الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 30 ديسمبر 2010

دعوا المفكّرين يأتون إليّ

للأطفال دار الحضانة التابعة لملكوت الله
أمّا الملكوت نفسه فللأولاد
الذين لا يتوقّفون عن طرح الأسئلة
فيملأون السماوات حوارات
تطمئن الله إلى حسن خليقته

لا بأس إن كان في عالم الصحافة والأدب
فورة تشبه "البوشار"
المسلّي واللذيذ
شرط أن نعرف
أنّه ليس الوجبة الأساسيّة المغذّية


الأجراس فوق الكنائس
والمآذن فوق المساجد
يجب أن تدعو الناس إلى الصلاة
لا إلى قطع الصِلات

يشمئزّ الإنسان من حشرة تدبّ عند جذع شجرة
ويستطيب ثمرة تغذّت من أوساخ الحشرات والطيور والناس


مطمئن أن تحصل السلحفاة على بيتها
من دون قرض مصرفيّ
ولكن ألاّ تكون قادرة على مغادرة بيتها
فأمر يوتّر الأعصاب

الأربعاء، 29 ديسمبر 2010

القدّيسون الموارنة ودروس الانتماء والالتزام

القدّيس شربل

القدّيس شربل ينقل على ظهره الحطب
من الكروم إلى المحبسة
القدّيسة رفقا

القدّيس نعمة الله الحرديني
الطوباويّ إسطفان نعمة
لا يكفي أن يكون للموارنة قدّيسون كثيرون.
فحين تصير الأرض أضرحة ومزارات لا تجد من يزورها أو لا يعرف كيف يتعلّم من تجارب أوليائها وقدّيسيها، لا تبقى قيمة لعدد المكرّمين والطوبايين والقدّيسين.
فالأجساد التي لا تبلى موجودة عند مختلف الشعوب،
والصالحون المتواضعو القلب موجودون في كلّ طائفة،
ومقامات الدعاء والصلاة رافقت الإنسان مذ تفتّح وعيه على ما وراء المحسوسات.
العبرة في دروس الانتماء والالتزام: الانتماء إلى مكان والالتزام بإنسان هذا المكان. ومتّى فعل كلّ إنسان ذلك في بقعته الصغيرة صار ثمّ أمل للإنسانيّة.
لم يتعلّم الموارنة من شربل أن يسكروا بالله كما فعل، بل سكّر أكثرهم قلوبهم دونه وفهموا عزلته انعزالاً،
ولم يتّعظوا من علاقة رفقا بالألم بل استغلّ بعضهم آلام الناس للمتاجرة فسرقوا الدواء وأقفلوا أبواب المستشفيات في وجه المتألّمين،
ولم يستفيدوا من تجربة الحرديني في المسؤوليّة والتعليم (تلميذه القدّيس شربل) بل استغلّ المسؤولون فيهم مراكزهم للتسلّط والظلم،
ومنذ أشهر رفعوا مزارعًا اسمه إسطفان نعمة إلى مستوى التطويب ولا أرض باقية لهم وطنًا، فيه جذورُهم وإليه الانتماء.
وهم بقدر افتخارهم بقدّيسيهم يثيرون علامات استفهام وتعجّب عند سواهم من أبناء الطوائف والمذاهب الأخرى. فما بين طرفة وسؤال، يتبيّن لنا أنّ ثمّة شرخًا واضحًا في طائفتنا لا نراه واضحًا، أو لا نريد الاعتراف بأنّنا نراه، بينما يبدو لسوانا فوهة خطيرة تجرفنا، موارنةً، وتجرّ معنا الآخرين، مسيحيين وغير مسيحيين.
فحين يتساءل غير المارونيّ عن كثرة القدّيسين وكثرة الصراعات الدامية في طائفة واحدة وزمن واحد، يخجل المارونيّ ويصمت.
وحين يسأل غير المارونيّ عن غياب القدّيسين عن رهبنات أخرى أو عن العلمانيّين، يتردّد المارونيّ في الإجابة.
وحين يريد غير المارونيّ أن يعرف كم تبلغ كلفة احتفالات التطويب وكم من أمتار أرض تشتري ليبقى المارونيّ في وطنه، تمنّى المارونيّ لو تنشقّ الأرض وتبتلعه.
ومع ذلك ولذلك، لا يجد الموارنة اليوم إلاّ تعليق الآمال على هؤلاء القدّيسين والطوبايّين بعدما تعذّر الحلّ عند أهل الأرض والسياسة.

