم لها بوجود أزمة اقتصاديّة يعاني منها أكثر اللبنانيّين.

طبعًا أنا لا أعارض عودة الابنة الموهوبة إلى أحضان الوطن، فشاكيرا خفيفة الظلّ ومهضومة و"بتشيل" الهمّ عن القلب خصوصًا بعدما رافقنا الهمّ طوال النهار ونحن نتابع مجريات الأمور بين وزارتي الاتصالات والداخليّة، والنتيجة التي آل إليها الإشكال بين وزير الاتصالات شربل نحّاس والقوى الأمنيّة ثمّ رفض الوزير بارود الاستمرار في تصريف الأعمال في وزارته فأسند مهامّه إلى وزير الدفاع الياس المرّ.

كثيرون يهتزّون الليلة، بعضهم من الغضب وأكثرهم من الإثارة وهم يحتفلون بنجمتهم المحبوبة. وأتمنّى من كلّ قلبي أن ينفّس أبناء شعبنا العظيم احتقانهم الليلة بالرقص مع الجميلة ذات الجذور اللبنانيّة لأنّ البلد ما عاد يحتمل إلاّ هذا النوع من الهزّ.

الأربعاء، 25 مايو، 2011

هل يوجد فعلاً كائن اسمه المرأة اللبنانيّة؟

(رأيي حول واقع المرأة اللبنانيّة بناء على طلب المجلّة الإلكترونيّة نسوة كافيه www.neswacafe.com)

***

لا أؤمن بما يسمّى "امرأة لبنانيّة"، فما دمنا شعبًا متعدّد الطوائف والانتماءات واللغات، وما دمنا لم نتّفق في عمق وجداننا على هويّة لبنانيّة واحدة، وبما أنّ عدد النساء أكثر من عدد الرجال في لبنان، فلا يمكن بالتالي الكلام على امرأة لبنانيّة واحدة. ويكفي أن ننقّل نظرنا من محطّة تلفزيونيّة لبنانيّة إلى أخرى لنكتشف أنّنا أمام مجموعة نساء لبنانيّات، يختلفن اختلافًا فاضحًا، شكلاً ومضمونًا، زيًّا ولغة، تعبيرًا وتفكيرًا. وينسحب الأمر نفسه على هذا التنوّع النسائيّ في الطائفة نفسها وذلك تبعًا للمستويات الاجتماعيّة التي تنتمي إليها النساء أو للمؤسّسات التربويّة التي درسن فيها، وسنكون أكثر الناس خبثًا إن ادّعينا عكس ذلك.

أمّا الخبث الأكبر فحين تتحدّث "المرأة اللبنانيّة" عن حريّة النساء وفي الوقت نفسه تعامِل السيّدة التي تساعدها في أعمال المنزل معاملة الجواري والإماء كأنّها اشترتها للتوّ من سوق النِخاسة. فأيّة حريّة نسائيّة هي تلك التي جعلت إحدى الأديبات من ذوات العلاقات العامّة تعرض في حفلة توقيع كتابها "مجموعة" خادماتها الآسيويّات وهن يقفن كالأصنام حاملات صواني الحلوى والمشروبات، حتّى آخر مدعوّ...وآخر نَفَس؟ وأيّة حريّة هي التي تجعل الفتاة اللبنانيّة تطالب بالاستقلال عن والدها والانصياع لرغبات صديقها؟ وأيّة حريّة هي التي تحرّر الأجساد من الملابس وتبقي العقول تحت طيّات البراقع؟

لعلّ النساء اللبنانيّات مدعوّات إلى نوعين من الاستقلال: الاستقلال الماديّ والاستقلال الفكريّ. فلا شيء يهين كرامة المرأة كحاجتها إلى من يذكّرها بأنّه "يصرف" عليها، مهما كانت الأعباء المنزليّة التي تقوم بها كبيرة وحيويّة، ولا شيء يؤذي إنسانيّتها كقول أحدهم، عند الانتخابات البلديّة أو الاختياريّة أو النيابيّة: "المرشّح فلان يريد الاجتماع بـ"رجال" البلدة"، حتّى ولو كان بين نساء البلدة صحافيّات وأديبات وطبيبات.

الأحد، 22 مايو، 2011

ومضى يوم آخر من الانتظار



1- تصيبني أمراضك البسيطة بأوجاع لا تطاق.
***
2- الجالسون إلى جانب أسرّة مرضاهم قدّيسون متواضعون.
***
3- رسائلك القصيرة على هاتفي الصغير
صلوات قصيرة أبدأ بها نهاري.
***
4- شفتاك شهيّتان بطعم الكذب الذائب في لونهما!
***
5- أيّتها الكتابة! أعطيتك نظري وعمري وكلّ الرجال الذين أحببتهم!
فماذا أعطيتني؟
***
6- أحبّ أن يهديني الرجال أقلامًا لأكتب بها عنهم عندما يرحلون.
***
7- سامحيه على كلّ شيء
إلاّ على خجله بك.
***
8- يريدك أن تكوني نسيمًا لا عاصفة
ربّما لأنّه يظنّ نفسه قصبة نحيلة لا سنديانة عتيقة.
***
9- من السهل عليها أن تسلّمه جسدها
ومن المستحيل أن تعطيه رقم حسابها المصرفيّ.
***
10- تبكيني الكلمات التي كتبتها.
فأنا لم أكن أعرف أنّني حزينة إلى حدّ الكتابة
ووحيدة إلى درجة أن أعيد قراءة ما كتبت.

السبت، 21 مايو، 2011

أحبّك أكثر من البحر وأقلّ من الكتابة


1- كولدين مشاغبين اختبأنا في معرض الكتب. انتظرنا موعد الإقفال بلهفة، راقبنا كيف يلملم الموظّفون أوراقهم، شاهدنا الكتّاب وهم يعدّون على أصابعهم عدد النسخ التي باعوها اليوم. سمعنا الأصوات التي تستعجل المتأخّرين. أحدهم صرخ: ما بقا حدا رح يجي يشتري كتاب آخر دقيقة، يلاّ يا جماعة بدنا نسكّر ونروح نرتاح. راحوا وبقينا أنا وأنت في المكان الشاسع. أمسكت يدي وقبّلتها وقلت لي: الليل لنا، وسكّان الكتب أصدقاؤنا ولا يجوز أن نتركهم وحدهم.
في تلك الليلة الربيعيّة، في ذلك المكان العابق برائحة الكتب، تمنّيت لو كان في إمكاني أن أحبّك أكثر ممّا أحبّ الكتابة.
***
2- منذ نصف عمر شعرت بآلام "الولادة"، ولادة الطفلة التي صرتها، وموت الجنين الذي كنته.
خرجت من مذكّر "الجنين" ودخلت في أنوثة "الطفلة". ومرّات يخيّل إليّ أنّني ما زلت في تلك المرحلة الانتقاليّة.
***
3- يموت شيء منّي وأنا أحبّك.
لا لأنّك تقتلني انتظارًا، ولا لأنّني أستسلم لموت بطيء يزحف نحوي في غيابك، بل لأنّ الموت وجه آخر للحبّ، لحبّك أنت.
***
4- خسارة المستقبل أكثر خطرًا من تضييع الماضي.
***
5- غباء أن أحاول تغيير الماضي
غباء أن أعامل الحاضر كمحطّة انتظار لا أعرف متى يصل إليها المستقبل.
***
6- الماضي رفوف الخزانة العلويّة، أعرف أنّها موجودة ولكنّي نسيت أيّة ثياب في داخلها
الحاضر ثوبي المنتظر على السرير كي أرتديه
المستقبل ثوب أجمع ثمنه لأشتريه.
***
7- تذكّرني الأقلام التي أهوى جمعها ببعض الرجال الذين عرفتهم:
أحدهم كقلم الرصاص: يكتب من جهة ويمحو من جهة، وتحتاج الكتابة بواسطته إلى جهد كبير ومبراة حادّة، ومع ذلك تختفي آثاره مع مرور الزمن.
وآخر كقلم الحبر السائل: يمتصّ قلب المحبرة ويذوب على بياض الأوراق بتأنّ وصبر ولكنّه قادر في لحظة فوران على ترك بقع مزعجة تشوّه كلّ شيء.
وثالث كقلم الحبر الجاف: عنيد ولا يتراجع عمّا يقرّره، متسرّع وفوضويّ وعابث ويصعب التحكّم به.
وكلّهم خدع نفسه حين أقنعها بأنّني ورقة بيضاء تنتظر لمسة منهم.

