الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 30 ديسمبر 2013

هدى عيد تروي حكاية "حبّ في زمن الغفلة"

هدى عيد توقّع روايتها السادسة
"حبّ في زمن الغفلة"

     هو حبٌّ غير متّصل بأل التعريف. كأنّه نكرة في زمنٍ أضيفت إليه الغفلة فعرّفته. وكيف يكون شأن زمنٍ هويّتُه الغفلة في شؤون الدين والسلطة والفكر والثقافة، وعلى غفلة منه يلتقط الناس الحبّ كما يلتقط الأولاد الفراشات؟
     هو حبّ وُلد من لقاء محرومَين: "سهيل" أستاذ جامعيّ خارج من تجربة زواج فاشلة، و"ليلى" مدرّسة تعدّ أطروحتها الجامعيّة عند هذا الأستاذ، وخارجة مثله من زواج فاشل؛ ما دفعني للتساؤل إن كان الحبّ الناضج المكتمل لا يأتي إلّا بعد تجارب فاشلة. لكنّ الروائيّة لم ترضَ لثمرتَي هذين الزواجين الفاشلين أن يأكلا حصرم الآباء والأمّهات. فـ"ريّان" ابنة "سهيل" نجحت في الحياة كمهندسة، وكذلك بشّار ابن "ليلى" الذي هاجر عند عمّه في كندا لمتابعة دراسته. وكأنّي بهدى عيد تؤكّد أنّ الرجل الفاشل كزوج ليس من الضروريّ أن يكون فاشلًا كوالد، وكذلك المرأة التي تفشل في أن تكون زوجة، قد تبرع في دور علّمها المجتمع أنّها خلقت لأدائه وهو الأمومة.
      بدت لي الرواية (دار الفارابي) وليدةَ نقيضين: لغةٍ متينة مدروسة ومشغولة بعناية فكريّة، ومجتمعٍ هشّ فوضويّ متروك لغرائزه الدنيا. وظهرت لي، أكثر من مرّة، براعة الروائيّة في التعبير عن التخبّط الاجتماعيّ بأناقة لغويّة أكاد أقول باردة. لا بمعنى عدم الانفعال الروائيّ، بل بمعنى أنّ الكاتبة تمتلك قدرة هائلة على التحكّم بخيوط الحبكة، ولكن من دون الوقوع في تشابك خيطانها. وأعترف هنا بأنّني حسدت دائمًا الروائيّين الذين لا ينغمسون في وحول المستنقعات التي يرمون فيها شخصيّاتهم. وهدى عيد، في هذا العمل، خرجت نظيفة الكفّين من عمليّة تشريح أبطال روايتها، الإيجابيّين منهم والسلبيّين، بعدما أخرجت أحشاءهم بيديها وحلّلت ما أصابهم لتضع نصب أعيننا إثباتات أكيدة على أنّ السرطان الذي نخر جسم هذا المجتمع هو الجهل (حتّى جهل أسس النظافة في شخص "صالح"، ولقد برعت الروائيّة في تصوير قذارته في أكثر من منحى).
      صحيح أنّها جعلت الحبّ خشبة خلاص من مستنقع الإثم هذا، لكنّه حبّ قائم على تجربة ومعرفة، فلا التجربة حطّمت من خاضها، ولا المعرفة كانت سطحيّة كمعرفة "صالح" طليق "ليلى"، إن في أمور الدين أو الطبّ أو أسس العلاقة الزوجيّة. ولعلّ الشخص الأكثر تعبيرًا عن يأس الكاتبة من احتمال تغيّره هو الشبح صاحب السلطة، زوج شقيقة "ليلى". ولعلّها في ذلك تريد أن تقول إنّ من يصل إلى مركز القوّة والسيطرة يفقد كلّ أمل في أن يعود إنسانًا سويًّا.
     رواية هدى عيد تستحقّ أن تكون بين أيدي الشابات والشبّان، أمّهات الغدّ وآبائه، وهم يستحقّونها، ليتعلّموا أنّ الحصول على شهادة لا يعني أنّ الإنسان صار متعلّمًا ومثقّفًا، وأن ليس من الضروريّ أن يروح الأولاد ضحايا في حال الطلاق، ونحن نعرف كم صار شائعًا في مجتمعنا، ولكن الأهمّ ليتعلّموا أنّ ما بُني على باطل يبقى باطلًا.
     ولكن، هل يحيلنا عنوان رواية عيد على رواية ماركيز: الحبّ في زمن الكوليرا (Love in the Time of Cholera)؟ لم لا؟ فالرجاء، كلّ الرجاء أن نجد الحبّ (بأل التعريف) في أيّ زمن. وإن كانت الكوليرا حجّة وهميّة في رواية الكاتب الكولومبيّ يخترعها الحبيب لينفرد بحبيبته على متن السفينة، وكان كلاهما قد تقدّم في السن، فإنّ الغفلة في مجتمعنا حقيقة راهنة، وحسنًا فعل العاشقان، في رواية هدى عيد، حين لم ينتظرا، بل غافلا الزمن وتمسّكا بحبّهما في وجه الصعوبات.   

الخميس، 26 ديسمبر 2013

الغريبة تقرع لزاهي وهبي أجراس أنوثتها



     لربّما يصحّ أن تكون العبارة التالية من مجموعة زاهي وهبي الصادرة حديثًا عن دار الساقي: "وما من ضرورة لكاف التشبيه"، عنوانًا آخر رديفًا للعنوان الذي اختاره: انتظار الغريبة. فالتشبيه نقطة ارتكاز تدور حولها النصوص، ويتكّئ عليها لاوعي الشاعر، كأنّه لا يصدّق أنّ هذه المرأة الغريبة قد وصلت، بل شبّه له ذلك، فانطلق يقارنها بما تقع عليه حواسه ليجعلها أقرب إلى متناول قلبه وقلمه.

     قد تغيب كاف التشبيه تاركة المجال للقاء مباشر بين المشبّه والمشبّه به، لكن حين تحضر الأداة – الكاف ومثل أو الأفعال – يتحوّل التشبيه البليغ بلاغًا رسميًّا بأنّ المشبّه يحتاج إلى المشبّه به كي يسهل التقاطه وإيصاله إلى المتلقّي: محيّاكِ لافتة ترحاب – تدخلين مثل سحابة أو غزالة – القوام حبس والوقت سجّان – عيناي علامتا استفهام – قلبي جرس إنذار – عيناي قاموس وَلَه – جسدي سيّد اللغات – لياليها حرائق – أحلامها مزيج فراديس ونيران – كمحكوم تحت مقصلة – كموقد يترقّب حطبه – كسيف سئم غمده – كمنشفة سعيدة – النهدان متوثبّان كفريسة اشتمّت رائحة صيّادها – أمدّ ضلعي قنطرة حنان – صار ساعداي قنطرة حنان...