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

أدونيس الجديد والخنزير القديم

زهرة أدونيس

حلم أدونيس
جبيل
زحلة
خيبة أدونيس القديم
ينتهي العام في مكان ما، وينتهي معه شيء ما، وإلاّ فلن تكون البداية بداية، والشابّ الذي يعرف هذه الحقيقة سار نحو الشرق ولم ينتظر نجمة تولد في السماء لترشده إلى الطريق. مشى عكس الريح فوصل إلى حيث الشمس، في حين عبر الآخرون الثلج والصقيع ليصلوا إلى حيث لا ظلّ لهم على الأرض ولا قمر ينير الليل. إلى بلدة على المحيط البارد، توجّه أفراد العائلة اللبنانيّة المشتّتون في مدن العالم المتمدّن. هناك تنتظرهم كبيرةُ العائلة، المرأة المارونيّة التي تقترب من المئة ولا تزال تتابع أخبار لبنان وتحلم بالعودة إليه. ذهب الأولاد والأحفاد ليحتفلوا بعيد الميلاد مع المرأة التي حين هاجرت إلى الغرب نسيت قلبها هنا، وإلى حيث القلب عاد الحفيد المولود من مياه الغربة وهو مؤمن بأنّه يلبّي نداء غامضًا لا يعرف ماذا يريد منه بالتحديد. عاد وحده، حمل زاد الطريق وانطلق صوب الشرق الذي يهرب منه المسيحيّون. في ليلة عيد الميلاد، شرب أفراد العائلة في الغرب الأنخاب وتناولوا الطعام وسمعوا فيروز وانتظروا اتصالاً من الشاب الساهر في بيت الأجداد في لبنان ليطمئنهم إلى أحواله، فحين اتصل به والده قبل أيّام من العيد وقال له: عد إلى البيت فأنت وحيدي واستمراري ورهاني والوضع هناك متأزّم، أجاب الشابّ: "هنا الحياة غريبة والسماء قريبة، أحببت هذا البلد وأريد أن أتصالح معه وأن أعده بك عائدًا مع جدّتي إلى حيث قلبها. أشعر بنبضاته يا أبي هنا في صوت الريح على امتداد السهل ورقص الأشجار عند سفح الجبل". في تلك الليلة سهر الوالد وهو يفكّر في مصير عائلته بعدما اختار ابنه الوحيد مسيرته في الاتجاه المعاكس، ولم تنم الجدّة التي شعرت بالندم لأنّها تركت قلبها في وطن تحجّرت فيه قلوب الناس وقد تجرح برودتُها حفيدَها الغريب عنهم، ولم تنم الأمّ، ابنة الغرب الآمن، وهي تسأل نفسها عن هذا الجنون اللبنانيّ الذي يقود وحيدها إلى وطن لا تعرفه ولا يعنيها أمره ولا تفهم لغته ولا تحبّ أغنياته التي يسمعها زوجها في هدأة الليل حين يجلس وحده في مكتبه.
عاد الشاب الذي اسمه حبيب في المرّة الأولى إلى شاطئ جبيل ليبني مراكب فينيقيّة فسخر الناس من أحلامه ما جعله يرحل غاضبًا ناقمًا على وطن يخجل بتاريخه. وها هو يعود في المرّة الثانية إلى سهل البقاع ليزرع الكروم وهو يسمع تساؤلات الناس عن رغبته في صنع النبيذ في وطن يجترح أبناؤه كلّ يوم معجزة تحويل الخمرة إلى دم، فهل ييأس ويرحل من جديد، أم يكون أوّل الراجعين ليعدّ الطريق لأجيال من اللبنانيّين ولدت في مغرب الأرض وتحلم بالعودة إلى مشرقها؟
حين سمعت للمرّة الأولى حكاية حبيب مع المراكب الفينيقيّة قلت: هو نزق الشباب وترف أجنبيّ ضجر من بلاد الغرب. ولكنّ أصداء خيبته جعلتني أكتب في هذه الصفحة بالذات عن أحلامه التي تحطّمت على صخور لبنان. وحين سمعت عن رغبته في تمضية العيد في لبنان بينما تجتمع عائلته في المهجر، قلت: هو تهوّر الشباب وخلاف أجيال تنظر إلى الأمور من جهتين مختلفتين. ولكنّ الأخبار عنه تقول بأنّه مرتاح حيث هو ومقتنع بأنّ مجيئه إلى الشرق هو الخطوة الأولى على طريق مستقبله. ثمّ قيل لي إنّه ترك وظيفته وبدأ يفكّر بشراء قطعة أرض في لبنان وتأسيس عمل، فقلت: هو جنون المغامرين وتحدّي الابن لخيارات أبيه، وإذا بالمعلومات تؤكّد أنّ هذا الشاب ماض في ترسيخ خطواته في أرض لم تكن إلى أشهر مضت سوى كلمات تدور بين والده وجدّته لكنها كانت كافية لتعيد اللون إلى وجهيهما وتنشر الصخب والحياة في بيت تقيم فيه السكينة وتحاصره الثلوج. فقرّر أن يعود إلى مصدر ذلك اللون ورحم تلك الحياة.
لا أعرف ما هو رأي حبيب بأغنية فيروز "بيتي الزغير بكندا"، وفيها تصوير لما صار اللبنانيّ يبحث عنه بعيدًا عن حدود الوطن ولو كان ذلك في صقيع كندا أو حرّ أوستراليا أو ضباب لندن أو مجاهل أفريقيا أو حتّى في جليد ألاسكا، كما فيها تأكيد على أنّ البيت الآمن الذي وصفه الأخوان رحباني في أعمالهما (البيت = الوطن) لم يعد هنا بل في الخارج. هو يكتب الآن أغنيته الخاصّة عن بيته البقاعيّ الصغير الذي يدفئه قلب جدّته المتروك هنا ذخيرة، فهل يتاح له أن يصنع نبيذ الخلاص من كروم السهل وهل يُترك له الوقت لتعتيق خمرة أحلامه في أقبية عمره الآتي، أم أنّ نيران الحقد ستحرق الغرسات اليانعة وأعاصيرَ الغضب ستحطّم جرار العرس فيخسر أدونيس معركته الجديدة؟
***
جريدة النهار - الثلاثاء 28 كانون الأوّل 2010