مقابلة مع الموقع التابع لاتّحاد كتّاب الإنترنت المغاربة



كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في// الإثنين، 25 أبريل، 2011 |
ماري القصيفي
شاعرة وروائية لبنانية
1 ـــ عن بداية علاقتك بالإنترنت: متى؟ وهل كنت تتهيبين المغامرة لاكتشاف هذه القارة الشبكية …؟
العمل التربويّ والعمل الصحافيّ هما اللذان أوقعاني في حبال الشبكة الإلكترونيّة. لولاهما لتأخّرت على الأرجح مغامرةٌ لها شروطها وإيقاعها وأدواتها. ففي التربية، لم أقبل على نفسي عدم تعلّم لغة يجيدها تلامذتي الذين صارت شبكة الإنترنت عالمهم المفضّل، هذا عدا الحاجة إليها في الأبحاث والتدريس، وفي الصحافة صار من الضرورات التواصل عبر هذه الشبكة، إن تلقيًّا أو إرسالاً. فالأمر إذا بدأ كحاجة للتواصل مع العالمين اللذين يتجاذبان عالمي الإبداعيّ. بعد ذلك، بدأت مرحلة الاستكشاف والاستمتاع، مع ما يرافق ذلك من هيبة الخطوات الأولى والإصرار على تحدّي الذات التي لا تزال حتّى الساعة تطرح إشكاليّة العلاقة مع « الآلة »، كأنّ في الأمر خيانة لكلّ الموروثات والتقاليد الإبداعيّة، فضلاً عن حاجة دماغنا البشريّ من حيث تكوينه وقدراته، إلى وقت للتأقلم مع هذه الوسيلة، مع ما يتركه العمل المتواصل عبرها من آثار سلبيّة واضحة على النظر مصحوبة بآلام الرأس والعنق والظهر وعضلات الجسم.
2 ـــ بين الورقي والشبكي ماذا الذي تغيّر في درجات عطائك وتواصلك مع المتلقي العالم أو المتلقي المفترض ؟
في بداية العلاقة مع العالم الشبكيّ، خشيت أن أضيّع الوقت في تعلّم أسرار وخفايا هذا النوع من التواصل، وكنت أقول لنفسي: في هذا الوقت سأكون قد أنهيت قراءة بضعة كتب. فضلاً عن خشيتي الدائمة على الأرشيف الخاص بعملي، كأنّني أسلم أسراري إلى كائن غريب قد يسرقها منّي. كانت الأوراق ضمانتي النفسيّة إلى أنّ ما أقرأه أو أكتبه في أمان. مع الوقت تعلّمت كيف أوازن بين العالمين، خصوصًا بعدما اكتشفت أنّني متى تعلّمت لغة هذا التواصل سأعوّض بسرعة لا تقاس ما فقدته خلال مراحل الاستكشاف، وأنّ العالم صار في متناول اليد على لوحة المفاتيح، بعدما كنت كمن يحفر بالمسمار على ألواح الآجر. اليوم، صرت أجد صعوبة في الكتابة بالقلم، ولكنّ القراءة المتأنيّة والمعمّقة لا تزال في حاجة إلى الورق، فالشبكة للمقالات الصحافيّة والعناوين البارزة وللبحث عن المعلومات. هي أشبه بدليل يقودني إلى الكتب التي يجب أن أقرأها. أقول هذا وأنا لا أخفي تقصيري في هذا المجال بالنسبة إلى الضليعين فيه. أمّا النشر عبر الشبكة فجعلني أنتبه إلى أمر شديد الخطورة ولا أعرف كيف سنتعامل معه وهو السرقات الأدبيّة. فكثرة المدوّنات وسهولة النشر تسمح لكثيرين بسرقة الأفكار وصياغتها في قوالب مختلفة. وكثيرًا ما قرأت مقالات لأدباء كبار كنت قرأت ما يشبهها إلى حدّ كبير في مدوّنات معروفة ومتداولة. ما يعني أنّه من المستحيل الآن المحافظة على حقوق المؤلّفين ولو كانوا من هواة الكتابة والتأليف.
3 ــ إلى أي حد أسهم الإنترنت في بلورة تجربتك الكتابية مقارنة مع الكاتبات الأخريات والكتاب الآخرين ؟
لا أستطيع أن أحكم على تجربتي بالمقارنة مع الآخرين، ولكنّني أستطيع أن أحكم على تجربتي الكتابيّة ما قبل وما بعد الإنترنت، علمًا أنّ كثيرين من الزملاء الأدباء اعترفوا لي بعجزهم عن مجاراة هذا العالم. مع بدء علاقتي بالشبكة أصدرت كتبي الخمسة كلّها، واحد منها رواية، كتبتها على اللابتوب من دون أيّة مسودّة ورقيّة. وكانت الإنترنت في خدمتي للتأكّد من تاريخ أو معلومة أو مراجعة تسلسل زمنيّ. وجاء إنشاء المدوّنة ليمدّني بزخم سببه التواصل مع قرّاء في أنحاء العالم، ومن كثيرين منهم استوحيت بعض المشاهد لروايتي فضلاً عن أسماء الشخوص الذين هم قرّاء من العالم سمحت لنفسي بأخذ أسمائهم وملامح من شخصيّاتهم بحسب ما وصلت إليّ عبر الإنترنت وقد تكون كلّها غير صحيحة، إلاّ أنّها تحوّلت نصًّا إبداعيًّا حقيقيًّا.
4 ـــ ما هو إحساسك وأنت تنتشين بنصك الإبداعي الأدبي على ورق الجريدة وأمامك على الواجهة الإلكترونية … فإلى أي النصين التوأمين تنجذبين أكثر؟
ما زلت، وعلى الرغم من أنّني أكتب نصّي على الشاشة وأرسله عبر الإنترنت، أحرص، وإن ليس كما في بداية العلاقة مع الإنترنت، على رؤيته منشورًا في الصحيفة الورقيّة والاحتفاظ به. ربّما هو الحنين إلى بداية النشر في الصحف، أو هو التأكّد باللمس من أنّني أرى النصّ كما يراه عدد كبير من القرّاء الذين لا يجهلون عالم الإنترنت. ولكنّي أعترف بأنّ الأمر لم يعد حيويًّا كما كان في البداية، وخفّت اللهفة لاقتناء الورقة التي عليها نصّي، ما دمت أراه أمامي على الشاشة، وبالأخصّ منشورًا على المدوّنة. أمّا الكتاب فأمر آخر بطبيعة الحال، فرؤية كتبي على رفوف المكتبات وفي واجهاتها تشعرني بالاطمئنان إلى انضمامي إلى قوافل الأدباء الذين سبقوني. ربّما هي صورة شعريّة، ولكن أليس الشعر عالمنا؟