     أمام هذه المجموعة الشعريّة الغارقة في حقل التشابيه البكر، لا يستطيع المتلقّي ألّا يطرح تساؤلات عن تلك الرموز المسيحيّة المرشوشة في حنايا القصائد كزهرات ربيعيّة لا نعرف أيّ طائر حمل بذورها إلى حيث هي: فوح مناولة أولى وقربان، وشجرة ميلاد بلا مصابيح ولا زينة، وصوتك فرح طفل بشجرة ميلاد، قهقهة سانتا، غزلان العيد، ثلج يهمي على أرض تصدح أجراسها حبًّا في المآتم، كرماد ناعم في مبخرة شمّاس قدّاس منتصف الليل، صوتك كنيستي، نظراتك شحوب شمع كنسيّ، أجراس أنوثتها، قدّاس عيد، جنّاز قيامة، في الميلاد أهداني سانتا صورة امرأة صرت شجرة عيد، مملكتي ليست من هذا العالم، لا صخرة ولا صليب...

     وهذا يدفعنا لملاحظة النتيجة الجماليّة لهذا التفاعل الحضاريّ في بيئة متنوّعة، هي البيئة اللبنانيّة، وتقدير الجرأة في استخدام الرموز المسيحيّة في وقتٍ تتعرّض فيه لاعتداءات شرسة تريد محوها من هذا المشرق، وتكفير كلّ من يقاربها حقيقة أو مجازًا.





كتاب .. كلّه عن الحب - بقلم الأديب ياسين رفاعية (عن كتابي أحببتك فصرت الرسولة)

خلال توقيع كتابي "أحببتك فصرت الرسولة"




image
سبق أن تحدثنا في «اليمامة» عن رواية الشاعرة ماري القصيفي «كل الحق ع فرنسا» وهي روايتها الوحيدة، لكن ماري عُرفت في الأوساط الثقافية كشاعرة وناقدة، بل وهي ناقدة اكتسبت احترام الجميع لأنها في النقد لا تحابي أحداً.
وقد صدرت لها منذ أيام مجموعة شعر بعنوان «أحببتك فصرت الرسولة» تضم نحو اثنين وثلاثين قصيدة.
في هذا الشعر بساطة في التعبير، لكنه منغرس في التجربة، كتاب كله عن الحب، والوداعات، والتواصل ولكن الخيبة تملأ كثيراً في مفاصل هذه القصائد، التي تشكل لدى الشاعر حزناً دفيناً، لا يمكن التعبير عنه إلا بالشعر، ولعل الحزن هو الأساس في القصيدة، لا يستطيع الفرح أن يحل محل الحزن في الشعر عموماً، وخصوصاً قصيدة النثر، التي يعتمد هذا الكتاب الانتماء إليها.
في نبرة هذه القصائد أحياناً نبرة عالمية وأحياناً صراخ في عبثية الحياة. هذه الحياة التي تكون غالباً كابوساً لكن الشعر يخفف من ثقل هذه الكوابيس، إن الشعر نجاة من الواقع اليابس، هذا الواقع الذي يصل في بعض الأحيان إلى الفجيعة، فما كل حب، هو حب جميل، بعض الحب عذاب، بعضه غصة في القلب بعضه دموع وبكاء في منتصف الليل بعيداً عن العيون.
دائماً تتدخل الحياة بين قلبين، فيتحول الحب إلى مأساة؛ فكم من قصص الحب في حياتنا اليومية نخرج منها حزانى ومحبطين في هذا السياق، لا تجد ماري القصيفي، كي تعبر عن هذه الطقوس من مخرج إلا الشعر، البحث عن الحبيب المثال، عن الرجل «السوبرمان» عن الرجل الفارس، الذي ما أن تبتسم له امرأة حتى يشتعل من داخل. هنا تحدث المعجزة، ابتسامة واحدة فقط من امرأة جميلة قادرة على تغيير المعادلة في الحياة اليومية. هنا، تؤسس ماري القصيفي هيكلية للحب النقي، الحب الصافي كماء الشرب، كالينابيع التي لا تتوقف عن التدفق؛ فالحب الحقيقي يشبه الينابيع الصافية، لأنه لا يدخل في المماحكات بين الطرفين، إنه تواصل روحي لا يتوقف بين قلبين اشتاقا لهذا التواصل.
ماذا في الحياة إذا لم يكن فيها حب، حب بأي طريقة تواصل؛ حب الأم لابنها، حب البنت لأمها.. إذا لم نتربّ على الحب في منازلنا، فإننا نذهب إلى حياة تبطش بنا دون توقف. ونتلقى الصفعة تلو الصفعة، فلا تكاد تهدأ. إلا أن الحب يعلمنا على تقبل الحياة كيفما كانت بدون تذمر أو استخفاف.
لعلي أطلت، لكن «أحببتك فصرت الرسولة» شدتني إلى هذا الكلام، لأن الحب شيء من المقدس والتصوف والانصراف إلى العبادة.. تحب الله فهو يحبك، لأنه هو الكريم المعطاء، والحب شيء من الله، ومن دونه تكون الحياة عابسة الوجه متجهمة من دون توقف.
في شعر ماري القصيفي: هذا التصوف، هذا الشعور بالارتفاع إلى أعلى، بالارتفاع عن الضغائن والكذب والمؤامرات.
فإذا كان الحب مقدساً، فإن ماري القصيفي
أدركت هذه الحقيقة، فحاولت أن يكون شعرها النثري على هذه الصورة:
الحب هويتي لا هوايتي
وأنت أدرى أيها الواقف إلى نافذة العالم
تنتظر وصولي إليك
لم يكن الحب بالنسبة إليّ يوماً هواية
لم يكن وسيلة توصلني إلى ارتباط
لم يكن علاجاً للوحدة أو السأم أو العمر
كان الحب ولا يزال
على الرغم من تراكم الأعوام وكثرة التجارب
هويتي وأوراقي الثبوتية التي لا أجرؤ من دونها 
على الخروج من المنزل
فكيف عليّ عبور حواجز الحياة؟
إن هذا العبور الذي تتمناه ماري القصيفي، هو عبور إلى المطلق عبور إلى السمو والارتفاع عن المادة مقتلة الحياة..
هو عبور مقدس يتنامى كلما تنامت النفس وارتفعت، لا ينمو الحب في الأسفل، ولا في الأقبية، ينمو الحب تحت وهج الشمس وأشعتها، من هنا دفء الحب، من هذا التوق الدافئ من روح السماء العالية، أما ما يدعون أنه حب ينمو في الأقبية وفي البارات والأندية، فما هو إلا توجسات جنسية لا طائل منها:
«أنا وعاء الكلمات المنسي على حافة شباك عتيق 
أنتظر العابر ليمد يده
ويختار الكلمة التي لم أقلها لأحد بعد
أنا انتظارك أيها الغريب المجهول
أنا المرأة التي لم ترها بعد
ولم تُغرق وجهك في عطر شعرها بعد
مد يدك فوق البحار والجبال والتقط أنفاسي
مدّ ذراعيك بين الأمواج وضباب المساء
واحتضن رغبتي
مددني على مذبح لهفتك
وأدخل إلى خدري السماوي
وحين تناديني الرياح من جديد
لا تخف عليّ
ولا تخف من أحلام الرحيل»
هذا هو التوق الذي تعبر عنه ماري القصيفي أصدق تعبير، إنه توق لكل العشاق، أن يعبروا بالحب إلى السلام؛ فالحب في المنتهى هو سلام النفس في ضجيج العالم.

