الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 31 ديسمبر، 2015

... ثمّ قلْ ما تريد



قبل أن تضاف إلى سنوات عمري سنة جديدة
قل لي إنّي ما زلت شابّة جميلة.
قبل أن تعلن ساعة منتصف الليل انتهاء عام وبدء عام
قل لي إنّي أصلح لكي أكون امرأة أحلامك.
قبل أن يطلق الناس الأسهم الناريّة في ليلة العيد احتفالاً بالعيد
قل لي إنّي المرأة المناسبة في المكان والزمان المناسبين.
قبل أن تكسر النسوة الصحون والأقداح الزجاجيّة ليتخلّصوا من شرّ السنة الراحلة
قل لي إنّي أيقونتك المرفوعة فوق مذبح أحلامك.
قبل أن يتعتع الفرح العقول ويطلق الألسنة بكلام لا تعرف صدقه من كذبه
قل لي إنّي ابتسامتك الدائمة وفرحك النابع من عمق أعماقك.
قبل أن أعتاد الضجر والوحدة واليأس والحزن قل لي
إنّ السنة القادمة ستكون أجمل من السنة الراحلة.
قبل أن يطلّ صباح اليوم الأوّل من السنة الجديدة
قل لي إنّ كلّ يوم من حياتنا سيكون يومًا أوّل من سنة جديدة، قبلها سهرة عيد وبعدها أمل أكيد.
قبل أن تبحث لي عن هديّة ثمينة
قل لي إنّي هديّة السماء إليك.
قبل أن تقرأ كلماتي
قل لي الكلمات التي أنتظرها لكي لا أقول أنّني أنعشت ذاكرتك وما كلماتك سوى صدى كلماتي.
قبل أن تنتهي السنة
قل لي كوني بخير لأكون بخير.
قبل أن يلتقي عقربا الساعة عند منتصف الليل ويتعانقا في حنان
دعنا نلتقي أوّلاً ثم قل لي ما تريد.

الأحد، 13 ديسمبر، 2015

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن

وادي القدّيسين في قنّوبين

في مغارة الميلاد، "أرسل الله ابنه الوحيد نورًا للأمم"، وبالتالي لم تكن ثمّة حاجة إلى إضاءة تستهلك مقدّرات الطبيعة. وأدفأت الحيوانات الطفل الإلهيّ الذي وضع على القشّ الدافئ فلم تكن ثمّة حاجة إلى تدفئة مركزيّة تسبّب إهدارًا في الطاقة. ولم تكن الأرض تنشد إلاّ السلام، كأنّ الأمور الأخرى كانت متوافرة ولم يكن من الداعي طلبها. الخشب الموجود كان يكفي لبناء هيكل سليمان والصلبان على عدد المغضوب عليهم، والمياه الموجودة تكفي لعمادة من يرغب في الولادة من الروح بعدما ولد من الجسد، والتربة الموجودة يرسم عليها المسيح علامات الأزمنة لمن يعرف أن يقرأ، ويضعها على عيني الأعمى فيرى. أمّا اليوم فيبحث الناس عن المياه والخشب والتراب ومصادر الطاقة، وهم يعرفون أن لا سلام على الأرض ما لم يجدوا حاجتهم من هذه العناصر التي لا وجود للحياة بالشكل الذي نعرفه من دونها.

في مغارة بيت لحم، وصل المجوس، علماء الفلك في بلاد فارس، ولم تكن في بالهم المفاعلات النووية ولا القضاء على بني إسرائيل، كانوا يثقون بأنّ السماء وعدتهم بما هو أهمّ وأجمل وكانوا يريدون أن يكونوا شهودًا لا شهداء، وبأنّ الثروات التي يملكونها ليست ملكًا خاصًا بهم وحدهم، بل هي ملك الجميع. ووصل الرعاة البدو وهم يعرفون أنّ وجودهم في مكان واحد مع ملوك المجوس لا يعني أنّ الشيوعيّة هي التي انتصرت بل المحبّة، وأنّ فقرهم لا يعفيهم من المسؤوليّة عن مصير هذا العالم، وأنّ دعوتهم إلى هذا حضور هذا "المؤتمر" لا تعني أنّهم سيحصلون تلقائيًا على حصصهم من هدايا الميلاد.

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن، لا تزال البشريّة مجدّة في سعيها نحو الخلاص.

هناك من يبحث عنه في هذه الأرض، وغالبًا ما يعني ذلك خلاصه هو ولو على حساب البشريّة، فيتلف غلاله كي لا يهبط سعرها في السوق، أو يقتل ليختبر سلاحًا جديدًا، أو يبيد شعوبًا في سبيل بقاء شعوب أخرى.

وهناك من يبحث عن هذا الخلاص في السماء فيهملون الأرض وما عليها ومن فيها، وحتّى هؤلاء ينقسمون فريقين: فريق يستثمر أمواله في الفضاء بحثًا عن مستعمرات جديدة وشعوب غريبة ولا يلتفت إلى أهل بيته، وفريق يؤمن بأنّ كلّ شيء باطل ولا يستحقّ هذا العالم إلاّ أن نعبر فيه سريعًا ومن دون أن نتعلّق بأيّ شيء فيه.

وفي مختلف تلك الحالات لم تصل البشريّة إلى مدينتها الفاضلة ولم تستعد بعد فردوسها المفقود.

في قمّة كوبنهاغن سيطلب الأثرياء من الفقراء أن يستحمّوا أقلّ ليملأوا هم أحواض السباحة في قصورهم ومنتجعاتهم، وأن يناموا باكرًا ويوفّروا الطاقة الكهربائيّة ليسهروا هم تحت أشّعة ثريّاتهم الكريستال، وأن يمتنعوا عن قطع الأشجار لتدفئة غرفهم الصغيرة ليملأوا هم مواقد تضفي جوًّا شاعريًّا على شاليهاتهم الغارقة في دفء "الشوفاج".

ونحن من يتابعون أخبار تلك القمّة المصيريّة والتي ستكون كلفة مصاريف الوفود والوقود فيها باهظة، إذا علمنا أنّ الحرارة خلال أيّام القمّة ستراوح بين درجة واحدة وسبع درجات، فسنسأل أنفسنا ببراءة: لماذا تمّ اختيار بلد بارد ومكلف في حين كان ممكنا عقد القمّة في بلد معتدل الحرارة يوفّر التدفئة أو التبريد لآلاف المشاركين من رؤساء ومرافقين وموظّفين ومراسلين؟ هذا طبعًا فضلاً عن مصاريف الفنادق والتنقّل ووجبات الطعام.

إنّ قمّة تبدأ بمثل هذه المبالغ الخياليّة من المصاريف على آلاف العلماء، من أجل التفكير في إنقاذ كوكب الأرض ستجعل العالم مغارة علي بابا لفئة من الناس تريد أن تبيع سيّارات وأسلحة، ومغارة الإنسان البدائيّ لفئة أخرى لا تعرف إلاّ أن تكون مستهلِكة ومستهلَكة.

ولكنّها، أيّ القمّة، لن تجعلنا قطعًا قريبين من مغارة الميلاد حيث استطاع طفل صغير وامرأة بسيطة ونجّار نشيط (بالتأكيد لم يقطع في حياته من الأشجار ما تسبّب بخطر على البيئة) ومجموعة رعاة مع حيواناتهم، وثلاثة علماء فقط، أن ينقلوا البشريّة إلى عهدها الجديد.

* جريدة النهار - الثلاثاء 8 كانون الأوّل 2009

السبت، 12 ديسمبر، 2015

أجواء ميلاديّة -1: الجارات في زمن العيد



(2010)
الجارات منطلقات إلى الكنيسة، ولا واحدة منهنّ تخاطب الثانية.
فالمشكلات العالقة لا تترك مجالاً لكلمة صباح الخير أو لسؤال عن الصحّة.
يمشين متباعدات في الجغرافيا وبسببها ومتحدّات في التاريخ الرازح تحت أعوام من الخصام.
كلّ واحدة تراقب الأخرى، وتعاين ثيابها وتصرّفاتها وتتمنّى لها أن تتعثّر وتقع أرضًا لتشمت بها وتسخر منها.
يصلن إلى الكنيسة،
يبحثن بعيونهنّ الفضوليّة عن المقاعد بحيث لا تجلس الواحدة إلى جانب الثانية،
يتوزّعن الأماكن ويبدأن بالصلاة من أجل السلام في العالم.
يدعو الكاهن الناس للاعتراف بالخطايا وتصفية الضمير في مناسبة الأعياد،
لا تشعر الواحدة منهنّ بأنّها معنيّة بالدعوة: فبالها مرتاح ونيّتها صافية وقلبها طيّب،
غير أنّ ذلك لم يمنعها من مراقبة جاراتها اللواتي لم يتوجّهن إلى الكاهن للندم أمامه عمّا اقترفنه من ذنوب في حقّها.
يتسابقن عند تناول القربان المقدّس لتكون الواحدة منهنّ في أوّل الصفّ،
يتدافعن بالأكتاف من دون أن يتبادلن نظرة تفضح اعتراف العين بوجود كائن آخر على مقربة التفاتة وجيرة بيت.
يتناولن القربان خاشعات وهن يتمتمن بكلمات لا أحد يعرف إن كانت صلاة شكر أو طلب انتقام.
ينتهي القدّاس المبارك وتخرج الجارات من أمام مائدة الربّ مستعدّات لجولة جديدة من المعارك المصيريّة لإثبات الوجود على شرفة متنازع عليها، أو على قطعة أرض لا تتّسع لمدفن، أو على موقف سياسيّ اتّخذه الأزواج وتبنّته الزوجات، ولكن هذا لا يمنع من أن يحصل العكس في بيت من البيوت حين تأخذ الزوجة المتمكّنةُ من رقبة زوجها القرارَ والمبادرة وتجبر زوجها المسكين على الانصياع.
إنّها ذكرى الميلاد الذي تمّ منذ أكثر من ألفي سنة،
والجارات لسن معنيات به لأنّه موضوع قديم عفا عنه الزمن، أمّا الشجار الذي حصل مع الجارة البارحة فلا يمكن العفو عنه مهما كلّف الأمر.