5 ـــ النص الأدبي الرقمي أو التشعبي أو المترابط من دون شك سوف يصبح الظاهرة الأدبية القادمة بقوة مع إتساع أسناد التلقي الإلكتروني .. بحيث ومن دون شك سوف تصير الأدوات والبنيات التفاعلية (روابط .. عقد .. ميديا .. صور.. ألوان .. مؤثرات فلاش .. إلخ ) جزءا أساسيا في وحدة النص الأدبي الرقمي ، لكن بقدر ما ستغنيه هذه المؤثرات ألا نخشى على كنهه الجوهري من التواري إن لم نقل التلف ؟
الإنترنت وسيلة لا غاية. هي مصدر غنيّ نستقي منه المعلومات، وتساعدنا من حيث الشكل أمّا المضمون أو الكنه الجوهريّ فلا يجوز أن يخضع لمؤثّرات تقنيّة وإلاّ فقد مبرّر وجوده. فأنا في كتبي ومقالاتي مثلاً استخدمت الإنترنت دليلاً ووسيلة، وحين كانت تضيق بي صفحات الصحف بسبب سياسة النشر أو إخراج الصفحة كنت أجد في مدوّنتي الإلكترونيّة متنفّسًا، تكتمل فيه الكلمة واللوحة والموسيقى والمؤثّرات. ولكنّي أسعى كي لا أقع في خطر تحوّل نصّي الإبداعيّ المكتوب لوحة لافتة أو دردشة سريعة. لذلك فما أنشره على المدوّنة نصوص متكاملة، صدرت في الصحف أو نشرتها في كتبي.
6 ـــ الوجه الحقيقي اليوم للثقافة العربية أنها ما زالت كدود القز ثقافة تقتات على الورق لحبك نسيج هويتها والعديد من الكتاب والكاتبات ما زلن يتلمسن في العتمة ضوء الإنترنت .. ما السبيل إلى جعلهن ينخرطن بشكل أيسر في الثورة الرقمية والشبكية الراهنة ؟
من المفارقات العربيّة أنّ أكثر الذين استفادوا من شبكة الإنترنت هم أتباع الحركات الأصوليّة والمتطرّفة. بينما أقلّ الناس استفادة منها هم الأدباء. بعضهم يجد أنّ الوقت تأخّر كي يبدأ بتعلّم لغة جديدة، البعض الآخر عن كسل، وهناك من يخشى مقاربة الآلة، أو يتعالى على هذا النوع من التواصل. الأسباب كثيرة، ولكن يجب الاعتراف بأنّ أميّة جديدة تضاف إلى أنواع الأمّيات المنتشرة عندنا. فنحن ما زلنا نسعى إلى محاربة أمّية القراءة الورقيّة، فكيف بالحري الأمّية الشبكيّة. مشكلتنا الثانية هي التطرّف في كلّ ما نفعله كأنّنا نعجز عن إيجاد مقاربة سويّة وصحيّة لهذا العالم من دون التنكّر للعالم الورقيّ أو الإدمان على العالم الشبكيّ. والإنسان عدو ما يجهل، وما زلت أذكر كيف كنت أرتعب أمام أيّ خطأ أرتكبه أمام الكمبيوتر. ولا نستطيع أن نقنع أحدًا بتعلّم هذه اللغة إلاّ إن اعترف أوّلاً بحاجته إليها، وهذا يتطلّب تواضعًا ومعاصرة فكريّة. ولكن علينا الانتباه إلى أنّ العلاقة مع الإنترنت هي تتويج لعلاقات سابقة مع مختلف الفنون والعلوم والآداب، ونحن لا يمكننا أن نشجّع على هذه العلاقة ونهمل سائر أساليب التعبير والتواصل والإبداع. أفلن يكون الوضع شاذًّا إن « تطوّرنا » على صعيد الإنترنت وبقينا في جاهليّة موسيقيّة ومسرحيّة وسينمائيّة وشعريّة وعلميّة؟
7 ـــ في رحى هذه الثورات العربية من المحيط إلى الخليج الكثير ممن يدعون أن الفايس بوك كان هو ذلك الشيطان الكامن في التفاصيل الذي أضرم النار من تحت أرائك الإستبداد .. هل أنت مع هذا الرأي أم ضده أم لك رأي آخر؟
الفايس بوك كان الوسيلة السريعة للتواصل بين الثائرين في الدول العربيّة، ولا شكّ في ذلك. أمّا أن نقول إنّه هو الشيطان الكامن في التفاصيل وهو الذي أضرم النار تحت أرائك الاستبداد فهذا يعني أنّنا نضع الحقّ على شعلة النار لا على الأعشاب اليابسة القابلة للحريق ولا على اليد التي أمسكت الشعلة غير مرتجفة. الثورات تجد دائمًا متنفّسًا لها كما تفعل المياه الراغبة في الخروج من باطن الأرض. قبل ذلك حدثت ثورات في العالم كلّه ولم يكن هناك فايس بوك كالثورة الفرنسيّة والثورة الشيوعيّة. لقد كنت من أوائل الذين كتبوا عن هذا الموضوع في صحيفة « النهار » حين قلت: ليس المهم كيف انطلقت الثورة، المهمّ هو الفكر الذي يحرّكها والفلسفة التي تغذّيها. فالثورة التي لا مفكّرين وأدباء يقودون مسيرتها لا تدوم ولا تؤسّس لنهج. يمكن للفايس بوك أن يكون الصوت الأسرع والصورة الأصدق ولكن السؤال هو عن الكلام المفروض أن ينقله الصوت، لا الصوت بحدّ نفسه، ودلالة الحدث الذي تنقله الصورة لا الصورة بحدّ نفسها.
8 ـــ ما هو عملك الإبداعي الأدبي القادم ولمن سيكون السبق في نشره للورق أم للإنترنت ؟
عملي الإبداعي الجديد الذي انتهيت من إعداده هو مجموعة شعريّة سبق ونشرت أكثرها عبر الإنترنت ورصدت ردود فعل القرّاء تجاهها وهم الذين طالبوني بجمعها في كتاب. أمّا الرواية التي بدأت التحضير لها فستكون ورقيّة من حيث النشر وشبكيّة من حيث التنقيب والبحث.