الجمعة، 20 ديسمبر 2013

بلى، ثمّة ما هو أكثر من هذا الثلج! (عن نصّ للشاعر اسكندر حبش)

اسكندر حبش خلال توقيع كتابه في معرض بيروت الدوليّ للكتاب 2013
من الكتاب:
محاط بهذه الأرض. محاط بهذا الجدار الصلب. تمامًا مثلما تحيط الكرمة عتبة أيلول.
لكنّي لا أعرف من أيّ خابية ستنبثق رائحة الليل.

قد يكون غريبًا أن نعتبر نصّ الشاعر اسكندر حبش نشيدًا لبعض حياة في مواجهة كثير من الموت. الشاعر نفسه لن يصدّق إن قلت له إنّ ثمّة ما هو أكثر من الثلج، من هذا الثلج، في نصّه المنثور على صفحات لا تتعدّى الأربعين! بل سيغضب إن قلت له إنّ الشجر والكتب والرعاة والشمس والغناء والزجاجة (الخمرة) والقمر والهضاب والغابات والموسيقى والصباح والنور... كلّها إشارات حياة يرسلها مستغيث تطبق على أنفاسه طبقات من ركام الحجارة، وتفتّت الرمل، وبرودة الرماد، وحلكة العتمة، وصمت الثلج.
نصّه إذًا، المنشور لدى دار التكوين (2014)، صرخة يطلقها من أمضى حياته بين الجدران وفي صحبة الكتب، لحظةَ اكتشف، وبكثير من الحسرة والمرارة، أن ليس للجدران آذان تلتقط ذبذبات الألم، وليس لسكّان الكتب قلوب تخفق مع خفقات قلبه... وأنّه هو الذي لم يكن إلّا في الكتب لن يستطيع أن يضع نقطة النهاية للسطر أو للحياة إلّا إن خرج عن السطر وواجه الحياة.
كيف يكون ظلّ، والعتمة تقتل الضوء والرماد لا يعكس صورة؟ كيف يمكن الجسد المصنوع من ظلال أن ينسى أنّه مصنوع من ظلال الذين رحلوا تاركين له أن يحكي قصصهم؟
لعلّني أحمّل النصّ ما ليس فيه ومنه. فمن أنا لأعارض ما ذهب إليه الشاعر وديع سعادة، صديق حبش، حين رأى أنّ تيهان الصوت اسمه اسكندر حبش، وأنّ الظلّ اسمه اسكندر حبش، وأنّ العتمة اسمها اسكندر حبش، وأنّ الرماد اسمه اسكندر حبش، وأنّ الثلج اسمه اسكندر حبش، وأنّ صمت الصوت اسمه اسكندر حبش؟ ومن أنا لأقول إنّي رأيت، في ما يرى الرائي، أنّ التيه حلم الدرب، وأنّ الظلّ ابن الشمس، وأنّ العتمة سرير العشق، وأنّ الرماد لحاف الجمر، وأنّ الثلج رحم البراعم، وأنّ صمت الصوت غناء الأبد؟

أمّا لطخة الحبر على الإصبع فهي البصمة الفارقة بين الكائن والإنسان! وبهذا الحبر الأسود يجترح الشاعر أعجوبةَ رسْمِ الصباح!


ماري القصيفي تحاور ماري القصيفي حول روايتها الجديدة "للجبل عندنا خمسة فصول" - (3 والأخير)

 أطفال محاصرون في دير القمر 1983 (من مجموعة الطبيبة السويسريّة Josiane Andre)

1-       بالعودة إلى روايتك الأخيرة، ألا ترين أنّها تبدو كنتاج عائليّ تجعل القارئ يضعها في خانة السيرة الذاتيّة؟
أنتِ طبعًا تشيرين إلى أنّ مصمّم الغلاف هو شقيقي مارون، وإلى أنّني أهديت الكتاب إلى شقيقي موريس، وأنّ الرجل العجوز المنشورة صورته على الغلاف الأخير هو جدّي. كلّ ذلك صحيح طبعًا، وأضيف أنّ اسم مي الريحاني الذي أعطيته لإحدى بطلَتَي الرواية هو اسمي المستعار الذي وقّعت به نصوصي الأولى. لا شكّ في أنّ الرواية تحمل الكثير من مشاهد حياتي، لكن فيها حيوات كثيرة لأشخاص آخرين. علمًا أنّ الأنا في الرواية لا تعود هي الأنا الواقعيّة. وهذا أمر طالما دفعني للتساؤل عن صحّة ما أقرأه في السيَر الذاتيّة، لا بمعنى أنّ الكاتب يكذب، بل بمعنى أنّه يتخيّل ما حدث أكثر من أنّه يسرد أو يروي ما حدث. ولأجيب على الشقّ العائليّ في السؤال، أقول بأنّ العائلة كلّها فعلًا معنيّة بهذه الرواية بالتحديد، في كوننا شهودًا على ما فعلته حرب الجبل بنا كلّنا، وتحديدًا بوالدتي التي لا تزال حتّى الآن تحرم نفسها من مأكولات كان والدها يحبّ تناولها، كأنّ شيئًا منها قُتل معه، أمام كنيسة سيّدة البشارة.