الخميس، 3 ديسمبر، 2015

عمّتي إميلي روزنامة الأعياد

سليم وإميلي يراقبان سرب طيور

يكاد أربعون عمّتي إميلي يقترب والكلمات لا تزال تهرب منّي، كما تهرب فرحة الأعياد من قلوب الحزانى. لعلّني رأيت في موتها تمرينًا على موت صرنا نخشى أن يحصد كبار العائلة، وهذا ما يجعلني أحاذر الاعتراف برحيلها، لعلّها تبقى بعد أكثر...
عمّتي روزنامة الأعياد التي سقطت آخر ورقاتها منذ أكثر من شهر، وجارور الحلويات الذي أغلق إلى الأبد، عمّتي المريضة الأنيقة رحلت، والليلة، ليلة عيد البربارة لا حلويات من صنعها ولا مائدة تستعدّ لعيد الميلاد.
لكأنّ الأعياد بلا أمّهات ليست أعيادًا. أو كأنّ الأولاد يكبرون فجأة حين تموت الأمّهات، والأحفاد يغادرون الطفولة على عجل حين تموت الجدّات. أو كأنّ نكهة الأطعمة لا تعود هي نفسها، ورائحة البيت تفقد الكثير من خصوصيّتها.
عمّتي ليست صغيرة، لكنّ أوجاعها هي التي كانت كبيرة، وهذا ما يبكينا ونحن نتذكّر حياتها ومعاناتها وهي لا تعرف أنّها مصابة بالسرطان الذي ترافق مع غسل الكلي.

لكنّي الليلة أكتب وأنا أرى إلى أمّي تغالب دموع الحزن على المرأة التي كانت ابنة حميها وزوجة أخيها في الوقت نفسه، وتزرع الحبوب في صحون الفخّار بركة تستعيض بها عن شجرة العيد.
أكتب لعلّ عمّتي تعود ولو قليلًا، فتداعب رأس زوجها الذي أقفلت الجلطة الدماغيّة مسار الحكايات فيه، وتعدّ الحلوى وهي تدّعي الصراخ والغضب على الأحفاد الذين يملأون البيت صخبًا وعيدًا، وتنشغل بالإعداد لعرس صغيرها عمر.
أكتب، لعلّ طعم السكّر يعود إلى الحلوى، ولعلّ المرأة التي صمتت تخرج من صورتها لتفتح الباب لأحفادها وأولاد الجيران المتنكّرين، ولعلّها تصطحب معها أحبّاء كثرًا رحلوا ولا يزالون يقيمون في جراح الذاكرة.
غير أنّني مع كلّ كلمة أكتشف كيف تصير الكتابة مزراب الدمع... 

الخميس، 19 نوفمبر، 2015

الاستقلال ملك الأغنياء والاستغلال نصيب الفقراء



شارل خوري
(2010)
نحن فقراء لبنان نعرف أكثر من سوانا حقيقة الأمور، لا لأنّنا نملك معلومات أكثر من سوانا بل لأنّنا نعيش على الهامش، ونراقب ما يجري من دون أن ينتبه إلينا أحد، ونعرف ما ينقصنا ولا نصدّق الوعود التي نسمعها ولسنا معنيين بالمطالب والشعارات التي ترفع في الساحات أو تعلن في وسائل الإعلام. ولذلك فكلّ ما يقال عن الحقيقة والاستقلال ورئاسة الجمهوريّة والتحقيق الدوليّ لا يعنينا فعلاً لأنّنا جائعون ومرضى ونشعر بالبرد ولا نملك ما نشتري به الخبز والدواء والمازوت.
إنّ من يعرف الشباب والصبايا الذين يشرفون على التحرّكات الشبابيّة في الشوارع والتلفزيونات مذ انطلق شعار استقلال 2005 يلاحظ أنّهم جميعهم ينتمون إلى عائلات ثريّة جدًّا ويملكون جنسيّات أجنبيّة، وعندهم أكثر من خيار للعمل هنا أو في الخارج، ويقيمون شبكة من العلاقات العامّة تتيح لهم الظهور على شاشات التلفزيون المحليّة والعالميّة وإجراء المقابلات في الصحف والمجلاّت والإذاعات. فإذا نجحت الحركة الاستقلاليّة ونال هؤلاء مطالبهم احتلّوا المراكز النيابيّة ونالوا الوظائف المهمّة، وحكموا البلد. أمّا إذا تدهورت الحالة الأمنيّة وجرت الرياح بما لا تشتهيه سفنهم فجوازات سفرهم حاضرة وبيوتهم في بلدانهم الأخرى جاهزة لاستقبالهم ولا شيء يجبرهم على البقاء. والدليل أنّ عددًا كبيرًا من النواّب والوزراء والقادة سافر إلى الخارج حين شعر بالتهديد أو خاف على حياته.
الأغنياء في لبنان إلى أي حزب أو طائفة انتموا هم الذين يقودون حركة الاستقلال الجديد لأنّهم يستطيعون التغيّب عن العمل، وعن الجامعة، ولأنّ مستقبلهم مضمون ومؤمّن ولأنّهم يستطيعون الاعتصام والبقاء في ساحة الشهداء قدر ما يشاؤون ولأنّهم مطمئنون إلى غدهم، ولأنّه يجيدون التحدّث بلغات أجنبيّة تجذب وسائل الإعلام الغربيّة وتؤثّر على الرأي العام في الخارج . أمّا الفقراء فمشغولون بالبحث عن لقمة العيش وثمن الدواء وقسط المدرسة. فلا ينخدعنّ أحد بصور المظاهرات وأعداد المتظاهرين. فالصور المأخوذة من الجو أو من الأماكن المرتفعة تختلف عند التحليل عن الواقع على الأرض. 
صحيح أنّ تظاهرة 14 آذار قد شارك فيها الجميع، وصحيح أنّ الجميع أراد رحيل الجيش السوريّ، وانتهاء النظام الأمنيّ، ومعرفة حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، غير أنّ للفقراء اليوم مطالب أخرى يبدو أنّ السياسيين، نجوم الشاشات الأرضيّة والفضائيّة، لا يعرفون عنها شيئًا ولا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد. فما دام كلّ واحد منهم قبض ثمن كرسيه النيابيّ إمّا للجلوس عليه أو للانسحاب عنه، فلماذا يهتمّ بشؤون غير تلك التي تحفظ له المركز أو تضاعف رقم حسابه المصرفيّ؟
للفقراء في لبنان هموم ومشاكل لا تعني المتقاتلين على رئاسة الجمهوريّة، ولا تعني الزعماء الذين يقفون وراء كلّ مرشّح. والفقراء في لبنان باتوا يعرفون أن لا أحد يهتمّ بهم، وأنّهم سيزدادون فقرًا أكان هذا رئيسًا أم ذاك، وأنّ الحديث عن الاستقلال يدغدغ مشاعرهم الوطنيّة إلى حين يصرخ أولادهم جوعًا أو ألمًا. 
عندما أقفلت الحدود بين لبنان وسوريا ومنعت الشاحنات من العبور باتجاه الأراضي السوريّة وأتلفت الفواكه والخضار لم يقدّم نجوم الاستقلال الجديد حلولاً للمزارعين الفقراء ولم يشتروا منهم منتجاتهم.
وعندما هجم برد تشرين وتقوقع الناس في الجبال في منازلهم عاجزين عن شراء تنكة مازوت تردّ الصقيع عن الأبواب لم نر قادة الاستقلال الجديد يتنادون ويعتصمون دعمًا لمواطنيهم الذين يكادون يدنقون.
عمر إنسي - برج أبي حيدر