الجمعة، 20 مايو، 2011

عن "حكواتي الليل" لرفيق شامي في صحيفة الحياة


«حكواتي» رفيق شامي... الصوت الذي صار حكاية
الجمعة, 20 مايو 2011
ماري القصيفي
في عتمة الرحم يصلنا الصوت قبل أن يلمس النور جفوننا، وعند الولادة نصرخ قبل أن نفتح أعيننا، أمّا في نهاية الحياة فآخر ما نفعله هو أن نمضي بصمت. الصوت إذاً رفيق البدايات. والشعوب التي لا تزال في طور البداءة أو البداية أو البداوة تتبع الصوت وتنتظر الصدى، وتسمع. أمّا الإصغاء فشأن آخر. ورواية «حكواتي الليل» (صدرت ترجمتها عن دار الجمل) للكاتب السوريّ - الألمانيّ رفيق شامي هي حكاية الأصوات قبل أن تُرسم حروفاً مكتوبة. هي حكاية الصوت الذي صار حكاية.
عنوان الرواية وضعني أمام الرجل الذي يحكي قصصاً، كأنّه الصورة الذكوريّة لشهرزاد التي يرد ذكرها أكثر من مرّة في السياق. أزعجني في البداية أن يكون الحكواتي رجلاً لا يشبه حكواتيّة البطولات والمقاهي. فأنا مقتنعة بأنّ المرأة هي التي تملك أسرار هذا الفنّ الجميل وتتفوّق فيه على الرجل الذي سبقها إلى عالم الكتابة. ومع استغراقي في أجواء الحكايات المثيرة فكّرت في التراجع عن موقفي والاعتراف بخطئي حين حصرت فنّ «الحكي» بالمرأة. وكدت أنقم على رفيق شامي لأنّه نقض ما كنت واثقة من صحّته، فضلاً عن أنّه جعل شخوص الرواية الرئيسين رجالاً يتناوبون الأدوار ما بين الإصغاء وسرد الحكايات. غير أنّ «فاطمة» ابنة الساحرة «ليلى» ظهرت في نهاية الرواية لتحكي الحكاية الأخيرة وتفكّ الرصد وتطلق لسان الحكواتي «سليم»، بطل الرواية والممسك بخيوط الحكايات كلّها. فالرجل الذي أمضى حياته في نسج القصص وسردها خرس فجأة، وبعدما جرّب أصدقاؤه السبعة الذين كانوا حلقة مستمعيه الضيّقة وسائل عدة لإطلاق صوته من شبكة حبال اللعنة التي أصابته، قرّروا أنّ الحكايات وحدها قادرة على إطلاق لسان صديقهم. واتّفقوا على أن يروي كلّ واحد منهم حكاية لمدّة سبع ليال، وبعدها سينطق «سليم». ولكنّ الصديق الذي كانت الليلة السابعة والأخيرة من نصيبه لم يكن يجيد سرد الحكايات، فاستنجد بزوجته «فاطمة» التي أخبرت حكاية غريبة عن أمّها. وحين انتهت صاح «سليم» من أعماق روحه: «لم أسمع في حياتي كلّها قصّة كهذه!» (ص 246).
لماذا أراد رفيق شامي أن تنحلّ عقدة لسان بطله بعد قصّة روتها امرأة عن امرأة؟ خصوصاً أنّ الراوي، الذي يحكي قصّة «سليم» مع الحكايات والخرس الذي أصابه، يشكّ بأنّ الرجل ادّعى فقدان صوته وبالتالي لم تنقذه المرأة. فلماذا دخلت «فاطمة» على خطّ الرواية إذاً؟ على الأرجح لأنّ «شامي» مقتنع كذلك بأنّ الأدب الشفويّ هو الفنّ الذي تبرع فيه النساء الذكيّات. أليست «ليلى» هي التي علّمت ابنتها «فاطمة» سرّ الكلام بين الزوجين موضحة أنّ العشق كسفينة في بحر هائج تفرض على الركّاب الحديث كي ينسوا خوفهم، أمّا الحبّ فزورق في مياه هادئة يستمتع الركّاب فيه بالصمت والسكينة والأمان؟ (ص 232).
بدا واضحاً في الرواية توجّهها إلى مجتمع غير عربيّ. فهي حافلة بتفاصيل وشروح ما كان الكاتب ليجد داعياً لذكرها لو كان جمهوره عربيّاً. والأمر طبيعيّ حين تُقرأ الرواية في لغتها الأصليّة، أيّ الألمانيّة أو في أيّ لغة أجنبيّة أخرى من اللغات التي ترجمت إليها. ولكن أن نقرأ، بالعربيّة، مسلّمات هي من طبيعة تفكيرنا وحياتنا، فأمر في غير محلّه. وهذا موضوع إشكاليّ، فمن جهة من واجب الترجمة أن تكون أمينة للرواية، ومن جهة عليها أن تراعي شخصيّة اللغة التي يُنقل النص إليها. ولأنّ الراوي عربيّ دمشقيّ، وفق النصّ، كان من الأفضل ألّا يبدو حديثه عن العرب صادراً عن شخص غريب عن ديارهم. فليس من المنطقيّ أن نقرأ باللغة العربيّة: «يستمع بهذه الحماسة الى أغاني المطربة المصريّة أم كلثوم» (ص 42)، فتحديد جنسيّة أم كلثوم معلومة لا يحتاج إليها قارئ عربيّ ولن تخطر له، خصوصاً متى تابع الراوي شرح علاقة الجمهور العربيّ بصوتها وحفلاتها. وهل من المنطقيّ أن يخاطب الراوي الشاميّ مستمعيه الشاميّين مثله كأنّهم «غرباء عن أورشليم» فيوضح لهم في معرض حديثه عن الراعي صاحب العنزات الشاميّة: «والعنزة الشاميّة نوع لطيف من العنز بشعر أحمر ناعم وضروع ضخمة» (ص 81)؟ وكذلك عند شرح علاقة العرب بالجمل «العرب يملكون ذاكرة قويّة» (ص 105)، وفي الملاحظة التي تقول إنّ الضيف العربيّ لا يحضر معه ضيافته، أي ما سيتناوله من مأكولات أثناء الزيارة (ص 130)، أو في المقارنة بين الحياة في اللاذقيّة والحياة في أميركا (ص 136). فالحديث عن العرب بصيغة الغائب يوحي بأنّ الراوي يحكي عنهم كأنّه ليس منهم كما في قوله: «أن تكون سميناً عند العرب يعني أن تكون غنيّاً» (ص 155)، أو في قوله: «الدمشقيّون إن لم يكونوا في دكاكينهم ومكاتبهم يتذمّرون من اضطرارهم للعمل في يوم كهذا (يوم حارّ) فإنّهم يتوجّهون خارجاً...» (ص 226). فبقدر ما رغب الروائيّ «الألمانيّ» في تعريف قرّائه الغربيّين إلى عالمه الدمشقيّ، أخفق الراوي «العربيّ» في تحديد هويّته والالتزام بها.
