الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 29 أبريل 2012

أضواء خافتة 3 - النهار - السبت 29 أيلول 2001




أضواء خافتة 3
السبت 29 أيلول 2001


1
فيروز ونصري شمس الدين
في مسرحيّة "يعيش يعيش" للأخوين رحباني (1971)، يهرب الإمبراطور بعد الانقلاب عليه، ويحلق لحيته، ويتخلّى عن ملابس تفضح هويّته، ويختبئ في دكّان على الحدود الفاصلة بين دولتين. وهناك يلتقي براغبين في الانقلاب على الانقلاب (وكانت الانقلابات آنذاك موضة في العالم العربيّ)، فيختاره هؤلاء، وهم لا يعرفون هويّته، قائدًا للانقلاب الجديد. وجه آخر وثياب جديدة وناس يصدّقون كلّ ما تقوله وسائل الإعلام: هذا كلّ ما يحتاج إليه من يرغب في إرجاع صورته إلى الإطار الذي خرجت منه، وهذا كلّه متوافر.
وللمناسبة، لا بأس من الإشارة إلى مشهد من الفيلم الأميركيّ "بيرل هاربر" الذي يعرض على شاشاتنا، وخلاصته أنّ الدولة الأميركيّة التي أرادت أن تردّ على الاعتداء اليابانيّ على جنودها في بيرل هاربر، أنشأت فرقة عسكريّة لترسلها في مهمّة شبه انتحاريّة قد لا يعود أحد منها. وفُرضت على هذه الفرقة العزلة التامّة ومُنع أفرادها من الاتّصال بأيّ كان، وأخضعوا لتدريب مكثّف وسريّ كي يكون نجاح المهمّة مضمونًا إلى الحدّ الأقصى.
وللتذكير فقط: وعلى ذمّة التحقيق، أستطاعت مجموعة كبيرة موزّعة على عدد من البلدان أن تكتم سرًّا وأن تمارس حياتها اليوميّة على نحو لا يثير الريبة، وذلك لوقت طويل قبل أن تنفّذ عمليّاتها في نيويورك وواشنطن (9 أيلول 2001). فأيّ "الفيلمين" نصدّق؟
***
2
في المتجر الكبير، الكبير جدًّا، حاولت السيّدة أن تجد ما يلائم جسمها الممتلئ، ولكنّ الملابس التي أرضت ذوقها الرفيع لم تلائم الجسد المتروك لرغباته وأهوائه. وبعد محاولات فاشلة أمام البائعة المرهقة من الوقوف والجري لإرضاء نزوات الزبائن، نظرت السيّدة السمينة إلى البائعة النحيلة وقالت لها: نيّالك! تركضين طوال النهار فلا تزدادين وزنًا، وتعودين إلى البيت مرهقة وقد فقدت الشهيّة للأكل، أمّا أنا، الله وكيلك، فالدعوات إلى العشاء ترهقني والمأكولات كلّها دسمة، وسهر وشرب طوال الليل ونوم طوال النهار فلا أجد وقتًا للممارسة الرياضة فأزداد وزنًا، والملابس التي تعجبني لا تناسب جسمي. عن جدّ نيّالك!
وعن جدّ، هنيئًا لنا.

***

3
فوجئ الأستاذ الجامعيّ حين اكتشف أنّ طلّاب الماجستير في كليّة الآداب، قسم اللغة الفرنسيّة، لم يسمعوا بتولستوي، ولم يوحِ لهم اسمه شيئًا. وفوجئ المسؤول عن اللغة العربيّة في إحدى المدارس بأنّ بعض مدرّسي اللغة لا يعرفون من هو فؤاد كنعان الذي سمعوا باسمه عرضًا لدى نعيه واكتشفوا أنّه يكتب قصصًا. وفوجئت المسؤولة عن المكتبة في إحدى المدارس بأنّ مجلّة أدبيّة تناولت موضوعًا سياسيًّا، ومنعت تداولها بين الطلّاب إذ ما علاقة الأدب بالسياسة! وفوجئ الطلّاب الجامعيّون حين اكتشفوا أنّ أستاذهم وهو أديب معروف لم يزر بعد المطعم الذي افتتح قبل يومين، ولأنّه تأخّر عن القيام بذلك فلن يستطيع أن يعوّض خسارته لأنّ مطاعم أخرى ستفتتح تلاعًا ولن يجد الوقت لملاحقة مواعيدها.
لا أعرف لماذا يظنّ كثر أنّ الحياة في لبنان رتيبة الإيقاع ومملّة، فالمفاجآت لا تنقطع، والدهشة التي تعيدنا أطفالًا في منتهى البراءة – والجهل – موجودة في كلّ حدث أكان ثقافيًّا أو سياسيًّا أو حياتيًّا أو اجتماعيًّا. فماذا نريد أكثر؟
***