وعندما بدأ موسم المدارس والجامعات وبكى التلاميذ الذين تركوا مقاعدهم الدراسيّة ليذهبوا إلى مدارس مجانيّة أو رسميّة أقلّ مستوى لأن أهلهم عاجزون عن تسديد الأقساط، لم نر شباب 14 آذار يرفعون الشعارات المطالبة بـ"سيادة" العلم على الجهل و"حريّة" اختيار المدرسة و"وحدة وطنيّة" تساوي بين الأثرياء والفقراء.
إنّ الاستقلال يكلّف دمًا، وثمّة من دفع حياته أو كاد يدفعها ثمنًا له. ألم نتعلّم أنّ للحريّة الحمراء باباً بكلّ يد مضرّجة يدقّ، غير أنّ الاستقلال يحتاج أيضًا إلى أموال ومصاريف وصحّة جيّدة تحتمل الاعتصام. ولذلك قال "الرحابنة" عن المعتصمين المضربين عن الطعام: خليهن ياكلوا بيحتجّوا أكتر"؟ ولهذا كان من الطبيعيّ أن تتبنّى استقلال 2005 طبقة ثريّة من المجتمع ستستفيد كيفما تقلّبت الأحوال وتبدّلت الظروف.
"السلطة والمال" كلمتان تتكاملان وتترافقان. فمن يملك السلطة يحصّل المال، ومن يملك المال يشتري السلطة أو على الأقلّ يسيطر بأمواله على من يحبّ السلطة. وهذا ما يحصل عندنا اليوم.
ونحن الفقراء نتسلّى بمراقبة ذلك. فما دمنا لا نستطيع تحسين أوضاعنا في ظلّ الفساد وغياب الدولة وانعدام الثقة بالغد، وما دمنا غير قادرين إلا على التفرّج على ما يجري عاجزين عن المشاركة في الفعل بل ننجرّ إلى ردّ الفعل، فلماذا لا "نتفرّج" على ما يجري في انتظار فرج قريب لا نعرف من أين سيأتي. وقد نستطيع فعل ما هو أفضل من ذلك. لماذا لا نستسلم للمرض حين نمرض فنموت بكرامة بدل الإذلال أمام المستشفيات، ولماذا لا نستسلم للجوع حين نجوع فنموت بصمت بدل التسوّل، ولماذا لا نستسلم للبرد حين يقرصنا الصقيع فنموت بخشوع في انتظار دفء لن يأتي.
فيروز

في مسرحيّة ناطورة المفاتيح "للأخوين رحباني" دعي الشعب إلى الرحيل ردّا على ظلم الحاكم، أمّا نحن فلا بلد يستقبلنا، والبحر من أمامنا، وسوريا من ورائنا، وإسرائيل عند جنوبنا فإلى أين نذهب؟
إن لبنان، لمن لا يعرف، ليس كلّه كشارع مونو، وليس كلّه كوسط المدينة، وليس كلّه كشارع الكسليك، وليس كلّه كشارع الحمرا أيّام عزّه، وليس كلّه كبحمدون وبرمّانا في أيّام الصيف.
ولبنان، لمن لا يعرف، ليس برامج ألعاب ومسابقات، ومغنّين ومغنيّات، وملاهي وراقصات. 
في لبنان فقراء يلمّون أقمشة الشعارات ليستروا عريهم ويائسون لا يجدون عملاً ومتشائمون لا يثقون بالحكم ولا بـ"المعارضات". 
وفي لبنان أجيال شابّة تتسوّل تأشيرات دخول إلى أي مكان.
وفي لبنان آباء وأمّهات يدفعون أولادهم إلى الرحيل ليؤمّنوا مستقبلهم ويضمنوا حياتهم.
وفي لبنان رجال يبحثون في النفايات عن كسرة خبز وما علق بعلبة طون أو سردين.
وفي لبنان أشجار عتيقة تقلع لترتفع الأبنية الحديثة.
وفي لبنان جبال عالية سوّتها الحفّارات بالأرض.
وفي لبنان تلال من النفايات تنفث سمومها في الهواء.
وفي لبنان لا مسارح ولا معارض ولا حركة فنيّة محترمة.
وكلّ شيء آخر تسوّقه وزارة السياحة خداع، وكلّ صورة أخرى توحي بها الصحف مزيّفة، وكلّ مستقبل يعد به السياسيّون وهم.
وإن لم تصدّقوا؟ اسألوا الفقراء فهم الأكثر عددًا.

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2015

من يجرؤ على تهنئة الآخر بعيد الاستقلال؟

جبيل

مغارة جعيتا

وسط بيروت

بشرّي

بعلبّك

22 تشرين الثاني 2010

لا رسائل تهنئة اليوم، لا هدايا، لا معايدة، إنّه مجرّد يوم عطلة. إنّه عيد الاستقلال في لبنان.
وهذا العيد هو بكلّ بساطة وعفويّة الدليل الأكيد على أنّنا شعب طائفيّ مهما ادّعى أكثرنا العكس.
نهنّئ بعضنا بالأعياد الدينيّة ولو كنّا لا نمارس ديننا بل ولو كنّا لا نعرف شيئًا عن ديننا أو عن دين الآخرين الذين نسعى كي لا ننسى توجيه المعايدة لهم فيعتبوا علينا.
اليوم لا هدايا للصحافيّين والموظّفين الرسميّين الذين تمتلئ مكاتبهم بالحلوى والأقلام وباقات الأزهار وبطاقات التمنيّات في الأعياد الدينيّة.
اليوم، لا أحد يجرؤ على الاتّصال بصديق ليقول له كلّ عام وأنت بخير، لأنّ الآخر سيعتبر الأمر مزاحًا وسيسخر من المتّصل به ويحوّل الأمر نكتة سخيفة يرويها لمن يلتقي بهم في يوم العطلة هذا.
ولكنّ الأمر لم يبدأ اليوم. وأكاد أجزم أنّه بدأ واستشرى غداة الاستقلال حين كان المعترضون أكثر من المرحّبين: فحين يكون في البلد من لا يريد للفرنسيّين أن يرحلوا، ومن يريد الانضمام إلى سوريا، ومن يريد أن يقيم دويلات طائفيّة (الآن مذهبيّة)، حين يكون كلّ ذلك موجودًا في بقعة صغيرة من الأرض، فذلك يعني أنّ الذين يهنّئون بعضهم بهذا العيد هم حفنة من السياسيّين الذين يبتسمون أمام الكاميرات ويتبادلون شرب الأنخاب (شمبانيا أو عصير ليمون).
فالاستقلال غير موجود لأنّنا لم نقتنع بوجوده منذ لحظة ولادته. وحين يقول أحدنا اليوم: ما في إستقلال، يعني تلقائيًّا: ما كان في إستقلال. وإلاّ ما سمحنا له بالاضمحلال. فطبيعة المجتمعات (الطبيعيّة) أن تنتقل من العبوديّة إلى الحريّة، ومن الاحتلال إلى الاستقلال، ومن الانعزال إلى الانفتاح. غير أنّنا فعلنا العكس. نلنا الاستقلال في يوم واحد، وبدأنا منذ ذلك التاريخ بالسعي إلى عبوديّة الفكر، ودعوة المحتلّ، والانعزال في تجمّعات ضيّقة.
لذلك، لن يرسل أحدنا اليوم رسالة قصيرة عبر هاتفه ليعيّد مواطنًا آخر كما يفعل خلال أعياد الميلاد ورأس السنة والفطر والأضحى، ولن يكتب رسالة إلكترونيّة يوزّعها على أصدقائه ويطلب منهم توزيعها على أربعة ملايين لبنانيّ وإلاّ ضاع لبنان، ولن يشتري أحد الحلويات، ولن يسبق جاره عند الصباح ليقول له: كلّ عام ونحن لبنانيّون حقيقيّون.
وكلّ ما قيل في المدارس خلال هذا الأسبوع، وكلّ الخطب الرنّانة التي ألقيت في المناسبة، وكلّ اليافطات التي تعلّقها البلديّات سنة بعد سنة، وكلّ الأغاني الوطنيّة (ضربنا الرقم القياسيّ في عددها) لن تنفع ما دام المواطن اللبنانيّ غير مقتنع بهذا العيد.
وكلّ عام وأنتم لبنانيّون. إن أردتم.

السبت، 31 أكتوبر، 2015

ولدتما معًا... وتظلّان معًا يا سليم وإميلي




لكأنّ جبران خليل جبران، حين نظم نشيد الزواج في كتابه النبي، كان يستحلي لوالديه ولنفسه حياة زوجيّة كالتي عشتماها يا خالي سليم ويا عمّتي إميلي:

ولدتما معًا، وتظلّان معًا، حتّى في سكون تذكارات الله. ومعًا حين تبدّدكما أجنحة الموت البيضاء.