2-       ما هي مشاريعك الكتابيّة الجديدة؟
أدرس جملة مشاريع قبل أن أقرّر أيّ واحد منها يصدر قبل غيره. هناك كتاب عن التربية والتعليم، وثانٍ عن الأغنية الرحبانيّة، وثالث هو كناية عن مجموعة شذرات شعريّة، ورابع رواية.

3-       من تحبّين أن تشبهي من الروائيّين والروائيّات؟
لا أحبّ أن أشبه إلّا نفسي، وأجتهد ألّا أكون نسخة عن أحد. لكنّي أتمنّى أن أتفوّق على يوسف حبشي الأشقر أو على الأقلّ أن تكون كتبي إلى جانب كتبه.

4-       إلى من تميلين في السياسة؟
عندي جواب واحد على هذا السؤال: أنا مع السياسيّ الذي يوازي راتبه راتبي، ويقيم في بيت كبيتي، ويتناول طعامًا كالذي أتناوله، وترتدي امرأته ثيابًا من حيث أشتري ثيابي. بعيدًا عن ذلك لست مع أحد، بل ضدّ الجميع.

5-   هل تخشين أن تعرّضك رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" لمتاعب ومشكلات لأنّها تطرح مسائل حسّاسة؟
الجهل دائمًا مخيف، لكنّ أهل العقل لا يخيفون، لأنّهم يحسنون القراءة.

6-       كيف تريدين أن ننهي هذا اللقاء؟

بدعوة القرّاء إلى قراءة روايتي الجديدة بتأنّ، وألّا يحكموا عليها قبل الصفحة الأخيرة، وألّا يحصروا اهتمامهم بموضوعها الحسّاس، على أهميّته طبعًا، بل أن ينتبهوا إلى التقنيّة الروائيّة. فأنا في النهاية لست مؤرّخة ولا صحافيّة تقوم بتحقيق ميدانيّ. 

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

ماري القصيفي تحاور ماري القصيفي حول روايتها الجديدة "للجبل عندنا خمسة فصول" - (2)

خلال توقيع رواية "للجبل عندنا خمسة فصول"
1-  في الانتقال إلى مسألة شكل الكتاب، هل تولين الغلاف والإخراج اهتمامًا؟
ليت كان في إمكاني أن أحقّق رغبتي في الاهتمام بهاتين الناحيتين الجماليتيّن. فالغلاف هو العتبة والإخراج هو باب الدخول. وغالبًا ما ردّدت إنّ الكتب تبقى على رفوف المكتبات، فلتكن على الأقلّ جميلة الشكل، تسرّ الناظر إليها. لكنّ كلفة ذلك تقف مانعًا دون تحقيق رغبتي المرفّهة كما يحلو لبعض أصدقائي أن يسمّيها، فللناشر حساباته أيضًا، ولولا أنّني كنت مدلّلة عند ناشرَي الصديقين جورج فغالي (دار مختارات) وأنطوان سعد (دار سائر المشرق)، لما أُتيح لي أن أمارس تجاربي الإخراجيّة. من دون أن أنسى أنّ مزاجي الشخصيّ تدخّل مباشرة في الكتب الثلاثة الأخيرة، فطلبت من شقيقي مارون أن يصمّم غلافَي الروايتين: كلّ الحقّ ع فرنسا وللجبل عندنا خمسة فصول، ومن الصديق يوسف شهيد الدويهي أن يصمّم غلاف كتابي الشعريّ: أحببتك فصرت الرسولة، وأن يخرجه.

2-  كيف هي علاقتك مع دور النشر؟
كما سبق وقلت الآن، تعاملت حتّى الآن مع أصدقاء، شعرت معهم بأنّني مع عائلتي، وبالتالي، كلا الناشرين وضع الناحية الماديّة جانبًا وترك لي جنون التجريب والتخريب، إن صحّ التعبير. فلولا ثقة دار مختارات بلغتي وأفكاري لما كنت انطلقت، ولولا ثقتي بدار سائر المشرق لما كنت نشرت روايتي الأولى فيها، وهي دار ناشئة، بدأت بكتب خاصّة بصاحبها الإعلاميّ والكاتب أنطوان سعد. وبصراحة، لم أسعَ ولن أسعى لعرض مخطوطاتي على أيّ دار نشر أخرى قد تضع لي شروطًا تحدّ من جنوني. على كلّ حال لم تحاول أيّ دار نشر أن تتّصل بي، ربّما لأنّهم يعرفون إنّي أبتعد عن الإعلام وأعالج مسائل لبنانيّة حسّاسة "ما بتبيع" في الدول العربيّة... وحين تقفل أبواب الدُور أمامي يبقى عندي مدوّنتي وصفحات التواصل الاجتماعيّ وشبكة الإنترنت في مختلف فروعها، ففي الحالات كلّها، لا أعتقد أنّ جنوننا الأدبيّ وصل إلى حدّ أن ننتظر ربحًا ماديًّا من كتبنا.

3- لماذا ترفضين الإعلام مع أنّ إطلالتك لا بأس بها؟
شكرًا لك على الإطراء، لكنّي لا أرفض الإعلام في المطلق، أنا مع الصحف والمجلّات الورقيّة والإلكترونيّة أوّلًا لأنّها تمثّل الإعلام المكتوب وتحترم الكلمة. تأتي في المرتبة الثانية وسائل الإعلام المسموعة لأنّها أيضًا تولي الكلمة والصوت أهميّة، ولأنّ أكثر من يقدّمون برامج ثقافيّة عبر الراديو يفهمون عمّا يتحدّثون، ويحترمون ضيوفهم. أمّا التلفزيون فكارثة ثقافيّة بكلّ ما للتعبير من معنى، ولن أكون جزءًا من صورته، مهما كلّفني الأمر... وعلى فكرة الكلفة، فالإطلالة التلفزيونيّة عبء ماديّ على النساء تحديدًا، ولا أعتقد أنّ بيع الكتب يؤمّن ثمن الماكياج وتسريحة الشعر والملابس التي لا يمكن الظهور بها أكثر من مرّة... "وما في شي بيستاهل"...

4- هل راودتك فكرة الكتابة للتفلزيون؟
أبدًا! لا جلد لي على شروط الرقابة والممنوعات ومراعاة المخرج والممثّلين وإلى ما ذلك... فأنا إن أحببت الكتابة فلأنّها تعطيني حريّتي وتطلق يديّ، فلماذا أسعى إلى القيود بإرادتي... للتلفزيون كتّابه، فلماذا أتعدّى على مصلحة سواي وأنا لا أفهم فيها. ولكن إن أراد أحد أن ينقل أعمالي إلى الشاشة – وهذا ما لا أتوقّعه - فسيكون لكلّ حادث حديث.