4
Mathias Stomer
نحن نكتب ونحن نقرأ.
هذا ليس شعار حملة دعائيّة، ولا هو موضوع فخر أو مباهاة، بل هو تصوير واقعيّ لما يحصل مع الذين يكتبون وينشرون في الصحف والمجلّات تحديدًا، ومع الذين يجرؤون على نشر كتب لا تجد من يشتريها طوعًا. فهؤلاء هم الذين يكتبون وهم الذين يقرأون: يتّصل أحدهم بالآخر مهنّئًا، أو يعلّق على نصّ ما منتقدًا أو مصوّبًا أو مصحّحًا، أو يتّهمه بسرقة فكرة سمعها منه عرضًا، ولكن كلّ ذلك يبقى ضمن جدران البيت الواحد، ونادرًا ما يدخل عنصر مفاجئ على هذه الحلقة شبه المغلقة.
ولعلّ الصفحات الداخليّة، الثقافيّة والتربويّة تحديدًا، هي الأكثر بعدًا من حيث الجغرافيا عن وسائل نقل القرّاء الذين يجدون صعوبة في الوصول إليها، إمّا بسبب الوقت، أو بسبب الاهتمام بالشؤون السياسيّة المحليّة والعالميّة. لذا ليس من العجب أن يطلب بعض الناس، الذين هم من خارج البيت الصحافيّ، من الصحافيّين أصدقائهم، قولوا لنا متى تكتبون حتّى نشتري الجريدة.
***
5
رينيه حايك
رواية رينيه حايك الأخيرة "بلاد الثلوج" (المركز الثقافيّ العربيّ – 2001) تذكّر برواية إملي نصرالله "الإقلاع عكس الزمن"، لا لأنّ الروايتين متشابهتان فهما ليستا كذلك بل لأنّ البطلين، أحدهما شابّ والآخر عجوز، يقومان برحلتني مختلفتي الاتّجاه: الأوّل من كندا إلى لبنان، والثاني من لبنان إلى كندا، الأوّل نحو والديه وأهله والوطن الذي صار غريبًا، والثاني نحو أولاده والغربة التي اختاروها وطنًا. ثمّ يعود الأوّل إلى كندا بحثًا عن الحياة، بينما يعود الثاني إلى لبنان ليموت. تتقاطع تفاصيل الروايتين مع الحرب والعلاقات العائليّة والعادات والتقاليد المتجذّرة، ولكنّهما، متكاملتين،  تعبّران عن نظرتين مختلفتين إلى الهجرة، وتطرحان اكثر من علامة استفهام حول مفهوم الوطن.

السبت، 28 أبريل 2012

المقيم فيّ (النصّ العاشر من كتابي رسائل العبور - 2005)


Emile Vernon
1919 - 1872

خرج الرجل من تحت جلدي في ما يشبه الولادة المتعسّرة: في ألم وأمل!
ولكن حين امتلك هذا الكائن خصوصيّته، علمت أنّ الحبّ وحده لن يكفي للتعامل معه. بل تحتاج العلاقة إلى كثير من الحكمة والحريّة والمسافة، والقسوة أحيانًا. وعرفت، من دون أن أعرف كيف، أنّ ذاك الذي أسميته العابر احترامًا لكينونته وقدره هو المقيم المقيم. وهو الذي أدركت وجوده قبل أن يوجد. وهو الذي يجب أن أستعدّ دائمًا لمزاجيّة تحوّلاته.
ولعلّ أكثر ما يزعجني في مثل هذه التحوّلات عجزه عن الكلام حين تكون هذه اللغة هي الوحيدة المتاحة. ليس الكلام في المعنى الحرفيّ للكلمة، فنحن قد نثرثر لساعات، متناولَين تفاصيل اليوم، ومتبادلَين أحداث النهار وبدايات الليل، كلّ في مكان عمله، مع الطارئين على الحياة أو الثابتين فيها. ولكن ما أقصده هو الكلام النابع من الداخل والمعبّر عن مشاعر أو أفكار أو حاجات حميمة. كأنّما المر يحتاج إلى مزيد من الثقة بالآخر الذي هو أنا، أنا التي تشعر مرّات كثيرة أنّها الدخيلة الغريبة البعيدة المؤقّتة الهامشيّة العابرة. وهذا ما أتأكّد منه كلّما أصابه الندم بعد كلمة عميقة تفلت منه، أو عندما يطلق تعليقًا يزيل الحجب عن مكامن القلق فيه، أو عندما ينقل خبرًا كان من الأفضل ألّا يشير إليه، مع أنّ هذا الخبر يكون في أكثر الأحيان بسيطًا، عاديًّا، طبيعيًّا، متوقّعًا ومعروفًا. يصيبني عندئذ حزن غريب عمره آلاف السنين وأشعر بأنّي صغيرة وعاجزة ووحيدة، فتنكسر الأشياء والأصوات، ويغرق العالم في صمت ما قبل الصلب.
ومع ذلك فلا أعتقد أنّ هناك من هو أكثر وحدة من صديقي، هذا الذي يحبّ أن يصوّر نفسه وكأنّه أكثر الرجال شعبيّة، وقدرة على التواصل، وموهبة في التعاطي بالشأن العامّ، وذو براعة اجتماعيّة تخوّله الانسجام مع أصعب أنواع الناس.
وهذا كلّه صحيح، فلا أعتقد أنّ ساعات النهار والليل تكفي لينهي واجباته العائليّة، أو ليلبّي الدعوات الاجتماعيّة، أو ليشارك في المتاح أمامه من نشاطات فكريّة وثقافيّة. ولكنّ ذلك كلّه لم يقنعني بأنّه ليس إنسانًا وحيدًا وحزينًا. ألا يمكن أن يكون الأمر كلّه مجرّد رغبة منّي في أن أراه هكذا، كي أجد حاجة ماسّة إلى وجودي في حياة ممتلئة أساسًا بناس كثر، حتّى أنّي أتساءل إن كان غيابي أو حضوري سيشكّلان فرقًا.
منذ زمن بعيد وأنا اشعر بأنّ ثمّة رجلًا يقيم تحت جلدي ولا يشبه رجلًا آخر. وعندما التقيت صديقي وجهًا لوجه وأحببته كما هو، اكتشفت أنّه يشبه الرجل الذي أحبّ أن أكونه.