زواج والديّ جعل خالي سليم يلتقي بعمّتي، ومن النظرة الأولى أغرم أحدهما بالآخر. ومنذ ذلك الحين، أي منذ أكثر من خمسة وخمسين عامًا، والزوجان العاشقان ملتصقان كتوأم سياميّ، يمرض أحدهما إن مرض الآخر، ويضحك أحدهما إن ضحك الآخر، وسيموت أحدهما إن مات الآخر... قصّة حبّ لم يعكّر صفوها فقر أو حاجة، ولم يخفّف من وهجها ترفٌ أو بحبوحة، ولم يلههما عنها تسعة أولاد وتسعة أحفاد وكثير من الصعوبات لا بدّ منها في حياة أيّ زوجين. 
وبعد أن صارعا الحياة طويلًا، ها هي عمّتي تصارع الموت في مستشفى، وزوجها يقاوم الرحيل في مستشفى آخر، وحين يصحو أحدهما من غيابه، يسأل عن الآخر.
أنا الآن، لا أستبق موتًا قد ينال من أيٍّ منّا في أيّة لحظة، ولا أرثي أو أندب، وإن كنت أبكي. أنا، الآن، أكتب عن تاريخ من الحبّ، يتمنّى كلّ إنسان سويّ أن يختبره ويتذوّق حلاوته. فكيف يموت من يعيش مثل هذا الحبّ؟ 
عمتي الجميلة النظيفة الأنيقة، وخالي الشاعر الطريف الظريف، عاشقا الحياة والعائلة، الوالدان الحنونان، والجدّان العطوفان، يرقدان الآن على سرير المرض، يحيط بهما حبّ كثير ورعاية تفوق الوصف... وفيض من دموع يعجز ساكبوها عن منع جريانها، مهما قيل عن الإيمان والصبر وتقبّل الأمر الواقع. ومع ذلك، مع كلّ ذلك الوجع والخوف من غياب يفرض نفسه على حياتنا،  تبدو الحياة جميلة حين أستعيد حياتهما:
كثير من الضحكات الصاخبة السعيدة...
كثير من الحنان الموزّع بلا منّة أو تمييز...
كثير من أبيات الزجل والطرائف وأخبار نجيب حنكش ورياض شررة وأنيس فريحة وسلام الراسي...
كثير من ولائم الطعام الشهيّ، مهما اشتدّت الحاجة أو صعبت الظروف...
وباختصار... كثير من الحياة!
فكيف لمن لا يثير تذكّره سوى الابتسامة والشعور بجوّ الإلفة والحفاوة أن يموت ويندثر أثره؟ وكيف لعمّتي التي قاومت صعوبات لا تعدّ ولا تحصى أن تستسهل الرحيل؟ وكيف لخالي الذي يستعذب المغامرة ويتحدّى الحياة أن يستسلم بلا مقاومة؟ 
لا أعرف طبعًا متى يلقي كلّ منهما سلاحه ليمضي إلى حيث ينتظر الآخر، لكنّي حين أنظر إلى والدي يبكي أخته التي تصغره، وإلى والدتي تتحسّر على أخيها الذي يصغرها، أعرف أنّنا كلّنا تقدّمنا في العمر، وأنّنا محاطون بموت كثير وبشع حتّى أنّنا نحسد من يموت على سرير العناية بين الأهل والأحبّة. لكنّي أرى كذلك، من خلال غشاء الدمع، أنْ ما دام هناك من يعتني بوالديه لسنوات، كما فعل أولاد خالي وعمّتي، فثمّة ما يخفّف من صعوبات الحياة وقسوة الموت...
عمّتي تتألّم... وكذلك خالي... ربّما هذا هو الموت الذي يخيفنا وهذا ما عجزت الإنسانيّة حتّى الآن عن إيجاد حلّ له: الوجع لا الرحيل، مذلّة طلب الرعاية لا الموت، كرامة المريض لا سمعة الطبيب. 
وبسبب هذين الألم والمعاناة تحترق قلوبنا!
ويا عمّتي، لن أنسى وجهك يسابق وجه أمّي حين أصحو من التخدير بعد أيّ عمليّة جراحيّة أخضع لها!
ويا خالي، قد أنسى بعض حكاياتك الطريفة لكنّي لن أنسى احتفالك بلقيا هذه الحكايات واستهجانك عدم معرفتي بها!
فشكرًا لكما على إرث الحنان والحكاية... والحبّ!

الخميس، 22 أكتوبر، 2015

جرمانوس جرمانوس: شِعر طالع من مبخرة الغطيطة بالجرد


وادي قنّوبين


كنت صغيرة، ربما في الثامنة او التاسعة من عمري حين تأكدت من انني احب الامور الغير شكل. احب الشعر. كان ذلك على سطح البيت الذي كان جدي ناطوره، وخالي يربي الحمام في غرفة كنا نسميها "غرفة السطح". يومذاك كنت وابنة خالي سعيدتين لاننا سنلاعب الحمائم البيض التي سيطلقها خالي حولنا مشترطاً ان نتبادل الادوار، انا وابنته، في ان نسند الباب الذي لا قفل له من الداخل كي لا تهرب الطيور.
بعد نوبتين او ثلاث ضجرت ابنة خالي من مهمة الحراسة فبحثت عن شيء ما تضعه خلف الباب، وحين وجدت ما تبحث عنه انصرفت الى ملاحقة احدى الحمامات امام ناظري والدها الذي قال لي وهو فخور بابنته: هي اذكى منك، أنت لم تفكري في البحث عن حجر يسند الباب. اما انا فكنت حزينة، لا لان ابنة خالي اذكى مني وتفكيرها عملي اكثر من تفكيري فحسب، بل لان اللعبة انتهت، واللهفة التي كنت اشعر بها وانا القي بثقل جسمي الصغير على الباب زالت، ولم يعد ثمة ضرورة لانتظار زميلتي في الحراسة لتستلم نوبتها، فأسرع الى حيث الاقفاص المفتوحة تنتظر كي أمد يدي المضطربة واحاول ان ألمس الطيور التي لا يزال هديلها الرتيب يهدهد الطفلة التي كنتها وريشها المتطاير ينغمس في حبر مخيلتها.
استعدت كل ذلك وانا اقرأ جرمانوس جرمانوس في ديوانه بالمحكية: "بسهر انا وياك لطلوع الحمام". ربما بسبب الحمام، ربما بسبب الشعر، ربما بسبب الشاعر. وربما لانني شهدت معجزة ان يكون الشاعر هو شعره، وان يكون هذا الشعر هو كينونتك التي، ومن دون ذنب اقترفته، لا يمكنك ان تعرف عنها الا بكلمات سواك. عدت الى غرفة السطح وتذكرت البنت بعينيها السوداوين الواسعتين الناظرتين بشغف الى مشهد الطيور المرفرفة، وكيف انكسر الحلم فيهما حين صار الامر متاحاً وسهلا وسريعا، فلم تعد تستعجل ابنة خالها وتقول لها بلهفة: صار دوري. وقصيدة بعد اخرى، اعادني جرمانوس الى الطفلة التي كنتها يوم عمادتي، حين اقام الوالدان حفلة غداء تبارى فيها شعراء العائلة والضيعة في الزجل. ولا تزال والدتي حتى اليوم تأسف لان احدا لم يكتب ما قيل في تلك المناسبة. وما زلت اتردد في إعلامها بان موسيقى غنائهم رفرفت فوق مهدي، وكلماتهم داعبت شعري، فغفوت وانا احلم بأن أصير شاعرة مثلهم، مثل جرمانوس الذي يقول في اولى قصائد الديوان: "وفيي شعر/ اكثر م فيي/ كتاب".
الشعر الذي لا يعديك شعرا ويعيدك شاعرا ليس شعرا. ليس شعرا ان لم يجعلك تغضب على الشاعر الذي وصل الى العالم الغامض الذي تعرف انت في عمق اعماقك بوجوده، غير انك لم تجرؤ على تصديق حدسك، فلم تبحث عن الدروب اليه. وليس شعراً ان تحول غضبك حقدا وكرها وحسدا، لانه الغضب المحيي الذي ينفض عن اغصان ايامك الاوراق اليابسة والثمار المهترئة ويجعلها سمادا عند جذعك، لعلك تعطي اوراقا خضراء وثمارا جديدة، الغضب الذي يطرد التجار من هيكل الشعر ويعيده محراب صلاة وبداية خلاص.
هذا هو الشعر. هذا هو شعر جرمانوس جرمانوس، المتصالح مع نفسه ولغته وتراثه، الثائر على الفقر لا على الفقراء، الناقم على الخبث والمشفق على الخبيثين، العاشق المؤمن بالانسان والطبيعة، المسكون بالنغمة والصورة تصدران عنه كابتسامة طفل ودمعة عجوز، بلا ادعاء او كبرياء.
فقراؤه؟ أنا منهم: "وهنّي وعم يصلّو/ البكي/ نقّط ع صابيعن دمع/ صارو شمع".
جدّته؟ هي جدّتي: "وِجّا خريف المبخره.../ وكفوفها زعتر طري.../ وعيونها صِرّة تعب".
الطفولة؟ هكذا هي في بالي: "هادا الوتر/ ماشي حفا ع الصوف بكانون".
الليل؟ هو ليل الشعر، ابن الوعي والحب "والليل ركوه عم يفوّرها الحنين".
والمرأة؟ جسد تعشق المقيمة فيه لا جثة في مشرحة اللغة: "والخصر:/اول ما عم تغشى شمس ايلول ع طراف الورق/ يطلع منا ريحة نبيد".
ميشال طراد هو العمود السابع في قلعة بعلبك بحسب فؤاد سليمان، أما انت، جرمانوس جرمانوس، فشجرة أرز شابة تنمو في حمى اشجارنا المعمرة، وتحت ظلال موهبتك الاصيلة، يستريح تاريخ لبنان مطمئنا الى المستقبل.