5- من الواضح أنّك لست بارعة في العلاقات العامّة، إن سمحتِ لي بقول ذلك، فأنت في البداية رفضت حفلات التوقيع!
ولست بارعة في العلاقات الخاصّة كذلك! أمّا عن حفلات التوقيع، فمعك حقّ! لقد رفضتها وما زلت أرفضها، لكنّ دور النشر ليست مؤسّسات خيريّة، وتريد أن تبيع الكتاب وهذا حقّها. أمّا من جهتي فلا أوزّع بطاقات دعوة أو رسائل هاتفيّة، ولا أتّصل بأحد، ولا أستغلّ صداقاتي مع الصحف لتغطية هذه الحفلات. أكتفي بوضع خبر على الفيسبوك والمدوّنة، وأصمت. وشكرًا لكلّ من يعرف بالصدفة ويحضر. فلقد اكتشفت من خلال تجربتي الأولى في التوقيع أنّ القارئ الجديّ يتابع أخباري ويبحث عن كتبي، والآخرون نوعان: أقرباء وأصدقاء يحضرون "كرامة عيون" أهلي وإخوتي وإتمامًا لواجب اجتماعيّ، أو زملاء أدباء وشعراء يعاملونني بالمثل، فإن حضرت حفلاتهم ردّوا الزيارة وإلّا عاقبوني بالتجاهل. وهنا أحبّ أن أذكّر بأنّني لأسباب صحيّة لا أستطيع المشاركة في جميع الحفلات، لأنّ الوقوف الطويل يتعبني. وكي لا أميّز بين زميل وآخر، أمرّ على المعارض وأشتري الكتب وأمضي. لكن مع الأسف يبدو أنّ كثيرين لا يقدّرون أنّني أنشر الدعوات إلى تواقيع كتبهم على الفيسبوك، وأكتب عنها حين أجد الوقت قراءة تقديريّة ولو عابرة... على كلّ حال، أحبّ أن أعزّي نفسي بأنّ الكتب أجمل من أصحابها، وأنا منهم.

(يتبع)

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

ماري القصيفي تحاور ماري القصيفي حول روايتها الجديدة "للجبل عندنا خمسة فصول" - (1)

 حرب الجبل اللبنانيّ 1983 - (من مجموعة صور الطبيبة السويسريّة Josiane Andre)

إذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فرواياتي يكتبها المهزومون (ماري القصيفي)
***

1- بلا مقدّمات، لماذا هذا الحوار الآن؟ ولماذا اخترتِ أن يكون معي؟
  يأتي الحوار الآن في مناسبة صدور روايتي "للجبل عندنا خمسة فصول"، لدى دار سائر المشرق. أمّا لماذا أنتِ فلأنّكِ طلبت الحوار معي قبل سواك، ولأنّني قد أقول لك ما لا أقوله لغيرك.

2- لماذا؟
لأنّك تجيدين استفزازي واستخراج الكلمات منّي. وهذا أمر يثير حماستي ويحرّك حسّ المشاكسة عندي.

3- ما هو الفصل الخامس للجبل؟
هو فصل الجنون والحرب. كأنّ الجبل جعل هذا الفصل المخيف ثابتًا في تسلسل أيّامه وأشهره، حتّى صار من المتوقّع أن تعود الصراعات، وتنفجر المشكلات، ويتقاتل الناس لأتفه سبب... طبعًا أتمنّى ألّا يحدث ذلك.

4- ألا تخشين أن تتّهمي بإثارة النزاعات الطائفيّة؟
وهل انتهت النزاعات الطائفيّة كي أثيرها؟ وهل ما نحن فيه سلام وعدل وأمن وبحبوحة؟ ثمّ إنّ اتّهامي بأنّني بالكتابة أنكأ الجراح يعني أنّ الناس يشترون الروايات ويقرأون ويتفاعلون مع ما يقرأون... وهذا كلّه محض خيال لا يمتّ للواقع بصلة. لا أحد يقرأ وبالتالي لن يسبّب كتابي مشكلة ما لم يتبرّع أحدهم بتنبيه الناس إلى أنّني كتبت رواية عن حرب الجبل... وسأكون والناشر شاكرَين إن تكرّم أحد وفعل ذلك.

5- لماذا الرواية إذًا؟ ولمن تكتبين؟
قلت مرارًا إنّني أكتب لأغيّر ذاتي لا لأغيّر الآخرين، ولأعالج جراحي لا جراح سواي، ولأنقّي ذاكرتي لا لأصلح المجتمع... فلو كانت الكتب تفعل ذلك لكانت الكتب المقدّسة فعلت ذلك مذ وجدت. وهذه الرواية بالذات كتبتها بغضب وحبّ كبيرين: غضب سببه غباء المسيحيّين والدروز وما فعلوه بأنفسهم، وحبّ للجبل الذي ما كنت أراه إلّا صورة لبنان الجميل. وكنت طيلة الأعوام الثلاثين الماضية أقدم على الكتابة ثمّ أتراجع لأنّني خفت من مواجهة هذين الغضب والحبّ. وحين بدأت الكتابة في شتاء 2012، صودف أن اتصل بي صديق عزيز هو جورج غندور، وكان تلميذي قديمًا، وسألني عمّا أكتبه بعد رواية "كلّ الحقّ ع فرنسا"، فأجبته بأنّني بدأت برواية عن حرب الجبل. وهنا كانت المفاجأة إذ تبيّن أنّه يتّصل بي من سويسرا حيث يعمل، ليخبرني بأنّه يعرف طبيبة سويسريّة اسمها جوزيان أندريه، كانت شاهدة على ما جرى في حرب الجبل، ولقد كتبت رسائل ومذكّرات عن تلك المرحلة. وهي بدورها عرّفته على شابّ من بحمدون اسمه أنطوني خيرالله، نجا من المجزرة لأنّه كان في مخيّم للأولاد في منطقة كسروان. لكنّ والديه وأشقّاءه الثلاثة قُتلوا حين سقطت البلدة وتهجّر أهل الجبل. فصارت يوميّات الطبيبة وحكاية أنطوني الحزينة جزءًا أساسيًّا من الرواية، من دون أن تكون هي الرواية. 

