السبت، 2 مارس 2024

فوق حافّة الوجود (من كتابي نساء بلا أسماء 2008)


     كنت اثنتين. ولكنّ أحدًا لم يصدّق. وبقيت اثنتين حتّى اللحظة الأخيرة. ولم يقبل أحد، أصرّ الجميع على اعتباري أقلّ من واحدة.

    عندما اسودّت الدنيا في نظري، هذا ما سمعتم يقولونه في وصف حالتي، فهمت أنّّ الآخرين يرفضون أن يروا ما أرى، لذلك نقلوني إلى المصحّ، لعلّني أرى ما يرونه. لكنّ المكان الذي أُخذت إليه زادني اقتناعًا بأنّ الطريقة التي أتعامل بها مع الوضع هي الأكثر أمانًا والأكثر وعيًا. 

    وحين دخلت في الصمت الضبابيّ وجدت متعة في النظر إلى العالم والناس من خلال حجاب رقيق، خيوطه الدهشة المكبوتة والقبول القانع. ولكنّ أحدًا لم ير ذلك، كأنّ ما يقف بيني وبينهم يسمح لي بالرؤية من جهة واحدة، في حين كانوا يتخبّطون في سعيهم إلى الإدراك والتحليل بلا أدنى نجاح. 

    لذا لم بفهم أحد كيف انتقلت من الصراخ الأحمر إلى الصمت الأصفر. أنا نفسي لم أفهم كيف استطعت إقناعها بأنّي بتّ عاجزة عن تحمّل نوبات صراخها وانفعالها، وبأنّ خوفها من الليل، واختباءها تحت السرير حين تظنّ أنّ خطرًا يهدّدها لن يجديا نفعًا، بل إنّها تلهيني في الحقيقة عن أمور كثيرة يجب أن أفكّر فيها، وأحلام يجب أن أحقّقها. 

    وهكذا أمضيت الليالي وأنا أحتضن رعبها، وأغنّي لتوتّرها كما كانت أمّي تغنّي لها، لعلّها تهدأ وتنام. وحين توصّلت بعد أعوام إلى إشراكها في لعبة الصمت، لم يعترف لي أحد بالنجاح، وظنّ الجميع أنّ الأدوية الملوّنة والصدمات الكهربائية فعلت فعلها أخيرًا.

    أعوام الصمت لم تكن كلّها صمتًا. كانت تفلت منّي أحيانًا ابتسامات أحار أنا نفسي في فهم أسبابها، ولكنّها كانت تمرينًا جيّدًا لوجهي المتيّبس من انحسار الحنان بعد رحيل أمّي.

    عندما ماتت تلك المرأة التي لا أذكرها إلّا منكسرة النفس، اكتشفت أنّني سأشتاق إلى البيت الذي لن أعود إلى زيارته. كأنّ أمّي هي بوّابة البيت. وبغيابها النهائيّ لم يبق ممكنًا الدخول إلى الغرف الأنيقة والسرير الدافئ، واستنشاق العطر الذي لا يوجد إلّا حيث تكون. وحين كنت أزور البيت في مناسبات متباعدة كنت أتزوّد الألوان والروائح وملمس الأشياء. وهناك في المصحّ حيث كلّ شيء أبيض مريض، ورائحة النظافة تحاول أن تلغي خصوصيّة كلّ واحد منّا، كنت أنعزل وأستعيد ألوان المقاعد المتعبة، ورائحة الأغطية الحنون، وخشونة الجدران العتيقة، وأشعر بأنّ أمّي هي الوحيدة التي فهمت صمتي ودخلت فيه من دون أن تزعجه.