الأحد، 18 أكتوبر، 2015

حكاية الرجل الذي اكتشف أن ليس لديه وقت للحبّ



(2010)

لم يقل له أحد أنّ المهمّات التي ألقتها الحياة على عاتقه تتطلّب حضورًا دائمًا والتزامًا جديًّا وانتباهًا كاملاً، لذلك حين وقع في حبّ امرأة غير زوجته لم ينتبه إلى أنّه سيظلم نفسه قبل أن يظلم أيّ أحد آخر.
هو زوج صالح ملتزم طوال الوقت،
هو والد متفانٍ منتبه طوال الوقت،
هو ابن بارّ محبّ طوال الوقت،
هو شقيق مخلص خدوم طوال الوقت،
هو موظّف نشيط متوفّر طوال الوقت،
هو صديق وفيّ عطوف طوال الوقت،
هو مثقّف متابع شغوف طوال الوقت،
فهل يمكنه فضلاً عن هذه السباعيّة المتكاملة المتطلّبة أن يكون حبيبًا عاشقًا حاضرًا طوال الوقت؟
لم يكن يعلم أنّ الوقت القليل الذي يسرقه بين هذه الشخصيّات السبع تسمح له بممارسة الحبّ (11 دقيقة بحسب باولو كويللو) لا الحبّ، وحين عرف ذلك اكتشف أنّه سيدفع غاليًا ثمن هذه المعرفة، وأنّه من غير الإنسانيّ والعادل أن يطلب الإنسان من نفسه أن يكون رجل الخدمة ليلاً ونهارًا لكلّ من حوله، لأنّه سيفشل في مكان ما بلا أدنى شكّ، هذا إذا كان حظّه جيّدًا وذكاؤه خارقًا ما قد ينقذه من أن يخسر كلّ شيء.
لم يكن الرجل يعلم طبعًا أنّه سـ"يقع" في الحبّ لا بل أنّه سـ"يحلّق" مع الحبّ، لذلك كانت التزاماته الجميلة الأخرى متكاملة متجانسة منظّمة، لكلّ منها موعده وجدوله الزمنيّ، وكانت الحياة مدروسة الخطوات لا مكان خاليًا فيها لأيّة مفاجأة أو خلل، ولكنّ من صفات الحبّ أن يقتحم الأمكنة التي لا تخطر على بال، أن يخربط ما كان منظّمًا، ألاّ يحمل ساعة في يده، ألاّ يحترم مواعيد النوم والعمل والغداء والراحة، أن يكون مشاغبًا مشاكسًا عنيدًا، طفلاً يحتاج إلى عناية واهتمام وانتباه، فهل يستطيع أن يكبر بالقامة والحكمة وسط هذه المهمّات الجديّة الدقيقة أم سيبقى طفلاً عاجزًا عن النمو، يبحث عن مكان للعب بين أقدام الكبار، ثمّ يختبئ خجلاً من قامته القصيرة ويهرب خوفًا ممّن قد يؤذي طراوة عوده؟
هكذا فكّر الرجل وهو يرزح تحت التعب والإرهاق. ترفٌ أن يحبّ وهو مطالَب في كلّ لحظة بعمل ما، بمهمّة ما. سيظلم نفسه ومن يحبّها إن استمرّ في توزيع نفسه ووقته على هذا الشكل ولن يبقى لها، خصوصًا هي، إلاّ فتات يعرف أنّها ستقتات بها وتكتفي لأنّها تحبّه. ولكن إلى متى سيمكنه أن يحتمل صيامها المفروض عليها، واكتفاءها ببقيّة عاطفة ووقت؟
كانت الأفكار تتنازعه وهو يحاول التشبّث بحبّ قد لا يشعر بمثله في آتي أيّامه، وفي الوقت نفسه لا يرضى لنفسه بأن يخلّ بأيّ من التزاماته الأخرى التي تشكّل مشاهد أساسيّة من هذه اللوحة الجداريّة التي اسمها حياته، ولن يقبل طبعًا بالإساءة إلى من لا ذنب له في عاطفته الطارئة أكان هؤلاء في بيته أو في عمله.
وكان يعرف في قرارة نفسه أنّه يهرب إلى التزامات جديدة ليهرب من التفكير في حلّ، وأنّه سيتعب من هذه الالتزامات الإضافيّة، وأنّ ما كان يحتمله جسده وهو شابّ لن يرضاه وهو كهل، وأنّه سيقع يومًا تحت وطأة كلّ ذلك. فهل سيجد الجواب عندها؟ هل سيكون لحسه المبرد هو الحلّ مع أنّه يعرف جيدًا أنّ ما يسيل هو دمه وما يخسره هو حلمه بنوع آخر من السعادة؟

السبت، 3 أكتوبر، 2015

عن غازي قهوجي الذي كان صديقي وسيبقى...

الدكتور غازي قهوجي في حفل توقيع روايتي
"كلّ الحقّ ع فرنسا"

كلمات الصديق الدكتور غازي قهوجي على كتابه:
قهوجيّات - أركيلة الحلم العربيّ

قرأت خبر رحيلك يا غازي على صفحة صديقنا يحيى جابر، إذ كتب: "يا صور... ليفتح بحرك صدره ويستقبل موجةَ ضحكٍ عائدة في تابوت... يا صور مهندسك المسرحيّ السينمائي الساخر غازي قهوجي مات".... فاتصلت بصديقك وأخيك ابراهيم جاماتي، فأكّد لي صوته الخبر...
كنت صديقي يا غازي! صديقي الذي استمعَ إليّ أشكو ولم يبح لي يومًا بألمه وحزنه، حتّى إنّ الذين كانوا يروننا نحتسي القهوة في مقاهي شارع الحمرا، لم يصدّقوا حين كنت أقول لهم إنّني لا أعرف عن خصوصيّاتك أكثر ممّا يعرفون. لكنّي حين علمت، من سواك، خبر مرضك، لم أسامحك وغبتُ عن صورة حياتك، من دون أن تغيب عن بالي صور لقاءاتنا الجميلة الذكية الصاخبة الملأى بالأخبار والطرائف والمعلومات والذكريات. لم أفهم يومها كيف تخفي عنّي أمرًا بمثل هذه القسوة، لتختفي بدورك، لولا بضع رسائل إلكترونيّة، في سرير وجعك ومعاناتك.
كم يمكن للصداقة أن تكون طفوليّة مهما كبر الأصدقاء في العمر. عتبت أنا عليك، وأنت أصررت على إحاطة حياتك الخاصّة والعائليّة بسور من التكتّم، أكاد أجزم أن الذين استطاعوا التسلّل إليه من عالم الفنّ والمسرح والسينما والتلفزيون قلائل جدًّا. فعصبة الأصدقاء حولك، أولئك الذين بنيت معهم علاقة صافية يعود تاريخها إلى صفاء الطفولة والصبا، هذه العصبة العصيّة على الدخلاء كانت تكفي لتجعلك في مأمن من الوحدة وفضول الآخرين، كلّ الآخرين.
لكن، مذ واكبتَ بمحبّة وحكمة إنتاجي الكتابيّ، وجدت فيك السند والمرشد، فما غبتَ عن حفلة توقيع إلى أن أرهقك المرض وأكل من عافيتك، فاختفيت رافضًا أن نراك بلا ضحكة، وبلا طرفة جديدة، وبلا شهوة للحياة والفنّ والعطاء.
سألتك مرّة: لماذا تتعب نفسك في واجبات اجتماعيّة كثيرة؟ فأجبتني: يجب أن أقف إلى جانب الناس في أحزانهم لأخفّف من وقعها، وفي نجاحاتهم لعلّ فرحهم يزيد. وأنا كنت واحدة من هؤلاء الذين خفّفت من ألمهم وضاعفت فرحهم... وستبقى. إذ يكفي أن أستعيد قولك لي مرّة، وأنت تروي لي طرائف جرت بينك وبين الأخوين رحباني: يؤسفني أنّ عاصي لم يلتقِ بكِ... يومها شعرت بالزهو والفخر... وأجبتك وأنا أحاول أن أخفي ارتباكي: خلص، بيكفي إنّك تعرّفت عليي.
أخبرتني أمورًا كثيرة يا صديقي عن الفنّ والفنّانين، وتمنّيت عليك دائمًا أن تكتبها وتنشرها، لأنّك الشاهد الوحيد عليها. وكنت تتردّد لخشيتك من أن تتعرّض لخصوصيّات الآخرين. يا لهذه الكلمة التي جعلتها محور حياتك ورافقتك حتّى موتك: خصوصيّة الإنسان التي يجب ألّا نقترب منها. ومع ذلك كان لك احترام لآراء الآخر لم أجده عند أحد. فكَثُر أصدقاؤك ومحبّوك وهم يعرفون تمام المعرفة أنّك لا توافقهم الرأي في شؤون كثيرة...
 جميلًا كنت يا صديقي، ذلك الجمال الذي ينبع من الداخل بصفاء ومحبّة، وكريمًا سخيًّا، وشهمًا أبيًّا، وصديقًا صادقًا (أذكر جيّدًا كيف حزنت على صديقك وليد غلميه)، وأنيقًا متواضعًا، ومثقّفًا جامعًا...
 وخفيف الظلّ، وخفيف الدمّ! أتذكر كم دارت نقاشات بيننا حول هاتين الصياغتين وعن مصدر كلّ منهما؟ ألم تكن مشكلتك الوحيدة مع ثقيلي الظلّ والدم؟ هؤلاء فقط لم تكن تحتمل وجودهم قربك.
الرسالة الأخيرة التي وصلتني منك كانت منذ عام وفي مثل هذا الشهر. كانت قصيرة ومرفقة بنصّ من نصوصك الطريفة، عدت إليها اليوم، فوجدت فيها هذه العبارة الساخرة: "يقال: كل ديك على مزبلته بيصيح! كثر عدد الديوك بشكل كبير فأصبح لزامًا علينا أن نستورد "مزابل"!"
وها أنت ترحل تاركًا لنا وطنًا صيّرته الديوك مزبلة! فكيف كنت ستطيق البقاء حيث كلّ هذين القرف والخبث؟
صديقي غازي! تبدو الآن قريبًا أكثر من أيّ وقت مضى! كأنّ الموت انتقم لي من المرض الذي أبعدك. فلا تعتب عليّ إن بكيتك الآن وأنت في البال والوجدان والقلب، حيث لا وجع ولا مرض... بل شعرٌ وفنٌّ وأدب ومسرح وغناء وصداقة صافية... ولكن دعني الليلة أفرغ حزني دمعًا... وغدًا، سيكون لنا لقاء مع كلّ كلمة أقرأها عنك، وبالنيابة عنك، ومع كل كلمة أكتبها. 
وإلى اللقاء في سماء صارت اليوم أجمل... 