6- هل تعتبرين أنّك كتبت رواية تاريخيّة؟
أنا أرى إنّ الرواية هي التاريخ الصحيح، لأنّها تحكي سِيَر الناس والأمكنة في أزمنة مختلفة. وفي غياب كتاب تاريخ موحّد لحروبنا لإنّ الناحية العلميّة الموضوعيّة غائبة، ولأنّ التاريخ يحتاج إلى منتصر يكتبه، وحروبنا الصغيرة، بحسب مارون بغدادي، تنتهي دائمًا بصيغة لا غالب ولا مغلوب، إذًا، في غياب كلّ ذلك كتبت رواية تستمدّ من تاريخ حرب الجبل مادّتها، لكنّها لا تخضع لأحكام كتابة التاريخ، من حيث الحياد والموضوعيّة واللغة العلميّة والحقائق الثابتة. وإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فرواياتي يكتبها المهزومون. 

7- هل هي سيرة ذاتيّة؟
في كلّ كتابة بعضٌ من ذات الكاتب. لذلك، هناك جوانب كثيرة من سِيرتي ولكن بقراءة شاملة، وكجزء صغير اسمه "أنا" من كلٍّ كبير اسمه "الوطن". ولكنّ هذه "الأنا" لا تشبهني تمامًا، فكأنّني اخترعت "أنا" أخرى، كما اخترعتُ الآن "ماري القصيفي" أخرى لأجري معها هذا الحوار. 


(يتبع)

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

"أنا الموقّع أدناه محمود درويش" بحضور إيفانا مرشليان، ليلة ميلاد 1991!



    عند انتهائك من قراءة كتاب "أنا الموقّع أدناه" ستحبّ محمود درويش أكثر... لكنّك ستكره إيفانا مرشليان!
     فمحمود درويش في هذه الأوراق التي كتبها بخطّ يده، يؤكّد لك، يا قارئه الرصين، أنّه الشاعر الجميل والأنيق، كما أرتك إيّاه قصائده وصوره والمقابلات معه؛ وأنّه الشاعر العارف الرائي كما يُفترض بالشاعر أن يكون؛ وأنّه الشاعر الحاضر ذهنًا وقلبًا، كما تتمنّى أن يكون سواه من الشعراء. ولأجل ذلك، ولكثير غيره، ستحبّ محمود درويش أكثر لأنّه بقي هو، وستحزن أكثر لأنّه لم يبقَ بعدُ أكثر... وستغضب لأنّ الموت صديق الشِعر وعدوّ الشعراء...
لكنّك حتمًا ستكره إيفانا- الرهيبة كما كان يسمّيها مشاكسًا - لأنّ درويش جلس "معها" في بيته، وتنزّه "معها" في شوارع باريس الليليّة، حيث بحث "لها" عن زرّ معطفها، وكتب "لها" الأجوبة بخطّ يده، وأعدّ "لها" القهوة...

     تكرهها؟ قد يكون الأصحّ أنّك تغار منها... لكنّك، وأنت تمرّ بعينيك على كلماته، ستشكرها لأنّها أكّدت لك، وهي تسرد قصّة لقائهما الصحافيّ، بلغة لا ادّعاء فيها ولا تصنّع، أنّك لم تحبب هذا الشاعر إلّا لأنّه شاعر... يعرف من يأتمن على توصياته أواخر شتاء 2007، حين قال لصديقته الرهيبة: "لقد تركتُ لديك أوراقًا أحببتها فعلًا وأنا أكتبها... تعرفين أنّني خصّصت لها أكثر من أمسية لإنجازها فهل تقدّرين جهودي وتحتفظين بها لقرّائي في مكان آمن؟".