الجمعة، 27 أبريل 2012

أضواء خافتة 2 (النهار - السبت 15 أيلول 2001)


Lucia Sommavilla


1

    في رواية الكاتب المصريّ بهاء طاهر "شرق النخيل" (دار الآداب 2001)، مشهد لرجال البوليس يرفعون العصيّ ويلاحقون مجموعة من الطلّاب. وهو مشهد يتكرّر في أيّ عمل أدبيّ يعالج علاقة السلطة بالطلّاب تحديدًا وبالشارع عامّة. فدراسة اللغة التي استعملها توفيق يوسف عوّاد مثلًا في رواية "طواحين بيروت"، أو لغة أنسي الحاج في مقالاته عن التظاهرات الطلّابيّة في باريس وفي بيروت، أو لغة عصام محفوظ في "مشاهدات ناقد عربيّ في باريس"، وسواها من الأعمال التي عالجت مسألة الحركات الطلّابيّة، بل أيضًا دراسة اللغة التي يصف بها التلاميذ المعتقلون ما تعرّضوا له (ملحق النهار – 13 أيّار 2000) تظهر بلا شكّ مزيجًا من الغضب والرفض والحذر والشكّ. ولا نظنّ أنّ هذه المشاعر التي يحملها الطلّاب موجّهة إلى السلطة فقط ولكن الانقسامات بين الطلّاب أنفسهم، والأخطاء التي يرتكبونها عند المطالبة بحقوقهم المشروعة تجعل الغضب من بعض شعاراتهم مشروعًا، والحذر من بعض الأسماء بينهم مطلوبًا، والشكّ في بعض طروحاتهم مسموحًا. ومع ذلك نشير إلى أنّ العودة إلى هذه الكتابات الروائيّة والمقالات الصحافيّة تعكس حضورًا طاغيًا للضمير الغائب في الحديث عن رجال السلطة. "هم" فعلوا و"هم" قالوا و"هم" ضربوا، فكيف يمكن معالجة مشكلة ما إذا كان الضمير الغائب هو السبب في حصولها؟

2

    "حكاية حبّ" رواية جديدة للأديب السعوديّ غازي عبد الرحمن القصيبي (دار الساقي 2001). نلاحظ أنّ ثمّة شخصيّات لا يفاجئنا ظهورها على مسرح الأحداث في روايات القصيبي: الطبيب النفسيّ، رجل الدين، الأستاذ الجامعيّ (ظهر ما يشبهها تحديدًا في رواية ٧ وفي رواية أبو شلّاخ البرمائيّ). صحيح أنّها هنا ليست الشخصيّات الرئيسة ولا يُنظر إليها في طريقة ساخرة، ولا تُصوّر في أسلوب كاريكتوريّ مبالغ فيه، ولكنّها تبدو الإطار الذي تتحرّك ضمنه الشخصيّات الأكثر أهميّة. فعندما تكثر الأسئلة على بطل الرواية يلجأ إلى إحدى تلك الشخصيّات لعلّه يجد لديها الأجوبة. فبين المشكلات النفسيّة والمعضلات الدينيّة والأسئلة الفكريّة يبدو أنّ الإنسان المدينيّ المعاصر يحتاج في شدّة إلى هذا المثلّث الذي يُخشى أن يتحوّل إلى مثلّث برمودا يضيع فيه المرء وهو يحاول أن يفكّ ألغازه.

3
Nicolai Gogol 1852  - 1809

    في صالون مزيّن الشعر تجلس سيّدة تحمل كلبًا اسمه غوغول (اسم أديب روسيّ) وإلى جانبها حقيبتان من مصنوعات الأرتيزانا، واحدة فيها ألعاب مختلفة الأحجام والألوان تلهي بها الكلب حين يضجر من الانتظار وينزعج من ثرثرة النساء االأخريات فتهدّئ أعصابه بها وهي تخاطبه بكلّ حنان، والثانية فيها بعض الأدوية والمقويّات وقنينة مياه معدنيّة وأخرى للعصير، وهي طبعًا للكلب الذي يرتدي صديريّة مطرّزة من صنع الأرتيزانا أيضًا، وفي إحدى قائمتيه سلسلة ذهبيّة. اعتذرت السيّدة الشابّة من "مقلّمة الأظافر" لأنّها استدعتها على عجل من منزلها، ثمّ سألتها إن كانت ألهتها عن عمل مهمّ كانت تقوم به، فأجابت الأمّ العاملة بأنّها كانت تدرّس ابنها استعدادًا للامتحان. فضحكت الزبونة الشابّة التي تترك طفلتها المولودة حديثًا مع المربّية الأجنبيّة ولا تصطحبها معها إلى أيّ مكان لأنّ الكلب يغار، وعلّقت على كلام "المانيكوريست": ظننت أنّني أخّرتك عن عمل مهمّ. ثمّ تابعت ناصحة: لا تجبري ابنك على الدرس، أنا كنت الأخيرة في الصفّ ولم يؤثّر ذلك عليّ في شيء، وزوجي كان أكسل تلميذ في المدرسة وانظري أين صار.
أمّا السيّدة الشابّة التي كانت تجلس في طرف الصالون منتظرة دورها فنظرت إلى الشابّة التي كانت تلميذتها منذ أعوام وتساءلت ما الذي قد يكتبه ريمون جبارة لو كان موجودًا أمام هذا المشهد.