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

أطفال العراق المسيحيّون في بازار الإعلام اللبنانيّ







ظهرت المدعوة ش. خ. على شاشة التلفزيون فخورة بإنجاز إنسانيّ مسيحيّ لم يسبقها إليه إلاّ السيّد المسيح، وهو تحضير يوم ترفيهيّ لأطفال العراق المسيحيّين الهاربين إلى لبنان. ولكي تعلم اليد اليسرى بما تفعله اليمنى عملاً بقول الإنجيل، دعت المدعوة المذكورة وسائل الإعلام لتصوّر لقاءها مع الأطفال التعساء ولتنقل تبشيرها الملائكيّ إلى المعمورة: أطفال العراق المسيحيّون مهاجرون إلى أميركا وأستراليا وكندا.
كنت أنتظر أن تتضمّن الإطلالة الإعلاميّة دعوة إلى إبقاء الأطفال في لبنان، ليكونوا قريبين من بلادهم ويعودوا إليها في يوم ليس ببعيد.
كنت أنتظر أن تدعو المدعوة المذكورة الدولة اللبنانيّة والقيادات المسيحيّة لكي يمنحوا الأطفال وأهاليهم الجنسيّة اللبنانيّة فيتحقّق نوع من التوازن الطائفيّ في بلد قام على التوازنات حتّى فقد توازنه بعدما أضاع أبناؤه اتزانهم.
غير أنّ المدعوة ش. خ. فضّلت أن تكون نجمة تقود الأطفال إلى الغرب لينجوا - بحسب ما أوحي إليها - من هيرودوس الذي يريد أن يقتل أطفال بيت لحم. وقبل الرحيل الكبير، نظّمت لهم يومًا ترفيهيًّا في ضيافة عائلات مسيحيّة ليحتفلوا عندهم بعيد الميلاد.
عظيم، فلنر التحقيق المصوّر ولنشاهد ماذا حدث في ذلك النهار:
المكان: بيت عائلة مسيحيّة
الزمان: عيد الميلاد
المضيفات: ثلاث نساء عجائز، واحدة منهنّ تبدو مريضة عاجزة قابعة في سريرها تنتظر من يخدمها، ولا أولاد معهنّ
الضيفات العراقيّات: ثلاث فتيات بالكاد تخطّين مرحلة الطفولة
المغزى من اليوم الترفيهيّ: إن بقيتم في لبنان يا أطفال العراق فسيكون مصيركم كمصير العجائز الثلاث
وعند السؤال: لماذا لم تصطحب المدعوة ش. خ. الأطفال إلى منزلها الكبير ليلعبوا مع أولادها الصغار بدل أن يمضوا العيد في مأوى العجزة، كان الجواب: أولادها لا يجيدون التكلّم باللغة العربيّة لأنّ ثقافتهم أجنبيّة.
ولكن متى علمنا أنّ المدعوة ش. خ. من كبار أهل الفكر والسياسة والعلم في لبنان، أدركنا أنّ ما تفعله ونعجز عن فهمه يفوق إدراكنا ويتخطّى محدوديّة عقلنا البشريّ، ولن يكشف لنا لغز هذا النشاط الروحيّ إلاّ متى رحنا كلّنا إلى الغرب وأفرغنا الشرق من مسيحييه.