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

مسرحيّة "فرنجي برنجي" عمل متكامل أوّل لجورج تابت


مسرحيّة "فرنجي برنجي" عمل متكامل أوّل لجورج تابت
ماري القصيفي

    أترك لسواي من النقّاد الخبراء أن يدرسوا الموسيقى والرقص والغناء والأداء التمثيليّ والديكور والأزياء، في مسرحيّة "فرنجي برنجي" لجورج تابت، تأليفًا وإخراجًا وبصمةً واضحة على كلّ عنصر من عناصر هذا العمل الفنيّ الراقي. فلغة النصّ هي التي يعنيني التوقّف عندها، لأنّ فيها يصبّ الكاتب والمخرج ما اختمر في ذائقته الأدبيّة والفنيّة من عصارة المسرح الغنائيّ اللبنانيّ، وخصوصًا الرحبانيّ منه.
    بدأ جورج تابت ممارسةَ هوسه بالمسرح بعرض أعمال الأخوين رحباني، مع فريق من الهواة من بلدة بعبدا. وكان واضحًا أنّ المخرج الشابّ متشبّع من هذا الفنّ، وغارق فيه حتّى الثمالة، عالمًا بخفاياه الفكريّة، عارفًا بهواجسه الإنسانيّة، مطّلعًا على خفايا الإبداع فيه، وعمّا جعله قبلة النخبة ومقصد العامّة. لذلك، وبعدما أعاد إخراج مسرحيّات مثل صحّ النوم، والمحطّة،.. وجد أنّ الوقت أزف كي يُخرج إلى العلن باكورته المسرحيّة وهو واثقٌ من أنّ التأثّر بالرحابنة ليس عيبًا، ومحاذرٌ في الوقت نفسه ألّا يكون مجرّد صدى عابر لأعمال عاصي ومنصور، من دون أن يتناسى وديع الصافي وصباح، فيخصّهما بلفتة جميلة. لقد أراد تابت أن يرفع التحيّة للذين كوّنوا ذائقته الفنيّة فنجح، ولو أتيحت له الإمكانات الماديّة الكافية لكان، منذ العمل الأوّل، علامة فارقة جديدة في مسيرة المسرح الغنائيّ، تسعد قلوب الرحابنة ووليد غلميّة وروميو لحّود.
   "فرنجي برنجي" تحكي قصّة ضيعة اسمها "كفرجمع"، تمثّل لبنان الحالم بـ"جمع" أبنائه حوله. وفي ساحة هذه القرية، مقهى شعبيّ تصبّ الأخبار عند صاحبته "سوسان"، وبين أبنائها قصص عشق معلّقة، ومختار، ولعب طاولة، ودبكة، وشجارات نسائيّة لا يُعرف لها سبب منطقيّ... أي في اختصار هي قرية نموذجيّة، تشبه القرى أينما كان. ولكن حين تصل مجموعة من الشبّان والصبايا من المدينة للتخييم قرب المكان، يكتشف أهل القرية أنّ زمنهم كان معلّقًا على مشجب الماضي، وأنّ الحداثة تريد نفض الغبار عن ثوبٍ عتق طرازه، وحياة تجمّدت في صقيع الرتابة واجترار الحياة.
    لا شيء جديدًا إذًا في معالجة الأزمة الناشئة عن علاقة المدينة بالقرية، أو الحداثة بالتراث، أو تأثير الحياة العصريّة الماديّة على الحبّ... لا شيء جديدًا لولا اللغة التي بدا واضحًا أنّ الكاتب سكب عليها الاهتمام لتكون نواة العمل. فجاء الحوار طبيعيًّا غير مفتعل، وأتت الأغنيات التي كتبها باتريك المستحي، جزءًا لا يتجزّأ من نسيج العمل المسرحيّ، لا دخيلة عليه ولا ملصقة به بشكل مجّانيّ. فلغة جورج تابت سلسة، شعريّة، ذكيّة، ساخرة؛ لا ثرثرة فيها ولا حشو ولا مبالغة. تحمل رسائل اجتماعيّة وثقافيّة هادفة بلا وعظ أو إرشاد، وتصل إلى الفكر والقلب معًا، فتطال مختلف الفئات العمريّة، إذ يختلط فيها الجدّ بالمزاح، وتذوب الدمعة في عبّ الابتسامة، وترتسم الشخصيّات (وإن تقليديّة) على حيطان الذاكرة، كأنّها تحيي وتحيّي وجوهًا وأسماء عرفناها وانطبعت في وجداننا (المختار، صاحبة القهوة، ديبة التي يذكّرنا اسمها النادر بالفنّانة سهام شمّاس في مسرحيّة الليل والقنديل للأخوين رحباني، مرعي وابراهيم اللذان يعيدان إلى الأذهان سبع ومخّول، وراجي وحاتم، ووديع الصافي ونصري شمس الدين في سجالهما الغنائيّ).
    تسخر المسرحيّة من الوحدة الوطنيّة، فيقول "مرعي" في وصفه الضيعة: "ولك ما خلص بيكفي تقلّها لبنان ع صغير ت تعرف قدّيش نحنا متّفقين". وتغمز من قناة اللبنانيّ الذي لا يحترم إشارات السير، فيقول "ابراهيم": " مرّة قعدت جلسة صفا أنا وحماري وقلتلّو ولك يا ابني شو قصّتك ما بتوقف مش شايف الإشارة حمرا؟ المحتال جوابو تحت باطو، قلّلي شو بدّك إمشي ع النظام ويقولوا عنّي حمار؟". ولا ينسى جورج تابت أهميّة العائلة حين يدعو إلى عدم تدخّل الأهل في تقرير مصائر أولادهم، أو جعلهم نسخة عنهم، من دون أن يهملوا تربيتهم في طبيعة الحال، وهو موضوع أغنيتين لافتتين في المسرحيّة، يقول مطلع إحداها: ولادك نسخة عن شجرة/ ما بتغشّك الثمرة/ شو بتكتب ع وراق البيت/ بكتابك بدّك تقرا... ويقول مطلع الثانية: فيك توّرت لعيالك رزق وأرض وأموالك/ لكن بالمرّة ما فيك تورّت لولادك حالك... ولعلّ أغنية النهاية تنفح المسك في ختام المصالحة القرويّة/ الوطنيّة حين يصدح عبدو ياغي بصوته الشجيّ: عيش وما تخلّي مبارح/ يزعل ويجافي بكرا/ ولا تخلّي العمر السارح/ يتحوّل كمشة ذكرى/ ما الإيّام ملفوفين/ خيط ع بكرة السنين/ مين قلّك جايي بكرا/ وما بيخلص خيط البكرة؟
   من السهل أن يجد الناقد ثغرات في عمل، هو الأوّل لمؤلّفه ومخرجه، وأكثر المشاركين فيه هواة (كنت أتمنّى مثلًا ألّا يكون اسم المسرحيّة فرنجي برنجي). لكن حين تصل نقاط القوّة في النصّ وكلمات الأغنيات والإخراج والموسيقى وأداء بعض الممثّلين والديكور والملابس إلى مستوى راقٍ ولافت، بل مفاجئ في كثير من المشاهد، حين يحصل ذلك، تغيب الأخطاء تحت ستار اللفتة الساخرة الذكيّة، وتختفي الهفوات خلف كواليس الهواية البكر، ويغفر الشغف لجورج تابت وفرقته المسرحيّة زلّات فنيّة ترافق الخطوة الأولى التي أتت متكاملة وإن غير كاملة.
    الفرنجي، أي الأجنبيّ، برنجي وهي كلمة تركيّة تعني "ممتاز" بحسب تحليل أنيس فريحة، في معجم الألفاظ العاميّة. وفي الجمع بين الفرنجة والأتراك والفرس وغيرهم، تكاد الهويّة اللبنانيّة أن تضيع. فهل يكون، في تشجيع هذا النوع من الأعمال المسرحيّة الغنائيّة الواعدة، ما يطمئننا إلى أنّ الوطنيّ هو الممتاز؟ 
***
* يُعرض العمل على مسرح أنطوان شويري - الحكمة - الجديدة
***

الفنّان عبدو ياغي في دور المختار مع جورج تابت كاتب العمل ومخرجه في دور ابراهيم
يقول عبدو ياغي في مقابلة أجريت معه عن رأيه في العمل مع هواة: أنا الهاوي وهم المحترفون


العمل أنيق، يولي الجماليّة اهتمامًا كبيرًا، فبدا كلّ مشهد لوحة منسجمة الألوان 

مزج التقليد والحداثة في مشهد واحد للدلالة - وإن بمبالغة وسخرية مقصودتين - إنّ التعايش بين القديم والجديد ممكن 

أبناء المدينة الآتون لإقامة مخيّم صيفيّ في القرية يتعلّمون الدبكة

مايا الأسمر القصيفي في دور "سوسان" صاحبة المقهى
فيها ملامح من الشخصيّات المسرحيّة لفيروز وسلوى القطريب



نيللي معتوق في دور مرجانة المرأة الثرثارة. وهو في رأيي طغى على أعمالها التلفزيونيّة
ولفتة ذكيّة أن تُكون حاملًا لأنّ النصّ المسرحيّ يعالج دورها كأمّ "تعمل في الشأن العام" أي نقل أخبار الناس

ابراهيم يحاول أن يدخل عصر الحداثة (السترة المودرن فوق الشروال)
ويرقص مع "لولا" الفتاة التي أحبّها ابن المختار


ريتا جبر في دور ديبة (إلى يمين الصورة) وأنطوانيت نخلة في دور سعدى (إلى اليسار)
موهبتان فذّتان في الأداء المسرحيّ، يصعب أن يصدّق المشاهد أنّهما هاويتان غير محترفتين.