    يوم ماتت أمّي كانت جميلة وحزينة. أعرف ذلك ولو لم أشهد عليه. أعرفه كما عرفت أنّها ماتت من غير أن يخبرني أحد أو أسأل أحدًا. ويوم متّ أنا كنت بشعة وغريبة. ولكن ما يعزّيني هوأنّي لم أكن أنا. وحين كنت أنظر إلى النعش البنيّ الذي سُجّيت فيه، في انتظار وصول أفراد قلائل من الذين تذكّروا وجودي، كنت أراقب وجهًا غريبًا لم أعتده طيلة عشرين عامًا من إقامتي في المصحّ. إقامة؟ لا أعرف لماذا أستعمل هذه الكلمة وكأنّي كنت أنزل في فندق فخم لا رغبة لي في مغادرته. لم أكن أملك في الحقيقة أدنى رغبة في الخروج من المصحّ الذي لا يشبه الفندق. فهو مكان كسواه. كنت أريد الخروج منها هي. لقد تعبت من الاهتمام بها.

    في البداية لم يعنني المكان إلى الحدّ الذي كان يظنّه الذين حولي. لا لأنّي لم أعِ وجودي فيه، وما يحوطني من مآس وأمراض نفسيّة كانت تبكيني على أصحابها. بل لأنّي كنت أعتبر أنّ مروري من هنا لن يطول وسأغادر قريبًا هذا المكان الذي لم يستطع أحد أن يحزر سبب دخولي إليه. لا. هذه ليست الحقيقة. أمّي كانت تعلم، وأنا كنت أعلم، والأخرى التي أقيم في جسدها كانت تعلم. ولكننا صمتنا ولم نخبر أحدًا، وقبلنا الإقامة في هذا المكان في انتظار أن يصدّق الآخرون، كما صدّقت أمّي أنّي اثنتان. وأنّ هذا الأمر طبيعيّ جدًّا، ولشدّة ما هو طبيعيّ اعتبره الجميع، ما عدا أمّي، غير طبيعيّ ومرفوضًا.

    في البداية لم يعنني المكان، ولا الزمان الذي يتجمّد لحظة يعبر الحيطان المرفوعة. ولم أخف فعلًا إلّا حين فقدت القدرة على استعادة الألوان التي بهتت في ذاكرتي، والرائحة التي لم تكن لتعود إليّ إلّا في الحلم. ومنذ ذلك الوقت وأنا أنتظر.

    كنت سعيدة في الكنيسة الخالية إلّا من وجوه حائرة بين التأثّر واللامبالاة، والباردة لولا جمرة تحاول أن تغفو فتوقظها حبيبات من البخور تعيد إلى ذاكرتي المتعبة رائحة البيت حين كانت أمّي تحاول أن تطرد عنّي الأرواح التي تريد احتلال عقلي وجسدي، قبل أن تصدّق أن لا علاقة للأرواح الخبيثة بالأفكار التي تضجّ في رأسي والمشاعر التي تصطرع في قلبي، والتي لم يكن الزمن الذي عشت فيه زمنها، ولا المكان مكانها. فرضخت أمّي ورضيت بالأخرى التي أقيم فيها وصارت تستقبلها كما تستقبلني، كأنّها تحاول استرضاءها خوفًا عليّ منها, وتعلّمت مع الوقت كيف تحبّها كأنّها ابنتها. 

    ولو كانت اليوم في وداعها لوضعت على نعشها زهرة. ولكانت الزهرة الوحيدة.

    كنت أقف شابّة جديدة وحرّة، وكانت الأخرى في الجسد الذي أغلق عليه النعش عجوزًا أتعبها الصراخ المحنوق وشوّهها الزمن البطيء. ومرّة أخرى عجزت عن أن أثبت لهم أّنّنا اثنتان، ولا علاقة لي بها سوى أنّي محكومة بالإقامة في جسمها العاجز. مرّة أخرى رحلت إلى المكان الأبيض ولم أجد الكلمات الواضحة. مرّة أخرى خانتني، هي، وانتقمت منّي. فجسدها البارد الآن لن يسمح لي ولو بابتسامة باهتة بلهاء على وجه متيبّس، يشتاق إلى قبلات تساقطت عن شجرة العمر مع رحيل أمّي. أمّي التي لم أعرف أحيانًا من كانت تقبّل فينا.

