السبت، 4 ديسمبر 2021

الحبّ في زمن الميلاد (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)


يصل زمن الميلاد ويحضر معه الوقت:
الوقت الذي مضى:
حين كان الطفل ينتظر جدّه صاحبَ الحكايات والدروس والعِبر، حاملَ أكياس الزبيب وعلبة الدبس وكمشة التين المجفّف،
حين كان الطفلُ يغفو على وعود جدّه بعالم أفضل، بحياة أجمل، بالسفر والنجاح والحبّ والزواج والأولاد،
وحين كان الطفل يغرق في النوم قرب جدّه، كانت رائحةُ الرجل العجوز الحكيم ترافق أحلام الطفل وتهديه كنجمة الميلاد إلى حيث يولد العطاء وتشعّ الحكمة.
...
الوقت الذي وصل:
حين صار الطفل رجلاً يستعيد حكايات جدّه مع أوّل كانون ويحملها زادًا طوال السنة وهو يشعر بأنه ليس وحيدًا لأنّ رائحةَ جدّه معه،
وهو مع ذلك أكثر الناس وحدة في خضمّ الازدحام الذي يحيط به، ولا يجد غيرَ شجرة يخبرها عن طفولته ويتقاسم معها الزبيب والدبس والتين والحكايات. جدّه صار شجرة.
...
الوقت الذي يأتي:
محمّلاً بالخيبة يومًا، وبالأمل يومًا:
يريد الرجل أن يصير جدًّا على صورة جدّه ومثاله، ينتظر الأحفاد، يزيّن المنزل، يرتدي كنزته الحمراء، ينفض الغبار عن أسطوانات قديمة تدور على نفسها كالدراويش وتينو روسي يرنّم أغنيات الميلاد،
يحاول الرجل أن يكون جدّه: ولكن لا زبيب ولا دبس ولا تين،
يفهم الرجل أنّه صار عجوزًا، وأنّ الزمن مضى وأنّ الأحفادَ لا يعرفون الزبيب والدبس والتين. ويكتشف أنّ حكاية جدّه ستنتهي معه، لتبدأ حكايته هو.

***
يحضر زمن الميلاد ويحضر معه الحنين:
الحنين الذي له طعمُ الدمع:
تنظر الجدّة إلى أولادها وأحفادها وتسأل نفسها خائفة: هل سأكون معهم في الميلاد المقبل؟ تستعيد وجوه الغائبين وتفكّر: هل يحتفلون بالميلاد في السماء؟
وحين تتخيّل طفلتها، التي هناك، تفتح الهديّة، وزوجَها، الذي هناك، يحمل طفلته لتضع الملاك على رأس الشجرة، تطمئنّ إلى أنّ الذين هناك يجعلون السماء سماء
...
الحنين الذي له لون البحر:
تحضّر الأمّ مائدة العشاء وهي تضع الحقّ في احمرار عينيها على فرم البصل للتبّولة
تنظر إلى مريم ترنو إلى طفلها في مزود المغارة، وتسألها:
هل تعلمين أنّ ابني الصغير هناك خلف البحر ولن يكون معنا في ليلة العيد؟ هلّا جعلت أيّامه كلّها أعيادًا وجمعت شملنا في هذي البلاد من دون أن أخاف عليه من فقر أو يأس أو خطر! هلّا جعلت الدفء في فراشه والطعام على مائدته والفرح في عينيه!
...
الحنين الذي له رائحة الحطب المشتعل:
ترتعش نفس الفتاة وهي تستعيد صورة جدّها يرمي الحطب في الوجاق ويقلّب بأصابعه التي تحطّبَ جلدُها حبّاتِ الكستناء والبلّوط: الكستناء لها ولأخوتها، والبلّوط له ولجدّتها ووالديها الذين تعيدهم النكهة المرّة إلى زمن الفرح الطفوليّ حين كان العيد يكتفي بأبسط الأشياء