4
دريد لحّام في فيلم "زوجتي من الهيبز"
إخراج عاطف سالم 1973

    عندما كنت أستمع إلى دريد لحّام وهو يعلّق على الأخبار الإقليميّة والعالميّة في البرنامج الذي يقدّمه على شاشة "إم بي سي" وعنوانه "على مسؤوليّتي"، فوجئت بالمشاهدين الحاضرين في الاستديو يغرقون في الضحك ويسرعون إلى التصفيق ما أن ينهي الفنّان المقدّم تعليقه على خبر أو حدث يفترض أن يثيرا الحزن والبكاء والخجل. إنّ هذا النموذج من الجماهير العربيّة يعبّر في وضوح عن إصرار الناس على عدم الإصغاء إلى ما يقال، بل إنّهم يضحكون ويصفّقون لما يتوقّعون أن يقال، وهذا الكلام المتوقّع لا بدّ أن يكون مضحكًا متى صدر عن فنّان أضحكهم مرارًا، ومن غير المعقول في رأيهم أن يقول كلامًا جديًّا. فيكفي أن يظهر فنّان كدريد لحّام أو عادل إمام على المسرح أو شاشة السينما حتّى يفترض المشاهدون أنّه يرغب في إسعادهم وإضحاكهم، وعليهم أن يسبقوه إلى التفاعل الصاخب قبل أن يتكلّم أو يؤدّي دوره. لقد عانى الفنّان شوشو من هذه المشكلة التي اشتكى منها حديثًا الفنّان زياد الرحباني في الحلقة الأخيرة من برنامج "حوار العمر". تبيّن لزياد أنّ الجماهير لا تسمع ما يُقال بل تسمع ما تتوهّم أنّه قيل، ولذلك فعندما يضحك الناس على كلمات زياد الرحباني "غير المفهومة" كما يقولون، لا يعرفون في الحقيقة أنّ ما يقوله لن يرضي الشريحة الكبرى منهم، وسيزعج من تبقّى. لذا فإنّ ندمه على الإكثار من ظهروه الإعلاميّ، الذي لم يؤدِّ في رأيه إلى الغاية منه، مبرّر ومفهوم.
    في مسرحيّة "صيف 840" لمنصور الرحباني يقهقه الناس عندما تقول الابنة (هدى) لوالدها (أنطوان كرباج): شو بحبّك يا بيّي وإنت مهزوم. يبدو أنّ الناس صاروا يقهقهون أمام الهزائم والخسائر ولم يعد يعنيهم لا أن يقرأوا ولا أن يسمعوا.

الخميس، 26 أبريل 2012

رجل وامرأة ومدينة مخادعة (النصّ السابع من كتابي رسائل العبور - 2005)


جان بيرو - 1892


    في شوارع المدينة المخادعة، توزّعت أجزاء الصورة المركّبة لرجل وامرأة اتّفقا على أن يلتقيا بعد غياب.
    بدت المدينة البحريّة في تلك الساعة كامرأة في منتصف العمر، ترتدي ما خفّ من الملابس البيتيّة المريحة، وتجلس أمام منزلها في انتظار نسمة هواء منعشة تطرد الحرّ والرطوبة العالقين بجلدها المترهّل. كان الجوّ خانقًا بالفعل، وشعر كلّ من الرجل والمرأة بأنّ ثمّة نقصًا مخيفًا في الهواء، ولذلك وجدا صعوبة في اختيار المكان الذي سيجلسان فيه: ففي الداخل المبرَّد بمكيّفات الهواء تراصّت الطاولات وتلاحم الناس على نحو يثير الأعصاب، وفي الخارج حيث يستطيع النظر أن يتسلّل إلى الواجهة البحريّة بين تراصّ الأبنية هواءٌ دبق لا يسمح بالتنفّس.

    هكذا كانت علاقتهما التي لا مكان لها!

    في المدينة البحريّة المقيمة في الرطوبة والالتباس التقيا ليكتشفا أنّ ما بينهما يشبه ما يريانه.
    كانا ينظران إلى ما حولهما ويريان التنوّع في كلّ شيء. التنوّع الذي يميل إلى التناقض والتنافر: تناولا الطعام الأجنبيّ في المطعم الإيطاليّ وتنشّقا رائحة الشواء من مطعم لبنانيّ قريب، محلّات تجاريّة ذات بضائع مختلفة المصادر، محلّات تراثيّة فيها بائعات شبه عاريات، مساجد ضخمة وكنائس فخمة تتجاور ولا تتحاور، واجهات جميلة يقبع خلفها الفراغ أو الدمار في انتظار ثريّ يحوّلها نسخة مشوّهة عن أحلام طفولته، سيّاح من مختلف اللهجات والانتماءات والمستويات، روائح الأجساد المتصبّبة عرقًا تختلط بنكهات الطعام الغريبة، كلّ ذلك في مدينة هوّيتُها اللاوضوح!