سعدى وابراهيم اللذان شاخا قبل أن يكوّن العريس نفسه ليتزوّج من حبيبته

تعابير الوجه لم تؤخذ كثيرًا بجديّة في الأعمال المسرحيّة الغنائيّة، على عكس ما نراه هنا

يوسف ابن المختار ولولا ابنة المدينة، عاشقان جمعهما الزمان ويكاد المكان أن يفرّقهما
(رودي قليعاني وريتا متري)


مختار قرية "كفرجمع" فيه ملامح من وديع الصافي ونصري شمس الدين... بصوت فريد من نوعه

رالف معتوق في دور مارك: من التلفزيون إلى المسرح
موهبة تجمع بين العفويّة والدراسة، وتنتظر الدور الذي يطلق قدراتها


إيلي صوايا: صوت يفرض قوّته وبراعته بلا ادّعاء 

الابن الذي يحاول التوفيق بين والديه

ابراهيم ومرعي: قُطبا العمل المشدود بين الأداء التمثيليّ للأوّل والأداء الغنائيّ للثاني
(جورج تابت وإيلي وإيلي صوايا)


الجيل الجديد حين يخربط رتابة الحياة عند الجيل القديم

إدارة الممثّلين ممتازة، لا يغيب تفصيل عن عين المخرج
كأن لا وجود لكومبارس على المسرح
بل الجميع عناصر فاعلة وحاضرة




لوحات الرقص لافتة وجميلة



بطاقة العمل الفنيّة:

التأليف والإخراج: جورج تابت
الشِعر: باتريك المستحي
الموسيقى: نادر خوري
التوزيع الموسيقيّ: جورج مرعب
الكوريغرافيا وتصميم الرقص: ساسين فهد
مساعد المخرج: رودي قليعاني
تصميم الديكور: طوني خلف
تصميم الملابس: كمال الدين سردوك

فرقة Mozaic
سارين أنطونيوس
جويل حدّاد
راكيل بردويل
سارة شدياق
باتريسيا ملّاط
ميريم قصيفي

جول طبنجي
إيلي كميد
باتريك طبنجي
جورج أنطونيوس

فرقة Magma Group
جيمي قزّي
ماريان صوايا
بياتريس حكيّم
لوتشيانا قزّي
ميريم شامي

بلال أسعد
خضر زبيدي
سرجيو ترك

الجمعة، 22 نوفمبر 2013

وطنٌ مصادَر

الوطن ليس قالب حلوى

وطنٌ مصادَر

     كان يا ما كان، وليس من قديم الزمان، رجلٌ يقيم في وطنٍ الأرز واللُبان.
     صدّق الرجل حكاية العنزة التي يحسدها الناس على مرقدها في جبل لبنان، فعمل طيلة حياته كي يكون له بناء يورثه من بعده للأبناء. وفي انتظار أن يكبر الأولاد، ولكي يكون له ما يساعده على تعليمهم وتربيتهم على حبّ الأرض، عرض شقق بنائه للإيجار. وهكذا امتلأ البناء بالجيران.
    مرّت الأيّام، ونشبت الحرب، وانهار الاقتصاد، وانخفضت قيمة الليرة. فصار مجموع الإيجارات لا يشتري دواءً لارتفاع ضغط الدم، في شرايين رجل، يرى إلى بناء عمّره بعرق الجبين، فصار إرثًا لمستأجرين، يتركه الوالد منهم للأولاد والأحفاد.
     هاجر أولاد الرجل بعدما عجزوا عن إقناع المستأجرين بإخلاء الشقق، وبعدما يئسوا من تحديث القوانين التي تظلم مالكي الأبنية. وماتت الزوجة من لوعتها على تعب العمر وغياب الأبناء، فبقي الرجلُ وحيدًا، مجروحًا في شعوره الوطنيّ، ناقمًا على وضعه المعيشيّ، مقهورًا لمجرّد التفكير في أنّ عليه أن ينتظر راتبه الشهريّ من أولاده المغتربين.
    وفي أحد الأيّام، قرّر مستأجرو الشقق في البناء القديم الجميل، أن يوظّفوا ناطورًا جديدًا يهتمّ بصيانة البناء، وتنظيف الدرج والمصعد، وترتيب الحديقة، وتأمين الماء للخزّانات، وحمل عشرات الأغراض والأكياس من سيّارات السيّدات إلى شققهنّ. فتقدّم صاحب المبنى طالبًا الوظيفة.
     شعرت لجنة أصحاب الشقق بالتردّد في بادئ الأمر، لأنّ الرجل عجوز، وقد يقصّر في أداء وظيفته. لكنّ سيّدة من اللجنة، تتميّز بقدرتها على الجمع بين الحكمة والحماسة للأعمال الإنسانيّة، ارتأت أن يوظّفوا الرجل. وشرحت فكرتها الذكيّة وهي تبتسم: من حسنات الأمر أنّ الرجل يقيم في بيته، وبالتالي لن يحتاج إلى بيت الناطور، فيضع فيه أولادنا وأحفادنا درّاجاتهم. وهو، فضلًا عن ذلك، يعرف مشكلات المبنى، وخفايا إمداداته الكهربائيّة والمائيّة وأنابيب الصرف الصحيّ فيه. ثمّ لا تنسوا أنّه عجوز لبنانيّ ويحتاج إلى مبلغ الثلاثمئة دولار، وهو أحقّ بها من نازح غريب، أو أجنبيّ أفريقيّ أو آسيويّ!
     أبدى سائر أعضاء اللجنة إعجابهم بالفكرة الرائعة، وفي بال كلّ منهم صورة صاحب المبنى وهو يتحوّل موظّفًا عندهم. وأجمعوا على ضرورة أن يذكروه بهديّتين على الأقلّ في عيدَي الميلاد والفصح. وأن يهبوه ثيابهم القديمة، وألّا ينسوا تنبيه خادماتهم إلى أن يرسلوا إليه صحن طعام.
     وهكذا، صار المالك، الذي كان سعيدًا، ناطورًا لبنائه، بقرار من مستأجرين يتذرّعون بالقانون القديم، فلا يخلون الشقق ولا يقبلون بقانون جديد يعيد المُلك لصاحب الملك.
     ألا تشبه حكاية هذا البناء لبنان الذي احتلّه الغرباء وسمحوا لنا – حتّى الآن – بأن نكون مجرّد نواطير عليه، في انتظار قرار دوليّ جديد، يحيلنا إلى التقاعد؟