الأحد، 26 ديسمبر 2010

ألوان الشمس في الشرق وبياض الثلج في الغرب

Sam Bayliss - UK
لزواحف الشرق ألف لون ولون

Steven Garnett
الصورة من الغرب، والقطعان من الشرق

طيور الشرق ترتدي ألوانًا كثيرة وتكرّر كلامًا واحدًا لم تؤلّفه

Peter David Josek
كيف يكون اللون الأبيض رمز براءة في الغرب الذي يتّهمه الشرق بالبذاءة؟

تنوّع في الألوان وأحاديّة في الرأي

بسبب البرد تتقارب الكائنات في الغرب لتتبادل الدفء

يوزّع الشرق الألوان ويغرق في الرتابة


البرودة نشاط والحرّ خمول

الإنسان المغتسل بألوان الحياة في الشرق
مستسلم لمشيئة أكبر منه
أوجدت هذه الألوان

الإنسان المطمور تحت بياض الثلج "يفكّر" في طريقة لتلوين حياته


الديانات ابنة الشرق المتأمّل في السماء والمهمِل الأرض


السبت، 25 ديسمبر 2010

الكتابة عن الآخر بوصفها إغراء (3)





فاسيلي كادنسكي

لو كان يحقّ للشخصيّة أن تحاكم الكاتب لكانت شقيقة الأديب توفيق يوسف عوّاد أوّل من رفع قضيّة تطالب فيها بإعادتها إلى الحياة. ففي حديث مطوّل مع متري سليم بولس نشرته "النهار" في 16 نيسان 1999 عرض عوّاد لطريقة تعامله مع شخصيّاته، موضحًا العلاقة بين الواقع والمتخيّل الذي فرضته اللعبة الفنيّة، وأشار إلى قصّة "الجرذون الشتويّ" من مجموعته القصصيّة "الصبيّ الأعرج" فقال إنّ معلّم العمار هو والده، وأصل القصّة مستوحى من انتقال عائلة الكاتب من بحرصاف إلى برمّانا أثناء الحرب، ولأنّ الكاتب أراد أن يخلق فجيعة في نهاية القصّة جعل أخته تموت عند الباب. ويضيف عوّاد أنّ أخته التي لم تمت عند الباب في تلك المجاعة لم تجرؤ على معاتبته على النهاية المفجعة التي رسمها لها.
وفي المجموعة القصصيّة نفسها يقول عوّاد إنّه صوّر نفسه في قصّة "شهوة الدم"، فهو زعيم العصابة التي تربط الكلاب وتعذّبها. وفي أقصوصة "المقبرة المدنّسة" الكثير من الواقع والكثير من الخيال. و"الرسائل المحروقة" هي قصّته مع زوجته، وقصّة "الهاربة" روتها له صديقة صاحبة مدرسة، والحادثة وقعت مع أخيها. وفي "حكاية جدّي" جعل جدّه يفقد نظره، والقصّة حقيقيّة في معظمها. وأقصوصة "الشير" من مجموعة "مطار الصقيع" كتبها عوّاد إثر أزمة حادّة بينه وبين زوجته، وما عاناه نفسيًّا بسبب ذلك حوّله حدثًا في الأقصوصة وجعل البطل ينتحر لأنّ ذلك ما شعر به فعلاً. هذا المزج بين الواقع المعاش والفنيّ المتخيّل هو ما جعل الدكتور ميشال جحا يقول في "لقاء الجمعة الثقافيّ" عن أدب توفيق يوسف عوّاد "إنّ عوّاد يعترف بأنّ ما يقصّه ما هو إلاّ حوادث حقيقيّة وأقوال صحيحة. ولكنّها قسمان: التأريخ والأدب. أمّا ما كان منها تأريخًا فهو حقيقة كلّ الحقيقة، وأمّا ما كان منها أدبًا، نثرًا وشعرًا، فهو حقيقة الكاتب التي يتجاوز بها الواقع إلى الفنّ" (النهار – 9/6/ 1989)