وما دمنا في الحديث عن الترجمة، فلا بدّ من التنويه بلغة المترجمة رنا زحكا التي برعت مراراً في التشديد على أنّ الترجمة هي إعادة تأليف، ولعلّ هذا النموذج يعطي فكرة عن لغتها الممسوكة: «تراقصت ألسنة اللهب بسعادة حول الحطب، التفت برقّة حول جسده الغليظ بأنوثة وكأنّها ترغب في عناقه. للحظة بدا الحطب قاسي القلب وبارد المشاعر متجاهلاً إغراء اللهب، لكنّ النار ظلّت تمسّد جسده بعذوبة وتدغدغ روحه بإحساس شاعريّ دافئ. تجاهلت بعض شظايا وحواف الخشب القاسية إنذارات الجسد وتراجعت عن موقفها العنيد لتعانق النار أخيراً. طقطق الخشب معبّراً عن استيائه، لكنّه سرعان ما تخلّى عن أيّة مقاومة وأخذ يرقص ويغنّي وسط شعلة نار متأجّجة. بعد قليل ذاب كلّ من الخشب والنار في جذوة ألق هامسة ترتاح على وسادة وثيرة من الرماد» (ص 224). ومع ذلك، بدا العمل مرهقاً للمترجمة إذ سقطت سهواً مجموعةُ أخطاء. ولهذا كان من الأفضل أن تعرض الترجمة في صيغتها النهائيّة على مصحّح يهتمّ باللغة من دون أن يشغله موضوع الأمانة للنصّ الأصليّ، وهذا أمر تتحمّل مسؤوليّته دار النشر. ومن نماذج السهو: «يهدِّء» (ص 16) والصحيح: يهدّئ، رغم سنينه (ص 18) والصحيح: سنيه، «لم تعنيني» (ص 22) والصحيح: تعنني، «قدِمَ أصدقاءه» (ص 32) والصحيح: أصدقاؤه، «بانَ في قصرها رجلاً عجوزاً» (ص 68) والصحيح: رجلٌ عجوزٌ، «لم يرونه» (ص 71) والصحيح: لم يروه، «كان الشخص الوحيد رجل» (ص 90) والصحيح: رجلاً، «وهم راضين» (ص 156) والصحيح: راضون، «تُعتبر عصافيرًا بالغة» (ص 176) والصحيح: عصافير، «لكنّه في الحياة طفلاً» (ص 187) والصحيح: طفلٌ، «كان ذو وجه جميل» (ص 206) والصحيح: ذا... فضلاً عن أسماء العلم التي تلتزم بحالات الإعراب مرّات وتعارضها مرّات.
حكواتي الليل لا يحتاج إلى عينين. تكفيه حاسّة السمع، ولا مانع من أن تمدّه حواسه الأخرى ببعض المعلومات، فالتواصل ليس محصوراً بالكلمات، «لأنّ البسمة لغة كذلك» (ص 62) وهو قادر على تذوّق «الشارع بواسطة أذنيه وأنفه» (ص 81). غير أنّ الأصوات هي عدّة شغله التي لا غنى عنها، إذ «تقوم الأذنان داخل الرحم بفتح النافذة الأولى على العالم، وهما كذلك آخر النوافذ التي تغلق مصراعيها» (ص 215). والحقل المعجميّ المتعلّق بالصوت والسمع غنيّ إلى درجة تجعل الكلمات تتلاحق وتتجاور حتّى ليكاد القارئ يقرأ بأذنيه على مثال معكوس لأحد شخوص الرواية الذي كان يسرع إلى وضع نظّارتيه الطبيّتين كي يسمع الحكاية جيّداً. فإذا أخذنا مثلاً بضعة أسطر من الصفحة 43 من الرواية، وفيها وصف لصوت أم كلثوم وتأثيراته، تطالعنا المفردات الآتية: «المطربة، الأصوات، ضجّة، يصيخ السمع، ثرثرة هامسة، تجشّؤ، ريح بطن عاديّ، صوت، الأخبار، الإذاعة، الإشاعات، أخبرك، الخبر، سمعت، تذوّق صوتها». وهكذا تتوالى الأصوات ناقلة مختلف وجوه الحياة، جميلها وقبيحها، إلى مستمعين يلاحقون الصور في تنوّع النبرات وينتقلون عبرها إلى عوالم غريبة. فـ «سليم» يمشي في الشارع ويلتقط أصوات الأزاميل الصغيرة تثرثر مع أطباق النحاس الشاحبة» (ص 83) ويرتشف قهوته «بصوت مسموع يدلّ على تلذّذه بها» (ص 84)، ويصغي إلى صيحات الحمّالين حين يضيق الشارع وهم ينبّهون المارّة (ص 89). ولكن لا ينفي الفنّ الشفهيّ الشعبيّ الذي تحتفي به الرواية دور الكتابة كناقل للصوت لا للمشهد، ففي حوار حول هذه النقطة بين اثنين من أصدقاء «سليم»، يسأل أحدهما: «أليست الحروف والخط سوى الظلّ المتواضع لصوت الكلمات على الورقة؟»، فيجيب الآخر: «الفضل ليس للصوت بل للكتابة،... الكتابة وحدها يا صديقي تملك المقدرة على حمل الصوت عبر الزمان وجعله أبديّاً مثل الآلهة» (ص 31).