الأحد، 27 سبتمبر، 2015

جان الهاشم في قراءة لروايتي للجبل عندنا خمسة فصول


ماري القصيفي في رواية الانسحاق والأمل

جان الهاشم - صحيفة الحياة 11 تمّوز 2014

    تحكي ماري القصيفي، في روايتها «للجبل عندنا خمسة فصول» (دار سائر المشرق)، الحرب اللبنانية في أحد وجوهها، حرب الجبل في ثمانينات القرن الماضي، بين الموارنة والدروز، وهي انتهت بتهجير المسيحيين من تلك المنطقة التي تعايشوا فيها معاً زمناً طويلاً، قبل أن تبدأ حروبهم وتتواتر منذ ستينات القرن التاسع عشر. وهذا التواتر أعطى الكتاب عنوانه، إذ صار لأبناء الجبل فصل خامس متكرّر يضاف إلى فصول السنة الثابتة المتكرّرة بانتظام، هو فصل الجنون: «ففي الفصل الخامس من فصول تلك السنة في الجبل اللبناني، فصل الجنون الذي لا ينفكّ يعود...» (ص 187). وإن تكن الشخصية الرئيسة في الرواية هي الراوية سلوى بو مرعي، إلا أن بطلة الرواية من دون منازع هي «الحرب اللبنانية» بكل صورها البشعة...     
     تتفرَّغ سلوى بو مرعي لكتابة ذكرياتها عن حرب الجبل، وقصة تهجير عائلتها من قريتها، مع سائر المسيحيين في سائر القرى، إلى دير القمر. ليلة التهجير رسمت مستقبلها، وحفرت في نفسها عميقاً حتى باتت وقائعها راسخة في قلبها، وهي تريد أن تبوح بها لكي «تزيل حملاً ثقيلاً كالجبل...» (ص 12).
     في تلك الليلة هربت العائلة من بلدتها عين يوسف سيراً على الأقدام، ما عدا الأب الذي رفض المغادرة ولازم منزله حيث قُتِل. لكن أخاها التوأم سليم، المختلّ عقلياً، نسي الراديو وأصر على العودة للإتيان به، فطلبت منها أمها أن تعود معه وأكملت طريقها فارَّة. تخلَّت عنهما الأم، وتخلّفا عن ركب النازحين، لكن سليم، الذي يعرف الدروب جيّداً، يقودها وصولاً إلى دير القمر حيث تجمّع النازحون، وحوصروا إلى أن كان الخلاص بإخراجهم من هناك بعد أشهر إلى بيروت وسائر المناطق. وينتهي بها الأمر عاملة في دير الصليب، مصح المجانين، الذي أُدخل إليه شقيقها سليم، واختارت العمل هناك لأنها أرادت أن تلازمه لقربها منه ولتعلّقه بها.
     وتبدأ أحداث الرواية الفعلية (زمن الرواية) من هناك، من مصح دير الصليب حيث حاولت أن تنسى ما حدث، لكنها لم تستطع. تقرّر أن تكتب عن تلك المرحلة بناء على نصيحة ثلاثة: مي ابنة خالتها، والصديقة الوحيدة التي بقيت لها، ودانيال العشيق المفقود، وفادي الطبيب في المصح. «اكتبي عنها يزُل الألم وتبقَ الذاكرة» (ص 18). وانتقلت إلى بحمدون لتتفرّغ فيها للكتابة. وراحت تلملم عن ألسنة الناس فيها ذكرياتهم عن وقائع مرحلة سقوط البلدة، والنزوح عنها. أخذت عن جورج ابن صاحب البيت الذي استأجرته، وقرأت أوراق طبيبة طوارئ سويسرية، تدعى جوزيان أندريه، عملت في خلال الحرب في بحمدون ودوّنت يومياتها فيها.
     وما كتبته سلوى يذكّر القارئ بتلك المؤلفات عن حرب الجبل، التي روت الأحداث من زاوية واحدة، وهنا من وجهة نظر شابة مسيحية، معجبة ببعض زعماء طائفتها، وغاضبة على أكثرهم لأنهم لم يعرفوا كيف يقودون الحرب. مع أنها في ما كتبت حمّلت الجميع، مسيحيين ودروزاً مسؤولية الحرب وبشاعاتها. المسيحيون حركشوا، والدروز انتقموا والمواطن دفع «ثمن غباء المسيحي وغضب الدرزي، والغباء قاتل كالغضب» (ص 128).
     وتعود سلوى إلى زمن الأحداث الحقيقي. ما جرى في دير القمر. لم تنم مع المهجّرين في مكان تجمّعهم. هي كرهتهم، وأرادت الابتعاد عن أمّها التي تكرهها معتبرة أنها أخذت كل العقل ولم تترك شيئاً لأخيها التوأم سليم. نامت في الكنيسة حيث قيل إن ثلاثة رجال اعتدوا عليها ومارسوا الجنس معها، فحملت بذلك العار.
وتتحرّك أحداث الرواية بثقل وتباطؤ وتشابه وتكرار، كأن الكاتبة تعمّدت ذلك لكي تبرز تلك الدوامة التي يدور فيها المسيحيون والدروز في فصل الجنون الذي لا يني يتكرّر.
     لم تسلم سلوى من كلّ تلك الأحداث، هي وقعت ضحيتها فتشوّهت نفسيتها بأبشع ما يكون. حمّلها الناس عاراً لم تحمله أساساً، وقد أوضحت ما جرى لها مع الرجال الثلاثة، وما باحوا به لها. الأوّل أراد وهو معها أن يشعر «بأنّ الحرب لم تقتل فيّ كل شيء...»، والثاني أراد أن يتذكّر أمه وهو يغفو على صدرها، والثالث بكى وهدّدها: «إن عرفت أنك أخبرتِ أحداً أنني بكيت قتلتك بلا شفقة ولا رحمة...» (ص 92). حالات ربما تنتاب من انقاد للحرب غصباً عنه، وربما تكون حاجاتها هي نفسها، لأنها حاولت مقاومة الحرب، وافتقدت الأم هي المكروهة من أمها.