وليس بعيدًا عن العالم الروائيّ، نلاحظ كيف أنّ الفيلم السينمائيّ المستوحى من قصّة واقعية يشدّ اهتمامنا فلا تفارق أعيننا الشاشة قبل أن نقرأ الأسطر التي تشير إلى ما جرى لاحقًا، أي بعد انتهاء القصّة المصوّرة. ولكن في المقابل لن يرغب أحد منّا في رؤية حياته مكتوبة أو مصوّرة، لأنّنا نستمتع بمراقبة حيوات الآخرين ونرفض أن نكون نحن تحت مجهر نظراتهم. ولا شكّ في أنّ الكاميرا باتت اليوم عنصرًا آخر دخيلاً على ما يفترض أنّه لا يستحقّ المراقبة. وغالبًا ما نشاهد على التلفزيون مشاهد متنوّعة تنتقل فيها الكاميرا بين المسابح والملاهي والمراقص والشوارع من غير أن يسأل أحد روّاد هذه الأمكنة إن كانوا يريدون أن يظهروا على الشاشة.
في الحقيقة لن يستأذن أحد أحدًا. وحيواتنا التي صارت اليوم منتهكة أكثر من أيّ وقت مضى لن تسلم من عين تراقب وتصوّر وتكتب أو أذن تستمع وتسجّل. وكلّ منّا كان الجاسوس الذي حوّل الآخرين مادّة حديثه أو كتابته أو تقريره. لذا لن تستطيع أيّة شخصيّة روائيّة (أو سينمائيّة) أن تقاضي كاتبها لأنّها منذ لحظة مجيئها إلى الحياة تحوّلت طريدة لن تنجو طويلاً من مطارديها.
في حديث أعطاه لأوغاريت يونان وأنطوان أبو زيد من مجلّة "المنبر"، أوضح توفيق يوسف عوّاد هذه الإشكاليّة التي تحكم علاقة الكاتب بشخصيّاته فقال: "أنا أعيش في مجتمعي، قدماي راسختان في الأرض. وأبطالي كلّهم عاشوا ويعيشون حواليّ. قد ينزع الفضوليّون طرف ثوب لهم ويدلّون بأصبعهم قائلين: أشخاص حقيقيّون أبدل الموقف بعض ملامحهم تمويهًا وتضليلاً، وقد يهتف آخرون: بل هم خرافيّون، لا يمكن هذا أو ذاك أن يكون في الواقع. كلاهما على خطأ وكلاهما على حقّ. فمن أين آخذ أبطالي إلاّ من الواقع! ولكنّهم ليسوا إيّاهم إلاّ بالأحجام التي أعطيهم إيّاها، والأبعاد التي أطلقها فيهم. الفنّ غير الواقع. إنّه الواقع في الخيال. وأهميّة أبطالي ليست بالأحداث التي أزّجهم فيها فقط، بل خصوصًا في ما أضعه على شفافهم من أشواق وأسئلة، هي في الغالب أشواقي وأسئلتي. وأنا أعتقد أنّهم كلّهم، على اختلافهم واختلافي عنهم، أنّهم كلّهم أنا. وأنا الضدّ وضدّه مجتمعان، ولست واحدًا منهم على التعيين: أنا الصبيّ الأعرج مقهورًا وأنا عمّه ابراهيم جلاّدًا".
لا أعرف كيف يكون شعور من يقلّب الصفحات ويكتشف أنّه، ومن دون أن يسأله أحد، بطل قصّة، أو موضوع وصف وتحليل، أو أنّ ما قاله البارحة حول فنجان قهوة صار عنوانًا لقصيدة أو مقالة. ولكن أليس هذا حال شخصيّات كثيرة علقت في ذاكرتنا؟ وإذا كانت الشخصيّات الجميلة والمثيرة رضيت بالتشبيب بها أو مدحها، فهل يُعقل أن ترضى شخصيّات قبيحة وجبانة وبخيلة بالبقاء على قيد الحياة ألوف السنين ليسخر منها الناس؟
قد ترضى الشخصيّات الروائيّة عن مصائرها متى علمت أنّ الكاتب لن يجرؤ على مواجهة نفسه إلاّ مسلّحًا بها.

الخميس، 23 ديسمبر 2010

الكتابة عن الآخر بوصفها إغراء (2)