    لم يجد الكاهن ما يقوله في عظته. أنا نفسي لم أجد طيلة حياتي الكلمات التي تستطيع حمل ما أشتهي قوله. الآخرون الحاضرون كانوا على عجلة من أمره. أنا نفسي كم استعجلت الخروج من الأبيض الضبابيّ وها هو أبيض الساتان الرخيص ينتظرني. السرير في المصحّ متلهّف لاستقبال سواي. أنا نفسي كنت أرغب في الرحيل، في النسيان، في منح الذاكرة أخيرًا متعة الكسل والتثاؤب بلا تفكير، بلا تحليل، بلا انتظار.

    الشمعة في زاوية الكنيسة ترقص رقصتها الأخيرة. في استطاعتي الآن أن أمشي صوبها. منذ زمن بعيد لم أحتفل بعيد ميلادي. هل كنّا عهدذاك نحتفل بأعياد ميلادنا أم هي ذاكرتي تختلط عليها الأمور؟ انحنيت على الشمعة الهزيلة. أغمضت عينيّ وفكّرت في أمنية. جمعت الهواء في رئتيّ. نفخت في قوّّة ادّخرتها طيلة تلك الأعوام. انطفأت الشمعة. وفي الظلام الذي حلّ فجأة شعرتُ بتعب شديد، وأردت أن أنام إلى جانبها في النعش البسيط. رغبت في أن أغفو وأنا أحتضن كهولتها المستسلمة، ولكنّ الرجال أسرعوا في حملها وغادروا.

    مسكينة أمّي.

     

الأربعاء، 17 يناير 2024

لا تصدّقوا مسيحيًّا يبيع أرضه

      كان أجدادنا الموارنة يردّدون مثلًا يقول: "من القلّوسة للقلّوسة ، إيّامنا بتكون منحوسة" ومعناه أنّ الطقس يكون عاصفًا من عيد مار أنطونيوس أبي الرهبان في 17 كانون الثاني حتى عيد مار مارون في التاسع من شباط (والإثنان كانا يعتمران القلنسوة ، القلّوسة) (وبينهما مار افرام السرياني)

     لذلك وبسبب النحس غير المتأتي من الطقس والبرد، 

    وفي مناسبة عيد مار انطونيوس الكبير اليوم ولغاية عيد مار مارون أنشر سلسلة مقالات (قديمة وحديثة) عن الأيام المارونيّة المنحوسة

     على رجاء أن تعود المارونيّة لاعتمار القلنسوة الرهبانيّة التي صنعت مجدهم ورسمت هويّتهم 

                              نصّ رقم ١  

          لا تصدّقوا مسيحيًّا لبنانيًّا يبيع أرضه 

            صحيفة النهار - 5 آب 2009 

     لا تصدّقوا مغتربًا مسيحيًّا عائدًا إلى ربوع الوطن بعد طول غياب ليقول لكم إنّه يحبّ لبنان، ويتابع أخباره، ويقلق على مستقبله، ويؤسفه ما آلت إليه أوضاع أبنائه المسيحيّين... لا تصدّقوه لأنّكم حين تسألونه إن كان يملك قطعة أرض في لبنان، سيجيبكم في حزم لا يقبل النقاش: لبنان يصلح لشمّ الهوا والعطلة والسياحة، أما الحياة فيه فلا تطاق بسبب الفوضى والفساد، فضلاً عن أنّ مصير المسيحيّين فيه إلى زوال.

     ولا تصدّقوا إعلاميًّا مسيحيًّا يحاور ويناور ويسأل ويتّهم ويعارض، وكلّ ذلك في سبيل الوطن وحريّة الكلمة وحقوق المواطنين ومستقبل المسيحيّين. لا تصدّقوه لأنّكم حين تسألونه إن كان يملك في أرض لبنان أمتارًا من التراب توازي عدد ربطات عنقه أو ساعات يده أو قمصانه أو جواربه أو اللوحات التي تصوّر مشاهد من بلده الحبيب، سوف يجيبكم بثقة من يعرف كلّ شيء: الإطلالات الإعلاميّة والعلاقات العامّة تفرض نمط حياة خاصًّا، ولا يمكن التوفيق ما بين البذخ على الحياة الاجتماعية وشراء الأراضي، ثمّ حين أقرّر شراء عقار فسيكون شقّة باريسيّة أو نيويوركيّة.