    هكذا بدت لهما تلك العلاقة التي لا هويّة لها!

    جلس إلى يمينهما في المطعم شابان لبنانيّان يتكلّمان بالفرنسيّة عن فتاتين ستنضمّان إليهما لاحقًا، وإلى شمالهما رجل خليجيّ مطلّق يريد الزواج من المرأة المصريّة التي يراها للمرّة الأولى وهي ترغب في الزواج... من أيّ رجل. بدا حديث الجهة اليمنى صاخبًا ومسيطرًا، في حين كان حديث الجهة اليسرى خافتًا وخجولًا إلى حدّ ما إنّما أكثر إثارة للانتباه. ولذلك تقاسم الجالسان إلى الطاولة الوسطى أحاديث الجيران وراح كلّ منهما يقتطف جزءًا ويرويه للآخر معلّقًا عليه في جديّة حينًا وفي سخرية حينًا آخر، في حين لم يولهما الآخرون اهتمامًا يُذكر.
كانا يعلمان أنّ الآخرين مشغولون بما لديهم ولن ينتبه أحد منهم إليهما. في حين أنّها لا يملكان حاليًّا إلّا قصص الآخرين بكلّ تفاصيلها السخيفة.

    هذا ما صارت عليه علاقتهما التي لا اسم لها.

    في المدينة البحريّة المخادعة لا يمكن أن تكون للعلاقات أسماء واضحة وهويّات معروفة. فحين نرى صبيّين في بداية المراهقة يمشيان متمهّلين ويمسك الواحد منهما بيد الآخر في حنان واستسلام نستطيع أن نحزر فورًا أنّهما لن يجدا لهما مكانًا إلّا في هذه المدينة التي أدارت ظهرها للبحر، وأغلقت الأبواب على نفسها كي لا ترى الأفق، وحوّلت شوارعها متاهات وطردت أبناءها وفتحت ذراعيها للعابرين، ونفهم لماذا يقصدها هؤلاء الذين يرفضون كلّ انتماء أو ارتباط أو تعلّق أو التزام، بل يعبر فيها العابرون، فلا هي تحفظ وجوههم أو تدّعي الإخلاص لهم ولا هم يدينون لها بغير المال الذي يدفعونه من أجل لذّة التواجد فيها معها، كأيّ لقاء بين رجل وبغيّ.
    في ذلك النهار القائظ لم يفكّر الرجل والمرأة في كلّ ذلك، فهما لم يكونا يريدان إلّا نسمة هواء منعشة تطرد الحرّ والرطوبة العالقَين بجلد علاقتهما المترهّل قبل الأوان.

الأربعاء، 25 أبريل 2012

في المقهى الإسبانيّ (النصّ الأربعون من كتابي رسائل العبور – 2005)


( 1974 - 1897) Holy Miloslav


في المقهى الإسبانيّ
حديقة صغيرة ذات أشجار عتيقة
رجل مؤتمن على الأسرار
امرأة أندلسيّة الملامح
هرّة لعوب
عازف نحيل
رسّام عجوز.

في المقهى الإسبانيّ
تتمايل الأجساد ولا ترقص
تتجاور الأيدي ولا تتلامس
تثرثر الألسن ولا تتكلّم
وتطارد الهرّة ذنبها
وتلاحق العيون حركات الهرّة.

في المطعم الإسبانيّ
طاولات قديمة
ومقاعد كالتي يحبّها جدّها
هرمة كصاحبة المقهى
وبلا هويّة مثلها.

في المطعم الإسبانيّ
كانت حاضرة
وكان غائبًا
كعادتهما في كلّ لقاء.

الثلاثاء، 24 أبريل 2012

فعل الوجود (النصّ السابع والعشرون من كتابي رسائل العبور – 2005)

بول غيراغوسيان (1926 - 1993)


     لا أظنّ أنّ صديقي يعرف ماذا يعني أن يصبح وجوده جوهر الكتابة!
     صحيح أنّ الكتابة لا تستثني موضوعًا أو وجهًا أو قضيّة، ولكنّي أشعر بأنّه، هو شخصيًّا، لم ينتبه بعد إلى ما يعنيه البحث عن كلمات، تصف حالةً هي الموضوع والوجه والقضيّة في الوقت نفسه.
     يخيّل إليّ أحيانًا أنّه يعتبر الأمر كلّه مجرّد لعبة نلهو بها قبل أن نشعر بالضجر والنعاس، أو مباراة يريد كلّ واحد منّا أن يثبت مهارته في التفوّق خلالها على منافسه. بل أظنّ أنّه يميل إلى الإيمان بأنّ الكتابة عنه أمر عاديّ يحصل كلّ يوم ومع كلّ الناس، أو حقّ مشروع من حقوقه الطبيعيّة، ولا يجوز أن ينظر إليها إلّا نت هذه الزاوية.    
     لذلك أكاد أقتنع أنّ صديقي الذي لا تأسره الأمكنة، وخاصّة تلك التي هي فوق صفحات الصحف والكتب، لا يتوقّف كثيرًا عند قضيّة البحث عن نعوت أو أفعال أو تشابيه تليق به.
     حين تجتاحني الرغبة في الكتابة عنه أفهم ما ذا يعني فعل الاجتياح، وأكتشف المشاعر المتناقضة التي ترافق الرغبة، وأراقب كيف تتحوّل الكتابة فعل وجود وقضيّة حياة.
    وحين أنظر إليه، وأراه كوجه في لوحة لبول غيراغوسيان بخطوطها السود المنتصبة الحادّة التي توحي ولا تفضح، تعلن ولا تشهر، تقول ولا تثرثر، أبحث عن اللغة التي يجب عليها أن تحوّل الرسم كلمات.
     لكنّني أكتشف فجأة الناحية الأخرى من شخصيّته. وعند ذاك أسمع أنين الكلمات المعاتبة الحزينة تسألني: لماذا كان عليه أن يشوّه اللوحة ويحطّم الصورة؟ وكيف يستطيع الرجل الذي تحلم الكتابة بالكتابة عنه أن يتحوّل إلى نقيضه؟