***
يحضر زمن الميلاد وتحضر معه السكينة:
السكينة التي تشيعها الأضواء الخافتة والموسيقى الهادئة فيشعر الإنسان التعب بأنّه وصل إلى حيث الراحة، والإنسان الحزين إلى حيث الفرح، والإنسان الوحيد إلى حيث اللقاء
هي السكينة التي لا صوت لها عاليًا، ولا ضجيج صاخبًا، ولا ألوان باهرة
هي السكينة التي تنبع من الداخل وتفيض على كلّ ما ومن حولنا
هي السكينة التي لا يعرفها إلّا الأطفال والعاشقون والممتلئون نعمة العطاء
هي السكينة التي تجعل المريضَ قابلاً آلامه لا مستسلمًا لها
والأسيرَ عارفًا قيوده لا مقيّدًا بها
والمسافرَ عابرًا المسافات لا تائهًا فيها
هي السكينة التي لا بدّ منها وإلّا
استحوذ علينا جنون هذا العالم
وشرّدتنا أهواؤه
وأقلقت أرواحَنا تغيّراتُ مناخه وأرضه وناسه وعناصره
هي السكينة التي تجعل
السماءَ في قلب مغارة
والابتسامةَ في قلب هديّة
والواحدَ منّا في قلب الآخر ولو على مسافات وأعمار
يحضر زمن الميلاد الذي لا بدّ منه كي نستطيع أن نتابع حياتنا بعده
ونحن نعرف أنّ ثمّة نجمةً تنتظر أن نرفع رؤوسَنا ونراها ونمشي على هديها