     ولا تصدّقوا مدرّسًا مسيحيًّا يعلّم تلامذته محبّة الوطن ويعطيهم دروسًا في المواطنيّة، ويجبرهم على حفظ النشيد الوطنيّ، وتقديم مسرحيّة من وحي عيد الاستقلال، وموضوعات إنشائيّة في ضرورة التضحية في سبيل لبنان. لا تصدّقوه لأنّكم حين ستسألونه إن كان حافظ على قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه وجدّه سيقول لكم وهو يهزّ رأسه علامة الأسى: كان عليّ أن أبيعها لأرسل الأولاد إلى أميركا وفرنسا كي يتابعوا دروسهم، فالحياة هنا لا تبشّر بالخير، والمستقبل غامض.

     ولا تصدّقوا رجل دين مسيحيًّا حين يعظ عن ضرورة التمسّك بأرض الشهداء والقدّيسين، ويصرخ فيكم من أعلى منبر كي تتحمّلوا الظلم والاضطهاد على مثال من سبقكم على هذه الأرض، لا تصدّقوه لأنّكم إن سألتموه عن عقارات الوقف التي بيعت فسيحاول أن يقنعكم بأنّ بيع الأراضي خطّة ذكيّة من وحي السماء ولن يفهم أهل الأرض أبعادها لقسوة قلوبهم وغباء عقولهم.

     ولا تصدقوا رئيس مدرسة مسيحيًّا حين يقول لكم لا تخافوا أنا معكم وإلى جانبكم كي تعلّموا أولادكم وكي يبقوا في هذه الأرض. لا تصدّقوه لأنّكم حين تعجزون عن دفع القسط سيطلب منكم أن تبيعوا أرضكم كي يبقى أولادكم في صفوف تعلّمهم قصائد وطنيّة تدعو إلى التعلّق بالأرض.

ولا تصدّقوا محازبًا مسيحيًّا يصرخ بأعلى صوته بأنّه مع هذا الزعيم ويفديه بالدم والروح أو مع ذلك القائد فيعادي كلّ الناس من أجله، لا تصدّقوه لأنّه باع أرضه كي يشتري سيّارة لابنه ويقيم عرسًا لابنته، فمن كان في مثل مركزه (وهو مجرّد محازب صغير مجهول لم يقرأ في حياته الحزبيّة مقالة سياسيّة أو يستمع إلى خطاب قائده) لا يجوز له أن يبهدل أولاده فيحرمهم متعة قيادة سيّارة سريعة أو إقامة حفل زفاف أسطوريّ.

     لا تصدّقوا كلام مواطن مسيحيّ لا يملك قطعة أرض في وطنه مهما قال عن تعلّقه بلبنان. ولا تصدّقوا أنّ المسيحيين اللبنانيّين مجبرون على بيع أرزاقهم لأنّهم في حاجة إلى المال، ولا تصدّقوا أنّ المسيحيّ اللبنانيّ لا يستطيع أن يشتري قطعة أرض صغيرة في أيّ جرد لبنانيّ ليبقى له موطئ قدم في هذا الوطن. فلو أراد المسيحيّ لكان اشترى عددًا من حبّات التراب تفوق عدد حبّات البرغل في الكبّة والتبّولة اللتين لا تغيبان عن مائدته، ولاشترى كميّات من الهواء النظيف تفوق ما ينفثه من دخان سيكاره وأركيلته، ولاشترى أشجار زيتون أكثر بكثير من عدد قطع الحليّ في يد زوجته وعنق صديقته وأصابع ابنته. لو أراد اللبنانيّ المسيحيّ لكانت الأرض له، ولما وقف على أبواب السفارات والدول يتسوّل الكرامة والبقاء. 

(نشر النصّ في صحيفة النهار بعنوان: لا تصدّقوا هؤلاء)

#ماري_القصّيفي

#الموارنة_مرّوا_من_هنا_جزء_٢

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.