الاثنين، 23 أبريل 2012

قبل أن يضيق المكان (النصّ الحادي والخمسون من كتابي رسائل العبور - 2005)


Robert Wayt Smith


أشياء كثيرة كنت أريد أن أقولها لك ولم أفعل.
كنت أريد أن أكتب إليك عن السأم حين لا تكون موجودًا
وعن الحزن الذي يلفّني حين تغيب
وعن الغضب الذي يجلدني بسياطه لحظة تبتعد.
كنت أريد أن أخبرك عن مشاوير لم نقم بها،
عن عري جسدينا الخجول على شاطئ ممتلئ عراة لا يقيمون وزنًا لأجسادهم الثقيلة،
عن الصمت الذي يرافق نزهاتنا في فيء أشجار لا عمر لها،
عن أشخاص لم نلتقِ بهم بعد.
كنت أريد أن أتحدّث عن أصدقائك الذين لا يجمع بينهم إلّا العلاقة بك، وكيف تتنوّع شخصيّاتهم وكيف تسهل معرفة دواخلهم، وكيف أنّهم لا يشبهونك في شيء.
كنت أريد أن أكتب إليك الكلمات التي لم أكتبها لأحد، لكنّ خيبة الأمل سبقتني ومحت ما لم يُكتب بعد.
كنت أريد أن أكتب إليك عن الأفلام والكتب والإعلانات، وعن المسارح الغائبة، وعن التلفزيون المهيمن، وعن السفر والضجر، وعن الصور والأغنيات.
غير أنّ المكان بدأ يضيق والوقت بدأ ينفد. وبات عليّ أن أكتب إليك، أنت قارئي الأوّل، الكلمات الأخيرة:
نحن في عصر وبلد لا تغيّر فيهما الكلمات شيئًا، ولا تحدث فرقًا، ولا ترفع اسمًا، ولا تحطّم آخر.
نحن في عصر وبلد، يغيب فيهما الكاتب عن أذهان قرّائه بأسرع من لمح البرق ومرور النيازك، ثمّ يموت وحيدًا وفقيرًا في المستشفى الحكوميّ.
نحن في عصر وبلد لا يجد فيهما أقرب أصدقائك الوقت كي يشتري الجريدة ويقرأ ما تكتبه، ولا يشتري زملاؤك كتابك إلّا إذا أجبرتهم على ذلك بدعوتهم إلى حفلة توقيع تجاريّة.
نحن في عصر وبلد راتب الخادمة فيهما أعلى من راتب صحافيّة أمضت أكثر من عشرين سنة في العمل.
نحن في عصر وبلد يُجري فيهما أحدهم مقابلة معك مع أنّه لا يعرف عنك شيئًا، ولم يقرأ كتبك، ولم يطّلع على زاويتك الأسبوعيّة في الجريدة.
نحن في عصر وبلد تقول فيهما المؤسّسة الصحافيّة لكاتب فيها: عليك أنت أن تشكرنا وتدفع لنا لأنّنا ننشر ما تكتبه.
نحن في عصر وبلد تتساوى فيهما الكتابة الأدبيّة مع الشعارات الهوجاء التي يشوّه بها صبيان الأزقّة الحيطان، ويقدّر الناس عرق الراقصة في الملهى ويشمئزّون من عرق العامل في المعمل.
نحن في عصر وبلد يُطلب فيهما منّا الثرثرة في المقاهي وإقامة العلاقة العامّة والخاصّة لا الصمت والتفكير.
نحن في عصر وبلد اقتحم العهر فيهما الأمكنة واحتلّ الأفكار، وتسلّل إلى التربية والسياسة والفنّ والثقافة وأماكن العبادة، وصار ينظّم شؤون حياتنا ويقود تجمّعاتنا ويرسم خطط مستقبلنا.
نحن في عصر وبلد ينشر فيهما الكتّاب صورهم على الغلف لأنّها أجمل من كلماتهم.
ومع ذلك، وفي هذين العصر والبلد، كان ثمّة مكان لنا، نلتقي فيه ونمارس الحريّة والكلام والعشق والفراق والأحلام.
وفي هذا المكان تحديدًا، المكشوف للعلن والسريّ الحميم في الوقت نفسه، النهاريّ النشر والليليّ الكتابة والقراءة، كنت أكتب إليك وعنك ومن أجلك وبسببك. ولم يغيّر في الأمر شيئًا أنّك أحيانًا القارئ الناقد المشاكس، وأنّك مرّات العابر المجهول الغريب، وأنّك غالبًا الرجل الجميل الصديق، وأنّك دائمًا الحبيب الشاعر العارف.
لماذا أكتب هذا الآن؟
ربّما لأنّ ما يجري في هذا العصر وفي هذا البلد يجعلنا نكتب كلّ مرّة كأنّنا نكتب للمرّة الأخيرة.
(2005)