الصوت يحمل الكلمات، و «الكلمات مسؤوليّة» (ص 25)، تدغدغ المشاعر أكثر من الأصابع (ص 182)، وصاحب اللسان «الساحر» (ص 7) «بوسعه سرد قصص تبكي وتضحك مستمعيه حتّى ولو كانوا رجالاً بقلوب من صخر» (ص 6)، لأنّ «اللسان هو بمثابة يديّ الخزّاف اللتين تحوّلان الصلصال إلى هذا الإناء النافع أو ذاك الشكل الجميل» (93). لاحظوا الجمع بين النفعيّة والجمال هنا، وهو أمر يتميّز به الإنسان عن سائر المخلوقات. ولا يعرف قيمة الكلمات إلّا من يفقدها، خصوصاً متى كان في بلاد لا يعرف لغة أهلها (ص 138) أو متى أمضى وقتاً في عزلة فـ «حين لا يتكلّم المرء مع الآخرين لسنوات، فإنّ أحلامه تصبح خرساء كذلك» (ص 186)، إلّا إن استطاع الإصغاء لصوت ذاكرته (ص 219).
الحكاية إصغاءً وسرداً
أوّل شرط من شروط الحكاية وجود مستمع، هذا ما أدركه «سليم» فـ «الحكاية تحتاج إلى شخصين على الأقلّ كي تحيا» (ص 223). ولكنّ الحكواتي البارع لا يخضع لمزاج من يصغي إليه، بل على قصّته أن تكون «عديمة الرحمة تجاه من لا يريد السماع رغم امتلاكه مقدرة الاستماع» (ص 218). والأطفال، وفق الرواية، هم أفضل المستمعين وأكثرهم حساسيّة (ص104)، أمّا أسوأهم فهم الحكّام خصوصاً متى كانوا في السلطة، ولكن متى فقدوا كراسيهم يبدأون فجأة بالثرثرة وبعضهم بكتابة مذكّرات (ص 205).
في المقابل، ثمّة عناصر تشويقيّة على الحكاية أن تمتلكها، فـ «الحكواتي الرديء هو الذي يجهل متى يُشعر مستمعيه بالملل» (ص 104). ولذلك فالخبرة والممارسة ضروريّتان في هذا المجال، لأنّهما تمنحان الحكواتي موضوعات جديدة وأساليب مختلفة تلائم المضمون والمناسبة والسامعين. هذا ما أكّدته «ليلى» حين علّمت ابنتها الدرس الأخير قبل أن ترحل خلف الحكايات: «إنّ الحكواتيّة الجيّدين مثل النبيذ الجيّد، كلّما عتق طاب طعمه!» (ص 246).
يستدعي الكلام على الحكاية الإشارة إلى ارتباطها بمهن أصحابها أو الحرف التي يمارسونها، من هنا جعل «رفيق شامي» الحكواتيّة البارعين من الذين وضعتهم الحياة على تماس يوميّ مع عدد كبير من الناس ومن مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعيّة: كالعربجيّ والحلّاق والمهاجر والبائع المتجوّل والسجين والوزير السابق. ووفّق الكاتب في تصوير الأثر الذي تتركه ممارسة مهنة معيّنة على نفسيّات أصحابها ولغتهم، ما يذكّرنا بمقامات بديع الزمان الهمذاني. ولا يمكن التغاضي عن المقارنة أخيراً بين هذه الرواية ورواية الأميركيّ دانيال والاس «السمكة الكبيرة أو السمكة الذهبيّة» التي صدرت عام 1998 وتحوّلت فيلماً حصد عدداً كبيراً من الجوائز (2003)، علماً أنّ «حكواتي الليل» صدرت عام 1989، وترجمت إلى اللغة الإنكليزيّة للمرّة الأولى عام 1993 بعنوان «الليالي الدمشقيّة»، أي قبل خمس سنوات من الرواية الأميركيّة. أمّا أوجه الشبه (استناداً إلى الفيلم) فأهمّها: 1- يعمل كلا البطلين المغرمَين بالقصص متنقّلين من مكان إلى آخر ويلتقيان بالكثيرين (العربيّ عربجيّ والأميركيّ بائع متجّول). 2- الاثنان واجها حيوانات بحْريّة وانتصرا عليها (الأوّل صارع الأخطبوط، والثاني اصطاد سمكة كبيرة). 3- كلّ واحد منهما واجه صعوبة في قبول ابنه له (لا تأتي الرواية على ذكر ابن «سليم» إلاّ في كونه متزوّجاً وبعيداً ولا يرسل المال الى والده، وابن الأميركيّ لم يعد إلى البيت إلّا حين علم بدنوّ أجل والده). 4- الاثنان محاطان بسبع شخصيّات صديقة تعطي دفعاً للحكايات. 5- الاثنان يأتمنان الجيل الجديد على استمرار الحكايات في التوالد والتكاثر (الشاميّ علّم الراوي الطفل فنّ السرد، والأميركيّ رواها لابنه الذي أخذ يحكيها لأبيه على سرير موته ثمّ لطفله). 6- كلاهما ظهرت له ساحرة: الأوّل لتخبره بأنّه سيفقد القدرة على الكلام (الموت المعنويّ) والثاني بموعد موته. 7- كلاهما عشق امرأة فهمت رغبة زوجها في المبالغة وخلط الواقع بالوهم بل كانت «شريكته» إلى حدّ ما. هذا طبعاً عدا السحر والعمالقة والشعراء والناس الممسوخين وحوشاً، فضلاً عن التبشير بالحكاية لكونها عالماً جميلاً يستحقّ البقاء.
قد توحي رواية «حكواتي الليل» بأنّها لا تحمل جديداً للغة العربيّة التي اتّكأ محكيُّها على «ألف ليلة وليلة» وسيرة الزير سالم وسيرة عنتر(ة)، غير أنّها أحيت أجواء جميلة تثير الخيال وتداعب الوجدان، وصوّرت الحارات الدمشقيّة بظرف ودقّة قبل موجة المسلسلات السوريّة من دون أن تخشى الحديث عن السياسيّين والانقلابات والسجون، وذكّرت بزمن كان الناس يجيدون الكلام ويحسنون الإصغاء، وبنوع أدبيّ شفويّ ينقرض تاركاً المجال لكثير من الثرثرة.