في البدء كان الكلمة خلق حوّاء
خلق آدم
خلق الحيوانات
كن فكان
يقول الناقد نزيه خاطر، قارئًا رواية " رحلة غاندي الصغير" لالياس خوري: "كلّ هذه الحكايات، وعلى أيّ لسان من الرواية وردت، هي في أحد معانيها، تاريخ الممنوعين من التاريخ، تاريخ هذه الكتلة البشريّة التحت، من الذين انوجدوا بالولادة تحت" (النهار – 26/4/1989). ولكنّ هذا الواقع الذي يغرف منه الكاتب لا يبقى كما هو بالطبع، بل يتحوّل إلى ما يشبهه كأنّما أضيف إليه "الشي اللي حدّ الكذبة" كما يقول الأخوان رحباني في مسرحيّة "بيّاع الخواتم". وفي ذلك قالت سحر طه في "لقاء الجمعة الثقافيّ" الذي تمحور آنذاك حول رواية الياس خوري المشار إليها: "إنّنا لا نعرف أيًّا من هذه الشخصيّات عاشت حقًّا بالشكل الذي في الرواية، ولا نعرف أيّها من نسج خيال الكاتب وأيّها من صميم الواقع". هذا من غير أن ننسى أنّ في رواية "مجمع الأسرار" لخوري أيضًا دلالة واضحة على شخصيّة سامي خوري المهرّب الشهير، وهنري فرعون وسواهما من الشخصيّات المعروفة. كما أنّه يذكر شخصيّات حقيقيّة في رواية "باب الشمس"، ومن يعرف تجّار بيروت قبل الحرب يستطيع أن يكتشف وفي سهولة التجّار اليهود الذين كانوا يملكون متاجر في الأسواق اللبنانيّة. هل يعني ذلك أنّ الكاتب مؤرّخ؟ يجيب الياس خوري بالنفي عن هذا السؤال، في حديث مع عبده وازن، حول رواية "الوجوه البيضاء" فيقول: "في الوجوه البيضاء هناك الكثير من الشخصيّات التي استوحيتها من الحقيقة. ما الحدود بين بين الحقيقة والمتخيّل، بين الواقع وخرافته؟ لا أعتقد الرواية معنيّة بالإجابة عن هذا النوع من الأسئلة. الرواية هي أحد أشكال الربط بين الواقع ومتخيّله، هي مزيج من الذاكرة والخيال" (الحياة – 19 أيلول 1993).
ولأنّ الرواية هي كذلك فسوف تستفيد من الواقع وتؤرّخ له من دون أن تتقيّد به، بل تقرأه قراءة خاصّة ليغدو من الصعب أحيانًا على الأشخاص الحقيقيّين أن يكتشفوا أنفسهم فيها. وعن هذا الأمر يقول الياس خوري ردًّا على سؤال عقل العويط لمناسبة صدور مجموعته القصصية "المبتدأ والخبر": "ربمّا كان هذا الشخص يشبه الكثيرين ممّن أعرفهم، لكنّه – لأنّه لا يشبه إلاّ نفسه – لن يتعرّفوا إليه" (النهار العربيّ والدوليّ 1984).
ولكن ذلك لا يعني أنّنا لن نتعرّف إلى هذه الشخصيّات، ولن نكتشف الوجوه المختبئة خلف أسمائها المستعارة، أو تلك التي نقل الكاتب أماكن سكنها زيادة في التمويه. ولذلك نسأل" هل يحقّ للشخصيّة أن تقاضي كاتبها؟ وإذا كان نعيمة يشترط غياب الناس كي نكتب عنهم، على ما أشرنا سابقًا، فهل يعني ذلك أنّ غيابهم صيّرهم المادة الأدبيّة الآمنة التي لا تتسبّب للكاتب بإزعاج؟ يصرّ جورج مصروعة في قراءته مجموعة يوسف حبشي الأشقر القصصيّة "آخر القدماء" على أنّ نجاح هذه المجموعة يعود إلى نقلها الوجوه القديمة كما هي، فيقول: "أجمل ما في هذا الكتاب أنّه لا يقدّم للحواس الخمس، صورًا ترسم الكلمات خطوطها، بل يقدّم أشخاصًا أحياء، متحرّكين، واضحي الملامح، تعايشهم في بيئتهم، ترافقهم في الرواح والمجيء، تسمعهم يتحدّثون، ترى ما حولهم من أشياء وألوان، هذا بالطبع إذا كنت من بيت شباب، وتعرف هؤلاء "القدماء" عن كثب" (النهار – 18 نيسان 1985).
هذه المعرفة الوثيقة بالشخصيّات والقرب منها قد يفرضان على الكاتب نوعًا من الرقابة الذاتيّة تمنعه عن نقل ما يشوّه أو يؤذي لئلاّ يسيء إلى من سيكتشف نفسه أو أحد أقربائه خلف الكلمات، وإلاّ تحوّلت الكتابة عمليّة انتقام يمارس بواسطتها الأديب، واعيًا أو غير واع، سلطة استنسابيّة تخوّله توزيع القبح والجمال، أو الشرّ والخير، على النحو الذي يلائم مزاجه وعاطفته وحسّه الفنيّ الذي يتيح له أن يتحكّم في مصائر شخصيّاته. ولكن أليست هذه وظيفة الفنّ؟ (وللكلام تتمّة).

الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

الكتابة عن الآخر بوصفها إغراء (1)

Nigel Rolf
Helen Levitt
Evelyn Hofer - 1997
Andre Kertizs
Allen Frame - 2007
الآخرون ليسوا آخرين بالمعنى الحقيقيّ للكلمة. الآخرون هم نحن ولكن مع وقف التنفيذ. أهلنا، إخوتنا، أصدقاؤنا، زملاؤنا، الناس الذين نلتقيهم في الشارع ونراقبهم من دون أن نوحي لهم بذلك، ويراقبوننا من دون أن يوحوا لنا بذلك، جميعهم صورٌ عنا تنتظر مختبر التظهير ليُخرج وجهنا الآخر، الوجه الذي نرغب فيه أو نهرب منه. وعندما نجلس لنكتب يحضر هؤلاء الآخرون في قوّة، وتتداخل صورتنا (صوَرُنا) مع صورهم. وعندما ننتهي من الكتابة نتساءل: أكنّا نكتب عن أنفسنا أم عنهم؟
أكثر الناس تضررًا من كتاباتنا هم أقرب الناس إلينا. وغالبًا ما يرفض هؤلاء الطريقة التي نصفهم بها، ويعتبون حين يجدون أنفسهم ممدّدين على الصفحات، كأنّهم على طاولة تشريح تمعن الأقلام في حفر أجسادهم وعقولهم وشخصيّاتهم بلا تردّد أو خوف. وكثر هم الآباء والأمّهات والأخوة الذين ما كانوا ليوافقوا على أن تخرج قصصهم العائليّة إلى العلن لأنّ كاتبًا في العائلة أراد أن يكتب، ووجد أنّ الأقربين أولى بالمعروف. وكثر العشّاق والأصدقاء والزملاء الذين طالتهم الكلمات وأخرجتهم من العتمة إلى الضوء. فعندما نكتب عن العابرين الغرباء لا نخشى اللوم أو العتب، أمّا عندما نكتب عن الذين نعيش معهم وبينهم نعرف في أعماق ذواتنا أنّ ما نفعله نوع من التعدّي والتحدّي، لكنّنا لا نستطيع أن نمتنع عنه، لأنّ الشخصيّة التي تسكن معنا تسكن فينا، وبالكتابة نستطيع أن نخرجها منّا لنواجهها، بجمالها وقبحها، وعندئذ فقط قد نفهمها ونتصالح معها.
هل يعني ذلك أنّ الكلمة أهمّ من الإنسان؟ وهل يعني ذلك أنّ على الكتابة ألاّ تستأذن إنسانًا سيصير، بقرار أدبيّ إبداعيّ، كلمة منتشرة بين الناس؟
عام 1960 قال مارون عبّود في حديث مع الصحافيّ فؤاد مطر: "أنا أكبر ممثّل، أنا الوحيد الذي سجّل ما يدور في الدنيا الكبيرة، وكنت دائمًا البطل. كنت أمثّل كلّ ما أراه يتحرّك حولي في كلّ زاروب من زواريب قرى لبنان".
لم يكن مارون عبّود بالتأكيد الوحيد الذي فكّر بهذه الطريقة، ولعلّ المقصود بكلمة "أنا" الأديب في شكل عام، فهو الذي ينقل ما يجري في الحياة إلى الورق، وهو البطل في الوقت نفسه. ولكن إلى أيّ حدّ يحقّ للكاتب أن ينقل ما يشهد عليه؟ يجيب ميخائيل نعيمة عن هذا السؤال فينقل عنه جهاد فاضل في مجلّة "الحوادث" قوله: "أنا لن أكتب "ثمانون" أو "تسعون" [تتمّة لسيرة حياته "سبعون"] لأنّني في هذه الحالة سأضطرّ أن أكتب عن بيئة أعيش فيها حاليًّا وأتحدّث عن أشخاص أحياء".
واستطرادًا، هل يعني ذلك أنّ الكتابة تفترض بعدًا زمانيًّا وآخر مكانيًّا، مع موت الأشخاص المعنيّين، لكي لا تؤذي الكلمات أحدًا؟ كلام نعيمة يعني أن لا حدود أمام الكتابة ما دامت لا تمسّ أشخاصًا قد يرون حيواتهم على الورق بكلّ حسناتها وسيّئاتها. وفي حديث آخر لنعيمة مع متري سليم بولس نشرته مجلّة "الحوادث" عام 1978، قال: "لم أختر الكتابة عن جبران إلاّ لأنّ في حياته من المشكلات الروحيّة والماديّة ما يشبه إلى حدّ بعيد المشكلات التي واجهتها في حياتي". إذًا، الشرط الآخر للكتابة عن الآخرين هو أن نجد لديهم ما يشبه – وربّما يناقض تمامًا – ما نحن عليه.
الكتابة عن الآخر إغراء لا يتعرّض له في طبيعة الحال إلاّ الذين يكتبون. فعندما يجد أديب ما نفسه أمام نموذج صارخ بحضوره، وآسر بتمثيله جانبًا من جوانب الحياة، لن يستطيع إلاّ أن يخلّده في كتابة تأخذ من الواقع الشيء الكثير ويضيف إليها الفنّ ما يجعلها شاملة في إنسانيّتها. لا أعرف إن كان أحد قد سأل النماذج الحقيقيّة التي من لحم ودم عن رأيها لدى تحوّلها شخصيّات من حبر وورق. ولكن من المؤكّد أنّ الأديب، ومهما تكن ردود فعل شخصيّاته الحقيقيّة، لن يستأذنها ولن يسألها إن كانت ترضى أن يضعها بين أيدي الناس. لذا يبدو الأدباء واضحين في خياراتهم: الإنسان أوّلاً كموضوع هشّ وسريع الزوال، ولكن الكلمة هي التي تخلّده وتجعل ذكره مؤبّدًا. فالكلمة هي التي أبقت وجوهًا قرويّة أو مدينيّة كثيرة كانت ستموت في صمت لو لم تلتقطها عين مارون عبّود مثلاً، أو ميخائيل نعيمة أو توفيق يوسف عوّاد أو يوسف حبشي الأشقر أو الياس خوري أو حسن داود أو رشيد الضعيف وسواهم من راسمي النماذج. وإذا كنّا نحصر الكلام في الأدب اللبنانيّ فلاستحالة الإحاطة بهذا الموضوع الدقيق في إضاءة سريعة.
مع استعادة ما قرأناه خلال حياتنا، يتّجه تفكيرنا إلى أنّ شخصيّات كثيرة رافقت بداية اطّلاعنا على الأدب اللبنانيّ ليت بالضرورة على علم بأنّها موضوعًا دراسيًّا بين أيدينا. ولم يخطر في بال إحداها أنّها ستكون مادّة لا تموت، أو أنّ الكثير ممّا فعلته لم يبتلعه النسيان بعدما أتيح له من يسجّله ويحفظه. ومن المفارقات أن يكون أكثر هذه الشخصيّات حياديًّا أو عاديًّا أو هامشيًّا لا يتوقّع أن يكتب عنه أحد أو على الأقلّ أن ينتبه إليه أحد. ولو قيل لأحد أبطال القصص إنّه كذلك لظنّ أنّ في الكلام سخرية وإساءة. (وللكلام تتمّة)