***
يحضر الميلاد وأنت تنأى في المسافة
تقودُك نجمتُك بعيدًا
وأبقى أنا عند المغارة
لأرافق الطفل على درب جلجلته.


الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

اسمه عيد الميلاد! صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل

شذّبوا أغصان الشجرة كي لا تخفي المغارة!
هل ينتهي مسيحيّو الشرق في كرة زجاجيّة؟

أين الطفل يسوع؟

أجمل زينة للعيد



ما نعيش في أجوائه وما نحن مقبلون على الاحتفال به في 25 كانون الأوّل ليس عطلاً سعيدة  happy holidays، وليس أعياداً (بالجملة) جميلة، وليس استراحة طويلة بعد الفصل الأوّل من العامّ الدراسيّ، وليس تمهيدًا لسهرة رأس السنة، وليس مناسبة لسلسلة من البرامج التفلفزيونيّة محورها الانتباه إلى الوزن الزائد خلال هذه المرحلة.
هو بكلّ بساطة عيد الميلاد، وبالتحديد عيد ميلاد السيّد المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمساويه في الجوهر. وما دام هذا التعريف هو ما تؤمن به الكنيسة الرسوليّة الجامعة حتّى الآن، فعلينا الاعتراف به واحترامه واستخدامه عند الإشارة إلى هذه المناسبة، سواء أكنّا مؤمنين أم ملحدين، ممارسين إيماننا عن اقتناع أم بالإرث والتقليد، مسلمين أم دروزًا أم مسيحيّين أم يهودًا، بوذيّين أم هندوسيّين أم من أتباع العِلم. ويصحّ الأمر نفسه على جميع المناسبات الدينيّة التي ارتأى أتباعها إعطاءها تسميات معيّنة هي من صلب عقائد المعنيّين بها سواء أعجبنا الأمر أم لا، آمنا به أم رفضناه. فعيد الميلاد هو عيد الميلاد، وعيد الأضحى هذا اسمه، وعيد الفطر لا تتغيّر هويّته بتغيّر من يأتي على ذكره، وصولاً إلى رأس السنة الصينيّة وسوى ذلك من الأعياد الدينيّة والمدنيّة.
تعرّض عيد الميلاد منذ بداية الاحتفال به لأكثر من محاولة لتشويه معناه، من المسيحيّين الذين لم يفهموا الجوهر الدينيّ للمناسبة، ومن غير المسيحيّين الذين يسيئون – عن جهل أو عن قصد – إلى رموزه وشعاراته وطقوسه. وإذا حصرنا الكلام في المرحلة المعاصرة، فنجد أنّ بابا نويل هو من الأخطار على الدين إن لم نضعه في خانة مساعدة الفقراء وتوزيع الفرح على الناس. ومن غير المسموح أن يصير هو بطل العيد ومحوره فيخفي بقامته الكبيرة وجسمه العريض وثيابه الدافئة ولحيته البيضاء طفل المزود الصغير العاري. ولذلك باءت بالفشل محاولات بعض الكهنة استبدال مقدّم الهدايا ذي الثياب الحمر بثلاثة من المجوس يوزّعون الهدايا على مثال الملوك الذين حملوا الهدايا للطفل يسوع. فالأطفال يولدون اليوم وفيهم جينات موروثة تعتبر بايا نويل من المسلّمات، كالتنفّس والجوع والعطش. وشجرة العيد خطر آخر إن صارت تتبع الموضة والألوان السائدة وآخر صيحات الأزياء والديكور، ومغارة العيد خطر ثالث إن كان ثمن أيّ تمثال من تماثيلها يوازي الحدّ الأدنى لعائلة في حاجة إلى دواء وماء وكهرباء.
ولا يخفى أنّ السينما الأميركيّة خطر دائم على هذه المناسبة، وتتحمّل صالات السينما وإدارات المحطات التلفزيونيّة الأرضيّة والفضائيّة المسؤوليّة الأخلاقيّة والأدبيّة والوطنيّة والقوميّة، حين تختار أفلاماً أو برامج تسخر من العيد أو تتلاعب بمفهومه الدينيّ أو تجعله إطاراً لقصص طريفة أو حكايات حبّ يحضر فيها الجميع ويغيب صاحب العيد.
أمّا الخطر الأكبر، فهو اللغة التي بقدر ما هي إنتاج الفكر تستطيع أن تكون المؤثّر في خلاياه والمتلاعب بما يدور فيه. فحين يُختصر الاسم بالإنكليزيّة ليصير  Xmas، مع ما يعنيه الحرف الأوّل الذي "يؤكّس" على المعنى الروحيّ ويلغيه، فذلك مؤشّر إلى عمليّة غسل دماغ تحاول حرفاً بعد حرف أن تمحو العيد من الوجدان الجماعيّ. وحين يصرّ مقدّمو البرامج ومذيعو التلفزيون، أيّاً تكن المحطّة ومهما كان انتماؤها، على التهنئة بموسم الأعياد من دون تحديد، فذلك يعني أنّ المحاولة تأخذ بعدًا آخر لطمس الهويّة وتمييع هدف الاحتفال. وهذا أمر فعلته إسرائيل حين خطّطت لإلغاء الوجود الفلسطينيّ من فلسطين، فمحت أسماء القرى والبلدات وغيّرت معالم الشوارع والطرق وهدمت ما يرتبط بذاكرة المكان، كعيون المياه وساحات القرى والجوامع والكنائس وأنواع الأشجار، كي لا يجد العائدون، ولا بدّ عائدون، ما يذكّرهم بحكايات آبائهم والأجداد.
ليس الوقت ملائمًا أبدًا للتذرّع بحجج إعلاميّة وإعلانيّة وانتماءات علمانيّة في وقت يبدو الخطر على مسيحيي الشرق أكيدًا وخطيرًا. ومن غير المسموح أن يكون الإعلام اللبنانيّ، بمختلف اتجاهاته ووسائل تعبيره، رأس الحربة في حرب تطاول أيّ دين من الأديان التي يتشكّل منها النسيج الاجتماعيّ في المشرق العربيّ عموماً واللبنانيّ خصوصاً، فكيف إن كان الأمر يتعلّق بالمسيحيّين الذين يتعرّضون لاعتداءت الأصوليّين؟ فإن كان الإعلاميّون والمعلنون يجهلون ما يفعلون فالأمر خطير على الثقافة واللغة والدين، وإن كانوا يعلمون ويفعلون فالأمر في غاية الخطورة على الكيان اللبنانيّ كما نتمنّاه: المتعدّد الحضارة بلا حساب للعدد، والمنفتح على كلّ العالم من دون أن يكون مشرّع الأبواب، والمتنوّع الثقافات من دون أن تكون النوعيّة فيه حصريّة.
*****
صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.