     وينتهي القسم الأول من الرواية، مع ما توصلت سلوى إلى تدوينه، لأنها ستصاب بمرض السرطان وتموت قبل أن تكمل ما بدأته. في القسم الثاني تتولّى مي، ابنة خالتها، إكمال ما بدأته، أو بالأحرى إيضاح كل ما ورد في أوراقها من مواقف وأخبار. وتتحول في القسم الثاني إلى راوية بدورها ترى إلى ما أوردته سلوى من منظار آخر. وهنا تتكشّف لنا براعة الكاتبة في لعبة الإيهام، مع ما نكتشفه من وقوع سلوى في حالة الإسقاط (projection) المعروفة في الطب النفسي، بوجهيها: «الإسقاط النفسي»، وفيها تتلبَّس شخصيات الآخرين وتتبنى مواقفهم، و «الإسقاط التحويري» وفيها تعكس حالاتها النفسية على الآخرين. تروي مي، وهي كما رأينا وجه آخر من وجوه سلوى: «وضعتني كتابات سلوى أمام حياتنا كلّنا، ففيها ما حصل معي وتبنّته هي، وفيها حكايات رويتها لها (...) وفيها قصص أقربائنا من المهجّرين (...) وفيها خصوصاً أوراق أنطوني خير الله وجوزيان الطبيبة السويسرية (...) «ظنّاً مني أنني أساعدها (سلوى) في التعلق بالحياة كما فعل انطوني، والإيمان كما تحدّثت عن مفعوله جوزيان» (ص 263).
     ونكتشف أن سلوى هي المجنونة في مصح دير الصليب، وليس شقيقها سليم. ونكتشف أن دانيال، الذي تروي سلوى قصة غرامياتها معه، وحبها له، ليس سوى زوج مي نفسها.
     تعيش سلوى إذاً في أوهامها وكوابيسها، لكن ماري القصيفي، عرفت كيف تقودنا معها على طريق الإيهام، لتكشف لنا في النهاية حقيقة الأمور. طوال الرواية بدت سلوى امرأة مسيحية، تعيش هواجس مسيحيّي الشوف ومخاوفهم. وإذا سلَّمنا بأن مي شكلت عقلها ووجدانها، نجد أن هذه الأخيرة، أصرت مع زوجها دانيال على بناء العائلة، وعلى العمل على الثبات في الوطن، معبّرة عن حنينها إلى أيام المحبة والاختلاط في الجبل، آملة في إحياء ذلك يوماً ما، على رغم بقائها مهجّرة بعيداً من أرض الشوف. عاشت مي الحرب والهواجس، وحمَّلت الجميع، مسيحيين ودروزاً مسؤولية الحرب، لكنها تحلَّتْ بالأمل، استمدّته من دانيال، الزوج المرمِّم وباني الوطن المأمول معها.
     بذلك تصبح سلوى الإنسان اللبناني المصاب بالانفصام بعدما مزّقته الحرب ما بين اليأس والأمل، ما بين الموت والحياة، ما بين الحلم والواقع. في عمق مأساتها ظلت تأمل بوجود حبل خلاص يعيد الرحمة والمحبة إلى القلوب، كتلك المرأة الدرزية بالوشاح البيض، التي روت عنها أنها أنقذتها مع شقيقها سليم أثناء فرارهما، وكما يقول دانيال لزوجته، فإن سلوى «في نصوصها عاشت وعشقت وانتقمت وتطهَّرت، وتمسّكت، في حديثها عن المرأة الدرزية التي سمّتها عذراء الجبل، بحبل خلاص ينقذها من الحقد بالرغم من الأذى الذي تعرَّضت له!» (ص 312).
     وهذا الأمل يحدو الكثيرين على العودة إلى الجبل. لكن ما هو قائم حتى اليوم في الوقائع والنفوس يبقى معوّقاً أساسياً. وربما بسبب ذلك، وما حدث لها، وما تعيشه من تردّد وتمزّق وخوف، لاذت سلوى بالجنون لأنّ «الجنون الحقيقي أبعد ما يكون عن الغباء، وأكثر براءة من أن تلصق به جرائم الحرب، لأنه أجمل من الحقد، وأطهر من الشرّ، وأعمق من المعرفة...» (ص 315).
     «للجبل عندنا خمسة فصول» سجلّ الماضي وصورة الحاضر وهاجس المستقبل ومخاوفه، باللغة المنسابة ما بين السرد البسيط العادي، والتعبير الوجداني العميق المقارب الشعر، هي رواية الضياع والتمزّق والانسحاق، وفسحة أمل تبقى مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

الحياة/جان الهاشم
الجمعة 11 تموز 2014

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

من هي السيّدة ذات القلم ولها في العرس رأي نافذ؟ بقلم زاهي وهبي (1994)





     مي م الريحاني هو الاسم المستعار الذي كنت أوقّع مقالاتي به في البداية، وهذه المقالة بقلم الشاعر زاهي وهبي واحدة من الرسائل التي تبادلناها على صفحة "النهار" الثقافيّة في أمور بيروت والشعر والمسرح...