الأربعاء، 18 مايو، 2011

أقلّدك وسامَ شفتيّ


Edvard Munch - 1897 - The Kiss

قبلة كالقربانة الأولى، مغمّسة في كأس الدم ومعجونة بماء الخلاص، التقينا خلالها كما تلتقي عارضتا صليب فوق منصّة الألم. هي قبلة البلسم يحضن الجرح، قبلة الشمس تلمس جبين الجبل. احتمال بداية، انتصار حلم، نهاية انتظار، بداية مشوار، كتاب جديد، عهد جديد، جلجلة جديدة، صليب آخر، موت منتظَر، رغبة مغلّفة بالحنان، شوق مكبوت، لوحة تنتظر ريشة، رقصة تحلم بجسد، جسد يتوق إلى عناق، عناق ينتهي بدمعة.
من مجموعة "أحببتك فصرت الرسولة - ص 153)

الثلاثاء، 17 مايو، 2011

رحيل رجل الأحلام ( النصّ الثالث والخمسون والأخير من كتاب رسائل العبور - 2005)



- انتهى الأمر ولم أعد أرغب في أن أكون رجل أحلامك!
· لماذا تقول ذلك وكلّ الأدوار التي رسمتها لك جميلة ونهاياتها سعيدة؟
- لكنّها متشابهة. لا فرق بين الدور والآخر إلّا في بعض التفاصيل، كمكان السكن والوظيفة. حتّى اسمي لا تغيّرينه بين حلم وآخر. وفيها كلّها لا عائلة لكلينا ولا أصدقاء. أنا وأنت فقط كأنّنا في مسرحيّة عبثيّة.
· ألا يعجبك أن تكون الشخص الوحيد الذي أريده في أحلامي؟ الشخص الذي ألغيت من أجله الآخرين، والذي أبتعد عن الآخرين لأنفرد به.
- أشعر بالضجر، ألا تلاحظين ذلك؟ لا أتكلّم إلّا معك، ولا أرى إلّاك. ألا يستطيع خيالك أن يضيف إلى القصّة بعض المشاهد وبعض الناس؟
· أنت وليد خيالي وعليك أن تقبل الأدوار التي أعطيك إيّاها كما هي. وإلّا فكيف تكون الأحلام؟ أنا صنعتك هكذا، على قياس رغباتي، وعليك أن ترضى.
- لو تفصّلينني على قياس عمرك؟
· ماذا تتمتم؟ ماذا قلت؟
- لقد سمعتني جيّدًا. فأنت على كلّ حال صاحبة الكلام.
· لا يمكن أن أكون أنا من وضع على لسانك هذه العبارة. ماذا تقصد بـ"قياس عمري"؟
- ألم تلاحظي أنّك في أحلامك ما زلت في العشرين من عمرك، ولم يتقدّم بك العمر ولو قليلًا؟
· إنّها أحلامي، مساحتي الخاصّة، حديقتي السريّة، حيث أستطيع أن أكون من أريد ومع من أريد وبالشكل الذي أريد. وهل يجب على أحلامي أن تكون صورة طبق الأصل عن واقعي الذي أهرب منه؟
- لكنّ خيالك يعجز عن تطوير القصص التي تتخيّلينها. ولهذا بدأت تدورين في حلقة مفرغة. وغالبًا ما تستعيدين المشهد نفسه مرارًا وتكرارًا كأنّك في دوّامة لا تجدين طريقك للخروج منها. ولأكن صريحًا بدأ الأمر يتعبني ويثير حنقي.
· لهذا أستعيد المشهد في رأسي مرارًا. فأنت لا تساعدني على دفع الحوار بيننا نحو معان جديدة وأبعاد أخرى. صرتَ بطلًا عجوزًا، تعجز عن حفظ كلماتك وأداء دورك. يبدو عليك التعب والملل.
- وأين بدا ذلك؟ وهل لي وجه ليبدو عليه التعب والملل؟ لماذا لم ترسمي لي وجهًا حتّى الآن؟
· الأشخاص الحقيقيّون لهم وجوه واضحة المعالم. أمّا أنت، الشخص المتخيّل، فلا وجه لك ولا ملامح.
- الأشخاص "الحقيقيّون" لهم أقنعة كثيفة، أمّا أنا الشخص المتخيّل فقد أكون - ولو بلا وجه – الشخص الحقيقيّ الوحيد في حياتك.
· لماذا إذًا لم يعد الأمر يعجبك؟
- عليك أن تعيدي صياغة السؤال: لماذا الأمر لم يعد يعجبك أنت؟
· لم أفهم!
- بل فهمت. تعبك هو سبب تعبي. ضجرك هو سبب ضجري. أنتِ التي بتّ تعجزين عن تتمّة حلم بدأته في لحظة شوق ووحدة. وإلّا فلماذا تنتفضين وتهربين ونحن في مشهد حميم، أو حين أطرح عليك سؤالًا ما، أو حين أذكّرك بشخص معيّن، أو حين يبدو وجهي واضح المعالم على غير إرادة منك؟
· لأنّك عندما تفعل ذلك أعجز عن إدارة دورك وتوجيهه. أنت صنيعتي فكيف أتركك تستقلّ عنّي؟
- أنا لست إذًا رجل أحلامك بل أسيرها. لذلك أثور، وأرفض المشاركة بعد الآن في هذه المسرحيّات السخيفة.
· ذلك يعني موتك. فعندما تتوقّف أحلامي ستذوي أنت وتذوب كرجل ثلج أمام وجه الشمس. لن أسمح لك بالثورة أو الاعتراض.
- ماذا تستطيعين أن تفعلي برجل أحلام متمرّد؟ هل تعاقبينه؟ أنت الخاسرة. هل تقتلينه؟ أنت الخاسرة.
· بدأ خيالي يخونني. كنت أمسك بزمام الأمور جيّدًا ولم تستطع شخصيّة واحدة أن تتفلّت من قبضتي. ماذا يحصل لي الآن؟
- أنت تتقدّمين في العمر وتريدين أن تبقي مراهقة. أنت تعبة ولا تعالجين تعبك إلّا بالهرب إليّ، فتنقلين إليّ همومك ويأسك ولذلك أعجز عن مداواتك.
· ماذا أفعل إذا لم يعد عندي أحلام؟ أشعر كأنّني سأموت.
- ربّما عليك أن تفكّري في الحياة لا في الموت. فقد يكون فيها رجل أفضل منّي لأنّه أكثر حريّة. يحضنك لأنّه يريد ذلك لا لأنّك تفرضين عليه ذلك. يقبّلك لأنّه يرغب في تقبيلك لا لأنّ الدور يجبره على ذلك. ويخاف عليك ولا يخاف منك مثلي حين تنهين الحلم وتقفلين عليّ باب مخيّلتك ساعة تريدين.
· الموت أسهل من هذه المواجهة!
- الحياة أصعب بلا هذه المواجهة!
· لا أريد.
- بل لا تجرؤين.
· لن يكون أحد مثلك.
- إنّهم حقيقيّون.
· هم يحسدونك لأنّك رجل أحلامي.
- أنا أحسدهم لأنّهم يستطيعون لمسك.
· هل سترحل فعلًا؟
- ما كنت لأفكّر في رحيلي لو لم يخطر على بالك. أفكاري هي صورة طبق الأصل عن أفكارك. أنت تريدين أن أرحل غير أنّك خائفة.
· هل سيكون لي أحد بعدك؟
- من يدري؟ المهمّ أنّ المكان صار خاليًا.