الأحد، 19 ديسمبر 2010

فلأكن أنا (لنصّ الثالث والأربعون من كتابي رسائل العبور - 2005)

هنري ماتيس


فلأكن أنا
إذا كان لا بدّ لأحدنا من أن يتألّم فلأكن أنا.
فلأكن أنا حاملة صليبك
شاربة كأس أوجاعك
لابسة مسح قلقك


***


فلأكن أنا
لأنّني أحبّك أكثر
ومن يحبّ أكثر يحتمل الألم أكثر
فلأكن أنا
لأنّ انطباع أوجاعك فيّ
أسهل ألف مرّة من الخوف عليك


***


فلأكن أنا
لأنّني عندما أحمل آلامي أضعف
وعندما أحمل آلامك أتقدّس


***

فلأكن أنا
لأنّني عرفت ألم العشق
وألم الاشتياق
وألم الفراق


***


لأكن أنا
لأنّني لا أريد أن ينضجك الألم
بل أرغب في أن تنمو بالحبّ.
وكم يترافقان!

السبت، 18 ديسمبر 2010

صلاة

عند أرز الباروك



أنا التي كنت ناسكة مقيمة في صومعة ذاتها
رسمتك صومعتي وشمعتي وأيقونتي وكتاب تأمّلاتي
هربت من نفسي حين أصبحت نفسي مشغولة بك
وأنّبتها حين أضحت ملتهية بك عن كلّ ما عداك
وعاقبتها حين أمست مأخوذة بك حتّى الانتشاء
غير أنّي كنت أفاجئ نفسي دائمًا وهي تبحث عنك في كلّ ما قد يكون على علاقة بك
أنظر إلى مرآتي فأراك
أنظر إلى أصابع يدي فأرى أصابع يدك
أغمض عينيّ فأتجسّد بك
أقيم في جسدك
تفوح منّي رائحتك
يخرج من حنجرتي صوتك المحمّل بكلماتك
صرت شبيهة لك يا من لا شبيه له إلاّي
فأرشح ماءك
وأنت الرحم الذي أولد منه في كلّ لقاء
...
وكان يجب أن أولد لكي تعرف من أنت.