****

     بقلم زاهي وهبي صحيفة النهار – الثلاثاء 26 نيسان 1994

من هي مي م. الريحاني؟
سؤال يلاحقني هذه الأيّام أنّى ذهبت وحللت.
وبعضهم يطرح السؤال بصيغة الشكّ والريبة.
إذ كيف لا أعرف، يقولون لي، مَن لا تكتب ولا تظهر للعلن الثقافيّ إلاّ حين تكتب لي، ومن أين لها هذه الدراية بالمشهد الثقافيّ وأحواله الراهنة، كأنّها مقيمة في خضمّه، عارفة بما خلف كواليسه وبما يجري على الخشبة.
ومع ذلك لا أملك جوابًا عن علامات الاستفهام إلاّ بريد "النهار" في الطابق الثاني والرسائل التي تأتي مذيّلة بالتوقيع في الصفحة الثقافيّة مساجلة حيال هذا الشأن أو ذاك، وكلّما لامست الجرح أكثر أو ضربت على الوتر كبر سؤال بعضهم: مَن هي؟ ومن تكون؟
فكم أودّ سيّدتي لو أعرفك.
*****
لست أقلّ غضبًا منك.
لست أقلّ نقمة أيضًا.
لكن لأعترف لك أوّلاً، بأنّ رسائلك، حتّى حين تخالفني الرأي، تشكّل لي حافزًا مهمًّا للكتابة، وذريعة لوجهة نظر في هذا أو ذاك من مشاهد الثقافة اليوميّة في بيروت الراهنة، وما أسمعه من آراء فيها، أي في رسائلك، من قرّائها الكثر، ستظنّينه نوعًا من المغالاة في المجاملة، لكن الأمر ليس كذلك وحسبك أنّ شوقي أبي شقرا يقول كلّ مرّة:
إنّها تقرأ بذكاء وتكتب بذكاء.
فكيف لا أفرح إذن، ولا أبتهج، حتّى حين لا نتّفق على توصيف مشهد أو على تفسير عبارة مثل تلك التي أثارت غضبك وحنقك (في مقالتي عن مسرحيّة فاميليا) فأخذت الأمر على غير هواه وزيّن لك تأويلك أنّني أكتب هكذا لأسباب لم تكن في بالي وحسباني. أليس أحوج ما نحن إليه الآن هو القراءة بذكاء والكتابة بذكاء؟
*****
أفهم غضبك سيّدتي.
أفهمه وأوافقك.
وأنطلق من رسالتك الأخيرة المحقّة في كلّ ما تضمّنته من ملاحظات على بعض مشاهد الثقافة، لاعتبر أنّ المأزق الحقيقيّ الذي تعيشه الثقافة في بيروت اليوم، يكمن في غياب الحوار وفي النرجسيّة المفرطة الطاغية على كلّ ما عداها وفي المداهنة والإخوانيّات.
أتظنّين أنّ ثمّة كاتبًا أو كويتبًا يعترف بسواه؟
أتظنّين أنّ هناك من يضع الآخر في ذهنه بين كلّ الكتّاب والكتبة؟ إلاّ إذا كان وإيّاه من القبيلة الثقافيّة.
يؤسفني أن أوافقك في كلّ ما تضمّنته رسالتك الأخيرة، وما فيها غيض من فيض الانتهاكات التي ترتكب باسم الثقافة وتقترف في حقّ الوجدان العامّ، أي في حقّ القرّاء والمشاهدين، أو في حقّ القلّة التي لا تزال تعتبر نفسها معنيّة بأحوال الثقافة وأحوال أهلها. ومن هم أهلها؟
هل تعتقدين سيّدتي أنّ عبّاس بيضون على خطأ إذ يقول: هذا كلام مقاه أو كلّه كلام مقاه! أنا لا أظنّه على خطأ وإن كنت لا أنفي عنه كونه واحدًا منّا (منّا جميعًا) من المساهمين في تحويل الثقافة أو على الأقلّ العلاقات الثقافيّة إلى كلام مقاهٍ، وكذلك مع الشعراء الشبّان الذين يظنّون أنّهم خاتمة الشعر ونهاية المطاف فلا يسمعون نقدًا ولا يردّون تحيّة.
ولو شئت وصفًا للمرحلة أو للذهنيّة الثقافيّة الراهنة لقلت إنّها "ذهنيّة المقهى". وأظنّ أنّ المكتوب يقرأ من عنوانه فلا حاجة للاستطراد في شرح ماهيّة "ذهنيّة المقهى"، إنّها ببساطة كلّ ما أشرتِ إليه في رسالتك الأخيرة بدءًا بالفولكلور الذي رافق الاحتفاء بأمين معلوف وانتهاء باسكندر حبش. وهذا واقع مؤلم ومفجع لا ينفع معه أيّ دواء سوى الكيّ، وكم هم قلّة منبوذة من يجرؤون على الجهر بالحقيقة والإشارة إلى الخطأ.
*****
الذي إصبعه في النار ليس كمن إصبعه في الماء.
ولعلّك تجرؤين على تسمية الأشياء بأسمائها لأنّك بعيدة عن المقهى وعن ذهنيّته، وعساك تظلّين بعيدة كي لا يطولك رجس أو نجاسة.
والمقهى، يا صديقة الكلمة، ليس مجرّد طاولة أو فنجان قهوة، إنّه آليّة تفكير وطريقة تصرّف وسلوك يوميّ ومقاربة للأشياء، وبدل أن تكون هذه الآليّة حضاريّة وإنسانيّة باعتبار المقهى أحد مظاهر العيش المدنيّ ومكانًا للالتقاء والتفاعل بين الناس، نجدها تتحوّل في صيغة المقهى الراهنة إلى آليّة جاهليّة وقبليّة تتحرّك وفقًا لصلات القربى والأرحام. وهذه القربى غالبًا ما تكون محكومة بعادات الثأر والانتقام.
سبق لي أن أشرت تكرارًا إلى ظاهرة خطيرة تنتاب المدينة اليوم، وتسهم في تفكّك أوصالها وفي عدم قيام حوار حقيقيّ فيها.
أذكر في زمن الحرب كان الآخر، أو وجوده، حاجة ماسّة وضرورة، كان موت ودمار ووحشة قاتلة وكان كلّ منّا يأنس بجاره أو بعابر الطريق، وكنّا نكتب ونقرأ ونبتهج بما نكتبه وبما نقرأه، كان كلّ منّا يتأكّد من وجوده على قيد الحياة، من قراءته لنصّ الآخر، لقصيدته، لمقاله، لتعليقه، لتحيّته في الصباح بعد ليل من القصف المجنون، وكان المقهى يجمعنا في الخوف والقلق والترقّب في انتظار ما بعد الحرب، مثلما كانت تجمعنا الكتابة في الحال ذاتها، وكانت تلك الحال مكانًا للأنس والإلفة ولنموّ مشاعر الودّ والصداقة بين الباقين على قيد المدينة بعد أن هجرها من هجر، وكان المقهى مظهرًا من مظاهر استمرار المدينة على قيد الحياة، وكذلك كانت الكتابة.
ثمّ انتهت الحرب، وكان لا بدّ لها أن تنتهي، وجاء السلام أو شبّه لنا أنّه جاء، وبدأت المدينة تستعيد أوصاف حياتها المدنيّة، وبدأ كلّ منّا يبحث عن صورته في المرآة الجديدة، وتبدّلت أدوار واختلطت أوراق، وفي غمرة كلّ ذلك، كانت تتكشّف حقيقة بشعة فالحرب تركت صدوعًا وفجوات هائلة في الناس والأمكنة، والسلام بدا أكثر وحشة منها، والآخر الذي كان بالأمس ضرورة ومرآة، صار اليوم، نقيضًا وعدوًّا، إذ راح كلّ منّا يؤكّد وجوده بإلغاء الآخر، ونقل البعض أخلاقيّات المتاريس إلى المقهى والصفحات، ولست أبالغ إذا قلت إنّ ثمّة ما يشبه "حرب الإلغاء" الحقيقيّة التي تدور بين مَن حوّلوا الثقافة متاريس والكتابة إلى رصاص قاتل، بل أشدّ قتلاً من رصاص الحروب.
وأكثر ما تتجلّى هذه الحرب في الصمت المشبوه وغياب الحوار واعتماد التجاهل موقفًا نقديًّا من الآخر وطغيان النرجسيّة على غالب الذين يعتبرون "مفاتيح" اللعبة الثقافيّة. ولو تقرأين جيّدًا بعض السجالات وبعض الكتابات النقديّة تعرفين كم أنّ النقد فقد ضميره، وكيف تنحدر الكتابة إلى دركها الأسفل على يد بعض مَن صنعوا مجدها وألقها وهذا أكثر استدعاء للألم والشفقة في آن.
*****
سيّدتي،
في بيروت اليوم ظلم لا يطاق.
ظلم، لا للمثقّفين، بل للثقافة نفسها.
في بيروت اليوم مثل عمليّة تزوير، مرّة قوامها الصمت، ومرّة قوامها الكلام الموارب، ودائمًا قوامها فقدان النقد لضميره المهنيّ والأخلاقيّ، وغياب الحوار وعدم الاعتراف بالآخر وطغيان النرجسيّة.
وأيّة فجيعة حين يتحوّل النقد إلى مكيدة والكتابة إلى كلام مقاه؟
*****
أفهم غضبك وأقدره ولا أبحث له عن أعذار.
وعساك تجدين أسبابًا للكتابة غير الغضب، فما تخشينه خطأ في بعض آرائك أجده عين الصواب، لكن ليس في اليد حيلة غير الرأي والموقف في وجه حاملي شعار: عين الصواب تبلى بالعمى!
أو عسانا نصحو ذات يوم على غضب ساطع كما تشتهين.
سيّدتي،
ليس هذا ردًّا أو عتبًا، إنّه استكمال لحوار بدأ بيننا منذ عام وأكثر وأظنّه يطول.

الأحد، 20 سبتمبر، 2015

إنسان من القرن الحادي والعشرين (2008)



(من كتابي: نساء بلا أسماء - 2008 - دار مختارات)

     استيقظ رجل يعيش في القرن الحادي والعشرين وهو يشعر بضجر شديد. حاول أن يفكّر لعلّه يجد سببًا لمشكلته، فأعياه التفكير. ثمّ قام بجردة حساب استعاد فيها ما فعله خلال اليوم الفائت، فلربّما كانت المشكلة في أنّه لا يحسن تنظيم وقته أو ملئه بما يناسب. فوجد أنّه يفعل ما يفعله كلّ الرجال من أمثاله: يستيقظ باكرًا، يستحمّ، يحلق ذقنه، يشرب القهوة، ينطلق إلى العمل، يعمل، يتناول غداءه، يتابع العمل، يعود إلى البيت، يرتاح قليلًا، يشاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ يخلد إلى نوم مضطرب.
     من الطبيعيّ أن يضجر. عليه أن يفعل شيئًا، أن يدخل بعض التعديلات على هذا البرنامج الرتيب. وهذا ما حصل في اليوم التالي: استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، وقبل أن يعود إلى البيت، اتصل بصديق قديم ودعاه لتناول فنجان قهوة، قبل الصديق الدعوة، شربا القهوة، استعادا أحاديث قديمة، افترقا على أمل لقاء جديد، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا ثمّ خلد إلى النوم المضطرب.
     في اليوم الثاني، قرّر أن يدخل تعديلًا آخر. استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، وقبل أن يعود إلى البيت، ذهب إلى النادي الرياضيّ، اتّفق مع المدرّب على أيّام التمرين، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الثالث، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الرابع، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى السينما، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الخامس، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى السينما، التقى صديقًا آخر، تناول معه العشاء الخفيف، عاد إلى البيت متأخّرًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة (غير التي كان يشاهدها في وقت أبكر)، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم السادس، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى المرأة التي يمارس معها الجنس مرّة في الأسبوع، عاد إلى البيت، استحمّ، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم السابع، لم يستيقظ باكرًا، لم يستحمّ، لم يحلق ذقنه، شرب القهوة، لم ينطلق إلى العمل، لم يعمل، فكّر، فكّر كثيرًا في الأسبوع الذي مرّ، وفي الأسابيع التي ستمرّ، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة، تناول غداءه، حاول أن ياخذ قيلولة، لم ينجح، خرج من المنزل، ذهب إلى النادي، تمرّن، استحمّ، التقى بعض الأصدقاء، تحادثوا في موضوعات سبق أن تحادثوا فيها، شعر بالضجر، عاد إلى البيت، استحمّ، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الثامن، ضجر من الاستيقاظ باكرًا، ضجر من الاستحمام، ضجر من حلاقة ذقنه، ضجر من العمل، ضجر من تناول الغداء، ضجر من الأصدقاء، ضجر من النادي، ضجر من السينما، ضجر من المرأة التي يمارس معها الجنس مرّة في الأسبوع، ضجر من البرامج التلفزيونيّة مع العشاء الخفيف، ضجر من النوم المضطرب.
    صار عليه أن يختار أمرًا من ثلاثة: الانتحار أو الزواج وإنجاب الأولاد أو البحث عن قضيّة يبشّر بها.
***