الأحد، 22 أبريل 2012

22 نيسان اليوم العالميّ للأرض

كيف تبقى الأرض أرضًا و"التغريد" الذي كان للعصفور على الشجرة صار لهيفا على "تويتر"؟



22 نيسان اليوم العالميّ للأرض

التي يؤمن كلّ عربيّ بأنّها تدور حول زعيمه


22 نيسان اليوم العالميّ للأرض 

والأرض اللي بتتكلّم عربي


تمتنع عن المشاركة في العيد... حدادًا


22 نيسان اليوم العالميّ للأرض التي خسرناها ونحن نتقاتل على السماء

منطقة عمّيق

22 نيسان اليوم العالميّ للأرض

كيف يحتفل به الشعب العربيّ يللي مسحوا فيه الأرض؟




22 نيسان اليوم العالميّ للأرض 

نخّوا بوسوا الأرض إنّو بعد في عنّا كم كمشة تراب صاروا فعلًا أغلى من الذهب

الجمعة، 20 أبريل 2012

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (6)


طوم هانكس في فيلم "فوريست غامب"

الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(6)


     تخبرنا "نهى" عن شابّ غريب الأطوار في بلدتها، يجلس تحت شجرة أمام منزله، يراقب المارّة على دروب البلدة، ولا يفارق مجلسه ما دام النهار نهارًا والطقس يصلح للجلوس خارجًا. وتقول إنّ ذلك الشابّ حرّم عليها المرور على الطريق حين وقع عليها اختياره لتكون ضحيّة غرابة أطواره. لقد بدات القصّة يوم ناداها فالتفتت إليه لتفاجأ بسيل من الشتائم والسباب ينهال عليها، واتّهامات متلاحقة في حقّ أخلاقها وسلوكها لأنّها تردّ على الصبيان وتنظر إلى كلّ من يناديها. وأحرجت "نهى" حين انفجر مجتمع القرية بالضحك. وفي اليوم التالي اضطرّت الفتاة إلى المرور أمام المنزل إيّاه ولم تلتفت إلى المجنون حين ناداها، ومع ذلك لم تسلم من لسانه إذ بدأ يسخر منها وينادي الناس ليروا تلك الفتاة "المهذّبة الآدميّة". ومنذ ذلك اليوم، صارت قصّة "نهى والمجنون" على كلّ شفة ولسان.
     وفي مجموعة "أحداث وأحاديث من لبنان" لـلحد خاطر، الجزء الثاني، تنقلنا قصّة "مجنون قزحيّا"، إلى قرية لبنانيّة لم تعرف بين سكّانها مجنونًا قبل أسعد يوسف أسعد المعروف بالخال. كان ذا أطوار مستغربة وميول شاذّة، يثور ويغضب لأسباب تافهة، فيمزّق ثيابه ويرمي من حوله بكلّ ما تطاله يداه. ولكي يزداد الطين بلّة، أحبّ أسعد فتاة اسمها "ثليجة" وأراد الزواج منها، فرفض أهلها لعلّة أسعد في أعصابه، فازداد هيجان الشابّ. وشاءت الظروف أن تموت "ثليجة" إثر وباء ضرب القرية فاشتدّ أسعد جنونًا على جنون، وهام على وجهه مشعّث الشعر، حافي القدمين، ممزّق الثياب، فاضطرّ شبّان القرية إلى الإمساك به وجرّه بالقوّة إلى منزله حيث قيّدوه "واهتزّت القرية لجنون "الخال" لأنّها لم ترَ مجنونًا بين أهلها منذ عهد بعيد، وهبّوا جميعًا إلى بيت أبيه يؤاسونه في مصابه" (ص187). وبدأوا يتداولون في أسباب الجنون وطرق علاجه (قبل العصفوريّة ومستشفى الصليب وقتذاك)، فقال شيخ منهم إنّه سمع ممّن سبقه إنّ الجنون سببه إبليس، يدخل في جسم المرء بسماح من الله على إثر تفوهه بلعنة أو سباب في دير أو في كنيسة أو على قبر أو مجرى ماء أو عتبة باب أو حارون موقد وذلك لأنّ الملائكة الصالحين يقومون على حراسة هذه الأمكنة. وقال آخر إنّ من أسباب الجنون المغاربة والبرّاجين وبصّاري البخت الذين يتلاعبون بعقول الناس، ووافقته امرأة قائلة إنّ هؤلاء يكتبون للناس خطوطًا سحريّة يرصدونها باسم ملوك الجانّ السبعة.
     وقرّر والد أسعد البحث عن طريقة لإنقاذ ولده، فلجأ أوّلًا إلى الحاج عبدالله الذي فتح له "مندلًا"، ثمّ طمأنه إلى شفاء ابنه بعدما نقل الشيطان من أسعد إلى دجاجة سوداء كان قد طلبها. ولكنّ أسعد بقي على حاله، فذهب والده إلى خوري الضيعة ليقيم الصلاة على نيّة شفاء الشابّ المريض. وأخيرًا، نقل أسعد إلى دير قزحيّا الذي لبث زمانًا مديدًا المستشفى الأوحد للمصابين بالأمراض العقليّة في لبنان. وتقول الحكاية إنّ أسعد تحسّنت حاله هناك، ولكنّه رفض مغادرة الدير وبقي خادمًا للرهبان حتّى وفاته.
داستن هوفمن في فيلم "رجل المطر"
     ويقول لحد خاطر في فصل بعنوان "الجنون فنون": إنّنا ننظر إلى المجنون ولسان حالنا يقول: يا له من مجنون! وينظر هو إلينا في غمرة جهادنا وأتعابنا وهمومنا فيضحك منّا ويقول عنّا: يا لهم من مجانين!
     أليس هذا قول مجنون ليلى، قيس الملوّح؟
     قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم /
                         ما لذّة العيش إلّا للمجانين
     ووافقه المتنبّي حين قال:
     ذو العقل يشقى في النعيم بعقله /
                      وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
     ولكن من يقنع تلك العروس السيّئة الحظّ بسعادة أولئك المجانين في عالمهم الخاصّ؟ والعروس هذه شابّة صغيرة راحت "خطيفة" مع رجل لم يمضِ على لقائها به سوى أسابيع. قبلت به لتهرب من عائلتها، فوقعت على رجل يريد اهله تزويجه في أسرع ما يمكن، من فتاة غريبة عن البلدة لأنّه خارج للتوّ من دير الصليب، ويريد أقاربه إزالة تهمة الجنون عنه بأيّ وسيلة. وتفجّر جنونه عنيفًا بعد زواجه بفترة، فما كان من العروس الهاربة من بيتها الأبويّ إلّا أن تهرب من جديد من منزلها الزوجيّ حاملة عجزها ووحدتها، وتاركة خلفها العجز والوحدة. (هذه الحكاية أوحت إليّ بقصّة "جولييت" في روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا").