الأحد، 15 مايو، 2011

ثلاثون حكاية لجاد الحاج



قصص في مواجهة العين الرائية
صحيفة الحياة - 15 أيّار 2011
بعض القصص القصيرة مشاهد من رواية يخيّل إلينا أنّ الراوي لا يجد وقتاً لكتابتها أو لا يملك جَلَداً على حَبكها، غير أنّ هذا لا يعني أنّ القصّة الواحدة منها ليست عالماً متكاملاً تاماً؛ بل على العكس، فلشدّة ما هي مكثّفة ولماحة، عميقة وسريعة، متكتّمة وفاضحة، يخطر لنا أنّ جمعها في رواية قد يعرّض كاتبها للانشغال بالبنية الرابطة على حساب المشهد. ومع ذلك فالحكايات الثلاثون التي كتبها جاد الحاج خلال عشرين سنة فائتة، لها رابط يتخطّى البنية الروائيّة وراوٍ يشبه الحكواتي الشعبيّ وبطل واحد هو الجسد، معوّقاً ومممزّقاً وتائهاً. جسد الإنسان، رجلاً أو امرأة، جسد الوطن، لا فرق، فالحرب اللبنانيّة التي تشكّل المناخ العامّ للمجموعة وحّدت الجسدين قبل أن يتشظيّا معاً أشلاء تثير الشفقة.
حين فتحت الكتاب (بيسان للنشر)، طلعت باستنتاج مفاده أنّ جاد الحاج ينبش من ذاكرته حكايات ومشاهد، ثمّ يكتبها بأكثر من طريقة وأسلوب، وأغلب الظنّ أنّها لن تفارقه ولو خيّل إليه أنّه ارتاح منها، وقد نراها في أساليب تعبيريّة أخرى، لا لعجزه عن رؤية غيرها بل لأنّها صارت من صلب ذاكرته المعبّأة بحكايات الحرب والنفي والترحال. ألم يكن في الإمكان الاستغناء عن هذه الصور الصغيرة الغارقة في العتمة؟ بلى، غير أنّها نجحت في الإيحاء بالغموض وذكّرتني بحكاية طفلة أعرفها رسمت لوحة جميلة عن عيد ميلادها ثمّ لوّنتها بالأسود. وبعدما عجزت المعلّمة ووالدا الطفلة عن تفسير الحالة النفسيّة للصغيرة التي تبدو في أحسن حالاتها، سألوها عن معنى اللون الأسود، فأجابت وهي تعقد حاجبيها مستنكرة جهل السائلين: ألم نحتفل بعيد ميلادي في الليل؟
     من الحكاية الأولى (الصداقة العاطفيّة) يفضح جاد الحاج العلاقة القائمة بين اللغة والجسد، أو بين لغة الجسد التي يحسن وضع النقاط فوق حروفها وجسد اللغة الذي يجيد مداعبته والتفنّن في ترويضه. وحين «تتفلسف» المرأة باحثة عن أعذار غير منطقيّة لتبرير علاقة حبّ تبقي على الملابس كلّها أثناء اللقاء الحميم، نحدس بخلل ما، ولكنّ تفكيرنا يتّجه تلقائيًّا نحو الممنوعات الأخلاقيّة، ثمّ نكتشف أنّ المرأة مصابة بتشوّه في خاصرتها بسبب تعرّضها للاحتراق، ما جعلها ترفض أن يرى الرجل «عيبها». ولم يتغيّر قرارها بعد مرور سبع سنوات على العلاقة، فهي ولو أنّها خلعت ملابسها ومارست الحبّ ستبقي المنطقة المحروقة من جسمها أرضاً محرّمة على النظر واللمس. المرأة في الحكاية الأولى، وهي عراقيّة (للعراق اسم آخر هو أرض السواد)، تصير تيروب العاصمة المتفحّمة (بيروت بعد قلب الأحرف) في الحكاية الثلاثين: «عذراء الصخور»، وهو اسم لوحة لليوناردو دا فينشي لا يرد ذكرها في النصّ. والفنّان الإيطالي رسم اللوحة مرّتين: الأولى (1483 - 1485) وهي موجودة في متحف اللوفر، والثانية (1490 - 1506) موجودة في المتحف الوطني البريطانيّ. وكلتاهما تمثّل العذراء مريم شاهدة على لقاء السيّد المسيح (العهد الجديد) بيوحنا المعمدان (العهد القديم) وهما طفلان. في حكاية جاد الحاج التي كانت عنواناً لمجموعة سابقة نشرها في أستراليا عام 1989، عذراء الصخور التي يحرسها ثعبان أسود (مريم العذراء في التقليد المسيحيّ تدوس على الأفعى رمز الخطيئة) تخلّص العاصمة من مصيرها الأسود، وتعيد النار إلى المشاعل التي تضيء ولا تحرق: خاتمة توحي بالرجاء بعد ثلاثين قصّة أكثر من نصفها عن الحرب اللبنانيّة وتداعياتها على اللبنانيّين في الوطن والمهجر.
     يضع الحاج حالات الجسد تحت عنوان رئيس هو: الجسد العاجز، وعلى الهامش هناك الجسد الآلة والجسد الأثيريّ. فالأوّل هشّ ومحروق ومريض ومعذّب ومغتَصب، وهو الأكثر شيوعاً وانتشاراً في الحكايات نتيجة الحروب وشراسة الإنسان وشراهته للأكل أو الجنس أو القتل، والثاني يتماهى والآلة، أو كأنّه مخلوق فضائيّ يحاول ألّا ينزلق إلى مستوى الإنسان. أمّا الثالث فهو المنزّه عن دنس الجسد الماديّ والباحث عن خلاصه في الحبّ. وفي الحالات كلّها لا تغيب عين الكاتب عن ملاحقة شتّى أنواع العلاقات التي يقيمها الإنسان مع جسده أو مع جسد الآخر، راغباً فيه أو راغباً عنه. فالحروق في جسد المرأة العراقيّة كما أسلفنا حاجز بين المرأة وحبيبها بعدما كانت السبب في طلاقها من زوجها، وهناك وكيل مستحضرات إذابة المسامير من الأقدام يقول للمرأة عن قدميها: رائحتهما طيّبة، والوالد الذي يخبّئ مقتل ولده عن زوجته لأنّ الشاب مات في انفجار لغم ولم يبق منه شيء ليدفن، والرجل العائد من السجن السوريّ صار أشبه بكيس البطاطا المدهوس بعدما كان بطل الحيّ، والبهلوان الذي يمسّد جسمه بين الإثارة والتدليك، والمهاجر الذي لم يجد عملاً سوى تحبيل عاقرات أستراليا بالتبرّع لهنّ بخصوبته... وإلى سائر الحالات التي تفضح الإنسان فكأن لا الرجولة رجولة ولا الأنوثة أنوثة. وحين يريد الحاج لأبطال قصصه أن يعيشوا حياة «طبيعيّة» لا يجد لهم وسيلة إلّا في جعلهم آلات تشعر مع الناس وتتعاطف مع آلامهم (الروبوت في قصّة سويسرا) أو وصلهم بآلة تضخّ فيهم الرغبة والنشوة (قصّة ريكونيكت reconnect)، أو في تجريدهم من صفات بشريّة قد تكون سبب بؤسهم.
     هل يكثر الكاتب من التشابيه حين يجد أنّ الكلمات المباشرة أعجز من أن تعطي المشهد حقّه؟ هل التشبيه هو اللغة البدائيّة الأولى التي تلائم بدائيّة حضاريّة لا يزال الإنسان يخبط فيها على رغم كلّ التطوّر والتمدّن؟ بعض التشابيه الذي يرد في سياق القصص يأتي عفوياً كأنّه من طبيعة الكلام أو لكونه صار تقليدياً: الدرب تلتفّ وتتلوّى كثعبان يناوش قدميك، ثلاثون سنة معاً كأخوين كاللحم على الظفر، مشيت كالأعشى. ولكنّ الكثير منها يأتي مفاجئاً وغريباً يجمع بين مشبّه ومشبّه به ينتميان إلى عالمين لا يخطر لغير الشاعر احتمال ربطهما في صورة واحدة : وجدنا الجسر منسوفاً، هلالان مفتوحان على فراغ، الهواء الصافي يتسلّل معنا كشريك خفيّ، شعرت بغربة مزعجة كأنّني متسلّل إلى أرض العدو، الخادمات يزعقن كالدجاج المذعور، يفتح أندرو خزانته كأنّه يزيل الستارة عن يوم مشمس، صوته مبحوح كأنّه يتكلّم من حنجرة مخدوشة، يتلوّى كأنّه راقصة كباريه، البيوت مقلّمة مثل أظافر عارضات الأزياء، فردتا حذائي ديكان تنافرتا وهمدتا قرب قميصي المكوّم كخيمة «قفا نبك»، كان الهواء خادشاً كذؤابات السنابل. ويأتي التشبيه أحياناً كحبة مطر عالقة على طرف ورقة خضراء يثير من الرؤى ما يفوق الرؤية، ومرّات يأتي هاطلاً في عاصفة من الصور المتلاحقة: تجمّعوا (الناس) كأوتاد يابسة، كأشجار محترقة، كخراف ممرّغة بالوحل، كطالعين من قبور، كمفزوعين أمام كسوف، كمصابين بنيزك، كمن شرذمهم طوفان، كإخوة في البرص.
     بعض القصص القصيرة تفاصيل من لوحة جداريّة واحدة، تشكّل مجتمعة ما قد يظنّه الناظر مشهداً واحداً، غير أنّ الرائي، كجاد الحاج، يعرف أنّ شيطان الشعر يكمن في التفاصيل، وأنّ الحكواتي البارع هو الذي يدفعنا لطلب الحكاية ليلة بعد ليلة، بحثاً عن المخيف والغريب والمثير، وصولاً إلى نهاية سعيدة تهدهد نعاسنا وتعدنا بنوم آمن على رجاء القيامة، قيامة الأوطان وخلاص الإنسان.