العقل زينة
     يقول زياد الرحباني في برنامجه الإذاعيّ إنّ العقل زينة. ولكنّ البرنامج الذي يحمل هذا العنوان يمتلئ بمختلف أنواع الجنون: من الخاصّ إلى العامّ، ومن المحليّ إلى العالميّ. وكأنّه صورة تجمع كلّ المجانين، وحال تختصر كلّ الحالات. وزوّار الرئيس حبيب باشا السعد كانوا ينقلون عنه وهو على فراش المرض قوله: نشكر الله، منيح اللي مش أعظم! وحين يسألونه وما هو الأعظم من هذه الآلام والمعاناة كان يجيب: بعدو عقلي معي.
بين العقل والجنون لحظة. وبين التزيّن بالعقل والتعرّي منه مسافة يقطعها المرء بسرعة الضوء. وإذا كانوا قديمًا يفاجأون بوجود مجنون واحد، فمن العجب اليوم أن نجد عاقلًا واحدًا. ولعلّ أنواع الحبوب المهدّئة التي تباع في الصيدليّات بوصفة طبيّة ومن دون وصفة، تشير إلى الاستعداد النفسيّ عند الكثيرين للانتقال من مجرّد تعب أعصاب إلى جنون مطبق. وحين صارت حبّة المهدّئ هي جسر العبور والصديق الذي لا يغدر والحبيب الذي لا يخون والعائلة التي لا تتفكّك، حلّ البرد وعمّ الخوف.
     كانت كلّ غرابة عند الناس جنونًا، فما كانوا يعرفون الانهيار العصبيّ ولا التوتّر النفسيّ. الجنون هو العنوان العريض الذي يختصر كلّ المعاناة والأسئلة والقلق، وإذا تساهل المجتمع كان "الهبل" هو البديل، يلحقونه بعبارة: الله يستر، ما حدا بحطّ فوق راسو خيمة.
     إن هذا الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحالين هو الذي يجعل منهما وجهين لعملة واحدة يشتري بها الناس الأخبار لسهراتهم شتاء حول الموقد، وصيفًا تحت العريشة. ومع التلفزيون، أضافوا إليها حكايات "أخوت شانيه" و"أربع مجانين وبس" وشخصيّة ليلى كرم في مسلسل "السراب". ومع السينما شخصيّة "رجل المطر" التي أدّاها داستن هوفمن، وشخصيّة "فرويست غامب" التي أدّاها طوم هانكس... وعشرات غيرها.

ليلى كرم
     مش طبيعيّ، أهبل، مجدوب، مجنون، هبيله، مسطول، عطيله، متخلّف، أجدب، عالهلّة، سويعاتي، راننها... كلمات مجّانيّة يقرّر بها الناس مستوى القدرات الفكريّة عند آخرين. كلمات تقال أمام أحياء يُعاملون كأنّهم جثث موتى لا حياة فيها ولا كرامة لها. بل إن الموت يفرض هيبته، ويفرض لغته، فلا يقول الناس عن الميت، مهما كان تاريخ حياته حافلًا، إلّا الكلام اللائق لأنْ "صار الحكي على الموتى تقيل".
     ولكن من حسن حظّ هؤلاء المرسومين أسياد الغرابة والغربة أنّ الناس أنفسهم يعطون الشعراء والأطفال الكثير من هذه الصفات. ومن كان الشعر والطفولة معه، فمن عليه؟
(انتهى)